الإمامة و السياسة - ج1

- ابن قتيبة المزيد...
243 /
57

و أقبل ابن أبي حذيفة من مصر في أربع مائة رجل، فأقام أهل الكوفة و أهل مصر بباب عثمان ليلا و نهارا، و طلحة يحرض الفريقين جميعا على عثمان. ثم إن طلحة قال لهم: إن عثمان لا يبالي ما حصرتموه؟و هو يدخل إليه الطعام و الشراب فامنعوه الماء أن يدخل عليه.

مخاطبة عثمان من أعلى القصر طلحة و أهل الكوفة و غيرهم‏

قال: و ذكروا أن عثمان لما منع الماء صعد على القصر، و استوى في أعلاه ثم نادى: أين طلحة؟فأتاه، فقال: يا طلحة، أما تعلم أن بئر رومة[ (1) ]كانت لفلان اليهودي، لا يسقي أحدا من الناس منها قطرة إلا بثمن، فاشتريتها بأربعين ألفا، فجعلت رشائي‏[ (2) ]فيها كرشاء رجل من المسلمين، استأثر عليهم؟قال:

نعم. قال: فهل تعلم أن أحدا يمنع أن يشرب منها اليوم غيري؟لم ذلك؟قال:

لأنك بدلت و غيّرت. قال: فهل تعلم أن‏

رسول اللََّه قال : من اشترى هذا البيت و زاده في المسجد فله به الجنة،

فاشتريته بعشرين ألفا، و أدخلته في المسجد؟ قال طلحة: نعم. قال: فهل تعلم اليوم أحدا يمنع فيه من الصلاة غيري؟قال:

لا. قال: لم؟قال: لأنك غيرت و بدلت. ثم انصرف عثمان و بعث إلى علي يخبره أنه منع من الماء، و يستغيث به، فبعث إليه علي ثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، فقال طلحة: ما أنت و هذا؟و كان بينهما في ذلك كلام شديد، فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت فقال لهم: إن معاوية قد بعث من الشام يزيد بن أسيد مددا لعثمان، في أربعة آلاف من خيل الشام‏[ (3) ]، فاصنعوا ما أنتم صانعون، و إلا فانصرفوا و كان معه في الدار مائة رجل ينصرونه منهم عبد اللََّه بن الزبير، و مروان بن الحكم، و الحسن بن علي، و عبد اللََّه بن سلام‏[ (4) ]، و أبو هريرة، [ (1) ]بئر رومة: هي في عقيق المدينة. اشتراها ب 35 ألف درهم (معجم البلدان) .

[ (2) ]الرشاء: الحبل الّذي يربط به الدلو عند إخراج الماء من البئر، يريد أنه اعتبر نفسه واحدا من المسلمين مع الإشارة إلى تملكه البئر.

[ (3) ]تقدم أن معاوية لما وصله كتاب عثمان تريث في الإجابة و الرد معتبرا أنه لن يستطيع رد ما قضاه اللََّه، و أن عثمان مقتول لا محالة. فلما أبطأ معاوية أرسل إلى يزيد بن أسد بن كرز و إلى أهل الشام يستنفرهم و يعظم حقه عليهم. فقام و سار إليه و تابعه ناس كثير حتى إذا كانوا بوادي القرى بلغهم قتل عثمان فرجعوا (الطبري 5/115-116) .

[ (4) ]و كان عبد اللََّه بن سلام قد خرج إلى المحاصرين و دعاهم إلى فك الحصار و الرجوع و حذرهم من ـ

58

فلما سمع القوم إقبال أهل الشام، قاموا فألهبوا النار بباب عثمان، فلما نظر أهل الدار إلى النار، نصبوا للقتال و تهيئوا، فكره ذلك عثمان و قال: لا أريد أن تهراق فيّ محجمة دم، و قال لجميع من في الدار: أنتم في حل من بيعتي، لا أحب أن يقتل فيّ أحد، و كان فيهم عبد اللََّه بن عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، مع من تأمرني أن أكون إن غلب هؤلاء القوم عليك؟قال: عليك بلزوم الجماعة. قلت:

فإن كانت الجماعة هي التي تغلب عليك؟قال: عليك بلزوم الجماعة حيث كانت. قال: ثم دخل عليه الحسن بن علي،

فقال: مرني بما شئت، فإنّي طوع يديك.

فقال له عثمان: ارجع يا بن أخي، اجلس في بيتك حتى يأتي اللََّه بأمره.

ثم دخل عليه أبو هريرة متقلدا سيفه، فقال: طاب الضراب يا أمير المؤمنين، قد قتلوا منا رجلا، و قد ألهبوا النار، فقال عثمان: عزمت عليك يا أبا هريرة إلا ألقيت سيفك، قال أبو هريرة: فألقيته فلا أدري من أخذه. قال: و دخل المغيرة بن شعبة، فقال له: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قد اجتمعوا عليك، فإن أحببت فالحق بمكة، و إن أحببت أن نخرق لك بابا من الدار فتلحق بالشام ففيها معاوية و أنصارك من أهل الشام، و إن أبيت فاخرج و نخرج، و نحاكم القوم إلى اللََّه تعالى. فقال عثمان: أما ما ذكرت من الخروج إلى مكة، فإنّي‏

سمعت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول: يلحد بمكة رجل من قريش، عليه نصف عذاب هذه الأمة من الإنس و الجن،

فلن أكون ذلك الرجل إن شاء اللََّه، و أما ما ذكرت من الخروج إلى الشام، فإن المدينة دار هجرتي، و جوار قبر النبي عليه الصلاة و السلام، فلا حاجة لي في الخروج من دار هجرتي، و أما ما ذكرت من محاكمة هؤلاء القوم إلى اللََّه، فلن أكون أول من خلف رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم في أمته بإهراق الدم.

رؤية عثمان أبا بكر و عمر في المنام‏

ثم قال: إني رأيت أبا بكر و عمر أتياني الليلة فقالا لي: صم فإنك مفطر عندنا الليلة[ (1) ]. و إني أصبحت صائما، و إني أعزم على من كان يؤمن باللََّه و اليوم [ () ]مغبة قتل الخليفة، فاتهموه و أهانوه فدخل على عثمان يخبره ما جرى معه فاضطرب عثمان و لم يدر ما يصنع (الفتوح لابن الأعثم 2/223) .

[ (1) ]رواه ابن كثير في البداية و النهاية 7/204 من طرق عديدة.

59

الآخر إلا خرج من الدار سالما. فقالوا: إنا إن خرجنا لم نأمن على أنفسنا منهم، فأذن لنا فنكون في موضع من الدار فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى طلحة و الزبير و سعد و عمار و نفر من أصحاب محمد، كلهم بدري، ثم دخلوا على عثمان و معهم الكتاب و الغلام و البعير،

فقال علي: الغلام غلامك، و البعير بعيرك؟فقال: نعم. قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟قال: لا، و حلف باللََّه ما كتبت، و لا أمرت، و لا علمت. فقال له: فالخاتم خاتمك؟قال: نعم. قال:

فكيف يخرج غلامك ببعيرك و كتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟فحلف باللََّه ما كتبت هذا الكتاب، و لا وجهت، و لا أمرت‏[ (1) ].

فشك القوم في أمر عثمان، و علموا أنه لا يحلف بباطل. فقال قوم منهم: لا يبرأ عثمان عن قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان، حتى نعرف كيف يأمر بقتل رجال من أصحاب رسول اللََّه، و قطع أيديهم بغير حق، فإن كان عثمان كتبه عزلناه، و إن كان مروان كتبه نظرنا في أمره، و ما يكون في أمر مروان، فانصرف القوم عنه، و لزموا بيوتهم، و أبى عثمان أن يخرج إليهم مروان، و خشي عليه القتل. فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله،

فقال: إنا أردنا مروان، فأما قتل عثمان فلا، ثم قال للحسن و الحسين:

اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان، و لا تدعا أحدا يصل إليه،

و بعث الزبير ابنه على كره، و بعث طلحة ابنه كذلك‏[ (2) ]، و بعث عدة من أصحاب النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم أبناءهم، يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان.

و يسألوه أن يخرج مروان، فأشرف عليهم عثمان من أعلى القصر، فقال: يا معشر المسلمين، أذكركم اللََّه، أ لستم تعلمون أن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم طلب دار بني فلان، ليوسع بها للمسلمين في مسجدهم. فاشتريتها من خالص مالي. و أنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيه. أذكركم اللََّه يا معشر المسلمين. أ لستم تعلمون أن بئر رومة كانت تباع القربة منها بدرهم. فاشتريتها من خالص مالي، فجعلت رشائي كرشاء واحد من المسلمين، و أنتم تمنعونني [ (1) ]في تاريخ خليفة ص 169: «... فقال عثمان: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين أو يميني باللََّه الّذي لا إله إلا هو ما كتبت و لا أمللت و لا علمت، و قد يكتب الكتاب على لسان الرجل و ينقش الخاتم على الخاتم» .

و علق ابن كثير على رواية الطبري قال: و هكذا زور هذا الكتاب على عثمان، فإنه لم يأمر به، و لم يعلم أيضا (و انظر فتوح ابن الأعثم 2/212-213) .

[ (2) ]محمد بن طلحة.

60

أن أشرب من مائها، و أنا اشتريتها، حتى إني ما أفطر إلا على ماء البحر؟أ لستم تعلمون أنكم نقمتم علي أشياء، فاستغفرت اللََّه و تبت إليه منها، و تزعمون أني غيرت و بدلت، فابعثوا علي شاهدين مسلمين، و إلا فأحلف باللََّه الّذي لا إله إلا هو ما كتبت الكتاب، و لا أمرت به، و لا اطلعت عليه، يا قوم: لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مََا أَصََابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صََالِحٍ [هود: 89]يا قوم لا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني كنتم هكذا، و شبك بين أصابعه، يا قوم إن اللََّه رضي لكم السمع و الطاعة، و حذركم المعصية و الفرقة، فاقبلوا نصيحة اللََّه، و احذروا عقابه، فإنكم إن فعلتم الّذي أنتم فاعلون، لا تقوم الصلاة جميعا، و يسلط عليكم عدوكم، و إني أخبركم أن قوما أظهروا للناس أنهم إنما يدعونني إلى كتاب اللََّه تعالى و الحق، فلما عرض عليهم الحق رغبوا عنه و تركوه، و طال عليهم عمري، و استعجلوا القدر بي، و قد كانوا كتبوا إليكم، أنهم قد رضوا بالذي أعطيتهم، و لا أعلم أني تركت من الّذي عاهدتهم عليه شيئا، و كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود، و ترك المظالم، و ردها إلى أهلها، فرضيت بذلك، و قال: يؤمر عمرو بن العاص، و عبد اللََّه بن قيس، و مثلهما من ذوي القوة و الأمانة، و كل ذلك فعلت، فلم يرضوا، و حالوا بيني و بين المسجد، فابتزوا ما قدروا عليه بالمدينة و هم يخيرونني بين إحدى ثلاث: إما أن يقيدوني بكل رجل أصبت خطأ أو عمدا، و إما أن أعتزل عن الأمر، فيؤمروا أحدا، و إما أن يرسلوا إلى من أطاعهم من الجنود و أهل الأمصار[ (1) ]، فأرسلوا إليكم فأتيتم لتبتزوني من الّذي جعل اللََّه لي عليكم من السمع و الطاعة، فسمعتم منهم، و أطعتموهم و الطاعة لي عليكم دونهم، فقلت لهم: أما إقادة من نفسي فقد كان قبلي خلفاء، و من يتول السلطان يخطئ و يصيب، فلم يستقدمن أحد منهم، و قد علمت أنهم يريدون بذلك نفسي، و أما أن أتبرأ من الأمر[ (2) ]، فإن يصلبوني‏[ (3) ] أحب إلي من أن أتبرأ من جنة اللََّه تعالى و خلافته بعد

قول رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم لي [ (4) ]: يا عثمان، إن اللََّه تعالى سيقمصك قميصا بعدي، فإن [ (1) ]في الطبري 5/142 أهل المدينة.

[ (2) ]في الطبري: الامارة.

[ (3) ]في الطبري: يكلبوني.

[ (4) ]الحديث أخرجه أحمد في مسندة ج 6/75.

61

أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني،

و لم أكن استكرهتهم من قبل على السمع و الطاعة، و لكن أتوها طائعين، يبتغون بذلك مرضاة اللََّه، و صلاح الأمة، و من يكن منهم يبتغي الدنيا فلن ينال منها إلا ما كتب له، فاتقوا اللََّه، فإنّي لا أرضى لكم أن تنكثوا عهد اللََّه، و إني أنشدكم اللََّه و الإسلام ألا تأخذوا الحق و لا تعطوه مني: وَ مََا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمََّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلاََّ مََا رَحِمَ رَبِّي و إني عاقبت أقواما، و ما أبتغي بذلك إلا الخير، و إني أتوب إلى اللََّه من كل عمل عملته، و أستغفره، أما و اللََّه لقد علمتم أن‏

رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: الردة عن الإسلام، و الزنا بعد الإحصان،

و لا و اللََّه ما كان ذلك مني في جاهلية و لا إسلام، أو رجل قتل رجلا فيقاد به‏[ (1) ]. فقال بعضهم: إنه ليقول مقالا. و قال آخر: لئن سمعتم منه ليصرفنكم، فأبوا، و رموه بالسهام، و استقبلوه بما لا يستقبل به مثله، ثم أشرف عليهم عبد اللََّه بن سلام، و كان من أهل الدار، فقال‏[ (2) ]: يا معشر من حاصر دار عثمان من المهاجرين و الأنصار، ممن أنعم اللََّه عليهم بالإسلام، لا تقتلوا عثمان فو اللََّه إن حقه على كل مؤمن لحق الوالد على ولده، و و اللّه إن على حوائط المدينة اثني عشر ألف ملك منذ أن أمدّ اللََّه بهم نبيكم صلّى اللََّه عليه و سلّم، و و اللََّه لئن قتلتموه ليسخطن عليكم ربكم، و لتتفرقن ملائكته عنكم و ليقتلن بقتله أقواما هم في الأصلاب و ما خلقوا في الأرحام و إني لأجده في التوراة التي أنزل اللََّه على موسى عليه السّلام، و كتب بيده عز و جل إليكم بالعبراني و بالعربي: خليفتكم المظلوم الشهيد و الّذي نفسي بيده لئن قتلتموه لا تؤدى بعده طاعة إلا عن مخافة، و لا توصل رحم إلا عن مكافأة، و ليقتلن به الرجال و من في الأصلاب. فقالوا له: أيا يهودي، أشبع بطنك، و كسا ظهرك و اللََّه لا ينتطح فيه شاتان، و لا يتنافر فيه ديكان، فقال: أما الشاتان و الديكان فصدقتم، و لكن التيسان الأكبران يتناطحان فيه فحصبوه و رموه حتى شجوه.

فالتفت إلى عثمان، فقال له: زعموا أنك أشبعت بطني و كسوت ظهري، فاصبر [ (1) ]أخرجه أحمد في مسندة 1/61، 63، 70، 382، 444، 465 و 6/58، 214 و ابن سعد في الطبقات 6773.

[ (2) ]كلمة عبد اللََّه بن سلام في الطبري 5/130 و فتوح ابن الأعثم 2/223 قارن مع الأصل فثمة اختلاف.

62

يا أمير المؤمنين، فو الّذي نفسي بيده إني أجدك في كتاب اللََّه تعالى المنزل:

الخليفة المظلوم الشهيد، فرميت بالسهام من كل جانب، و كان الحسن بن علي حاضرا، فأصابه سهم، فخضبه بالدم، و أصاب مروان سهم، و هو في الدار، و خضب محمد بن طلحة، و شج قنبر مولى علي فخشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم للحسن فيثيروها فتنة.

قتل عثمان رضي اللََّه عنه و كيف كان‏

قال: و ذكروا أن محمد بن أبي بكر لما خرج الحسن بن علي أخذ بيد رجلين، فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم، فرأوا الدماء على وجه الحسن، كشفوا الناس عن عثمان، و بطل ما تريدون و لكن قوموا حتى نتسور عليه، فنقتله من غير أن يعلم أحد، فتسور هو و صاحباه من دار رجل من الأنصار[ (1) ]، حتى دخلوا على عثمان‏[ (2) ]، و ما يعلم أحد ممن كان معه، لأن كل من معه كان فوق البيت، و لم يكن معه إلا امرأته، فدخل عليه محمد بن أبي بكر فصرعه، و قعد على صدره، و أخذ بلحيته، و قال: يا نعثل‏[ (3) ]ما أغنى عنك معاوية، و ما أغنى عنك ابن عامر و ابن أبي سرح. فقال له عثمان: لو رآني أبوك رضي اللََّه عنه لبكاني، و لساءه مكانك مني، فتراخت يده عنه، و قام عنه و خرج فدعا عثمان بوضوء فتوضأ، و أخذ مصحفا، فوضعه في حجره، ليتحرم به و دخل عليه رجل من أهل الكوفة بمشقص في يده، فوجأ به منكبه مما يلي الترقوة، فأدماه و نضح الدم على ذلك المصحف، و جاء آخر فضربه برجله، و جاء آخر فوجأه بقائم سيفه، فغشي عليه، و محمد بن أبي بكر لم يدخل مع هؤلاء، فتصايح نساؤه، ورش الماء على وجهه فأفاق، فدخل محمد بن أبي بكر و قد أفاق فقال له: أي نعثل، غيرت و بدلت و فعلت. ثم دخل رجل من أهل مصر، فأخذ بلحيته، فنتف منها خصلة، و سل سيفه، و قال: افرجوا لي، فعلاه بالسيف، فتلقاه عثمان بيده، فقطعها، فقال عثمان: أما و اللََّه إنها أول يد خطت المفصل، و كتبت القرآن، ثم دخل رجل [ (1) ]هي دار عمرو بن حزم من الأنصار.

[ (2) ]و الذين تسوروا الحائط هم: كنانة بن بشر بن عتاب و سودان بن حمران و عمرو بن الحمق (الطبري 5/131) .

[ (3) ]نعثل: قيل اسم رجل يهودي كان طويل اللحية، لقب به عثمان.

63

أزرق قصير مجدر، و معه جرز[ (1) ]من حديد، فمشى إليه فقال: على أي ملة أنت يا نعثل؟فقال: لست بنعثل، و لكني عثمان بن عفان، و أنا على ملة إبراهيم حنيفا و ما أنا من المشركين. قال: كذبت. و ضربه بالجرز على صدغه الأيسر فغسله الدم، و خر على وجهه، و حالت نائلة بنت الفرافصة زوجته بينه و بينه، و كانت جسيمة، و ألقت بنت شيبة[ (2) ]نفسها عليه، و دخل عليه رجل من أهل مصر[ (3) ]، و معه سيف مصلت، فقال: و اللََّه لأقطعن أنفه، فعالج امرأته عنه، فكشف عنها درعها. فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها و منكبها، فضربت على السيف، فقطع أناملها، فقالت: يا رباح، غلام لعثمان أسود و معه سيف، أعن عني هذا، فضربه الأسود فقتله، ثم دخل آخر معه سيف فقال:

افرجوا لي، فوضع ذباب السيف في بطن عثمان، فأمسكت نائلة زوجته السيف، فحز أصابعها، و مضى السيف في بطن عثمان فقتله‏[ (4) ]، فخرجت امرأته و هي تصيح، و خرج القوم هاربين من حيث دخلوا، فلم يسمع صوت نائلة، لما كان في الدار من الجلبة، فصعدت امرأته إلى الناس، فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل. فدخل الحسن و الحسين و من كان معهما، فوجدوا عثمان مقتولا قد مثل به فأكبوا عليه يبكون و خرجوا فدخل الناس فوجدوه مقتولا فبلغ عليا الخبر و طلحة و الزبير و سعدا و من كان بالمدينة فخرجوا و قد ذهبت عقولهم، فدخلوا عليه و استرجعوا، و أكبوا عليه يبكون و يعولون حتى غشي على عليّ ثم أفاق،

فقال لا بنيه: كيف قتل أمير المؤمنين و أنتما على الباب؟فرفع يده فضرب الحسن و الحسين‏[ (5) ]، و شتم محمد بن طلحة، و لعن عبد اللََّه بن الزبير،

و خرج علي و قد سلب عقله، لا يدري ما يستقبل من أمره، فقال طلحة: مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن و الحسين؟

فقال : يا طلحة، يقتل أمير المؤمنين و لم نقم عليه [ (1) ]الجرز بضم الجيم و سكون الراء عمود من حديد.

[ (2) ]هي رملة بنت شيبة بن ربيعة، ولدت له عائشة و أم أبان و أم عمرو (ابن الأثير 2/299) .

[ (3) ]هو كنانة بن بشر التجيبي.

[ (4) ]اختلف أهل السير فيمن قتله و كيفية قتله انظر في ذلك الطبري 5/130 و 132 مروج الذهب 2/382 البداية و النهاية 7/185 فتوح ابن الأعثم 2/231 الكامل لابن الأثير 2/231 تاريخ اليعقوبي 2/176 طبقات ابن سعد 3/72-73.

و قد أجمعوا على مقتله في ذي الحجة لكنهم اختلفوا في وقت مقتله و مدة ولايته و قدر مدة حياته.

[ (5) ]في مروج الذهب: لطم الحسن و ضرب صدر الحسين.

64

بينة و لا حجة،

فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل.

فقال علي : لو دفع مروان قتل قبل أن تقوم عليه حكومة.

فخرج علي فأتى منزله و أغلق الباب، و كتبت نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية تصف دخول القوم على عثمان، و أخذه المصحف ليتحرم به، و ما صنع محمد بن أبي بكر و أرسلت بقميص عثمان مضرجا بالدم ممزقا، و بالخصلة التي نتفها الرجل المصري من لحيته، فعقدت الشعر في زر القميص، ثم دعت النعمان بن بشير الأنصاري، فبعثته إلى معاوية[ (1) ]، و مضى بالقميص حتى أتى على يزيد بن أسيد ممدا لعثمان بعثه معاوية في أربعة آلاف، فأخبرهم بقتل عثمان فانصرفوا إلى الشام. قال: ثم دخل أهل مصر الدار، فلما رأوا عثمان مقتولا ندموا و استحيوا و كره أكثرهم ذلك، و ثار أهل الدار في وجوههم، فأخرجوهم منها. ثم اقتتلوا عند الباب، فضرب مروان بالسيف فصرع.

دفن عثمان بن عفان رضي اللََّه عنه‏

قال: و ذكروا أن عبد الرحمن بن أزهر، قال: لم أكن دخلت في شي‏ء من أمر عثمان، لا عليه و لا له، فإنّي لجالس بفناء داري ليلا بعد ما قتل عثمان بليلة إذ جاءني المنذر بن الزبير، فقال: ابن أخي يدعوك فقمت إليه، فقال لي: إنا أردنا أن ندفن عثمان، فهل لك؟قلت: و اللََّه ما دخلت في شي‏ء من شأنه، و ما أريد ذلك، فانصرفت عنه، ثم اتبعته، فإذا هو في نفر فيهم جبير بن مطعم، و أبو الجهم بن حذيفة، و المسور بن مخرمة، و عبد الرحمن بن أبي بكر، و عبد اللََّه بن الزبير، فاحتملوه على باب و إن رأسه ليقول: طق طق، فوضعوه في موضع الجنائز، فقام إليهم رجال من الأنصار، فقالوا لهم: لا و اللََّه لا تصلون عليه.

فقال أبو الجهم: ألا تدعونا نصلي عليه، فقد صلّى اللََّه تعالى عليه و ملائكته.

فقال له رجل منهم‏[ (2) ]: إن كنت‏[ (3) ]فأدخلك اللََّه مدخله، فقال له: حشرني اللََّه معه. فقال له: إن اللََّه حاشرك مع الشياطين، و اللََّه إن تركناكم به لعجز منا. فقال القوم لأبي الجهم: اسكت عنه و كف، فسكت، فاحتملوه، ثم انطلقوا مسرعين [ (1) ]نص كتابها إلى معاوية في العقد الفريد 4/300.

[ (2) ]هو الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري (ابن الأعثم 2/240) .

[ (3) ]كذا بالأصل، و في فتوح ابن الأعثم: إن كنت كاذبا.

65

كأني أسمع وقع رأسه على اللوح، حتى وضعوه في أدنى البقيع فأتاهم جبلة بن عمر الساعدي من الأنصار، فقال: لا و اللََّه لا تدفنوه في بقيع رسول اللََّه، و لا نترككم تصلون عليه، فقال أبو الجهم: انطلقوا بنا، إن لم نصل عليه فقد صلّى اللََّه عليه، فخرجوا و معهم عائشة بنت عثمان، معها مصباح في حق، حتى إذا أتوا به حش كوكب‏[ (1) ]حفروا له حفرة، ثم قاموا يصلون عليه، و أمهم جبير بن مطعم‏[ (2) ]، ثم دلوه في حفرته، فلما رأته ابنته صاحت، فقال ابن الزبير: و اللََّه لئن لم تسكتي لأضربن الّذي فيه عينيك، فدفنوه، و لم يلحدوه بلبن، و حثوا عليه التراب حثوا.

بيعة علي بن أبي طالب كرم اللََّه وجهه و كيف كانت‏

قال: و ذكروا أنه لما كان في الصباح اجتمع الناس في المسجد، و كثر الندم و التأسف على عثمان رحمه اللََّه، و سقط في أيديهم، و أكثر الناس على طلحة و الزبير و اتهموهما بقتل عثمان، فقال الناس لهما: أيها الرجلان، قد وقعتما في أمر عثمان، فخليا عن أنفسكما، فقام طلحة فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال:

أيها الناس، إنا و اللََّه ما نقول اليوم إلا ما قلناه أمس، إن عثمان خلط الذنب بالتوبة. حتى كرهنا ولايته و كرهنا أن نقتله و سرّنا أن نكفاه، و قد كثر فيه اللجاج، و أمره إلى اللََّه، ثم قام الزبير فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن اللََّه قد رضي لكم الشورى، فأذهب بها الهوى، و قد تشاورنا فرضينا عليا فبايعوه، و أما قتل عثمان فإنا نقول فيه إن أمره إلى اللََّه، و قد أحدث أحداثا و اللََّه وليه فيما كان، فقام الناس، فأتوا عليا في داره‏[ (3) ]، فقالوا: نبايعك، فمد يدك، لا بد من أمير، فأنت أحق بها،

فقال: ليس ذلك إليكم، إنما هو لأهل الشورى و أهل بدر، فمن رضي به أهل الشورى و أهل بدر فهو الخليفة، فنجتمع و ننظر في هذا الأمر فأبى أن يبايعهم،

فانصرفوا عنه، و كلم بعضهم بعضا فقالوا: يمضي قتل عثمان في الآفاق و البلاد فيسمعون بقتله، و لا يسمعون أنه بويع لأحد بعده، فيثور كل رجل منهم في ناحية، فلا نأمن أن يكون في ذلك الفساد فارجعوا إلى علي، فلا [ (1) ]حش كوكب: موضع بالمدينة، مما يلي البقيع.

[ (2) ]و قيل: حكيم بن حزام، و قيل مروان. قال الواقدي: الثبت عندنا أنه صلّى عليه جبير بن مطعم.

[ (3) ]قيل كان يعرف الضبع (موضع راجع معجم البلدان) .

66

تتركوه حتى يبايع، فيسير مع قتل عثمان بيعة علي، فيطمئن الناس و يسكنون فرجعوا إلى علي، و ترددوا إلى الأشتر النخعي، فقال لعلي: أبسط يدك نبايعك، أو لتعصرن عينيك عليها ثالثة، و لم يزل به يكلمه، و يخوفه الفتنة، و يذكر له أنه ليس أحد يشبهه، فمد يده، فبايعه الأشتر و من معه، ثم أتوا طلحة، فقالوا له: اخرج فبايع، قال: من؟قالوا: عليا. قال: تجتمع الشورى و تنظر، فقالوا: أخرج فبايع، فامتنع عليهم. فجاءوا به يلببونه، فبايعه بلسانه و منع يده، فقال أبو ثور: كنت فيمن حاصر عثمان فكنت آخذ سلاحي و أضعه، و علي ينظر إليّ لا يأمرني و لا ينهاني، فلما كانت البيعة له، خرجت في أثره، و الناس حوله يبايعونه، فدخل حائطا من حيطان بني مازن‏[ (1) ]، فألجأوه إلى نخلة، و حالوا بيني و بينه، فنظرت إليهم و قد أخذت أيدي الناس ذراعه، تختلف أيديهم على يده ثم أقبل إلى المسجد الشريف، و كان أول من صعد المنبر طلحة فبايعه بيده، و كانت أصابعه شلاء، فتطير منها علي،

فقال: ما أخلقها أن تنكث،

ثم بايعه الزبير و سعد[ (2) ]و أصحاب النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم جميعا، ثم نزل فدعا الناس، و أمر مروان، فهرب منه، و طلب نفرا من بني أمية و ابن أبي معيط فهربوا، و خرجت عائشة باكية تقول قتل عثمان رحمه اللََّه، فقال لها عمار[ (2) ]:

بالأمس تحرضين عليه الناس، و اليوم تبكينه، ثم جاء عليّ إلى امرأة عثمان‏

فقال لها: من قتل عثمان؟

قالت: لا أدري، دخل عليه رجال لا أعرفهم إلا أن أرى وجوههم، و كان معهم محمد بن أبي بكر، فدعا علي محمدا، فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: صدقت، قد و اللََّه دخلت عليه، فذكر لي أبي، فقمت عنه، و أنا تائب إلى اللََّه تعالى، و اللََّه ما قتلته، و لا أمسكته، فقالت:

صدق، و لكن هو أدخلهم. قال: ثم خرج طلحة، فلقي عائشة، فقالت له: ما صنع الناس؟قال: قتلوا عثمان. قالت: ثم ما صنعوا؟قال: بايعوا عليا، ثم أتوني فأكرهوني و لببوني حتى بايعت. قالت: و ما لعلي يستولي على رقابنا، لا أدخل المدينة و لعلي فيها سلطان، فرجعت. و كان الزبير خارجا لم يشهد قتل عثمان، و كان عمرو بن العاص بفلسطين يوم قتل عثمان، فطلع عليه راكب من [ (1) ]في الطبري 5/153 حائط بني عمرو بن مبذول.

[ (2) ]في فتوح ابن الأعثم 2/248 الّذي قال لها ذلك عبيد ابن أم كلاب و هو عبيد بن أبي سلمة الليثي و قد لقيها قريبا من المدينة قادمة من مكة. (انظر الطبري 5/165 و ابن الأثير 3/102) .

67

الحجاز، فقال له: ما وراءك؟قال تركت عثمان محصورا، قال عمرو: قد يضرط العير و المكواة في النار، ثم لبث أياما، فطلع عليه راكب آخر، فقال له عمرو:

ما الخبر؟قال: قتل عثمان. قال: فما فعل الناس؟فقال: بايعوا عليا. قال: فما فعل علي في قتلة عثمان؟قال: دخل عليه الوليد بن عقبة فسأله عن قتله،

فقال: ما أمرت و لا نهيت، و لا سرني و لا ساءني.

قال: فما فعل بقتلة عثمان!فقال:

آوى و لم يرض، و قد قال له مروان: إن لا تكن أمرت فقد توليت الأمر، و إلا تكن قتلت فقد أويت القاتلين، فقال عمرو بن العاص: خلط و اللََّه أبو الحسن، قال: ثم كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن قتل عثمان، و من قتله، و من تولى كبره؟فكتب إليه سعد: إنك سألتني من قتل عثمان؟و إني أخبرك أنه قتل بسيف سلته عائشة، و صقله طلحة، و سمه ابن أبي طالب، و سكت الزبير و أشار بيده، و أمسكنا نحن، و لو شئنا دفعنا عنه، و لكن عثمان غير و تغير، و أحسن و أساء، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا، و إن كنا أسأنا فنستغفر اللََّه، و أخبرك أن الزبير مغلوب بغلبة أهله و بطلبه بذنبه، و طلحة لو يجد أن يشق بطنه من حب الإمارة لشقه. قال: و كان ابن عباس غائبا بمكة المشرفة، فأقبل إلى المدينة و قد بايع الناس عليا. قال ابن عباس: فوجدت عنده المغيرة بن شعبة، فجلست حتى خرج، ثم دخلت عليه، فسألني و ساءلته. ثم قلت له: ما قال لك الخارج من عندك آنفا؟قال: قال لي قبل هذه الدخلة، أرسل إلى عبد اللََّه بن عامر بعهده على البصرة، و إلى معاوية بعهده على الشام‏[ (1) ]، فإنك تهدأ عليك البلاد، و تسكن عليك الناس. ثم أتاني الآن، فقال لي: إني كنت أشرت عليك برأي لم أتعقبه، فلم أر ذلك رأيا، و إني أرى أن تنبذ[ (2) ]إليهما العداوة، فقد كفاك اللََّه عثمان، و هما أهون موتة منه. فقال له ابن عباس: أما المرة الأولى فقد نصحك فيها[ (3) ]، و أما الثانية فقد غشك فيها، قال: فإنّي قد وليتك الشام فسر إليها، قال: قلت: ليس هذا برأي، أ ترى معاوية و هو ابن عم عثمان مخليا بيني و بين عمله، و لست آمن إن ظفر بي أن يقتلني بعثمان، و أدنى ما هو صانع أن [ (1) ]زيد في الطبري 5/159 و أقرر العمال على أعمالهم.

[ (2) ]في الطبري: أن تعاجلهم بالنزوع.

[ (3) ]يريد أن معاوية و أصحابه أهل دنيا فمتى تثبتهم فلا يبالوا بمن ولي هذا الأمر، و أن تعزلهم يقولوا:

تولى هذا الأمر بغير شورى و هو قتل صاحبنا و يؤلبون عليك (الطبري 5/160) .

68

يحبسني و يحكم علي، و لكن اكتب إلى معاوية، فمنه وعده‏[ (1) ]، فإن استقام لك الأمر فابعثني، قال: ثم أرسل بالبيعة إلى الآفاق، و إلى جميع الأمصار!فجاءته البيعة من كل مكان إلا الشام، فإنه لم يأته منها بيعة. فأرسل إلى المغيرة بن شعبة، فقال له: سر إلى الشام فقد وليتكها. قال: تبعثني إلى معاوية و قد قتل ابن عمه، ثم آتيه واليا، فيظن أني من قتلة ابن عمه؟و لكن إن شئت أبعث إليه بعده، فإنه بالحري إذا بعثت له بعهده أن يسمع و يطيع.

فكتب علي إلى معاوية[ (2) ]: أما بعد فقد وليتك ما قبلك من الأمر و المال، فبايع من قبلك، ثم أقدم إلي في ألف رجل من أهل الشام.

فلما أتى معاوية كتاب علي دعا بطومار فكتب فيه:

من معاوية إلى علي، أما بعد، فإنه:

ليس بيني و بين قيس عتاب # غير طعن الكلى و ضرب الرقاب‏

فلما أتى عليا الكتاب، و رأى ما فيه، و ما هو مشتمل عليه، و كره ذلك، و قام فأتى منزله فدخل عليه الحسن ابنه،

فقال له: أما و اللََّه كنت أمرتك فعصيتني، فقال له علي: و ما أمرتني به فعصيتك فيه؟قال: أمرتك أن تركب رواحلك، فتلحق بمكة المشرفة، فلا تتهم به، و لا تحل شيئا من أمره فعصيتني، و أمرتك حين دعيت إلى البيعة أن لا تبسط يدك إلا على بيعة جماعة، فعصيتني، و أمرتك حين خالف عليك طلحة و الزبير أن لا تكرههما على البيعة، و تخلي بينهما و بين وجههما، و تدع الناس يتشاورون عاما كاملا، فو اللََّه لو تشاوروا عاما ما زويت عنك، و لا وجدوا منك بدا، و أنا آمرك اليوم أن تقيلهما بيعتهما، و ترد إلى الناس أمرهم، فإن رفضوك رفضتهم، و إن قبلوك قبلتهم، فإنّي و اللََّه قد رأيت الغدر في رءوسهم، و في وجوههم النكث و الكراهية. فقال له علي: أنا إذا مثلك، لا و اللََّه يا بني، و لكن أقاتل بمن أطاعني من عصاني، و أيم اللََّه يا بني ما زلت مبغيا علي منذ هلك جدك،

فقال له الحسن: و ايم اللََّه يا أبت ليظهرن عليك معاوية، لأن اللََّه تعالى قال: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنََا لِوَلِيِّهِ سُلْطََاناً [الإسراء: 33]فقال علي: يا بني، و ما علينا من ظلمه، و اللََّه ما ظلمناه، و لا أمرنا [ (1) ]زيد في الطبري: فأبى علي و

قال: و اللََّه لا كان هذا أبدا.

[ (2) ]ابن كثير ذكر في البداية و النهاية أن عليا ولى الشام سهل بن حنيف.

69

و لا نصرنا عليه، و لا كتبت فيه إلى أحد سوادا في بياض، و إنك لتعلم أن أباك أبرأ الناس من دمه و من أمره. فقال له الحسن: دع عنك هذا، و اللََّه إني لا أظن، بل لا أشك أن ما بالمدينة عاتق‏[ (1) ]و لا عذراء و لا صبي إلا و عليه كفل من دمه. فقال: يا بني إنك لتعلم أن أباك قد رد الناس عنه مرارا أهل الكوفة و غيرهم، و قد أرسلتكما جميعا بسيفيكما لتنصراه و تموتا دونه، فنهاكما عن القتال، و نهى أهل الدار أجمعين. و أيم اللََّه لو أمرني بالقتال لقاتلت دونه، أو أموت بين يديه. قال الحسن: دع عنك هذا، حتى يحكم اللََّه بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

قال: ثم دخل المغيرة بن شعبة،

فقال له علي: هل لك يا مغيرة في اللََّه؟ قال: فأين هو يا أمير المؤمنين؟قال: تأخذ سيفك، فتدخل معنا في هذا الأمر، فتدرك من سبقك، و تسبق من معك، فإنّي أرى أمورا لا بد للسيوف أن تشحذ لها، و تقطف الرءوس بها، فقال المغيرة: إني و اللََّه يا أمير المؤمنين ما رأيت عثمان مصيبا، و لا قتله صوابا، و إنها لظلمة تتلوها ظلمات، فأريد يا أمير المؤمنين-إن أذنت لي-أن أضع سيفي و أنام في بيتي حتى تنجلي الظلمة و يطلع قمرها، فنسري مبصرين، نقفو آثار المهتدين، و نتقي سبيل الجائرين.

قال علي: قد أذنت لك، فكن من أمرك على ما بدا لك.

فقام عمار فقال: معاذ اللََّه يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيرا. يغلبك من غلبته، و يسبقك من سبقته، انظر ما ترى و ما تفعل، فأما أنا فلا أكون إلا في الرعيل الأول. فقال له المغيرة: يا أبا اليقظان، إياك أن تكون كقاطع السلسلة، فر من الضحل فوقع في الرمضاء.

فقال علي لعمار: دعه، فإنه لن يأخذ من الآخرة إلا ما خالطته الدنيا، أما و اللََّه يا مغيرة إنها المثوبة المؤدية، تؤدي من قام فيها إلى الجنة، و لما اختار بعدها، فإذا غشيناك فنم في بيتك.

فقال المغيرة: أنت و اللََّه يا أمير المؤمنين أعلم مني، و لئن لم أقاتل معك لا أعين عليك، فإن يكن ما فعلت صوابا فإياه أردت، و إن يكن خطأ فمنه نجوت، ولي ذنوب كثيرة، لا قبل لي بها إلا الاستغفار منها[ (2) ].

[ (1) ]العاتق المرأة في منتصف العمر.

[ (2) ]ذكر الطبري أن المغيرة خرج من المدينة حتى لحق مكة. و قد قال أبياتا منها:

نصحت عليا في ابن هند مقالة # فردت، فلا يسمع لها الدهر ثانيه‏

(مروج الذهب 2/414) . ـ

70

خطبة علي بن أبي طالب كرم اللََّه وجهه‏

قال: و ذكروا أن البيعة لما تمت بالمدينة، خرج علي إلى المسجد الشريف، فصعد المنبر، فحمد اللََّه تعالى و أثنى عليه، و وعد الناس من نفسه خيرا، و تألفهم جهده، ثم‏

قال: لا يستغني الرجل و إن كان ذا مال و ولد عن عشيرته، و دفاعهم عنه بأيديهم و ألسنتهم. هم أعظم الناس حيطة من ورائه، و إليهم سعيه و أعطفهم عليه إن أصابته مصيبة، أو نزل به بعض مكاره الأمور، و من يقبض يده عن عشيرته فإنه يقبض عنهم يدا واحدة، و تقبض عنه أيد كثيرة، و من بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه اللََّه تعالى، يخلف اللََّه له ما أنفق في دنياه، و يضاعف له في آخرته، و اعلموا أن لسان صدق يجعله اللََّه للمرء في الناس، خير له من المال، فلا يزدادن أحدكم كبرياء، و لا عظمة في نفسه، و لا يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها، بالذي لا يزيده إن أمسكه، و لا ينقصه إن أهلكه.

و اعلموا أن الدنيا قد أدبرت، و الآخرة قد أقبلت، ألا و إن المضمار[ (1) ]اليوم، و السبق‏[ (2) ]غدا. ألا و إن السبقة[ (3) ]الجنة. و الغاية النار، ألا طن الأمل يشهي القلب، و يكذب الوعد، و يأتي بغفلة، و يورث حسرة فهو غرور، و صاحبه في عناء، فافزعوا إلى قوام دينكم و إتمام صلاتكم و أداء زكاتكم و النصيحة لإمامكم، و تعلموا كتاب اللََّه، و اصدقوا الحديث عن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أوفوا بالعهد إذا عاهدتم، و أدوا الأمانات إذا ائتمنتم و ارغبوا في ثواب اللََّه، و ارهبوا عذابه، و اعلموا الخير تجزوا خيرا يوم يفوز بالخير من قدم الخير.

اختلاف الزبير و طلحة على عليّ كرم اللََّه وجهه‏

قال: و ذكروا أن الزبير و طلحة أتيا عليا بعد فراغ البيعة، فقالا: هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين؟

قال عليّ: نعم، على السمع و الطاعة، و على [ (1) ]المضمار: الموضع و الزمن الّذي تضمر فيه الخيل، و تضمير الخيل أن تربط و يكثر علفها و ماؤها حتى تسمن ثم يقلل علفها و ماؤها و تجري في الميدان حتى تهزل.

[ (2) ]في نهج البلاغة: السباق.

[ (3) ]السبقة بالتحريك الغاية التي يحب السابق أن يصل إليها و بالفتح المرة من السبق، و السبقة بالضم الجنة.

71

ما بايعتم عليه أبا بكر و عمر و عثمان، فقالا: لا، و لكنا بايعناك على أنا شريكاك في الأمر، قال علي: لا، و لكنكما شريكان في القول و الاستقامة و العون على العجز و الأولاد،

قال: و كان الزبير لا يشك في ولاية العراق، و طلحة في اليمن، فلما استبان لهما أن عليا غير موليهما شيئا، أظهرا الشكاة، فتكلم الزبير في ملأ من قريش، فقال: هذا جزاؤنا من علي، قمنا له في أمر عثمان، حتى أثبتنا عليه الذنب، و سببنا له القتل، و هو جالس في بيته و كفي الأمر. فلما نال بنا ما أراد، جعل دوننا غيرنا، فقال طلحة: ما اللوم إلا أنا كنا ثلاثة من أهل الشورى، كرهه أحدنا و بايعناه، و أعطيناه ما في أيدينا، و منعنا ما في يده، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا. قال: فانتهى قولهما إلى علي فدعا عبد اللََّه بن عباس و كان استوزره،

فقال له: بلغك قول هذين الرجلين؟قال: نعم، بلغني قولهما. قال: فما ترى؟ قال: أرى أنهما أحبا الولاية. فول البصرة الزبير، و ول طلحة الكوفة، فإنّهما ليسا بأقرب إليك من الوليد و ابن عامر من عثمان، فضحك علي، ثم قال:

ويحك، إن العراقين بهما الرجال و الأموال، و متى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع، و يضربا الضعيف بالبلاء، و يقويا على القويّ بالسلطان، و لو كنت مستعملا أحدا لضره و نفعه لاستعملت معاوية على الشام، و لو لا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية، لكان لي فيهما رأي.

قال: ثم أتى طلحة و الزبير إلى علي، فقالا: يا أمير المؤمنين، ائذن لنا في العمرة، فإن تقم إلى انقضائها رجعنا إليك، و إن تسر نتبعك. فنظر إليهما علي، و

قال: نعم، و اللََّه ما العمرة تريدان، و إنما تريدان أن تمضيا إلى شأنكما، فمضيا

[ (1) ][ (2) ].

خلاف عائشة رضي اللََّه عنها على عليّ‏

قال: و ذكروا أن عائشة لما أتاها أنه بويع لعلي. و كانت خارجة عن المدينة، فقيل لها: قتل عثمان. و بايع الناس عليا. فقالت: ما كنت أبالي أن تقع السماء على الأرض، قتل و اللََّه مظلوما، و أنا طالبة بدمه، فقال لها عبيد[ (3) ]:

[ (1) ]في رواية للطبري أنهما غادرا إلى مكة بعد مقتل عثمان بأربعة أشهر.

[ (2) ]و في مروج الذهب: أن‏

علي قال لهما: لعلكما تريدان البصرة أو الشام فأقسما أنهما لا يقصدان غير مكة.

[ (3) ]و هو عبيد بن أبي سلمة الليثي و يقال له: عبيد ابن أم كلاب و كان لاقاها قرب المدينة.

72

إن أول من طعن عليه و أطمع الناس فيه لأنت، و لقد قلت: اقتلوا نعثلا فقد فجر[ (1) ]، فقالت عائشة: قد و اللََّه قلت و قال الناس، و آخر قولي خير من أوله‏[ (2) ]، فقال عبيد: عذر و اللََّه ضعيف يا أم المؤمنين. ثم قال:

منك البداء و منك الغير # و منك الرياح و منك المطر

و أنت أمرت بقتل الإمام # و قلت لنا إنه قد فجر

فهبنا أطعناك في قتله # و قاتله عندنا من أمر

[ (3) ] قال: فلما أتى عائشة خبر أهل الشام أنهم ردوا بيعة علي، و أبوا أن يبايعوه، أمرت فعمل لها هودج من حديد، و جعل فيه موضع عينيها، ثم خرجت و معها الزبير و طلحة و عبد اللََّه بن الزبير و محمد بن طلحة.

اعتزال عبد اللََّه بن عمر و سعد بن أبي وقاص و محمد بن مسلمة عن مشاهدة علي و حروبه‏

قال: و ذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، ائذن لي آتي عبد اللََّه بن عمر فأكلمه، لعله يخف معنا في هذا الأمر،

فقال علي: نعم،

فأتاه، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنه قد بايع عليا المهاجرون و الأنصار، و من إن فضلناه عليك لم يسخطك، و إن فضلناك عليه لم يرضك، و قد أنكرت السيف في أهل الصلاة، و قد علمت أن على القاتل القتل، و على المحصن الرجم، و هذا يقتل بالسيف، و هذا يقتل بالحجارة، و أن عليا لم يقتل أحدا من أهل الصلاة، فيلزمه حكم القاتل. فقال ابن عمر: يا أبا اليقظان، إن أبي جمع أهل الشورى، الذين قبض رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم و هو عنهم راض، فكان أحقهم بها علي، غير أنه جاء أمر فيه السيف و لا أعرفه، و لكن و اللََّه ما أحب أن لي الدنيا و ما عليها و أني أظهرت أو أضمرت عداوة علي؟قال:

[ (1) ]في فتوح ابن الأعثم 2/249 فقد كفر.

[ (2) ]العبارة في ابن الأعثم: ثم رجعت عما قلت لما عرفت خبره من أوله، و ذلك أنكم استتبتموه حتى إذا جعلتموه كالفضة البيضاء قتلتموه، فو اللََّه لأطلبن بدمه. (و انظر الطبري 5/172 و ابن الأثير 3/102) .

[ (3) ]الأبيات في الطبري و ابن الأثير و ابن الأعثم باختلاف بعض الألفاظ و زيادة أبيات أخرى.

73

فانصرف عنه، فأخبر عليا بقوله‏[ (1) ]،

فقال علي: لو أتيت محمد بن مسلمة الأنصاري،

فأتاه عمار، فقال له محمد: مرحبا بك يا أبا اليقظان على فرقة ما بيني و بينك، و اللََّه لو لا ما في يدي من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم لبايعت عليا، و لو أن الناس كلهم عليه لكنت معه، و لكنه يا عمار كان من النبي أمر ذهب فيه الرأي، فقال عمار: كيف؟

قال رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم: إذا رأيت المسلمين يقتتلون أو إذا رأيت أهل الصلاة.

فقال عمار: فإن كان‏

قال لك: إذا رأيت المسلمين‏

فو اللََّه لا ترى مسلمين يقتتلان بسيفيهما أبدا، و إن كان‏

قال لك: أهل الصلاة،

فمن سمع هذا معك، إنما أنت أحد الشاهدين، فتريد من رسول اللََّه قولا بعد قوله يوم حجة الوداع:

دماؤكم و أموالكم عليكم حرام إلا بحدث،

فتقول: يا محمد، لا نقاتل المحدثين. قال:

حسبك يا أبا اليقظان. قال: ثم أتى سعد بن أبي وقاص فكلمه، فأظهر الكلام القبيح، فانصرف عمار إلى علي،

فقال له علي: دع هؤلاء الرهط، أما ابن عمر فضعيف، و أما سعد فحسود، و ذنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلت أخاه يوم خيبر، مرحب اليهودي.

هروب مروان بن الحكم من المدينة المنورة

قال: و ذكروا أن مروان بن الحكم لما بويع علي هرب من المدينة، فلحق بعائشة بمكة. فقالت له عائشة: ما وراءك؟فقال مروان: غلبنا على أنفسنا. فقال له رجل من أهل مكة[ (2) ]: إياك و عليا فقد طلبك، ففرّ من بين يديه. فقال مروان:

لم؟فو اللََّه ما يجد إليّ سبيلا. أما هو فقد علمت أنه لا يأخذني بظن، و لا ينصب إلا على اليقين، و ايم اللََّه ما أبالي إذا قصر عليّ سيفه ما طال عليّ من لسانه. فقال الرجل: إذا أطال اللََّه عليك لسانه طال سيفه. قال مروان: كلا إن اللسان أدب، و السيف حكم.

[ (1) ]و كان عبد اللََّه بن عمر قد أخبر كلثوم بنت علي أنه سيخرج معتمرا على طاعة علي ما خلا النهوض. (الطبري 5/164) .

[ (2) ]في فتوح ابن الأعثم أن مروان لم يبايع عليا، و قد خيره علي أن يلحق بأي بلد شاء فاختار الإقامة بالمدينة. و قوله هذا كان بالمدينة و ليس بمكة (2/261) .

74

خروج علي من المدينة

قال: و ذكروا أن عليا تردد بالمدينة أربعة أشهر، ينتظر جواب معاوية، و قد كان كتب إليه كتابا بعد كتاب يمنيه و يعده أولا، ثم كتابا يخوفه و يتواعده فحبس معاوية جواب كتابه ثلاثة أشهر، ثم أتاه جوابه على غير ما يحب، فلما أتاه ذلك شخص من المدينة في تسعمائة راكب من وجوه المهاجرين و الأنصار من أهل السوابق مع رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و معهم بشر كثير من أخلاط الناس، و استخلف على المدينة قثم بن عباس، و كان له فضل و عقل، و أمره أن يشخص إليه من أحب الشخوص، و لا يحمل أحدا على ما يكره، فخف الناس إلى علي بعده، و مضى معه من ولده الحسن و الحسين و محمد، فلما كان في بعض الطريق، أتاه كتاب أخيه عقيل بن أبي طالب، و فيه: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم: أما بعد يا أخي، كلأك اللََّه، و اللََّه جائرك من كل سوء، و عاصمك من كل مكروه على كل حال، و إني خرجت معتمرا، فلقيت عائشة معها طلحة و الزبير و ذووهما، و هم متوجهون إلى البصرة، قد أظهروا الخلاف، و نكثوا البيعة، و ركبوا عليك قتل عثمان، و تبعهم على ذلك كثير من الناس، من طغاتهم و أوباشهم، ثم مر عبد اللََّه بن أبي سرح، في نحو من أربعين راكبا، من أبناء الطلقاء، من بني أمية، فقلت لهم و عرفت المنكر في وجوههم: أ بمعاوية تلحقون؟عداوة و اللََّه إنها منكم ظاهرة غير مستنكرة، تريدون بها إطفاء نور اللََّه، و تغيير أمر اللََّه. فأسمعني القوم و أسمعتهم ثم قدمت مكة، فسمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة و اليمامة، فأصاب ما شاء من أموالهما، ثم انكفأ راجعا إلى الشام، فأف لحياة في زهو جرأ عليك الضحاك، و ما الضحاك إلا فقع بقرقره‏[ (1) ]فظننت حين بلغني ذلك أن أنصارك خذلوك، فاكتب إليّ يا بن أمي برأيك و أمرك، فإن كنت الموت تريد، تحملت إليك ببني أخيك، و ولد أبيك، فعشنا ما عشت و متنا معك إذا مت، فو اللََّه ما أحب أن أبقى بعدك، فو اللََّه الأعز الأجل إن عيشا أعيشه بعدك في الدنيا لغير هني‏ء، و لا مري‏ء، و لا نجيع، و السلام.

فكتب إليه علي كرم اللََّه وجهه: أما بعد يا أخي، فكلأك اللََّه كلاءة من‏

[ (1) ]الفقع: نبات طري أبيض. و القرقرة: الأرض الواطئة.

75

يخشاه، إنه حميد مجيد. قدم عليّ عبد الرحمن الأزدي بكتابك، تذكر فيه أنك لقيت ابن أبي سرح، في أربعين من أبناء الطلقاء من بني أمية، متوجهين إلى المغرب، و ابن أبي سرح يا أخي طال ما كاد رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و صد عن كتابه و سنته و بغاها عوجا، فدع ابن أبي سرح و قريشا و تركاضهم‏[ (1) ]في الضلال، فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك، اجتماعها على رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم قبل اليوم، و جهلوا حقي، و جحدوا فضلي، و نصبوا لي الحرب، وجدوا في إطفاء نور اللََّه، اللََّهمّ فأجز قريشا عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، و ظاهرت عليّ، و سلبتني سلطان ابن عمي‏[ (2) ]، و سلمت ذلك لمن ليس في قرابتي، و حقي في الإسلام، و سابقتي التي لا يدعي مثلها مدع، إلا أن يدعي ما لا أعرف، و لا أظن اللََّه يعرفه، و الحمد للََّه على ذلك كثيرا. و أما ما ذكرت من غارة الضحاك على الحيرة و اليمامة، فهو أذل و ألأم من أن يكون مرّ بها، فضلا عن الغارة، و لكن جاء في خيل جريدة[ (3) ]فسرحت إليه جندا من المسلمين، فلما بلغه ذلك ولى‏[ (4) ]هاربا، فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق، حين همت الشمس للإياب، فاقتتلوا، و قتل من أصحابه بضعة عشر رجلا، و نجا هاربا[ (5) ]، بعد أن أخذ منه بالمخنق‏[ (6) ]، فلو لا الليل ما نجا. و أما ما سألت أن أكتب إليك فيه برأيي، فإن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى اللََّه، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة، و لا تفرقهم عني وحشة لأني محق، و اللََّه مع المحق، و ما أكره الموت على الحق لأن الخير كله بعد الموت لمن عقل و دعا إلى الحق. و أما ما عرّضت به من مسيرك إليّ ببنيك و بني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فذرهم راشدا مهديا، فو اللََّه ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكت، و أنا كما قال أخو بني سليم‏[ (7) ]:

[ (1) ]في شرح النهج كتاب 279 سقط «و تركاضهم في الضلال» و التركاض: المبالغة في الركض:

استعارة لسرعة في خواطرهم في الشقاق و الضلال. و زيد فيه: و تجوالهم في الشقاق، و جماحهم في التيه.

[ (2) ]في شرح النهج: أمن أمي. يريد رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم. فإن فاطمة بنت أسد أم علي ربت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم في حجرها

فقال النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم في شأنها: فاطمة أمي بعد أمي:

[ (3) ]يريد الخيل التي لا رجالة فيها أي أنها غارة ليست خطرة.

[ (4) ]في شرح النهج: شمّر.

[ (5) ]في شرح النهج: نجا جريضا.

[ (6) ]المخنق: قال في شرح النهج: هو موضع الخنق من الحيوان.

[ (7) ]ينسب الشعر إلى عباس بن مرداس السلمي. و ليس في ديوانه.

76

فإن تسأليني كيف صبري‏[ (1) ]فإنني # صبور على ريب الزمان صليب

عزيز علي أن أرى بكآبة # فيشمت واش‏[ (2) ]أو يساء حبيب‏

كتاب أم سلمة إلى عائشة

قال: و ذكروا أنه لما تحدث الناس بالمدينة بمسير عائشة مع طلحة و الزبير، و نصبهم الحرب لعلي، و تألفهم الناس كتبت أم سلمة إلى عائشة أما بعد: فإنك سدّة بين رسول اللََّه و بين أمته، و حجابك‏[ (3) ]مضروب على حرمته، قد جمع القرآن الكريم ذيلك، فلا تندحيه‏[ (4) ]، و سكن عقيرتك، فلا تصحريها[ (5) ]، اللََّه من وراء هذه الأمة، قد علم رسول اللََّه مكانك، لو أراد أن يعهد إليك، و قد علمت أن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، و لا يرأب بهن إن انصدع، حماديات‏[ (6) ]النساء غض الأبصار و ضم الذيول، ما كنت قائلة لرسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم لو عارضك بأطراف الجبال و الفلوات، على قعود[ (7) ]من الإبل، من منهل إلى منهل، إن بعين اللََّه مهواك، و على رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم تردين، و قد هتكت حجابه الّذي ضرب اللََّه عليك، و تركت عهيداه. و لو أتيت الّذي تريدين، ثم قيل لي ادخلي الجنة لاستحييت أن ألقى اللََّه هاتكة حجابا قد ضربه علي، فاجعلي حجابك الّذي ضرب عليك حصنك، فابغيه منزلا لك حتى تلقيه، فإن أطوع ما تكونين إذا ما لزمته، و أنصح ما تكونين إذا ما قعدت فيه، و لو ذكرتك كلاما

قاله رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم لنهشتني نهش الحية،

و السلام. فكتبت إليها عائشة: ما أقبلني لوعظك، و أعلمني بنصحك‏[ (8) ]، و ليس مسيري على ما تظنين، و لنعم المطلع مطلع فزعت فيه إليّ فئتان متناجزتان، فإن أقدر ففي غير حرج، و إن أحرج مالي ما لا غنى بي عن الازدياد منه، و السلام.

[ (1) ]في شرح النهج: أنت.

[ (2) ]في شرح النهج:

يعز عليّ أن ترى بي # ... فيشمت عاد.

[ (3) ]كذا بالأصل و بلاغات النساء، و في العقد الفريد: حجاب.

[ (4) ]لا تندحيه: أي لا توسيعه.

[ (5) ]في العقد الفريد: و سكر خفارتك فلا تبتذليها. 4/316.

[ (6) ]في العقد: جهاد النساء.

[ (7) ]القعود: بالفتح: من الإبل يقتعده الراعي في كل حاجة.

[ (8) ]في العقد: و أعرفني لحق نصيحتك.

77

استنفار عدي بن حاتم قومه لنصرة علي رضي اللََّه عنه‏

قال: و ذكروا أن ابن حاتم قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، لو تقدمت إلى قومي أخبرهم بمسيرك و أستنفرهم، فإن لك من طيِّئ مثل الّذي معك.

فقال علي: نعم، فافعل،

فتقدم عدي إلى قومه، فاجتمعت إليه رؤساء طيِّئ، فقال لهم: يا معشر طيِّئ، إنكم أمسكتم عن حرب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم في الشرك، و نصرتم اللََّه و رسوله في الإسلام على الردة، و عليّ قادم عليكم، و قد ضمنت له مثل عدّة من معه منكم، فخفوا معه، و قد كنتم تقاتلون في الجاهلية على الدنيا، فقاتلوا في الإسلام على الآخرة، فإن أردتم الدنيا فعند اللََّه مغانم كثيرة، و أنا أدعوكم إلى الدنيا و الآخرة، و قد ضمنت عنكم الوفاء، و باهيت بكم الناس، فأجيبوا قولي، فإنكم أعز العرب دارا، لكم فضل معاشكم و خيلكم، فاجعلوا أفضل المعاش للعيال و فضول الخيل للجهاد، و قد أظلكم عليّ و الناس معه، من المهاجرين و البدريين و الأنصار، فكونوا أكثرهم عددا، فإن هذا سبيل للحي فيه الغنى و السرور، و للقتيل فيه الحياة و الرزق، فصاحت طيِّئ: نعم نعم، حتى كاد أن يصم من صياحهم. فلما قدم على طيِّئ أقبل شيخ من طيِّئ قد هرم من الكبر، فرفع له من حاجبيه، فنظر إلى عليّ، فقال له: أنت ابن أبي طالب؟

قال: نعم.

قال: مرحبا بك و أهلا، قد جعلناك بيننا و بين اللََّه، و عديا بيننا و بينك، و نحن بينه و بين الناس، لو أتيتنا غير مبايعين لك لنصرناك، لقرابتك من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أيامك الصالحة، و لئن كان ما يقال فيك من الخير حقا إن في أمرك و أمر قريش لعجبا، إذ أخرجوك و قدموا غيرك. سر، فو اللََّه لا يتخلف عنك من طيِّئ إلا عبد أو دعي إلا بإذنك. فشخص معه من طيِّئ ثلاثة عشر آلاف راكب‏[ (1) ].

استنفار زفر بن زيد قومه لنصرة علي‏

قال: و ذكروا أن زفر بن زيد بن حذيفة الأسدي، و كان من سادة بني أسد قام إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، إن طيِّئا إخواننا و جيراننا قد أجابوا عديا.

ولي في قومي طاعة، فأذن لي فآتهم.

قال: نعم،

فأتاهم فجمعهم و قال: يا بني [ (1) ]في مروج الذهب: ستمائة راكب. ـ

78

أسد، إن عدي بن حاتم ضمن لعلي قومه فأجابوه، و قضوا عنه ذمامه، فلم يعتل الغني بالغنى، و لا الفقير بالفقر، و واسى بعضهم بعضا، حتى كأنهم المهاجرون في الهجرة، و الأنصار في الأثرة، و هم جيرانكم في الديار، و خلطاؤكم في الأموال، فأنشدكم اللََّه لا يقول الناس غدا: نصرت طيِّئ و خذلت بنو أسد، و إن الجار يقاس بالجار، كالنعل بالنعل، فإن خفتم فتوسعوا في بلادهم، و انضموا إلى جبلهم، و هذه دعوة لها ثواب من اللََّه في الدنيا و الآخرة. فقام إليه رجل منهم، فقال له: يا زفر، إنك لست كعدي، و لا أسد كطي‏ء، ارتدّت العرب، فثبتت طيِّئ على الإسلام، و جاد عدي بالصدقة، و قاتل بقومه قومك، فو اللََّه لو نفرت طيِّئ بأجمعها لمنعت رعاؤها دارها، و لو أن معنا أضعافنا لخفنا على دارنا، فإن كان لا يرضيك منا إلا ما أرضى عديا من طيِّئ، فليس ذلك عندنا، و إن كان يرضيك قدر ما يرد عنا عذر الخذلان، و إثم المعصية، فلك ذلك منا.

فسار معه من أسد جماعة ليست كجماعة طيِّئ، حتى قدم بها على عليّ.

توجه عائشة و طلحة و الزبير إلى البصرة

قال: و ذكروا أنه لما اجتمع طلحة و الزبير و ذووهما مع عائشة، و أجمعوا على المسير من مكة، و أتاهم عبد اللََّه بن عامر[ (1) ]، فدعاهم إلى البصرة، و وعدهم الرجال و الأموال، فقال سعيد بن العاصي لطلحة و الزبير: إن عبد اللََّه بن عامر كلمه إلى البصرة، و قد فر من أهلها فرار العبد الآبق، و هم في طاعة عثمان، و يريد أن يقاتل بهم عليا، و هم في طاعة علي، و خرج من عندهم أميرا، و يعود إليهم طريدا، و قد وعدكم الرجال و الأموال، فأما الأموال فعنده، و أما الرجال فلا رجل. فقال مروان بن الحكم: أيها الشيخان، ما يمنعكما أن تدعوا الناس إلى بيعة مثل بيعة علي، فإن أجابوا كما عارضتماه ببيعة كبيعته، و إن لم يجيبوكما عرفتما ما لكما في أنفس الناس. فقال طلحة: يمنعنا أن الناس بايعوا عليا بيعة عامة، فبم ننقضها؟و قال الزبير: و يمنعنا أيضا من ذلك تثاقلنا عن نصرة عثمان، و خفتنا إلى بيعة علي. فقال الوليد بن عقبة: إن كنتما أسأتما فقد أحسنتما، و إن [ (1) ]و كان عبد اللََّه بن عامر بن كريز واليا على البصرة لعثمان، و هو ابن خاله، و قد هرب ليلا من الكوفة بعد ما بايع أهل البصرة عليا. و قد جهزهم علي قاله المسعودي في مروج الذهب 2/394 بألف ألف درهم و مائة من الإبل و غير ذلك.

79

كنتما أخطأتما فقد أصبتما، و أنتما اليوم خير منكما أمس. فقال مروان: أما أنا فهواي الشام، و هواكما البصرة، و أنا معكم و إن كانت الهلكة. فقال سعيد بن العاصي: أما أنا فراجع إلى منزلي. فلما استقام أمرهم، و اجتمعت كلمتهم على المسير، قال طلحة للزبير: إنه ليس شي‏ء أنفع و لا أبلغ في استمالة أهواء الناس من أن نشخص لعبد اللََّه بن عمر، فأتياه فقالا: يا أبا عبد الرحمن، إن أمنا عائشة خفت لهذا الأمر، رجاء الإصلاح بين الناس، فاشخص معنا، فإن لك بها[ (1) ] أسوة، فإن بايعنا الناس فأنت أحق بها. فقال ابن عمر: أيها الشيخان، أ تريدان أن تخرجاني من بيتي‏[ (2) ]، ثم تلقياني بين مخالب ابن أبي طالب؟إن الناس إنما يخدعون بالدينار و الدرهم. و إني قد تركت هذا الأمر عيانا في عافية أنالها.

فانصرفا عنه. و قدم يعلى بن منبه عليهم من اليمن، و كان عاملا لعثمان، فأخرج أربع مائة بعير[ (3) ]، و دعا إلى الحملان، فقال الزبير: دعنا من إبلك هذه، و أقرضنا من هذا المال، فأقرض الزبير ستين ألفا، و أقرض طلحة أربعين ألفا، ثم سار القوم، فقال الزبير: الشام بها الرجال و الأموال، و عليها معاوية، و هو ابن عمّ الرجل، و متى نجتمع يولنا عليه، و قال عبد اللََّه بن عامر: البصرة، فإن غلبتم عليا فلكم الشام، و إن غلبكم علي كان معاوية لكن جنة، و هذه كتب أهل البصرة إليّ، فقال يعلى بن منبه، و كان داهيا: أيها الشيخان، قدرا قبل أن ترحلا أن معاوية قد سبقكم إلى الشام و فيها الجماعة، و أنتم تقدمون عليه غدا في فرقة و هو ابن عم عثمان دونكم، أ رأيتم إن دفعكم عن الشام، أو قال: اجعلها شورى، ما أنتم صانعون؟أ تقاتلونه أم تجعلونها شورى فتخرجا منها؟و أقبح من ذلك أن تأتيا رجلا في يديه أمر قد سبقكما إليه، و تريدا أن تخرجاه منه، فقال القوم: فإلى أين؟قال: إلى البصرة، فقال الزبير لعبد اللََّه بن عامر: من رجال البصرة؟قال: ثلاثة، كلهم سيد مطاع، كعب بن سور في اليمن، و المنذر بن ربيعة في ربيعة، و الأحنف بن قيس في مضر. فكتب طلحة و الزبير إلى كعب بن سور: أما بعد، فإنك قاضي عمر بن الخطاب، و شيخ أهل البصرة، و سيد أهل [ (1) ]في فتوح ابن الأعثم 2/278 بنا.

[ (2) ]زيد عند ابن الأعثم: كما يخرج الأرنب من جحره.

[ (3) ]في مروج الذهب 2/394 أعطى عائشة و طلحة و الزبير أربعمائة ألف درهم و كراعا و سلاحا، و بعث إلى عائشة بالجمل المسمى عسكرا و كان شراؤه باليمن مائتي دينار. و عند ابن الأثير 2/313: ستمائة بعير و ستمائة ألف درهم.

80

اليمن، و قد كنت غضبت لعثمان من الأذى، فاغضب له من القتل، و السلام.

و كتب إلى الأحنف بن قيس: أما بعد، فإنك وافد عمر و سيد مضر، و حليم أهل العراق، و قد بلغك مصاب عثمان، و نحن قادمون عليك، و العيان أشفى لك من الخبر، و السلام. و كتب إلى المنذر: أما بعد، فإن أباك كان رئيسا في الجاهلية، و سيدا في الإسلام، و إنك من أبيك بمنزلة المصلي‏[ (1) ]من السابق. يقال: كاد أو لحق، و قد قتل عثمان من أنت خير منه، و غضب له من هو خير منك، و السلام.

فلما وصلت كتبهما إلى القوم، قام زياد بن مضر، و النعمان بن شوّال، و غزوان، فقالوا: ما لنا و لهذا الحي من قريش؟أ يريدون أن يخرجونا من الإسلام بعد أن دخلنا فيه؟و يدخلونا في الشرك بعد ما خرجنا منه؟قتلوا عثمان، و بايعوا عليا، لهم ما لهم، و عليهم ما عليهم. و كتب كعب بن سور إلى طلحة و الزبير: أما بعد، فإنا غضبنا لعثمان من الأذى و الغير باللسان، فجاء أمر الغير فيه بالسيف، فإن يك عثمان قتل ظالما، فما لكما و له؟و إن كان قتل مظلوما فغير كما أولى به، و إن كان أمره أشكل على من شهده، فهو على من غاب عنه أشكل. و كتب الأحنف إليهما: أما بعد، فإنه لم يأتنا من قبلكم أمر لا نشك فيه إلا قتل عثمان، و أنتم قادمون علينا، فإن يكن في العيان فضل، نظرنا فيه و نظرتم، و إلا يكن فيه فضل فليس في أيدينا و لا في أيديكم ثقة، و السلام. و كتب المنذر: أما بعد، فإنه لم يلحقني بأهل الخير إلا أن أكون خيرا من أهل الشر، و إنما أوجب حق عثمان اليوم حقه أمس، و قد كان بين أظهركم فخذلتموه، فمتى استنبطتم هذا العلم، و بدا لكم هذا الرأي؟فلما قرءا كتب القوم ساءهما ذلك و غضبا. ثم غدا مروان إلى طلحة و الزبير، فقال لهما: عاودا ابن عمر، فلعله ينيب، فعاوداه، فتكلم طلحة، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنه و اللََّه لربّ حق ضيعناه و تركناه، فلما حضر العذر قضينا بالحق، و أخذنا بالحظ، إن عليا يرى إنفاذ بيعته، و إن معاوية لا يرى أن يبايع له، و إنا نرى أن نردها شورى، فإن سرت معنا و مع أم المؤمنين صلحت الأمور، و إلا فهي الهلكة. فقال ابن عمر: إن يكن قولكما حقا ففضلا ضيعت، و إن يكن باطلا فشر منه نجوت، و اعلما أن بيت عائشة خير لها من هودجها، و أنتما المدينة خير لكما من البصرة، و الذل خير لكما من السيف، و لن يقاتل عليا إلا من كان خيرا منه، و أما الشورى فقد و اللََّه كانت، فقدم و أخرتما، [ (1) ]المصلي من الخيل الّذي يلي الأول في السباق، و السابق الفائز الأول في السباق.

81

و لن يردها إلا أولئك الذين حكموا فيها، فاكفياني أنفسكما، فانصرفا. فقال مروان: استعينا عليه بحفصة، فأتيا حفصة، فقالت: لو أطاعني أطاع عائشة، دعاه، فاتركاه و توجها إلى البصرة. و أتاهما عبد اللََّه بن خلف، فقال لهما: إنه ليس أحد من أهل الحجاز كان منه في عثمان شي‏ء إلا و قد بلغ أهل العراق، و قد كان منكما في عثمان من التحليب و التأليب ما لا يدفعه جحود، و لا ينفعكما فيه عذر، و أحسن الناس فيكما قولا من أزال عنكما القتل و ألزمكما الخذل، و قد بايع الناس عليا بيعة عامة، و الناس لاقوكما غدا، فما تقولان؟فقال طلحة: ننكر القتل، و نقر بالخذل، و لا ينفع الإقرار بالذنب إلا مع الندم عليه، و لقد ندمنا على ما كان منا. و قال الزبير: بايعنا عليا و السيف على أعناقنا[ (1) ]، حيث تواثب الناس بالبيعة إليه دون مشورتنا، و لم نصب لعثمان خطأ فتجب علينا الدية، و لا عمدا فيجب علينا القصاص. فقال عبد اللََّه بن خلف: عذركما أشد من ذنبكما، قال: فتهيأ القوم للمسير، فقال طلحة و الزبير: أسرعوا السير، لعلنا نسبق عليا من خلاف طريقه إلى البصرة. قال: و كتب قثم بن عباس إلى علي يخبره أن طلحة و الزبير و عائشة قد خرجوا من مكة، يريدون البصرة، و قد استنفروا الناس، فلم يخف معهم إلا من لا يعتد بمسيره، و من خلفت بعدك فعلى ما تحب. فلما قدم على عليّ كتابه غمه ذلك، و أعظمه الناس، و سقط في أيديهم، فقام قيس بن سعد بن عبادة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه و اللََّه ما غمنا بهذين الرجلين كغمنا بعائشة، لأن هذين الرجلين حلالا الدم عندنا، لبيعتهما و نكثهما، و لأن عائشة من علمت مقامها في الإسلام، و مكانها من رسول اللََّه، مع فضلها و دينها و أمومتها منا و منك، و لكنهما يقدمان البصرة، و ليس كل أهلها لهما، و تقدم الكوفة، و كل أهلها لك، و تسير بحقك إلى باطلهم، و لقد كنا نخاف أن يسيرا إلى الشام، فيقال: صاحبا رسول اللََّه و أم المؤمنين، فيشتد البلاء، و تعظم الفتنة، فأما إذا أتيا البصرة و قد سبقت إلى طاعتك، و سبقوا إلى بيعتك، و حكم عليهم [ (1) ]تقدم أن عليا رفض البيعة خفية و لا تكون إلا عن رضى المسلمين، و أنه بعد اجتماع المهاجرين و الأنصار-و فيهم طلحة و الزبير-رفض في البداية و

قال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم فمن اخترتم فقد رضيت به. ثم أن طلحة و الزبير بايعاه على ملأ من الناس بعد أن قال لهما علي: إن أحببتما أن تبايعا لي و إن أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك (الطبري 5/152-153 من عدة طرق) .

82

عاملك، و لا و اللََّه ما معهما مثل ما معك، و لا يقدمان على مثل ما تقدم عليه، فسر فإن اللََّه معك، و تتابعت الأنصار فقالوا و أحسنوا.

قال: و لما نزل طلحة و الزبير و عائشة بأوطاس‏[ (1) ]، من أرض خيبر، أقبل عليهم سعيد بن العاصي على نجيب له، فأشرف على الناس، و معه المغيرة بن شعبة، فنزل و توكأ على قوس له سوداء، فأتى عائشة، فقال لها: أين تريدين يا أم المؤمنين؟قالت: أريد البصرة، قال: و ما تصنعين بالبصرة؟قالت: أطلب بدم عثمان. قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك. ثم أقبل على مروان فقال له: و أنت أين تريد أيضا؟قال: البصرة. قال: و ما تصنع بها؟قال: أطلب قتلة عثمان، قال:

فهؤلاء قتلة عثمان معك، إن هذين الرجلين قتلا عثمان «طلحة و الزبير» ، و هما يريدان الأمر لأنفسهما، فلما غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم، و الحوبة[ (2) ] بالتوبة. ثم قال المغيرة بن شعبة: أيها الناس، إن كنتم إنما خرجتم مع أمكم، فارجعوا بها خيرا لكم، و إن كنتم غضبتم لعثمان، فرؤساؤكم قتلوا عثمان، و إن كنتم نقمتم على عليّ شيئا، فبينوا ما نقمتم عليه، أنشدكم اللََّه فتنتين في عام واحد، فأبوا إلا أن يمضوا بالناس، فلحق سعيد بن العاصي باليمن، و لحق المغيرة بالطائف، فلم يشهدا شيئا من حروب الجمل و لا صفين، فلما انتهوا إلى ماء الحوأب في بعض الطريق و معهم عائشة، نبحها كلاب الحوأب، فقالت لمحمد بن طلحة: أي ماء هذا؟قال: هذا ماء الحوأب، فقالت: ما أراني إلا راجعة، قال: و لم؟

قالت: سمعت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول لنسائه: كأني بإحداكن قد نبحها كلاب الحوأب، و إياك أن تكوني أنت يا حميراء

[ (3) ]. فقال لها محمد بن طلحة: تقدمي رحمك اللََّه، و دعي هذا القول.

و أتى عبد اللََّه بن الزبير، فحلف لها باللََّه لقد خلفته أول الليل، و أتاها ببينة زور من الأعراب‏[ (4) ]، فشهدوا بذلك، فزعموا أنها أول شهادة زور شهد بها في الإسلام، فلما انتهى إقبالهم على أهل البصرة، و دنوا منها، قام عثمان بن حنيف [ (1) ]في الكامل في التاريخ 2/315 بذات عرق.

[ (2) ]الحوبة: الإثم و الذنب.

[ (3) ]أخرجه الإمام أحمد في مسندة 6/52، 97 و نقله ابن كثير في البداية و النهاية 7/211 و قال:

هذا إسناد على شرط الصحيحين و لم يخرجاه.

[ (4) ]خمسين رجلا ممن كان معهم (عن مروج الذهب 2/395) .

83

عامل البصرة لعلي بن أبي طالب فقال: يا أيها الناس، إنما بايعتم اللََّه‏ يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمََا يَنْكُثُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ، وَ مَنْ أَوْفى‏ََ بِمََا عََاهَدَ عَلَيْهُ اَللََّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [الفتح 10]و اللََّه لو علم علي أن أحدا أحق بهذا الأمر منه ما قبله، و لو بايع الناس غيره لبايع من بايعوا، و أطاع من ولوا، و ما به إلى أحد من صحابة رسول اللََّه حاجة، و ما بأحد عنه غنى، و لقد شاركهم في محاسنهم، و ما شاركوه في محاسنه، و لقد بايعه هذان الرجلان و ما يريدان اللََّه، فاستعجلا الفطام قبل الرضاع، و الرضاع قبل الولادة، و الولادة قبل الحمل، و طلبا ثواب اللََّه من العباد، و قد زعما أنهما بايعا مستكرهين. فإن كانا استكرها قبل بيعتهما كانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا و لا يأمرا، ألا و إن الهدي ما كانت عليه العامة، و العامة على بيعة علي، فما ترون أيها الناس؟فقام حكم بن جبل العبديّ، فقال: نرى إن دخلا علينا قاتلناهما، و إن وقفا تلقيناهما و اللََّه ما أبالي أن أقاتلهما وحدي، و إن كنت أحب الحياة، و ما أخشى في طريق الحق وحشة، و لا غيرة و لا غشا و لا سوء منقلب إلى بعث، و إنها لدعوة قتيلها شهيد، و حيها فائز، و التعجيل إلى اللََّه قبل الأجر خير من التأخير في الدنيا، و هذه ربيعة معك.

نزول طلحة و الزبير و عائشة البصرة

قال: و ذكروا أن طلحة و الزبير لما نزلا البصرة[ (1) ]، قال عثمان بن حنيف:

نعذر إليهما برجلين، فدعا عمران بن الحصين صاحب رسول اللََّه، و أبا الأسود الدؤلي، فقال: يا أبا محمد، فذهبا إليهما فناديا: يا طلحة فأجابهما، فتكلم أبو الأسود الدؤلي، فقال: يا أبا محمد، إنكم قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا في قتله و بايعتم عليا غير مؤامرين في بيعته، فلم نغضب لعثمان إذ قتل، و لم نغضب لعلي إذ بويع، ثم بدا لكم، فأردتم خلع علي، و نحن على الأمر الأول، فعليكم المخرج مما دخلتم فيه. ثم تكلم عمران، فقال: يا طلحة، إنكم قتلتم عثمان و لم نغضب له إذا لم تغضبوا، ثم بايعتم عليا و بايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لما ذا؟و إن كان خطأ فحظكم منه الأوفر، و نصيبكم منه الأوفى. فقال طلحة: يا هذان إن صاحبكما لا يرى أن معه في هذا الأمر غيره، و ليس على هذا بايعناه، و ايم اللََّه ليسفكنّ دمه. فقال أبو الأسود: يا عمران، أما [ (1) ]في الطبري 5/174 بالحفير، و هو أول منزل من البصرة لمن يريد مكة و قيل الحفير: موضع بين مكة و البصرة.

84

هذا فقد صرح أنه إنما غضب للملك. ثم أتيا الزبير فقالا: يا أبا عبد اللََّه، إنا أتينا طلحة، قال الزبير: إن طلحة و إياي كروح في جسدين، و إنه و اللََّه يا هذان، قد كانت منا في عثمان فلتات، احتجنا فيها إلى المعاذير، و لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا نصرناه، ثم أتيا فدخلا على عائشة، فقالا: يا أم المؤمنين، ما هذا المسير؟أ معك من رسول اللََّه به عهد؟قالت: قتل عثمان مظلوما، غضبنا لكم من السوط و العصا، و لا نغضب لعثمان من القتل؟فقال أبو الأسود: و ما أنت من عصانا و سيفنا و سوطنا؟فقالت: يا أبا الأسود، بلغني أن عثمان بن حنيف يريد قتالي. فقال أبو الأسود: نعم و اللََّه قتالا أهونه تندر منه الرءوس‏[ (1) ]. و أقبل غلام من جهينة إلى محمد بن طلحة، فقال له: حدثني عن قتلة عثمان، قال: نعم، دم عثمان على ثلاثة أثلاث، ثلث على صاحبة الهودج، و ثلث على صاحب الجمل الأحمر[ (2) ]، و ثلث على عليّ بن أبي طالب. فضحك الجهنيّ، و لحق بعلي بن أبي طالب، و بلغ طلحة قول ابنه محمد، و كان محمد من عباد الناس، فقال له: يا محمد، أ تزعم عنا قولك إني قاتل عثمان، كذلك تشهد على أبيك؟ كن كعبد اللََّه بن الزبير، فو اللََّه ما أنت بخير منه، و لا أبوك بدون أبيه، كفّ عن قولك، و إلا فارجع فإن نصرتك نصرة رجل واحد، و فسادك فساد عامة. فقال محمد: ما قلت إلا حقا، و لن أعود.

نزول علي بن أبي طالب الكوفة

قال: و ذكروا أن عليا لما نزل قريبا من الكوفة[ (3) ]بعث عمار بن ياسر، و محمد بن أبي بكر[ (4) ]إلى أبي موسى الأشعري، و كان أبو موسى عاملا لعثمان على الكوفة، فبعثهما علي إليه و إلى أهل الكوفة يستفزهم، فلما قدما عليه قام عمار بن ياسر، و محمد بن أبي بكر، فدعوا الناس إلى النصرة لعلي، فلما أمسوا [ (1) ]قارن مع ما ذكره الطبري 5/174 و ابن الأثير 2/316 و البداية و النهاية 7/258 بشأن مقابلة الرجلين مع عائشة و طلحة و الزبير.

[ (2) ]يريد طلحة بن عبيد اللََّه.

[ (3) ]في مكان يدعى ذي قار (عن الطبري) .

[ (4) ]في ابن الأعثم 2/290 الحسن بن علي. و في الطبري 5/187 أنه أرسل الحسن بن علي و عمار بن ياسر للمرة الثانية إلى أبي موسى الأشعري. (و انظر مروج الذهب 2/396) . و كان قد أرسل إليه في المرة الأولى، محمد بن أبي بكر و محمد بن جعفر. ـ

85

دخل رجال من أهل الكوفة على أبي موسى، فقالوا: ما ترى؟أ تخرج مع هذين الرجلين إلى صاحبهما، أم لا؟فقال أبو موسى: أما سبيل الآخرة ففي أن تلزموا بيوتكم، و أما سبيل الدنيا فالخروج مع من أتاكم، فأطاعوه، فتباطأ الناس على عليّ، و بلغ عمارا و محمدا ما أشار به أبو موسى على أولئك الرهط، فأتياه فأغلظا له في القول، قال أبو موسى: إن بيعة عثمان في عنقي و عنق صاحبكم، و لئن أردنا القتال ما لنا إلى قتال أحد من سبيل، حتى نفرغ من قتلة عثمان.

خطبة أبي موسى الأشعري‏

[ (1) ] ثم خرج أبو موسى فصعد المنبر، ثم قال: أيها الناس: إن أصحاب رسول اللََّه الذين صحبوه في المواطن أعلم باللََّه و رسوله ممن لم يصحبه، و إن لكم حقا عليّ أؤديه إليكم، إن هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقظان، و القاعد خير من القائم، و القائم خير من الساعي، و الساعي خير من الراكب، فأغمدوا سيوفكم حتى تنجلي هذه الفتنة.

خطبة عمار بن ياسر

فقام عمار بن ياسر، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين، و لعمري ما صدق فيما قال، و ما رضي اللََّه من عباده بما ذكر. قال عز و جل: وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا، فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرى‏ََ فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ََ أَمْرِ اَللََّهِ، فَإِنْ فََاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا [الحجرات 9] و قال: وَ قََاتِلُوهُمْ حَتََّى لاََ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلََّهِ [الأنفال 39]فلم يرض من عباده بما ذكر أبو موسى من أن يجلسوا في بيوتهم و يخلوا بين الناس، فيسفك بعضهم دماء بعض، فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين و اسمعوا من حججهم، و انظروا من أولى بالنصرة فاتبعوه، فإن أصلح اللََّه أمرهم رجعتم مأجورين و قد قضيتم حق اللََّه، و إن بغى بعضهم على بعض نظرتم إلى الفئة الباغية، فقاتلتموها حتى تفي‏ء إلى أمر اللََّه، كما أمركم اللََّه، و افترض عليكم ثم قعد. فلما انصرفا إلى علي من عند أبي موسى و أخبراه بما قال أبو موسى، بعث [ (1) ]انظر الطبري 5/187 الكامل لابن الأثير 2/327.

86

إليه الحسن بن علي، و عبد اللََّه بن عباس، و عمار بن ياسر، و قيس بن سعد، و كتب معهم إلى أهل الكوفة.

كتاب عليّ إلى أهل الكوفة

أما بعد، فإنّي أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سامعه كمن عاينه‏[ (1) ]، إن الناس طعنوا على عثمان، فكنت رجلا من المهاجرين أقل عيبه و أكثر استعتابه‏[ (2) ]، و كان هذان الرجلان طلحة و الزبير أهون سيرهما فيه اللهجة و الوجيف‏[ (3) ]، و كان من عائشة فيه قول‏[ (4) ]على غضب، فانتحى له قوم فقتلوه، و بايعني الناس غير مستكرهين، و هما أول من بايعني على ما بويع عليه من كان قبلي، ثم استأذنا إلى العمرة، فأذنت لهما، فنقضا العهد، و نصبا الحرب، و أخرجا أم المؤمنين من بيتها، ليتخذاها فتنة، و قد سارا إلى البصرة، اختيارا لأهلها، و لعمري ما إياي تجيبون، ما تجيبون إلا اللََّه. و قد بعثت ابني الحسن، و ابن عمي عبد اللََّه بن عباس، و عمار بن ياسر، و قيس بن سعد، فكونوا عند ظننا بكم، و اللََّه المستعان.

فسار الحسن و من معه، حتى قدموا الكوفة على أبي موسى، فدعاه إلى نصرة علي، فبايعهم، ثم صعد أبو موسى المنبر، و قام الحسن أسفل منه، فدعاهم إلى نصرة علي، و أخبرهم بقرابته من رسول اللََّه، و سابقته، و بيعة طلحة و الزبير إياه، و نكثهما عهده، و أقرأهم كتاب علي، فقام شريح بن هانئ، فقال:

خطاب شريح بن هانئ‏

لقد أردنا أن نركب إلى المدينة، حتى نعلم قتل عثمان، فقد أتانا اللََّه به في بيوتنا، فلا تخالفوا عن دعوته، و اللََّه لو لم يستنصر بنا لنصرناه سمعا و طاعة، ثم‏

قام الحسن بن علي، فقال: أيها الناس، إنه قد كان من مسير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ما قد بلغكم، و قد أتيناكم مستنفرين، لأنكم جبهة الأنصار[ (5) ]، [ (1) ]في نهج البلاغة: سمعه كعيانه.

[ (2) ]الاستعتاب: الاسترضاء.

[ (3) ]الوجيف: ضرب من سير الخيل و الإبل سريع. يعني أنهما سارعا لإثارة الفتنة عليه.

[ (4) ]في شرح النهج: فلتة غضب.

[ (5) ]شبههم بجبهة الأنصار من حيث الكرم. و رءوس العرب من حيث الرفعة.

87

و رءوس العرب، و قد كان من نقض طلحة و الزبير بعد بيعتهما و خروجهما بعائشة ما بلغكم، و تعلمون أن وهن النساء و ضعف رأيهن إلى التلاشي، و من أجل ذلك جعل اللََّه الرجال قوامين على النساء، و ايم اللََّه لو لم ينصره منكم أحد لرجوت أن يكون فيمن أقبل معه من المهاجرين و الأنصار كفاية، فانصروا اللََّه ينصركم.

ثم قام عمار بن ياسر فقال: يا أهل الكوفة، إن كان غاب عنكم أنبئونا فقد انتهت إليكم أمورنا، إن قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله إلى الناس، و لا ينكرون ذلك، و قد جعلوا كتاب اللََّه بينهم و بين محاجيهم، فبه أحيا اللََّه من أحيا، و أمات من أمات. و إن طلحة و الزبير كانا أول من طعن، و آخر من أمر، و كانا أول من بايع عليا، فلما أخطأهما ما أملاه نكثا بيعتهما، من غير حدث. و هذا ابن بنت رسول اللََّه الحسن قد عرفتموه. و قد جاء يستنفركم، و قد أظلكم علي في المهاجرين و البدريين و الأنصار الذين تبوءوا الدار و الإيمان. فانصروا اللََّه ينصركم.

ثم قام قيس بن سعد، فقال: أيها الناس، إن الأمر لو استقبل به أهل الشورى كان علي أحق بها، و كان قتال من أبى ذلك حلالا، فكيف و الحجة على طلحة و الزبير، و قد بايعاه رغبة، و خالفاه حسدا، و قد جاءكم المهاجرون و الأنصار.

دخول طلحة و الزبير و عائشة البصرة

قال: و ذكروا أنه لما نزل طلحة و الزبير و عائشة البصرة، اصطف لها الناس في الطريق، يقولون: يا أم المؤمنين، ما الّذي أخرجك من بيتك؟فلما أكثروا عليها تكلمت بلسان طلق، و كانت من أبلغ الناس، فحمدت اللََّه، و أثنت عليه، ثم قالت:

خطبة عائشة رضي اللََّه عنها

أيها الناس، و اللََّه ما بلغ من ذنب عثمان أن يستحل دمه، و لقد قتل مظلوما، غضبنا لكم من السوط و العصا، و لا نغضب لعثمان من القتل، و إن من الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان، فيقتلوا به، ثم يرد هذا الأمر شورى، على ما جعله عمر بن الخطاب.

فمن قائل يقول: صدقت، و آخر يقول: كذبت، فلم يبرح الناس يقولون‏

88

ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض، فبينما هم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان، فقال لطلحة: هل تعرف هذا الكتاب؟قال: نعم. قال: فما ردك على ما كنت عليه؟و كنت أمس تكتب إلينا تؤلبنا على قتل عثمان، و أنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه، و قد زعمتما أن عليا دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله، إذ كنتما أسن منه، فأبيتما إلا أن تقدماه لقرابته و سابقته، فبايعتماه، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الّذي عرض عليكما؟قال طلحة: دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها و بايعه الناس، فعلمنا حين عرض علينا أنه غير فاعل، و لو فعل‏أبى ذلك المهاجرون و الأنصار، و خفنا أن نرد بيعته فنقتل، فبايعناه كارهين. قال: فما بدا لكما في عثمان؟قالا:

ذكرنا ما كان من طعننا عليه، و خذلاننا إياه، فلم نجد من ذلك مخرجا إلا الطلب بدمه. قال: ما تأمرانني به؟قالا: بايعنا على قتال علي، و نقض بيعته، قال:

أ رأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعوان إليه، ما نصنع؟قالا: لا تبايعه.

قال: ما أنصفتما، أ تأمرانني أن أقاتل عليا و أنقض بيعته و هي في أعناقكما، و تنهياني عن بيعة من لا بيعة له عليكما؟أما إننا قد بايعنا عليا، فإن شئتما بايعناكما بيسار أيدينا. قال: ثم تفرق الناس، فصارت فرقة مع عثمان بن حنيف، و فرقة مع طلحة و الزبير[ (1) ]. ثم جاء جارية بن قدامة، فقال: يا أم المؤمنين، لقتل عثمان كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون‏[ (2) ]، إنه كانت لك من اللََّه تعالى حرمة و ستر فهتكت سترك، و أبحت حرمتك إنه من رأى قتالك فقد رأى قتلك، فإن كنت يا أم المؤمنين أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك، و إن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعتبي اللََّه.

قتل أصحاب عثمان بن حنيف عامل عليّ على البصرة

قال: و ذكروا أنه لما اختلف القوم اصطلحوا[ (3) ]على أن لعثمان بن حنيف دار الإمارة و مسجدها و بيت المال، و أن ينزل أصحابه حيث شاءوا من البصرة، [ (1) ]في الطبري 5/175 بقي أصحاب عثمان يتدافعون حتى تحاجزوا، و مال بعضهم إلى عائشة و بقي بعضهم مع عثمان على فم السكة.

[ (2) ]زيد في الطبري: عرضة للسلاح.

[ (3) ]نص كتاب الصلح في الطبري 5/177.

89

و أن ينزل طلحة و الزبير و أصحابهما حيث شاءوا حتى يقدم علي، فإن اجتمعوا دخلوا فيما دخل فيه الناس، و إن يتفرقوا يلحق كل قوم بأهوائهم، عليهم بذلك عهد اللََّه و ميثاقه، و ذمة نبيه، و أشهدوا شهودا من الفريقين جميعا. فانصرف عثمان، فدخل دار الإمارة، و أمر أصحابه أن يلحقوا بمنازلهم، و يضعوا سلاحهم و افترق الناس، و كتموا ما في أنفسهم، غير بني عبد القيس، فإنّهم أظهروا نصرة علي، و كان حكيم بن جبل‏[ (1) ]رئيسهم، فاجتمعوا إليه، فقال لهم: يا معشر عبد القيس: إن عثمان بن حنيف دمه مضمون، و أمانته مؤداة، و ايم اللََّه لو لم يكن علي أميرا لمنعناه، لمكانته من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فكيف و له الولاية و الجوار، فاشخصوا بأنصاركم، و جاهدوا العدو، فإما أن تموتوا كراما و إما أن تعيشوا أحرارا. فمكث عثمان بن حنيف في الدار أياما، ثم إن طلحة و الزبير و مروان بن الحكم أتوه نصف الليل في جماعة معهم، في ليلة مظلمة سوداء مطيرة و عثمان نائم، فقتلوا أربعين رجلا من الحرس، فخرج عثمان بن حنيف، فشد عليه مروان فأسره، و قتل أصحابه، فأخذه مروان، فنتف لحيته و رأسه و حاجبيه، فنظر عثمان بن حنيف إلى مروان فقال: أما إنك إن تفتني بها في الدنيا، لم تفتني بها في الآخرة[ (2) ].

تعبئة الفئتين للقتال‏

و ذكروا أنه لما تعبأ القوم للقتال، فكانت الحرب للزبير، و على الخيل طلحة، و على الرّجالة عبد اللََّه بن الزبير، و على القلب محمد بن طلحة، و على المقدمة مروان‏[ (3) ]، و على رجال الميمنة عبد الرحمن بن عبادة[ (4) ]، و على الميسرة هلال بن وكيع‏[ (5) ]، فلما فرغ الزبير من التعبئة قال: أيها الناس، وطنوا أنفسكم [ (1) ]في الطبري: جبلة بالتحريك.

[ (2) ]بعد ما أسر عثمان أمرت عائشة بإخلاء سبيله، فقصد عليا و ليس في وجهه شعرة إلى ذي قار و قيل إلى الرَّبَذَة،

و قال له: يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية و قد جئتك أمرد، فقال: أصبت أجرا و خيرا.

[ (3) ]في ابن الأعثم 2/294 على خيل الميمنة مروان بن الحكم.

[ (4) ]في الطبري: عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد.

[ (5) ]أضاف ابن الأعثم: و على رجالة الميسرة حاتم بن بكير الباهلي، و على الجناح عمر بن طلحة، و على رجالتها عبد اللََّه بن حكيم بن حزام، و على خيل الكمين جندب بن يزيد المجاشعي، و على رجالتها مجاشع بن مسعود السلمي.

90

على الصبر، فإن يلقاكم غدا رجل لا مثل له في الحرب و لا شبيه، و معه شجعان الناس. فلما بلغ عليا تعبئة القوم عبأ الناس للقتال‏[ (1) ]، فاستعمل على المقدمة عبد اللََّه بن عباس، و على الساقة هندا المرادي، و على جميع الخيل عمار بن ياسر، و على جميع الرجالة محمد بن أبي بكر.

ثم كتب إلى طلحة و الزبير: أما بعد، فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني، و لم أبايعهم حتى بايعوني، و إنكما لممن أراد و بايع، و إن العامة لم تبايعني لسلطان خاص‏[ (2) ]، فإن كنتما بايعتماني كارهين، فقد جعلتما لي عليكما السبيل، بإظهاركما الطاعة، و إسراركما المعصية، و إن كنتما بايعتماني طائعين، فارجعا إلى اللََّه من قريب. إنك يا زبير لفارس رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم و حواريه، و إنك يا طلحة لشيخ المهاجرين، و إن دفاعكما هذا الأمر[ (3) ]قبل أن تدخلا فيه، كان أوسع عليكما من خروجكما منه إقراركما به، و قد زعمتما أني قتلت عثمان فبيني و بينكما فيه بعض من تخلف عني و عنكما من أهل المدينة، و زعمتما أني آويت قتلة عثمان، فهؤلاء بنو عثمان، فليدخلوا في طاعتي، ثم يخاصموا إليّ قتلة أبيهم، و ما أنتما و عثمان إن كان قتل ظالما أو مظلوما؟و قد بايعتماني و أنتما بين خصلتين قبيحتين نكث بيعتكما، و إخراجكما أمكما.

كتاب علي إلى عائشة

و كتب إلى عائشة: أما بعد، فإنك خرجت غاضبة للََّه و لرسوله، تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، ما بال النساء و الحرب و الإصلاح بين الناس؟تطالبين بدم عثمان، و لعمري لمن عرّضك للبلاء، و حملك على المعصية، أعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان و ما غضبت حتى أغضبت، و ما هجت حتى هيجت، فاتقي اللََّه، و ارجعي إلى بيتك‏[ (4) ].

فأجابه طلحة و الزبير: إنك سرت مسيرا له ما بعده، و لست راجعا و في [ (1) ]قارن مع العقد الفريد 4/314 و ابن الأعثم 2/308.

[ (2) ]في نهج البلاغة: لسلطان غالب و لا لعرض حاضر.

[ (3) ]يعني خلافته.

[ (4) ]زيد في ابن الأعثم 2/301 و اسبلي عليك بسترك، و السلام.

91

نفسك منه حاجة، فامض لأمرك، أما أنت فلست راضيا دون‏دخولنا في طاعتك، و لسنا بداخلين فيها أبدا، فاقض ما أنت قاض.

و كتبت عائشة: جل الأمر عن العتاب، و السلام.

قال: و رجعت رسل علي من البصرة. فمنهم من أجابه و أتاه، و منهم من لحق بعائشة و طلحة و الزبير، و بعث الأحنف بن قيس إلى علي: إن شئت أتيتك في مائتي رجل من أهل بيتي، و إن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف‏[ (1) ]،

فأرسل إليه علي: بل كف عني أربعة آلاف سيف، و كفى بذلك ناصرا.

فجمع الأحنف بني تميم، فقال: يا معشر بني تميم، إن ظهر أهل البصرة فهم إخوانكم و إن ظهر علي فلن يهيجكم، و كنتم قد سلمتم. فكف بنو تميم، و لم يخرجوا إلى أحد الفريقين. قال: و لما كتب علي إلى طلحة و الزبير أتى زمعة بن الأسود إلى طلحة و الزبير. فقال لهما: إن عليا قد أكثر إليكما الرسل، كأنه طمع فيكما، و أطمعتماه في أنفسكما، فاتقيا اللََّه إن كنتما بايعتماه طائعين، و اتقيا اللََّه علينا و على أنفسكما، فإن اللبن في الضرع، و متى يحلب لا يرجع، و إن كنتما بايعتماه مكرهين فاخرقا هذا الوطب، و ادفعا هذا اللبن، فما أغنانا عن هذه الكتب و الرسل. قال: فخرج طلحة و الزبير و عائشة، و هي على جمل عليه هودج، قد ضرب عليه صفائح الحديد، فبرزوا حتى خرجوا من الدور و من أفنية البصرة، فلما تواقفوا للقتال، أمر علي مناديا ينادي من أصحابه لا يرمين أحد سهما و لا حجرا، و لا يطعن برمح حتى أعذر إلى القوم، فأتخذ عليهم الحجة.

قال: فكلم علي طلحة و الزبير قبل القتال،

فقال لهما: استحلفا عائشة بحق اللََّه و بحق رسوله على أربع خصال أن تصدق فيها: هل تعلم رجلا من قريش أولى مني باللََّه و رسوله، و إسلامي قبل كافة الناس أجمعين و كفايتي رسول اللََّه كفار العرب بسيفي و رمحي، و على براءتي من دم عثمان، و على أني لم أستكره أحدا على أني لم أكن أحسن قولا في عثمان منكما.

فأجابه طلحة جوابا غليظا، و رق له الزبير، ثم رجع علي إلى أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين، بم كلمت الرجلين؟

فقال علي: إن شأنهما لمختلف أما الزبير فقاده اللجاج، و لن يقاتلكم، و أما طلحة فسألته عن الحق فأجابني بالباطل، و لقيته باليقين، و لقيني [ (1) ]في الطبري: عشرة آلاف. و في رواية أخرى فكالأصل. (و انظر البداية و النهاية 7/267) .

92

بالشك، فو اللََّه ما نفعه حقي، و لا ضرني باطله، و هو مقتول غدا في الرعيل الأول.

قال: ثم خرج علي على بغلة رسول اللََّه الشهباء بين الصفين، و هو حاصر،

فقال: أين الزبير؟فخرج إليه، حتى إذا كانا بين الصفين اعتنق كل واحد منهما صاحبه و بكيا، ثم قال علي: يا عبد اللََّه ما جاء بك هاهنا؟قال:

جئت أطلب دم عثمان. قال علي: تطلب دم عثمان، قتل اللََّه من قتل عثمان، أنشدك اللََّه يا زبير، هل تعلم أنك مررت بي و أنت مع رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و هو متكئ على يدك فسلّم عليّ رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و ضحك إليّ، ثم التفت إليك، فقال لك: يا زبير، إنك تقاتل عليا و أنت له ظالم؟قال: اللََّهمّ نعم‏[ (1) ]. قال علي: فعلام تقاتلني؟قال الزبير: نسيتها و اللََّه، و لو ذكرتها ما خرجت إليك، و لا قاتلتك فانصرف علي إلى أصحابه، فقالوا: يا أمير المؤمنين مررت إلى رجل في سلاحه و أنت حاسر، قال علي:

أ تدرون من الرجل؟قالوا: لا. قال: ذلك الزبير ابن صفية عمة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم. أما إنه قد أعطى اللََّه عهدا أنه‏لا يقاتلكم، إني ذكرت له حديثا قاله رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقال: لو ذكرته ما أتيتك.

فقالوا: الحمد للََّه يا أمير المؤمنين، ما كنا نخشى في هذا الحرب غيره. و لا نتقي سواه. إنه لفارس رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم و حواريه، و من عرفت شجاعته و بأسه و معرفته بالحرب، فإذا قد كفاناه اللََّه فلا نعد من سواه إلا صرعى حول الهودج.

رجوع الزبير عن الحرب‏

قال: و ذكروا أن الزبير دخل على عائشة[ (2) ]، فقال: يا أماه، ما شهدت موطنا قط في الشرك و لا في الإسلام إلا ولي فيه رأي و بصيرة غير هذا الموطن، فإنه لا رأي لي فيه، و لا بصيرة، و إني لعلى باطل. قالت عائشة: يا أبا عبد اللََّه، خفت سيوف بني عبد المطلب؟فقال: أما و اللََّه إن سيوف بني عبد المطلب [ (1) ]رواه ابن كثير في البداية 7/268 من عدة طرق. و البيهقي في الدلائل 6/414 و قال: هذا مرسل و قد روي من وجه آخر موصولا. و الطبري 5/200 و ابن الأعثم 2/310 و مروج الذهب 2/400-401.

[ (2) ]كذا بالأصل و ابن الأعثم و الطبري، و في رواية أخرى عند الطبري، أنه عاد إلى ابنه عبد اللََّه. ـ

93

طوال حداد، يحملها فتية أنجاد. ثم قال لابنه عبد اللََّه: عليك بحزبك‏[ (1) ]، أما أنا فراجع إلى بيتي. فقال له ابنه عبد اللََّه: الآن حين التقت حلقتا البطان‏[ (2) ]، و اجتمعت الفئتان؟و اللََّه لا نغسل رءوسنا منها، فقال الزبير لابنه: لا تعد هذا مني جبنا، فو اللََّه ما فارقت أحدا في جاهلية و لا إسلام، قال: فما يردك؟قال:

يردني ما إن علمته كسرك. فقام بأمر الناس عبد اللََّه بن الزبير[ (3) ].

قتل الزبير بن العوام‏

قال: و ذكروا أن الزبير لما انصرف راجعا إلى المدينة أتاه ابن جرموز، فنزل به‏[ (4) ]، فقال: يا أبا عبد اللََّه، أحييت حربا ظالما أو مظلوما ثم تنصرف؟ أ تائب أنت أم عاجز؟فسكت عنه، ثم عاود، فقال له: يا أبا عبد اللََّه، حدثني عن خصال خمس أسألك عنها. فقال: هات. قال: خذلك عثمان، و بيعتك عليا، و إخراجك أم المؤمنين. و صلاتك خلف ابنك، و رجوعك عن الحرب. فقال الزبير: نعم أخبرك، أما خذلي عثمان فأمر قدر اللََّه فيه الخطيئة و أخر التوبة. و أما بيعتي عليا فو اللََّه ما وجدت من ذلك بدا، حيث بايعه المهاجرون و الأنصار و خشيت القتل، و أما إخراجنا أمنا عائشة فأردنا أمرا و أراد اللََّه غيره، و أما صلاتي خلف ابني فإنما قدمته عائشة أم المؤمنين و لم يكن لي دون صاحبي أمر، و أما رجوعي عن هذه الحرب فظن بي ما شئت غير الجبن. فقال ابن جرموز: وا لهفاه على ابن صفية، أضرمها نارا ثم أراد أن يلحق بأهله، قتلني اللََّه إن لم أقتله، ثم أتاه فقال له: يا أبا عبد اللََّه كالمستنصح له، إن دون أهلك فيافي، فخذ نجيبي هذا، و خل فرسك و درعك، فإنّهما شاهدتان عليك بما تكره. فقال الزبير: انظر في ذلك ليلتي، ثم ألح عليه في فرسه و درعه فلم يزل حتى أخذهما منه، و إنما أراد ابن جرموز أن يلقاه حاسرا، لما علم بأسه، ثم أتى ابن جرموز الأحنف بن [ (1) ]في نسخة: بحربك.

[ (2) ]البطان: الحزام الّذي يشد على البطن.

[ (3) ]الخبر رواه الطبري 5/200 و 204 و ابن الأعثم 2/310 و ابن كثير 7/269 و مروج الذهب 2/400-401. باختلاف.

[ (4) ]و هو بوادي السباع، و كان الزبير قد نزل على قوم من بني تميم. و في البداية و النهاية 7/277 اتبعه عمرو بن جرموز و فضالة بن حابس و نفيع في طائفة من غواة بني تميم، و يقال أدركه ابن جرموز.

و هذا القول هو الأشهر.

94

قيس، فسارّه بمكان الزبير عنده و بقوله، فقال له الأحنف: اقتله قتله اللََّه مخادعا، و أتى الزبير رجل من كلب، فقال له: يا أبا عبد اللََّه، أنت لي صهر، و ابن جرموز لم يعتزل هذه الحرب مخافة اللََّه، و لكنه كره أن يخالف الأحنف، و قد ندم الأحنف على خذله عليا، و لعله أن يتقرب بك إليه، و قد أخذ منك درعك و فرسك، و هذا تصديق ما قلت لك، فبت عندي الليلة ثم اخرج بعد نومه، فإنك أن فتهم لم يطلبوك. فتهاون بقوله، ثم بدا له فقال له: فما ترى يا أخا كلب؟ قال: أرى أن ترجع إلى فرسك و درعك فتأخذهما، فإن أحدا من الناس لا يقدم عليك و أنت فارس أبدا، فأصبح الزبير غاديا، و سار معه ابن جرموز و قد كفر[ (1) ] على الدرع فلما انتهى إلى وادي السباع استغفله فطعنه، ثم رجع برأسه و سلبه إلى قومه، فقال له رجل من قومه: يا بن جرموز، فضحت و اللََّه اليمن بأسرها، قتلت الزبير رأس المهاجرين، و رأس رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و حواريه، و ابن عمته، و اللََّه لو قتلته في حرب لعز ذلك علينا، و لمسنا عارك، فكيف في جوارك و ذمتك؟و اللََّه ليزيدنك على أن يبشرك بالنار. فغضب ابن جرموز و قال: و اللََّه ما قتلته إلا له، و و اللََّه ما أخاف فيه قصاصا، و لا أرهب فيه قرشيا، و إن قتله عليّ لهين‏[ (2) ].

مخاطبة علي لطلحة بين الصفين‏

قال: و ذكروا أن عليا نادى طلحة بعد انصراف الزبير، فقال له: يا أبا محمد ما جاء بك؟قال: أطلب دم عثمان. قال علي: قتل اللََّه من قتله، قال طلحة: فحل بيننا و بين من قتل عثمان، أما تعلم أن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم قال: إنما يحل دم المؤمن في أربع خصال، زان فيرجم، أو محارب للََّه، أو مرتد عن الإسلام، أو مؤمن يقتل مؤمنا عمدا. فهل تعلم أن عثمان أتى شيئا من ذلك؟فقال علي: لا. قال طلحة: فأنت أمرت بقتله. قال علي:

[ (1) ]يعني لبس على الدرع سترا (الكفر: الستر) أو ثوبا فستره به.

[ (2) ]المشهور أن ابن جرموز بعد ما قتل الزبير احتز رأسه و أخذ سلاحه و فرسه و خاتمه ثم جاء به بين يدي علي..

فأخذ علي سيفه و قال لابن جرموز: ويحك فإنّي سمعت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار.

فانصرف ابن جرموز و هو يقول:

أتيت عليا برأس الزبير # و قد كنت أرجو به الزلفة

فبشر بالنار قبل العيان # و بئس بشارة ذي النحفة

95

اللََّهمّ لا. قال طلحة: فاعتزل هذا الأمر، و نجعله شورى بين المسلمين، فإن رضوا بك دخلت فيما دخل فيه الناس، و إن رضوا غيرك كنت رجلا من المسلمين. قال علي: أو لم تبايعني يا أبا محمد طائعا غير مكره؟فما كنت لأترك بيعتي. قال طلحة: بايعتك و السيف في عنقي. قال: أ لم تعلم أني ما أكرهت أحدا على البيعة، و لو كنت مكرها أحدا لأكرهت سعدا و ابن عمر و محمد بن مسلمة، أبو البيعة، و اعتزلوا، فتركتهم. قال طلحة: كنا في الشورى ستة، فمات اثنان و قد كرهناك، و نحن ثلاثة، قال علي: إنما كان لكما ألا ترضيا قبل الرضى و قبل البيعة. و أما الآن فليس لكما غير ما رضيتما به، إلاأن تخرجا مما بويعت عليه بحدث، فإن كنت أحدثت حدثا فسموه لي. و أخرجتم أمكم عائشة، و تركتم نساءكم، فهذا أعظم الحدث منكم أ رضى هذا لرسول اللََّه أن تهتكوا سترا ضربه عليها، و تخرجوها منه؟فقال طلحة: إنما جاءت للإصلاح.

قال علي: هي لعمر اللََّه إلى من يصلح لها أمرها أحوج، أيها الشيخ أقبل النصح و ارض بالتوبة مع العار. قبل أن يكون العار و النار.

التحام الحرب‏

قال: و ذكروا أنه بينما الناس وقوف إذ رمي رجل من أصحاب علي، فجي‏ء به إلى علي، فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذا أخونا قد قتل.

فقال علي: أعذروا إلى القوم‏[ (1) ]. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: إلى متى؟قد و اللََّه أعذرنا و أعذرت إن كنت تريد الإعذار، و اللََّه لتأذنن لنا في لقاء القوم أو لننصرفن إلى متى تستهدف نحورنا للقتال و السلاح، يقتلوننا رجلا رجلا؟فقال علي: قد و اللََّه أرانا أعذرنا. أين محمد ابني؟فقال: ها أنا ذا. فقال: أي بني، خذ الراية، فابتدر الحسن و الحسين ليأخذاها، فأخرهما عنها، و كان علي يؤخرهما شفقة عليهما، فأخذ محمد الراية، ثم قام علي، فركب بغلة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، ثم دعا بدرع رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فلبسها، ثم قال:

احزموني، فحزم بعمامة أسفل من سرته، ثم خرج و كان عظيم البطن، فقال لابنه: تقدم و تضعضع الناس حين سمعوا به قد تحرك، فبينما هم كذلك إذ [ (1) ]و كان أهل البصرة قد جعلوا يرمون أصحاب علي بالنبل حتى عقروا منهم جماعة، فقالت الناس:

يا أمير المؤمنين إنه قد عقرتنا نبالهم فما انتظارك؟ (انظر مروج الذهب 2/400) .

96

سمعوا صوتا، فقال علي: ما هذا؟فقيل: عائشة تلعن قتلة عثمان. فقال علي و رفع بصره إلى السماء: لعن اللََّه قتلة عثمان في السهل و الجبل، و قد كان علي عبأ الناس أثلاثا،

فجعل مصر قلب العسكر، و اليمن ميمنته، و ربيعة ميسرته، و عبأ أهل البصرة مثل ذلك، فاقتتل القوم قتالا شديدا، فهزمت يمن البصرة يمن علي، و هزمت ربيعة البصرة ربيعة علي،

قال حية بن جهين: نظرت إلى علي و هو يخفق نعاسا فقلت له: تاللََّه ما رأيت كاليوم قط، إن بإزائنا لمائة ألف سيف، و قد هزمت ميمنتك و ميسرتك، و أنت تخفق نعاسا، فانتبه و رفع يديه، و قال:

اللََّهمّ إنك تعلم أني ما كتبت في عثمان سوادا في بياض، و أن الزبير و طلحة ألبا و أجلبا عليّ الناس، اللََّهمّ أولانا بدم عثمان فخذه اليوم. ثم تقدم علي فنظر إلى أصحابه يهزمون و يقتلون فلما نظر إلى ذلك صاح بابنه محمد و معه الراية، أن اقتحم، فأبطأ و ثبت، فأتى علي من خلفه، فضربه بين كتفيه، و أخذ الراية من يده، ثم حمل، فدخل عسكرهم و إن الميمنتين و الميسرتين تضطربان، في إحداهما عمار، و في الأخرى عبد اللََّه بن عباس، و محمد بن أبي بكر، قال: فشق علي في عسكر القوم يطعن و يقتل، ثم خرج و هو يقول: الماء الماء، فأتاه رجل بإداوة فيها عسل فقال له: يا أمير المؤمنين، أما الماء فإنه لا يصلح لك في هذا المقام، و لكن أذوقك هذا العسل فقال: هات، فحسا منه حسوة، ثم قال: إن عسلك لطائفي، قال الرجل: لعجبا منك و اللََّه يا أمير المؤمنين، لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم، و قد بلغت القلوب الحناجر. فقال له علي: إنه و اللََّه يا بن أخي ما ملأ صدر عمك شي‏ء قط، و لا هابه شي‏ء ثم أعطى الراية لابنه، و قال: هكذا فاصنع،

فتقدم محمد بالراية و معه الأنصار حتى انتهى إلى الجمل و الهودج‏و هزم ما يليه، فاقتتل الناس ذلك اليوم قتالا شديدا حتى كانت الواقعة و الضرب على الركب و حمل الأشتر النخعي و هو يريد عائشة، فلقيه عبد اللََّه بن الزبير[ (1) ]، فضربه، و اعتنقه عبد اللََّه فصرعه، و قعد على صدره، ثم نادى عبد اللََّه: اقتلوني و مالكا[ (2) ]. فلم يدر الناس من مالك فانفلت الأشتر منه، [ (1) ]قيل للأشتر ما أخرجك بالبصرة و قد كنت كارها لقتل عثمان؟قال: هؤلاء بايعوا ثم نكثوا و كان ابن الزبير هو الّذي أكره عائشة على الخروج فكنت أدعو اللََّه أن يلقينيه فلقيني كفة لكفة.

[ (2) ]في رواية في الطبري عن علقمة عن الأشتر أن الّذي قال ذلك هو عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد لما صرعا بعضهما. و في رواية أخرى فكالأصل: و فيه: «و لو قال و الأشتر و كانت له ألف ألف نفس ما نجا منها شي‏ء و ما زال يضطرب في يدي عبد اللََّه حتى أفلت» .

97

فلما رأى كعب بن سور الهزيمة، أخذ بخطام البعير، و نادى: أيها الناس، اللََّه اللََّه، فقاتل و قاتل الناس معه، و عطفت الأزد على الهودج، و أقبل علي و عمار و الأشتر و الأنصار معهم يريدون الجمل فاقتتل القوم حوله، حتى حال بينهم الليل و كانوا كذلك يروحون و يغدون على القتال سبعة أيام، و إن عليا خرج إليهم بعد سبعة أيام فهزمهم، فلما رأى طلحة ذلك رفع يديه إلى السماء. و قال:

اللََّهمّ إن كنا قد داهنا في أمر عثمان و ظلمناه فخذ له اليوم منا حتى ترضى، قال:

فما مضى كلامه حتى ضربه مروان ضربة أتى منها على نفسه‏[ (1) ]، فخر و ثبتت عائشة، و حماها مروان في عصابة من قيس و من كنانة و بني أسد، فأحدق بهم علي بن أبي طالب، و مال الناس إلى علي، و كلما وثب رجل يريد الجمل ضربه مروان بالسيف، و قطع يده، حتى قطع نحو عشرين يدا من أهل المدينة و الحجاز و الكوفة، حتى أتي مروان من خلفه، فضرب ضربة فوقع، و عرقب الجمل الّذي عليه عائشة[ (2) ]. و انهزم الناس، و أسرت عائشة، و أسر مروان بن الحكم و عمرو بن عثمان، و موسى بن طلحة، و عمرو بن سعيد بن العاص، فقال عمار لعلي: يا أمير المؤمنين، اقتل هؤلاء الأسرى.

فقال علي: لا أقتل أسير أهل القبلة إذا رجع و نزع.

فدعا علي بموسى بن طلحة، فقال الناس: هذا أول قتيل يقتل، فلما أتى به علي قال: تبايع و تدخل فيما دخل فيه الناس؟

قال: نعم. فبايع و بايع الجميع و خلى سبيلهم، و سأل الناس عليا ما كان عرض عليهم قبل ذلك فأعطاه،

ثم أمر المنادي فنادى: لا يقتلن مدبر، و لا يجهز على جريح، و لكم ما في عسكرهم و على نسائهم العدة، و ما كان لهم من مال في أهليهم فهو ميراث على فرائض اللََّه، فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تحل لنا أموالهم، و لا تحل لنا نساؤهم و لا أبناؤهم؟فقال: لا يحل ذلك لكم. فلما أكثروا عليه في ذلك. قال: اقترعوا، هاتوا بسهامكم ثم قال: أيكم يأخذ أمكم عائشة في سهمه؟ [ (1) ]قيل في قتله: أنه أتاه سهم غرب، و قيل رماه مروان بسهم مسموم فأصابه به.

و في موضع إصابته قيل: وقع في ركبته، و قيل في رقبته، و قيل في أكحله.

انظر في ذلك الطبري 5/204 و مروج الذهب 2/403 تاريخ خليفة ص 185 سير أعلام النبلاء 1/26 فتوح ابن الأعثم 2/326 البداية و النهاية 7/275 ابن الأثير 2/337.

[ (2) ]عقر الجمل رجل من بني ضبة يقال له ابن دلجة عمرو أو بجير (رواية الطبري) و في الأخبار الطوال: كشف عرقوبه رجل من مراد يقال له أعين بن ضبيعة، و قال ابن الأعثم: عرقبه من رجليه عبد الرحمن بن صرد التنوخي.

98

فقالوا: نستغفر اللََّه. فقال: و أنا أستغفر اللََّه.

قال: ثم إن عليا مر بالقتلى، فنظر إلى محمد بن طلحة و هو صريع في القتلى، و كان يسمى السجاد، لما بين عينيه من أثر السجود.

فقال: رحمك اللََّه يا محمد، لقد كنت في العبادة مجتهدا آناء الليل قواما، و في الحرور صواما، ثم التفت إلى من حوله فقال: هذا رجل قتله بر أبيه‏

فاختلفوا في طلحة و ابنه محمد أيهما قتل قبل؟فشهدت عائشة لمحمد أنها رأته بعد قتل أبيه، فورثوا ولده في مال طلحة. قال: و أتى محمد بن أبي بكر، فدخل على أخته عائشة رضي اللََّه عنها، قال لها:

أما سمعت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول: علي مع الحق، و الحق مع علي؟

ثم خرجت تقاتلينه بدم عثمان، ثم دخل عليهما علي فسلّم و

قال: يا صاحبة الهودج، قد أمرك اللََّه أن تقعدي في بيتك، ثم خرجت تقاتلين. أ ترتحلين؟قالت: أرتحل.

فبعث معها علي رضي اللََّه عنه أربعين امرأة[ (1) ]، و أمرهن أن يلبسن العمائم، و يتقلدن السيوف، و أن يكن من الذين يلينها، و لا تطلع على أنهن نساء، فجعلت عائشةتقول في الطريق فعل اللََّه في ابن أبي طالب و فعل، بعث معي الرجال، فلما قدمن المدينة وضعن العمائم و السيوف، و دخلن عليها. فقالت:

جزى اللََّه ابن أبي طالب الجنة. قال: و دفن طلحة في ساحة البصرة[ (2) ]، فأتى عائشة[ (3) ]في المنام. فقال: حوليني من مكاني، فإن البرد قد آذاني فحولته‏[ (4) ].

و قال عبد اللََّه بن الزبير: أمسيت يوم الجمل و في بضع و ثلاثون بين ضربة و طعنة، و ما رأيت مثل يوم الجمل قط، ما ينهزم منا أحد و لا يأخذ أحد منا بخطام الجمل إلا قتل أو قطعت يده، حتى ضاع الخطام من يد بني ضبة، فعقر الجمل. قال:

دخل موسى بن طلحة على علي،

فقال له علي: إني لأرجو أن أكون أنا و أبوك ممن قال اللََّه فيهم: وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوََاناً عَلى‏ََ سُرُرٍ مُتَقََابِلِينَ

[الحجر 47]و أمسى علي بالبصرة ذلك اليوم الّذي أتاه فيه موسى بن طلحة، فقال ابن الكواء: أمسيت بالبصرة يا أمير المؤمنين؟فقال: كان عندي ابن أخي. قال: و من هو؟قال: موسى بن طلحة. فقال ابن الكواء: لقد شقينا [ (1) ]في مروج الذهب: عشرين امرأة 2/410.

[ (2) ]دفن في مكان يقال له السبخة. و في البداية و النهاية: دفن إلى جانب الكلإ. و في العقد الفريد:

في عرصة بالبصرة.

[ (3) ]يريد عائشة بنت طلحة.

[ (4) ]الخبر في العقد الفريد: اشترت عرصة بالبصرة و دفنته بها.

99

إن كان ابن أخيك.

فقال علي: ويحكم، إن اللََّه قد اطلع على أهل بدر، فقال:

اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ثم قال ابن الكواء: يا أمير المؤمنين، من أخبرك بمسيرك هذا الّذي سرت فيه، تضرب الناس بعضهم ببعض، و تستولي بالأمر عليهم؟أ رأي رأيته حين تفرقت الأمة، و اختلفت الدعوة، فرأيت أنك أحق بهذا الأمر منهم لقرابتك؟فإن كان رأيا رأيته أجبناك فيه، و إن كان عهدا عهده إليك رسول اللََّه فأنت الموثوق به، المأمون على رسول اللََّه فيما حدثت عنه.

فقال علي: أنا أول من صدقه فلا أكون أول من كذب عليه. أما أن يكون عندي عهد من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم‏فلا و اللََّه، و لكن لما قتل الناس عثمان نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها من رسول اللََّه قد هلكا و لا عهد لهما، و إذا الخليفة الّذي أخذها بمشورة المسلمين قد قتل، و خرجت ربقته من عنقي، لأنه قتل و لا عهد له، قال ابن الكواء: صدقت و بررت، و لكن ما بال طلحة و الزبير؟و لم استحللت قتالهما و قد شاركاك في الهجرة مع رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و في الشورى مع عمر بن الخطاب؟قال علي:

بايعاني بالحجاز[ (1) ]، ثم خالفاني بالعراق، فقاتلتهما على خلافهما، و لو فعلا ذلك مع أبي بكر و عمر لقاتلاهما.

مبايعة أهل الشام معاوية بالخلافة

قال: و ذكروا أن النعمان بن بشير لما قدم على معاوية بكتاب زوجة عثمان، تذكر فيه دخول القوم عليه، و ما صنع محمد بن أبي بكر من نتف لحيته، في كتاب قد رققت فيه و أبلغت، حتى إذا سمعه السامع بكى حتى يتصدع قلبه، و بقميص عثمان مخضبا بالدم ممزقا، و عقدت شعر لحيته في زر القميص. قال: فصعد المنبر معاوية بالشام، و جمع الناس، و نشر عليهم القميص، و ذكر ما صنعوا بعثمان، فبكى الناس و شهقوا، حتى كادت نفوسهم أن تزهق، ثم دعاهم إلى الطلب بدمه، فقام إليه أهل الشام، فقالوا: هو ابن عمك، و أنت وليه، و نحن الطالبون معك بدمه، فبايعوه أميرا عليهم، و كتب و بعث الرسل إلى كور[ (2) ]الشام، و كتب إلى شرحبيل بن السمط الكندي و هو[ (3) ] [ (1) ]في العقد الفريد: بالمدينة.

[ (2) ]ذكر الخبر في العقد الفريد أن ذلك كان يوم صفين 4/303 باختلاف و زيادة.

[ (3) ]نص الكتاب في العقد الفريد 4/300.

100

بحمص، يأمره أن يبايع له بحمص كما بايع أهل الشام، فلما قرأ شرحبيل كتاب معاوية دعا أناسا من أشراف أهل حمص، فقال لهم: ليس من قتل عثمان بأعظم جرما ممن يبايع لمعاوية أميرا، و هذه سقطة، و لكنا نبايع له بالخلافة، و لا نطلب بدم عثمان مع غير خليفة. فبايع لمعاوية بالخلافة هو و أهل حمص، ثم كتب إلى معاوية: أما بعد: فإنك أخطأت خطأ عظيما، حين كتبت إلي أن أبايع لك بالإمرة، و أنك تريد أن تطلب بدم الخليفة المظلوم و أنت غير خليفة، و قد بايعت و من قبلي لك بالخلافة. فلما قرأ معاوية كتابه سره ذلك، و دعا الناس، و صعد المنبر، و أخبرهم بما قال شرحبيل، و دعاهم إلى بيعته بالخلافة، فأجابوه، و لم يختلف منهم أحد، فلما بايع القوم له بالخلافة، و استقام له الأمر، كتب إلى علي:

كتاب معاوية إلى عليّ‏

سلام اللََّه على من اتبع الهدى. أما بعد، فإنا كنا نحن و إياكم يدا جامعة، و ألفة أليفة، حتى طمعت يا بن أبي طالب فتغيرت، و أصبحت تعد نفسك قويا على من عاداك. بطعام أهل الحجاز، و أوباش أهل العراق و حمقى الفسطاط و غوغاء السواد و ايم اللََّه لينجلين عنك حمقاها، و لينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء. قتلت عثمان بن عفان، و رقيت سلما أطلعك اللََّه عليه مطلع سوء عليك لا لك. و قتلت الزبير و طلحة، و شردت بأمك عائشة، و نزلت بين المصريين فمنيت و تمنيت، و خيل لك أن الدنيا قد سخرت لك بخيلها و رجلها و إنما تعرف أمنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الإسلام، فيحيطون بك من ورائك، ثم يقضي اللََّه علمه فيك، و السلام على أولياء اللََّه.

رد الإمام عليّ على معاوية

فأجابه علي: أما بعد، فقدر الأمور تقدير من ينظر لنفسه دون جند، و لا يشتغل بالهزل من قوله، فلعمري لئن كانت قوتي بأهل العراق، أوثق عندي من قوتي باللََّه و معرفتي به فليس عنده باللََّه تعالى يقين من كان على هذا، فناج نفسك مناجاة من يستغني بالجد دون الهزل، فإن في القول سعة، و لن يعذر مثلك فيما طمح إليه الرجال. و أما ما ذكرت من أنا كنا و إياكم يدا جامعة[ (1) ]فكنا [ (1) ]في النهج: ما ذكرت من الألفة و الجماعة. ـ

101

كما ذكرت، ففرق بيننا و بينكم أن اللََّه بعث رسوله منا، فآمنا به و كفرتم، ثم زعمت أني قتلت طلحة و الزبير، فذلك أمر غبت عنه و لم تحضره، و لو حضرته لعلمته، فلا عليك، و لا العذر فيه إليك، و زعمت أنك زائري في المهاجرين، و قد انقطعت الهجرة حين أسر أخوك‏[ (1) ]، فإن يك فيك عجل فاسترفه‏[ (2) ]و إن أزرك فجدير أن يكون اللََّه بعثني عليك للنقمة منك، و السلام.

قدوم عقيل بن أبي طالب على معاوية

قال: و ذكروا أن‏

عقيل بن أبي طالب قدم على أخيه علي بالكوفة، فقال له علي: مرحبا بك و أهلا. ما أقدمك يا أخي؟قال: تأخر العطاء عنا، و غلاء السعر ببلدنا، و ركبني دين عظيم، فجئت لتصلني. فقال علي: و اللََّه ما لي مما ترى شيئا إلا عطائي، فإذا خرج فهو لك. فقال عقيل: و إنما شخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك؟و ما ذا يبلغ مني عطاؤك؟و ما يدفع من حاجتي؟فقال علي: فمه!هل تعلم لي مالا غيره؟أم تريد أن يحرقني اللََّه في نار جهنم في صلتك بأموال المسلمين؟فقال عقيل: و اللََّه لأخرجن إلى رجل هو أوصل لي منك: «يريد معاوية» ، فقال له علي: راشدا مهديا.

فخرج عقيل!حتى أتى معاوية. فلما قدم عليه، قال له معاوية: مرحبا و أهلا بك يا بن أبي طالب، ما أقدمك علي؟فقال: قدمت عليك لدين عظيم ركبني، فخرجت إلى أخي ليصلني، فزعم أنه ليس له مما يلي إلا عطاؤه، فلم يقع ذلك مني موقعا، و لم يسد مني مسدا، فأخبرته أني سأخرج إلى رجل هو أوصل منه لي، فجئتك.

فازداد معاوية فيه رغبة، و قال: يا أهل الشام هذا سيد قريش، و ابن سيدها، عرف الّذي فيه أخوه من الغواية و الضلالة، فأثاب إلى أهل الدعاء إلى الحق، و لكني أزعم أن جميع ما تحت يدي لي، فما أعطيت فقربة إلى اللََّه، و ما أمسكت فلا جناح علي فيه فأغضب كلامه عقيلا لما سمعه ينتقص أخاه، فقال:

صدقت خرجت من عند أخي على هذا القول، و قد عرفت من في عسكره، لم أفقد و اللََّه رجلا من المهاجرين و الأنصار، و لا و اللََّه ما رأيت في عسكر معاوية رجلا من أصحاب النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم. فقال معاوية عند ذلك: يا [ (1) ]إثارة إلى أسر أخيه عمرو بن أبي سفيان يوم بدر.

[ (2) ]استرفه فعل أمر أي استرح و لا تستعجل.

102

أهل الشام، أعظم الناس من قريش عليكم حقا ابن عم النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم، و سيد قريش، و ها هو ذا تبرأ إلى اللََّه مما عمل به أخوه. قال: و أمر له معاوية بثلاث مائة ألف دينار، قال له: هذه مائة ألف تقضي بها ديونك، و مائة ألف تصل بها رحمك، و مائة ألف توسع بها على نفسك‏[ (1) ].

نعي عثمان بن عفان إلى معاوية

قال عبد اللََّه بن مسلّم: و ذكر ابن عفير، عن عون بن عبد اللََّه بن عبد الرحمن الأنصاري، قال‏[ (2) ]: قدم الحجاج بن خزيمة الشام بكتاب معاوية:

بعد قتل عثمان بأيام، فقال له: أ تعرفني؟قال: نعم. أنت الحجاج بن خزيمة، فما وراءك؟فقال الحجاج: أنا النذير العريان. أنعي إليك أمير المؤمنين عثمان.

ثم قال: إني كنت ممن خرج معينا لعثمان مع يزيد بن أسد، فتقدمت إلى الرَّبَذَة فلقينا بها رجلا حدثنا عن قتل عثمان، و زعم أنه ممن قتله. فقتلناه. و إني أخبرك يا معاوية أنك تقوى على علي بدون ما يقوى به عليك، لأن من معك لا يقولون إذا قلت‏[ (3) ]. و لا يسألون إذا أمرت‏[ (4) ]، و لأن من مع علي يقولون إذا قال، و يسألون إذا أمر، فقليل ممن معك خير من كثير ممن معه. و اعلم أن عليا لا يرضيه إلا الرضى، و إن رضاه يسخطك، و لست و علي بالسواء، لا يرضى علي بالعراق دون الشام، و رضاؤك بالشام دون العراق.

قال: و ذكروا أنه لما فرغ من وقعة الجمل بايع له القوم جميعا، و بايع له أهل العراق، و استقام له الأمر بها

فكتب إلى معاوية: أما بعد، فإن القضاء السابق، و القدر النافذ، ينزل من السماء كقطر المطر، فتمضي أحكامه عز و جل، و تنفذ مشيئته بغير تحاب المخلوقين، و لا رضا الآدميين، و قد بلغك ما كان من قتل عثمان رحمه اللََّه، و بيعة الناس عامة إياي، و مصارع الناكثين لي فادخل فيما دخل الناس فيه، و إلا فأنا الّذي عرفت، و حولي من تعلمه، و السلام‏

[ (5) ].

[ (1) ]الخبر رواه المسعودي في مروج الذهب 3/44 باختلاف عما هنا.

[ (2) ]الخبر في الأخبار الطوال ص 155 و ابن الأعثم 2/265.

[ (3) ]في الأخبار الطوال: إذا سكت.

[ (4) ]في الأخبار الطوال: و يسكتون إذا نطقت.

[ (5) ]الكتاب في ابن الأعثم 2/352-353 باختلاف.

103

فلما قدم على معاوية كتاب علي مع الحجاج بن عدي الأنصاري، ألفاه و هو يخطب الناس بدمشق، فلما قرأه اغتم بذلك، و أسره عن أهل الشام، ثم قام الحجاج بن عدي خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: يا أهل الشام، إن أمر عثمان أشكل على من حضره، المخبر عنه كالأعمى، و السميع كالأصم، عابه قوم فقتلوه، و غدره قوم فلم ينصروه‏[ (1) ]، فكذبوا الغائب و اتهموا الشاهد و قد بايع الناس عليا على منبر رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم بيعة عامة، من رغب عنها رد إليها صاغرا داحرا، فانظروا في ثلاث و ثلاث، ثم اقضوا على أنفسكم:

أين الشام من الحجاز؟و أين معاوية من علي؟و أين أنتم من المهاجرين و الأنصار و التابعين لهم بالإحسان؟قال: فغضب معاوية لقوله و قال: يا حجاج، أنت صاحب زيد بن ثابت يوم الدار؟قال: نعم، فإن كان بلغك و إلا أحدثك، قال: هات. قال: أشرف علينا زيد بن ثابت، و كان مع عثمان في الدار، و قال:

يا معشر الأنصار، انصروا اللََّه (مرتين) ، فقلت: يا زيد، إنا نكره أن نلقى اللََّه فنقول كما قال القوم: رَبَّنََا إِنََّا أَطَعْنََا سََادَتَنََا وَ كُبَرََاءَنََا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ ، فقال معاوية: انصرف إلى علي، و أعلمه أن رسولي على إثرك.

ثم إن معاوية انتخب رجلا من عبس، و كان له لسان، فكتب معاوية إلى علي كتابا عنوانه: «من معاوية إلى علي، و داخله: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم لا غير» . فلما قدم الرسول دفع الكتاب إلى علي، فعرف علي ما فيه، و أن معاوية محارب له، و أنه لا يجيبه إلى شي‏ء مما يريد، و قام رسول معاوية خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: هل هاهنا أحد من ابنا قيس عيلان، و بني عبس و ذبيان؟قالوا: نعم، هو حولك، قال: فاسمعوا ما أقول لكم، يا معشر قيس، إني أحلف باللََّه لقد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ، خاضبين لحاهم من دموع أعينهم تحت قميص عثمان، رافعيه على الرماح مخضوبا بدمائه، قد أعطوا اللََّه عهدا أن لا يغمدوا سيوفهم، و لا يغمضوا جفونهم، حتى يقتلوا قتلة عثمان، يوصي به الميت الحي، و يرثه الحي من الميت، حتى و اللََّه نشأ عليه الصبي، و هاجر عليه الأعرابي، و ترك القوم تعس الشيطان، و قالوا: تعسا لقتلة عثمان، [ (1) ]يشير إلى موقف معاوية و تربصه بعثمان و عدم الاستعجال بنصرته، و قد تقدمت الإشارة إلى هذا الموقف.

104

و أحلف باللََّه ليأتينكم من خضر[ (1) ]الخيل اثنا عشر ألفا، فانظروا كم الشهب‏[ (2) ] و غيرها؟

فقال له علي: ما يريدون بذلك؟قال: يريدون بذلك و اللََّه خبط رقبتك.

فقال علي: تربت يداك، و كذب فوك، أما و اللََّه لو أن رسولا قتل لقتلتك.

فقام الصلت‏[ (3) ]بن زفر فقال: بئس وافد أهل الشام أنت و رائد أهل العراق، و نعم العون لعلي، و بئس العون لمعاوية، يا أخا عبس أتخوف المهاجرين و الأنصار بخضر الخيل، و غضب الرجال؟أما و اللََّه ما نخاف غضب رجالك، و لا خضر خيلك، فأما بكاء أهل الشام على قميص عثمان، فو اللََّه ما هو بقميص يوسف و لا بحزن يعقوب‏[ (4) ]، و لئن بكوا عليه بالشام، لقد خذلوه بالحجاز، و أما قتالهم عليا، فإن اللََّه يصنع في ذلك ما أحب. قال: و إن العبسيّ أقام بالعراق عند علي، حتى اتهمه معاوية، و لقيه المهاجرون و الأنصار فأشربوه حب علي، و حدثوه عن فضائله، حتى شك في أمره.

قدوم ابن عم عدي بن حاتم الشام‏

قال: و ذكروا أن عدي بن حاتم قدم إلى علي بالكوفة، قبل أن يسير إلى البصرة، فقال: يا أمير المؤمنين، لسنا نخاف أحدا إلا معاوية، و عندي رجل من قومي يريد أن يزور ابن عم له بالشام، يقال له حابس بن سعد، فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره و يكسر أهل الشام؟

فقال له علي: افعل، فأغروه بذلك،

فلما قدم على ابن عمه، و كان سيد طيِّئ بالشام، سأله فأخبره أنه شهد قتل عثمان بالمدينة المنورة، و سار مع علي إلى الكوفة، و كان له لسان و هيبة، فغدا به حابس إلى معاوية، فقال: هذا ابن عمي، قدم من الكوفة، و كان مع علي، و شهد قتل عثمان بالمدينة، و هو ثقة، فقال له معاوية: حدثنا عن أمر عثمان، قال: نعم وليه محمد بن أبي بكر، و عمار بن ياسر، و تجرد في أمره ثلاثة نفر، عدي بن حاتم، و الأشتر النخعي، و عمرو بن الحصين. و دب في أمره [ (1) ]الخيل الخضر التي في لونها غبرة مع سواد.

[ (2) ]الخيل الشهب: ذات اللون الأبيض.

[ (3) ]في ابن الأعثم 2/357 صلة بن زفر العبسيّ صاحب حذيفة بن اليمان.

[ (4) ]إشارة إلى قوله تعالى: وَ جََاؤُ عَلى‏ََ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قََالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اَللََّهُ اَلْمُسْتَعََانُ عَلى‏ََ مََا تَصِفُونَ و ذلك عند ما ألقى إخوة يوسف أخاهم في الجب، و جاءوا يخبرون أباهم بأن الذئب أكله. فحزن يعقوب على فقدان يوسف و ابيضت عيناه من الحزن.

105

رجلان: طلحة و الزبير. و أبرأ الناس منه علي بن أبي طالب، ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش، حتى ضلت النعل، و سقط الرداء، و وطئ الشيخ. و لم يذكر عثمان، و لم يذكروه، ثم تهيأ للمسير، فخف معه المهاجرون و الأنصار، و كره القتال معه ثلاثة نفر: عبد اللََّه بن عمر، و سعد بن أبي وقاص، و محمد بن مسلمة، فلم يستكره أحدا، و استغنى بمن خف عمن ثقل، ثم سار حتى انتهى إلى جبل طيِّئ، فأتاه منهم جماعة عظيمة، حتى إذا كان في بعض الطريق أتاه مسير طلحة و الزبير و عائشة إلى البصرة، فسرح رسله إلى الكوفة، فأجابوا دعوته، ثم قدمها، فحملوا إليه الصبي‏و دبت‏[ (1) ]إليه العجوز، و خرجت إليه العروس، فرحا به و سرورا و شوقا إليه‏[ (2) ]، ثم سار إلى البصرة، فبرز إليه القوم، طلحة و الزبير و أصحابهما، فلم يلبثوا إلا يسيرا، حتى صرعهم اللََّه، و أبرزهم إلى مضاجعهم، ثم صارت البصرة و ما حولها في كفة، قال: و تركته و ليس له هم إلا أنت و الشام. فانكسر معاوية لقوله، و قال: و اللََّه ما أظنه إلا عينا لعلي، أخرجوه لا يفسد أهل الشام. ثم قال معاوية: و كيف لا يضيع عثمان و يقتل و قد خذله أهل ثقاته، و أجمعوا عليه؟أما و اللََّه لئن بقينا لهم لندرسنهم‏[ (3) ] درس الجمال هشيم اليبيس‏[ (4) ].

استعمال علي عبد اللََّه بن عباس على البصرة

قال: و ذكروا أن عليا لما صار من البصرة بعد فراغه من أصحاب الجمل، استعمل عليها عبد اللََّه بن عباس‏[ (5) ]، و

قال له: أوصيك بتقوى اللََّه عز و جل، و العدل على من ولاك اللََّه أمره، اتسع للناس بوجهك و علمك و حكمك، و إياك و الإحن، فإنّها تميت القلب و الحق، و اعلم أن ما قربك من اللََّه بعدك من النار، و ما قربك من النار بعدك من اللََّه. اذكر اللََّه كثيرا و لا تكن من الغافلين.

[ (1) ]في فتوح ابن الأعثم: و دنت.

[ (2) ]إشارة إلى إجماع البيعة و اتفاق الكلمة على علي.

[ (3) ]لندرسنهم: لندوسهم بقسوة، و المعنى: لنقتلنهم.

[ (4) ]الخبر رواه ابن الأعثم باختلاف عما هنا. قارن به 2/360.

[ (5) ]قال ابن كثير في البداية و النهاية 7/274: إنه عرض البصرة على أبي بكر فامتنع و أشار عليه بابن عباس فولاه البصرة، و جعل معه زياد بن أبيه على الخراج و بيت المال. و أمر ابن عباس أن يسمع من زياد. (و انظر الطبري 5/224) .

106

فلم يلبث علي حين قدم الكوفة، و أراد المسير إلى الشام، أن انضم إليه ابن عباس، و استعمل على البصرة زياد بن أبي سفيان.

ما أشار به الأحنف بن قيس على عليّ‏

قال: و ذكروا أن الأحنف بن قيس قام إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، إنه إن يك بنو سعد[ (1) ]لم ينصروك يوم الجمل، فلن ينصروا عليك غيرك، و قد عجبوا ممن نصرك يومئذ، و عجبوا اليوم ممن خذلك، لأنهم شكوا في طلحة و الزبير، و لم يشكوا في عمرو و معاوية، و إن عشيرتنا بالبصرة فلو بعثنا إليهم فقدموا علينا، فقاتلنا بهم العدو، و انتصفنا بهم من الناس، و أدركوا اليوم ما فاتهم أمس، و هذا جمع قد حشره اللََّه عليك بالتقوى، لم نستكره شاخصا، و لم نشخص فيه مقيما، و من كان معك نافعك، و رب مقيم خير من شاخص. و إنما نشوب الرجاء بالمخافة، و و اللََّه‏لوددنا أن أمواتنا رجعوا إلينا، فاستعنا بهم على عدونا، و ليس لك إلا من كان معك، و لنا من قومنا عدد، و لا نلقى بهم عدوا أعدى من معاوية، و لا نسد بهم ثغرا أشد من الشام.

كتاب الأحنف إلى قومه يدعوهم به إلى نصرة عليّ‏

قال: و ذكروا

أن عليا قال للأحنف بن قيس: اكتب إلى قومك.

قال:

نعم. فكتب الأحنف إلى بني سعد: أما بعد، فإنه لم يبق أحد من بني تميم إلا و قد شقوا[ (2) ]برأي سيدهم غيركم، و عصمكم اللََّه برأيي، حتى نلتم ما رجوتم، و أمنتم مما خفتم، و أصبحتم منقطعين من أهل البلاء، لاحقين بأهل العافية، و إني أخبركم أنا قدمنا على تميم بالكوفة، فأخذوا علينا بفضلهم مرتين: مسيرهم إلينا مع علي، و تهيئهم للمسير إلى الشام، ثم انحشرنا معهم، فصرنا كأنا لا نعرف إلا بهم، فأقبلوا إلينا، و لا تتكلوا علينا، فإن لهم أعدادنا من رؤسائهم فلا تبطئوا عنا، فإن من تأخير العطاء حرمانا، و من تأخير النصر خذلانا. فحرمان العطاء القلة، و خذلان النصر الإبطاء و لا تنقضي الحقوق إلا بالرضا و قد يرضى المضطر بدون الأمل.

[ (1) ]و هم بنو سعد بن زيد مناة بن تميم.

[ (2) ]في ابن الأعثم 2/372 أخذوا.