البيان و التبيين - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
321 /
205

[ذم النوك‏]

و كانوا يعيبون النّوك و العيّ و الحمق، و أخلاق النساء و الصبيان. قال الشاعر:

إذا ما كنت متخذا خليلا # فلا تثقن بكلّ أخي إخاء

و إن خيرت بينهم فألصق # بأهل العقل منهم و الحياء

فإن العقل ليس له إذا ما # تفاضلت الفضائل من كفاء

و إن النوك للأحساب داء # و أهون دائه داء العياء

و من ترك العواقب مهملات # فأيسر سعيه سعي العناء

فلا تثقنّ بالنوكي لشي‏ء # و إن كانوا بني ماء السماء

فليسوا قابلي أدب فدعهم # و كن من ذاك منقطع الرجاء

و قال آخر في التضييع و النّوك:

و من ترك العواقب مهملات # فأيسر سعيه أبدا تباب

فعش في جدّ أنوك ساعدته # مقادير يخالفها الصواب

ذهاب المال في حمد و أجر # ذهاب لا يقال له ذهاب‏

و قال آخر في مثل ذلك:

أرى زمنا نوكاه أسعد أهله # و لكنما يشقى به كلّ عاقل

مشى فوقه رجلاه و الرأس تحته # فكبّ الأعالي بارتفاع الأسافل‏

و قال الآخر:

فلم أر مثل الفقر أوضع للفتى # و لم أر مثل المال أرفع للرّذل

و لم أر عزّا لامرئ كعشيرة # و لم أر ذلا مثل نأي عن الأصل

و لم أر من عدم أضر على امرئ # إذا عاش وسط الناس من عدم العقل‏

و قال آخر:

تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم # و لاقهم بالنوك فعل أخي الجهل‏

206

و خلّط إذا لاقيت يوما مخلّطا # يخلّط في قول صحيح و في هزل

فإني رأيت المرء يشقى بعقله # كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل‏

و قال آخر:

و أنزلني طول النوى دار غربة # إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله

فحامقته حتى يقال سجية # و لو كان ذا عقل لكنت أعاقله‏

و قال بشر بن المعتمر:

و إذا الغبي رأيته مستغنيا # أعيا الطبيب و حيلة المحتال‏

و أنشدني آخر:

و للدهر أيام فكن في لباسه # كلبسته يوما أجدّ و أخلقا

و كن أكيس الكيسي إذا ما لقيتهم # و إن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا

و أنشدني آخر:

و لا تقربي يا بنت عمي بوهة # من القوم دفناسا غبيا مفندا (1)

و إن كان أعطى رأس ستين بكرة # و حكما على حكم و عبدا مولدا

ألا فاحذري لا توردنّك هجمة # طوال الذرى جبسا من القوم قعددا (2)

و أنشدني آخر:

كسا اللّه حيي تغلب ابنة وائل # من اللؤم أظفارا بطيئا نصولها

إذا ارتحلوا عن دار ضيم تعاذلوا # عليها وردوا وفدهم يستقيلها

و أنشدني آخر:

و إن عناء إن تفهّم جاهلا # و يحسب جهلا أنه منك أفهم‏

____________

(1) البوهة: الرجل الضعيف الطائش. الدفناس: الأحمق. المفند: الضعيف الرأي.

(2) الهجمة من الإبل: قريب من المائة. الجبس: الجبان. القعدد: الجبان اللئيم القاعد عن الحرب.

207

و قال جرير:

و لا يعرفون الشر حتى يصيبهم # و لا يعرفون الأمر إلا تدبّرا

و قال الأعرج المعني الطائي‏ (1) :

لقد علم الأقوام إن قد فررتم # و لم تبدأهم بالمظالم أولا

فكونوا كداعي كرة بعد فرة # ألا ربّ من قد فر ثمّت أقبلا

فإن أنتم لم تفعلوا فتبدلوا # بكل سنان معشر الغوث مغزلا

و اعطوهم حكم الصبي بأهله # و إني لأرجو أن يقولوا بأن لا

و يقال: «أظلم من صبي» و «أكذب من صبي» و «أخرق من صبي» .

و أنشد:

و لا تحكما حكم الصبي فإنه # كثير على ظهر الطريق مجاهله‏

قال: و سئل دغفل بن حنظلة، عن بني عامر فقال: «أعناق ظباء، و أعجاز نساء» . قيل: فما تقول في أهل اليمن؟قال: «سيّد و أنوك» (2) .

____________

(1) الأعرج المعني الطائي: هو عدي بن عمرو بن سويد الطائي شاعر مخضرم أدرك الإسلام و أسلم.

(2) الأنوك: الأحمق.

208

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

209

باب في ذكر المعلمين‏ (1)

و من أمثال العامة: «أحمق من معلم كتّاب» . و قد ذكرهم صقلاب فقال:

و كيف يرجّى الرأي و العقل عند من # يروح على أنثى و يغدو على طفل‏

و في قول بعض الحكماء: «لا تستشيروا معلما و لا راعي غنم و لا كثير القعود مع النساء» . و قالوا: «لا تدع أم صبيك تضربه، فإنه أعقل منها و إن كانت أسن منه» . و قد سمعنا في المثل: «أحمق من راعي ضأن ثمانين» .

فأما استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون ذلك صوابا و قد رعى الغنم عدة من جلة الأنبياء صلى اللّه عليهم. و لعمري إن الفدّادين من أهل الوبر و رعاة الإبل ليتنبلون على رعاة الغنم، و يقول أحدهم لصاحبه: «إن كنت كاذبا فحلبت قاعدا» . و قال الآخر:

____________

(1) طرق الجاحظ هذا الموضوع في رسالة مستقلة هي رسالة المعلمين نشرناها ضمن رسائل الجاحظ الأدبية، طبعة دار الهلال، بيروت 1987.

210

ترى حالب المعزى إذا صرّ قاعدا # و حالبهن القائم المتطاول‏

و قال امرأة من غامد، في هزيمة ربيعة بن مكدّم، لجمع غامد وحده:

ألا هل أتاها على نأيها # بما فضحت قومها غامد

تمنيتم مائتي فارس # فردكم فارس واحد

فليت لنا بارتباط الخيو # ل ضأنا لها حالب قاعد

و قد سمعنا قول بعضهم: الحمق في الحاكة و المعلمين و الغزالين. قال:

و الحاكة أقل و أسقط من أن يقال لها حمقى. و كذلك الغزالون، لأن الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب الجيد ثم يجي‏ء بخطإ فاحش و الحائك ليس عنده صواب جيد في فعال و لا مقال، إلا أن يجعل جودة الحياكة من هذا الباب، و ليس هو من هذا في شي‏ء.

و يقال: فلان أحمق. فإذا قالوا مائق، فليس يريدون ذلك المعنى بعينه، و كذلك إذا قالوا أنوك. و كذلك إذا قالوا رقيع. و يقولون: فلان سليم الصدر، ثم يقولون عيي، ثم يقولون أبله. و كذلك إذا قالوا معتوه و مسلوس و أشباه ذلك.

قال أبو عبيدة: يقال للفارس شجاع، فإذا تقدم في ذلك قيل بطل، فإذا تقدم شيئا قيل بهمة، فإذا صار إلى الغاية قيل أليس. و قال العجاج:

أ ليس عن حوبائه سخيّ‏

و هذا المأخذ يجري في الطبقات كلها: من جود و بخل، و صلاح و فساد، و نقصان و رجحان. و ما زلت أسمع هذا القول في المعلمين.

و المعلمون عندي على ضربين: منهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى تعليم أولاد الخاصة، و منهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة إلى تعليم أولاد

211

الملوك أنفسهم المرشحين للخلافة. فكيف تستطيع أن تزعم أن مثل علي بن حمزة الكسائي، و محمد بن المستنير الذي يقال له قطرب‏ (1) ، و أشباه هؤلاء يقال لهم حمقى. و لا يجوز هذا القول على هؤلاء و لا على الطبقة التي دونهم. فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى فإن لكل قوم حاشية و سفلة، فما هم في ذلك إلا كغيرهم. و كيف تقول مثل ذلك في هؤلاء و فيهم الفقهاء و الشعراء و الخطباء، مثل الكميت بن زيد، و عبد الحميد الكاتب، و قيس بن سعد (2) ، و عطاء بن أبي رباح‏ (3) ، و مثل عبد الكريم بن أبي أمية (4) ، و حسين المعلم‏ (5) ، و أبي سعيد المعلم.

و من المعلمين: الضحاك بن مزاحم. و أما معبد الجهني و عامر الشعبي، فكانا يعلمان أولاد عبد الملك بن مروان. و كان معبد يعلم سعيدا، و منهم أبو سعيد المؤدب، و هو غير أبي سعيد المعلم، و كان يحدث عن هشام بن عروة و غيرهم. و منهم عبد الصمد بن عبد الأعلى، و كان معلم ولد عتبة بن أبي سفيان. و كان إسماعيل بن علي ألزم بعض بنيه عبد اللّه بن المقفع ليعلمه.

و كان أبو بكر عبد اللّه بن كيسان معلما. و منهم محمد بن السكن‏ (6) .

و ما كان عندنا بالبصرة رجلان أروى لصنوف العلم، و لا أحسن بيانا، من أبي الوزير و أبي عدنان المعلمين، و حالهما من أول ما أذكر من أيام الصبا.

و قد قال الناس في أبي البيداء، و في أبي عبد اللّه الكاتب، و في الحجاج بن

____________

(1) قطرب: عالم نحوي كبير تتلمذ لسيبويه، و كان دائب التحصيل فلقبه بالقطرب (دويبة لا تفتر عن الدبيب) توفي سنة 206 هـ.

(2) قيس بن سعد كان صاحب شرطة النبي و حارب في صفين مع علي ثم التحق بمعاوية.

(3) عطاء بن أبي رباح: اسمه أسلم القرشي المكي، كان معلم كتاب و فقيها توفي سنة 114 هـ.

(4) عبد الكريم بن أبي أمية البصري روى عن أنس و نافع و توفي سنة 127 هـ.

(5) حسين المعلم عمل معلما في البصرة و توفي سنة 145 هـ.

(6) محمد بن السكن: كان معلما و مؤذن مسجد بني شعرة، كما كان محدثا ضعيفا.

212

يوسف و أبيه ما قالوا، و قد أنشدوا مع هذا الخبر شاهدا من الشعر على أن الحجاج و أباه كانا معلمين بالطائف.

ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول.

قالوا: أحق الناس بالرحمة عالم يجري عليه حكم جاهل.

قال: و كتب الحجاج إلى المهلب يعجله في حرب الأزارقة و يسمعه، فكتب إليه المهلب: «إن البلاء كل البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره» .

[خير الكلام الوسط]

و قال بعض الربانيين‏ (1) من الأدباء، و أهل المعرفة من البلغاء ممن يكره التشادق و التعمّق، و يبغض الإغراق في القول، و التكلّف و الاجتلاب‏ (2) ، و يعرف أكثر ادواء الكلام و دوائه، و ما يعتري المتكلم من الفتنة بحسن ما يقول، و ما يعرض للسامع من الافتتان بما يسمع، و الذي يورث الاقتدار من التهكم و التسلط، و الذي يمكن الحاذق و المطبوع من التمويه للمعاني، و الخلابة و حسن المنطق، فقال في بعض مواعظه: «أنذركم حسن الألفاظ، و حلاوة مخارج الكلام، فإن المعنى إذا اكتسى لفظا حسنا و أعاره البليغ مخرجا سهلا، و منحه المتكلم دلا متعشقا، صار في قلبك أحلى، و لصدرك أملا. و المعاني إذا كسيت الألفاظ الكريمة، و ألبست الأوصاف الرفيعة، تحولت في العيون عن مقادير صورها، و أربت على حقائق أقدارها، بقدر ما زينت، و حسب ما زخرفت. فقد صارت الألفاظ في معاني المعارض‏ (3) ، و صارت المعاني في معنى

____________

(1) الرباني: العالم الراسخ في العلم.

(2) الاجتلاب: أن يجتلب معاني سواه لفقره في معانيه.

(3) المعارض: جمع معرض: ثوب تجلى فيه الجارية.

213

الجواري. و القلب ضعيف، و سلطان الهوى قوي، و مدخل خدع الشيطان خفي» .

فاذكر هذا الباب و لا تنسه، و لا تفرّط فيه، فإن عمر بن الخطاب رحمه اللّه لم يقل للأحنف بن قيس-بعد أن احتبسه حولا مجرّما، (1) ليستكثر منه، و ليبالغ في تصفح حاله و التنقير عن شأنه-: «إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد كان خوّفنا كل منافق عليم، و قد خفت أن تكون منهم» إلا لما كان راعه من حسن منطقه، و مال إليه لما رأى من رفقه و قلة تكلّفه، و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«» إن من البيان لسحرا» -و قال عمر بن عبد العزيز لرجل أحسن في طلب حاجة و تأتى لها بكلام وجيز، و منطق حسن: «هذا و اللّه السحر الاحلال» . و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «لا خلابة» .

فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقي و الوحشي، و لا تجعل همك في تهذيب الألفاظ، و شغلك في التخلص إلى غرائب المعاني. و في الاقتصاد بلاغ، و في التوسط مجانبة للوعورة، و خروج من سبيل من لا يحاسب نفسه.

و قد قال الشاعر:

عليك بأوساط الأمور فإنها # نجاة و لا تركب ذلولا و لا صعبا

و قال الآخر:

لا تذهبنّ في الأمور فرطا # لا تسألنّ إن سألت شططا

و كن من الناس جميعا وسطا

و ليكن كلامك ما بين المقصر و الغالي، فإنك تسلم من المحنة عند العلماء، و من فتنة الشيطان.

و قال أعرابي للحسن: علمني دينا و سوطا، لا ذاهبا شطوطا، و لا هابطا هبوطا. فقال له الحسن: لئن قلت ذاك إن خير الأمور أوساطها.

____________

(1) مجرم: تام، كامل.

214

و جاء في الحديث: «خالطوا الناس و زايلوهم» .

و قال علي بن أبي طالب رحمه اللّه: «كن في الناس وسطا و امش جانبا» .

و قال عبد اللّه بن مسعود في خطبته: «و خير الأمور أوساطها، و ما قل و كفى خير مما كثر و ألهى، نفس تنجيها، خير من إمارة لا تحصيها» .

و كانوا يقولون: أكره الغلوّ كما تكره التقصير.

و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول لأصحابه: «قولوا بقولكم و لا يستحوذنّ عليكم الشيطان» . و كان يقول: «و هل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» .

215

باب من الخطب القصار من خطب السلف، و مواعظ من مواعظ النساك، و تأديب من تأديب العلماء

قال رجل لأبي هريرة النحويّ: أريد أن أتعلّم العلم و أخاف أن أضيّعه.

فقال: «كفى بترك العلم إضاعة» .

و سمع الأحنف رجلا يقول: «التعلم في الصغر كالنقش في الحجر» .

فقال الأحنف: «الكبير أكبر عقلا، و لكنه أشغل قلبا» .

و قال أبو الدرداء: ما لي أرى علماءكم يذهبون و جهالكم لا يتعلمون.

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، و لكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا و أضلوا» .

قالوا: و لذلك قال عبد اللّه بن عباس رحمه اللّه، حين دلّى زيد بن ثابت في القبر، رحمه اللّه: «من سرّه أن يرى كيف ذهاب العلم فلينظر، فهكذا ذهابه» .

و قال بعض الشعراء في بعض العلماء:

216

أبعدت من يومك الفرار فما # جاوزت حيث انتهى بك القدر

لو كان ينجي من الردى حذر # نجّاك مما أصابك الحذر

يرحمك اللّه من أخي ثقة # لم يك في صفو ودّه كدر

فهكذا يفسد الزمان و يفنى الـ # علم منه و يدرس الأثر

قال: و قال قتادة: لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نبي اللّه موسى عليه السلام، إذ قال للعبد الصالح: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) .

أبو العباس التميمي قال: قال طاوس: «الكلمة الصالحة صدقة» .

و قال ثمامة بن عبد اللّه بن أنس، عن أبيه عن جده، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: «فضل لسانك تعبّر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة» .

و قال الخليل: «تكثّر من العلم لتعرف، و تقلّل منه لتحفظ» .

و قال الفضيل‏ (1) : «نعمت الهدية الكلمة من الحكمة يحفظها الرجل حتى يلقيها إلى أخيه» .

و كان يقال: يكتب الرجل أحسن ما يسمع، و يحفظ أحسن ما يكتب.

و كان يقال: اجعل ما في كتبك بيت مال: و ما في قلبك للنفقة.

و قال أعرابي: حرف في قلبك خير من عشرة في طومارك‏ (2) .

و قال عمر بن عبد العزيز: «ما قرن شي‏ء إلى شي‏ء أفضل من حلم إلى علم، و من عفو إلى قدرة» .

____________

(1) الفضيل: هو الفضيل بن عياض التميمي، ولد بخراسان و قدم الكوفة ثم مكة و مات بها سنة 187 هـ. عرف بالزهد و العبادة.

(2) الطومار: الصحيفة.

217

و كان ميمون بن سياه‏ (1) ، إذا جلس إلى قوم قال: إنّا قوم منقطع بنا.

فحدثونا أحاديث نتجمل بها.

قال: و فخر سليم مولى زياد، بزياد عند معاوية، فقال معاوية:

أسكت، فو اللّه ما أدرك صاحبك شيئا بسيفه إلا و قد أدركت أكثر منه بلساني.

و ضرب الحجاج أعناق أسرى، فلما قدموا إليه رجلا لتضرب عنقه قال:

و اللّه لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو!فقال الحجاج: أف لهذه الجيف، أ ما كان فيها أحد يحسن مثل هذا الكلام!و أمسك عن القتل.

و قال بشير الرّجّال: «إني لأجد في قلبي حرا لا يذهبه إلا برد العدل أو حر السنان» .

قال: و قدموا رجلا من الخوارج إلى عبد الملك بن مروان لتضرب عنقه، و دخل على عبد الملك ابن له صغير قد ضربه المعلم، و هو يبكي، فهمّ عبد الملك بالمعلم، فقال له الخارجي: دعوه يبكي فإنه أفتح لجرمه، و أصح لبصره، و أذهب لصوته. قال له عبد الملك: أ ما يشغلك ما أنت فيه عن هذا؟ قال الخارجي: ما ينبغي لمسلم أن يشغله عن قول الحق شي‏ء!فأمر بتخلية سبيله.

قال: و قال زياد على المنبر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يقطع بها ذنب عنز مصور (2) ، لو بلغت أمامه سفك بها دمه» .

و قال: و قال إبراهيم بن أدهم‏ (3) : «أعربنا كلامنا فما نحن نلحن، و لحنّا في أعمالنا فما نعرب حرفا» . و أنشد:

نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا # فلا ديننا يبقى و لا ما نرقع‏

____________

(1) ميمون بن سياه: روى عن أنس و الحسن البصري، و لقب بسيد القراء.

(2) المصور: التي انقطع لبنها، المصر: قلة اللبن.

(3) إبراهيم بن أدهم البلخي، زهد في الدنيا و ترك ثروته الطائلة و هام على وجهه يعيش حياة تقشف حتى مات سنة 161 هـ.

218

قال: و عزل عمر زيادا عن كتابة أبي موسى الأشعري، في بعض قدماته فقال له زياد: أ عن عجز أم عن خيانة؟قال: لا عن واحدة منهما، و لكني أكره أن أحمل على العامّة فضل عقلك.

قال: و بلغ الحجاج موت أسماء بن خارجة فقال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء و مات حين شاء! قال: و كان يقال: «كدر الجماعة خير من صفو الفرقة» .

قال أبو الحسن: مرّ عمر بن ذر (1) ، بعبد اللّه بن عياش المنتوف‏ (2) ، و قد كان سفه عليه فأعرض عنه، فتعلق بثوبه ثم قال له: «يا هناه، إنّا لم نجد لك إن عصيت اللّه فينا خيرا من أن نطيع اللّه فيك» .

و هذا كلام أخذه عمر بن ذر، عن عمر بن الخطاب رحمه اللّه. قال عمر: «إني و اللّه ما أدع حقا للّه لشكاية تظهر، و لا لضب يحتمل، و لا لمحاباة بشر، و إنك و اللّه ما عاقبت من عصى اللّه فيك بمثل أن نطيع اللّه فيه» .

قال: و كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: «يا سعد سعد بني أهيب، إن اللّه إذا أحبّ عبدا حبّبه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من اللّه بمنزلتك من الناس، و اعلم أن ما لك عند اللّه مثل ما للّه عندك» .

قال: و مات ابن لعمر بن ذر فقال: «أي بنيّ، شغلني الحزن لك، عن الحزن عليك» .

و قال رجل من بني مجاشع: جاء الحسن في دم كان فينا، فخطب فأجابه رجل فقال: قد تركت ذلك للّه و لوجوهكم. فقال الحسن: لا تقل هكذا، بل قل: للّه ثم لوجوهكم. و آجرك اللّه.

____________

(1) عمر بن ذر بن عياش الهمداني الكوفي المتكلم المرجئ توفي سنة 153 هـ.

(2) عبد اللّه بن عياش الهمداني الكوفي، راوية أخبار و أدب نادم المنصور و روى عن الشعبي كما روى عنه الهيثم بن عدي.

219

و قال: و مرّ رجل بأبي بكر و معه ثوب، فقال: أ تبيع الثوب؟فقال: لا عافاك اللّه. فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: لقد علّمتم لو كنتم تعلمون. قل:

لا، و عافاك اللّه.

قال: و سأل عمر بن الخطاب رجلا عن شي‏ء فقال: اللّه أعلم. فقال عمر: لقد شقينا إن كنا لا نعلم أن اللّه أعلم. إذا سئل أحدكم عن شي‏ء لا يعلمه فليقل: لا أدري.

و كان أبو الدرداء يقول: أبغض الناس إليّ أن أظلمه من لا يستعين عليّ بأحد إلا باللّه.

و ذكر ابن ذر الدنيا فقال: كأنكم زادكم في حرصكم عليها ذمّ اللّه لها.

و نظر أعرابي إلى مال له كثير، من الماشية و غيرها، فقال: «ينعة، و لكل ينعة استحشاف‏ (1) » . فباع ما هناك من ماله، ثم يمّم ثغرا من ثغور المسلمين، فلم يزل به حتى أتاه الموت.

قال: و تمنى قوم عند يزيد الرقاشي، فقال: أتمنى كما تمنيتم؟قالوا:

تمنّه. قال: «ليتنا لم نخلق، و ليتنا إذ خلقنا لم نعص، و ليتنا إذ عصينا لم نمت، و ليتنا إذ متنا لم نبعث، و ليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، و ليتنا إذ حوسبنا لم نعذّب، و ليتنا إذ عذبنا لم نخلّد» .

و قال الحجاج: «ليت اللّه إذ خلقنا للآخرة كفانا أمر الدنيا، فرفع عنا الهم بالمأكل و المشرب و الملبس و المنكح. أوليته إذا أوقعنا في هذه الدنيا كفانا أمر الآخرة، فرفع عنا الاهتمام بما ينجّي من عذابه.

فبلغ كلامهما عبد اللّه بن الحسن بن حسن، أو علي بن الحسين، فقال: ما علما في التمني شيئا، ما اختاره اللّه فهو خير.

____________

(1) الاستحشاف: اليبس و التقبض.

220

و قال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على اللّه أنه لا يعصى إلا فيها، و لا ينال ما عنده إلا بتركها.

قال شريح‏ (1) : «الحدة كناية عن الجهل» .

و قال أبو عبيدة: «العارضة (2) كناية عن البذاء» .

قال: و إذا قالوا فلان مقتصد فتلك كناية عن البخل، و إذا قالوا للعامل مستقص فتلك كناية عن الجور.

و قال الشاعر، أبو تمام الطائي:

كذبتم ليس يزهى من له حسب # و من له نسب عمّن له أدب

إني لذو عجب منكم أردده # فيكم، و في عجبي من زهوكم عجب

لجاجة لي فيكم ليس يشبهها # إلا لجاجتكم في أنكم عرب‏

و قيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك عن ابنك؟قالت: إن مصيبته أمّنتني من المصائب بعده.

قال: و قال سعيد بن عثمان بن عفان رحمه اللّه لطويس المغني: أيّنا أسنّ أنا أم أنت يا طويس؟فقال: «بأبي أنت و أمي، لقد شهدت زفاف أمك المباركة إلى أبيك الطيب» . فانظر إلى حذقه و إلى معرفته بمخارج الكلام، كيف لم يقل: زفاف أمك الطيبة إلى أبيك المبارك. و هكذا كان وجه الكلام فقلب المعنى.

قال: و قال رجل من أهل الشام: كنت في حلقة أبي مسهر (3) ، في

____________

(1) شريح بن الحارث بن قيس الكندي الكوفي القاضي. عينه عمر قاضيا على الكوفة و أقره عليها عثمان، و ولاه زياد قضاء البصرة، توفي سنة 72 هـ.

(2) العارضة: القدرة على الكلام.

(3) هو عبد الأعلى بن مسهر الغساني، امتحنه المأمون في خلق القرآن و حبسه في بغداد و مات فيها سنة 218 هـ.

221

مسجد دمشق، فذكرنا الكلام و براعته، و الصمت و نبالته، فقال: كلا إن النجم ليس كالقمر، إنك تصف الصمت بالكلام، و لا تصف الكلام بالصمت.

و قال الهيثم بن صالح لابنه و كان خطيبا: يا بني إذا قلّلت من الكلام أكثرت من الصواب، و إذا أكثرت من الكلام أقللت من الصواب. قال: يا أبه، فإن أكثرت و أكثرت؟-يعني كلاما و صوابا-قال: يا بني، ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك! قال: و قال ابن عباس: «لو لا الوسواس، ما باليت أ لا أكلم الناس» .

قال: و قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه: «ما تستبقوه من الدنيا تجدوه في الآخرة» .

و قال رجل للحسن: إني أكره الموت. قال: ذاك أنك أخّرت مالك، و لو قدمته لسرك أن تلحق به.

قال: و قال عامر بن الظرب العدواني: «الرأي نائم، و الهوى يقظان، فمن هنالك يغلب الهوى الرأي» .

و قال: مكتوب في الحكمة: «اشكر لمن أنعم عليك، و أنعم على من شكر لك» .

و قال بعضهم: «أيها الناس، لا يمنعنّكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا» .

و قال عبد الملك على المنبر: «أ لا تنصفوننا يا معشر الرعية؟تريدون منا سيرة أبي بكرة و عمر و لم تسيروا في أنفسكم و لا فينا بسيرة رعية أبي بكر و عمر، أسأل اللّه أن يعين كلا على حال» .

و قال رجل من العرب: «أربع لا يشبعن من أربعة: أنثى من ذكر، و عين من نظر، و أرض من مطر، و أذن من خبر» .

قال: و قال موسى ع لأهله: اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نََاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا

222

بِخَبَرٍ ، فقال بعض المعترضين: فقد قال: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهََابٍ قَبَسٍ . فقال أبو عقيل: «لم يعرف موقع النار من أبناء السبيل، و من الجائع المقرور» .

و قال لبيد بن ربيعة:

و مقام ضيق فرجته # ببيان و لسان و جدل

لو يقوم الفيل أو فيّاله # زلّ عن مثل مقامي و زحل

و لدى النعمان مني موطن # بين فاثور أفاق فالدّحل‏ (1)

إذ دعتني عامر أنصرها # فالتقى الألسن كالنبل الدّول‏ (2)

فرميت القوم رشقا صائبا # ليس بالعصل و لا بالمقثعل‏ (3)

فانتضلنا و ابن سلمى قاعد # كعتيق الطير يغضي و يجل

و قبيل من لكيز شاهد # رهط مرجوم، و رهط ابن المعل‏

و قال لبيد أيضا:

و أبيض يجتاب الخروق على الوجى # خطيبا إذا التفّ المجامع فاصلا

يجتاب: يفتعل من الجوب، و هو أن يجوب البلاد، أي يدخل فيها و يقطعها. و الخروق: جمع خرق، و الخرق: الفلاة الواسعة. و الوجى:

الحفا، مقصور كما ترى، و أنه ليتوجى في مشيته، و هو وج. و قال رؤبة:

به الرذايا من وج و مسقط

و قال أيضا لبيد:

لو كان حيّ في الحياة مخلّدا # في الدهر أدركه أبو يكسوم

و الحارثان كلاهما و محرّق # أو تبع أو فارس اليحموم‏ (4)

____________

(1) فاثور: موضع بنجد. أفاق: موضع في بلاد بني يربوع. الدحل ماء بنجد.

(2) الدول: المتداول.

(3) الرشق: أن يرمى بالسهام كلها. العصل: المعوجة. المقثعل الذي لم يبر بريا جيدا.

(4) أبو يكسوم: كنية أبرهة ملك الحبشة الذي غزا الكعبة. و الحارثان: هما الحارث الأكبر و الحارث الأصغر من ملوك الغساسنة في الشام. و محرق: عمرو بن هند ملك الحيرة اللخمي الذي حرق تميم و فارس اليحموم هو النعمان بن المنذر و اليحموم حصانه.

223

فدعي الملامة ويب غيرك إنه # ليس النوال بلوم كل كريم

و لقد بلوتك و ابتليت خليقتي # و لقد كفاك معلمي تعليمي‏

و له أيضا:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم # و بقيت في خلف كجلد الأجرب

يتأكّلون مغالة و خيانة # و يعاب قائلهم و إن لم يشغب‏

و الخلف: البقية الصالحة من ولد الرجل و أهله. و الخلف ضد هذا.

و قال زيد بن جندب، في ذكر الشّغب:

ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهم # عن الجدال و أغناهم عن الشّغب‏

و قال آخر في الشغب:

إني إذا عاقبت ذو عقاب # و إن تشاغبني فذو شغاب‏

و قال ابن أحمر بن العمرّد (1) :

و كم حلّها من تيجان سميدع # مصافي الندى ساق بيهماء مطعم‏

التيجان: الذي يعرض في كل شي‏ء ليغنى فيه و السميدع: الكريم.

و الندى: السخاء. و اليهماء: الأرض التي لا يهتدى فيها لطريق.

طوي البطن متلاف إذا هبت الصّبا # على الأمر غواص و في الحي شيظم‏ (2)

و قال:

هل لامني قوم لموقف سائل # أو في مخاصمة اللجوج الأصيد

____________

(1) هو عمرو بن أحمد بن العمرد شاعر مخضرم توفي زمن عثمان.

(2) طوي: خالي البطن، جائع. الشيظم: الطلق الوجه، الهش.

224

الأصيد: السيد الرافع رأسه، الشامخ بأنفه.

و قال في التطبيق:

فلما أن بدا القعقاع لجت # على شرك تناقله نقالا

تعاورن الحديث و طبّقته # كما طبقت بالنعل المثالا (1)

قال: و هذا التطبيق غير التطبيق الأول. و قال آخر:

لو كنت ذا علم علمت و كيف لي # بالعلم بعد تدبّر الأمر

يعني إدبار الأمر.

[عودة إلى المفاضلة بين الصمت و الكلام‏]

و قال المعترض على أصحاب الخطابة و البلاغة:

قال لقمان لابنه: «أي بنيّ، إني قد ندمت على الكلام، و لم أندم على السكوت» . و قال الشاعر:

ما أن ندمت على سكوتي مرة # و لقد ندمت على الكلام مرارا

و قال الآخر:

خلّ جنبيك لرام # و امض عنه بسلام

مت بداء الصمت خير # لك من داء الكلام

إنما المسلم من ألـ # جم فاه بلجام‏

و قال الآخر في الاحتراس و التحذير:

اخفض الصوت إن نطقت بليل # و التفت بالنهار قبل الكلام‏

____________

(1) القعقاع: طريق. الشرك: الطرق التي تخفى عليك. المناقلة: سرعة نقل القوائم.

225

و قال آخر في مثل ذلك:

لا أسأل الناس عما في ضمائرهم # ما في الضمير لهم من ذاك يكفيني‏

و قال حمزة بن بيض‏ (1) :

لم يكن عن جناية لحقتني # لا يساري و لا يميني جنتني

بل جناها أخ عليّ كريم # و على أهلها براقش تجني‏

لأن هذه الكلبة، و هي براقش، نبحت غزّى، قد مروا من ورائهم و قد رجعوا خائبين مخفقين، فلما نبحتهم استدلوا بنباحها على أهلها و استباحوهم، و لو سكتت كانوا قد سلموا. (فضرب ابن بيض به المثل) .

و قال الأخطل:

تنقّ بلا شي‏ء شيوخ محارب # و ما خلتها كانت تريش و لا تبري

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت # فدلّ عليها صوتها حية البحر

النقيق: صياح الضفادع.

و قالوا: «الصمت حكم و قليل فاعله» .

و قالوا: «استكثر من الهيبة صامت» .

و قيل لرجل من كلب طويل الصمت: بحق ما سمتكم العرب خرس العرب. فقال: «أسكت فأسلم، و أسمع فأعلم» .

و كانوا يقولون: «لا تعدلوا بالسلامة شيئا» .

و لا تسمع الناس يقولون: جلد فلان حين سكت، و لا قتل فلان حين صمت. و تسمعهم يقولون: جلد فلان حين قال كذا، و قتل حين قال كذا و كذا.

و في الحديث المأثور: «رحم اللّه من سكت فسلم، أو قال فغنم» .

____________

(1) حمزة بن بيض: شاعر أموي ماجن متكسب بشعر مدح المهلب بن أبي صفرة و ولده و حظي عندهما.

226

و السلامة فوق الغنيمة، لأن السلامة أصل و الغنيمة فرع.

و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إن اللّه يبغض البليغ الذي يتخلّل بلسانه، تخلل الباقرة بلسانها» .

و قيل: «لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب» .

قال صاحب البلاغة و الخطابة، و أهل البيان و حب التبيّن: إنما عاب النبي صلّى اللّه عليه و آله المتشادقين و الثرثارين و الذي يتخلّل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها، و الأعرابيّ المتشادق، و هو الذي يصنع بفكيه و بشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباء أهل المدر، فمن تكلف ذلك منكم فهو أعيب، و الذم له ألزم.

و قد كان الرجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثال سائرة، و لم يكن الناس جميعا ليتمثلوا بها إلا لما فيها من المرفق و الانتفاع، و مدار العلم على الشاهد و المثل، و إنما حثوا على الصمت لأن العامة إلى معرفة خطأ القول، أسرع منهم إلى معرفة خطأ الصمت. و معنى الصامت في صمته أخفى من معنى القائل في قوله، و إلا فإن السكوت عن قول الحقّ في معنى النطق بالباطل. و لعمري إن الناس إلى الكلام لأسرع، لأن في أصل التركيب أن الحاجة إلى القول و العمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، و السكوت عن جميع القول. و ليس الصمت كله أفضل من الكلام كله، و لا الكلام كله أفضل من السكوت كله، بل قد علمنا أن عامة الكلام أفضل من عامة السكوت. و قد قال اللّه عز و جل: سَمََّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكََّالُونَ لِلسُّحْتِ . فجعل سمعه و كذبه سواء.

و قال الشاعر:

بني عدي ألا يا انهوا سفيهكم # إن السفيه إذا لم ينه مأمور

و قال آخر:

فإن أنا لم آمر و لم أنه عنكما # ضحكت له حتى يلجّ و يستشري‏

و كيف يكون الصمت أنفع، و الإيثار له أفضل، و نفعه لا يكاد يجاوز رأس‏

227

صاحبه، و نفع الكلام يعم و يخص، و الرواة لم ترو سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين، و بالكلام ارسل اللّه أنبياءه لا بالصمت، و مواضع الصمت المحمودة قليلة، و مواضع الكلام المحمودة كثيرة، و طول الصمت يفسد اللسان.

و قال بكر بن عبد اللّه المزني: «طول الصمت حبسة» كما قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه: «ترك الحركة عقلة» .

و إذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، و تبلّدت نفسه، و فسد حسّه.

و كانوا يروون صبيانهم الأرجاز، و يعلّمونهم المناقلات، و يأمرونهم برفع الصوت و تحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتق اللهاة، و يفتح الجرم‏ (1) .

و اللسان إذا أكثرت تقليبه رق و لان، و إذا أقللت تقليبه و أطلت إسكاته جسأ و غلظ.

و قال عباية الجعفيّ: «لو لا الدربة و سوء العادة لأمرت فتياننا أن يماري بعضهم بعضا» .

و أية جارحة منعتها الحركة، و لم تمرّنها على الاعتمال، أصابها من التعقّد على حسب ذلك لمنع. و لم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للنابغة الجعدي: «لا يفضض اللّه فاك» ؟و لم قال لكعب بن مالك: «ما نسي اللّه لك مقالك ذلك» ؟و لم قال لهيذان بن شيخ: «ربّ خطيب من عبس» ؟و لم قال لحسان: «هيّج الغطاريف على بني عبد مناف، و اللّه لشعرك أشد عليهم من وقع السهام، في غبش الظلام» (2) ؟ و ما نشك أنه عليه السلام قد نهى عن المراء، و عن التزيد و التكلف، و عن كل ما ضارع الرياء و السمعة، و النفج و البذخ، و عن التهاتر و التشاعب، و عن المماتنة و المغالبة (3) . فأما نفس البيان، فكيف ينهى عنه.

____________

(1) الجرم: الحلق.

(2) الغبش: شدة الظلمة.

(3) المماتنة: المعارضة في الجدل و الخصومة.

228

و أبين الكلام كلام اللّه، و هو الذي مدح التبيين و أهل التفصيل. و في هذا كفاية إن شاء اللّه.

و قال دغفل بن حنظلة: إن للعلم أربعة: آفة، و نكدا، و إضاعة، و استجاعة. فآفته النسيان، و نكده الكذب، و إضاعته وضعه في غير موضعه، و استجاعته أنك لا تشبع منه.

و إنما عاب الاستجاعة لسوء تدبير أكثر العلماء، و لخرق سياسة أكثر الرواة، لأن الرواة إذا شغلوا عقولهم بالازدياد و الجمع، عن تحفظ ما قد حصلوه، و تدبّر ما قد دونوه، كان ذلك الازدياد داعيا إلى النقصان، و ذلك الربح سببا للخسران. و جاء في الحديث: «منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم، و منهوم في المال» .

و قالوا: علم علمك، و تعلم علم غيرك، فإذا أنت قد علمت ما جهلت، و حفظت ما علمت.

و قال الخليل بن أحمد: اجعل تعلمك دراسة لعلمك، و اجعل مناظرة المتعلم تنبيها على ما ليس عندك.

و قال بعضهم-و أظنه بكر بن عبد اللّه المزنيّ-: لا تكدّوا هذه القلوب و لا تهملوها، فخير الفكر ما كان عقب الجمام، و من أكره بصره عشي. و عاودوا الفكرة عند نبوات القلوب، و اشحذوها بالمذاكرة، و لا تيأسوا من إصابة الحكمة إذا امتحنتم ببعض الاستغلاق، فإن من أدام قرع الباب ولج.

و قال الشاعر:

إذا المرء أعيته السيادة ناشئا # فمطلبها كهلا عليه شديد

و قال الأحنف: «السؤدد مع السواد» . و تقول الحكماء: «من لم ينطق بالحكمة قبل الأربعين لم يبلغ فيها» . و أنشد:

229

و دون الندى في كل قلب ثنية # لها مصعد حزن و منحدر سهل

و ودّ الفتى في كل نيل ينيله # إذا ما انقضى، لو أن نائله جزل‏

و قال الهذلي:

و إن سيادة الأقوام فاعلم # لها صعداء مطلبها طويل

أ ترجو أن تسود و لا تعنّى # و كيف يسود ذو الدّعة البخيل‏

صالح بن سليمان، عن عتبة بن عمر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: «ما رأيت عقول الناس إلا و قد كاد يتقارب بعضها من بعض، إلا ما كان من الحجاج و إياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس» .

أبو الحسن قال: سمعت أبا الصغدي الحارثي يقول: كان الحجّاج أحمق، بنى مدينة واسط في بادية النبط ثم حماهم دخولها. فلما مات دلفوا إليها من قريب.

و سمعت قحطبة الخشني يقول: كان أهل البصرة لا يشكون أنه لم يكن بالبصرة رجل أعقل من عبيد اللّه بن الحسن، و عبيد اللّه بن سالم.

و قال معاوية لعمرو بن العاص: إن أهل العراق قد قرنوا بك رجلا طويل اللسان، قصير الرأي، فأجد الحزّ و طبّق المفصل، و إياك أن تلقاه برأيك كله.

230

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

231

باب ما قالوا فيه من الحديث الحسن الموجز المحذوف، القليل الفضول‏

قال الشاعر:

لها بشر مثل الحرير و منطق # رقيق الحواشي لا هراء و لا نزر

و قال ابن أحمر:

تضع الحديث على مواضعه # و كلامها من بعده نزر

و قال الآخر:

حديث كطعم الشهد حلو صدوره # و إعجازه الخطبان دون المحارم‏ (1)

و قال بشار بن برد:

أنس غرائر ما هممن بريبة # كظباء مكة صيدهن حرام

يحسبن من أنس الحديث زوانيا # و يصدهن عن الخنا الإسلام‏

____________

(1) الخطبان: نبت شديد المرارة.

232

و لبشار أيضا:

و كأن‏[رصف‏]حديثها # قطع الرياض كسين زهرا

و تخال ما جمعت عليـ # ه ثيابها ذهبا و عطرا

و كأن تحت لسانها # هاروت ينفث فيه سحرا

و لبشار العقيلي:

و فتاة صبّ الجمال عليها # بحديث كلذة النشوان‏

و قال الأخطل:

فأسرين خمسا ثم أصبحن غدوة # يخبّرن أخبارا ألذّ من الخمر

و قال بشار:

و حديث كأنه قطع الرو # ض و فيه الصفراء و الحمراء

و أخبرنا عامر بن صالح أن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى امرأته، و عنده إخوان له، بهذه الأبيات:

إن عندي أبقاك ربّك ضيفا # واجبا حقّهم كهولا و مردا

طرقوا جارك الذي كان قدما # لا يرى من كرامة الضيف بدّا

فلديه أضيافه قد قراهم # و هم يشتهون تمرا و زبدا

فلهذا جرى الحديث و لكن # قد جعلنا بعض الفكاهة جدا

و أنشد الهذلي:

كرّوا الأحاديث عن ليلى إذا بعدت # إن الأحاديث عن ليلى لتلهيني‏

و قال الهذلي أيضا:

و إن حديثا منك لو تبذلينه # جنى النحل أو ألبان عوذ مطافل

مطافيل أبكار حديث نتاجها # تشاب بماء مثل ماء المفاصل‏

233

العوذ: جمع عائذ، و هي الناقة إذا وضعت، فإذا مشى ولدها فهي مرشح فإذا تبعها فهي متلية، لأنه يتلوها. و هي في هذا كله مطفل. فإن كان أول ولد ولدته فهي بكر. ماء المفاصل فيه قولان: أحدهما أن المفاصل ما بين الجبلين واحدها مفصل، و إنما أراد صفاء الماء، لأنه ينحدر عن الجبال، لا يمر بطين و لا تراب. و يقال إنها مفاصل البعير. و ذكروا أن فيها ماء له صفاء و عذوبة.

و في الكلام الموزون يقول عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر:

الزم الصمت إن في الصمت حكما # و إذا أنت قلت قولا فزنه‏

و قال أبو ذؤيب:

و سرب يطلّى بالعبير كأنه # دماء ظباء بالنحور ذبيح

بذلت لهن القول إنك واجد # لما شئت من حلو الكلام، مليح‏

السرب: الجماعة من النساء و البقر و الطير و الظباء. و يقال: فلان آمن السرب، بفتح السين، أي آمن المسلك. و يقال فلان واسع السرب و خلي السرب، أي المسالك و المذاهب. و إنما هو مثل مضروب للصدر و القلب. و عن الأصمعي:

فلان واسع السرب، مكسور، أي واسع الصدر، بطي‏ء الغضب.

و أنشد للحكم بن ريحان، من بني عمرو بن كلاب:

يا أجدل الناس إن جادلته جدلا # و أكثر الناس إن عاتبته عللا

كأنما عسل رجعان منطقها # إن كان رجع كلام يشبه العسلا

و قال القطامي:

و في الخدور غمامات برقن لنا # حتى تصيّدننا من كل مصطاد

يقتلننا بحديث ليس يعلمه # من يتقين و لا مكنونه بادي

فهن ينبذن من قول يصبن به # مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي‏

234

ينبذن: يلقين. الغلة و الغليل: العطش الشديد. و الصادي: العطشان أيضا، و الاسم الصّدى. و أنشد للأخطل:

شمس إذا خطل الحديث أوانس # يرقبن كلّ مجذّر تنبال

أنف كأن حديثهن تنادم # بالكأس كلّ عقيلة مكسال‏

الشّمس: النوافر. و التنبال: القصير. و الأنف: جمع آنفة، و هي المنكرة للشي‏ء غير راضية. العقيلة: المصونة في أهلها. و عقيلة كل شي‏ء خيرته. و المكسال: ذات الكسل عن الحركة.

و قال أبو العميثل عبد اللّه بن خليد:

لقيت ابنة السهميّ زينب عن عفر # و نحن حرام مسي عاشرة العشر

و إني و إياها لحتم مبيتنا # جميعا، و مسرانا مغذ و ذو فتر

فكلمتها ثنتين كالثلج منهما # على اللوح و الأخرى أحرّ من الجمر

يقال: ما يلقانا إلا عن عفر، أي بعد مدة. مسي: أي وقت المساء.

يقال أغذّ السير، إذا جد فيه و أسرع. و اللوح بالفتح: العطش، يقال لاح الرجل يلوح لوحا، و التاح يلتاح التياحا، إذا عطش. و اللوح بالفتح أيضا الذي يكتب فيه. و اللوح بالضم: الهواء، يقال: «لا أفعل ذلك و لو نزوت في اللوح» ، أو «حتى تنزو في اللوح» .

و أنشد:

و إنّا لنجري بيننا حين نلتقي # حديثا له وشي كحبر المطارف‏ (1)

حديث كطعم القطر في المحل يشتفى # به من جوى في داخل القلب لاطف‏

المحل: الجدب، و سنة محول. و أمحل البلد فهو ماحل و ممحل، و زمان ماحل و ممحل. الجوى هاهنا: شدة الحب حتى يمرض صاحبه.

لاطف: لطيف. و أنشد للشماخ بن ضرار الثعلبي:

____________

(1) الحبر: الوشي، المطارف: جمع مطرف ثوب من خز.

235

يقر بعيني أن أنبأ أنها # و إن لم أنلها أيّم لم تزوّج

و كنت إذا لاقيتها كان سرّنا # و ما بيننا مثل الشواء الملهوج‏

يريد أنهما كانا على عجلة من خوف الرقباء. و الملهوج: المعجل الذي لم ينتظر به النضج.

و قال جران العود:

فنلنا سقاطا من حديث كأنه # جنى النحل أو أبكار كرم يقطف

حديثا لو أن البقل يولى بمثله # زها البقل و اخضرّ العضاه المصنّف‏

زها: بدا زهره. العضاه: جمع عضة، و هي كل شجرة ذات شوك، إلا القتادة فإنها لا تسمى عضة.

و قال الكميت بن زيد:

و حديثهن إذا التقين # تهانف البيض الغرائر

و إذا ضحكن عن العذاب # لنا المسفات الثواغر

كان التهلل بالتبسم # لا القهاقه بالقراقر

التهانف: تضاحك في هزء. الغرائر: جمع غريرة، و هي المرأة القليلة الخبرة، الغمرة. و العذاب، يريد الثغر. و المسفات: اللثات التي قد أسفّت بالكحل أو بالنئور، و ذلك أن تغرز بالإبرة و يذر عليها الكحل فيعلوها حوة.

و التهلل، يقال تهلل وجهه، إذا أشرق و أسفر. و قال الآخر:

و لما تلاقينا جرى من عيوننا # دموع كففنا غربها بالأصابع

و نلنا سقاطا من حديث كأنه # جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع‏

سقاط الحديث: ما نبذ منه و لفظ به. يقال ساقطت فلانا الحديث سقاطا. الوقائع و الوقيع: مناقع الماء في متون الصخور، الواحدة وقيعة. ـ

236

و قال أشعث بن سميّ:

هل تعرف المبدأ إلى السنام # ناط به سواحر الكلام

كلامها يشفي من السقام‏

المبدأ و سنام: موضعان. ناط به: أي صار إليه.

و قال الراجز و وصف عيون الظباء بالسحر و ذكر قوسا فقال:

صفراء فرع خطموها بوتر # لأم ممرّ مثل حلقوم النغر

حدت ظبات أسهم مثل الشرر # فصرّعتهن بأكناف الحفر

حور العيون بابليات النظر # يحسبها الناظر من وحش البشر

اللام من كلّ شي‏ء: الشديد. و الممر: المحكم الفتل، و حبل مرير مثله. النغر: البلبل. و الظبات: ظبة، و هي حد السيف و السنان و غيرهما.

و قال آخر:

و حديثها كالقطر يسمعه # راعي سنين تتابعت جدبا

فأصاخ يرجو أن يكون حيا # و يقول من طمع هيا ربّا

237

باب من الأسجاع في الكلام‏

قال عمر بن ذرّ، رحمه اللّه: «اللّه المستعان على ألسنة تصف، و قلوب تعرف، و أعمال تخلف» .

و لما مدح عتيبة بن مرداس عبد اللّه بن عباس قال: لا أعطي من يعصي الرحمن، و يطيع الشيطان، و يقول البهتان.

و في الحديث المأثور، قال: «يقول العبد مالي مالي، و إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، و أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت» .

و قال النّمر بن تولب:

أعاذل إن يصبح صداي بقفرة # بعيدا نآني صاحبي و قريبي

تري أن ما أبقيت لم أك ربّه # و أن الذي أمضيت كان نصيبي‏

الصدى هاهنا: طائر يخرج من هامة الميت إذا بلي، فينعى إليه ضعف وليّه و عجزه عن طلب طائلته، و هذا كانت تقوله الجاهلية، و هو هنا مستعار.

أي أن أصبحت أنا.

238

و وصف أعرابي رجلا فقال: «صغير القدر، قصير الشّبر، ضيّق الصدر، لئيم النجر، عظيم الكبر، كثير الفخر» .

الشبر: قدر القامة، تقول: كم شبر قميصك، أي كم عدد أشباره.

و النّجر: الطباع.

و وصف بعض الخطباء رجلا فقال: «ما رأيت أضرب لمثل، و لا أركب لجمل، و لا أصعد في قلل منه» .

و سأل بعض الأعراب رسولا قدم من أهل السند: كيف رأيتم البلاد؟ قال: «ماؤها وشل، و لصها بطل، و تمرها دقل‏ (1) . إن كثر الجند بها جاعوا، و إن قلوا بها ضاعوا» .

و قيل لصعصعة بن معاوية: من أين أقبلت؟فقال: من الفجّ العميق.

قيل: فأين تريد؟قال: البيت العتيق. قالوا: هل كان من مطر؟قال: نعم، حتى عفّى الأثر، و أنضر الشجر، و دهدى الحجر (2) .

و استجار عون بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، بمحمد بن مروان بنصيبين، و تزوج بها امرأة، فقال محمد: كيف ترى نصيبين؟قال: «كثيرة العقارب قليلة الأقارب» . يريد بقوله «قليلة» كقول القائل: فلان قليل الحياء، ليس يريد أن هناك حياء و إن قلّ. يضعون قليلا في موضع ليس.

و ولي العلاء الكلابي عملا خسيسا، بعد أن كان على عمل جسيم، فقال: «العنوق بعد النّوق» (3) .

قال: و نظر رجل من العبّاد إلى باب بعض الملوك فقال: «باب جديد، و موت عتيد و نزع شديد، و سفر بعيد» .

____________

(1) الدقل: ردي‏ء الثمر.

(2) دهدهت الحجر و دهدهته: قذفته و دحرجته من أعلى إلى أسفل.

(3) العنوق جمع عناق: المعزاة.

239

و قيل لبعض العرب: أي شي‏ء تمنّى، و أي شي‏ء أحب إليك؟فقال:

لواء منشور، و الجلوس على السرير، و السلام عليك أيها الأمير» .

و قيل لآخر، و صلى ركعتين فأطال فيهما، و قد كان أمر بقتله: أ جزعت من الموت؟فقال: إن أجزع فقد أرى كفنا منشورا، و سيفا مشهورا، و قبرا محفورا.

و يقال إن هذا الكلام تكلم به حجر بن عديّ الكنديّ عند قتله.

و قال عبد الملك بن مروان لأعرابي: ما أطيب الطعام؟فقال: «بكرة سنمة، معتبطة غير ضمنة، في قدور رذمة، بشفار خذمة، في غداة شبمة» .

فقال عبد الملك: و أبيك لقد أطيبت.

معتبطة: منحورة من غير داء، يقال اعتبط الإبل و الغنم، إذا ذبحت من غير داء. و لهذا قيل للدم الخالص عبيط. و العبيط: ما ذبح من غير علة. غير ضمنة: غير مريضة. رذمة: سائلة من امتلائها. بشفار خذمة: قاطعة. غداة شبمة: باردة. و الشبم: البرد.

و قالوا: «لا تغتر بمناصحة الأمير، إذا غشك الوزير» .

و قالوا: «من صادق الكتّاب أغنوه، و من عاداهم أفقروه» . و قالوا: «اجعل قول الكذاب ريحا، تكن مستريحا» .

و قيل لعبد الصّمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي: لم تؤثر السجع على المنثور، و تلزم نفسك القوافي و إقامة الوزن؟قال: إن كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقلّ خلافي عليك، و لكني أريد الغائب و الحاضر، و الراهن و الغابر، فالحفظ إليه أسرع، و الآذان لسماعه أنشط، و هو أحق بالتقييد و بقلة التفلّت. و ما تكلمت به العرب من جيّد المنثور، أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشرة، و لا ضاع من الموزون عشره.

قالوا: فقد قيل للذي قال: يا رسول اللّه، أ رأيت من لا شرب و لا أكل،

240

و لا صاح و استهلّ، أ ليس مثل ذلك يطلّ. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أسجع كسجع الجاهلية» قال عبد الصمد: لو أن هذا المتكلم لم يرد إلا الإقامة لهذا الوزن، لما كان عليه بأس، و لكنه عسى أن يكون أراد إبطال حق فتشادق في الكلام.

و قال غير عبد الصمد: وجدنا الشعر: من القصيد و الرجز، قد سمعه النبي صلّى اللّه عليه و آله فاستحسنه و أمر به شعراءه، و عامة أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قالوا شعرا، قليلا كان ذلك أم كثيرا، و استمعوا و استنشدوا. فالسجع و المزدوج دون القصيد و الرجز، فكيف يحلّ ما هو أكثر و يحرم ما هو أقلّ. و قال غيرهما: إذا لم يطل ذلك القول، و لم تكن القوافي مطلوبة مجتلبة، أو ملتمسة متكلفة، و كان ذلك كقول الأعرابي لعامل الماء: «حلّئت ركابي، و خرّقت ثيابي، و ضربت صحابي» -حلّئت ركابي، أي منعت إبلي من الماء و الكلأ.

و الركاب: ما ركب من الإبل-قال: «أ و سجع أيضا؟» . قال الأعرابي: فكيف أقول؟لأنه لو قال حلّئت إبلي أو جمالي أو نوقي أو بعراني أو صرمتي، لكان لم يعبر عن حق معناه، و إنما حلّئت ركابه، فكيف يدع الركاب إلى غير الركاب. و كذلك قوله: و خرقت ثيابي، و ضربت صحابي. لأن الكلام إذا قل وقع وقوعا لا يجوز تغييره، و إذا طال الكلام وجدت في القوافي ما يكون مجتلبا، و مطلوبا مستكرها.

و يدخل على من طعن في قوله: تَبَّتْ يَدََا أَبِي لَهَبٍ . و زعم أنه شعر، لأنه في تقدير مستفعلن مفاعلن، و طعن في قوله في الحديث عنه: «هل أنت إلا إصبع دميت؟و في سبيل اللّه ما لقيت» -فيقال له: اعلم أنك لو اعترضت أحاديث الناس و خطبهم و رسائلهم، لوجدت فيها مثل مستفعلن مستفعلن كثيرا، و مستفعلن مفاعلن. و ليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعرا. و لو أن رجلا من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات. و كيف يكون هذا شعرا و صاحبه لم يقصد إلى الشعر؟و مثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام. و إذا جاء المقدار الذي يعلم أنه من نتاج الشعر و المعرفة بالأوزان و القصد إليها، كان ذلك شعرا. و هذا قريب، و الجواب سهل بحمد اللّه.

241

و سمعت غلاما لصديق لي، و كان قد سقي بطنه‏ (1) ، و هو يقول لغلمان مولاه: «اذهبوا بي إلى الطبيب و قولوا قد اكتوى» . و هذا الكلام يخرج وزنه على خروج فاعلاتن مفاعلن، فاعلاتن مفاعلن مرتين. و قد علمت أن هذا الغلام لم يخطر على باله قط أن يقول بيت شعر أبدا. و مثل هذا كثير، و لو تتبعته في كلام حاشيتك و غلمانك لوجدته.

و كان الذي كرّه الأسجاع بعينها و إن كانت دون الشعر في التكلف و الصنعة، أن كهان العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم، و كانوا يدعون الكهانة و أن مع كلّ واحد منهم رئيا من الجن مثل حازي جهينة (2) ، و مثل شقّ و سطيح، و عزّى سلمة و أشباههم، كانوا يتكهنون و يحكمون بالأشجاع، كقوله: «و الأرض و السماء، و العقاب الصقعاء (3) ، واقعة ببقعاء (4) ، لقد نفر المجد بني الشعراء، للمجد و السناء» .

و هذا الباب كثير. أ لا ترى أن ضمرة بن ضمرة، و هرم بن قطبة، و الأقرع ابن حابس، و نفيل بن عبد العزّى كانوا يحكمون و ينفّرون بالأسجاع. و كذلك ربيعة بن حذار.

قالوا: فوقع النهي في ذلك الدهر لقرب عهدهم بالجاهلية، و لبقيتها فيهم و في صدور كثير منهم، فلما زالت العلة زال التحريم.

و قد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين، فيكون في تلك الخطب أسجاع كثيرة، فلا ينهونهم.

و كان الفضل بن عيسى الرّقاشي سجّاعا في قصصه. و كان عمرو بن عبيد، و هشام بن حسان، و أبان بن أبي عياش، يأتون مجلسه. و قال له داود ابن أبي هند: لو لا أنك تفسر القرآن برأيك لأتيناك في مجلسك. قال: فهل

____________

(1) سقي بطنه: اجتمع فيه ماء أصفر.

(2) الحازي: الكاهن.

(3) الصقعاء: التي في وسط رأسها بياض.

(4) البقعاء: الأرض ذات الحصى الصغار.

242

تراني أحرّم حلالا، أو أحلّل حراما؟و إنما كان يتلو الآية التي فيها ذكر الجنة و النار، و الموت و الحشر، و أشباه ذلك.

و قد كان عبد الصمد بن الفضل، و أبو العباس القاسم بن يحيى، و عامة قصاص البصرة، و هم أخطب من الخطباء، يجلس إليهم عامة الفقهاء.

و قد كان النهي ظاهرا عن مرثية أمية بن أبي الصلت لقتلى أهل بدر، كقوله:

ما ذا ببدر بالعقنـ # قل مرازبة جحاجح

هلا بكيت على الكرام # بني الكرام أولي الممادح‏

و روى ناس شبيها بذلك في هجاء الأعشى لعلقمة بن علاثة. فلما زالت العلة زال النهي.

و قال وائلة بن خليفة، في عبد الملك بن المهلّب:

قد صبرت للذلّ أعواد منبر # تقوم عليها، في يديك قضيب

بكى المنبر الغربي إذ قمت فوقه # و كادت مسامير الحديد تذوب

رأيتك لما شبت أدركك الذي # يصيب سراة الأسد حين تشيب

سفاهة أحلام و بخل بنائل # و فيك لمن عاب المزون عيوب‏

قال: و خطب الوليد بن عبد الملك فقال: «إن أمير المؤمنين كان يقول: إن الحجاج جلدة ما بين عينيّ، ألا و إنه جلدة وجهي كله» .

و خطب الوليد أيضا فذكر استعماله يزيد بن أبي مسلم بعد الحجاج فقال:

«كنت كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا» .

شبيب بن شيبة قال: حدثني خالد بن صفوان قال: خطبنا يزيد بن المهلّب بواسط فقال: «إني قد أسمع قول الرعاع: قد جاء مسلمة، و قد جاء العباس، و قد جاء أهل الشام، و ما أهل الشام إلا تسعة أسياف، سبعة منها معي، و اثنان منها عليّ، و أما مسلمة فجرادة صفراء. و أما العباس فنسطوس‏

243

ابن نسطوس، أتاكم في برابرة و صقالبة، و جرامقة و جراجمة، و أقباط و أنباط، و أخلاط من الناس. إنما أقبل إليكم الفلاحون الأوباش كأشلاء اللّجم. و اللّه ما لقوا قوما قط كحدّكم و حديدكم، و عدّكم و عديدكم. أعيروني سواعدكم ساعة من نهار تصفقون بها خراطيمهم‏ (1) ، فإنما هي غدوة أو روحة حتى يحكم اللّه بيننا و بين القوم الفاسقين» .

ثم دعا بفرس، فأتي بأبلق، فقال: تخليط و ربّ الكعبة!ثم ركب فقاتل فكثره الناس فانهزم عنه أصحابه، حتى بقي في إخوته و أهله، فقتل و انهزم باقي أصحابه. و في ذلك يقول الشاعر (2) :

كل القبائل بايعوك على الذي # تدعو إليه طائعين و ساروا

حتى إذا حمي الوغى و جعلتهم # نصب الأسنة أسلموك و طاروا

إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن # عارا عليك و بعض قتل عار

و مدح الشاعر بشار، عمر هزار مرد العتكي‏ (3) ، بالخطب و ركوبه المنابر، بل رثاه و أبّنه فقال:

ما بال عينك دمعها مسكوب # حربت‏ (4) فأنت بنومها محروب

و كذاك من صحب الحوادث لم يزل # تأتي عليه سلامة و نكوب

يا أرض ويحك أكرميه فإنه # لم يبق للعتكي فيك ضريب

أبهى على خشب المنابر قائما # يوما و أحزم إذ تشب حروب‏

و قال: كان سوّار بن عبد اللّه، أول تميمي خطب على منبر البصرة. ثم خطب عبيد اللّه بن الحسن.

و ولي منبر البصرة أربعة من القضاة فكانوا أمراء: بلال بن أبي بردة بن

____________

(1) الصفق: الضرب، الخرطوم: الأنف.

(2) الشعر لثابت قطنة قاله يوم العقر.

(3) هو عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة المهلبي كان شجاعا فسمي هزار مرد أي ألف رجل بالفارسية ولاه المنصور على السند ثم على افريقية. قتل سنة 151 هـ.

(4) حربت: سلبت.

244

أبي موسى الأشعري، و سوار، و عبيد اللّه، و أحمد بن أبي رباح. فكان بلال قاضيا ابن قاض ابن قاض.

و قال رؤبة:

فأنت يا ابن القاضيين قاضي # معتزم على الطريق ماضي‏

قال أبو الحسن المدائني: كان عبيد اللّه بن الحسن حيث وفد على المهدي معزيا و مهنئا، أعد له كلاما، فبلغه أن الناس قد أعجبهم كلامه فقال لشبيب بن شيبة: إني و اللّه ما ألتفت إلى هؤلاء، و لكن سل لي عبيد اللّه الكاتب عنه. فسأله فقال: ما أحسن ما تكلم به!على أنه أخذ مواعظ الحسن، و رسائل غيلان‏ (1) ، فلقح بينهما كلاما. فأخبره بذلك شبيب، فقال عبيد اللّه:

لا و اللّه إن أخطأ حرفا واحدا.

و كان محمد بن سليمان‏ (2) له خطبة لا يغيرها، و كان يقول: «إن اللّه و ملائكته» . فكان يرفع الملائكة، فقيل له في ذلك، فقال: خرّجوا لها وجها. و لم يكن يدع الرفع.

قال: و صلى بنا خزيمة يوم النحر، فخطب، فلم يسمع من كلامه إلا ذكر أمير المؤمنين الرشيد، و ولي عهده محمد.

قال: و كان إسحاق بن شمّر يدار به إذا فرغ المنبر. قال الشاعر:

أمير المؤمنين إليك نشكو # و إن كنا نقول بغير عذر

غفرت ذنوبنا و عفوت عنا # و ليست منك أن تعفو بنكر

فإن المنبر البصريّ يشكو # على العلات إسحاق بن شمر

أضبي على خشبات ملك # كمركب ثعلب ظهر الهزبر

____________

(1) غيلان الدمشقي من رواد القدرية في العصر الأموي، غضب عليه عبد الملك بن مروان فصلبه بباب دمشق.

(2) والي البصرة من قبل المنصور، ثم ولي الكوفة و عزل عنها مرارا توفي سنة 173 هـ.

245

و قال بعض شعراء العسكر، يهجو رجلا من أهل العسكر:

ما زلت تركب كل شي‏ء قائم # حتى اجترأت على ركوب المنبر

ما زال منبرك الذي دنسته # بالأمس منك كحائض لم تطهر

فلأنظرنّ إلى المنابر كلها # و إلى الأسرّة باحتقار المنظر

و قال آخر:

فما منبر دنّسته يا ابن أفكل # بزاك و لو طهّرته بابن طاهر (1)

عبد اللّه بن المبارك، عن بعض أشياخه، عن الشعبيّ قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: «البرّ ثلاثة: المنطق، و النظر، و الصمت. فمن كان منطقة في غير ذكر فقد لغا، و من كان نظره في غير اعتبار فقد سها، و من كان صمته في غير فكر فقد لها» .

و قال علي بن أبي طالب: «أفضل العبادة الصمت، و انتظار الفرج» .

و قال يزيد بن المهلّب، و هو في الحبس: « وا لهفاه على طليّة (2) بمائة ألف، و فرج في جبهة أسد» .

و قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: «استغزروا الدموع بالتذكر» . و قال الشاعر:

و لا يبعث الأحزان مثل التذكر

حفص بن ميمون قال، سمعت عيسى بن عمر (3) يقول: سمعنا الحسن يقول: «اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة، و اعصوها، فإنكم إن أطعتموها تنزع بكم إلى شرّ غاية. و حادثوها بالذكر، فإنها سريعة الدثور» .

____________

(1) أفكل: ثلم من أعلامهم. الزاكي: الطاهر.

(2) الطلية: الفرس، أو الكأس المطلية.

(3) عيسى بن عمر: علم من أعلام النحو و اللغة و القراءة أخذ عن الحسن البصري، و أخذ عنه سيبويه؛ و كان يقعّر في كلامه، و توفي سنة 149 هـ.

246

اقدعوا: انهوا. طلعة: أي تطلع إلى كل شي‏ء. حادثوا، أي اجلوا و اشحذوا. و الدثور: يقال: دثر أثر فلان، إذا ذهب، كما يقال درس و عفا.

قال: فحدّثت بهذا الحديث أبا عمرو بن العلاء، فتعجب من كلامه.

و قال الشاعر:

سمعن بهيجا أوجفت فذكرته # و لا يبعث الأحزان مثل التذكر

الوجيف: سير شديد، يقال: وجف الفرس و البعير و أوجفته. و مثله الايضاع، و هو الإسراع. أراد: بهيجا أقبلت مسرعة.

و من الأسجاع قول أيوب بن القريّة، و قد كان دعي للكلام و احتبس القول عليه، فقال: «قد طال السهر، و سقط القمر، و اشتد المطر، فما ينتظر» .

فأجابه فتى من عبد القيس فقال: «قد طال الأرق، و سقط الشفق و كثر اللثق، فلينطق من نطق» .

اللثق: الندى و الوحل.

و قال أعرابي لرجل: «نحن و اللّه آكل منكم للمأدوم، و أكسب منكم للمعدوم، و أعطى منكم للمحروم» .

و وصف أعرابي رجلا فقال: «إن رفدك لنجيح، و إن خيرك لسريح، و إن منعك لمريح» .

سريح: عجل. و مريح: أي مريح من كدّ الطلب.

و قال عبد الملك لأعرابي: ما أطيب الطعام؟فقال: «بكرة سنمة، في قدور رذمة، بشفار حذمة، في غداة شبمة» . فقال عبد الملك: و أبيك لقد أطيبت.

247

و سئل أعرابي فقيل له: ما أشدّ البرد؟فقال: «ريح جربياء (1) ، في ظلّ عماء (2) ، في غبّ سماء (3) » .

و دعا أعرابي فقال: «اللهم إني أسألك البقاء و النماء، و طيب الأتاء، و حط الأعداء، و رفع الأولياء» . الأتاء: الرزق.

قال: و قال إبراهيم النخعي لمنصور بن المعتمر: «سل مسألة الحمقى، و احفظ حفظ الكيسى‏ (4) » .

و وصفت عمّة حاجز اللصّ حاجزا (5) ، ففضلته و قالت: «كان حاجز لا يشبع ليلة يضاف، و لا ينام ليلة يخاف» .

و وصف بعضهم فرسا فقال: «أقبل بزبرة الأسد، و أدبر بعجز الذئب» .

الزبرة: مغرز العنق، و يقال للشعر الذي بين كتفيه. وصفه بأنه محطوط الكفل.

قال: و لما اجتمع الناس، و قامت الخطباء لبيعة يزيد، و أظهر قوم الكراهة قام رجل من عذرة يقال له يزيد بن المقنّع، فاخترط من سيفه شبرا ثم قال: أمير المؤمنين هذا-و أشار بيده إلى معاوية-فإن مات فهذا-و أشار بيده إلى يزيد-فمن أبى فهذا-و أشار بيده إلى سيفه. فقال له معاوية: أنت سيد الخطباء.

قالوا: و لما قامت خطباء نزار عند معاوية فذهبت في الخطب كل مذهب، قام صبرة بن شيمان، فقال: «يا أمير المؤمنين، إنّا حي فعال، و لسنا حي مقال، و نحن نبلغ بفعالنا أكثر من مقال غيرنا» .

____________

(1) الجربياء: ريح تهب بين الجنوب و الصبا.

(2) العماءة: السحابة الكثيفة المطبقة.

(3) في غب سماء: بعد أن تنقطع يوما. السماء: المطر.

(4) الكيسي: جمع كيس. معظم هذه الأقوال سبق ورودها في هذا الكتاب.

(5) حاجز بن عوف بن الحارث شاعر صعلوك من شعراء الجاهلية المقلين.

248

قال: و لما وفد الأحنف في وجوه أهل البصرة إلى عبد اللّه بن الزبير، تكلم أبو حاضر الأسيدي و كان خطيبا جميلا، فقال له عبد اللّه بن الزبير:

أسكت، فو اللّه لوددت أنّ لي بكل عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام، صرف الدينار بالدرهم. قال: يا أمير المؤمنين، إن لنا و لك مثلا، أ فتأذن في ذكره؟قال: نعم. قال: مثلنا و مثلك و مثل أهل الشام، كقول الأعشى حيث يقول:

علّقتها عرضا و علقت رجلا # غيري و علّق أخرى غيرها الرجل‏

أحبك أهل العراق، و أحببت أهل الشام، و أحب أهل الشام عبد الملك ابن مروان.

عليّ بن مجاهد (1) ، عن حميد بن أبي البختري قال: ذكر معاوية لابن الزبير بيعة يزيد، فقال ابن الزبير: إني أناديك و لا أناجيك، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تقدم، و تفكر قبل أن تندم، فإن النظر قبل التقدم، و التفكر قبل التندم» . فضحك معاوية ثم قال: تعلمت أبا بكر السّجاعة عند الكبر، إن في دون ما سجعت به على أخيك ما يكفيك. ثم أخذ بيده فأجلسه معه على السرير.

أخبرنا ثمامة بن أشرس، قال: لما صرفت اليمانية من أهل مزّة، الماء عن أهل دمشق، و وجهوه إلى الصحارى، كتب إليهم أبو الهيذام: «إلى بني استها أهل مزة، ليمسينني الماء أو لتصبحنكم الخيل» قال: فوافاهم الماء قبل أن يعتموا. فقال أبو الهيذام: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» . و حدثني ثمامة عن من قدم عليه من أهل دمشق قال: لما بايع الناس يزيد بن الوليد، و أتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكؤ و التحبّس، كتب إليه:

____________

(1) علي بن مجاهد الفقيه القاضي الراوية، روى عن ابن إسحاق و الثوري و جماعة، و روى عنه أحمد بن حنبل و غيره.

249

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. من عبد اللّه أمير المؤمنين يزيد بن الوليد، إلى مروان بن محمد. أما بعد فإني أراك تقدّم رجلا و تؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت. و السلام» .

و هاهنا مذاهب تدل على أصالة الرأي، و مذاهب تدل على تمام النفس، و على الصلاح و الكمال، لا أرى كثيرا من الناس يقفون عليها.

و استعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة بن نضلة، بن صفوان بن محرّث خال مروان، على مكة، فخطب ذات يوم و أبان بن عثمان بحذاء المنبر، فشتم طلحة و الزبير، فلما نزل قال لأبان: أرضيتك من المدهنين في أمير المؤمنين؟قال: لا و اللّه و لكن سؤتني، حسبي أن يكونا شركا في أمره.

فما أدري أيهما أحسن كلاما: أبان بن عثمان هذا، أم إسحاق بن عيسى، فإنه قال: «أعيذ عليّا باللّه أن يكون قتل عثمان، و أعيذ باللّه أن يقتله علي» . فمدح عليّا بكلام سديد غير نافر، و مقبول غير وحشيّ، و ذهب إلى معنى الحديث في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أشد أهل النار عذابا من قتل نبيا أو قتله نبيّ» . يقول: لا يتفق أن يقتله نبي بنفسه إلا و هو أشدّ خلق اللّه معاندة و أجرؤهم على معصية. و قال هذا: لا يجوز أن يقتله علي إلا و هو مستحق للقتل.

قال: خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعشر كلمات: حمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، و إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما اللّه صانع به، و بين أجل قد بقي لا يدري ما اللّه قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، و من دنياه لآخرته، و من الشبيبة قبل الكبرة، و من الحياة قبل الموت، فو الذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت من مستعتب، و لا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار» . ـ

250

أبو الحسن المدائني قال: تكلم عمار بن ياسر يوما فأوجز، فقيل له: لو زدتنا. فقال: أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بإطالة الصلاة و قصر الخطب.

محمد بن إسحاق‏ (1) ، عن يعقوب بن عتبة، عن شيخ من الأنصار من بني زريق، أن عمر بن الخطاب رحمه اللّه لما أتي بسيف النعمان بن المنذر دعا جبير بن مطعم فسلّحه إياه، ثم قال: يا جبير، ممن كان النعمان؟قال: من أشلاء قنص بن معدّ. و كان جبير أنسب العرب، و كان أخذ النسب عن أبي بكر الصديق رحمه اللّه. و عن جبير أخذ سعيد بن المسيّب.

و روي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قلت لسعيد بن المسيب:

علّمني النسب. قال: أنت رجل تريد أن تسابّ الناس.

قال: و ثلاثة في نسق واحد كانوا أصحاب نسب: عمر بن الخطاب رحمه اللّه، أخذ ذلك من الخطاب، و الخطاب بن نفيل، و نفيل بن عبد العزّى، تنافر إليه عبد المطلب و حرب بن أمية، فنفّر عبد المطلب، أي حكم لعبد المطلب، و المنافرة: المحاكمة.

قال: و النسّاب أربعة: دغفل بن حنظلة، و عميرة أبو ضمضم، و صبح الحنفي، و ابن الكيّس النمري.

قال الأصمعي: دغفل بن حنظلة، و النسابة البكري، و كان نصرانيا. و لم يسمّه.

ذكر كلمات خطب بهن سليمان بن عبد الملك:

قال: «اتخذوا كتاب اللّه إماما، و ارضوا به حكما، و اجعلوه قائدا، فإنه ناسخ لما قبله، و لم ينسخه كتاب بعده» .

____________

(1) محمد بن إسحاق المدني، صاحب سيرة النبي، راوية كبير أخذ عن يعقوب بن عتبة، و توفي سنة 152 هـ.

251

قال: و كان أول كلام بارع سمعوه منه: «الكلام فيما يعنيك خير من السكوت عما يضرك، و السكوت عما لا يعنيك خير من الكلام فيما يضرك» .

خلاّد بن يزيد الأرقط قال: سمعت من يخبرنا عن الشعبي قال: ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا تمنيت أن يسكت خوفا من أن يسي‏ء، إلا زيادا، فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما.

و كان نوفل بن مساحق‏ (1) ، إذا دخل على امرأته صمت، و إذا خرج من عندها تكلم، فرأته يوما كذلك فقالت: أما عندي فتطرق، و أما عند الناس فتنطق. قال: لأني أدقّ عن جليلك، و تجلين عن دقيقي.

قال أبو الحسن: قاد عياش بن الزبرقان بن بدر، إلى عبد الملك بن مروان خمسة و عشرين فرسا، فلما جلس لينظر إليها نسب كل فرس منها إلى جميع آبائه و أمهاته، و حلف على كل فرس بيمين غير اليمين التي حلف بها على الفرس الآخر، فقال عبد الملك بن مروان: عجبي من اختلاف إيمانه أشد من عجبي من معرفته بأنساب الخيل.

و قال: كان للزبرقان بن بدر ثلاثة أسماء: القمر، و الزبرقان، و الحصين. و كانت له ثلاث كنى: أبو شذرة، و أبو عياش، و أبو العباس.

و كان عياش ابنه خطيبا ماردا شديد العارضة شديد الشكيمة وجيها، و له يقول جرير:

أعياش قد ذاق القيون مرارتي # و أوقدت ناري فادن دونك فاصطل‏

فقال عياش: إني إذا لمقرور. قالوا: فغلّب عليه.

[عودة إلى تراجم بعض الخطباء و البلغاء]

ذكر أسماء الخطباء و البلغاء و الأبيناء و ذكر قبائلهم و أنسابهم.

____________

(1) نوفل بن مساحق القرشي، استقضي المدينة و توفي سنة 47 هـ.

252

كان التدبير في أسماء الخطباء و حالاتهم و أوصافهم أن نذكر أسماء أهل الجاهلية على مراتبهم، و أسماء أهل الإسلام على منازلهم، و نجعل لكلّ قبيلة منهم خطباء، و نقسم أمورهم بابا بابا على حدته، و نقدّم من قدمه اللّه و رسوله عليه السلام في النسب، و فضله في الحسب. و لكني لما عجزت عن نظمه و تنضيده، تكلفت ذكرهم في الجملة. و اللّه المستعان، و به التوفيق، و لا حول و لا قوة إلا به.

[الفضل الرقاشي‏]

كان الفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس، و كان متكلما قاصا مجيدا، و كان يجلس إليه عمرو بن عبيد، و هشام بن حسان، و أبان بن أبي عياش، و كثير من الفقهاء. و هو رئيس الفضيلة، و إليه ينسبون. و خطب إليه ابنته سوادة بنت الفضل، سليمان بن طرخان التيمي، فزوّجه فولدت له المعتمر ابن سليمان. و كان سليمان مباينا للفضل في المقالة، فلما ماتت سوادة شهد الجنازة المعتمر و أبوه، فقدّما الفضل.

و كان الفضل لا يركب إلا الحمير، فقال له عيسى بن حاضر: إنك لتؤثر الحمير على جميع المركوب، فلم ذلك؟قال: لما فيها من المرافق و المنافع.

قلت: مثل أي شي‏ء؟قال: لا تستبدل بالمكان على قدر اختلاف الزمان، ثم هي أقلها داء و أيسرها دواء، و أسلم صريعا، و أكثر تصريفا، و أسهل مرتقى و أخفض مهوى، و أقل جماحا، و أشهر فارها، و أقل نظيرا، يزهى راكبه و قد تواضع بركوبه، و يكون مقتصدا و قد أسرف في ثمنه.

قال: و نظر يوما إلى حمار فاره تحت سلم بن قتيبة، فقال: «قعدة نبيّ و بذلة جبار» .

و قال عيسى بن حاضر: ذهب إلى حمار عزيز، و إلى حمار المسيح، و إلى حمار بلعم. و كان يقول: لو أراد أبو سيارة عميلة بن أعزل، أن يدفع بالموسم على فرس عربي، أو جمل مهريّ لفعل، و لكنه ركب عيرا أربعين‏

253

عاما، لانه كان يتأله‏ (1) . و قد ضرب به المثل فقالوا: «أصح من عير أبي سيارة» .

و الفضل هو الذي يقول في قصصه: «سل الأرض فقل: من شق أنهارك، و غرس أشجارك، و جنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا» .

و كان عبد الصمد بن الفضل أغزر من أبيه و أعجب و أبين و أخطب.

و قال: و حدثني أبو جعفر الصوفي القاص قال: تكلم عبد الصمد في خلق البعوضة و في جميع شأنها ثلاثة مجالس تامة.

قال: و كان بزيد بن أبان عم الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، من أصحاب أنس و الحسن، و كان يتكلم في مجلس الحسن، و كان زاهدا عابدا، و عالما فاضلا، و كان خطيبا، و كان قاصا مجيدا.

قال أبو عبيدة: كان أبوهم خطيبا، و كذلك جدهم، و كانوا خطباء الأكاسرة فلما سبوا و ولد لهم الأولاد في بلاد الإسلام و في جزيرة العرب، نزعهم ذلك العرق، فقاموا في أهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة، و فيهم شعر و خطب، و ما زالوا كذلك حتى أصهر إليهم الغرباء ففسد ذلك العرق و دخله الخور.

[قس بن ساعدة]

و من خطباء إياد قسّ بن ساعدة، و هو الذي قال فيه النبي صلّى اللّه عليه و آله: «رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر و هو يقول: أيها الناس اجتمعوا و اسمعوا و عوا.

من عاش مات، و من مات فات، و كل ما هو آت» .

و هو القائل في هذه: «آيات محكمات، مطر و نبات، و آباء و أمهات، و ذاهب و آت، ضوء و ظلام، و بر و أثام، و لباس و مركب، و مطعم و مشرب،

____________

(1) التأله: التنسك و التعبد.

254

و نجوم تمور، و بحور لا تغور، و سقف مرفوع، و مهاد موضوع، و ليل داج، و سماء ذات أبراج. ما لي أرى الناس يموتون و لا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم حبسوا فناموا» .

و هو القائل: «يا معشر إياد، أين ثمود و عاد، و أين الآباء و الأجداد. أين المعروف الذي لم يشكر، و الظلم الذي لم ينكر. أقسم قسّ قسما باللّه، إن للّه دينا هو أرضى له من دينكم هذا» .

و أنشدوا له:

في الذاهبين الأوليـ # ن من القرون لنا بصائر

لما رأيت مواردا # للموت ليس لها مصادر

و رأيت قومي نحوها # يمضي الأصاغر و الأكابر

لا يرجع الماضي و لا # يبقى من الباقين غابر

أيقنت أني لا محا # لة حيث صار القوم صائر

[زيد بن علي بن الحسين‏]

و من الخطباء زيد بن عليّ بن الحسين. و كان خالد بن عبد اللّه‏ (1) أقرّ على زيد بن علي، و داود بن علي، و أيوب بن سلمة المخزومي، و على محمد بن عمر بن علي، و على سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فسأل هشام زيدا عن ذلك فقال: أحلف لك. قال: و إذا حلفت أصدقك قال زيد: اتّق اللّه. قال: أو مثلك يا زيد يأمر مثلي بتقوى اللّه. قال هشام: بلغني أنك تريد الخلافة، و لا تصلح لها، لأنك ابن أمة. قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم ع ابن أمة، و إسحاق صلّى اللّه عليه و آله. فعندها قال له: قم. قال: إذن لا تراني إلا حيث تكره!و لما خرج من الدار قال: «ما أحب أحد الحياة قط إلا ذل» . فقال له سالم مولى هشام: لا يسمعنّ هذا الكلام منك أحد.

____________

(1) خالد بن عبد اللّه القسري، عامل العراق من قبل هشام بن عبد الملك. قتل في عهد الوليد بن يزيد سنة 126 هـ.