البيان و التبيين - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
321 /
255

و قال محمد بن عمير: إن زيدا لما رأى الأرض قد طبّقت‏ (1) جورا، و رأى قلّة الأعوان و تخاذل الناس، كانت الشهادة أحبّ الميتات إليه.

و كان زيد كثيرا ما ينشد:

شرّده الخوف و أزرى به # كذاك من يكره حرّ الجلاد

منخرق الخفّين يشكو الوجى # تنكبه أطراف مرو حداد

قد كان في الموت له راحة # و الموت حتم في رقاب العباد

و قال: و كان كثيرا ما ينشد شعر العبسيّ في ذلك:

إن المحكّم ما لم يرتقب حسبا # أو يرهف السيف أو حدّ القنا جنفا

من عاذ بالسيف لاقى فرصة عجبا # موتا على عجل أو عاش منتصفا

و لما بعث يوسف بن عمر برأس زيد، و نصر بن خزيمة، مع شبّة بن عقال، و كلف آل أبي طالب أن يبرءوا من زيد، و يقوم خطباؤهم بذلك. فأول من قال عبد اللّه بن الحسن، فأوجز في كلامه ثم جلس، ثم قام عبد اللّه بن جعفر، فأطنب في كلامه، و كان شاعرا بيّنا، و خطيبا لسنا، فانصرف الناس و هم يقولون: ابن الطيّار أخطب الناس!فقيل لعبد اللّه بن الحسن في ذلك، فقال: لو شئت أن أقول لقلت، و لكن لم يكن مقام سرور. فأعجب الناس ذلك منه.

[هند بنت الخس و جمعة بنت حابس‏]

و من أهل الدهاء و النّكراء (2) ، و من أهل اللسن و اللقن، و الجواب العجيب، و الكلام الفصيح، و الأمثال السائرة، و المخارج العجيبة: هند بنت الخسّ، و هي الزرقاء، و جمعة بنت حابس. و يقال إن حابسا من إياد.

____________

(1) طبقت: ملئت و عمت و غشيت. طبق السحاب الجو: غشاه.

(2) النكراء: الدهاء و الفطنة.

256

و قال عامر بن عبد اللّه الفزاريّ جمع بين هند و جمعة، فقيل لجمعة: أي الرجال أحب إليك؟فقالت: «الشنق الكتد (1) ، الظاهر الجلد، الشديد الجذب بالمسد» . و قيل لهند: أي الرجال أحب إليك؟قالت: «القريب الأمد، الواسع البلد، الذي يوفد إليه و لا يفد» .

و قد سئلت هند عن حر الصيف و برد الشتاء، فقالت: «من جعل بؤسا كأذى» و قد ضرب بها المثل. فمن ذلك قول ليلى بنت النّضر الشاعرة:

و كنز بن جدعان دلالة أمّه # و كانت كبنت الخسّ أو هي أكبر

و قال ابن الأعرابي: يقال بنت الخس، و بنت الخص، و بنت الخسف و هي الزرقاء. و قال يونس: لا يقال إلا بنت الأخسّ.

و قال أبو عمرو بن العلاء: داهيتا نساء العرب هند الزرقاء، و عنز الزرقاء، و هي زرقاء اليمامة.

و قال اليقطريّ: قيل لعبد اللّه بن الحسن: ما تقول في المراء؟قال: ما عسى أن أقول في شي‏ء يفسد الصداقة القديمة، و يحلّ العقدة الوثيقة، فإن أقل ما فيه أن يكون دربة للمغالبة، و المغالبة من أمتن أسباب الفتنة إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لما أتاه السائب بن صيفي فقال: أ تعرفني يا رسول اللّه؟قال: «كيف لا أعرف شريكي الذي كان لا يشاريني و لا يماريني» . قال: فتحولت إلى زيد بن علي فقلت له: الصمت خير أم الكلام؟قال: أخزى اللّه المساكتة، فما أفسدها للبيان، و أجلبها للحصر. و اللّه للمماراة أسرع في هدم العيّ من النار في يبيس العرفج، و من السيل في الحدور.

و قد عرف زيد أن المماراة مذمومة، و لكنه قال: المماراة على ما فيها أقل ضررا من المساكتة التي تورث البلدة، و تحل العقدة، و تفسد المنّة، و تورث عللا، و تولّد أدواء أيسرها العيّ. فإلى هذا المعنى ذهب زيد.

____________

(1) الشنق: الطويل. الكتد: أعلى الكتف.

257

و من الخطباء: خالد بن سلمة المخزومي من قريش، و أبو حاضر، و سالم ابن أبي حاضر، و قد تكلم عند الخلفاء.

و من الخطباء بني أسيد: الحكم بن يزيد بن عمير، و قد رأس. و من اهل اللسن منهم و البيان: الحجاج بن عمر بن يزيد.

[سعيد بن العاصي و ابنه عمرو و حفيده سعيد]

و من الخطباء: سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية. قال:

و قيل لسعيد بن المسيّب: من أبلغ الناس؟قال: رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. فقيل: ليس عن هذا نسألك. قال: معاوية و ابنه، و سعيد و ابنه، و ما كان ابن الزبير دونهم، و لكن لم يكن لكلامه طلاوة.

فمن العجب أن ابن الزبير قد ملأ دفاتر العلماء كلاما، و هم لا يحفظون لسعيد بن العاص و ابنه من الكلام إلا ما لا بال له.

و كان سعيد جوادا، و لم ينزع قميصه قط، و كان أسود نحيفا، و كان يقال له «عكة العسل» (1) . و قال الحطيئة:

سعيد فلا يغررك قلة لحمه # تخدّد (2) عنه اللحم فهو صليب‏

و كان أول من خشّ الإبل في نفس عظم الأنف. و كان في تدبيره اضطراب. و قال قائل من أهل الكوفة:

يا ويلنا قد ذهب الوليد # و جاءنا مجوعا سعيد

ينقص‏[في‏]الصّاع و لا يزيد

قال: الأمراء تتحبب إلى الرعية بزيادة المكاييل، و لو كان المذهب في الزيادة في الأوزان كالمذهب في زيادة المكاييل ما قصروا، كما سأل الأحنف عمر بن الخطاب الزيادة في المكاييل. و لذلك اختلفت أسماء المكاييل، كالزيادي و الفالج، و الخالدي. حتى صرنا إلى هذا الملجم اليوم.

____________

(1) العكة: زق صغير.

(2) تخدد اللحم: هزل و نقص.

258

ثم من الخطباء: عمرو بن سعيد، و هو الأشدق، يقال إن ذلك إنما قيل لتشادقه في الكلام. و قال آخرون: بل كان أفقم مائل الذقن، و لذلك قال عبيد اللّه بن زياد حين أهوى إلى عبد اللّه بن معاوية: يدك عني يا لطيم الشيطان، و يا عاصي الرحمن. و قال الشاعر:

و عمرو لطيم الجنّ و ابن محمد # بأسوإ هذا الأمر يلتبسان‏

ذكر ذلك عن عوانة. و هذا خلاف قول الشاعر:

تشادق حتى مال بالقول شدقه # و كل خطيب لا أبا لك أشدق‏

و قال: و قد كان معاوية قد دعا به في غلمة من قريش، فلما استنطقه قال: «إن أول كل مركب صعب، و إن مع اليوم غدا» . و قال له: إلى من أوصى بك أبوك؟قال: إن أبي أوصى إليّ و لم يوص بي قال: و بأي شي‏ء أوصاك؟قال: بألا يفقد إخوانه منه إلا شخصه. قال: فقال معاوية عند ذلك: إن ابن سعيد هذا لأشدق. فهذا يدل عندهم على أنه إنما سمي بالأشدق لمكان التشادق.

ثم كان بعد عمرو بن سعيد، سعيد بن عمرو بن سعيد، و كان ناسبا خطيبا، و أعظم الناس كبرا. و قيل له عند الموت: إن المريض ليستريح إلى الأنين، و إلى أن يصف ما به إلى الطبيب. فقال:

أجاليد من ريب المنون فلا ترى # على هالك عينا لنا الدهر تدمع‏

و دخل على عبد الملك مع خطباء قريش و أشرافهم، فتكلموا من قيام.

و تكلم و هو جالس، فتبسم عبد الملك و قال: لقد رجوت عثرته، و لقد أحسن حتى خفت عثرته.

فسعيد بن عمرو بن سعيد، خطيب ابن خطيب ابن خطيب.

[سهيل بن عمرو]

و من الخطباء: سهيل بن عمرو الأعلم أحد بني حسل بن معيص و كان‏

259

يكنى أبا يزيد، و كان عظيم القدر، شريف النفس، صحيح الإسلام. و كان عمر قال للنبي صلّى اللّه عليه و آله: يا رسول اللّه، انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا أبدا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «لا أمثل فيمثّل اللّه بي و إن كنت نبيا. دعه يا عمر فعسى أن يقوم مقاما تحمده» . فلما هاج أهل مكة عند الذي بلغهم من وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قام خطيبا فقال: «أيها الناس، إن يكن محمد قد مات فاللّه حيّ لم يمت. و قد علمتم أني أكثركم قتبا (1) في بر، و جارية في بحر، فأقروا أميركم و أنا ضامن إن لم يتمّ الأمر أن أردّها عليكم» ، فسكن الناس. و هو الذي قال يوم خرج آذن عمر، و هو بالباب و عيينة بن حصن، و الأقرع بن حابس، و فلان و فلان، فقال الآذن: أين بلال، أين صهيب، أين سلمان، أين عمار؟فتمعّرت وجوه القوم، فقال سهيل: لم تتمعّر وجوهكم؟!دعوا و دعينا فأسرعوا و أبطأنا، و لئن حسدتموهم على باب عمر، لما أعد اللّه لهم في الجنة أكثر.

[عبد اللّه بن عروة بن الزبير]

و من الخطباء: عبد اللّه بن عروة بن الزبير. قالوا: و كان خالد بن صفوان يشبّه به. و ما علمت أنه كان في الخطباء أحد كان أجود من خالد بن صفوان و شبيب بن شيبة، للذي يحفظه الناس و يدور على ألسنتهم من كلامهما. و ما أعلم أن أحدا ولّد لهما حرفا واحدا.

[النسابون الخطباء]

و من النسابين من بني العنبر ثم من بني المنذر: الحنتف بن يزيد بن جعونة. و هو الذي تعرض له دغفل بن حنظلة العلامة عند ابن عامر بالبصرة، فقال له: متى عهدك بسجاح أمّ صادر؟فقال: «ما لي بها عهد منذ أضلت أمّ حلس» ، و هي بعض أمهات دغفل. فقال له: نشدتك باللّه، أ نحن كنا لكم أكثر غزوا في الجاهلية أم أنتم لنا؟قال: بل أنتم فلم تفلحوا و لم تنجحوا، غزانا فارسكم و سيدكم و ابن سيدكم، فهزمناه مرة و أسرناه مرة، و أخذنا في فدائه

____________

(1) القتب: رحل صغير.

260

خدر أمه. و غزانا أكثركم غزوا، و أنبهكم في ذلك ذكرا، فأعرجناه ثم أرجلناه.

فقال ابن عامر: أسألكما باللّه لمّا كففتما.

و كان عبد اللّه بن عامر، و مصعب بن الزبير، يحبان أن يعرفا حالات الناس، فكانا يغريان بين الوجوه و بين العلماء، فلا جرم أنهما كانا إذا سبّا أوجعا.

و كان أبو بكر رحمه اللّه أنسب هذه الأمة، ثم عمر، ثم جبير بن مطعم، ثم سعيد بن المسيّب، ثم محمد بن سعيد بن المسيب. و محمد هذا هو الذي نفى آل عنكثة المخزوميين فرفع ذلك إلى والي المدينة فجلده الحدّ.

و كان ينشد:

و يربوع بن عنكثة ابن أرض # و أعتقه هبيرة بعد حين‏

يعني هبيرة بن أبي وهب المخزومي.

و من النسابين العلماء: عتبة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و كان من ذوي الرأي و الدهاء، و كان ذا منزلة من الحجاج بن يوسف. و عمر بن عبد الرحمن خامس خمسة في الشرف.. و كان هو الساعي بين الأسد و تميم في الصلح.

و من بني حرقوص: شعبة بن القعم، و كان ذا لسان و جواب و عارضة، و كان وصافا فصيحا، و بنوه عبد اللّه، و عمر، و خالد كلهم كانوا في هذه الصفة، غير أن خالدا كان قد جمع مع اللسن و العلم، الحلاوة و الظرف.

و كان الحجاج بن يوسف لا يصبر عنه.

و من بني أسيّد بن عمرو بن تميم، أبو بكر بن الحكم، كان ناسبا راوية شاعرا، و كان أبلى الناس لسانا، و أحسنهم منطقا، و أكثرهم تصرفا. و هو الذي يقول له رؤبة:

لقد خشيت أن تكون ساحرا # راوية مرا و مرا شاعرا

261

و منهم معلّل بن خالد، أحد بني أنمار بن الهجيم، و كان نسابة علامة، راوية صدوقا مقلّدا. و ذكر للمنتجع بن نبهان فقال: كان لا يجارى و لا يمارى.

و منهم من بني العنبر، ثم من بني عمرو بن جندب: أبو الخنساء عبّاد بن كسيب، و كان شاعرا علامة، و راوية نسابة، و كانت له حرمة بأبي جعفر المنصور.

و منهم عمرو بن خولة، كان ناسبا خطيبا، و راوية فصيحا، من ولد سعيد ابن العاصي. و الذي أتى سعيد بن المسيب ليعلمه النسب هو إسحاق بن يحيى ابن طلحة.

و كان يحيى بن عروة بن الزبير ناسبا عالما، ضربه إبراهيم بن هشام المخزومي والي المدينة حتى مات، لبعض القول. و كان مصعب بن عبد اللّه ابن ثابت ناسبا عالما، و من ولده الزبيري عامل الرشيد على المدينة و اليمن.

و منهم ثم من قريش: محمد بن حفص، و هو ابن عائشة، و يكنى أبا بكر. و ابنه عبيد اللّه، كان يجري مجراه، و يكنى أبا عبد الرحمن.

و من بني خزاعيّ بن مازن: أبو عمرو و أبو سفيان، ابنا العلاء بن عمار ابن العريان. فأما أبو عمرو فكان أعلم الناس بأمور العرب، مع صحة سماع و صدق لسان. حدثني الأصمعي قال: جلست إلى أبي عمرو عشر حجج ما سمعته يحتج ببيت إسلامي. قال: و قال مرة: «لقد كثر هذا المحدث و حسّن حتى لقد هممت أن آمر فتياننا بروايته» . يعني شعر جرير و الفرزدق و أشباههما.

و حدثني أبو عبيدة قال: كان أبو عمرو أعلم الناس بالغريب و العربية، و بالقرآن و الشعر، و بأيام العرب و أيام الناس. و كانت داره خلف دار جعفر بن سليمان قال:

و كانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء، قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرّأ فأحرقها كلها، فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه. و كانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية.

و في أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق: ـ

262

ما زلت أفتح أبوابا و أغلقها # حتى أتيت أبا عمرو بن عمّار

قال: فإذا كان الفرزدق و هو راوية الناس و شاعرهم و صاحب أخبارهم يقول فيه مثل هذا القول، فهو الذي لا يشك في خطابته و بلاغته.

و قال يونس: لو لا شعر الفرزدق لذهب نصف أخبار الناس.

و قال في أبي عمر مكّي بن سوادة:

الجامع العلم ننساه و يحفظه # و الصادق القول إن أنداده كذبوا

و كان أبو سفيان بن العلاء ناسبا، و كلاهما كناهما أسماؤهما. و كذلك أبو عمرو بن العلاء بن لبيد، و أبو سفيان بن العلاء بن لبيد التغلبيّ، خليفة عيسى ابن شبيب المازني على شرط البصرة.

و كان عقيل بن أبي طالب ناسبا عالما بالأمهات، بيّن اللسان سديد الجواب، لا يقوم له أحد.

و كان أبو الجهم بن حذيفة العدويّ ناسبا شديد العارضة، كثير الذّكر للأمهات بالمثالب.

و من رؤساء النسابين: دغفل بن حنظلة، أحد بني عمرو بن شيبان، لم يدرك الناس مثله لسانا و علما و حفظا. و من هذه الطبقة زيد بن الكيّس النمري.

و من نسابي كلب: محمد بن السائب، و هشام بن محمد بن السائب، و شرقي بن القطاميّ. و كان أعلاهم في العلم و من ضرب به المثل، حماد بن بشر.

و قال سماك العكرمي:

فسائل دغفلا و أخا هلال # و حمّادا ينبّؤك اليقينا

و قد ذكرنا دغفلا. و أخو هلال هو زيد بن الكيّس. و بنو هلال حي من النمر بن قاسط.

263

و قال مسكين بن أنيف الدارميّ في ذلك:

و عند الكيّس النمريّ علم # و لو أمسى بمنخرق الشمال‏

و قال ثابت قطنة:

فما العضّان لو سئلا جميعا # أخو بكر و زيد بني هلال‏ (1)

و لا الكلبيّ حماد بن بشر # و لا من فاد في الزمن الخوالي‏ (2)

و قال زياد الأعجم:

بل لو سألت أخا ربيعة دغفلا # لوجدت في شيبان نسبة دغفل

إن الأحابن و الذين يلونهم # شرّ الأنام و نسل عبد أغزل‏

يهجو فيها بني الحبناء:

و منهم: أبو إياس النصري. و كان أنسب الناس، و هو الذي قال: كانوا يقولون أشعر العرب أبو دؤاد الإياديّ، و عديّ بن زيد العبادي.

و كان أبو نوفل بن أبي عقرب، علامة ناسبا خطيبا فصيحا، و هو رجل من كنانة، أحد بني عريج.

و من بني كنانة ثم من بني ليث، ثم من بني الشدّاح: يزيد بن بكر بن دأب. و كان يزيد عالما ناسبا، و راوية شاعرا. و هو القائل:

اللّه يعلم في عليّ علمه # و كذاك علم اللّه في عثمان‏

و ولد يزيد يحيى و عيسى. فعيسى هو الذي يعرف في العامة بابن دأب، و كان من أحسن الناس حديثا و بيانا، و كان شاعرا راوية، و كان صاحب رسائل و خطب، و كان يجيدهما جدا.

____________

(1) العض: الداهية من الرجال.

(2) فاد: هلك.

264

و من آل دأب: حذيفة بن دأب، و كان عالما ناسبا. و في آل دأب علم بالنسب و الخبر.

[أبو الأسود الدؤلي‏]

و كان أبو الأسود الدؤلي، و اسمه ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان، خطيبا عالما، و كان قد جمع شدة العقل و صواب الرأي و جودة اللسان، و قول الشعر و الظرف. و هو يعد في هذه الأصناف، و في الشيعة، و في العرجان، و في المفاليج. و على كل شي‏ء من هذا شاهد سيقع في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

و قال الخسّ لابنته هند: أريد شراء فحل لإبلي. قالت: «إن اشتريته فاشتره أسجع الخدين، غائر العينين، أرقب، أحزم أعكى، أكوم، إن عصي غشم، و إن أطيع تجرثم» .

و هي التي قالت لما قيل لها: ما حملك على أن زنيت بعبدك؟قالت:

«طول السواد، و قرب الوساد» .

السّواد: السرار. أسجع: سهل واسع يقال: «ملكت فأسجع» .

أرقب: غليظ الرقبة. أحزم: منتفخ المحزم. أعكى: العكوة مغرز الوركين في المؤخر، تصفه بشدة الوركين. إن عصي غشم: إن عصته الناقة غصبها نفسها. تجرثم: أي بقي، مأخوذ من الجرثومة، و هي الطين و التراب يجمع حول النخلة، ليقوّيها. تصفه بالصبر و القوة على الضّراب. أكوم: عظيم السنام.

و قال الشاعر:

و يفهم قول الحكل لو أن ذرة # تساود أخرى لم يفته سوادها

يقال: في لسانه حكلة، إذا كان شديد الحبسة مع لثغ.

قالوا: و عاتب هشام بن عبد الملك زيد بن علي، فقال له: بلغني عنك‏

265

شي‏ء. قال: يا أمير المؤمنين، أحلف لك؟قال: و إذا حلفت لي أصدّقك؟ قال: نعم، إن اللّه لم يرفع أحدا فوق ألا يرضى به، و لم يضع أحدا دون ألا يرضى منه.

[عبيد اللّه العائشي‏]

و كان أبو ظبيان التيمي العائشي خطيبا، فدخل عليه ابنه عبيد اللّه و هو يكيد بنفسه، فقال له: أ لا أوصي بك الأمير. قال: لا. قال: و لم؟قال:

إذا لم يكن للحيّ إلا وصيّة الميّت فالحي هو الميت.

و كان عبيد اللّه أفتك الناس، و أخطب الناس. و هو الذي أتى باب مالك ابن مسمع و معه نار، ليحرّق عليه داره، و قد كان نابه أمر فلم يرسل إليه قبل الناس، فأشرف عليه مالك فقال: مهلا يا أبا مطر، فو اللّه إن في كنانتي سهما أنا به أوثق مني بك. قال: و إنك لتعدني في كنانتك، فو اللّه لو قمت فيها لطلتها، و لو قعدت فيها لخرقتها. قال مالك: مهلا، أكثر اللّه في العشيرة مثلك!قال: لقد سألت اللّه شططا! و دخل عبيد اللّه على عبد الملك بن مروان، بعد أن أتاه برأس مصعب بن الزبير، و معه ناس من وجوه بكر بن وائل، فأراد أن يقعد معه على سريره فقال له عبد الملك: ما بال الناس يزعمون أنك لا تشبه أباك؟قال: و اللّه لأنا أشبه بأبي من الليل بالليل، و الغراب بالغراب، و الماء بالماء، و لكن إن شئت أنبأتك بمن لا يشبه أباه. قال: و من ذاك؟قال: من لم يولد لتمام، و لم تنضجه الأرحام، و من لم يشبه الأخوال و الأعمام. قال: و من ذاك؟قال: ابن عمي سويد بن منجوف. قال عبد الملك: أ و كذلك أنت يا سويد؟قال: نعم. فلما خرجا من عنده أقبل عليه سويد فقال: وريت بك زنادي!و اللّه ما يسرني أنك كنت نقصته حرفا واحدا مما قلت له و أن لي حمر النّعم. قال: و أنا و اللّه ما يسرني بحلمك اليوم عني سود النعم.

قال: و أتى عبيد اللّه عتّاب بن ورقاء، و عتاب على أصبهان، فأعطاه‏

266

عشرين ألف درهم، فقال: و اللّه ما أحسنت فأحمدك، و لا اسأت فأذمك، و إنك لأقرب البعداء، و أبعد القرباء.

قال: و قال أشيم بن شقيق بن ثور، لعبيد اللّه بن زياد بن ظبيان: ما أنت قائل لربك و قد حملت رأس مصعب بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان؟ قال: أسكت، فأنت يوم القيامة أخطب من صعصعة بن صوحان إذا تكلمت الخوارج.

فما ظنك ببلاغة رجل عبيد اللّه بن زياد يضرب به المثل! و إنما أردنا بهذا الحديث خاصة، الدلالة على تقديم صعصعة بن صوحان في الخطب. و أدل من كلّ دلالة استنطاق عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

و كان عثمان بن عروة (1) أخطب الناس، و هو الذي قال: «الشكر و إن قلّ، ثمن لكل نوال و إن جلّ» .

و كان ثابت بن عبد اللّه بن الزبير، من أبين الناس، و لم يكن خطيبا.

[قسامة بن زهير]

و كان قسامة بن زهير أحد بني رزام بن مازن، مع نسكه و زهده و منطقه، من أبين الناس، و كان يعدل بعامر بن عبد قيس في زهده و منطقه. و هو الذي قال: «روّحوا هذه القلوب تع الذكر» . و هو الذي قال: «يا معشر الناس، إن كلامكم أكثر من صمتكم، فاستعينوا على الكلام بالصمت، و على الصواب بالفكر» . و هو الذي كان رسول عمر في البحث عن شأن المغيرة و شهادة أبي بكرة (2) .

____________

(1) عثمان بن عروة بن الزبير بن العوام (136 هـ) خطيب و عالم من سادات قريش.

(2) أبو بكرة: هو نفيع بن الحارث أسلم و مات في خلافة عمر. كنى بأبي بكرة لأنه كان أول من تدلى من حصن الطائف و أسلم. و المغيرة بن شعبة صحابي اتهم بامرأة يقال لها أم جميل و شهد عليه أبو بكرة.

267

[خالد بن يزيد بن معاوية]

و كان خالد بن يزيد بن معاوية، خطيبا شاعرا، و فصيحا جامعا، و جيّد الرأي كثير الأدب، و كان أول من ترجم كتب النجوم و الطب و الكيمياء.

و من خطباء قريش: خالد بن سلمة المخزومي و هو ذو الشفة. و قال الشاعر في ذلك:

فما كان قائلهم دغفل # و لا الحيقطان و لا ذو الشّفة

و من خطباء العرب عطارد بن حاجب بن زرارة، و هو كان الخطيب عند النبي صلّى اللّه عليه و آله، و قال فيه الفرزدق بن غالب:

و منا خطيب لا يعاب و حامل # أغر إذا التفت عليه المجامع‏

[عون بن عبد اللّه بن مسعود]

و من الخطباء: عون بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، و كان مع ذلك راوية ناسبا شاعرا، و لما رجع عن قول المرجئة إلى قول الشيعة قال:

و أول ما نفارق غير شك # نفارق ما يقول المرجئونا

و قالوا مؤمن من أهل جور # و ليس المؤمنون بجائرينا

و قالوا مؤمن دمه حلال # و قد حرمت دماء المؤمنينا

و كان حين هرب إلى محمد بن مروان في فلّ ابن الأشعث ألزمه ابنه يؤدّبه و يقوّمه، فقال له يوما: كيف ترى ابن أخيك؟قال: «ألزمتني رجلا إن غبت عنه عتب، و إن أتيته حجب، و إن عاتبته غضب» .

ثم لزم عمر بن عبد العزيز، و كان ذا منزلة منه. قالوا: و له يقول جرير:

يا أيّها الرجل المرخي عمامته # هذا زمانك إني قد مضى زمني

أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه # إني لدى الباب كالمصفود في قرن

و قد رآك وفود الخافقين معا # و مذ وليت أمور الناس لم ترني‏

268

[الجارود بن أبي سبرة]

و كان الجارود بن أبي سبرة و يكنى أبا نوفل، من أبين الناس و أحسنهم حديثا، و كان راوية علامة، شاعرا مفلقا، و كان من رجال الشيعة. و لما استنطقه الحجّاج قال: ما ظننت أن بالعراق مثل هذا. و كان يقول: ما أمكنني وال قط من أذنه إلا غلبت عليه، ما خلا هذا اليهودي-يعني بلال بن أبي بردة-و كان عليه متحاملا، فلما بلغه أنه دهق‏ (1) حتى دقت ساقه، و جعل الوتر في خصييه، أنشأ يقول:

لقد قرّ عيني أن ساقيه دقّتا # و أن قوى الأوتار في البيضة اليسرى

بخلت و راجعت الخيانة و الخنا # فيسرك اللّه المقدّس للعسرى

فما جذع سوء خرّب السوس جوفه # يعالجه النجار يبرى كما تبرى‏

و إنما ذكر الخصية اليسرى لأن العامة تقول: إن الولد منها يكون.

[عبد اللّه بن عباس‏]

و من الخطباء الذين لا يضاهون و لا يجارون: عبد اللّه بن عباس. قالوا:

خطبنا بمكة، و عثمان محاصر، خطبة لو شهدتها الترك و الديلم لأسلمتا.

قال: و ذكره حسان بن ثابت فقال:

إذا قال لم يترك مقالا لقائل # بملتقطات لا ترى بينها فضلا

كفى و شفى ما في النفوس و لم يدع # لذي إربة في القول جدا و لا هزلا

سموت إلى العليا بغير مشقة # فنلت ذراها لا دنيا و لا و غلا

و قال الحسن: كان عبد اللّه بن عباس أول من عرّف بالبصرة، صعد المنبر فقرأ البقرة و آل عمران، ففسرهما حرفا حرفا، و كان و اللّه مثجّا يسيل غربا، و كان يسمى البحر و حبر قريش. و قال فيه النبي صلّى اللّه عليه و آله: «اللهم فقهه في الدين، و علمه التأويل» و قال عمر: «غص غوّص» . و نظر إليه يتكلم فقال:

____________

(1) الدهق: خشبتان تشد بهما الساق للتعذيب.

269

شنشنة أعرفها من أخزم‏

الشعر لأبي أخزم الطائي، و هو جد أبي حاتم طي‏ء أو جدّ جده، و كان له ابن يقال له أخزم فمات و ترك بنين فتوثبوا يوما على جدهم أبي أخزم فأدموه، فقال:

إن بنيّ رمّلوني بالدم # شنشنة أعرفها من أخزم‏

أي أنهم أشبهوا أباهم في طبيعته و خلقه. و أحسبه كان به عاقا. هكذا ذكر ابن الكلبيّ. و الشنشنة مثل الطبيعة و السجية.

فأراد عمر رحمه اللّه أني أعرف فيك مشابه من أبيك، في رأيه و عقله.

و يقال إنه لم يكن لقرشي مثل رأي العباس.

[داود بن علي‏]

و من خطباء بني هاشم أيضا: داود بن عليّ، و يكنى أبا سليمان، و كان أنطق الناس و أجودهم ارتجالا و اقتضابا للقول، و يقال إنه لم يتقدّم في تحبير خطبة قط. و له كلام كثير معروف محفوظ، فمن ذلك خطبته على أهل مكة:

«شكرا شكرا. أما و اللّه ما خرجنا لنحتفر فيكم نهرا، و لا لنبني فيكم قصرا. أظن عدو اللّه أن لن نظفر به أن أرخي له في زمامه، حتى عثر في فضل خطامه. فالآن عاد الأمر في نصابه، و طلعت الشمس من مطلعها، و الآن أخذ القوس باريها، و عادت النبل إلى النزعة، و رجع الحق إلى مستقره، في أهل بيت نبيّكم: أهل بيت الرأفة و الرحمة» .

[عبد اللّه بن الحسن بن الحسن‏]

و من خطباء بني هاشم: عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، و هو القائل لابنه إبراهيم أو محمد:

270

«أي بنيّ، إني مؤد إليك حق اللّه في تأديبك، فأد إلي حق اللّه في حسن الاستماع. أي بني، كفّ الأذى، و ارفض البذا، و استعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك نفسك فيها إلى القول، فإن للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ، و لا ينفع فيها الصواب. و احذر مشورة الجاهل و إن كان ناصحا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشا، يوشك أن يورّطاك بمشورتهما، فيسبق إليك مكر العاقل، و غرارة الجاهل» .

قال الحسن بن خليل: كان المأمون قد استثقل سهل بن هارون، فدخل عليه سهل يوما و الناس عنده على منازلهم، فتكلم المأمون بكلام فذهب فيه كلّ مذهب، فلما فرغ المأمون من كلامه أقبل سهل بن هارون على ذلك الجمع فقال:

«ما لكم تسمعون و لا تعون، و تشاهدون و لا تفقهون، و تنظرون و لا تبصرون. و اللّه إنه ليفعل و يقول في اليوم القصير مثل ما فعل بنو مروان و قالوا في الدهر الطويل. عربكم كعجمهم، و عجمكم كعبيدهم، و لكن كيف يعرف الدواء من لا يشعر بالداء» .

قال: فرجع له المأمون بعد ذلك إلى الرأي الأول.

[أولاد سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العباس‏]

و من خطباء بني هاشم ثم من ولد جعفر بن سليمان: سليمان بن جعفر والي مكة. قال المكي: سمعت مشايخنا من أهل مكة يقولون: إنه لم يرد عليهم أمير منذ عقلوا الكلام إلا و سليمان أبين منه قاعدا، و أخطب منه قائما.

و كان داود بن جعفر إذا خطب اسحنفر فلم يردّه شي‏ء (1) ، و كان في لسانه شبيه بالرتة (2) .

____________

(1) اسحنفر: اتسع في كلامه، أسهب.

(2) الرتة: العجمة في الكلام.

271

و كان أيوب فوق داود في الكلام و البيان، و لم تكن له مقامات داود في الخطب.

و قال إسحاق بن عيسى لداود بن جعفر: بلغني أن معاوية قال للنخار بن أوس: ابغني محدّثا؟قال: و معي يا أمير المؤمنين تريد محدّثا؟قال: نعم، استريح منك إليه، و منه إليك، و أنا لا أستريح إلى غير حديثك، و لا يكون صمتك في حال من الحالات أوفق لي من كلامك.

و كان إسماعيل بن جعفر، من أرق الناس لسانا و أحسنهم بيانا.

و من خطباء بني هاشم: جعفر بن حسن بن الحسن بن علي، و كان أحد من ينازع زيدا في الوصية، فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوباتهما فقط.

و جماعة من ولد العباس في عصر واحد، لم يكن لهم نظراء في أصالة الرأي و في الكمال و الجلالة، و في العلم بقريش و الدولة، و برجال الدعوة، مع البيان العجيب، و الغور البعيد، و النفوس الشريفة، و الأقدار الرفيعة، و كانوا فوق الخطباء و فوق أصحاب الأخبار، و كانوا يجلون عن هذه الأسماء إلا أن يصف الواصف بعضهم ببعض ذلك.

منهم عبد الملك بن صالح. قال: و سأله الرشيد و سليمان بن أبي جعفر و عيسى بن جعفر شاهدان، فقال له: كيف رأيت أرض كذا و كذا؟قال:

عسافي ريح و منابت شيح، قال: فأرض كذا و كذا، قال: «هضاب حمر، و براث عفر» . قال: حتى أتى على جميع ما أراد. قال: فقال عيسى لسليمان: و اللّه ما ينبغي لنا أن نرضى لأنفسنا بالدون من الكلام الهضبة: الجبل ينبسط على الأرض، و جمعها هضب. و البراث: الأماكن اللينة السهلة، واحدها برث. و قوله عفر، أي حمرتها كحمرة التراب. و الظبي الأعفر: الأحمر، لأن حمرته كذلك: و العفر التراب، و منه قيل: ضربه حتى عفّره، أي ألحقه بالتراب.

و من هؤلاء: عبد اللّه بن صالح، و العباس بن محمد، و إسحاق بن‏

272

عيسى، و إسحاق بن سليمان، و أيوب بن جعفر. هؤلاء كانوا أعلم بقريش و بالدولة و برجال الدعوة، من المعروفين برواية الأخبار.

و كان إبراهيم بن السندي يحدثني عن هؤلاء بشي‏ء هو خلاف ما في كتب الهيثم بن عديّ و ابن الكلبيّ. و إذا سمعته علمت أنه ليس من المؤلف المزوّر (1) .

[نصر و إبراهيم السنديان‏]

و كان عبد اللّه بن علي، و داود بن علي يعدلان بأمّة من الأمم.

و من مواليهم: إبراهيم و نصر ابنا السنديّ.

فأما نصر فكان صاحب أخبار و أحاديث، و كان لا يعدو حديث ابن الكلبيّ و الهيثم بن عدي.

و أما إبراهيم فإنه كان رجلا لا نظير له: كان خطيبا، و كان ناسبا، و كان فقيها، و كان نحويا عروضيا، و حافظا للحديث، راوية للشعر شاعرا و كان فخم الألفاظ شريف المعاني، و كان كاتب القلم كاتب العمل، و كان يتكلم بكلام رؤبة، و يعمل في الخراج بعمل زاذان فروخ الأعور (2) ، و كان منجّما طبيبا، و كان من رؤساء المتكلمين، و عالما بالدولة و برجال الدعوة، و كان أحفظ الناس لما سمع، و أقلهم نوما و أصبرهم على السهر.

[جحدب التميمي‏]

و من خطباء تميم: جحدب. و كان خطيبا راوية، و كان قضى على جرير في بعض مذاهبه، فقال جرير:

____________

(1) زور الكلام: قومه و أتقنه.

(2) دهقان تولى الخراج زمن عبيد اللّه بن زياد والي البصرة.

273

قبح الإله و لا يقبّح غيره # بظرا تفلّق عن مفارق جحدب‏

و هو الذي كان لقيه خالد بن سلمة المخزوميّ الخطيب الناسب، فقال:

و اللّه ما أنت من حنظلة الأكرمين، و لا سعد الأكثرين، و لا عمرو الأشدين، و ما في تميم خير بعد هؤلاء. فقال له جحدب: و اللّه إنك لمن قريش، و ما أنت من بيتها و لا نبوتها، و لا من شوراها و خلافتها، و لا من أهل سدانتها و سقايتها.

و هو شبيه بما قال خالد بن صفوان، للعبدري، فإنه قال له: «هشمتك هاشم، و أمّتك أمية، و خزمتك مخزوم، و أنت من عبد دارها، و منتهى عارها، تفتح لها الأبواب إذا أقبلت، و تغلقها إذا أدبرت» .

[عبد اللّه بن شبرمة]

و من ولد المنذر: عبد اللّه بن شبرمة بن طفيل بن هبيرة بن المنذر. و كان فقيها عالما قاضيا، و كان راوية شاعرا، و كان خطيبا ناسبا، و كان لاجتماع هذه الخصال فيه يشبه بعامر الشعبي، و كان يكنى أبا شبرمة. و قال يحيى بن نوفل فيه:

لما سألت الناس أين المكرمة # و العز و الجرثومة المقدّمة

و أين فاروق الأمور المحكمة # تتابع الناس على ابن شبرمه‏

و ابن شبرمة الذي يقول فيه ابن أبي ليلى:

و كيف ترجّى لفصل القضاء # و لم تصب الحكم في نفسكا

و تزعم أنك لابن الجلاح # و هيهات دعواك من أصلكا

قال: و قال رجل من فقهاء المدينة: من عندنا خرج العلم. قيل: من، فقال ابن شبرمة: نعم ثم لم يرجع إليكم.

قال: و قال عيسى بن موسى: دلوني على رجل أولّيه مكان كذا و كذا فقال ابن شبرمة: أصلح اللّه الأمير، هل لك في رجل إن دعوتموه أجابكم و إن تركتموه لم يأتكم، ليس بالملح طلبا، و لا بالممعن هربا؟

274

و سئل عن رجل، فقال: إن له شرفا و بيتا و قدما. فنظروا فإذا هو ساقط من السفلة. فقيل له في ذلك، فقال: ما كذبت، شرفه أذناه، و قدمه التي يمشي عليها، و لا بد من أن يكون له بيت يأوي إليه.

قال أبو إسحاق‏ (1) : قد لعمري كذب، إنما هو كقول القائل حين سأله بعض من أراد تزويج حرمته عن رجل، فقال: «هو يبيع الدواب» . فلما نظروا في أمره وجدوه يبيع السنانير، فلما سئل عن ذلك قال: ما كذبت، لأن السنور دابة.

قال أبو إسحاق: بل لعمري لقد كذب، هذا مثل قول القائل حين سئل عن رجل في تزويج امرأة فقال: «رزين المجلس، نافذ الطعنة» . فحسبوه سيدا فارسا، فنظروا فوجدوه خياطا!فسئل عن ذلك فقال: ما كذبت، لطويل الجلوس، جيد الطعن بالإبرة.

قال أبو إسحاق: بل لعمري لقد كذب، لأنه قد غرّهم منه.

و كذلك لو سأله رجل عن رجل يريد أن يسلفه مالا عظيما، فقال: «هو يملك مالا ما كان يبيعه بمائة ألف و مائة ألف» ، فلما بايعه الرجل وجده معدما ضعيف الحيلة، فلما قيل له في ذلك قال: ما كذبت، لأنه يملك عينيه و أذنيه و أنفه و شفتيه و يديه. حتى عد جميع أعضائه و جوارحه.

و من قال للمستشير هذا القول فقد غره و ذلك ما لا يحل في دين، و لا يحسن في الحرية. و هذا القول معصية للّه، و المعصية لا تكون صدقا و أدنى منازل هذا الخبر أن لا يسمى صدقا، فأما التسمية له بالكذب فإن فيها كلاما يطول.

____________

(1) هو إبراهيم بن سيار النظام، أستاذ الجاحظ، و رئيس فرقة من فرق المعتزلة. قال إن الأجسام تتجزأ إلى ما لا نهاية، كما قال بالطفرة و الكمون. و قد روى الجاحظ الكثير من آرائه و أقواله. توفي سنة 221 هـ على الأرجح.

275

[خالد بن صفوان‏]

و من الخطباء المشهورين في العوامّ، و المقدمين في الخواصّ: خالد بن صفوان الأهتمي، زعموا جميعا أنه كان عند أبي العباس أمير المؤمنين و كان من سمّاره و أهل المنزلة عنده، ففخر عليه ناس من بلحارث بن كعب و أكثروا في القول، فقال أبو العباس: لم لا تتكلم يا خالد؟فقال: أخوال أمير المؤمنين و أهله قال: فأنتم أعمام أمير المؤمنين و عصبته فقل. قال خالد: «و ما عسى أن أقول لقوم كانوا بين ناسج برد، و دابغ جلد، و سائس قرد، و راكب عرد (1) ، دل عليهم هدهد، و غرّقتهم فأرة، و ملكتهم امرأة» . فلئن كان خالد قد فكر و تدبر هذا الكلام إنه للراوية الحافظ، و المؤلف المجيد، و لئن كان هذا شيئا حضره حين حرّك و بسط فما له نظير في الدنيا.

فتأمل هذا الكلام فإنك ستجده مليحا مقبولا، و عظيم القدر حليلا. و لو خطب اليماني بلسان سحبان وائل حولا كريتا (2) ، ثم صكّ بهذه الفقرة ما قامت له قائمة.

و كان أذكر الناس لأول كلامه، و أحفظهم لكل شي‏ء سلف من منطقه.

و قال مكيّ بن سوادة في صفته له:

عليم بتنزيل الكلام ملقّن # ذكور لما سدّاه أول أولا

يبذّ قريع القوم في كل محفل # و إن كان سحبان الخطيب و دغفلا

ترى خطباء الناس يوم ارتجاله # كأنهم الكروان عاين أجدلا

الكروان: جمع كروان، و هو ذكر الحبارى. و الأجدل: الصقر و كان يقارض شبيب بن شيبة، لاجتماعهما على القرابة و المجاورة و الصناعة، فذكر شبيب مرة عنده فقال: «ليس له صديق في السر، و لا عدو في العلانية» . و هذا كلام ليس يعرف قدره إلا الراسخون في هذه الصناعة.

____________

(1) العرد: الحمار.

(2) حول كريت: تام.

276

و كان خالد جميلا و لم يكن بالطويل، فقالت له امرأته: إنك لجميل يا أبا صفوان. قال: و كيف تقولين هذا و ما فيّ عمود الجمال و لا رداؤه و لا برنسه.

فقيل له: ما عمود الجمال؟فقال: الطول، و لست بطويل، و رداؤه البياض، و لست بأبيض، و برنسه سواد الشعر، و أنا أشمط، و لكن قولي: إنك لمليح ظريف.

و خالد يعد في الصلعان، و لكلام خالد كتاب يدور في أيدي الورّاقين.

[خطباء ضبة]

و كان الأزهر بن عبد الحارث بن ضرار بن عمرو الضبي، عالما ناسبا.

و من خطباء بني ضبة: حنظلة بن ضرار، و قد أدرك الإسلام و طال عمره حتى أدرك يوم الجمل، و قيل له: ما بقي منك؟قال: «أذكر القديم و أنسى الحديث، و آرق بالليل، و أنام وسط القوم» .

و من خطباء بني ضبة و علمائهم: مثجور بن غيلان بن خرشة، و كان مقدّما في المنطق، و هو الذي كتب إلى الحجاج: «إنهم قد عرضوا عليّ الذهب و الفضة، فما ترى أن آخذ؟» قال: «أرى أن تأخذ الذهب» . فذهب عنه هاربا ثم قتله بعد. و ذكره القلاخ بن حزن المنقري فقال:

أمثال مثجور قليل و مثله # فتى الصدق إن صفّقته كل مصفق

و ما كنت أشريه بدنيا عريضة # و لا بابن خال بين غرب و مشرق

إذا قال بذ القائلين مقاله # و يأخذ من أكفائه بالمخنّق‏

[خطباء الخوارج‏]

و من الخطباء الخوارج، قطريّ بن الفجاءة (1) ، و له خطبة طويلة

____________

(1) قطري بن الفجاءة المازني، زعيم الخوارج زمن مصعب بن الزبير و الحجاج بن يوسف الثقفي. ظل يقاتل الجيوش الأموية عشرين سنة.

277

مشهورة، و كلام كثير محفوظ، و كانت له كنيتان: كنية في السلم، و هي أبو محمد، و كنية في الحرب، و هي أبو نعامة.

و كانت كنية عامر بن الطفيل في الحرب غير كنيته في السلم: كان يكنى في الحرب بأبي عقيل، و في السلم بأبي عليّ.

و كان يزيد بن مزيد (1) يكنى في السلم بأبي خالد، و في الحرب بأبي الزبير.

و قال مسلم بن الوليد الأنصاري:

لو لا سيوف أبي الزبير و خيله # نشر الوليد بسيفه الضحّاكا

و فيه يقول:

لو لا يزيد و أيام سلفت # عاش الوليد مع الغاوين أعواما

سلّ الخليفة سيفا من بني مطر # يمضي فيخترق الأجسام و الهاما

إذا الخلافة عدت كنت أنت لها # عزا و كان بنو العباس حكّاما

أ لا تراه قد ذكر قتل الوليد! و قد كان خالد بن يزيد اكتنى بها في الحرب، في بعض أيامه بمصر.

و هذا الباب مستقصى مع غيره في أبواب الكنى و الأسماء، و هو وارد عليكم إن شاء اللّه.

و من خطباء الخوارج: ابن صديقة، و هو القاسم بن عبد الرحمن بن صديقة، و كان صفريا، و كان خطيبا ناسبا، و يشوب ذلك ببعض الظرف و الهزل.

____________

(1) يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني نسيب معن بن زائدة، أمير شجاع ولاه الرشيد على أرمينية و قاتل الوليد بن طريف الشيباني الخارجي و قتله سنة 179 هـ.

278

و من علماء الخوارج: شبيل بن عزرة الضبعي، صاحب الغريب. و كان راوية خطيبا، و شاعرا ناسبا، و كان سبعين سنة رافضيا ثم انتقل خارجيا صفريا.

و من علماء الخوارج: الضحّاك بن قيس الشيباني، و يكنى أبا سعيد، و هو الذي ملك العراق، و سار في خمسين ألفا، و بايعه عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز، و سليمان بن هشام، و صليا خلفه، و قال شاعرهم:

أ لم تر أن اللّه أظهر دينه # و صلّت قريش خلف بكر بن وائل‏

و كان ابن عطاء الليثي يسامر الرشيد، و كان صاحب أخبار و أسمار و علم بالأنساب، و كان أظرف الناس و أحلاهم.

و كان عبد العزيز بن عبد اللّه بن عامر بن كريز، راوية ناسبا، و عالما بالعربية فصيحا.

[عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عامر]

و كان عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عامر من أبين الناس و أفصحهم.

و كان مسلمة عبد الملك يقول: إني لأنحّي كور العمامة عن أذني لأسمع كلام عبد الأعلى.

و كانوا يقولون: أشبه قريش نغمة و جهارة بعمرو بن سعيد، عبد الأعلى ابن عبد اللّه بن عامر.

قال: و قال بعض الأمراء-و أظنه بلال بن أبي بردة لأبي نوفل الجارود بن أبي سبرة: ما ذا تصنعون عند عبد الأعلى إذا كنتم عنده؟قال: يشاهدنا بأحسن استماع، و أطيب حديث، ثم يأتي الطباخ فيمثل بين يديه فيقول: ما عندك؟ فيقول: عندي لون كذا و كذا و جدي كذا، و دجاجة كذا، و من الحلواء كذا.

قال: و لم يسأل عن ذلك؟قال: ليقصر كل رجل عما لا يشتهي، حتى يأتيه ما يشتهي. ثم يأتون بالخوان فيتضايق و تتسع، و يقصّر و نجتهد، فإذا شبعنا

279

خوّى تخوية الظليم‏ (1) ، ثم أقبل يأكل أكل الجائع المقرور. قال: و الجارود هو الذي قال: «سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل» . و هو الذي قال: «عليكم بالمربد (2) ، فإنه يطرد الفكر، و يجلو البصر، و يجلب الخبر، و يجمع بين ربيعة و مضر» .

قال: و صعد عثمان المنبر فأرتج عليه، فقال: «إن أبا بكر و عمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، و أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب، و ستأتيكم الخطب على وجهها، و تعلمون إن شاء اللّه» .

[الأبرش الكلبي‏]

قال: و شخص يزيد بن عمر بن هبيرة إلى هشام بن عبد الملك فتكلم، فقال هشام: ما مات من خلف هذا. فقال الأبرش الكلبي: ليس هناك، أ ما تراه يرشح جبينه لضيق صدره!قال يزيد: ما لذلك رشح و لكن لجلوسك في هذا الموضع.

و كان الأبرش ثلاّبة نسّابة، و كان مصاحبا لهشام بن عبد الملك، فلما أفضت إليه الخلافة سجد و سجد من كان عنده من جلسائه، و الأبرش شاهد لم يسجد. فقال له: ما منعك أن تسجد يا أبرش؟قال: و لم أسجد و أنت اليوم معي ماشيا، و غدا فوقي طائرا. قال: فإن طرت بك معي؟قال: أتراك فاعلا؟قال: نعم. قال: فالآن طاب السجود.

قال: و دخل يزيد بن عمر على المنصور و هو يومئذ أمير، فقال: «يا أيها الأمير، إن عهد اللّه لا ينكث، و عقده لا يحل، و إن إمارتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها، و جنبوهم مرارتها» .

قال سهل بن هارون: دخل قطرب النحوي على المخلوع فقال: يا أمير

____________

(1) الظليم: ذكر النعام. التخوية: أن يفرج ما بين عضديه و جنبيه.

(2) المربد: سوق من أسواق العرب، بالقرب من البصرة.

280

المؤمنين، كانت عدتك أرفع من جائزتك-و هو يتبسم-قال سهل: فاغتاظ الفضل بن الربيع، فقلت له: إن هذا الحصر و الضعف، و ليس هذا من الجلد و القوة. أ ما تراه يفتل أصابعه، و يرشح جبينه.

قال: و قال عبد الملك بن سلمة المخزوميّ: من أخطب الناس؟قال أنا. قال: ثم من؟قال: سيد جذام-يعني روح بن زنباع-قال: ثم من؟ قال: أخيفش ثقيف-يعني الحجاج-قال: ثم من؟قال: أمير المؤمنين.

قال: ويحك، جعلتني رابع أربعة. قال: نعم، هو ما سمعت.

و من خطباء الخوارج و علمائهم و رؤسائهم في الفتيا، و شعرائهم، و رؤساء قعدهم: عمران بن حطّان. و من علمائهم و شعرائهم و خطبائهم:

حبيب بن خدرة الهلالي، و عداده في بني شيبان.

و ممن كان يرى رأي الخوارج: أبو عبيدة النحويّ معمر بن المثنى، مولى تيم بن مرة. و لم يكن في الأرض خارجي و لا جماعي أعلم بجميع العلم منه.

و ممن كان يرى رأي الخوارج: الهيثم بن عدي الطائي ثم البحتريّ.

و ممن كان يرى رأي الخوارج: شعيب بن رئاب الحنفي، أبو بكار، صاحب أحمد بن أبي خالد، و محمد بن حسان السكسكيّ.

و من الخوارج من علمائهم و رؤسائهم: مسلم بن كورين، و كنيته أبو عبيدة و كان إباضيا، و من علماء الصفرية.

و ممن كان مقنعا في الأخبار لأصحاب الخوارج و الجماعة جميعا: مليل، و أظنه من بني تغلب. و من أهل هذه الصفة أصفر بن عبد الرحمن، من أخوال طوق بن مالك.

و من خطبائهم و فقهائهم و علمائهم: المقعطل، قاضي عسكر الأزارقة، أيام قطريّ.

281

و من شعرائهم و رؤسائهم و خطبائهم: عبيدة بن هلال اليشكري.

و كان في بني السّمين من بني شيبان، خطباء العرب، و كان ذلك فيهم فاشيا، و لذلك قال الأخطل:

فأين السمين لا يقوم خطيبها # و أين ابن ذي الجدّين لا يتكلم‏

و قال سحيم بن حفص: كان يزيد بن عبد اللّه بن رؤيم الشيباني من أخطب الناس، خطب عند يزيد بن الوليد، فأمر للناس بعطاءين.

و من الخطباء معبد بن طوق العنبري، دخل على بعض الأمراء فتكلم و هو قائم فأحسن، فلما جلس تتعتع في كلامه فقال له: ما أظرفك قائما، و أموقك قاعدا!قال: إني إذا قمت جددت، و إذا قعدت هزلت. قال: ما أحسن ما خرجت منها.

و من خطباء عبد القيس: مصقلة بن رقبة، و رقبة بن مصقلة، و كرب بن رقبة.

و العرب تذكر من خطب العرب «العجوز» و هي خطبة لآل رقبة، و متى تكلموا فلا بد لهم منها أو من بعضها. و «العذراء» و هي خطبة قيس بن خارجة لأنه كان أبا عذرها. و «الشوهاء» ، و هي خطبة سحبان وائل، و قيل لها ذلك من حسنها، و ذلك أنه خطب بها عند معاوية فلم ينشد شاعر و لم يخطب خطيب.

و كان ابن عمار الطائي خطيب مذحج كلها، فبلغ النعمان حديثه فحمله على منادمته، و كان النعمان أحمر العينين، أحمر الجلد أحمر الشعر، و كان شديد العربدة قتالا للندماء، فنهاه أبو قردودة الطائي عن منادمته، فلما قتله رثاه فقال:

إني نهيت ابن عمار و قلت له # لا تأمنن أحمر العينين و الشعره

إن الملوك متى تنزل بساحتهم # تطر بنارك من نيرانهم شرره

يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا # و منطقا مثل وشي اليمنة الحبره‏

282

قال الأصمعي: و هو كقوله:

و منطق خرّق بالعواسل # لذ كوشي اليمنة المراحل‏ (1)

[الزبرقان بن بدر]

قال: و سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عمرو بن الأهتم عن الزّبرقان بن بدر، فقال:

«إنه لمانع لحوزته، مطاع في أدنيه» . قال الزبرقان: إنه يا رسول اللّه ليعلم مني أكثر مما قال، و لكنه حسدني شرفي، فقصر بي. قال عمرو: «هو و اللّه زمر المروءة، ضيّق العطن، لئيم الخال» . فنظر النبي صلّى اللّه عليه و آله في عينيه، فقال:

«يا رسول اللّه، رضيت فقلت أحسن ما علمت، و غضبت فقلت أقبح ما علمت، و ما كذبت في الأولى و لقد صدقت في الآخرة» . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«إن من البيان لسحرا» .

قال: و تكلم رجل في حاجة عند عمر بن عبد العزيز: و كانت حاجته في قضائها مشقة، فتكلم الرجل بكلام رقيق موجز، و تأتّى لها، فقال عمر: و اللّه إن هذا للسحر الحلال.

و من أصحاب الأخبار و الآثار أبو بكر بن عبد اللّه بن محمد بن أبي سبرة (2) ، و كان القاضي قبل أبي يوسف.

و من أصحاب الأخبار: أبو هنيدة و أبو نعامة، العدويان.

[أيوب بن القرية]

و من الخطباء: أيوب بن القرّيّة، و هو الذي دخل على الحجاج قال له:

ما أعددت لهذا الموقف؟قال: «ثلاثة حروف، كأنهن ركب وقوف: دنيا

____________

(1) العواسل: الرماح اللدية. المراحل: التي نقش فيها تصاوير الرحال.

(2) أبو بكر بن سبرة فقيه المدينة و مفتيها، قدم بغداد و استقضاه المهدي عليها، و لما توفي سنة 162 هـ خلفه أبو يوسف في القضاء.

283

و آخرة و معروف» . ثم قال له في بعض القول: «أقلني عثرتي، و أسغني ريقي، فإنه لا بد للجواد من كبوة، و للسيف من نبوة، و للحليم من هفوة» .

قال: كلا و اللّه حتى أوردك نار جهنم. أ لست القائل برستقاباد: تغدّوا الجدي قبل أن يتعشاكم؟ و قال: و من خطباء غطفان في الجاهلية: خويلد بن عمرو، و العشراء بن جابر بن عقيل بن هلال بن سميّ بن مازن بن فزارة. و خويلد خطيب يوم الفجار.

[بنو الكواء]

و من أصحاب الأخبار و النسب و الخطب و أهل البيان: الوضاح بن خيثمة.

و من أصحاب الأخبار و النسب و الخطب و الحكم عند أصحاب النفورات‏ (1) بنو الكوّاء، و إياهم يعني مسكين بن أنيف الدارمي، حين ذكر أهل هذه الطبقة فقال:

كلانا شاعر من حيّ صدق # و لكنّ الرحى فوق الثفال

و حكّم دغفلا و ارحل إليه # و لا ترح المطيّ من الكلال

تعال إلى بني الكوّاء يقضوا # بعلمهم بأنساب الرجال

هلم إلى ابن مذعور شهاب # ينبّئ بالسوافل و العوالي

و عند الكيّس النمري علم # و لو أضحى بمنخرق الشمال‏

[كعب بن لؤي‏]

و من الخطباء القدماء: كعب بن لؤي، و كان يخطب على العرب عامة، و يحض كنانة على البرّ، فلما مات أكبروا موته، فلم تزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤي إلى عام الفيل.

____________

(1) النفورة: الحكومة.

284

[شبيب بن شيبة]

و من الخطباء العلماء الأبيناء، الذين جروا من الخطابة على أعراق قديمة: شبيب بن شيبة، و هو الذي يقول في صالح بن أبي جعفر المنصور و قد كان المنصور أقام صالحا فتكلم، فقال شبيب: «ما رأيت كاليوم أبين بيانا، و لا أجود لسانا، و لا أربط جنانا، و لا أبلّ ريقا، و لا أحسن طريقا، و لا أغمض عروقا من صالح. و حق لمن كان أمير المؤمنين أباه، و المهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير:

يطلب شأو أمرين قدّما حسنا # نالا الملوك و بذّا هذه السّوقا (1)

هو الجواد فإن يلحق بشأوهما # على تكاليفه فمثله لحقا

أو يسبقاه على ما كان من مهل # فمثل ما قدما من صالح سبقا (2)

قال: و خرج شبيب من دار الخليفة يوما فقال له قائل: كيف رأيت الناس؟قال: رأيت الداخل راجيا و الخارج راضيا.

قال: و قال خالد بن صفوان: «اتقوا مجانيق البغضاء» ، يريد الدعاء.

قال: و قال شبيب بن شيبة: «أطلب فإنه دليل على المروءة، و زيادة في العقل، و صاحب في الغربة، و صلة في المجلس» .

و قال شبيب للمهدي يوما: «أراك اللّه في بنيك ما أرى أباك فيك، و أرى اللّه بنيك فيك ما أراك في أبيك» .

و قال أبو الحسن: قال زيد بن علي بن الحسين: «أطلب ما يعنيك و اترك ما لا يعنيك، فإن في ترك ما لا يعنيك دركا لما يعنيك، و إنما تقدم على ما قدمت، و لست تقدم على ما أخرت. فآثر ما تلقاه غدا، على ما لا تراه أبدا» .

____________

(1) الشأو: السبق. بذ: غلب. السوق: جمع سوقة، و هم أوساط الناس.

(2) المهل: التقدم. يعني هو معذور أن سبقاه لأنهما أخذا مهلة قبله فتقدماه.

285

أبو الحسن، عن إبراهيم بن سعد قال: قال خالد بن صفوان: «ما الإنسان لو لا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة» .

[خطباء قريش‏]

أبو الحسن قال: كان أبو بكر خطيبا، و كان عمر خطيبا، و كان عثمان خطيبا و كان عليّ أخطبهم. و كان من الخطباء: معاوية، و يزيد، و عبد الملك، و معاوية بن يزيد، و مروان، و سليمان، و يزيد بن الوليد، و الوليد بن عبد الملك و عمر بن عبد العزيز. و من خطباء بني هاشم: زيد بن علي، و عبد اللّه بن الحسن، و عبد اللّه بن معاوية، خطباء لا يجارون. و من خطباء النساك و العباد: الحسن بن أبي الحسن البصري، و مطرف بن عبد اللّه الحرشي، و مورّق العجلي و بكر بن عبد اللّه المزني، و محمد بن واسع الأزديّ، و يزيد بن أبان الرّقاشي و مالك بن دينار السامي.

و ليس الأمر كما قال، في هؤلاء القاص المجيد، و الواعظ البليغ، و ذو المنطق الوجيز. فأما الخطب فإنّا لا نعرف أحدا يتقدم الحسن البصري فيها.

و هؤلاء و إن لم يسموا خطباء فإن الخطيب لم يكن يشق غبارهم.

أبو الحسن قال: حدثني أبو سليمان الحميريّ قال: كان هشام بن عبد الملك يقول: إني لأستصفق العمامة الرقيقة تكون على أذني إذا كان عندي عبد الأعلى بن عبد اللّه، مخافة أن يسقط عني من حديثه شي‏ء.

و من الخطباء من بني عبد اللّه بن غطفان: أبو البلاد (1) ، كان راوية ناسبا. و منهم هاشم بن عبد الأعلى الفزاريّ و من الخطباء: حفص بن معاوية الغلابي و كان خطيبا، و هو الذي قال حين أشرك سليمان بن علي بينه و بين مولى له على دار القتب: أشركت بيني و بين غير الكفيّ، و وليتني غير السنيّ» .

____________

(1) أبو البلاد الكوفي راوية طلق اللسان رغم عماه عاش زمن الدولة الأموية و عاصر جريرا الفرزدق.

286

[خطباء بني هلال بن عامر]

و من بني هلال بن عامر: زرعة بن ضمرة، و هو الذي قيل فيه: «لو لا غلو فيه ما كان كلامه إلا الذهب» . و قام عند معاوية بالشام خطيبا فقال معاوية:

يا أهل الشام هذا خالي فائتوني بخال مثله. و كان ابنه النعمان بن زرعة بن ضمرة، من أخطب الناس، و هو أحد من كان تخلص من الحجاج من فلّ بن الأشعث بالكلام اللطيف.

و قال سحيم بن حفص: و من الخطباء عاصم بن عبد اللّه بن يزيد الهلالي تكلم هو و عبد اللّه بن الأهتم، عند عمر بن هبيرة، ففضل عاصما عليه. قال سحيم: فقال قائل يومئذ: الخل حامض ما لم يكن ماء.

[خطباء تميم‏]

و من خطباء بني تميم: عمرو بن الأهتم. كان يدعى «المكحّل» لجماله، و هو الذي قيل فيه: إنما شعره حلل منشرة بين أيدي الملوك، تأخذ منه ما شاءت. و لم يكن في بادية العرب في زمانه أخطب منه.

و من بني منقر: عبد اللّه بن الأهتم، و كان خطيبا ذا مقامات و وفادات.

و من الخطباء: صفوان بن عبد اللّه بن الأهتم، و كان خطيبا رئيسا، و ابنه خالد ابن صفوان، و قد وفد إلى هشام، و كان من سمار أبي العباس.

و منهم: عبد اللّه بن عبد اللّه بن الأهتم، و قد ولي خراسان، و وفد على الخلفاء، و خطب عند الملوك. و من ولده شبيب بن شيبة بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن الأهتم، و عبد اللّه بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن الأهتم، و خاقان بن الأهتم هو عبد اللّه بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن الأهتم.

و من خطبائهم: محمد الأحول بن خاقان، و كان خطيب بني تميم، و قد رأيته و سمعت كلامه.

و من خطبائهم: معمر بن خاقان و قد وفد.

287

و من خطبائهم: مؤمّل بن خاقان. و قال أبو الزبير الثقفي: ما رأيت خطيبا من خطباء الأمصار أشبه بخطباء البادية، من المؤمّل بن خاقان.

و من خطبائهم: خاقان بن المؤمل بن خاقان، و كان صباح بن خاقان، ذا علم و بيان و معرفة، و شدة عارضة، و كثرة رواية، مع سخاء و احتمال و صبر على الحق، و نصرة للصديق، و قيام بحق الجار.

و من بني منقر: الحكم بن النضر، و هو أبو العلاء المنقري، و كان يصرّف لسانه حيث شاء، بجهارة و اقتدار.

و من خطباء بني صريم بن الحارث: الخزرج بن الصدي.

و من خطباء بني تميم ثم من مقاعس: عمارة بن أبي سليمان. و من ولد مالك بن سعد: عبد اللّه و جبر ابنا حبيب، كانا ناسبين عالمين أديبين دينين.

و من ولد مالك بن سعد: عبد اللّه العباس ابنا رؤبة، و كان العباس علاّمة عالما، ناسبا راوية، و كان عبد اللّه أرجز الناس و أفصحهم، و كان يكنى أبا الشعشاء، و هو العجّاج.

[أصحاب الأخبار]

و من أصحاب الأخبار و النسب: أبو بكر الصديق، رحمة اللّه عليه، ثم جبير بن مطعم، ثم سعيد بن المسيب، ثم قتادة، و عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة المسعودي الذي قال في كلمة له في عمر بن عبد العزيز، و عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان:

مسّا تراب الأرض منه خلقتما # و فيه المعاد و المصير إلى الحشر

و لا تأنفا أن ترجعا فتسلّما # فما حشي الإنسان شرا من الكبر

فلو شئت أدلي فيكما غير واحد # علانية أو قال عندي في سرّ

فإن أنا لم آمر و لم أنه عنكما # ضحكت له حتى يلجّ و يستشري‏

و هو الذي قيل له كيف تقول الشعر مع النّسك و الفقه؟قال: «إن المصدور لا يملك أن ينفث» . ـ

288

و قد ذكر المصدور أبو زبيد الطائي في صفة الأسد فقال:

للصدر منه عويل فيه حشرجة # كأنما هو من أحشاء مصدور

[خطباء هذيل‏]

و من خطباء هذيل: أبو المليح الهذلي أسامة بن عمير، و منهم أبو بكر الهذلي، كان خطيبا قاصا، و عالما بيّنا، و عالما بالأخبار و الآثار. و هو الذي لما فخر أهل الكوفة قال: «لنا الساج و العاج، و الديباج و الخراج، و النهر العجّاج» .

[خطباء قحطان‏]

ذكر أسماء الكهان و الحكام و الخطباء و العلماء من قحطان.

قالوا: أكهن العرب و أسجعهم سلمة بن أبي حيّة، و هو الذي يقال له عزّى سلمة. و منهم من خطباء عمان: مرّة بن فهم التليد، و هو الخطيب الذي أوفده المهلب إلى الحجاج.

و من العتيك: بشر بن المغيرة بن أبي صفرة، و هو الذي قال لبني المهلّب «يا بني عمي، إني و اللّه قد قصّرت عن شكاة العاتب، و جاوزت شكاة المستعتب، حتى كأني لست موصولا و لا محروما، فعدوني امرأ خفتم لسانه، أو رجوتم شكره. و إني و إن قلت هذا فلما أبلاني اللّه بكم أعظم مما أبلاكم بي» .

و من خطباء اليمن ثم من حمير: الصباح بن شفي الحميريّ، كان أخطب العرب. و منهم ثم من الأنصار: قيس بن شمّاس. و منهم: ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي صلّى اللّه عليه و آله. و منهم: روح بن زنباع، و هو الذي لما همّ به معاوية قال: «لا تشتمن بي عدوا أنت و قمته‏ (1) ، و لا تسوءن فيّ صديقا أنت

____________

(1) وقم : قهر و أذل.

289

سررته، و لا تهدمن مني ركنا أنت بنيته. هلا أتى حلمك و إحسانك على جهلي و إساءتي» .

و من خطبائهم الأسود بن كعب، الكذّاب العنسيّ‏ (1) . و كان طليحة (2)

خطيبا و شاعرا و سجّاعا كاهنا ناسبا. و كان مسيلمة الكذاب‏ (3) بعيدا من ذلك كله.

و ثابت بن قيس بن شماس هو الذي قال لعامر، حين قال: أما و اللّه لئن تعرضت لعنّي و فنّي، و ذكاء سنّي‏ (4) لتولينّ عني» ، فقال له ثابت: «أما و اللّه لئن تعرضت لسبابي، و شبا أنيابي‏ (5) ، و سرعة جوابي، لتكرهن جنابي» قال:

فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: «يكفيك اللّه و ابنا قيلة» .

لعني: أي لما يعن لي و يعرض. فني: مذهبي في الفن.

و أخذت هذا الحديث من رجل يضع الأخبار فأنا أتهمه.

و من خطباء الأنصار: بشر بن عمرو بن محصنة، و هو أبو عمرة الخطيب.

و من خطباء الأنصار: سعد بن الربيع، و هو الذي اعترضت ابنته النبي صلّى اللّه عليه و آله، فقال لها: من أنت؟قالت: ابنة الخطيب النقيب الشهيد: سعد بن الربيع. و منهم خال حسان بن ثابت، و فيه يقول حسان:

____________

(1) الأسود بن كعب من بني عبس بن مالك، تنبأ باليمن و قتله قيس بن مكشوح المرادي سنة 11 هـ. كان يركب حمارا راضه يأمره أن يجثو فيجثو فدعي بذي الحمار.

(2) طليحة بن خويلد الأسدي الخزيمي، تنبأ في قبيلته فوجه إليه أبو بكر خالد بن الوليد فهزمه و استسلم و أسلم سنة 11 هـ و مات بها سنة 21 هـ.

(3) ذكاء السن: تمامه.

(4) شبا الأنياب: حدها.

(5) مسيلمة الكذاب هو ثمامة بن مسيلمة بن حبيب الحنفي من أهل اليمامة، تنبأ و أتى بأسجاع عارض بها القرآن مثل: و الشمس و ضحاها، في ضوئها و مجلاها، و الليل إذا عداها، يطلبها ليغشاها فأدركها حتى آتاها و أطفأ نورها و محاها» . و قوله: «يا ضفدع نقي نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين و لا الشرب تمنعين» . وجه إليه أبو بكر خالد بن الوليد فهزمه و قتله.

290

إن خالي خطيب جابية الجو # لان عند النعمان حين يقوم‏

و إياه يعني حسان بقوله:

ربّ خال لي لو أبصرته # سبط المشية في اليوم الخصر

و منهم من الرواة و النسابين و العلماء: شرقي بن القطامي الكلبي، و محمد ابن السائب الكلبي، و عبد اللّه عياش الهمداني، و هشام بن محمد بن السائب الكلبي. و الهيثم بن عدي الطائي، و أبو رق الهمداني و اسمه عطية بن الحارث، و أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي، و محمد بن عمر الأسلمي الواقدي، و عوانة الكلبي، و ابن أبي عيينة المهلّبي، و الخليل بن أحمد الفراهيدي، و خلف بن حيان الأحمر الأشعري.

قالوا: و منا في الجاهلية عبيد بن شريّة، و منا شقّ بن الصعب، و منا ربيع ابن ربيعة السطيح الذئبي.

و منا المأمور الحارثي، و الديّان بن عبد المدان، الشريفان الكاهنان و منهم عمرو بن حنظلة بن نهد الحكم، و له يقول القائل:

عمرو بن حنظلة بن نهد # من خير ناس في معد

و منهم أبو السطّاح اللخمي، و جمع معاوية بينه و بين دغفل بن حنظلة البكري. و منهم أبو الكباس الكندي، و منهم أظفر بن مخوس الكندي و كانا ناسبين عالمين.

و من أصحاب الأخبار و الآثار عبد اللّه بن عقبة بن لهيعة و يكنى أبا عبد الرحمن.

و من القدماء في الحكمة و الرئاسة و الخطابة عبيد بن شريّة الجرهمي، و أسقف نجران، و أكيدر صاحب دومة الجندل، و أفيعي نجران و ذرب بن حوط، و عليم بن جناب و عمرو بن ربيعة-و هو لحي-بن حارثة بن عمرو مزيقياء.

و جذيمة بن مالك الأبرش، و هو أول من أسرج الشّمع و رمى بالمنجنيق.

291

ذكر النساك و الزهاد من أهل البيان‏

عامر بن عبد قيس، وصلة بن أشيم‏ (1) ، و عثمان بن أدهم، و صفوان بن محرز (2) و الأسود بن كلثوم، و الربيع بن خشيم‏ (3) ، و عمرو بن عتبة بن فرقد (4) ، و هرم بن حيّان، و مؤرّق العجلي، و بكر بن عبد اللّه المزني، و مطرّف ابن عبد اللّه بن الشخّير الحرشيّ.

و بعد هؤلاء: مالك بن دينار، و حبيب أبو محمد (5) ، و يزيد الرقاشي، و صالح المريّ، و أبو حازم الأعرج‏ (6) ، و زياد مولى عياش بن أبي ربيعة (7) ، و عبد الواحد بن زيد، و حيان أبو الأسود، و دهثم أبو العلاء.

و من النساء: رابعة القيسية (8) ، و معاذة العدوية امرأة صلة بن أشيم و أم الدرداء (9) .

و من نساء الخوارج: البلجاء، و غزالة (10) ، و قطام، و حمّادة، و كحيلة، و من نساء الغالية: ليلى الناعظية، و الصّدوف، و هند.

____________

(1) هو صلة بن أشيم العدوي، تنسك و تزوج من الناسكة معاذة العدوية، و استشهد في غزاة جرت بعيد تولية الحجاج على العراق سنة 75 هـ.

(2) صفوان بن محرز المازني البصري، كان زاهدا راوية فقيها توفي عام 74 هـ.

(3) الربيع بن خشيم الثوري الكوفي من التابعين الثقات المتعبدين توفي عام 63 هـ.

(4) هو عمرو بن عتبة بن فرقد السلمي الكوفي روى مثل صفوان و الربيع عن ابن مسعود و قتل في تستر في خلافة عثمان.

(5) هو حبيب بن محمد البصري العجمي الأصل، زاهد مشهور أخذ عن الحسن البصري و ابن سيرين و أخذ عنه حماد.

(6) هو سلمة بن دينار الأعرج المدني مولى الأسود المخزومي. كان قاصا و محدثا ثقة. توفي سنة 140 هـ.

(7) زياد بن أبي زياد ميسرة، زاهد كان عمر بن عبد العزيز يكرمه و طلبه من مولاه فأعتقه توفي سنة 135 هـ.

(8) رابعة القيسية: هي رابعة بنت إسماعيل العدوية القيسية البصرية، زاهدة مشهورة ورعة توفيت سنة 135 هـ.

(9) أم الدرداء زوجة أبي الدرداء الصحابي. كانت متعبدة زاهدة.

(10) غزالة الشيبانية زوج شبيب بن يزيد الشيباني. اشتهرت بتقاها و شجاعتها حتى خافها الحجاج.

292

و ممن كان من النساك ممن أدركناه: أبو الوليد، و هو الحكم الكندي، و محمد بن محمد الحمراوي.

و من القدماء ممن يذكر بالقدر و الرئاسة، و البيان و الخطابة و الحكمة و الدهاء و النكراء: لقمان بن عاد، و لقيم بن لقمان، و مجاشع بن دارم، و سليط بن كعب بن يربوع، سموه بذلك لسلاطة لسانه. و قال جرير:

إن سليطا كاسمه سليط

و لؤي بن غالب، و قس بن ساعدة، و قصي بن كلاب.

و من الخطباء البلغاء و الحكام الرؤساء: أكثم بن صيفي، و ربيعة بن حذار، و هرم بن قطبة، و عامر بن الظّرب، و لبيد بن ربيعة، و كان من الشعراء.

أسماء الصوفية من النساك ممن كان يجيد الكلام‏

كلاب، و كليب، و هاشم الأوقص، و أبو هاشم الصوفيّ، و صالح بن عبد الجليل.

و من القدماء العلماء بالنسب و بالعرب: الخطفي و هو جد جرير بن عطية ابن الخطفي، و هو حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع.

و إنما سمي الخطفي لأبيات قالها، و هي:

يرفعن بالليل إذا ما أسدفا # أعناق جنّان و هاما رجّفا

و عنقا باقي الرسيم خيطفا

العنق: ضرب من السير، و هو المسبطر، فإذا ارتفع عن العنق قليلا فهو التزيّد، فإذا ارتفع عن ذاك فهو الذّميل. و الرسيم فوق الذميل. و الخيطف:

السريع، أي يخطف كما يخطف البرق. و خيطف من الخطف، و الياء في خيطف زائدة، كما قالوا رجل صيرف من الصرف، و رجل جيدر من الجدر و هو القصر. و أصل الخطف الأخذ في سرعة ثم استعير لكل سريع.

293

ذكر القصاص‏[الأبيناء]

قصّ الأسود بن سريع، و هو الذي قال:

فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة # و إلا فإني لا أخالك ناجيا

و قص الحسن و سعيد ابنا أبي الحسن. و كان جعفر بن الحسن أول من اتخذ في مسجد البصرة حلقة و أقرأ القرآن في مسجد البصرة و قص إبراهيم التيمي. و قص عبيد بن عمر الليثيّ و جلس إليه عبد اللّه بن عمر. حدثني بذلك عمرو بن فائد بإسناد له.

و من القصاص: أبو بكر الهذلي و هو عبد اللّه بن سلمى، و كان بيّنا خطيبا صاحب أخبار و آثار. و قص مطرّف بن عبد اللّه بن الشخير في مكان أبيه. و من كبار القصاص ثم من هذيل: مسلم بن جندب و كان قاص مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله بالمدينة، و كان إمامهم و قارئهم، و فيه يقول عمر بن عبد العزيز: «من سره أن يسمع القرآن غضا فليسمع قراءة مسلم بن جندب» .

و من القصاص: عبد اللّه بن عرادة بن عبد اللّه بن الوضين، و له مسجد في بني شيبان.

و من القصاص: موسى بن سيّار الاسواري، و كان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، و كان يجلس في مجلسه المشهور به، فتقعد العرب عن يمينه، و الفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب اللّه و يفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدري بأي لسان هو أبين. و اللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضيم على صاحبتها إلا ما ذكرناه من لسان موسى بن سيار الأسواري.

و لم يكن في هذه الأمة بعد أبي موسى الأشعري أقرأ في محراب من موسى بن سيار ثم عثمان بن سعيد بن أسعد، ثم يونس النحوي، ثم‏

294

المعلى. ثم قص في مسجده أبو علي الاسواري، و هو عمرو بن فائد (1) ، ستا و ثلاثين سنة، فابتدأ لهم في تفسير سورة البقرة، فما ختم القرآن حتى مات، لأنه كان حافظا للسير، و لوجوه التأويلات فكان ربما فسر آية واحدة في عدة أسابيع، كأن الآية ذكر فيها يوم بدر، و كان هو يحفظ مما يجوز أن يلحق في ذلك الأحاديث كثيرا. و كان يقص في فنون من القصص، و يجعل للقرآن نصيبا من ذلك. و كان يونس بن حبيب يسمع منه كلام العرب، و يحتجّ به. و خصاله المحمودة كثيرة.

ثم قص من بعده القاسم بن يحيى، و هو أبو العباس الضرير، لم يدرك في القصاص مثله. و كان يقص معهما. و بعدهما مالك بن عبد الحميد المكفوف، و يزعمون أن أبا عليّ لم تسمع منه كلمة غيبة قط، و لا عارض أحدا قط من المخالفين و الحساد و البغاة بشي‏ء من المكافأة.

فأما صالح المري، فكان يكنى أبا بشر، و كان صحيح الكلام رقيق المجلس. فذكر أصحابنا أن سفيان بن حبيب‏ (2) ، لما دخل البصرة و توارى عند مرحوم العطار قال له مرحوم: هل لك أن تأتي قاصّا عندنا هاهنا، فتتفرّج بالخروج و النظر إلى الناس، و الاستماع منه؟فأتاه على تكرّه، كأنه ظنه كبعض من يبلغه شأنه، فلما أتاه و سمع منطقه، و سمع تلاوته للقرآن، و سمعه يقول حدثنا شعبة (3) عن قتادة، و حدثنا قتادة عن الحسن، رأى بيانا لم يحتسبه، و مذهبا لم يكن يظنّه، فأقبل سفيان على مرحوم فقال: ليس هذا قاصّا، هذا نذير!

____________

(1) هو عمرو بن قائد الاسواري معتزلي أخذ عن عمرو بن عبيد و اتصل بأمير البصرة محمد بن سليمان. مات بعد سنة 200 هـ بقليل.

(2) سفيان بن حبيب، محدث بصري ثقة، توفي سنة 183 هـ.

(3) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي الواسطي البصري، راوية و محدث كثير الرواية.

عاش بين سنتي 82-160 هـ.

295

ما قيل في المخاصر و العصي و غيرهما

كانت العرب تخطب بالمخاصر (1) ، و تعتمد على الأرض بالقسيّ، و تشير بالعصي و القنا. نعم حتى كانت المخاصر لا تفارق أيدي الملوك في مجالسها، و لذلك قال الشاعر (2) :

في كفّه خيزران ريحه عبق # بكف أروع في عرنينه شمم

يغضي حياء و يغضى من مهابته # فما يكلم إلا حين يبتسم

إن قال قال بما يهوى جميعهم # و إن تكلم يوما ساخت الكلم

يكاد يمسكه عرفان راحته # ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم‏

و قال الشاعر قولا فسر فيه ما قلنا. قال:

مجالسهم خفض الحديث و قولهم # إذا ما قضوا في الأمر وحي المخاصر

و قال الكميت بن زيد:

و نزور مسلمة المهذ # ب بالمؤبّدة السّوائر

بالمذهبات المعجبا # ت لمفحم منا و شاعر

و أهل التجاوب في المحا # فل و المقاول بالمخاصر

فهم كذلك في المجا # لس و المحافل و المشاعر

و كما قال الأنصاري في المجامع حيث يقول:

و سارت بنا سيّارة ذات سورة # بكوم المطايا و الخيول الجماهر

يؤمون ملك الشام حتى تمكنوا # ملوكا بأرض الشام فوق المنابر

يصيبون فصل القول في كل خطبة # إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر

____________

(1) المخاصر: جمع مخصرة، و هي ما يمسكه الإنسان بيده من عصا أو مقرعة أو عنزة أو عكازة أو قضيب.

(2) هو الفرزدق، و الأبيات من قصيدة طويلة يمدح فيها علي بن الحسين عند ما رأى الناس في موسم الحج يفسحون له الطريق لاستلام الحجر بينما لا يأبهون لهشام بن عبد الملك.

296

و في المخاصر و العصي و في خدّ وجه الأرض بالعصي، قال الحطيئة:

أم من لخصم مضجعين قسيّهم # صعر خدودهم عظام المفخر

و قال لبيد بن ربيعة في الإشارة:

غلب تشذّر بالذّحول كأنها # جنّ البديّ رواسيا أقدامها (1)

و قال في خد وجه الأرض بالعصي و القسي:

نشين صحاح البيد كلّ عشية # بعوج السّراء عند باب محجب‏

عوج: جمع عوجاء، و هي هاهنا القوس. السراء: شجر تعمل منه القسي. و في مثله يقول الشاعر:

إذا اقتسم الناس فضل الفخار # أطلنا على الأرض ميل العصا

و قال الآخر:

كتبت لنا في الأرض يوم محرّق # أيامنا في الأرض يوما فيصلا

و قال لبيد بن ربيعة في ذكر القسي:

ما إن أهاب إذا السرادق غمّه # قرع القسيّ و أرعش الرّعديد

و قال معن بن أوس المزني‏ (2) :

ألا من مبلغ عني رسولا # عبيد اللّه إذ عجل الرّسالا

تعاقل دوننا أبناء ثور # و نحن الأكثرون حصى و مالا

إذا اجتمع القبائل جئت ردفا # وراء الماسحين لك السّبالا (3)

____________

(1) الغلب: الغلاظ الأعناق. تشذر: يتوعد بعضهم بعضا. الذحول: جمع ذحل: الحقد و الثأر. البدي: موضع هوية البادية.

(2) معن بن أوس: شاعر مخضرم، عاش إلى عهد ابن الزبير و مدح عددا من الصحابة.

(3) السبال، جمع سبلة: مقدم اللحية. و مسح اللحى كناية عن التهديد و التوعد.

297

فلا تعطي عصا الخطباء فيهم # و قد تكفي المقادة و المقالا

فإنكم و ترك بني أبيكم # و أسرتكم تجرون الحبالا

و ودّكم العدي ممن سواكم # لكالحيران يتبع الضلالا

و مما قالوا في حمل القناة قوله:

إلى امرئ لا تخطاه الرفاق، و لا # جدب الخوان إذا ما استنشئ المرق

صلب الحيازيم لا هذر الكلام إذا # هزّ القناة و لا مستعجل زهق‏

و كما قال جرير بن الخطفي:

من للقناة إذا ما عي قائلها # أم للأعنة يا شبّ بن عمّار

و قال: و مثل هذا قول أبي المجيب الربعي: «ما تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة، فعند ذلك يفضحك أو يحمدك» . يقول: إذا قام يخطب.

و في كتاب جبل بن يزيد: «احفظ أخاك إلا من نفسه» .

و قال عبد اللّه بن رؤبة: سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم، فقال:

«خداش بن لبيد بن بينة» يعني البعيث. و إنما قيل له البعيث لقوله:

تبعّث مني ما تبعّث بعد ما # أمرّت حبالي كل مرّتها شذرا

و زعم سحيم بن حفص أنه كان يقال: أخطب بني تميم البعيث إذ أخذ القناة.

و قال يونس: لعمري لئن كان مغلبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب.

[سبب تسمية بعض الشعراء]

و من الشعراء من يغلب شي‏ء قاله في شعره، على اسمه و كنيته، فيسمى به بشر كثير. فمنهم البعيث هذا. و منهم عوف بن حصن بن حذيفة بن بور، غلب عليه عويف القوافي لقوله:

298

سأكذب من قد كان يزعم أنني # إذا قلت شعرا لا أجيد القوافيا

فسمي عويف القوافي لذلك.

و منهم: يزيد بن ضرار التغلبي، غلب على اسمه المزرّد، لقوله:

فقلت تزرّدها عبيد فإنني # لدرد الموالي في السّنين مزرّد (1)

فسمي المزرّد.

و منهم: عمرو بن سعد بن مالك، غلب عليه مرقّش، و ذلك لقوله:

الدار قفر و الرسوم كما # رقّش في ظهر الأديم قلم‏

فسمي مرقشا. و منهم: شأس بن نهار العبدي، غلب عليه الممزّق لقوله:

فإن كنت مأكولا فكن خير آكل # و إلا فأدركني و لما أمزّق‏

فسمي الممزق. و منهم: جرير بن عبد المسيح الضبعي، غلب عليه المتلمس لقوله:

فهذا أوان العرض حيّ ذبابه # زنابيره و الأزرق المتلمّس‏

و منهم: عمرو بن رياح السّلمي، أبو خنساء ابنة عمرو، و غلب الشريد على اسمه لقوله:

تولّى إخوتي و بقيت فردا # وحيدا في ديارهم شريدا

فسمي الشريد. و هذا كثير.

____________

(1) الدرد: جمع أدرد: الذي ذهبت أسنانه. في السنين: في الجدب. مزرد: من تزرد إذا تسرع.

299

[اللفظ الغريب ليس فصيحا]

قال: و دخل رجل من قيس عيلان على عبد الملك بن مروان، فقال زبيريّ عميري!و اللّه لا يحبك قلبي أبدا!فقال: «يا أمير المؤمنين، إنما بجزع من فقدان الحب المرأة، و لكن عدل و إنصاف» .

و قال عمر لأبي مريم الحنفي، قاتل زيد بن الخطاب: «لا يحبك قلبي أبدا حتى تحبّ الأرض الدم المسفوح» . و هذا مثل قول الحجاج: «و اللّه لأقلعنك قلع الصّمغة» ، لأن الصمغة اليابسة إذا قرفت‏ (1) عن الشجرة انقلعت انقلاع الجلبة (2) . و الأرض لا تنشف الدم المسفوح و لا تمصه، فمتى جف الدم و تجلّب لم تره أخذ من الأرض شيئا.

و من الخطباء: الغضبان بن القبعثريّ‏ (3) ، و كان محبوسا في سجن الحجاج، فدعا به يوما، فلما رآه قال: إنك لسمين!قال: القيد و الرتعة (4) ، و من يكن ضيفا للأمير يسمن» .

و قال يزيد بن عياض‏ (5) : لما نقم الناس على عثمان، خرج يتوكأ على مروان، و هو يقول: «لكل أمّة آفة، و لكل نعمة عاهة، و إن آفة هذه الأمة عيّابون طعّانون، يظهرون لكم ما تحبون، و يسرون ما تكرهون، طغام مثل النعام، يتبعون أول ناعق، لقد نقموا عليّ ما نقموه على عمر، و لكن قمعهم عمر و وقمهم. و اللّه إني لأقرب ناصرا و أعز نفرا. فضل فضل من مالي، فما لي لا أفعل في الفضل ما أشاء» .

____________

(1) قرفت: قلعت.

(2) الجلبة: القشرة تعلو الجرح.

(3) الغضبان بن القبعثري الشيباني من زعماء مروانية أهل العراق الذين كان عبد الملك يرعى جانبهم.

(4) الرتعة: الخصب.

(5) يزيد بن عياض الليثي، محدث من أهل المدينة توفي بالبصرة في خلافة المهدي.

300

قال: و رأيت الناس يتداولون رسالة يحيى بن يعمر (1) ، على لسان يزيد ابن المهلب: «إنّا لقينا العدوّ فقتلنا طائفة و أسرنا طائفة، و لحقت طائفة بعراعر الأودية و اهضام الغيطان، و بتنا بعرعرة الجبل، و بات العدو بحضيضه» . قال:

فقال الحجاج: ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام. فقيل له: إن معه يحيى بن يعمر! فأمر بأن يحمل إليه فلما أتاه قال: أين ولدت؟قال: بالأهواز. قال: فأنّى لك هذه الفصاحة؟قال: أخذتها عن أبي.

عراعر الأودية: أسافلها. و عراعر الجبال: أعاليها. و أهضام الغيطان:

مداخلها. و الغيطان: جمع غائط، و هو الحائط ذو الشجر.

و رأيتهم يديرون في كتبهم أن امرأة خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر فانتهرها مرارا، فقال له يحيى بن يعمر: «أ إن سألتك ثمن شكرها و شرك، أنشأت تطلّها و تضهلها» .

قالوا: الضهل: التقليل. و الشكر: الفرج. و الشبر: النكاح. و تطلها:

تذهب بحقها، يقال دم مطلول. و يقال بئر ضهول، أي قليلة الماء.

قال: فإن كانوا إنما رووا هذا الكلام لأنه يدل على فصاحة فقد باعده اللّه من صفة البلاغة و الفصاحة. و إن كانوا إنما دوّنوه في الكتب، و تذاكروه في المجالس لأنه غريب، فأبيات من شعر العجاج و شعر الطّرمّاح و أشعار هذيل، تأتي لهم مع حسن الرصف على أكثر من ذلك. و لو خاطب بقوله: «أ إن سألتك ثمن شكرها و شبرك أنشأت تطلها و تضهلها» الأصمعي، لظننت أنه سيجهل بعض ذلك. و هذا ليس من أخلاق الكتاب و لا من آدابهم.

قال أبو الحسن: كان غلام يقعّر في كلامه، فأتى أبا الأسود الدؤلي

____________

(1) يحيى بن يعمر فقيه لغوي سمع أبا هريرة و ابن عمر و أخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، ولاه قتيبة بن مسلم قضاء خراسان، توفي سنة 129 هـ. و قد وجه الرسالة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي.

301

يلتمس بعض ما عنده، فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟قال: «أخذته الحمى فطبخته طبخا، و فنخته فنخا، و فضخته فضخا، فتركته فرخا» .

فنخته: أضعفته. و الفنيخ: الرخو الضعيف. و فضخته: دقته.

فقال أبو الأسود: «فما فعلت امرأته التي كانت تهارّه و تشارّه، و تجارّه‏ (1)

و تزارّه» ؟قال: «طلقها فتزوّجت غيره، فرضيت و حظيت و بظيت» . قال أبو الأسود: قد عرفنا رضيت و حظيت، فما بظيت؟قال: حرف من الغريب لم يبلغك. قال أبو الأسود: يا بني كل كلمة لا يعرفها عمك فاسترها كما تستر السنور جعرها.

تزارّه: تعاضه. و الزر: العض. و حظيت: من الحظوة. و بظيت: اتباع لحظيت.

قال أبو الحسن: مرّ أبو علقمة النحويّ ببعض طرق البصرة، و هاجت به مرة، فوثب عليه قوم منهم فأقبلوا يعضون إبهامه و يؤذّنون في أذنه، فأفلت منهم فقال: «ما لكم تتكأكئون عليّ كما تتكأكئون على ذي جنّة، افرنقعوا عني» .

قال دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية.

قال أبو الحسن: و هاج بأبي علقمة الدم فأتوه بحجام، فقال للحجام:

«اشدد قصب الملازم، و أرهف ظبات المشارط، و أسرع الوضع و عجّل النزع، و ليكن شرطك و خزا، و مصّك نهزا، و لا تكرهنّ أبيّا، و لا تردّنّ أتيّا» . فوضع الحجام محاجمه في جونته ثم مضى.

فحديث أبي علقمة فيه غريب، و فيه أنه لو كان حجاما مرة ما زاد على ما قال. و ليس في كلام يحيى بن يعمر شي‏ء من الدنيا إلا أنه غريب، و هو أيضا من الغريب بغيض.

و ذكروا عن محمد بن إسحاق قال: لما جاء ابن الزبير و هو بمكة قتل

____________

(1) تهاره: تهر في وجهه كالكلب. تشاره: تعاديه و تخاصمه. تجاره: تلحق به الجريرة.

302

مروان الضحاك بمرج راهط، قام فينا خطيبا فقال: «إن ثعلب بن ثعلب، حفر بالصحصحة (1) ، فأخطأت استه الحفرة. و الهف أم لم تلدني على رجل من محارب كان يرعى في جبال مكة، فيأتي بالصربة (2) من اللبن فيبيعها بالقبضة من الدقيق، فيرى ذلك سدادا من عيش، ثم أنشأ يطلب الخلافة و وراثة النبوة» .

و أول هذا الكلام مستكره، و هو موجود في كل كتاب. و جار على لسان كل صاحب خبر. و قد سمعت لابن الزبير كلاما كثيرا، ليس هذا في سبيله، و لا يتعلق به.

و قال أبو يعقوب الأعور:

و خلجة ظن يسبق الطرف حزمها # تشيف على غنم و تمكن من ذحل

صدعت بها و القوم فوضى كأنهم # بكارة مرباع تبصبص للفحل‏

خلجة ظن: أي جذبه ظن، كأنه يجذب صواب الرأي جذبا. و الخلج:

الجذب. تشيف: أي تشرف، يقال أشاف و أشفى بمعنى واحد، أي أشرف.

بكارة مرباع: أي نوق فتايا قد أذلت للفحل. مرباع: أي نوق رئيس، و المرباع: ربع الغنيمة في الجاهلية لصاحب الجيش، و قال ابن عنمة:

لك المرباع منها و الصفايا # و حكمك و النشيطة و الفضول‏

و قال رجل من بني يربوع:

إلى اللّه أشكو ثم أشكو إليكما # و هل تنفع الشكوى إلى من يزيدها

حزازات حب في الفؤاد و عبرة # أظلّ بأطراف البنان أذودها

يحن فؤادي من مخافة بينكم # حنين المزجّى وجهة لا يريدها

و قد أحسن الآخر حيث قال:

____________

(1) الصحصحة و الصحصح: الأرض المستوية الواسعة.

(2) الصربة: اللبن الحامض.

303

و أكرم نفسي عن مناكح جمة # و يقصر مالي أن أنال الغواليا

و قال الآخر:

و إذا العبد أغلق الباب دوني # لم يحرّم عليّ متن الطريق‏

و قال الخليع العطاردي: كنا بالبادية إذ نشأ عارض و ما في السماء قزعة (1)

معلّقة، و جاء السيل فاكتسح أبياتا من بني سعد، فقلت:

فرحنا بوسميّ تألق ودقه # عشاء فأبكانا صباحا فأسرعا (2)

له طلّة كأن ريّق وبلها # عجاجة صيف أو دخان ترفعا (3)

فكان على قوم سلاما و نعمة # و ألحق عادا آخرين و تبّعا

و قال أبو عطاء السندي، لعبيد اللّه بن العباس الكندي:

قل لعبيد اللّه لو كان جعفر # هو الحي لم يبرح و أنت قتيل

إلى معشر أردوا أخاك و اكفروا # أباك فما ذا بعد ذاك تقول‏

فقال عبيد اللّه: أقول عض أبو عطاء ببظر أمه!فغلب عليه.

قال أبو عبيدة: قال أبو البصير، في أبي رهم السدوسيّ، و كان يلي الأعمال لأبي جعفر:

رأيت أبا رهم يقرّب منجحا # غلام أبي بشر و يقصي أبا بشر

فقلت ليحيى كيف قرب منجحا # فقال: له أير يزيد على شبر

[بعض محتويات الجزء الثاني‏]

و قال أبو عثمان‏ (4) : و قد طعنت الشعوبية على أخذ العرب في خطبها

____________

(1) القزعة: السحابة.

(2) الوسمي: مطر الربيع. الودق: المطر.

(3) الريق: أول كل شي‏ء.

(4) «و قال أبو عثمان» عبارة مقحمة من الناسخ.

304

المخصرة و القناة و القضيب، و الاتكاء و الاعتماد على القوس، و الخدّ في الأرض، و الإشارة بالقضيب، بكلام مستكره سنذكره في الجزء الثاني إن شاء اللّه. و لا بد من أن نذكر فيه بعض كلام معاوية، و يزيد، و عبد الملك، و ابن الزبير، و سليمان، و عمر بن عبد العزيز، و الوليد بن يزيد بن الوليد، لأن الباقين من ملوكهم لم يذكر لهم من الكلام الذي يلحق بالخطب، و بصناعة المنطق، إلا اليسير. و لا بد من أن نذكر فيه أقسام تأليف جميع الكلام، و كيف خالف القرآن جميع الكلام الموزون و المنثور، و هو منثور غير مقفى على مخارج الأشعار و الأسجاع و كيف صار نظمه من أعظم البرهان، و تأليفه من أكبر الحجج. و لا بد من أن نذكر فيه شأن إسماعيل صلّى اللّه عليه و آله و انقلاب لغته بعد أربع عشرة سنة، و كيف نسي لغته التي ربي فيها، و جرى على أعراقها و كيف لفظ بجميع حاجاته بالعربية على غير تلقين و لا ترتيب، و حتى لم تدخله عجمة و لا لكنة و لا حبسة، و لا تعلق بلسانه شي‏ء من تلك العادة، إن شاء اللّه.

و لا بد من ذكر بعض كلام المأمون و مذاهبه، و بعض ما يحضرني من كلام آبائه وجلة رهطه. و لا بد أيضا من ذكر من صعد المنبر فحصر أو خلط، أو قال فأحسن، ليكون أتمّ للكتاب إن شاء اللّه.

و لا بد من ذكر المنابر و لم اتخذت، و كيف كانت الخطباء من العرب في الجاهلية و في صدر الإسلام، و هل كانت المنابر في أمّة قط غير أمتنا، و كيف كانت الحال في ذلك. و قد ذكرنا أن الأمم التي فيها الأخلاق و الآداب و الحكم و العلم أربع، و هي: العرب، و الهند، و فارس، و الروم. و قال حكيم بن عياش الكلبيّ:

أ لم يك ملك أرض اللّه طرّا # لأربعة له متميزينا

لحمير و النجاشي و ابن كسرى # و قيصر غير قول الممترينا

فما أدري بي سبب وضع الحبشة بهذا المكان. و أما ذكره لحمير فإن كان إنما ذهب إلى تبّع نفسه في الملوك، فهذا له وجه. و أما النجاشي فليس هو عند الملوك في هذا المكان، و لو كان النجاشي في نفسه فوق تبّع و كسرى‏