البيان و التبيين - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
321 /
305

و قيصر لما كان أهل مملكته من الحبش في هذا الموضع. و هو لم يفضّل النجاشي لمكان إسلامه، يدل على ذلك تفصيله لكسرى و قيصر. و كان وضع كلامه على ذكر الممالك، ثم ترك الممالك و أخذ في ذكر الملوك. و الدليل على أن العرب أنطق، و إن لغتها أوسع، و إن لفظها أدلّ، و أن أقسام تأليف كلامها أكثر، و الأمثال التي ضربت فيها أجود و أسير. و الدليل على أن البديهة مقصور عليها، و أن الارتجال و الاقتضاب خاصّ فيها، و ما الفرق بين أشعارهم و بين الكلام الذي تسميه الروم و الفرس شعرا. و كيف صار النسيب في أشعارهم و في كلامهم الذي أدخلوه في غنائهم و في ألحانهم إنما يقال على ألسنة نسائهم، و هذا لا يصاب في العرب إلا القليل اليسير. و كيف صارت العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، فتضع موزونا على موزون، و العجم تمطّط الألفاظ فتقبض و تبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزونا على غير موزون.

و سنذكر في الجزء الثاني من أبواب العيّ و اللحن و الغلط و الغفلة، أبوابا طريفة، و نذكر فيه النوكى من الوجوه و مجانين العرب، و من ضرب به المثل منهم، و نوادر من كلامهم، و مجانين الشعراء. و لست أعني مثل مجنون بني عامر، و مجنون بني جعدة، و إنما أعني مثل أبي حية في أهل البادية، و مثل جعيفران في أهل الأمصار، و مثل أريسيموس اليوناني.

و سنذكر أيضا بقية أسماء الخطباء و النساك و أسماء الظرفاء و الملحاء، إن شاء اللّه. و سنذكر من كلام الحجاج و غيره، ما أمكننا في بقية هذا الجزء إن شاء اللّه.

[من كلام الحجاج و غيره‏]

و قال أبو الحسن المدائني: قال الحجاج لأنس بن مالك، حين دخل عليه في شأن ابنه عبد اللّه، و كان خرج مع ابن الأشعث: «لا مرحبا بك و لا أهلا. لعنة اللّه عليك من شيخ جوّال في الفتنة، مرة مع أبي تراب و مرة مع ابن الأشعث. و اللّه لأقلعنك قلع الصّمغة، و لأعصبنّك عصب السلمة، و لأجرّدنّك‏

306

تجريد الضّب» . قال أنس: من يعني الأمير أعزّه اللّه؟قال: إياك أعني، أصمّ اللّه صداك!فكتب أنس بذاك إلى عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك إلى الحجاج:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، و اللّه لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها في نار جهنم. قاتلك اللّه، أخيفش العينين أصكّ الرجلين‏ (1) ، أسود الجاعرتين. و السلام» .

و كان الحجاج أخيفش، منسلق الأجفان، و لذلك قام إمام بن أقرم النميري، و كان الحجاج جعله على بعض شرط أبان بن مروان ثم حبسه، فلما خرج قال:

طليق اللّه لم يمنن عليه # أبو داود و ابن أبي كثير

و لا الحجاج عيني بنت ماء # تقلب طرفها حذر الصقور

لأن طير الماء لا يكون أبدا إلا منسلق الأجفان.

قال: و خطب الحجاج يوما فقال في خطبته: «و اللّه ما بقي من الدنيا إلا مثل ما مضى، و لهو أشبه به من الماء بالماء و اللّه ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه» .

المفضل بن محمد الضبي قال: كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: أن أبعث إليّ بالآدم الجعد (2) ، الذي يفهمني و يفهم عني. فبعث إليه غذّام بن شتير فقال الحجاج: للّه درّه!ما كتبت إليه في أمر قط إلا فهم عني و عرف ما أريد.

و قال أبو الحسن و غيره: أراد الحجاج الحج، فخطب الناس فقال:

«أيها الناس، إني أريد الحج، و قد استخلفت عليكم ابني محمدا هذا،

____________

(1) الصك: اضطراب الركبتين.

(2) الأدم: الأسود. و الجعد: الخفيف.

307

و أوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في الأنصار. إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أوصى أن يقبل من محسنهم، و يتجاوز عن مسيئهم، ألا و إني قد أوصيته ألا يقبل من محسنكم و لا يتجاوز عن مسيئكم. ألا و إنكم ستقولون بعدي مقالة ما يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي. ستقولون بعدي: لا أحسن اللّه له الصحابة!ألا و إني معجل لكم الإجابة، لا أحسن اللّه عليكم الخلافة» . ثم نزل.

و كان يقول في خطبته: «أيها الناس، إن الكف عن محارم اللّه أيسر من الصبر على عذاب اللّه» .

و قال عمرو بن عبيد رحمه اللّه: كتب عبد الملك بن مروان وصية زياد بيده و أمر الناس بحفظها و تدبّر معانيها، و هي: «إن اللّه عزّ و جلّ جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته، و أثابهم بها على طاعته، فالناس بين محسن بنعمة اللّه عليه، و مسي‏ء بخذلان اللّه إياه. و للّه النعمة على المحسن، و الحجة على المسي‏ء. فما أولى من تمت عليه النعمة في نفسه، و رأى العبرة في غيره، بأن يضع الدنيا بحيث وضعها اللّه فيعطي ما عليه منها، و لا يتكثر مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار فناء، و لا سبيل إلى بقائها، و لا بد من لقاء اللّه عز و جل. فأحذركم اللّه الذي حذركم نفسه، و أوصيكم بتعجيل ما أخرته العجزة، قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها، فلا تقدروا فيها على توبة، و ليست لكم منها أوبة. و أنا أستخلف اللّه عليكم، و أستخلفه منكم» .

و قد روي هذا الكلام عن الحجاج، و زياد أحق به منه.

قال جرير:

تكلّفني ردّ الفوائت بعد ما # سبقن كسبق السيف ما قال عاذله‏

و قال الكميت بن معروف:

308

خذوا العقل إن أعطاكم القوم عقلكم # و كونوا كمن سيم الهوان فأربعا (1)

و لا تكثروا فيه الضجاج فإنه # محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا

و المثل السابق: «سبق السيف العذل» .

و من أهل الأدب: زكريّاء بن درهم، مولى بني سليم بن منصور، صاحب سعيد بن عمرو الحرشي. و زكرياء هو الذي يقول:

لا تنكروا لسعيد فضل نعمته # لا يشكر اللّه من لا يشكر الناسا

و من أهل الأدب ممن وجهه هشام إلى الحرشي: السّرادق بن عبد اللّه السدوس الفارس. و لما ظفر سلم بن قتيبة بالأزد، كان من الجند في دور الأزد انتهاب و إحراق، و آثار قبيحة، فقام شبيب بن شيبة إلى سلم بن قتيبة فقال:

أيها الأمير، إن هريم بن عدي بن أبي طحمة-و كان غير منطيق-قال ليزيد بن عبد الملك في شأن المهالبة: يا أمير المؤمنين، إنّا و اللّه ما رأينا أحدا ظلم ظلمك، و لا نصر نصرك، و لا عفا عفوك. و إنّا نقول أيضا: أيها الأمير، إنّا و اللّه ما رأينا أحدا ظلم ظلمك، و لا نصر نصرك. فافعل الثالثة نقلها.

قال الهيثم بن عديّ: قام عبد اللّه بن الحجاج التغلبي إلى عبد الملك بن مروان، و قد كان أراد الاتصال به، و كان عبد الملك حنقا عليه، فأقام ببابه حولا لا يصل إليه، ثم ثار في وجهه في بعض ركباته فقال:

أدنو لترحمني و ترتق خلّتي # و أراك تدفعني فأين المدفع‏

فقال عبد الملك: إلى النار!فقال:

و لقد أذقت بني سعيد حرّها # و ابن الزبير فعرشه متضعضع‏

فقال عبد الملك: قد كان ذلك، و أنا أستغفر اللّه.

____________

(1) العقل: الدية. أربع: أقام في المربع.

309

و قال أبو عبيدة: كان بين الحجاج و بين العذيل بن الفرخ العجليّ بعض الأمر، فتوعده الحجاج، فقال العذيل:

أخوّف بالحجاج حتى كأنما # يحرّك عظم في الفؤاد مهيض

و دون يد الحجاج من أن تنالني # بساط لأيدي اليعملات عريض‏ (1)

مهامه أشباه كأن سرابها # ملاء بأيدي الغاسلات رحيض‏ (2)

المهيض: الذي قد كسر ثم جبر ثم كسر. اليعملات: العوامل، و الياء زائدة لأنها من عملت.

ثم ظفر به الحجاج فقال: ايه يا عديل، هل نجاك بساطك العريض؟ فقال: أيها الأمير، أنا الذي أقول فيكم:

لو كنت بالعنقاء أو بيسومها # لكان لحجاج عليّ دليل

خليل أمير المؤمنين و سيفه # لكلّ إمام مصطفى و خليل

بنى قبة الإسلام حتى كأنما # هدى الناس من بعد الضلال رسول‏

فقال له الحجاج: اربح نفسك، و احقن دمك، و إياك و أختها، فقد كان الذي بيني و بين قتلك أقصر من إبهام الحبارى.

قال: و قام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، خطيبا بالمدينة، و كان واليها، ينعي معاوية و يدعو إلى بيعة يزيد، فلما رأى روح بن زنباع إبطاءهم قال:

«أيها الناس، إنّا لا ندعوكم إلى لخم و جذام و كلب، و لكنا ندعوكم إلى قريش و من جعل اللّه له هذا الأمر و اختصه به، و هو يزيد بن معاوية، و نحن أبناء الطعن و الطاعون، و فضالات الموت، و عندنا إن أجبتم و أطعتم من المعونة و العائدة ما شئتم» . فبايع الناس.

____________

(1) البساط: الأرض الواسعة.

(2) رحيض: مغسول.

310

قال: و خطب إبراهيم بن إسماعيل، من ولد المغيرة المخزومي فقال:

«أنا ابن الوحيد، من شاء أجزر نفسه صقرا يلوذ حمامة بالعرفج» .

ثم قال:

استوسقي أحمرة الوجين # سمعن حسّ أسد حرون

فهن يضرطن و ينتزين‏

ثم قال: «و اللّه إني لأبغض القرشي أن يكون فظا» . يا عجبا لقوم يقال لهم من أبوكم فيقولون: أمنا من قريش.

فتكلم رجل من عرض الناس و هو يخطب، فقال غيره: مه فإن الإمام يخطب. فقال: إنما أمرنا بالإنصات عند قراءة القرآن، لا عند ضراط أحمرة الوجين.

و قال آخر: سمعت عمر بن هبيرة و هو يقول على هذه الأعواد في دعائه:

اللهم إني أعوذ بك من عدو يسري، و من جليس يغري، و من صديق يطري.

قال أبو الحسن: كان نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرّث، خال مروان، واليا على مكة و المدينة، و كان شاهرا سيفه لا يغمده، و بلغه أن فتى من بني سهم يذكره بكل قبيح، فلما أتي به و أمر بضرب عنقه قال الفتى:

لا تعجل عليّ، و دعني أتكلم. قال: أ و بك كلام؟قال: نعم و أزيد، يا نافع وليت الحرمين تحكم في دمائنا و أموالنا، و عندك أربع عقائل من العرب، و بنيت ياقوته بين الصفا و المروة-يعني داره-و أنت نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرث، أحسن الناس وجها، و أكرمهم حسبا، و ليس لنا من ذلك إلا التراب، لم نحسدك على شي‏ء منه، و لم ننفسه عليك، فنفست علينا أن نتكلم. قال:

فتكلم حتى ينفك فكّاك.

عليّ بن مجاهد، عن الجعد بن أبي الجعد، قال: قال صعصعة بن صوحان: ما أعياني جواب أحد ما أعياني جواب عثمان، دخلت عليه فقلت:

311

أخرجنا من ديارنا و أموالنا أن قلنا ربنا اللّه!فقال: نحن الذين أخرجنا من ديارنا و أموالنا أن قلنا ربنا اللّه، فمنا من مات بأرض الحبشة و منا من مات بالمدينة.

قال: و قال الحجاج على منبره: «و اللّه لألحونّكم لحو العصا، و لأعصبنّكم عصب السلمة، و لأضربنّكم ضرب غرائب الإبل. يا أهل العراق، و يا أهل الشقاق و النفاق، و مساوئ الأخلاق، إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به اللّه في الترغيب و لكنه التكبير الذي يراد به الترهيب. و قد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف فتنة. أي بني اللكيعة و عبيد العصا، و أبناء الإماء، و اللّه لئن قرعت عصا عصا لأتركنكم كأمس الدابر» .

مالك بن دينار قال: ربما سمعت الحجاج يخطب، يذكر ما صنع به أهل العراق و ما صنع بهم، فيقع في نفسي أنهم يظلمونه و أنه صادق، لبيانه و حسن تخلصه بالحجج.

قال: و قسم الحجاج مالا، فأعطى منه مالك بن دينار، و أراد أن يدفع منه إلى حبيب أبي محمد فأبي أن يقبل منه شيئا، ثم مر حبيب بمالك، فإذا هو يقسم ذلك المال، فقال له مالك: أبا محمد، لهذا قبلناه!قال له حبيب:

دعني مما هناك، أسألك باللّه الحجاج اليوم أحب إليك أم قبل اليوم؟قال: بل اليوم. فقال حبيب: فلا خير في شي‏ء حبب إليك الحجاج.

و مرّ غيلان بن خرشة الضّبيّ، مع عبد اللّه بن عامر، على نهر أمّ عبد اللّه الذي يشق البصرة، فقال عبد اللّه: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا المصر!فقال غيلان: أجل و اللّه أيها الأمير، يعلّم القوم صبيانهم فيه السباحة، و يكون لسقياهم و مسيل مياههم، و تأتيهم فيه ميرتهم. قال: ثم مر غيلان يساير زيادا على ذلك النهر، و قد كان عادى ابن عامر، فقال زياد: ما أضر هذا النهر، بأهل هذا المصر!قال غيلان: أجل و اللّه أيها الأمير، تنزّ منه دورهم، و تغرق فيه صبيانهم، و من أجله يكثر بعوضهم.

فالذين كرهوا البيان إنما كرهوا مثل هذا المذهب، فأما نفس حسن البيان فليس يذمه إلا من عجز عنه. و من ذم البيان مدح العيّ، و كفى بهذا خبالا.

312

و لخالد بن صفوان كلام في الجبن المأكول، ذهب فيه شبيها بهذا المذهب.

قال: و رجع طاوس عن مجلس محمد بن يوسف، و هو يومئذ والي اليمن، فقال: ما ظننت أن قول سبحان اللّه معصية للّه حتى كان اليوم.

سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما فقال رجل من أهل المجلس:

سبحان اللّه!كالمستعظم لذلك الكلام. فغضب ابن يوسف.

قال أبو الحسن و غيره، قالوا: دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، و كان دميما، فلما رآه قال: على رجل أجرّك رسنك، و سلّطك على المسلمين، لعنة اللّه!قال: يا أمير المؤمنين، إنك رأيتني و الأمر عني مدبر، و لو رأيتني و الأمر عليّ مقبل لاستعظمت من أمري ما استصغرت!قال:

فقال سليمان: أ فترى الحجاج بلغ قعر جهنّم بعد!قال: يا أمير المؤمنين، يجي‏ء الحجاج يوم القيامة بين أبيك و أخيك، قابضا على يمين أبيك و شمال أخيك، فضعه من النار حيث شئت.

و ذكر يزيد بن المهلب، يزيد بن أبي مسلم، بالعفة عن الدينار و الدرهم و همّ بأن يستكفيه مهما من أمره، قال: فقال عمر بن عبد العزيز: أ فلا أدلك على من هو أزهد في الدرهم و الدينار منه، و هو شرّ خلق اللّه؟قال: من هو؟ قال: إبليس.

قال: و قال أسيلم بن الأحنف، للوليد بن عبد الملك قبل أن يستخلف:

أصلح اللّه الأمير، إذا ظننت ظنا فلا تحققه، و إذا سألت الرجال فسلهم عمّا تعلم، فإذا رأوا سرعة فهمك لما تعلم ظنوا ذلك بك فيما لا تعلم، و دس من يسألك لك عما تعلم، فإذا رأوا سرعة فهمك لما تعلم ظنوا ذلك بك فيما لا تعلم، و دس من يسأل لك عما لا تعلم.

و كان أسيلم بن الأحنف الأسدي، ذا بيان و أدب و عقل و جاه، و هو الذي يقول فيه الشاعر: ـ

313

ألا أيها الركب المخبون هل لكم # بسيّد أهل الشام تحبوا و ترجعوا

أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه # لعين ترجّي أو لأذن تسمّع

من النفر البيض الذين إذا انتموا # و هاب الرجال حلقة الباب قعقعوا

جلا الأزفر الأحوى من المسك فرقه # و طيب الدّهان رأسه فهو أنزع

إذا النفر السود اليمانون حاولوا # له حوك برديه أرقّوا و أوسعوا

و هذا الشعر من أشعار الحفظ و المذاكرة.

الهيثم بن عدي قال: قدمت وفود العراق على سليمان بن عبد الملك، بعد ما استخلف، فأمرهم بشتم الحجاج، فقاموا يشتمونه، فقال بعضهم إن عدو اللّه الحجاج، كان عبدا زبابا، قنّورا ابن قنّور (1) ، لا نسب له في العرب. فقال سليمان: أي شتم هذا؟إن عدو اللّه الحجاج كتب إليّ:

«إنما أنت نقطة من مداد، فإن رأيت فيّ ما رأى أبوك و أخوك كنت لك كما كنت لهما، و إلا فأنا الحجاج و أنت النقطة، فإن شئت محوتك، و إن شئت أثبتك» .. فالعنوه لعنة اللّه!فأقبل الناس يلعنون، فقام ابن أبي بردة بن أبي موسى فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرك عن عدو اللّه بعلم. قال: هات.

قال: كان عدو اللّه يتزيّن تزيّن المومسة، و يصعد على المنبر فيتكلم بكلام الأخيار، و إذا نزل عمل الفراعنة و أكذب في حديثه من الدجال.

فقال سليمان لرجاء بن حيوة: هذا و أبيك الشتم لا ما تأتي به هذه السّفلة. و عن عوانة قال: قطع ناس من عمرو بن تميم و حنظلة، على الحجاج ابن يوسف، فكتب إليهم:

من الحجاج بن يوسف. أما بعد فإنكم قد استصحبتم الفتنة-و قال بعضهم قد استنجتم الفتنة-فلا عن حق تقاتلون، و لا عن منكر تنهون، و أيم اللّه إني لأهمّ أن يكون أول ما يرد عليكم من قبلي خيل تنسف الطارف و التالد، و تخلي النساء أيامى، و الأبناء يتامى، و الديار خرابا، و السواد بياضا، فأيّما

____________

(1) الزباب: الجاهل. القنور: العبد.

314

رفقة مرّت بأهل ماء فأهل ذلك الماء ضامنون لها حتى تصير إلى الماء الذي يليه. تقدمة مني إليكم، و السعيد من وعظ بغيره. و السلام.

مسلمة بن محارب قال: كان الحجاج يقول: «أخطب الناس صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة (1) ، إذا شاء خطب، و إذا شاء سكت» .

يعني الحسن. فيقول: لم ينصب نفسه للخطاب.

قال: و لما اجتمعت الخطباء عند معاوية في شأن يزيد، و فيهم الأحنف، قام رجل من حمير، فقال: إنّا لا نطيق أفواه الكمال-يزيد الجمال-عليهم المقال، و علينا الفعال. و قول هذا الحميري: إنّا لا نطيق أفواه الكمال، يدل على تشادق خطباء نزار.

سفيان بن عيينة قال: قال ابن عباس: «إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله» .

و قال عمر بن عبد العزيز: «من قال لا أدري فقد أحرز نصف العلم» .

لأن الذي له على نفسه هذه القوة قد دلنا على جودة التثبت، و كثرة الطلب، و قوة المنّة.

قال: و قيل لعيسى بن مريم عليه السلام: من نجالس؟قال: من يزيد في علمكم منطقه، و يذكركم اللّه رؤيته، و يرغبكم في الآخرة عمله.

قال: و مر المسيح ع بقوم يبكون، فقال: ما بال هؤلاء يبكون؟قيل له: يخافون ذنوبهم. قال: اتركوها يغفر لكم.

الوصافي‏ (2) قال: دخل الهيثم بن الأسود بن العريان، و كان خطيبا شاعرا، على عبد الملك بن مروان فقال له: كيف تجدك؟فقال: أجدني قد

____________

(1) الاخصاص: جمع خص، البيت من القصب.

(2) الوصافي هو عبيد اللّه بن الوليد الوصافي العجلي من الكوفة، راوية و محدث متهم بروايته، روى عن طاوس و محارب و جماعة و روى عنه الثوري.

315

ابيضّ مني ما كنت أحب أن يسودّ، و اسودّ مني ما كنت أحب أن يبيضّ، و اشتدّ مني ما كنت أحب أن يلين، و لان مني ما كنت أحب أن يشتد. ثم أنشد:

اسمع أنبيك بآيات الكبر # نوم العشاء و سعال بالسحر

و قلة النوم إذا الليل اعتكر # و قلة الطعم إذا الزاد حضر

و سرعة الطرف و تحميج النظر # و تركي الحسناء في قبل الطّهر (1)

و حذرا ازداده إلى حذر # و الناس يبلون كما يبلى الشجر

و قال الآخر: «مروا الأحداث بالمراء، و الكهول بالفكر» . فقال عبد اللّه ابن الحسن: «المراء رائد الغضب، فأخزى اللّه عقلا يأتيك بالغضب» .

و قالوا: أربعة تشتدّ معاشرتهم: الرجل المتواني، و الرجل العالم، و الفرس المرح، و الملك الشديد المملكة.

و قال غاز أبو مجاهد، يعارضه: أربعة تشتد مئونتهم: النديم المعربد، و الجليس الأحمق، و المغني التائه، و السفلة تقرّأ (2) .

و كان أبو شمر الغساني يقول: أقبل عليّ فلان باللحظ و اللفظ، و ما الكلام إلا زجر أو وعيد.

قال: و قال عمير بن الحباب‏ (3) ، و روى ذلك عنه مسعر (4) : ما أغرت على حي في الجاهلية أحزم امرأة و لا أعجز رجلا من كلب، و لا أحزم رجلا و لا أعجز امرأة من تغلب.

قال: و قامت امرأة من تغلب إلى الجحّاف بن حكيم حين أوقع بالبشر، فقتل الرجال، و بقر بطون النساء، فقالت له: «فضّ اللّه فاك، و أصمّك

____________

(1) قبل الطهر: أول الطهر بعد الحيض.

(2) السفلة: الأرذال، تقرّأ: تنسك.

(3) عمير بن الحباب بن سليم شاعر عاش في العصر الأموي و قتل قرب تكريت.

(4) هو مسعر بن ظهير الهلالي الكوفي، راوية ثقة فاضل توفي سنة 155 هـ.

316

و أعماك، و أطال سهادك، و أقل رقادك، فو اللّه إن قتلت إلا نساء أسافلهن دميّ، و أ عليهن ثديّ» . فقال الجحاف لمن حوله: «لو لا أن تلد مثلها لخليت سبيلها» . فبلغ ذلك الحسن فقال: «إنما الجحاف جذوة من نار جهنم» .

و كان عامر بن الظّرب العدواني حكيما، و كان خطيبا رئيسا. و هو الذي قال: «يا معشر عدوان، إن الخير ألوف عزوف، و لن يفارق صاحبه حتى يفارقه، و إني لم أكن حليما حتى اتبعت الحكماء، و لم أكن سيدكم حتى تعبّدت لكم» .

و قال أعشى بني شيبان:

و ما أنا في أمري و لا في خليقتي # بمهتضم حقي و لا قارع سني

و لا مسلم مولاي من شر ما جنى # و لا خائف مولاي من شر ما أجني

و إن فؤادا بين جنبي عالم # بما أبصرت عيني و ما سمعت أذني

و فضّلني في العقل و الشعر أنني # أقول بما أهوى و أعرف ما أعني‏

و قال رجل من ولد العباس: ليس ينبغي للقرشي أن يستغرق شيئا من العلم إلا علم الأخبار، فأما غير ذلك فالنتف و الشدو (1) من القول.

و قال آخر:

و صافية تعشي العيون رقيقة # رهينة عام في الدنان و عام

أدرنا بها الكأس الرؤية بيننا # من الليل حتى انجاب كلّ ظلام

فما ذر قرن الشمس حتى كأننا # من العيّ نحكي أحمد بن هشام‏

و مرّ رجل من قريش بفتى من ولد عتّاب بن أسيد (2) و هو يقرأ كتاب سيبويه، فقال: أف لكم، علم المؤدّبين و همة المحتاجين!

____________

(1) الشدو: كل شي‏ء قليل من كثير.

(2) عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، أسلم عند فتح مكة و استعمله الرسول على مكة عند ما خرج إلى حنين، ثم أقره أبو بكر عليها حتى توفيا معا في يوم واحد.

317

و قال ابن عتّاب: يكون الرجل نحويا عروضيا، و قساما فرضيا، و حسن الكتاب جيد الحساب، حافظا للقرآن، راوية للشعر، و هو يرضى أن يعلم أولادنا بستين درهما. و لو أن رجلا كان حسن البيان حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك لم يرض بألف درهم، لأن النحوي الذي ليس عنده إمتاع، كالنجار الذي يدعى ليعلق بابا و هو أحذق الناس، ثم يفرغ من تعليقه ذلك الباب فيقال له انصرف. و صاحب الامتاع يراد في الحالات كلها.

خبّرنا عبيد اللّه بن زيد السفياني قال: عوّد نفسك الصبر على الجليس السوء، فإنه لا يكاد يخطئك.

و قال سهيل بن عبد العزيز: من ثقل عليك بنفسه، و غمّك في سؤاله، فأعره أذنا صمّاء، و عينا عمياء.

سهيل بن أبي صالح‏ (1) عن أبيه قال: كان أبو هريرة إذا استثقل رجلا قال:

اللهم اغفر له و أرحنا منه! و قال ابن أبي أمية (2) :

شهدت الرقاشيّ في مجلس # و كان إليّ بغيضا مقيتا

فقال اقترح يا أبا جعفر # فقلت اقترحت عليك السكوتا

و قال ابن عباس: «العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شي‏ء بأحسنه» .

المدائني عن العباس بن عامر، قال: خطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز أخته فقال:

«الحمد للّه رب العزة و الكبرياء، و صلى اللّه على محمد خاتم الأنبياء أما

____________

(1) سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان الزيات، و كان كأبيه ذكوان محدثا يثق بأبي هريرة، و توفي في ولاية أبي جعفر المنصور.

(2) هو محمد بن أمية بن أبي أمية، كاتب و شاعر ظريف معاصر لأبي العتاهية.

318

بعد فقد أحسن بك ظنا من أودعك حرمته، و اختارك و لم يختر عليك و قد زوجناك على ما في كتاب اللّه، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» .

قال: و خطب أعرابي و أعجله القول و كره أن تكون خطبته بلا تحميد و لا تمجيد، فقال: «الحمد للّه، غير ملال لذكر اللّه، و لا إيثار غيره عليه» . ثم ابتدأ القول في حاجته.

و سأل أعرابي ناسا فقال: «سأجعل اللّه حظّكم في الخير، و لا جعل حظّ السائل منكم عذرة صادقة» .

و كتب إبراهيم بن سيّابة (1) إلى صديق له كثير المال، كثير الدخل، كثير الناضّ‏ (2) يستسلف منه نفقة، فكتب إليه: «العيال كثير، و الدخل قليل، و الدّين ثقيل، و المال مكذوب عليه» . فكتب إليه إبراهيم: «إن كنت كاذبا فجعلك اللّه صادقا، و إن كنت مليما فجعلك اللّه معذورا» .

و قال الشاعر:

لعل مفيدات الزمان يفدنني # بني صامت في غير شي‏ء يضيرها

قال: و قال أعرابي: «اللهم لا تنزلني بماء سوء فأكون امرأ سوء» . و قال أعرابي: «اللهم قني عثرات الكرام» .

قال: و سمع مجاشع الرّبعيّ رجلا يقول: الشحيح أعذر من الظالم. فقال: أخزى اللّه شيئين خيرهما الشح.

قال: و أنشدنا أبو فروة:

إني امتدحتك كاذبا فأثبتني # لما امتدحتك، ما يثاب الكاذب‏

____________

(1) إبراهيم بن سيّابة، شاعر عباسي من موالي الهاشميين صاحب إبراهيم الموصلي و ابنه إسحاق فمدحهما و تغنيا بشعره و قرباه من الخلفاء و الوزراء.

(2) الناض: الدراهم.

319

و أنشدني عليّ بن معاذ:

ثالبني عمرو و ثالبته # فأثم المثلوب و الثالب

قلت له خيرا و قال الخنا # كلّ على صاحبه كاذب‏

أبو معشر، قال: لما بلغ عبد اللّه بن الزبير قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد قام خطيبا فقال: «إن أبا ذبّان قتل لطيم الشيطان. كذلك نولّي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون» .

و لما جلس عثمان بن عفان على المنبر قال: «يا أيها الناس، إن اللّه قد فتح عليكم افريقية، و قد بعث إليكم ابن أبي سرح، عبد اللّه الزبير بالفتح، قم يا ابن الزبير» . قال: فقمت فخطبت، فلما نزلت قام فقال: «يا أيها الناس، انكحوا النساء على آبائهن و إخوتهن، فإني لم أر لأبي بكر الصديق ولدا أشبه به من هذا» . و قال الخريمي:

و أعددته ذخرا لكلّ مصيبة # و سهم المنايا بالذخائر مولع‏

و ذكر أبو العيزار جماعة من الخوارج بالأدب و الخطب فقال:

و مسوّم للموت يركب ردعه # بين القواضب و القنا الخطار (1)

يدنو و ترفعه الرماح كأنه # شلو تنشّب في مخالب ضاري

فثوى صريعا و الرماح تنوشه # إن الشراة قصيرة الاعمار (2)

أدباء إما جئتهم خطباء # ضمناء كل كتيبة جرّار (3)

و لما خطب سفيان بن الأبرد الأصمّ الكلبي، فبلغ في الترهيب و الترغيب المبالغ، و رأى عبيدة بن هلال اليشكري أن ذلك قد فتّ في أعضاد أصحابه:

أنشأ يقول:

____________

(1) ركب ردعه: خر صريعا.

(2) ثوى: هلك، مات. تنوشه: تتناوله، تهلكه.

(3) ضمناء: مفردها ضمين، كفيل.

320

لعمري لقد قام الأصمّ بخطبة # لها في صدور المسلمين غليل

لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي # و فارقت ديني إنني لجهول‏

و لما قام أحد الخطباء الذين تكلموا عند رأس الاسكندر قال أحدهم:

«الاسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، و هو اليوم أوعظ منه أمس» . فأخذه أبو العتاهية فقال:

بكيتك يا عليّ بدرّ عيني # فما أغنى البكاء عليك شيّا

طوتك خطوب دهرك بعد نشر # كذاك خطوبه نشرا وطيا

كفى حزنا بدفنك ثم أني # نفضت تراب قبرك عن يديّا

و كانت في حياتك لي عظات # و أنت اليوم أوعظ منك حيا

و من الأسجاع الحسنة قول الأعرابية حين خاصمت ابنها إلى عامل الماء فقالت: «أ ما كان بطني لك وعاء؟أ ما كان حجري لك فناء؟أ ما كان ثديي لك سقاء؟» . فقال ابنها: «لقد أصبحت خطيبة، رضي اللّه عنك» . لأنها قد أتت على حاجتها بالكلام المتخير كما يبلغ ذلك الخطيب بخطبته.

و قال النّمر بن تولب:

و قالت ألا فاسمع نعظك بخطبة # فقلت سمعنا فانطقي و أصيبي

فلن تنطقي حقا و لست بأهله # فقبّحت مما قائل و خطيب‏

قال أبو عباد كاتب ابن أبي خالد: ما جلس أحد قط بين يدي إلا تمثل لي أني سأجلس بين يديه.

قال اللّه عز و جل: وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً . ليس يريد بلاغة اللسان، و إن كان اللسان لا يبلغ من القلوب حيث يريد إلا بالبلاغة.

قال: و كانت خطبة قريش في الجاهلية-يعني خطبة النساء-: «باسمك اللهم، ذكرت فلانة و فلان بها مشغوف. باسمك اللهم، لك ما سألت و لنا ما أعطيت» .

321

و لما مات عبد الملك بن مروان صعد الوليد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: «لم أر مثلها مصيبة، و لم أر مثلها ثوابا: موت أمير المؤمنين، و الخلافة بعده. إنّا للّه و إنّا إليه راجعون. و الحمد للّه رب العالمين على النعمة. انهضوا فبايعوا على بركة اللّه» . فقام إليه عبد اللّه بن همّام فقال:

اللّه أعطاك التي لا فوقها # و قد أراد الملحدون عوقها

عنك و يأبى اللّه إلا سوقها # إليك حتى قلدوك طوقها

فبايع الناس.

و قيل لعمرو بن العاص، في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك؟ قال: «أجدني أذوب و لا أثوب، و أجد نجوي أكثر من رزئي، فما بقاء الشيخ على ذلك» .

و قيل لأعرابي كانت به أمراض عدة، كيف تجدك؟قال: «أما الذي يعمدني فحصر و أسر» (1) .

و عن مقاتل قال: سمعت يزيد بن المهلب، يخطب بواسط، فقال: «يا أهل العراق، يا أهل السبق و السباق، و مكارم الأخلاق، إن أهل الشام في أفواههم لقمة دسمة، زبّبت لها الأشداق‏ (2) ، و قاموا لها على ساق، و هم غير تاركيها لكم بالمراء و الجدال، فالبسوا لهم جلود النمور» (3) .

____________

(1) يعمدني: يوجعني، حصر: احتباس البطن. أسر: احتباس البول.

(2) زببت لها الأشداق: أي اجتمع الريق فيها.

(3) لبس جلد النمور: أي تنكر و أظهر العداوة و القوة و الاستعداد للصراع.