البيان و التبيين - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
321 /
155

و كان يقال: «عقل الرجل مدفون تحت لسانه» .

أبو الحسن: قال: قال الحسن: «لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام تفكر، فإن كان له قال، و إن كان عليه سكت. و قلب الجاهل من وراء لسانه، فإن همّ بالكلام تكلم به له أو عليه» .

قال أبو عبيدة: قال أبو الوجيه: حدثني الفرزدق قال: كنا في ضيافة معاوية بن أبي سفيان، و معنا كعب بن جعيل التغلبي، فقال له يزيد: إن ابن حسان-يريد عبد الرحمن بن حسان-قد فضحنا!فاهج الأنصار. قال: أ رادّي أنت إلى الإشراك بعد الإيمان، لا أهجو قوما نصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لكني أدلك على غلام منا نصراني كأن لسانه لسان ثور. يعني الأخطل.

و قال سعد بن أبي وقاص، لعمر ابنه حين نطق مع القوم فبذّهم، و قد كانوا كلموه في الرضا عنه. قال: هذا الذي أغضبني عليه، إني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: «يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم، كما تلحس الأرض البقرة بلسانها» .

قال: و قال معاوية لعمرو بن العاص: «يا عمرو، إن أهل العراق قد أكرهوا عليّا على أبي موسى، و أنا و أهل الشام راضون بك، و قد ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي، فأجد الحز، و طبق المفصل، و لا تلقه برأيك كله» .

و العجب من قول ابن الزبير للأعراب: «سلاحكم رث، و حديثكم غث. و كيف يكون هذا و قد ذكروا أنه كان من أحسن الناس حديثا، و أن أبا نضرة و عبيد اللّه بن أبي بكرة إنما كانا يحكيانه. فلا أدري إلا أن يكون حسن حديثه هو الذي ألقى الحسد بينه و بين كلّ حسن الحديث.

و قد ذكروا أن خالد بن صفوان تكلم في بعض الأمر، فأجابه رجل من أهل المدينة بكلام لم يظن خالد أن ذلك الكلام كان عنده، فلما طال بهما المجلس كأن خالدا عرض له ببعض الأمر، فقال المدني: «يا أبا صفوان، ما لي من ذنب إلا اتفاق الصناعتين» . ذكر ذلك الأصمعي.

156

قال فضّال الأزرق: قال رجل من بني منقر: تكلم خالد بن صفوان في صلح بكلام لم يسمع الناس قبله مثله، فإذا أعرابي في بتّ‏ (1) ، ما في رجليه حذاء، فأجابه بكلام وددت و اللّه أني كنت متّ و إن ذلك لم يكن، فلما رأى خالد ما نزل بي قال: يا أخا منقر، كيف نجاريهم، و إنما نحكيهم، و كيف نسابقهم و إنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم، فليفرخ روعك فإنه من مقاعس، و مقاعس لك. فقلت: يا أبا صفوان، و اللّه ما ألومك على الأولى، و لا أدع حمدك على الأخرى.

قال أبو اليقظان: قال عمر بن عبد العزيز: «ما كلمني رجل من بني أسد إلا تمنيت أن يمد له في حجته حتى يكثر كلامه فأسمعه» .

و قال يونس بن حبيب‏ (2) : ليس في بني أسد إلا خطيب، أو شاعر، أو قائف، أو زاجر، أو كاهن، أو فارس. قال: و ليس في هذيل إلا شاعر أو رام، أو شديد العدو.

الترجمان بن هريم بن عدي بن أبي طحمة (3) قال: دعي رقبة بن مصقلة، أو كرب بن رقبة إلى مجلس ليتكلم فيه، فرأى مكان أعرابي في شملة، فأنكر موضعه، فسأل الذي عن يمينه عنه فخبره أنه الذي أعدوه لجوابه، فنهض مسرعا لا يلوي على شي‏ء، كراهة أن يجمع بين الديباجتين فيتضع عند الجميع.

و قال خلاد بن يزيد: لم يكن أحد بعد أبي نضرة أحسن حديثا من سلم ابن قتيبة. قال: و كان يزيد بن عمر بن هبيرة يقول: احذفوا الحديث كما يحذفه سلم بن قتيبة.

____________

(1) البت: كساء غليظ.

(2) يونس بن حبيب الضبي: عالم بالنحو و اللغة، أخذ عنه سيبويه و الكسائي و الفراء و أبو عبيدة و أبو زيد، توفي سنة 182 هـ.

(3) الترجمان بن هريم بن عدي بن أبي طحمة: عامل الأمويين على الأهواز.

157

و يزعمون أنهم لم يروا محدثا قط صاحب آثار كان أجود حذفا و أحسن اختصارا للحديث من سفيان بن عيينة (1) . سألوه مرة عن قول طاوس في ذكاة الجراد، فقال: ابنه عنه: «ذكاته‏ (2) صيده» .

[مديح قوة العارضة]

و كانوا يمدحون شدة العارضة، و قوة المنة، و ظهور الحجة، و ثبات الجنان، و كثرة الريق، و العلو على الخصم، و يهجون بخلاف ذلك.

قال الشاعر:

طباقاء لم يشهد خصوما و لم يعش # حميدا و لم يشهد حلالا و لا عطرا

و قال أبو زبيد الطائيّ:

و خطيب إذا تمعرت الأو # جه يوما في مأقط مشهود (3)

طباقاء، يقال للبعير إذا لم يحسن الضراب: جمل عياياء، و جمل طباقاء. و هو هاهنا للرجل الذي لا يتجه للحجة. الحلال: الجماعات.

و يقال حي حلال إذا كانوا متجاورين مقيمين. و العطر هنا: العرس المأقط: الموضع الضيق، و المأقط: الموضع الذي يقتتل فيه. و قال نافع بن خليفة الغنوي:

و خصم لدى باب الأمير كأنهم # قروم فشا فيها الزوائر و الهدر

دلفت لهم دون المنى بملمة # من الدرّ في أعقاب جوهرها شذر

إذا القوم قالوا أدن منها وجدتها # مطبّقة يهماء ليس لها خصر

القروم: الجمال المصاعب. الزوائر: الذين يزئرون. و الهدر: صوته عند هيجه، و يقال له الهدير. دلفت، أي نهضت نهوضا رويدا. و الدليف:

____________

(1) سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي محدث ثقة توفي سنة 197 هـ.

(2) الذكاة: الذبح.

(3) تمعر: تغير و اصفر.

158

المشي الرويد. قوله أدن منها، أي قللها و اختصرها. وجدتها مطبقة، أي قد طبقتهم بالحجة. و اليهماء: الأرض التي لا يهتدى فيها الطريق. و يهماء هاهنا، يعني التي لا يهتدي إليها و يضل الخصوم عندها، (و الأيهم من الرجال: الحائر الذي لا يهتدي لشي‏ء. و أرض يهماء، إذا لم يكن فيها علامة) .

و قال الأسلع بن قصاف الطّهويّ:

فداء لقومي كل معشر حارم # طريد و مخذول بما جرّ مسلم‏ (1)

هم أفحموا الخصم الذي يستقيدني # و هم فصموا حجلي و هم حقنوا دمي‏ (2)

بأيد يفرّجن المضيق و ألسن # سلاط و جمع ذي زهاء عرمرم

إذا شئت لم تعدم لدى الباب منهم # جميل المحيا واضحا غير توأم‏

الزهاء: الكثرة، هاهنا. و العرموم من العرامة، و هي الشراسة و الشدة.

التوأمان: الأخوان المولودان في بطن.

و قال التميميّ في ذلك:

أ ما رأيت الألسن السلاطا # إن الندى حيث ترى الضغاطا (3)

و الجاه و الأقدام و النشاطا

ذهب في البيت الأخير إلى قول الشاعر:

يسقط الطير حيث ينتثر الحـ # بّ و تغشى منازل الكرماء

و إلى قول الآخر:

يرفضّ عن بيت الفقير ضيوفه # و ترى الغنى يهدي لك الزوارا

____________

(1) جر: جنى جناية. المسلم: الذي أسلمه قومه.

(2) يستقيده: يطلب القود منه. فصموا: كسروا. حجلا القيد: حلقتاه.

(3) الضغاط: الزحام. يعني أن الزحام حيث ترى الكرم.

159

و أنشدوا في المعنى الأول:

و خطيب قوم قدموه أمامهم # ثقة به متخمّط تيّاح

جاوبت خطبته فظل كأنه # لما خطبت مملّح بملاح‏

المتخمط: المتكبر مع غضب. و التياح المتيح: الذي يعرض في كل شي‏ء و يدخل فيما لا يعنيه. و قوله مملّح بملاح، أي متقبّض كأنه ملح من الملح.

و أنشد أيضا:

أرقت لضوء برق في نشاص # تلألأ في مملأة غصاص‏

النشاص: السحاب الأبيض المرتفع بعضه فوق بعض، و ليس بمنبسط.

تلألأ، التلألؤ: ظهور البرق في سرعة. مملأة بالماء غصاص: قد غصت بالماء.

لواقح دلّح بالماء سحم # تمج الغيث من خلل الخصاص‏

اللواقح: التي قد لقحت من الريح. و الدلح: الدانية الظاهرة المثقلة بالماء. سحم: سود. و الخصاص، هاهنا: خلل السحاب.

سل الخطباء هل سبحوا كسبحي # بحور القول أو غاصوا مغاصي

لساني بالنثير و بالقوافي # و بالأسجاع أمهر في الغواص‏

(النثير: الكلام المنثور. القوافي: خواتم أبيات الشعر. الأسجاع:

الكلام المزدوج على غير وزن) .

من الحوت الذي في لجّ بحر # مجيد الغوص في لجج المغاص

لعمرك إنني لأعف نفسي # و أستر بالتكرم من خصاصي‏ (1)

____________

(1) الخصاص: هنا الفقر و الحاجة.

160

و أنشد لرجل من بني ناشب بن سلامة بن سعد بن مالك بن ثعلبة:

لنا قمر السماء و كل نجم # يضي‏ء لنا إذا القمران غارا (1)

و من يفخر بغير ابني نزار # فليس بأول الخطباء جارا (2)

و أنشد للأقرع‏ (3) :

إني امرؤ لا أقيل الخصم عثرته # عند الأمير إذا ما خصمه ظلعا

ينير وجهي إذا جد الخصام بنا # و وجه خصمي تراه الدهر ملتمعا (4)

و أنشد:

تراه بنصري في الحفيظة واثقا # و إن صدّ عني العين منه و حاجبه

و إن خطرت أيدي الكماة وجدتني # نصورا إذا ما استيبس الريق عاصبه‏

عاصبه: يابسه، يعتصم به حتى يتم كلامه. الكماة: جمع كميّ، و الكميّ الرجل المتكمّي بالسلاح، يعني المتكفر به المتستر. و يقال كمى الرجل شهادته يكميها، إذا كتمها و سترها. و قال ابن أحمر و ذكر الريق و الاعتصام به:

هذا الثناء و أجدر أن أصاحبه # و قد يدوّم ريق الطامع الأمل‏

و قال الزبير بن العوام، و هو يرقّص عروة ابنه:

أبيض من آل أبي عتيق # مبارك من ولد الصدّيق

ألذه كما ألذ ريقي‏

____________

(1) القمران: الشمس و القمر.

(2) ابنا نزار: ربيعة و مضر.

(3) الأقرع القشيري: الأشيم بن معاذ بن سنان، و قيل معاذ بن كليب بن حزن، عاش في عهد هشام بن عبد الملك الخليفة الاموي، و له نقائض مع جعفر بن علبة الحارثي اللص.

(4) التمع لونه: ذهب و تغير.

161

و قالت امرأة من بني أسد:

ألا بكر الناعي بخير بني أسد # بعمرو بن مسعود و بالسيد الصمد

فمن كان يعيا بالجواب فإنه # أبو معقل لا حجر عنه و لا صدد

أثاروا بصحراء الثوية قبره # و ما كنت أخشى إن تناءى به البلد

تناءى: تبعد. و الثوية: موضع بناحية الكوفة. و من قال الثوية فهي تصغير الثوية.

و قال أوس بن حجر في فضالة بن كلدة:

أبا دليجة من يوصي بأرملة # أم من لأشعث ذي طمرين طملال

أم من يكون خطيب القوم إن حفلوا # لدى الملوك أولي كيد و أقوال‏

و «هدمين: و هما ثوبان خلقان. يقال ثوب أهدام، إذا كان خلقا.

و الطملال: الفقير. و قال أيضا فيه:

أ لهفي على حسن آلائه # على الجابر الحي و الحارب

و رقبته حتمات الملو # ك بين السّرادق و الحاجب‏ (1)

و يكفي المقالة أهل الدحا # ل غير معيب و لا عائب‏ (2)

رقبته، أي انتظاره إذن الملوك. و جعله بين السرادق و الحاجب ليدل على مكانته من الملوك. و أنشد أيضا:

و خصم غضاب ينغضون رءوسهم # أولي قدم في الشغب صهب سبالها (3)

ضربت لهم أبط الشمال فأصبحت # يردّ غواة آخرين نكالها

ابط الشمال، يعني الفؤاد، لأنه لا يكون إلا في تلك الناحية. و قال شتيم بن خويلد (4) :

____________

(1) الحتمات: جمع حتمة: بمعنى القضاء.

(2) الدحال: المراوغة و المخادعة.

(3) نغض رأسه: حركه. الصهب السبال: كناية عن الأعداء. الصهبة: الشقرة و الحمرة.

(4) شتيم بن خويلد الفزاري: شاعر جاهلي مغمور.

162

و قلت لسيدنا يا حليـ # م إنك لم تأس أسوا رفيقا

أعنت عديا على شأوها # تعادي فريقا و تبقي فريقا

زحرت بها ليلة كلها # فجئت بها مؤيدا خنفقيقا

تأسو: تداوي، أسوا و أسى، مصدران. و الآسي: الطبيب. و مؤيد:

داهية. خنفقيق: داهية أيضا. الشأو: الغلوة لركض الفرس.

و أنشد لآدم مولى بلعنبر، يقولها لابنه:

يا بأبي أنت و يا فوق البئب # يا بأبي خصيك من خصي و زب

أنت الحبيب و كذا قول المحب # جنبك اللّه معاريض الوصب

حتى تفيد و تداوي ذا الجرب # و ذا الجنون من سعال و كلب

و الحدب حتى يستقيم ذو الحدب # و تحمل الشاعر في اليوم العصب

على مباهير كثيرات التعب # و إن أراد جدل صعب أرب

خصومة تثقب أوساط الركب # أظلعته من رتب إلى رتب

حتى ترى الأبصار أمثال الشهب # يرمى بها أشوس ملحاح كلب

مجرب الشدات ميمون مذبّ‏

الوصب: المرض. و العصب: الشديد. يقال يوم عصب و عصيب و عصبصب، إذا كان شديدا. مباهير: متاعيب قد علاهم البهر. أرب، يقال رجل أريب و أرب، و له أرب، إذا كان عاقلا أديبا حازما. أظلعته يقال ظلع الرجل، إذا خمع في مشيه. الرتبة: واحدة الرتب و الرتبات، و هي الدرج.

أي تخرجه من شي‏ء إلى شي‏ء. و الأشوس: الذي ينظر بمؤخر عينه.

ملحاح: ملح، من الإلحاح على الشي‏ء. كلب، أي الذي قد كلب.

مذب. أي يذب عن حريمه و عن نفسه.

و قالت ابنة وثيمة، ترثي أباها وثيمة بن عثمان:

الواهب المال التلا # د ندى و يكفينا العظمه

و يكون مدرهنا إذا # نزلت مجلحة عظيمه‏

163

و احمر آفاق السما

ء و لم تقع في الأرض ديمه # و تعذّر الآكال حتى

كان أحمدها الهشيمه # لا ثلة ترعى و لا

إبل و لا بقر مسيمه # ألفيته مأوى الأرا

مل و المدفّعة اليتيمه # و الدافع الخصم الألدّ

إذا تفوضح في الخصومه # بلسان لقمان بن عا

د و فصل خطبته الحكيمه # ألجمتهم بعد التدا

فع و التجاذب في الحكومه‏

التلاد: القديم من المال. و الطارف: المستفاد. و المدرة: لسان القوم المتكلم عنهم. مجلحة، أي داهية مصممة. احمرّ آفاق السماء، أي اشتد البرد و قل المطر و كثر القحط. و ديمة: واحدة الديم، و هي الأمطار الدائمة مع سكون. تعذر: تمنع. الآكال: جمع أكل، و هو ما يؤكل. و الهشيمة: ما تهشم من الشجر، أي وقع و تكسر. الثلة: الضأن الكثيرة، و لا يقال للمعزى ثلة، و لكن حيلة، فإذا اجتمعت الضأن و المعزى قيل لهما ثلة. مسيمة، أي صارت في السوم و دخلت فيه، و السوم: الرعي. و سامت تسوم، أي رعت ترعى. و منه قول اللّه: وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ .

[لقمان بن عاد]

و كانت العرب تعظم شأن لقمان بن عاد (1) الأكبر و الأصغر لقيم بن لقمان في النباهة و القدر، و في العلم و الحكم، و في اللسان و الحلم. و هذان غير لقمان الحكيم المذكور في القرآن على ما يقوله المفسرون. و لارتفاع قدره و عظم شأنه، قال النمر بن تولب:

لقيم بن لقمان من أخته # فكان ابن أخت له و ابنما

____________

(1) لقمان بن عاد، ورد ذكره في القرآن، قيل إنه عبد حبشي لرجل من بني إسرائيل، أعتقه و عاش في زمن داود. و قيل إنه حر و اسمه لقمان بن باعورا، و قيل إنه ابن أخت أيوب أو ابن خالته.

164

ليالي حمّق فاستحصنت # عليه فغر بها مظلما

فغرّ بها رجل محكم # فجاءت به رجلا محكما

و ذلك أن أخت لقمان قالت لإمرأة لقمان: إني امرأة محمقة، و لقمان رجل محكم منجب، و أنا في ليلة طهري، فهبي لي ليلتك. ففعلت فباتت في بيت امرأة لقمان، فوقع عليها فأحبلها بلقيم، فلذلك قال النمر بن تولب ما قال:

و المرأة إذا ولدت الحمقى فهي محمقة، و لا يعلم ذلك حتى يرى ولد زوجها من غيرها أكياسا.

و قالت امرأة ذات بنات:

و ما أبالي أن أكون محمقه # إذا رأيت خصية معلّقه‏

و قال آخر:

أزرى بسعيك أن كنت امرأ حمقا # من نسل ضاوية الأعراق محماق‏

ضاوية الأعراق، أي ضعيفة الأعراق نحيفتها. يقال رجل ضاو، و فيه ضاوية، إذا كان نحيفا قليل الجسم. و جاء في الحديث: «اغتربوا لا تضووا» . أي لا يتزوج الرجل القرابة القريبة، فيجي‏ء ولده ضاويا. و الفعل منه ضوي يضوى ضوى. و الأعراق: الأصول. و المحماق: التي عادتها أن تلد الحمقى.

و لبغضهم البنات قالت إحدى القوابل:

أيا سحاب طرّقي بخير # و طرّقي بخصية و أير (1)

و لا ترينا طرف البظير

____________

(1) طرقت المرأة: نشب ولدها و لم يسهل خروجه.

165

و قال الآخر (1) في إنجاب الأمهات، و هو يخاطب بني أخوته:

عفاريتا عليّ و أخذ مالي # و عجزا عن أناس آخرينا

فهلا غير عمكم ظلمتم # إذا ما كنتم متظلمينا

فلو كنتم لكيّسة أكاست # و كيس الأم أكيس للبنينا

و لكن أمكم حمقت فجئتم # غثاثا ما نرى فيكم سمينا

و كان لنا فزارة عمّ سوء # و كنت له كشر بني الأخينا

و لبغض البنات هجر أبو حمزة الضبّي خيمة امرأته، و كان يقيل و يبيت عند جيران له، حين ولدت امرأته بنتا، فمرّ يوما بخبائها و إذا هي ترقصها و تقول:

ما لأبي حمزة لا يأتينا # يظل في البيت الذي يلينا

غضبان ألا نلد البنينا # تاللّه ما ذلك في أيدينا

و إنما نأخذ ما أعطينا # و نحن كالأرض لزارعينا

ننبت ما قد زرعوه فينا

قال: فغدا الشيخ حتى ولج البيت فقبل رأس امرأته و ابنتها.

و هذا الباب يقع في كتاب الإنسان، و في فصل ما بين الذكر و الأنثى، تاما، و ليس هذا الباب مما يدخل في باب البيان و التبيين، قد يجري السبب فيجري معه بقدر ما يكون تنشيطا لقارئ الكتاب، لأن خروجه من الباب إذا طال لبعض العلم، كان ذلك أروح على قلبه، و أزيد في نشاطه إن شاء اللّه.

و قد قال الأول في تعظيم شأن لقيم بن لقمان:

قومي أصبحيني فما صيغ الفتى حجرا # لكن رهينة أحجار و أرماس

قومي اصبحيني فإن الدهر ذو غير # أفنى لقيما و أفنى آل هرماس‏ (2)

____________

(1) إنه رافع بن هريم، شاعر جاهلي مخضرم، أدرك الإسلام و أسلم.

(2) الهرماس: نهر نصيبين. اصبحيني، الصبوح: شرب الصباح.

166

اليوم خمر و يبدو في غد خبر # و الدهر من بين إنعام و ابآس

فاشرب على حدثان الدهر مرتفعا # لا يصحب الهم قرع السن بالكاس‏

و قال أبو الطمحان القينيّ‏ (1) في ذكر لقمان:

إن الزمان و لا تفنى عجائبه # فيه تقطع ألاّف و أقران

أمست بنو القين أفراقا موزعة # كأنهم من بقايا حيّ لقمان‏

و قد ذكرت العرب هذه الأمم البائدة، و القرون السالفة. و لبعضهم بقايا قليلة، و هم أشلاء في العرب متفرقون مغمورون، مثل جرهم و جاسم و وبار، و عملاق، و أميم، و طسم و جديس، و لقمان و الهرماس، و بني الناصور و قيل بن عتر، و ذي جدن. و قد يقال في بني الناصور إن أصلهم من الروم، فأما ثمود فقد خبر اللّه عز و جل عنهم فقال: و ثمودا فما أبقى، و قال: فهل ترى لهم من باقية. فأنا أعجب من مسلم يصدق بالقرآن، يزعم أن قبائل العرب من بقايا ثمود.

و كان أبو عبيدة يتأول قوله: وَ ثَمُودَ فَمََا أَبْقى‏ََ ، إن ذلك إنما وقع على الأكثر، و على الجمهور الأكبر. و هذا التأويل أخرجه من أبي عبيدة سوء الرأي في القوم، و ليس له أن يجي‏ء إلى خبر عام مرسل غير مقيد و خبر مطلق غير مستثنى منه، فيجعله خاصا كالمستثنى منه. و أي شي‏ء بقي لطاعن أو متأول بعد قوله: فَهَلْ تَرى‏ََ لَهُمْ مِنْ بََاقِيَةٍ . فكيف يقول ذلك إذا كنا نحن قد نرى منهم في كل حي باقية. معاذ اللّه من ذلك.

و رووا أن الحجاج قال على المنبر يوما: تزعمون أنّا من بقايا ثمود، و قد قال اللّه عز و جل: وَ ثَمُودَ فَمََا أَبْقى‏ََ .

فأما الأمم البائدة من العجم، مثل كنعان و يونان و أشباه ذلك، فكثير و لكن العجم ليس لها عناية بحفظ شأن الأموات و لا الأحياء.

____________

(1) أبو الطمحان: حنظلة بن الشرق، شاعر جاهلي أدرك الإسلام و أسلم.

167

و قال المسيّب بن علس، في ذكر لقمان:

و إليك أعملت المطية من # سهل العراق و أنت بالفقر

أنت الرئيس إذا هم نزلوا # و تواجهوا كالأسد و النمر

لو كنت من شي‏ء سوى بشر # كنت المنور ليلة البدر

و لأنت أجود بالعطاء من الـ # ريان لما جاد بالقطر

و لأنت أشجع من أسامة إذ # نقع الصراخ ولج في الذعر (1)

و لأنت أبين حين تنطق من # لقمان لما عيّ بالأمر

و قال لبيد بن ربيعة الجعفري:

و اخلف قسا ليتني و لو أنني # و أعيا على لقمان حكم التدبر

فإن تسألينا كيف نحن فإننا # عصافير من هذا الأنام المسحّر

السحر: الرئة. و المسحر: المعلل بالطعام و الشراب. و المسحر: المخدوع كما قال إمرؤ القيس:

أرانا موضعين لأمر غيب # و نسحر بالطعام و بالشراب‏

أي نعلل. فكأنا نخدع و نسحر بالطعام و الشراب.

و قال الفرزدق:

لئن حومتي هابت معدّ حياضها # لقد كان لقمان بن عاد يهابها

و قال الآخر (2) :

إذا ما مات ميت من تميم # فسرك أن يعيش فجى‏ء بزاد

بخبز أو بلحم أو بتمر # أو الشي‏ء الملفف في البجاد (3)

تراه يطوّف الآفاق حرصا # ليأكل رأس لقمان بن عاد

____________

(1) نقع الصراخ: ارتفع.

(2) نسبت الأبيات ليزيد بن الصعق الكلابي، كما نسبت لأبي مهوش الفقعسي.

(3) البجاد: الكساء.

168

و قال أفنون التغلبي:

لو أنني كنت من عاد و من إرم # ربيت فيهم و لقمان و ذي جدن‏

و قال الآخر (1) :

ما لذة العيش و الفتى # للدهر و الدهر ذو فنون

أهلك طسما و قبل طسم # أهلك عادا و ذا جدون

و أهل جاس و مأرب بعـ # د حيّ لقمان و التقون

و اليسر للعسر، و التغنّي # للفقر، و الحي للمنون‏

[ذم فضول الكلام و مدح الصمت‏]

قال: و هم و إن كانوا يحبون البيان و الطلاقة، و التحبير و البلاغة، و التخلص و الرشاقة، فإنهم كانوا يكرهون السلاطة و الهذر، و التكلف، و الإسهاب و الإكثار، لما في ذلك من التزيد و المباهاة، و اتباع الهوى، و المنافسة في الغلو. و كانوا يكرهون الفضول في البلاغة، لأن ذلك يدعو إلى السّلاطة، و السلاطة تدعو إلى البذاء. و كل مراء في الأرض فإنما هو من نتاج الفضول.

و من حصّل كلامه و ميزه، و حاسب نفسه، و خاف الإثم و الذم، أشفق من الضراوة و سوء العادة، و خاف ثمرة العجب و هجنة النفج، و ما في حب السمعة من الفتنة، و ما في الرّياء من مجانبة الإخلاص.

و لقد دعا عبادة بن الصامت بالطعام، بكلام ترك فيه المحاسنة، فقال شدّاد بن أوس‏ (2) : إنه قد ترك فيه المحاسنة، فاسترجع ثم قال: «ما تكلمت بكلمة منذ بايعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلا مزمومة مخطوطة» .

____________

(1) نسبت الأبيات إلى سليمان بن ربيعة بن عامر بن ثعلبة.

(2) شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي، ابن أخي حسان بن ثابت، كان عالما حليما.

169

قال: و روى حمّاد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم‏ (1) قال:

«إنما يهلك الناس في فضول الكلام، و فضول المال» .

و قال: دع المعاذر، فإن أكثرها مفاجر» . و إنما صارت المعاذر كذلك لأنها داعية إلى التخلص بكلّ شي‏ء.

و قال سلاّم بن أبي مطيع: قال لي أيوب‏ (2) : «إياك و حفظ الحديث» خوفا عليه من العجب.

و قال إبراهيم النخعيّ: «دع الاعتذار، فإنه يخالط الكذب» .

قالوا: و نظر شاب و هو في دار ابن سيرين إلى فرش في داره، فقال: ما بال تلك الآجرة أرفع من الآجرة الأخرى؟فقال ابن سيرين: «يا ابن أخي إن فضول النظر تدعو إلى فضول القول» .

و زعم إبراهيم بن السندي قال: أخبرني من سمع عيسى بن علي يقول:

«فضول النظر من فضول الخواطر، و فضول النظر تدعو إلى فضول القول، و فضول القول تدعو إلى فضول العمل، و من تعوّد فضول الكلام ثم تدارك استصلاح لسانه، خرج إلى استكراه القول، و إن أبطأ أخرجه إبطاؤه إلى أقبح من الفضول» .

قال أبو عمرو بن العلاء: أنكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته معبد بن زرارة، فلما أخرجها إليه قال لها: «يا بنية أمسكي عليك الفضلين» . قالت:

و ما الفضلان؟قال: فضل الغلمة، و فضل الكلام.

و ضرار بن عمرو هو الذي قال: «من سره بنوه ساءته نفسه» . و هو الذي لما قاله له المنذر: كيف تخلصت يوم كذا و كذا، و ما الذي نجاك؟قال:

«تأخير الأجل، و إكراهي نفسي على المق الطوال» .

____________

(1) إبراهيم النخعي الكوفي الفقيه عاش بين سنتي 50-96 هـ.

(2) هو أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري الفقيه، روى عن نافع و عطاء و عكرمة و روى عنه الأعمش و قتادة و آخرون.

170

المقّاء: المرأة الطويلة. و المق: جماعة النساء الطوال. و المق أيضا:

الخيل الطوال.

و كان أخوته قد استشالوه حتى ركب فرسه و رفع عقيرته بعكاظ، فقال:

«ألا إن خير حائل أم‏ (1) فزوجوا الأمهات» . و ذلك أنه صرع بين القنا، فأشبل عليه أخوته لأمه حتى أنقذوه‏ (2) .

قال: و كان أعرابي يجالس الشعبي‏ (3) فيطيل الصمت، فسئل عن طول صمته فقال: «أسمع فأعلم، و أسكت فأسلم» .

و قالوا: «لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب» .

و قالوا: «مقتل الرجل بين لحييه و فكيه» .

و أخذ أبو بكر الصديق، رحمه اللّه، بطرف لسانه و قال: «هذا الذي أوردني الموارد» .

و قالوا: ليس شي‏ء أحقّ بطول سجن من لسان.

و قالوا: اللسان سبع عقور.

و قال النبي عليه السلام: «و هل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» .

و قال ابن الأعرابي، عن بعض أشياخه: تكلم رجل عند النبي عليه السلام فخطل في كلامه، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: «ما أعطي العبد شرا من طلاقة اللسان» .

____________

(1) الحائل: التي لم تحمل.

(2) أشبل عليه: عطف عليه، أعانه.

(3) هو عامر بن عبد اللّه بن شرحبيل الشعبي الحميري، راوية و قاض، ولد في الكوفة سنة 19 هـ و توفي سنة 103 هـ.

171

و قال العائشي، و خالد بن خداش: حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان ابن جرير، عن مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخير و عن أبيه قال: قدمنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في وفد فقلنا: يا رسول اللّه، أنت سيدنا، و أنت أطولنا علينا طولا (1) ، و أنت الجفنة الغراء (2) . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أيها الناس، قولوا بقولكم و لا يستفزنكم الشيطان، فإنما أنا عبد اللّه و رسوله» .

قال: و قال خالد بن عبد اللّه القسري، لعمر بن عبد العزيز: من كانت الخلافة زانته فقد زيّنتها، و من كانت شرفته فقد شرّفتها. فأنت كما قال الشاعر:

و تزيدين أطيب الطيب طيبا # أن تمسّيه أين مثلك أينا

و إذا الدر زان حسن وجوه # كان للدر حسن وجهك زينا

فقال عمر: إن صاحبكم أعطي مقولا، و لم يعط معقولا.

و قال الشاعر:

لسانك معسول و نفسك شحّة # و دون الثريا من صديقك مالكا

و أخبرنا بإسناد له، أن أناسا قالوا لابن عمر: ادع اللّه لنا بدعوات.

فقال: «اللهم ارحمنا و عافنا و ارزقنا» . فقالوا: لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن.

قال: نعوذ باللّه من الإسهاب.

و قال أبو الأسود الدؤلي‏ (3) ، في ذكر الإسهاب، يقولها في الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة بن المغيرة، و الحارث هو القباع، و كان خطيبا من وجوه

____________

(1) الطول: الفضل.

(2) الغراء: البيضاء، أي أنها مملوءة بالشحم و الدهن.

(3) أبو الأسود الدؤلي: عاش في خلافة علي بن أبي طالب و اتصل به، و أسهم في وضع أسس النحو كما قرض الشعر.

172

قريش و رجالهم. و إنما سمي القباع لأنه أتي بمكتل‏ (1) لأهل المدينة، فقال إن هذا المكتل لقباع!فسمي به. و القباع: الواسع الرأس القصير. و قال الفرزدق فيه لجرير:

و قبلك ما أعييت كاسر عينه # زيادا فلم تقدر عليّ حبائله

فأقسمت لا آتيه تسعين حجة # و لو كسرت عنق القباع و كاهله‏

و قال أبو الأسود:

أمير المؤمنين جزيت خيرا # أرحنا من قباع بني المغيرة

بلوناه و لمناه فأعيا # علينا ما يمر لنا مريرة

على أن الفتى نكح أكول # و مسهاب مذاهبه كثيرة

و قال الشاعر (2) :

إياك إياك المراء فإنه # إلى الشر دعّاء و للصرم جالب‏

و قال أبو العتاهية:

و الصمت أجمل بالفتى # من منطق في غير حينه

كلّ امرئ في نفسه # أعلى و أشرف من قرينه‏

و كان سهل بن هارون يقول: «سياسة البلاغة أشد من البلاغة، كما أن التوقي على الدواء أشد من الدواء» .

و كانوا يأمرون بالتبين و التثبت، و بالتحرز من زلل الكلام، و من زلل الرأي، و من الرأي الدبريّ. و الرأي الدبري هو الذي يعرض من الصواب بعد مضي الرأي الأول و فوت استدراكه.

و كانوا يأمرون بالتحلم و التعلم، و بالتقدم في ذلك أشد التقدم.

____________

(1) المكتل: زنبيل كبير.

(2) نسب البيت للفضل بن عبد الرحمن القرشي، ينهى به ابنه عن الجدل.

173

و قال الأحنف: قال عمر بن الخطاب: «تفقهوا قبل أن تسودوا» . و كان يقول رحمه اللّه: «السؤدد مع السواد» .

و أنشدوا لكثيّر عزّة:

و في الحلم و الإسلام للمرء وازع # و في ترك طاعات الفؤاد المتيّم

بصائر رشد للفتى مستبينة # و أخلاق صدق علمها بالتعلم‏

الوازع: الناهي، و الوزعة: جمع وازع، و هم الناهون و الكافون.

و قال الأفوه الأودي:

أضحت قرينة قد تغير بشرها # و تجهمت بتحية القوم العدا

ألوت بإصبعها و قالت إنما # يكفيك مما لا ترى ما قد ترى‏

و أنشد (1) :

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها # فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك تعذر إن وعظت و يقتدى # بالقول منك و يقبل التعليم‏

قالوا: و كان الأحنف بن قيس أشد الناس سلطانا على نفسه.

و قالوا: و كان الحسن أترك الناس لما نهي عنه. و قال الآخر:

لا تعذراني في الإساءة إنه # شرار الرجال من يسي‏ء فيعذر

و قال الكميت بن زيد الأسدي:

و لم يقل بعد زلة لهم # عدّوا المعاذير إنما حسبوا

و أنشدني محمد بن يسير، للأحوص بن محمد:

____________

(1) نسب البيتان لأبي الأسود الدؤلي في القصيدة التي يقول فيها:

يا أيها الرجل المعلم غيره # هلا لغيرك كان ذا التعليم‏

174

قامت تخاصرني بقنّتها # خود تأطر غادة بكر

كلّ يرى أن الشباب له # في كلّ مبلغ لذة عذر

تخاصرني: آخذ بيدها و تأخذ بيدي. و القنة: الموضع الغليظ من الأرض في صلابة. و الخود: الحسنة الخلق. تأطر: تتثنى. و الغادة: الناعمة الليّنة.

و قال جرير في فوت الرأي:

و لا يتقون الشر حتى يصيبهم # و لا يعرفون الأمر إلا تدبّرا

قال: و مدح النابغة ناسا بخلاف هذه الصفة، فقال:

و لا يحسبون الخير لا شر بعده # و لا يحسبون الشر ضربة لازب‏

لازب و لازم، واحد، و اللازب في مكان آخر: اليابس. قال اللّه عز و جل: مِنْ طِينٍ لاََزِبٍ . و اللزبات: السنون الجدبة.

و أنشد:

هفا هفوة كانت من المرء بدعة # و ما مثله من مثلها بسليم

فإن يك أخطأ في أخيكم فربما # أصاب التي فيها صلاح تميم‏

قال: و قال قائل عند يزيد بن عمر بن هبيرة: و اللّه ما أتى الحارث بن شريح بيوم خير قط. قال: فقال الترجمان بن هريم: «إلا يكن أتى بيوم خير فقد أتى بيوم شر» . ذهب الترجمان بن هريم إلى مثل معنى قول الشاعر:

و ما خلقت بنو زمّان إلا # أخيرا بعد خلق الناس طرّا

و ما فعلت بنو زمّان خيرا # و لا فعلت بنو زمّان شرّا

و من هذا الجنس من الأحاديث، و هو يدخل في باب الملح، قال الأصمعي: «وصلت بالعلم، و نلت بالملح» .

175

و قال رجل مرة: «أبي الذي قاد الجيوش، و فتح الفتوح، و خرج على الملوك، و اغتصب المنابر» . فقال له رجل من القوم: لا جرم، لقد أسر و قتل و صلب!قال: فقال له المفتخر بأبيه: دعني من أسر أبي و قتله و صلبه، أبوك أنت حدث نفسه بشي‏ء من هذا قط؟

[البيان منزلة بين الإسهاب و الإيجاز]

قد سمعنا رواية القوم و احتجاجهم، و أنا أوصيك ألا تدع التماس البيان و التبيين إن ظننت أن لك فيها طبيعة، و إنهما يناسبانك بعض المناسبة، و يشاكلانك في بعض المشاكلة، و لا تهمل طبيعتك فيستولي الإهمال على قوة القريحة، و يستبد بها سوء العادة. و إن كنت ذا بيان و أحسست من نفسك بالنفوذ في الخطابة و البلاغة، و بقوة المنّة يوم الحفل، فلا تقصر في التماس أعلاها سورة (1) ، و أرفعها في البيان منزلة. و لا يقطعنّك تهييب الجهلاء، و تخويف الجبناء، و لا تصرفنك الروايات المعدولة عن وجوهها، المتأولة على أقبح مخارجها.

و كيف تطيعهم بهذه الروايات المعدولة، و الأخبار المدخولة، و بهذا الرأي الذي ابتدعوه من قبل أنفسهم، و قد سمعت اللّه تبارك و تعالى، ذكر داود النبي صلوات اللّه عليه، فقال: وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا دََاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ إِنَّهُ أَوََّابٌ إلى قوله:

وَ فَصْلَ اَلْخِطََابِ . فجمع له بالحكمة البراعة في العقل، و الرجاحة في الحلم، و الاتساع في العلم، و الصواب في الحكم، و جمع له بفصل الخطاب تفصيل المجمل، و تلخيص الملتبس، و البصر بالحزّ في موضع الحز، و الحسم في موضع الحسم.

و ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شعيبا النبي عليه السلام، فقال: «كان شعيب خطيب الأنبياء» . و ذلك عند بعض ما حكاه اللّه في كتابه، و جلاه لأسماع عباده.

____________

(1) السورة: المنزلة الرفيعة.

176

فكيف تهاب منزلة الخطباء و داود عليه السلام سلفك، و شعيب إمامك مع ما تلوناه عليك في صدر هذا الكتاب من القرآن الحكيم، و الآي الكريم. و هذه خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مدونة محفوظة، و مخلدة مشهورة، و هذه خطب أبي بكر و عمر و عثمان و علي، رضي اللّه عنهم.

و قد كان لرسول اللّه شعراء ينافحون عنه و عن أصحابه بأمره، و كان ثابت ابن قيس بن الشماس الأنصاري خطيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، لا يدفع ذلك أحد.

فأما ما ذكرتم من الإسهاب و التكلف، و الخطل و التزيد، فإنما يخرج إلى الإسهاب المتكلف، و إلى الخطل المتزيد.

فأما أرباب الكلام، و رؤساء أهل البيان، و المطبوعون المعددون، و أصحاب التحصيل و المحاسبة، و التوقي و الشفقة، و الذين يتكلمون في صلاح ذات البين، و في إطفاء نائرة، أو في حمالة (1) ، أو على منبر جماعة، أو في عقد أملاك بين مسلم و مسلمة-فكيف يكون كلام هؤلاء يدعو إلى السلاطة و المراء، و إلى الهذر و البذاء، و إلى النفج و الرياء. و لو كان هذا كما يقولون لكان علي ابن أبي طالب، و عبد اللّه بن عباس أكثر الناس فيما ذكرتم. فلم خطب صعصعة بن صوحان عند علي بن أبي طالب، و قد كان ينبغي للحسن البصري أن يكون أحقّ التابعين بما ذكرتم؟ قال الأصمعي: قيل لسعيد بن المسيب‏ (2) : هاهنا قوم نساك يعيبون إنشاد الشعر. قال: «نسكوا نسكا أعجميا» .

و قد زعمتم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «شعبتان من شعب النفاق: البذاء، و البيان. و شعبتان من شعب الإيمان: الحياء، و العيّ» . و نحن نعوذ باللّه أن يكون القرآن يحث على البيان و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يحث على العيّ، و نعوذ باللّه أن

____________

(1) النائرة: العداوة و الفتنة. الحمالة: الدية يحملها قوم عن قوم.

(2) سعيد بن المسيب المخزومي القرشي، فقيه كبير و راوية مشهور. توفي عام 94 هـ.

177

يجمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بين البذاء و البيان. و إنما وقع النهي على كل شي‏ء جاوز المقدار، و وقع اسم العي على كل شي‏ء قصر عن المقدار. فالعي مذموم و الخطل مذموم، و دين اللّه تبارك و تعالى بين المقصر و الغالي.

و هاهنا روايات كثيرة مدخولة، و أحاديث معلولة. رووا أن رجلا مدح الحياء عند الأحنف، و أن الأحنف قال ثمّ: يعود ذلك ضعفا. و الخير لا يكون سبا للشر. و لكننا نقول: إن الحياء اسم لمقدار من المقادير ما زاد على ذلك المقدار فسمه ما أحببت. و كذلك الجود اسم لمقدار من المقادير، فالسرف اسم لما فضل عن ذلك المقدار. و للحزم مقدار، فالجبن اسم لما فضل عن ذلك المقدار. و للإقتصاد مقدار، فالبخل اسم لما خرج عن ذلك المقدار.

و للشجاعة مقدار، فالتهور و الخدب اسم لما جاوز ذلك المقدار.

و هذه أحاديث ليست لعامتها أسانيد متصلة، فإن وجدتها متصلة لم تجدها محمودة، و أكثرها جاءت مطلقة ليس لها حامل محمود و لا مذموم. فإذا كانت الكلمة حسنت استمتعنا بها على قدر ما فيها من الحسن. فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، و تنسب إلى هذا الأدب، فقرضت قصيدة، أو حبرت خطبة، أو ألّفت رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، أو يدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله و تدعيه، و لكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب، فإن رأيت الأسماع تصغي له، و العيون تحدج إليه، و رأيت من يطلبه و يستحسنه، فانتحله. فإن كان ذلك في ابتداء أمرك، و في أول تكلفك فلم تر له طالبا و لا مستحسنا، فلعله أن يكون ما دام ريّضا قضيبا (1) ، أن يحل عندهم محل المتروك. فإذا عاودت أمثال ذلك مرارا، فوجدت الأسماع عنه منصرفة، و القلوب لاهية، فخذ في غير هذه الصناعة، و اجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه، أو زهدهم فيه.

____________

(1) الريض: الذي ابتدأ في رياضته. القضيب: الذي لم يمهر في الرياضة.

178

و قال الشاعر:

إن الحديث تغر القوم خلوته # حتى يلجّ بهم عي و إكثار

و في المثل المضروب: «كل مجر في الخلاء مسرّ» ، و لم يقولوا مسرور. و كل صواب.

فلا تثق في كلامك برأي نفسك، فإني ربما رأيت الرجل متماسكا و فوق المتماسك، حتى إذا صار إلى رأيه في شعره، و في كلامه، و في ابنه، رأيته متهافتا و فوق المتهافت.

و كان زهير بن أبي سلمى، و هو أحد الثلاثة المتقدمين، يسمي كبار قصائده «الحوليات» .

و قال نوح بن جرير: قال الحطيئة: «خير الشعر الحوليّ المنقّح» .

قال و قال: البعيث الشاعر، و كان أخطب الناس: «إني و اللّه ما أرسل الكلام قضيبا خشيبا (1) ، و ما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكك» .

و كنت أظن أن قولهم «محكك» كلمة مولدة، حتى سمعت قول الصعب بن علي الكناني:

أبلغ فزارة أن الذئب آكلها # و جائع سغب شرّ من الذيب

أزل أطلس ذو نفس محككة # قد كان طار زمانا في اليعاسيب‏ (2)

و تكلم يزيد بن أبان الرقاشي، ثم تكلم الحسن، و أعرابيان حاضران فقال أحدهما لصاحبه: كيف رأيت الرجلين؟فقال: أما الأول فقاصّ مجيد، و أما الآخر فعربي محكك.

قال: و نظر أعرابي إلى الحسن، فقال له رجل: كيف تراه؟قال: أرى خيشوم حرّ.

____________

(1) الخشيب: السيف الذي لم يصقل.

(2) الأزل: السريع، الأطلس: ما لونه أغبر إلى أسود.

179

قالوا: و أرادوا عبد اللّه بن وهب الراسبي‏ (1) على الكلام يوم عقدت له الخوارج الرئاسة فقال: «و ما أنا و الرأي الفطير، و الكلام القضيب» !و لما فرغوا من البيعة له قال: «دعوا الرأي يغبّ، فإن غبوبه يكشف لكم عن محضه» .

و قيل لابن التوأم الرقاشي: تكلم. فقال: «ما أشتهي الخبز إلا بائتا» .

قال: و قال عبيد اللّه بن سالم لرؤبة: مت يا أبا الجحاف إذا شئت.

قال: و كيف ذاك؟قال: رأيت اليوم عقبة بن رؤبة ينشد شعرا له أعجبني.

قال: فقال رؤبة: نعم إنه ليقول و لكن ليس لشعره قران. و قال الشاعر:

مهاذبة مناجبة قران # منادبة كأنهم الأسود

يريد بقوله «قران» التشابه و الموافقة.

و قال عمر بن لجأ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك!قال: و بم ذلك؟ قال: لأني أقول البيت و أخاه، و أنت تقول البيت و ابن عمه.

قال: و ذكر بعضهم شعر النابغة الجعدي، فقال: «مطرف بآلاف، و خمار بواف‏ (2) » . و كان الأصمعي يفضله من أجل ذلك. و كان يقول:

«الحطيئة عبد لشعره» . عاب شعره حين وجده كله متخيرا منتخبا مستويا، لمكان الصنعة و التكلف، و القيام عليه.

و قالوا: لو أن شعر صالح بن عبد القدوس‏ (3) و سابق البربري‏ (4) كان مفرقا في أشعار كثيرة، لصارت تلك الأشعار أرفع مما هي عليه بطبقات،

____________

(1) عبد اللّه بن وهب الراسبي الأزدي: خرج على علي بأربعة آلاف، و قتل في معركة النهروان سنة 38 هـ.

(2) المطرف: رداء من خر. الوافي: الدرهم الذي يزن مثقالا.

(3) صالح بن عبد القدوس قتله المهدي متهما بالزندقة في بغداد، كان شاعرا حكيما و متكلما واعظا بالبصرة.

(4) سابق بن عبد اللّه البربري شاعر زاهد عاش في العصر الأموي و وفد على عمر بن عبد العزيز.

180

و لصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق. و لكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالا لم تسر، و لم تجر مجرى النوادر. و متى لم يخرج السامع من شي‏ء إلى شي‏ء لم يكن لذلك عنده موقع.

قال: و قال بعض الشعراء لرجل: أنا أقول في كلّ ساعة قصيدة، و أنت تقرضها في كل شهر. فلم ذلك؟قال: لأني لا أقبل من شيطاني مثل الذي تقبل من شيطانك.

قال: و أنشد عقبة بن رؤبة (أباه رؤبة) بن العجاج شعرا و قال له: كيف تراه؟قال: يا بنيّ إن أباك ليعرض له مثل هذا يمينا و شمالا فما يلتفت إليه.

و قد رووا مثل ذلك في زهير و ابنه كعب.

قال: و قيل لعقيل بن علّفة: لم لا تطيل الهجاء؟قال: «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» .

و قيل لأبي المهوّش: لم لا تطيل الهجاء؟قال: لم أجد المثل النادر إلا بيتا واحدا، و لم أجد الشعر السائر إلا بيتا واحدا.

قال: و قال مسلمة بن عبد الملك لنصيب الشاعر: ويحك يا أبا الحجناء، أ ما تحسن الهجاء؟قال: أ ما تراني أحسن مكان عافاك اللّه: لا عافاك اللّه! و لاموا الكميت بن زيد على الإطالة، فقال: «أنا على القصار أقدر» .

و قيل للعجاج: ما لك لا تحسن الهجاء؟قال: هل في الأرض صانع إلا و هو على الإفساد أقدر.

و قال رؤبة: «الهدم أسرع من البناء» .

و هذه الحجج التي ذكروها عن نصيب و الكميت و العجاج و رؤبة، إنما ذكروها على وجه الاحتجاج لهم. و هذا منهم جهل إن كانت هذه الأخبار صادقة و قد يكون الرجل له طبيعة في الحساب و ليس له طبيعة في الكلام،

181

و تكون له طبيعة في التجارة و ليست له طبيعة في الفلاحة، و تكون له طبيعة في الحداء أو في التغيير، أو في القراءة بالألحان، و ليت له طبيعة في الغناء و إن كانت هذه الأنواع كلها ترجع إلى تأليف اللحون. و تكون له طبيعة في الناي و ليس له طبيعة في السرناي‏ (1) ، و تكون له طبيعة في قصبة الراعي و لا تكون له طبيعة في القصبتين المضمومتين، و يكون له طبع في صناعة اللحون و لا يكون له طبع في غيرهما، و يكون له طبع في تأليف الرسائل و الخطب و الأسجاع و لا يكون له طبع في قرض بيت شعر. و مثل هذا كثير جدا.

و كان عبد الحميد الأكبر، و ابن المقفع، مع بلاغة أقلامهما و ألسنتهما لا يستطيعان من الشعر إلا ما يذكر مثله.

و قيل لابن المقفع في ذلك، فقال: الذي أرضاه لا يجيئني، و الذي يجيئني لا أرضاه» .

و هذا الفرزدق و كان مستهترا بالنساء، و كان زير غوان، و هو في ذلك ليس له بيت واحد في النسيب مذكور، مع حسده لجرير. و جرير عفيف لم يعشق امرأة قط، و هو مع ذلك أغزل الناس شعرا.

و في الشعراء من لا يستطيع مجاوزة القصيد إلى الرجز، و منهم من لا يستطيع مجاوزة الرجز إلى القصيد، و منهم من يجمعها كجرير و عمر بن لجأ، و أبي النجم، و حميد الأرقط، و العماني. و ليس الفرزدق في طواله بأشعر منه في قصاره.

و في الشعراء من يخطب و فيهم من لا يستطيع الخطابة، و كذلك حال الخطباء في قريض الشعر. و الشاعر نفسه قد تختلف حالاته.

و قال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر الناس و ربما مرت علي ساعة و نزع ضرس أهون عليّ من أن أقول بيتا واحدا.

____________

(1) السرناي: كلمة فارسية، معناها البوق الذي ينفخ فيه و يزمر.

182

و قال العجاج: لقد قلت أرجوزتي التي أولها:

بكيت و المحتزن البكيّ # و إنما يأتي الصبا الصبي

أطربا و أنت قنسري‏ (1) # و الدهر بالإنسان دواري‏

و أنّا بالرمل، في ليلة واحدة، فانثالت عليّ قوافيها انثيالا، و إني لأريد اليوم دونها في الأيام الكثيرة فما أقدر عليه.

و قال لي أبو يعقوب الخريمي: خرجت من منزلي أريد الشماسية، فابتدأت القول في مرثية لأبي التختاخ، فرجعت و اللّه و ما أمكنني بيت واحد.

و قال الشاعر:

و قد يقرض الشعر البكيّ لسانه # و تعيي القوافي المرء و هو خطيب‏

[أقوال بليغة]

من القول في المعاني الظاهرة باللفظ الموجز من ملتقطات كلام الناس.

قال بعض الناس: «من التوقي ترك الإفراط في التوقي» .

و قال بعضهم: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون» .

و قال الشاعر:

قدر اللّه وارد # حين يقضى وروده

فأرد ما يكون إن # لم يكن ما تريده‏

و قيل لأعرابي في شكاته: كيف تجدك؟قال: «أجدني أجد ما لا أشتهي و أشتهي ما لا أجد، و أنا في زمان من جاد لم يجد، و من وجد لم يجد» .

____________

(1) القنسري: الكبير المسن.

183

و قيل لابن المقفع أ لا تقول الشعر؟قال: الذي يجيئني لا أرضاه، و الذي أرضاه لا يجيئني.

و قال بعض النساك: «أنا لما لا أرجو أرجى مني لما أرجو» .

و قال بعضهم: «أعجب من العجب، ترك التعجب من العجب» .

و قال عمر بن عبد العزيز لعبد بني مخزوم: «إني أخاف اللّه فيما تقلدت» . قال: لست أخاف عليك أن تخاف، و إنما أخاف عليك ألا تخاف.

و قال الأحنف لمعاوية: أخافك إن صدقتك، و أخاف اللّه إن كذبتك.

و قال رجل من النساك لصاحب له و هو يكيد بنفسه: أما ذنوبي فإني أرجو لها مغفرة اللّه، و لكني أخاف على بناتي الضيعة. فقال له صاحبه: فالذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك.

و قال رجل من النساك لصاحب له: ما لي أراك حزينا؟قال: كان عندي يتيم أربّيه لأوجر فيه، فمات و انقطع عنا أجره. إذ بطل قيامنا بمئونته. فقال له صاحبه!فاجتلب يتيما آخر يقوم لك مقام الأول. قال: أخاف ألا أصيب يتيما في سوء خلقه!قال له صاحبه: أما أنا فلو كنت في موضعك منه لما ذكرت سوء خلقه.

و قال آخر: و سمعه أبو هريرة النحوي و هو يقول: ما يمنعني من تعلم القرآن إلا أني أخاف أن أضيعه. قال: أما أنت فقد عجلت له التضييع، و لعلك إذا تعلمته لم تضيعه.

و قال عمر بن عبد العزيز لرجل: من سيّد قومك؟قال: أنا. قال: لو كنت كذلك لم تقله!

[ما قيل في الحق و الباطل‏]

و قالوا في حسن البيان، و في التخلّص من الخصم بالحقّ و الباطل، و في تخليص الحق من الباطل، و في الإقرار بالحق، و في ترك الفخر بالباطل.

184

قال أعرابي و ذكر حماس بن ثامل فقال:

برئت إلى الرحمن من كلّ صاحب # أصاحبه إلا حماس بن ثامل

و ظني به بين السماطين أنه # سينجو بحق أو سينجو بباطل‏

و قال العجير السلوليّ:

و إن ابن زيد لابن عمي و إنه # لبلاّل أيدي جلّة الشول بالدم

طلوع الثنايا بالمطايا و إنه # غداة المرادي للخطيب المقدم

يسرك مظلوما و يرضيك ظالما # و يكفيك ما حملته حين تغرم‏

الشول: جمع شائلة، و هي الناقة التي قد جف لبنها. و إذا شالت بذنبها بعد اللقاح فهي شائل، و جمعها شوّل. المرادي: المصادم و المقارع، يقال رديت الحجر بصخرة أو بمعول، إذا ضربته بها لتكسره. و المرادة: الصخرة التي يكسر بها الحجارة. و قال ابن ربع الهذلي‏ (1) :

أعين ألا فابكي رقيبة إنه # وصول لأرحام و معطاء سائل

فأقسم لو أدركته لحميته # و إن كان لم يترك مقالا لقائل‏

و قال بعض اليهود، و هو الربيع بن أبي الحقيق من بني النضير (2) :

سائل بنا خابر أكمائنا # و العلم قد يلقى لدى السائل

إنّا إذا مالت دواعي الهوى # و أنصت السامع للقائل

و اعتلج الناس بألبابهم # نقضي بحكم عادل فاصل

لا نجعل الباطل حقا و لا # نلطّ دون الحق بالباطل

نكره أن تسفه أحلامنا # فنخمل الدهر مع الخامل‏

و قال آخر و ذكر حماسا أيضا:

____________

(1) ابن ربع الهذلي هو عبد مناف بن ربع الهذلي. شاعر جاهلي مغمور.

(2) شاعر جاهلي أدرك الإسلام و لم يسلم.

185

أتاني حماس بابن ماه يسوقه # ليبغيه خيرا و ليس بفاعل

ليعطي عبسا مالنا، و صدورنا # من الغيظ تغلي مثل غلي المراجل

و قافية قيلت لكم لم أجد لها # جوابا إذا لم تضربوا بالمناصل

فأنطق في حق بحق و لم يكن # ليرحض عنكم قالة الحق باطلي‏

ليرحض، أي ليغسل. و الراحض: الغاسل. و المرحاض: الموضع الذي يغسل فيه.

و قال عمرو بن معديكرب:

فلو أن قومي أنطقتني رماحهم # نطقت و لكن الرماح أجرّت‏

الجرار: عود يعرض في فم الفصيل، أو يشق به لسانه، لئلا يرضع.

فيقول: قومي لم يطعنوا بالرماح فأثني عليهم، و لكنهم فروا فأسكت كالمجرّ الذي في فمه الجرار.

و قال أبو عبيدة: صاح رؤبة في بعض الحروب التي كانت بين تميم و الأزد: يا معشر بني تميم، أطلقوا من لساني.

قال: و أبصر رجلا منهم قد طعن فارسا طعنة، فصاح: «لا عيّا و لا شللا!» و العرب تقول: «عي أبأس من شلل» . كأن العي فوق كلّ زمانة.

و قالت الجهنيّة:

ألا هلك الحلو الحلال الحلاحل # و من عنده حلم و علم و نائل‏ (1)

و ذو خطب يوما إذا القوم أفحموا # تصيب مرادي قوله ما يحاول

بصير بعورات الكلام إذا التقى # شريجان بين القوم: حق و باطل

أتيّ لما يأتي الكريم بسيفه # و إن أسلمته جنده و القبائل

و ليس بمعطاء الظلامة عن يد # و لا دون أعلى سورة المجد قابل‏ (2)

____________

(1) الحلال: الذي لا ريبة فيه. الحلاحل: السيد الشجاع.

(2) عن يد: عن قهر و ذل و استسلام.

186

الحلاحل: السيّد. شريجان: جنسان مختلفان في كلّ شي‏ء.

و أنشد أبو عبيدة في الخطيب يطول كلامه، و يكون ذكورا لأول خطبته و للذي بنى عليه أمره، و إن شغب شاغب فقطع عليه كلامه، أو حدث عند ذلك حدث يحتاج فيه إلى تدبير آخر، وصل الثاني من كلامه بالأوّل، حتى لا يكون أحد كلاميه أجود من الآخر، فأنشد:

و إن أحدثوا شغبا يقطّع نظمها # فإنك وصّال لما قطع الشغب

و لو كنت نسّاجا سددت خصاصها # بقول كطعم الشهد مازجه العذب‏

و قال نصيب:

و ما ابتذلت ابتذال الثوب ودّكم # و عائد خلقا ما كان يبتذل

و علمك الشي‏ء تهوى أن تبيّنه # أشفى لقلبك من أخبار من تسل‏

و قال آخر:

لعمرك ما ودّ اللسان بنافع # إذا لم يكن أصل المودة في الصدر

و قال آخر:

تعلّم فليس المرء يولد عالما # و ليس أخو علم كمن هو جاهل

و إنّ كبير القوم لا علم عنده # صغير إذا التفت عليه المحافل‏

و قال آخر:

فتى مثل صفو الماء ليس بباخل # عليك و لا مهد ملاما لباخل

و لا قائل عوراء تؤذي جليسه # و لا رافع رأسا بعوراء قائل

و لا مسلم مولى لأمر يصيبه # و لا خالط حقا مصيبا بباطل

و لا رافع أحدوثة السوء معجبا # بها بين أيدي المجلس المتقابل

يرى أهله في نعمة و هو شاحب # طوي البطن مخماص الضحى و الأصائل‏ (1)

____________

(1) طوي البطن ضامره: المخماص: الجائع.

187

و قالت أخت يزيد بن الطثريّة (1) :

أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري # قريبا و قد غالت يزيد غوائله

فتى قد قد السيف لا متضائل # و لا رهل لبّاته و بآدله‏ (2)

فتى لا يرى خرق القميص بخصره # و لكنما توهي القميص كواهله

إذا نزل الأضياف كان عذوّرا # على الحيّ حتى تستقلّ مراجله‏ (3)

مضى و ورثناه دريس مفاضة # و أبيض هنديا طويلا حمائله‏ (4)

يسرّك مظلوما و يرضيك ظالما # و كل الذي حملته فهو حامله

أخو الجدّ إن جدّ الرجال و شمروا # و ذو باطل إن شئت ألهاك باطله‏ (5)

يصير هذا الشعر و ما أشبهه مما وقع في هذا الباب، إلى الشعر الذي في أول الفصل.

[مدح اللسن و البيان و الكلام الجميل المعدل‏]

باب شعر و غير ذلك من الكلام مما يدخل في باب الخطب.

قال الشاعر:

عجبت لأقوام يعيبون خطبتي # و ما منهم في موقف بخطيب‏

و قال آخر:

إن الكلام من الفؤاد و إنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا

لا يعجبنّك من خطيب قوله # حتى يكون مع البيان أصيلا

____________

(1) هو يزيد بن سلمة بن عامر، و الطثرية أمه نسبت إلى حي الطثر من اليمن، توفي سنة 126 هـ. و اسم أخته الشاعرة زينب.

(2) اللبة: المنحر. البادلة: اللحم بين الإبطين.

(3) العذور: السيئ الخلق. تستقل: تحمل و ترفع.

(4) المفاضة: الدرع الواسعة. الدرع الدريس: الخلق.

(5) هذه الجملة الأخيرة ليست للجاحظ، على الأرجح لأنها بعيدة عن أسلوبه.

188

و أنشد آخر:

أبرّ فما يزداد إلا حماقة # و نوكا و إن كانت كثيرا مخارجه‏ (1)

و قد يكون ردي‏ء العقل جيد اللسان.

و قال أبو العباس الأعمى‏ (2) :

إذا وصف الإسلام أحسن وصفه # بفيه، و يأبى قلبه و يهاجره

و إن قام قال الحق ما دام قائما # تقيّ اللسان كافر بعد سائره‏

و قال قيس بن عاصم المنقريّ‏ (3) يذكر ما في بني منقر من الخطابة:

إني امرؤ لا يعتري خلقي # دنس يفنّده و لا أفن

من منقر في بيت مكرمة # و الأصل ينبت حوله الغصن

خطباء حين يقوم قائلهم # بيض الوجوه مصاقع لسن

لا يفطنون لعيب جارهم # و هم لحفظ جوارهم فطن‏

و من هذا الباب و ليس منه في الجملة، قول الآخر:

أشارت بطرف العين خيفة أهلها # إشارة مذعور و لم تتكلم

فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا # و أهلا و سهلا بالحبيب المسلّم‏

و قال نصيب‏ (4) ، مولى عبد العزيز بن مروان:

يقول فيحسن القول ابن ليلى # و يفعل فوق أحسن ما يقول‏

____________

(1) أبر: غلب. النوك: الحمق.

(2) أبو العباس الأعمى: هو السائب بن فروخ، تشيع لبني أمية و مدحهم، و توفي سنة 126 هـ.

(3) قيس بن عاصم المنقري التميمي شاعر فارسي مخضرم صحب النبي زمانا و حسن إسلامه بعد أن اشتهر بوأد بناته في الجاهلية.

(4) هو نصيب بن رباح النوبي، شاعر فحل، تعصب للسودان. أنظر رسالة السودان و البيضان للجاحظ ضمن رسائله.

189

و قال آخر:

ألا رب خصم ذي فنون علوته # و إن كان ألوى يشبه الحق باطله‏ (1)

فهذا هو معنى قول العتابي: «البلاغة إظهار ما غمض من الحق، و تصوير الباطل في صورة الحق» . و قال الشاعر، و هو كما قال:

عجبت لإدلال العييّ بنفسه # و صمت الذي كان بالقول أعلما

و في الصمت ستر للعييّ و إنما # صحيفة لبّ المرء أن يتكلما

و موضع «الصحيفة» من هذا البيت، موضع ذكر «العنوان» في شعره الذي رثى عثمان بن عفان، رحمه اللّه، به حيث يقول:

ضحوا بأشمط عنوان السجود به # يقطّع الليل تسبيحا و قرآنا

و أنشد أيضا:

ترى الفتيان كالنخل # و ما يدريك ما الدخل

و كلّ في الهوى ليث # و فيما نابه فسل

و ليس الشأن في الوصل # و لكن أن يرى الفصل‏

و قال كسرى أنو شروان، لبزرجمهر: أي الأشياء خير للمرء العييّ؟ قال: عقل يعيش به. قال: فإن لم يكن له عقل؟قال: فإخوان يسترون عليه. قال: فإن لم يكن له إخوان؟قال: فمال يتحبّب به إلى الناس. قال:

فإن لم يكن له مال؟قال: فعيّ صامت. قال: فإن لم يكن له. قال: فموت مريح.

و قال موسى بن يحيى بن خالد: قال أبو علي: «رسائل المرء في كتبه أدل على مقدار عقله، و أصدق شاهدا على غيبه لك، و معناه فيك، من أضعاف ذلك على المشافهة و المواجهة» .

____________

(1) الألوى: الشديد الخصومة.

190

و وصفوا كلامهم في أشعارهم فجعلوها كبرود العصب، و كالحلل و المعاطف، و الديباج و الوشي، و أشباه ذلك.

و أنشدني أبو الجماهر جندب بن مدرك الهلاليّ:

لا يشترى الحمد أمنية # و لا يشترى الحمد بالمقصر

و لكنما يشترى غاليا # فمن يعط قيمته يشتر

و من يعتطفه على مئزر # فنعم الرداء على المئزر

و أنشدني لابن ميادة (1) :

نعم إنني مهد ثناء و مدحة # كبرد اليماني يربح البيع تاجره‏

و أنشد:

فإن أهلك فقد أبقيت بعدي # قوافي تعجب المتمثّلينا

لذيذات المقاطع محكمات # لو أن الشّعر يلبس لارتدينا

و قال أبو قردودة، يرثي ابن عمار (2) قتيل النعمان و نديمه، و وصف كلامه، و قد كان نهاه عن منادمته:

إني نهيت ابن عمار و قلت له # لا تأمنن أحمر العينين و الشعره

إن الملوك متى تنزل بساحتهم # تطر بنارك من نيرانهم شرره

يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا # و منطقا مثل وشي اليمنة الحبره‏

و قال الشاعر (3) في مديح أحمد بن أبي دؤاد:

____________

(1) ابن ميادة هو الرماح بن أبرد نسبة إلى أمه ميادة. مات في صدر خلافة المنصور بعد أن مدحه.

(2) ابن عمار: هو عمرو بن عمار الطائي، كان شاعرا خطيبا أعجب به النعمان بن المنذر فاتخذه نديما ثم قتله.

(3) ينسب ياقوت الأبيات للجاحظ نفسه. و من عادة الجاحظ أن يبقى شعره غفلا، أنظر رسالته إلى القواد و رسالته إلى أبي الفرج.

191

و عويص من الأمور بهيم # غامض الشخص مظلم مستور

قد تسهّلت ما توعّر منه # بلسان يزينه التحبير

مثل وشي البرود هلهله النسج # و عند الحجاج در نثير

حسن الصمت و المقاطع أما # نطق القوم و الحديث يدور

ثم من بعد لحظة تورث اليسر # و عرض مهذّب موفور

و مما يضم إلى هذا المعنى و ليس منه، قول جميل بن معمر:

نمت في الروابي من معدّ و أفلجت # على الخفرات الغرّ و هي وليد

أناة على نيرين أضحى لداتها # بلين بلاء الرّيط و هي جديد

نمت: شبت. الروابي من معد: البيوت الشريفة. و أصل الرابية و الرباوة: ما ارتفع من الأرض. أفلجت: أظهرت. و الخفرات: الحييات.

الأناة: المرأة التي فيها فتور عند القيام. و قوله على نيرين، وصفها بالقوة، كالثوب الذي ينسج على نيرين، و هو الثوب الذي له سديان، كالديباج و ما أشبهه. أضحى لداتها، اللدة: القرينة في المولد و المنشأ فيقول: إن أقرانها قد بلين، و هي جديد لحسن غذائها و دوام نعمتها.

و من هذا الشكل و ليس منه بعينه قول الشاعر:

على كلّ ذي نيرين زيد محاله # محالا و في أضلاعه زيد أضلعا

المحال: محال الظهر، و هي فقاره، واحدها محالة.

و قال أبو يعقوب الخريميّ الأعور: أول شعر قلته هذان البيتان:

بقلبي سقام لست أحسن وصفه # على أنه ما كان فهو شديد

تمر به الأيام تسحب ذيلها # فتبلى به الأيام و هو جديد

و قال الآخر:

أبى القلب إلا أمّ عمرو و حبها # عجوزا و من يحبب عجوزا يفنّد

كبرد اليماني قد تقادم عهده # و رقعته ما شئت في العين و اليد

192

و قال ابن هرمة:

إن الأديم الذي أصبحت تعركه # جهلا لذو نغل باد و ذو حلم

و لن يئطّ بأيدي الخالقين و لا # أيدي الخوالق إلا جيّد الأدم‏

و في غير هذا الباب و هو قريب منه قول ذو الرمة:

و في قصر حجر من ذؤابة عامر # إمام هدى مستبصر الحكم عادله

كأن على أعطافه ماء مذهب # إذا سمل السّربال طارت رعابله‏

الرعابل: القطع. و شواء مرعبل: مقطع. و رعبلت الشي‏ء أي قطعته. و يقال ثوب سمل و أسمال. و يقال سمل الثوب و أسمل، إذا خلق.

و هو الذي يقول:

حوراء في دعج صفراء في نعج # كأنها فضة قد مسها ذهب‏

الحور: شدة بياض العين. و الدعج: شدة سواد الحدقة. و النعج:

اللين. قالوا: لأن المرأة الرقيقة اللون يكون بياضها بالغداة يضرب إلى الحمرة، و بالعشيّ يضرب إلى الصفرة. و لذلك قال الأعشى:

بيضاء ضحوتها و صفـ # راء العشية كالعراره‏

و قال آخر:

قد علمت بيضاء صفراء الأصل # لأغنينّ اليوم ما أغنى رجل‏

و قال بشار بن برد:

و خذي ملابس زينة # و مصبّغات فهي أفخر

و إذا دخلت تقنّعي # بالحمر إنّ الحسن أحمر

و هذان أعميان قد اهتديا من حقائق هذا الأمر إلى ما لا يبلغه تمييز البصير. و لبشار خاصة في هذا الباب ما ليس لأحد، و لو لا أنه في كتاب الرجل‏

193

و المرأة، و في باب القول في الإنسان من كتاب الحيوان، أليق و أزكى، لذكرناه في هذا الموضع.

و مما ذكروا فيه الوزن قوله:

زني القول حتى تعرفي عند وزنهم # إذا رفع الميزان كيف أميل‏

و قال ابن الزبير الأسديّ، و اسمه عبد اللّه‏ (1) :

أعاذل غضي بعض لومك إنني # أرى الموت لا يرضى بدين و لا رهن

و إني أرى دهرا تغيّر صرفه # و دنيا أراها لا تقوم على وزن‏

و يذكرون الكلام الموزون و يمدحون به، و يفضّلون إصابة المقادير، و يذمون الخروج من التعديل.

قال جعفر بن سليمان: ليس طيب الطعام بكثرة الإنفاق و جودة التوابل، و إنما الشأن في إصابة القدر. و قال طارق بن أثال الطائي:

ما إن يزال ببغداد يزاحمنا # على البراذين أشباه البراذين

أعطاهم اللّه أموالا و منزلة # من الملوك بلا عقل و لا دين

ما شئت من بغلة سفواء ناجية # و من أثاث و قول غير موزون‏ (2)

و أنشدني بعض الشعراء:

رأت رجلا أودى السفار بجسمه # فلم يبق إلا منطق و جناجن

إذا حسرت عنه العمامة راعها # جميل الحفوف أغفلته الدواهن

فإن أك معروق العظام فإنني # إذا ما وزنت القوم بالقوم وازن‏

(الجناجن: عظام الصدر) .

____________

(1) ابن الزبير الأسدي: عبد اللّه بن الزبير الخزيمي. ولد و نشأ في الكوفة في العصر الأموي، و قد تعصب للأمويين و مدحهم، و لما غلب ابن الزبير على الكوفة مال إليه و مدحه، و مات أعمى في خلافة عبد الملك بن مروان.

(2) سفواء: خفيفة سريعة.

194

و قال مالك بن أسماء في بعض نسائه و كانت لا تصيب الكلام كثيرا، و ربما لحنت:

أ مغطّى مني على بصري للحب # أم أنت أكمل الناس حسنا

و حديث ألذه هو مما # ينعت الناعتون يوزن وزنا

منطق صائب و تلحن أحيا # نا و خير الحديث ما كان لحنا

و قال طرفة في المقدار و إصابته:

فسقى ديارك غير مفسدها # صوب الربيع و ديمة تهمي‏

طلب الغيث على قدر الحاجة، لأن الفاضل ضارّ. و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله في دعائه: «اللهم اسقنا سقيا نافعا» . لأن المطر ربما جاء في غير أبّان الزراعات، و ربما جاء و التمر في الجرن، و الطعام في البيادر، و ربما كان في الكثرة مجاوزا لمقدار الحاجة. و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: «اللهم حوالينا و لا علينا» .

و قال بعض الشعراء لصاحبه: أنا أشعر منك. قال: و لم؟قال: لأني أقول البيت و أخاه، و أنت تقول البيت و ابن عمه.

و عاب رؤبة شعر ابنه فقال: «ليس لشعره قران» . و جعل البيت أخا البيت إذا أشبهه و كان حقه أن يوضع إلى جنبه. و على ذلك التأويل قال الأعشى:

أبا مسمع أقصر فإن قصيدة # متى تأتكم تلحق بها أخواتها

و قال اللّه عز و جل: وَ مََا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاََّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهََا .

و قال عمرو بن معديكرب:

و كلّ أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان‏

و قالوا فيما هو أبعد معنى و أقل لفظا. قال الهذليّ:

أ عامر لا آلوك إلا مهنّدا # و جلد أبي عجل وثيق القبائل‏

و يعني بأبي عجل الثور.

195

و قالوا فيما هو أبعد من هذا. قال ابن عسلة الشيباني، و اسمه عبد المسيح:

و سمّاع مدجنة تعللنا # حتى ننام تناوم العجم

فصحوت و النمري يحسبها # عمّ السماك و خالة النجم‏

النجم واحد و جمع. و النجم: الثريا في كلام العرب. مدجنة، أي سحابة دائمة.

و قال أبو النجم فيما هو أبعد من هذا، و وصف العير و المعيوراء و هو الموضع الذي يكون فيه الأعيار:

و ظل يوفي الأكم ابن خالها

فهذا مما يدل على توسعهم في الكلام، و حمل بعضه على بعض، و اشتاق بعضه من بعض.

و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: «نعمت العمة لكم النخلة» ، حين كان بينها و بين الناس تشابه و تشاكل و نسب من وجوه. و قد ذكرنا في ذلك كتاب الزرع و النخل.

و في مثل ذلك قال بعض الفصحاء:

شهدت بأن التمر بالزبد طيب # و أن الحبارى خالة الكروان‏

لأن الحبارى، و إن كانت أعظم بدنا من الكروان، فإن اللون و عمود الصورة واحد، فلذلك جعلها خالته، و رأى أن ذلك قرابة تستحق بها هذا القول.

قال كعب الأشقريّ‏ (1) :

إلا أكن في الأرض أخطب قائما # فإني على ظهر الكميت خطيب‏

و قال ثابت قطنة:

فإلا أكن فيهم خطيبا فإنني # بسمر القنا و السيف جدّ خطيب‏

____________

(1) هو كعب بن معدان الأشقري، من أصحاب المهلب بن أبي صفرة، اشترك في حروب الأزارقة الخوارج و كان شاعرا و فارسا و خطيبا.

196

و قالت ليلى الأخيلية:

حتى إذا رفع اللواء رأيته # تحت اللواء على الخميس زعيما

و قال آخر:

عجبت لأقوام يعيبون خطبتي # و ما منهم في مأقط بخطيب‏

و هؤلاء يفخرون بأن خطبهم التي عليها يعتمدون، السيوف و الرماح و إن كانوا خطباء. و قال دريد بن الصّمّة:

أبلغ نعيما و أوفى إن لقيتهما # إن لم يكن كان في سمعيهما صمم

فلا يزال شهاب يستضاء به # يهدي المقانب ما لم تهلك الصّمم

عاري الأشاجع معصوب بلمته # أمر الزعامة في عرنينه شمم‏

المقانب: جمع مقنب، و المقنب: الجماعة من الخيل ليست بالكثيرة.

و الأشاجع: عروق ظاهر الكف، و هي مغرز الأصابع. و اللمة: الشعرة التي ألمّت بالمنكب. و زعيم القوم: رأسهم و سيدهم الذي يتكلم عنهم و الزعامة: مصدر الزعيم الذي يسود قومه. و قوله «معصوب بلمته» أي يعصب برأسه كل أمر. عرنينه: أنفه.

و قال أبو العباس الأعمى، مولى بني بكر بن عبد مناة في بني عبد شمس:

ليت شعري أ فاح رائحة المسـ # ك و ما إن أخال بالخيف إنسي

حين غابت بنو أمية عنه # و البهاليل من بني عبد شمس

خطباء على المنابر فرسا # ن عليها و قالة غير خرس

لا يعابون صامتين و إن قا # لوا أصابوا و لم يقولوا بلبس

بحلوم إذا الحلوم استخفّت # و وجوه مثل الدنانير ملس‏

و قال العجاج:

و حاصن من حاصنات ملس # من الأذى و من قراف الوقس‏

197

المحصنة: ذوات الزوج. و الحاصن: العفيف. و الوقس: العيب.

و قال امرؤ القيس:

و يا ربّ يوم قد أروح مرجّلا # حبيبا إلى البيض الكواعب أملسا

و قال أبو العباس الأعمى:

و لم أر حيا مثل حي تحملوا # إلى الشام مظلومين منذ بريت

أعزّ و أمضى حين تشتجر القنا # و أعلم بالمسكين حيث يبيت

و أرفق بالدنيا بأولى سياسة # إذا كاد أمر المسلمين يفوت

إذا مات منهم سيد قام سيد # بصير بعورات الكلام زميت‏

و قال آخر:

لا يغسل العرض من تدنّسه # و الثوب إن مسّ مدنسا غسلا

و زلّة الرّجل تستقال و لا # يكاد رأي يقيلك الزللا

و قال آخر في الزلل:

أ لهفي إذ عصيت أبا يزيد # و لهفي إذ أطعت أبا العلاء

و كانت هفوة من غير ريح # و كانت زلّة من غير ماء

و قال آخر:

فإنك لم ينذرك أمرا تخافه # إذا كنت فيه جاهلا مثل خابر

و قال ابن وابصة[اسمه سالم‏] (1) ، في مقام قام فيه مع ناس من الخطباء:

يا أيها المتحلي غير شيمته # و من سجيته الإكثار و الملق

أعمد إلى القصد فيما أنت راكبه # إن التخلق يأتي دونه الخلق

____________

(1) سالم بن وابصة شاعر أموي و فارس، مدح عبد الملك بن مروان و اتصل به و حظي عنده كالأخطل.

198

صدت هنيدة لما جئت زائرها # عني بمطروفة إنسانها غرق

و راعها الشيب في رأسي فقلت لها # كذاك يصفرّ بعد الخضرة الورق

بل موقف مثل حد السيف قمت به # أحمي الذمار و ترميني به الحدق

فما زللت و لا ألفيت ذا خطل # إذا الرجال على أمثالها زلقوا

قال: و أنشدني لأعرابي من باهلة:

سأعمل نصّ العيس حتى يكفّني # غنى المال يوما أو غنى الحدثان

فللموت خير من حياة يرى لها # على الحر بالإقلال و سم هوان

متى يتكلم يلغ حسن حديثه # و إن لم يقل قالوا عديم بيان

كأن الغنى عن أهله، بورك الغنى # بغير لسان ناطق بلسان‏

و في مثلها في بعض الوجوه قال عروة بن الورد:

ذريني للغنى أسعى فإني # رأيت الناس شرهم الفقير

و أهونهم و أحقرهم لديهم # و إن أمسى له كرم و خير (1)

و يقصى في النديّ و تزدريه # حليلته و ينهره الصغير (2)

و تلقى ذا الغنى و له جلال # يكاد فؤاد صاحبه يطير

قليل ذنبه و الذنب جم # و لكنّ الغنى ربّ غفور

و قال ابن عباس رحمه اللّه: «الهوى إله معبود» . و تلا قول اللّه عزّ و جل: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ .

و قال أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل‏ (3) :

تلك عرساي تنطقان على عمد # لي اليوم قول زور و هتر

____________

(1) الخير: الشرف و الأصل.

(2) الندي: مجلس القوم.

(3) أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المبشرين و الصحابة الذين أسلموا مبكرا. توفي عام 50 هـ. و الأبيات مختلف في نسبتها إليه.

199

سألتاني الطلاق أن رأتا ما # لي قليلا قد جئتماني بنكر

فلعلّي إن يكثر المال عندي # و يعرّي من المغارم ظهري

و ترى أعبد لنا و أواق # و مناصيف من خوادم عشر

و نجرّ الأذيال في نعمة زو # ل تقولان ضع عصاك لدهر

وى كأن من يكن له نشب يحبب # و من يفتقر يعش عيش ضرّ

و يجنّب سر النجي و لكن # أخا المال محضر كلّ سرّ

المناصيف: الخدم واحدهم منصف و ناصف، و قد نصف القوم ينصفهم نصافة، إذا خدمهم. نعمة زول: حسنة. و الزول: الخفيف الظريف، و جمعه أزوال.

و قال عبيد بن الأبرص في نحو هذا و ليس كمثله:

تلك عرسي غضبى تريد زيالي # أ لبين تريد أم لدلال

إن يكن طبّك الفراق فلا أحفل # إن تعطفي صدور الجمال

أو يكن طبك الدلال فلو في # سالف الدهر و الليالي الخوالي

كنت بيضاء كالمهاة و إذ آ # تيك نشوان مرخيا أذيالي

فاتركي مطّ حاجبيك و عيشي # معنا بالرجاء و التأمال

زعمت أنني كبرت و أني # قلّ مالي و ضن عني الموالي

و صحا باطلي و أصبحت شيخا # لا يواتي أمثالها أمثالي

إن تريني تغيّر الرأس مني # و علا الشيب مفرقي و قذالي

فبما أدخل الخباء على مهضومة # الكشح طفلة كالغزال

فتعاطيت جيدها ثم مالت # ميلان الكثيب بين الرمال

ثم قالت فدى لنفسك نفسي # و فداء لمال أهلك مالي‏

الكشح: الخصر. و قوله: «مهضومة» ، أراد لطيفة. و الطفلة: الرخصة الناعمة.

200

[آراء في الخطباء و الشعراء و العلماء]

قال: و خرج عثمان بن عفان-رحمه اللّه-من داره يوما، و قد جاء عامر ابن عبد قيس. فقعد في دهليزه، فلما خرج رأى شيخا دميما أشغى ثطّا، في عباءة، فأنكره و أنكر مكانه، فقال: يا أعرابي، أين ربك؟فقال: بالمرصاد! و الشغي: تراكب الأسنان و اختلافها. ثط: صغير اللحية.

و يقال إن عثمان بن عفان لم يفحمه أحد قط غير عامر بن عبد قيس.

و نظر معاوية إلى النخار بن أوس العذري، الخطيب الناسب، في عباءة في ناحية من مجلسه، فأنكره و أنكر مكانه زراية منه عليه، فقال: من هذا؟ فقال النخار: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلمك، و إنما يكلمك من فيها! قال: و نظر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى هرم بن قطبة، ملتفا في بتّ في ناحية المسجد، و رأى دمامته و قلته، و عرف تقديم العرب له في الحكم و العلم، فأحب أن يكشفه و يسبر ما عنده، فقال: أ رأيت لو تنافرا إليك اليوم أيهما كنت تنفر؟يعني علقمة بن علاثة، و عامر بن الطفيل. فقال: يا أمير المؤمنين: لو قلت فيهما كلمة لأعدتها جذعة. فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: لهذا العقل تحاكمت العرب إليك.

و نظر عمر إلى الأحنف و عنده الوفد، و الأحنف ملتف في بتّ له‏ (1) ، فترك جميع القوم و استنطقه، فلما تبعّق منه ما تبعّق، و تكلم بذلك الكلام البليغ المصيب، و ذهب ذلك المذهب، لم يزل عنده في علياء، ثم صار إلى أن عقد له الرئاسة ثابتا له ذلك، إلى أن فارق الدنيا.

و نظر النعمان بن المنذر إلى ضمرة بن ضمرة، فلما رأى دمامته و قلته قال: «تسمع بالمعيديّ لا أن تراه» ، هكذا تقوله العرب. فقال ضمرة:

____________

(1) البت: كساء غليظ.

201

«أبيت اللعن، إن الرجال لا تكال بالقفزان، و لا توزن في الميزان، و إنما المرء بأصغريه: قلبه و لسانه» .

و كان ضمرة خطيبا، و كان فارسا شاعرا شريفا سيّدا.

و كان الرمق بن زيد مدح أبا جبيلة الغساني، و كان الرّمّق دميما قصيرا، فلما أنشده و حاوره، قال: «عسل طيب في ظرف سوء» .

قال: و كلّم علباء بن الهيثم السدوسي عمر بن الخطاب، و كان علباء أعور دميما، فلما رأى براعته و سمع بيانه، أقبل عمر يصعّد فيه بصره و يحدره، فلما خرج قال عمر: «لكل أناس في جميلهم خبر» .

و قال أبو عثمان‏ (1) : و أنشدت سهل بن هارون، قول سلمة بن الخرشب و شعره الذي أرسل به إلى سبيع التغلبي في شأن الرهن التي وضعت على يديه في قتال عبس و ذبيان، فقال سهل بن هارون: و اللّه لكأنه قد سمع رسالة عمر ابن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في سياسة القضاء و تدبير الحكم‏ (2) .

و القصيدة قوله:

أبلغ سبيعا و أنت سيدنا # قدما و أوفى رجالنا ذمما

إن بغيضا و إن إخوتها # ذبيان قد ضرموا الذي اضطرما

نبّيت أن حكّموك بينهم # فلا يقولنّ بئس ما حكما

إن كنت ذا خبرة بشأنهم # تعرف ذا حقهم و من ظلما

و تنزل الأمر في منازله # حكما و علما و تحضر الفهما

و لا تبالي من المحق و لا المبطل # لا ألة و لا ذمما

فاحكم و أنت الحكيم بينهم # لن يعدموا الحكم ثابتا صتما

____________

(1) العبارة «و قال أبو عثمان» مقحمة من الناسخ.

(2) أورد الجاحظ هذه الرواية من قبل.

202

و اصدع أديم السواء بينهم # على رضا من رضي و من رغما

إن كان مالا فقضّ عدّته # مالا بمال و إن دما فدما

حتى ترى ظاهر الحكومة # مثل الصبح جلى نهاره الظلما

هذا و إن لم تطق حكومتهم # فانبذ إليهم أمورهم سلما

الصتم: الصحيح القوي، يقال رجل صتم، إذا كان شديدا.

و قال العائشي: كان عمر بن الخطاب-رحمه اللّه-أعلم الناس بالشعر، و لكنه كان إذا ابتلي بالحكم بين النجاشي و العجلاني‏ (1) ، و بين الحطيئة و الزبرقان، كره أن يتعرض للشعراء، و استشهد للفريقين رجالا، مثل حسان بن ثابت و غيره، ممن تهون عليهم سبالهم، فإذا سمع كلامهم حكم بما يعلم، و كان الذي ظهر من حكم ذلك الشاعر مقنعا للفريقين، و يكون هو قد تخلص بعرضه سليما، فلما رآه من لا علم له يسأل هذا و هذا، ظن أن ذلك لجهله بما يعرف غيره.

و قال: و لقد أنشدوه شعرا لزهير-و كان لشعره مقدّما-فلما انتهوا إلى قوله:

و إن الحقّ مقطعه ثلاث # يمين أو نفار أو جلاء

قال عمر كالمتعجب من علمه بالحقوق و تفصيله بينها، و إقامته أقسامها:

و إن الحق مقطعه ثلاث # يمين أو نفار أو جلاء

يردّدن البيت من التعجب.

____________

(1) النجاشي هو قيس بن عمر بن كعب شرب الخمر في رمضان فجلده علي فهرب إلى معاوية. و سمي النجاشي لسواد لونه كالأحباش. أما العجلاني فهو تميم بن أبي مقبل من عجلان أسلم و لكنه ظل يبكي أهل الجاهلية.

203

و أنشدوه قصيدة عبدة بن الطبيب الطويلة التي على اللام، فلما بلغ المنشد إلى قوله:

و المرء ساع لشي‏ء ليس يدركه # و العيش شحّ و إشفاق و تأميل‏

قال عمر متعجبا:

و العيش شح و إشفاق و تأميل‏

يعجّبهم من حسن ما قسّم و ما فصّل.

و أنشدوه قصيدة أبي قيس بن الأسلت التي على العين، و هو ساكت، فلما انتهى المنشد إلى قوله:

الكيس و القوة خير من الإشفاق و الفهمة و الهاع أعاد عمر البيت و قال:

الكيس و القوة خير من الإشفاق و الفهّة و الهاع و جعل عمر يردد البيت و يتعجب منه.

قال محمّد بن سلام، عن بعض أشياخه قال: كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر.

و قال أبو عمرو بن العلاء: كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب، لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيّد عليهم مآثرهم و يفخم شأنهم، و يهول على عدوهم و من غزاهم، و يهيب من فرسانهم و يخوف من كثرة عددهم، و يهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر و الشعراء، و اتخذوا الشعر مكسبة و رحلوا إلى السوقة، و تسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر. و لذلك قال الأول: «الشعر أدنى مروءة السري، و أسرى مروءة الدنيّ» . ـ

204

قال: و لقد وضع قول الشعر من قدر النابغة الذبيانيّ، و لو كان في الدهر الأول ما زاده ذلك إلا رفعة.

و روى مجالد عن الشعبي قال: ما رأيت رجلا مثلي، و ما أشاء أن ألقى رجلا أعلم مني بشي‏ء إلا لقيته.

و قال الحسن البصري: يكون الرجل عابدا و لا يكون عاقلا، و يكون عابدا عاقلا و لا يكون عالما. و كان مسلم بن يسار (1) عاقلا عالما عابدا.

قال: و كان يقال: فقه الحسن، و ورع ابن سيرين، و عقل مطرّف، و حفظ قتادة.

قال: و ذكرت البصرة، فقيل: شيخها الحسن، و فتاها بكر بن عبد اللّه المزنيّ.

قال: و الذين بثوا العلم في الدنيا أربعة: قتادة، و الزهري، و الأعمش، و الكلبيّ.

و جمع سليمان بن عبد الملك بين قتادة و الزهري، فغلب قتادة الزهري، فقيل لسليمان في ذلك، فقال: إنه فقيه مليح. فقال القحذمي: لا، و لكنه تعصب للقرشية، و لانقطاعه إليهم، و لروايته فضائلهم.

و كان الأصمعي يقول: «وصلت بالعلم، و نلت بالملح» .

و كان سهل بن هارون يقول: «اللسان البليغ و الشعر الجيد لا يكادان يجتمعان في واحد، و أعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة الشعر، و بلاغة القلم» .

و المسجديون‏ (2) يقولون: من تمنى رجلا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، تمنى شيئا عسيرا.

____________

(1) مسلم بن يسار فقيه راوية عالم، روى عن ابن عباس و روى عنه ابن سيرين، و كان مفتي أهل البصرة قبل الحسن البصري، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة 100 هـ.

(2) المسجديون: الذين يرتادون المسجد كثيرا في البصرة و الكوفة.