الإمامة و السياسة - ج1

- ابن قتيبة المزيد...
243 /
107

فلما انتهى كتاب الأحنف إلى بني سعد، ساروا بجماعتهم، حتى نزلوا الكوفة.

كتاب أهل العراق إلى مصقلة

[ (1) ] قال: و ذكروا أنه قام إلى علي بعد انصرافه من البصرة إلى الكوفة، وجوه بكر بن وائل، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن نعيما أخا مصقلة يستحي منك، لما صنع مصقلة، و قد أتانا اليقين أنه لا يمنع مصقلة من الرجوع إليك إلا الحياء، و لم يبسط منذ فارقنا لسانه و لا يده، فلو كتبنا إليه كتابا، و بعثنا من قبلنا رسولا، فإنا نستحيي أن يكون فارقنا مثل مصقلة من أهل العراق إلى معاوية،

فقال علي :

اكتبوا.

فكتبوا[ (2) ]: أما بعد، فقد علمنا أنك لم تلحق بمعاوية رضا بدينه، و لا رغبة في دنياه، و لم يعطفك عن علي طعن فيه، و لا رغبة عنه، و لكن توسطت أمرا فقويت فيه الظن، و أضعفت فيه الرجاء، فكان أولاهما عندك أن قلت: أفوز بالمال، و ألحق بمعاوية. و لعمرنا ما استبدلت الشام بالعراق، و لا السكاسك‏[ (3) ] بربيعة، و لا معاوية بعلي، و لا أصبت‏[ (4) ]دنيا تهنأ بها، و لا حظا تحسد عليه، و إن أقرب ما تكون مع اللََّه، أبعد ما تكون مع معاوية، فارجع إلى مصرك، فقد اغتفر أمير المؤمنين الذنب، و احتمل الثقل، و اعلم أن رجعتك اليوم خير منها غدا، و كانت أمس خيرا منها اليوم، و إن كان عليك حياء من أبي الحسن، فما أنت فيه أعظم، فقبح اللََّه أمرا ليس فيه دنيا و لا آخرة. فلما انتهى كتابهم إلى مصقلة، و كان لرسولهم عقل و لسان، قال الرسول: يا مصقلة، انظر فيما خرجت منه، و فيما صرت إليه، و انظر من أخذت، و من تركت، و انظر من جاورت، و من [ (1) ]هو مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ. انظر قصة هربه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2/65- 66.

و ملخصها أن مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ كان عاملا لعلي بن أبي طالب على بلد من بلاد الأهواز، و قد أتى معقل بن قيس بأسارى فاشتراهم مصقلة ب 500 ألف درهم و أعتقهم ثم هرب ليلا إلى البصرة دون دفع المال. فأرسل معقل إلى ابن عباس فطالبه بالمال فهرب ليلا إلى علي بن أبي طالب بالكوفة. و لما طالبه بالمال دفع له 100 ألف و بقي عليه 400 ألف درهم فهرب ليلا إلى معاوية. (انظر فتوح ابن الأعثم 2/78) .

[ (2) ]في ابن الأعثم أنهم فوضوا الحضين بن المنذر السدوسي.

[ (3) ]السكاسك: حي من اليمن.

[ (4) ]في ابن الأعثم: أصبت ذنبا بهما.

108

زايلت، ثم اقض بعقلك دون هواك. قال: و إن مصقلة مضى إلى معاوية بالكتاب، فأقرأه إياه، فقال معاوية: يا مصقلة إنك عندي غير ظنين، فإذا أتاك شي‏ء فاستره عني، فانصرف مصقلة إلى منزله، فدعا الرسول فقال: يا أخا بكر، إنما هربت بنفسي من علي، و لا و اللََّه ما يطول لساني بغيبته‏[ (1) ]، و لا قلت فيه قط حرفا بسوء، اذهب بكتابي هذا إلى قومي.

جواب مصقلة إلى قومه‏

قال: و ذكروا أن مصقلة كتب إلى قومه: أما بعد، فقد جاءني كتابكم‏[ (2) ]، و إني أخبركم أنه من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير، و قد علمتم الأمر الّذي قطعني من عليّ، و أضافني إلى معاوية، و قد علمت أني لو رجعت إلى علي و إليكم لكان ذنبي مغفورا، و لكني أذنبت إلى عليّ، و صحبت معاوية، فلو رجعت إلى عليّ أحدثت عيبا، و أحييت عارا، و كنت بين لائمين‏[ (3) ]، أولهما خيانة، و آخرهما غدر، و لكني أقيم بالشام، فإن غلب معاوية فداري العراق، و إن غلي علي فداري أرض الروم. فأما الهوى فإليكم طائر، و كانت فرقتي عليا على بعض العذر أحب إليّ من فرقتي معاوية و لا عذر لي. ثم قال للرسول:

يا بن أخي، استعرض الناس‏[ (4) ]عن قولي في علي. فقال: قد سألت، فقالوا خيرا. قال: فإنّي و اللََّه عليه حتى أموت. فرجع الرسول بالكتاب، فأقرأه عليا،

فقال: كفوا عن صاحبكم، فليس براجع حتى يموت.

فقال حصين: أما و اللََّه ما به إلا الحياء.

لحوق عبد اللََّه بن عامر بالشام‏

قال: و ذكروا أن عبد اللََّه بن عامر لحق بالشام، و لم يأت معاوية، و خاف يوما كيوم الجمل، فبعث إليه معاوية أن يأتيه، و ألح عليه. فكتب ابن عامر، أما بعد: فإنّي أخبرك أني أقحمت طلحة و الزبير إلى البصرة، و أنا أقول إذا رأى [ (1) ]في ابن الأعثم: بعيبه و لا ذمه.

[ (2) ]زيد في ابن الأعثم: فقرأته و فهمته.

[ (3) ]في ابن الأعثم: لومتين.

[ (4) ]في ابن الأعثم: تسأل أهل الشام. ـ

109

الناس أم المؤمنين مالوا إليها، و إن فر الناس لم يفرّ الزبير، و إن غدر الناس لم يغدر مروان، فغضبت عائشة، و رجع الزبير، و قتل مروان طلحة، و ذهب مالي بما فيه، و الناس أشباه، و اليوم كأمس، فإن أتبعتني هواي، و إلا أرتحل عنك و السلام. فكتب معاوية إليه: أما بعد، فإنك قلدت أمر دينك قتلة عثمان، و أنفقت مالك لعبد اللََّه بن الزبير، و آثرت العراق على الشام، فأخرجك اللََّه من الحرب صفر اليدين، ليس لك حظ الحق، و لا ثأر القتيل. فلما انتهى كتابه إلى ابن عامر أتاه، فغمس يده معه، و بايعه، فلاطفه معاوية، و عرف له قرابته من عثمان.

ما أشار به عمار بن ياسر على عليّ‏

قال: و ذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما بايعناك و لا نرى أحدا يقاتلك، فقاتلك من بايعك، و أعطاك اللََّه فيهم ما وعد في قوله جل و عز: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللََّهُ [الحج: 60]، و قوله: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنَّمََا بَغْيُكُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ [يونس: 23]، و قوله: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمََا يَنْكُثُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ [الفتح: 10]، و قد كانت الكوفة لنا، و البصرة علينا، فأصبحنا على ما تحب، بين ماض مأجور، و راجع معذور، و إن بالشام الداء العضال، رجلا لا يسلمها أبدا إلا مقتولا أو مغلوبا، فعاجله قبل أن يعاجلك، و انبذ إليه قبل الحرب‏[ (1) ].

ما أشار به الأشتر على عليّ‏

قال: و ذكروا أن الأشتر النخعيّ قام إلى عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما لنا أن نقول قبل أن تقول‏[ (2) ]، فإذا عزمت فلم نقل، فلو سرت بنا إلى الشام بهذا الحدّ و الجدّ، لم يلقوك بمثله، فإن القلوب اليوم سليمة، و الأبصار صحيحة، فبادر بالقلوب القسوة، و بالأبصار العمى.

[ (1) ]الخبر في ابن الأعثم 2/345 و قال أن ذلك حصل بعد ما فرغ علي بن أبي طالب من أمر البصرة في يوم الجمل و خطب الناس.

[ (2) ]في فتوح ابن الأعثم 2/346 تعزم.

110

كتاب عليّ إلى جرير بن عبد اللََّه‏

قال: و ذكروا أن عليا كتب إلى جرير بن عبد اللََّه، و كان على ثغر همذان، كان استعمله عليه عثمان،

فكتب عليّ إليه مع زفر بن قيس: أما بعد، فإن اللََّه لاََ يُغَيِّرُ مََا بِقَوْمٍ حَتََّى يُغَيِّرُوا مََا بِأَنْفُسِهِمْ، وَ إِذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاََ مَرَدَّ لَهُ، وَ مََا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وََالٍ [الرعد: 11]. ثم إني أخبرك عنا و عمن سرنا إليهم، من جمع طلحة و الزبير، عند نكثهما ببيعتهما، و ما صنعا بعاملي عثمان بن حنيف: إني هبطت من المدينة بالمهاجرين و الأنصار، حتى إذا كنت ببعض الطريق، بعثت إلى الكوفة الحسن ابني، و عبد اللََّه بن العباس ابن عمي، و عمّار بن ياسر، و قيس بن سعد بن عبادة، فاستنفرتهم بحق اللََّه و رسوله فأجابوا، و سرت بهم، حتى نزلت بظهر البصرة، فأعذرت في الدعاء، و أقلت في العثرة، و ناشدتهم عقد بيعتهم، فأبوا إلا قتالي، فاستعنت اللََّه عليهم، فقتل من قتل، و ولوا مدبرين إلى مصرهم، فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء، فقبلت العافية، و رفعت عنهم السيف، و استعملت عليهم عبد اللََّه بن عباس، و بعثت إليك زفر[ (1) ]بن قيس فاسأله عنا و عنهم.

خطبة زفر[ (1) ]بن قيس‏

قال: و ذكروا أنه لما قدم زفر[ (1) ]على جرير بكتاب علي، و قرأه جرير، قام زفر[ (1) ]خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن عليا كتب إليكم بكتاب لا يقول بعده إلا رجيعا من القول، إن الناس بايعوا عليا بالمدينة غير محاباة ببيعتهم، لعلمه بكتاب اللََّه، و يرى الحقّ فيه، و إن طلحة و الزبير نقضا بيعة عليّ على غير حدث، ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب، و ألبا عليه الناس. و أخرجا أم المؤمنين عائشة من حجاب ضربه اللََّه و رسوله صلّى اللََّه عليه و سلّم عليها، فلقيهما فأعذر في الدعاء، و خشي البغي، و حمل الناس على ما يعرفون، فهذا عيان ما غاب عنكم. و إن سألتم الزيادة زدناكم.

[ (1) ]في الأخبار الطوال ص 156 و النجوم الزاهرة: «زحر» .

111

خطبة جرير بن عبد اللََّه البجليّ‏

قال: و ذكروا أن جرير بن عبد اللََّه قام خطيبا. فحمد اللََّه. فقال: أيها الناس. هذا كتاب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب. و هو المأمون على الدين و الدنيا. و كان من أمره و أمر عدوّه ما قد سمعتم، فالحمد للََّه على أقضيته. و قد بايعه السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و التابعون بإحسان، و لو جعل اللََّه هذا الأمر شورى بين المسلمين لكان عليّ أحق بها[ (1) ]، ألا و إن البقاء في الجماعة، و الفناء في الفرقة، و عليّ حاملكم على الحق ما استقمتم له، فإن ملتم أقام ميلكم، قال الناس: سمعا و طاعة، و رضانا رضا من بعدنا.

كتاب عليّ إلى الأشعث بن قيس‏

قال: و ذكروا أن عليا كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن كعب.

و الأشعث يومئذ بأذربيجان عاملا لعثمان‏[ (2) ]، كان استعمله عليها:

أما بعد[ (3) ]، فلو لا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس، فلعل أمرا يحمل بعضه بعضا إن اتقيت اللََّه، و قد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك، و كان طلحة و الزبير أول من بايعني، ثم نقضا بيعتي على غير حدث، و أخرجا أم المؤمنين إلى البصرة، فسرت إليهما في المهاجرين و الأنصار، فالتقينا، فدعوتهما إلى أن يرجعا إلى ما خرجا منه، فأبيا. فأبلغت في الدعاء، و أحسنت في البقاء، و إن عملك ليس لك بطعمة و لكنه أمانة في عنقك، و المال مال اللََّه، و أنت من خزاني عليه حتى تسلمه إليّ إن شاء اللََّه، و عليّ أن لا أكون شر ولاتك.

خطبة زياد بن كعب‏

[ (4) ] قال: و ذكروا أن الأشعث بن قيس لما قرأ كتاب علي، قام زياد بن كعب خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه من لم يكفه القليل لم [ (1) ]زيد في ابن الأعثم 2/365 لمصاهرته و قرابته و خدمته و شجاعته و هجرته.

[ (2) ]و كان عثمان قد استعمل الأشعث بن قيس على أذربيجان بعد ما زوج عثمان ابنة الأشعث من ابنه، و كانت ولايته له من الأشياء التي عتب الناس فيها على عثمان (الأخبار الطوال ص 156) .

[ (3) ]الكتاب في العقد الفريد 4/330 الأخبار الطوال ص 156 ابن الأعثم 2/367.

[ (4) ]في الأخبار الطوال و ابن الأعثم: زياد بن مرحب الهمدانيّ.

112

يكفه الكثير، و إن أمر عثمان لم ينفع فيه العيان، و لم يشف منه الخبر، غير أن من سمعه كمن عاينه‏[ (1) ]، و إن المهاجرين و الأنصار بايعوا عليا راضين به، و إن طلحة و الزبير نقضا بيعة علي، على غير حدث، و أخرجا أم المؤمنين على غير رضى، فسار إليهم، و لم ينلهم، فتركهم و ما في نفسه منهم حاجة، فأورثه اللََّه الأرض، و جعل له عاقبة المتقين.

خطبة الأشعث بن قيس‏

قال: فقام الأشعث بن قيس خطيبا، فقال‏[ (2) ]: أيها الناس، إن عثمان رحمه اللََّه ولاني أذربيجان، و هلك و هي في يدي، و قد بايع الناس عليا، و طاعتنا له لازمة، و قد كان من أمره و أمر عدوه ما قد بلغكم، و هو المأمون على ما غاب عنا و عنكم من ذلك.

مشورة الأشعث ثقاته في اللحوق بمعاوية إلى الشام‏

قال: و ذكروا أن الأشعث رجع إلى منزله، فدعا أهل ثقته من أصحابه، فقال لهم: إن كتاب عليّ جاءني، و قد أوحشني، و هو آخذي بمال أذربيجان و أنا لاحق بمعاوية، فقال القوم: الموت خير لك من ذلك، أ تدع مصرك و جماعة قومك، و تكون ذنبا لأهل الشام؟[ (3) ].

كتاب جرير إلى الأشعث‏

[ (4) ] قال: و ذكروا أن جريرا كتب إلى الأشعث: أما بعد. فإنه أتتني بيعة عليّ فقبلتها. و لم أجد إلى دفعها سبيلا، و إني نظرت فيما غاب عني من أمر عثمان، فلم أجده يلزمني، و قد شهده المهاجرون و الأنصار، فكان أوثق أمرهم فيه الوقوف، فاقبل بيعته، فإنك لا تلتفت إلى خير منه. و اعلم أن بيعة علي خير من [ (1) ]كذا بالأصل: و في ابن الأعثم: ليس كمن عاينه.

[ (2) ]قارن مع العقد الفريد و فتوح ابن الأعثم.

[ (3) ]زيد في فتوح ابن الأعثم و الأخبار الطوال أنه عدل عن مسيره إلى معاوية و جمع الناس و سار بهم إلى الكوفة، و قدم على علي رضي اللََّه عنه مبايعا.

[ (4) ]في فتوح ابن الأعثم: و كتب رجل من كندة من بني عم الأشعث.

113

مصارع أهل البصرة. و قد تحلب الناقة الضجور. و يجلس العود على البعير الدبر. فانظر لنفسك. و السلام.

إرسال عليّ جريرا إلى معاوية

قال: و ذكروا أن جريرا لما قدم على عليّ‏

قال له: يا جرير. انطلق إلى معاوية بكتابي هذا، و كن عند ظني فيك، و اعلم يا جرير أنك ترى من حولي من أصحاب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم من المهاجرين و البدريين و العقبيين. و إني اخترتك عليهم، لقول رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم:

خير ذي يمن جرير[ (1) ]، فاذهب إلى معاوية بكتابي هذا و رسالتي، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون، و إلا فانبذ إليه بالحرب، و أعلمه أني لا أرضى به أميرا، و العامة لا ترضى به واليا،

فقال جرير: إني لأكره أن أمنعك معونتي، و ما أطمع لك في معاوية، و يصنع اللََّه ما يشاء[ (2) ].

كتاب عليّ إلى معاوية مرة ثانية

[ (3) ] قال: و ذكروا

أن عليا كتب إلى معاوية مع جرير: أما بعد، فإن بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام، لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوا، فلم يكن للشاهد أن يختار، و لا للغائب أن يرد، و إنما الشورى للمهاجرين و الأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك للََّه رضا، فإن خرج منهم خارج‏[ (4) ]ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، و أولاه اللََّه ما تولى، و أصلاه جهنم. و ساءت مصيرا. و إن طلحة و الزبير بايعاني بالمدينة، ثم نقضا بيعتهما، فكان نقضهما كردّتهما، فجاهدتهما بعد ما أعذرت إليهما، حتى جاء الحق، و ظهر أمر اللََّه و هم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب أمورك إليّ العافية، فإن تتعرض للبلاء قاتلتك، [ (1) ]أخرجه أحمد في مسندة 4/360-364 و الطبراني برجال ثقات، و البيهقي في الدلائل 5/346.

[ (2) ]و قد أرسله بعد مشاورة أصحابه، و رغم معارضة الأشتر النخعي لهذا الاختيار.

[ (3) ]قارن نسخة الكتاب في الأخبار الطوال ص 157 و فتوح ابن الأعثم 2/357 و العقد الفريد 4/332 و انظر مروج الذهب 2/412 و نهج البلاغة.

[ (4) ]زيد في النهج: خارج بطعن أو بدعة.

114

و استعنت باللََّه عليك، و قد أكثرت الكلام في قتلة عثمان، فادخل في الطاعة، ثم حاكم القوم إليّ أحملك و إياهم على كتاب اللََّه، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، و لعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك، لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، و اعلم يا معاوية أنك من الطلقاء، الذين لا تحل لهم الخلافة، و لا تعقد معهم الإمامة، و لا تعرض فيهم الشورى، و قد بعثت إليك و إلى من قبلك جرير بن عبد اللََّه، و هو من أهل الإيمان و الهجرة السابقة، فبايع، و لا قوة إلا باللََّه.

قدوم جرير إلى معاوية

قال: و ذكروا أن جريرا لما قدم على معاوية بكتاب علي، قام جرير بالشام خطيبا، فقال: أيها الناس، إن أمر عثمان قد أعيا من شهده، فما ظنكم بمن غاب عنه، و إن الناس بايعوا عليا، و إن طلحة و الزبير كانا ممن بايع، ثم نقضا بيعته، ألا و إن هذا الدين لا يحتمل الفتن، ألا و إن هذا الدين لا يحتمل السيف. و قد كانت بالبصرة أمس روعة ملمّة، إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس، و قد بايعت العامة عليا، و لو ملكنا أمرنا لم نختر لها غيره، فمن خالف هذا فقد استعتب فادخل يا معاوية فيما دخل الناس فيه، فإن قلت: إن عثمان ولاني و لم يعزلني، فإن هذا لو كان لم يقم للََّه دين، و كان لكل امرئ ما هو فيه.

إشارة الناس على عليّ بالمقام بالكوفة

قال: و ذكروا أن عليا استشار الناس، فأشاروا عليه بالمقام بالكوفة عامه ذلك، غير الأشتر النخعي، و عديّ بن حاتم، و شريح بن هانئ‏[ (1) ]، فإنّهم قاموا إلى عليّ، فتكلموا بلسان واحد، فقالوا: إن الذين أشاروا عليك بالمقام، إنما خوفوك بحرب الشام، و ليس في حربهم شي‏ء أخوف من الموت و نحن نريده.

فقال لهم: إن استعدادي لحرب أهل الشام، و جرير عندهم إغلاق للشام، و صرف لأهله عن خير إن أرادوه، و لكني قد وقّت له وقتا لا يقيم بعده إلا أن [ (1) ]زيد عند ابن الأعثم 2/381 و عمرو بن الحمق الخزاعي و سعيد بن قيس الهمدانيّ و هانئ بن عروة المذحجي-و لم يذكر شريحا.

115

يكون مخدوعا أو عاصيا، و لا أكره لكم الإعداد،

و أبطأ جرير على عليّ بالشام حتى يئس منه، و إن جريرا لما أبطأ عليه معاوية برأيه، استحثه بالبيعة، فقال معاوية لجرير: يا جرير، إن البيعة ليست بخلسة، و إنه أمر له ما بعده. فأبلعني ريقي‏[ (1) ]و[ (2) ].

مشورة معاوية أهل ثقته‏

قال: و ذكروا أن معاوية دعا أهل ثقته فاستشارهم، فقال عتبة بن أبي سفيان: استعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص، فإنه من قد عرفت، و قد اعتزل عثمان في حياته، و هو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن ترضيه.

كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص‏

قال: و ذكروا أن معاوية كتب إلى عمرو بن العاص و هو بفلسطين: أما بعد، فقد كان من أمر علي و طلحة و الزبير ما قد بلغك، و قد سقط علينا مروان بن الحكم في رافضة من أهل البصرة، و قدم عليّ جرير بن عبد اللََّه في بيعة علي، و قد حبست نفسي عليك، فاقدم على بركة اللََّه‏[ (3) ]، و السلام.

ما سأل معاوية من عليّ من الإقرار بالشام و مصر

قال: و ذكروا أن معاوية قال لجرير: إني قد رأيت رأيا. قال جرير: هات.

قال: أكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام و مصر جباية، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة، و أسلّم إليه هذا الأمر، و أكتب إليه بالخلافة. قال جرير: اكتب ما شئت.

و إنما أراد معاوية في طلبه الشام و مصر ألا يكون لعليّ في عنقه بيعة، و أن يخرج نفسه مما دخل فيه الناس، فكتب إلى علي يسأله ذلك، فلما أتى عليا كتاب معاوية عرف أنها خدعة منه.

[ (1) ]أبلغني ريقي أي انتظر حتى أتروّي في الأمر و أفكر فيه مليا لأرد عليك.

[ (2) ]زيد في فتوح ابن الأعثم: حتى انظر في أمري و أستطلع رأي أهل الشام ثم إني أجيب صاحبك عن كتابه و كرامته لك.

[ (3) ]زيد في فتوح ابن الأعثم: لأشاورك و أستعين على أمري برأيك، و العبارة في الأخبار الطوال:

فأقبل، أناظرك في ذلك.

116

كتاب عليّ إلى جرير بن عبد اللََّه‏

قال: و ذكروا

أن عليا كتب إلى جرير: أما بعد، فإن معاوية إنما أراد بما طلب ألا يكون لي في عنقه بيعة، و أن يختار من أمره ما أحب، و قد كان المغيرة ابن شعبة أشار عليّ و أنا بالمدينة أن أستعمله على الشام، فأبيت ذلك عليه، و لم يكن اللََّه ليراني أتخذ المضلين عضدا، فإن بايعك الرجل، و إلا فأقبل‏

[ (1) ].

استشارة عمرو بن العاص ابنيه و مواليه‏

قال و ذكروا أنه لما انتهى إلى عمرو بن العاص كتاب معاوية و هو بفلسطين، استشار ابنيه عبد اللََّه و محمدا، و قال: يا ابني، إنه قد كان مني في أمر عثمان فلتات لم أستقبلها بعد، و قد كان من هروبي بنفسي حين ظننت أنه مقتول ما قد احتمله معاوية عني، و قد قدم على معاوية جرير ببيعة علي، و قد كتب إليّ معاوية بالقدوم عليه، فما تريان؟فقال عبد اللََّه و هو الأكبر: أرى و اللََّه أن نبي اللََّه قبض و هو عنك راض، و الخليفتان من بعده كذلك. و قتل عثمان و أنت غائب، فأقم في منزلك، فلست مجعولا خليفة، و لا تزيد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة، أوشكتما أن تهلكا فتستويا فيها جميعا. و قال محمد: أرى أنك شيخ قريش، و صاحب أمرها، فإن ينصرم هذا الأمر و أنت فيه غافل، يصغر أمرك، فالحق بجماعة أهل الشام، و اطلب بدم عثمان، فإنك به تستميل إلى بني أمية. فقال عمرو: أما أنت يا عبد اللََّه فأمرتني بما هو خير لي في ديني‏[ (2) ]، و أما أنت يا محمد فقد أمرتني بما هو خير لي في دنياي. ثم دعا غلاما له يقال له وردان، و كان داهيا، فقال له عمرو: يا وردان احطط، يا وردان أرحل، يا وردان احطط، يا وردان أرحل. فقال وردان: أما إنك إن شئت نبأتك بما في نفسك، فقال عمرو: هات يا وردان، فقال: اعتركت الدنيا و الآخرة على قلبك، فقلت:

مع علي الآخرة بلا دنيا، و مع معاوية الدنيا بغير آخرة، فأنت واقف بينهما. فقال [ (1) ]و قد استعجل علي بت الأمر و فصله فأرسل كتابا آخر إلى جرير يستعجله أخذ البيعة من معاوية:

و نصه من النهج:

أما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل، و خذه بالأمر الجزم، ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم مخزية، فإن اختار الحرب فانبذ إليه، و إن اختار السلم فخذ بيعته و السلام.

[ (2) ]في ابن الأعثم: في دنياي و ديني.

117

عمرو: ما أخطأت ما في نفسي، فما ترى يا وردان؟فقال: أرى أن تقيم في منزلك، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، و إن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك، فقال عمرو: الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية؟

قدوم عمرو إلى معاوية

قال: و ذكروا أن عمرو بن العاص لما قدم إلى معاوية، و عرف حاجته إليه باعده من نفسه، و كايد كل واحد منهما صاحبه، فقال عمرو لمعاوية: أعطني مصر، فتلكأ معاوية و قال: أ لم تعلم أن مصر كالشام؟قال: بلى و لكنها إنما تكون لي إذا كانت لك، و إنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق. و قد بعث أهلها بطاعتهم إلى عليّ. فدخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية، فقال: أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر إن هي صفت لك؟ليتك لا تغلب على الشام.

فلما سمع معاوية قول عتبة بعث إلى عمرو، فأعطاه مصر، و لما كتب معاوية لعمرو بمصر، كتب في أسفل الكتاب: و لا ينقض شرط طاعة. و كتب عمرو، و لا تنقض طاعة شرطا، و كايد كل واحد منهما صاحبه، و كان مع عمرو بن العاص ابن أخ له، جاءه من مصر، فلما جاء عمرو بالكتاب مسرورا به، عجب ابن أخيه من سروره، فقال: يا عمرو ألا تخبرني بأي رأي تعيش في قريش و قد أعطيت دينك غيرك؟أ ترى أهل مصر و هم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية و عليّ حيّ؟أو تراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذك بالجدل الّذي قدمه؟فقال عمرو:

يا بن أخي، إنه لأمر اللََّه دون معاوية و عليّ. يا بن أخي لو كنت مع علي وسعني بيتي، و لكني مع معاوية. فقال الفتى: إنك لم ترد معاوية، و لكنك تريد دنياه، و يريد دينك. فبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب، فلحق بعلي، و حدث عليا بأمر معاوية و عمرو، و ما قاله، فسر علي بذلك، و قرّبه.

مشورة معاوية عمرا رضي اللََّه عنهما

قال: و ذكروا أن معاوية قال لعمرو: يا أبا عبد اللََّه، طرقتني في ليلتي‏[ (1) ]هذه ثلاثة أخبار، ليس فيها ورد و لا صدر، منها أن ابن أبي حذيفة كسر سجن [ (1) ]في الأخبار الطوال: في هذه الأيام. ـ

118

مصر[ (1) ]، و منها أن قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب على الشام، و منها[ (2) ]أن عليا قد تهيأ للمجي‏ء إلينا، فما عندك؟قال عمرو: كل هذا عظيم، أما ابن أبي حذيفة فخرج في أشباهه من الناس، فإن تبعث إليه رجلا يقتله، و إن يقتل فلا يضرك، و أما قيصر فأهد له من وصائف الروم و من الذهب و الفضة، و اطلب إليه الموادعة، تجده إليها سريعا، و أما عليّ فو اللََّه إن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من الناس، و إنه لصاحب الأمر. قال معاوية: صدقت، و لكني أقاتله على ما بأيدينا، و نلزمه دم عثمان. فقال عمرو: وا سوأتاه، إن أحق الناس ألا يذكر عثمان لأنا و لأنت، قال معاوية: و لم؟فقال عمرو: أما أنت فخذلته و معك أهل الشام، و استغاثك فأبطأت عليه، و أما أنا فتركته عيانا، و هربت إلى فلسطين. قال معاوية: دعني من هذا، هلم فبايعني. فقال عمرو: لا و اللََّه و لا أعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك، قال معاوية: صدقت، سل تعط، قال عمرو: مصر طعمة.

فغضب مروان بن الحكم، و قال: ما بالي لا أشترى، فقال معاوية: اسكت يا بن عم، فإنما يشترى لك الرجال. فكتب معاوية لعمرو: مصر طعمة.

كتاب معاوية إلى أهل مكة و المدينة و جوابهما

قال: و ذكروا أن معاوية قال لعمرو: إني أريد أن أكتب إلى أهل مكة و المدينة كتابا أذكر فيه قتل عثمان، فإما أن ندرك به حاجتنا، أو نكفهم عن المسير. فقال له عمرو: إلى من تكتب؟قال: إلى ثلاثة نفر: رجل لعلي لا يريد غيره، و لا يزيده كتابنا فيه إلا بصيرة، أو رجل يهوى عثمان، فلا يزيده على ما هو عليه، أو رجل معتزل لا يريد القتال‏[ (3) ]. قال عمرو: على ذلك؟قال: نعم. قال:

اكتب، فكتب إلى أهل مكة و المدينة: أما بعد، فإنه مهما غاب عنا فإنه لم يفت علينا أن عليا قتل عثمان، و الدليل على ذلك أن قتلته عنده، و إنما نطلب بدمه حتى يدفع إلينا قتلته، فنقتلهم بكتاب اللََّه تعالى، فإن دفعهم إليناكففنا عنه، [ (1) ]في الأخبار الطوال: كسر السجن و هرب نحو مصر فيمن كان معه من أصحابه، و هو من أعدى الناس لنا.

[ (2) ]في الأخبار الطوال: و الثالثة فإن جريرا قدم رسولا لعلي بن أبي طالب يدعونا إلى البيعة له أو إيذان بحرب.

[ (3) ]زيد في ابن الأعثم 2/415: لا يلتفت إلى كتابك.

119

و جعلناها شورى بين المسلمين، على ما جعلها عمر بن الخطاب، فأما الخلافة فلسنا نطلبها، فأعينونا[ (1) ]يرحمكم اللََّه، و انهضوا من ناحيتكم.

جوابهما قال: و ذكروا أنه لما قرأ عليهم كتابه اجتمع رأيهم على أن يسندوا أمرهم إلى المسور بن مخرمة، فجاوب عنهم، فكتب إليه: أما بعد، فإنك أخطأت خطأ عظيما، و أخطأت مواضع النصرة، و تناولتها من مكان بعيد، و ما أنت و الخلافة يا معاوية، و أنت طليق، و أبوك من الأحزاب. فكف عنا، فليس لك قبلنا وليّ و لا نصير[ (2) ].

كتاب معاوية إلى ابن عمر

قال: و ذكروا أن معاوية كتب إلى ابن عمر كتابا خاصا، دون كتابه إلى أهل المدينة[ (3) ]: أما بعد، فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إليّ أن يجتمع الناس عليه منك بعد عثمان، فذكرت خذلك إياه، و طعنك على أنصاره، فتغيرت لك، و قد هون ذلك عليّ خلافك على عليّ، و طعنك عليه، و ردني إليك بعض ما كان منك، فأعنا يرحمك اللََّه على حق هذا الخليفة المظلوم، فإنّي لست أريد الإمارة عليك، و لكني أريدها لك، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين.

جوابه‏

فكتب إليه عبد اللََّه بن عمر: أما بعد، فإن الرأي الّذي أطمعك في هذا هو الّذي صيرك إلى ما صيرك. تركت عليا من المهاجرين و الأنصار، و تركت طلحة و الزبير و عائشة، و أتبعك فيمن اتبعك؟!و أما قولك إني‏طعنت على عليّ فلعمري ما أنا كعليّ في الإسلام و الهجرة، و مكانه من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و لكن أحدث أمرا لم يكن إلينا فيه من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه [ (1) ]في ابن الأعثم 2/416 فأجيبوا.

[ (2) ]نسب ابن أبي الحديد في شرح النهج ص 258 هذا الرد إلى عبد اللََّه بن عمر.

[ (3) ]قيل إن معاوية كتب إلى عبد اللََّه بن عمر و سعد بن أبي وقاص و محمد بن مسلمة بعد ما جاءه رد أهل المدينة.

120

و سلّم عهد، ففزعت إلى الوقوف، و قلت: إن كان هذا فضلا تركته، و إن كان ضلالة فشر منه نجوت، فأغن عن نفسك.

كتاب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص‏

قال: و ذكروا أن معاوية كتب إلى سعد بن أبي وقاص: أما بعد، فإن أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى، و الذين أثبتوا حقه، و اختاروه على غيره، و قد نصره طلحة و الزبير، و هما شريكاك في الأمر و الشورى، و نظيراك في الإسلام، و خفّت لذلك أم المؤمنين، فلا تكرهنّ ما رضوا، و لا تردنّ ما قبلوا، فإنما نردها شورى بين المسلمين.

جواب سعد بن أبي وقاص لمعاوية

قال: و ذكروا أن سعدا كتب إليه: أما بعد، فإن أهل الشورى ليس منهم أحق بها من صاحبه، غير أن عليا كان من السابقة، و لم يكن فينا ما فيه، فشاركنا في محاسننا، و لم نشاركه في محاسنه، و كان أحقنا كلنا بالخلافة، و لكن مقادير اللََّه تعالى التي صرفتها عنه، حيث شاء لعلمه و قدره. و قد علمنا أنه أحق بها منا، و لكن لم يكن بد من الكلام في ذلك و التشاجر، فدع ذا. و أما أمرك يا معاوية، فإنه أمر كرهنا أوله و آخره‏[ (1) ]. و أما طلحة و الزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما.

و اللََّه تعالى يغفر لعائشة أم المؤمنين.

كتب معاوية إلى محمد بن مسلمة الأنصاري‏

و كان فارس الأنصار رضي اللََّه عنهم، و ذا النجدة فيهم: أما بعد، فإنّي لم أكتب إليك و أنا أرجو مبايعتك، و لكني أذكرك النعمة التي خرجت منها، إنك كنت فارس الأنصار، و عدة المهاجرين، فادعيت على رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم أمرا لم تستطع فيه الإمضاء، فهذا أعني، و عن قتال أهل الصلاة[ (2) ].

فهلا نهيت أهل الصلاة عن قتل بعضهم بعضا؟أو ترى أن عثمان و أهل الدار ليسوا بمسلمين؟و أما قومك الأنصار فقد عصوا اللََّه تعالى، و خذلوا عثمان، و سائلهم و سائلك اللََّه تعالى عن الّذي كان يوم القيامة.

[ (1) ]في فتوح ابن الأعثم 2/421 و كذلك نكره آخره.

[ (2) ]في شرح النهج لابن أبي الحديد 1/580: و هو أنه نهاك عن قتال أهل القبلة.

121

جوابه‏

قال: و ذكروا أن محمد بن مسلمة كتب إليه: أما بعد، فقد اعتزل هذا الأمر من ليس في يده من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم مثل الّذي في يدي، و قد أخبرت بالذي هو كائن قبل أن يكون، فلما كان كسرت سيفي، و لزمت بيتي‏[ (1) ]، و اتهمت الرأي على الدين، إذ لم يصح لي معروف آمر به، و لا منكر أنهى عنه، و لعمري يا معاوية ما طلبت إلا الدنيا، و لا اتبعت إلا الهوى، و لئن كنت نصرت عثمان ميتا، لقد خذلته حيا، و نحن و من قبلنا من المهاجرين و الأنصار أولى بالصواب.

قال: فلما أجاب القوم معاوية بما أجابوه، من الخلاف إلى ما دعاهم إليه قال له عمرو: كيف رأيت يا معاوية و رأيك، أخبرتك بالأمر قبل أن يقع، قال معاوية: رجوت ما خفت.

كتاب معاوية إلى عليّ رضي اللََّه عنه‏

قال: و ذكروا أن معاوية كتب إلى عليّ. أما بعد، فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك و أنت بري‏ء من دم عثمان، كنت كأبي بكر و عمر و عثمان رضي اللََّه عنهم، و لكنك أغريت بعثمان المهاجرين، و خذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، و قوي بك الضعيف، و قد أبى أهل الشام إلا قتالك، حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإذا دفعتهم كانت شورى بين المسلمين، و قد كان أهل الحجاز الحكام على الناس و في أيديهم الحق، فلما تركوه صار الحق في أيدي أهل الشام، و لعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، و لا حجتك على طلحة و الزبير، لأن أهل البصرة بايعوك‏[ (2) ]، و لم يبايعك أحد من أهل الشام، و إن طلحة و الزبير بايعاك و لم أبايعك. و أما فضلك في الإسلام، و قرابتك من النبي عليه الصلاة و السلام، فلعمري ما أدفعه و لا أنكره‏[ (3) ].

[ (1) ]

يروى أن محمد بن مسلمة قال: «أعطاني رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم سيفا فقال: قاتل به المشركين ما قوتلوا، فإذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضا فائت به أحدا فاضرب به حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية خاطئة

(الإصابة رقم 7800) .

[ (2) ]في الكامل للمبرد 1/424: أطاعوك، و لم يطعك.

[ (3) ]قارن مع: العقد الفريد 4/333 وقعة صفين ص 56 و ابن الأعثم 2/430 و الكامل للمبرد 1/423-424.

122

جواب عليّ إلى معاوية

قالوا:

فكتب إليه عليّ: أما بعد، فقد جاءني منك كتاب امرئ ليس له بصر يهديه‏[ (1) ]، و لا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، و قاده فاستقاده. زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان، و لعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا و أصدرت كما أصدروا، و ما كان اللََّه ليجمعهم على الضلال، و لا ليضربهم بالعمى، و ما أمرت فيلزمني خطيئة عثمان، و لا قتلت فيلزمني قصاص القاتل. أما قولك إن أهل الشام هم الحكام على الناس، فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى، أو تحل له الخلافة، فإن سميت كذّبك المهاجرون و الأنصار، و إلا أتيتك به من قريش الحجاز. و أما قولك ندفع إليك قتلة عثمان فما أنت و عثمان؟[ (2) ]إنما أنت رجل من بني أمية، و بنو عثمان أولى بعثمان منك، فإن زعمت أنك أقوى على ذلك، فادخل في الطاعة، ثم حاكم القوم إليّ. و أما تمييزك بين الشام و البصرة و ذكرك طلحة و الزبير، فلعمري ما الأمر إلا واحد، إنها بيعة عامة، لا ينثي عنها البصير، و لا يستأنف فيها الخيار، و أما ولوعك بي في أمر عثمان، فو اللََّه ما قلت ذلك عن حق العيان و لا عن يقين الخبر، و أما فضلي في الإسلام، و قرابتي من رسول اللََّه عليه الصلاة و السلام، و شرفي في قريش، فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته‏

[ (3) ].

قدوم عبيد اللََّه بن عمر على معاوية

قال: و ذكروا أن عبيد اللََّه بن عمر قدم على معاوية الشام، فسر به سرورا شديدا و سر به أهل الشام، و كان أشد قريش سرورا به عمرو بن العاص فقال معاوية لعمرو: ما منع عبد اللََّه أن يكون كعبيد اللََّه؟فضحك عمرو، و قال: شبهت غير شبيه، إنما أتاك عبيد اللََّه مخافة أن يقتله عليّ بقتله الهرمزان‏[ (4) ]، و رأى عبد اللََّه [ (1) ]قال المبرد: قوله ليس له بصر يهديه فمعناه يقوده، و الهادي هو الّذي يتقدم فيدل.

[ (2) ]معناه لست منه في شي‏ء.

[ (3) ]الكتاب في: وقعة صفين ص 57-58 العقد الفريد 4/333-334 ابن الأعثم 2/431-432 الكامل للمبرد 1/428. باختلاف و زيادة.

[ (4) ]و كان عبيد اللََّه بن عمر بن الخطاب و بعد طعن عمر و وفاته قتل الهرمزان، و إذا بويع عثمان بن عفان قال لجماعة من المهاجرين و الأنصار: أشيروا عليّ في هذا الّذي فتق في الإسلام ما فتق،

فقال علي: أرى أن تقتله‏

(الطبري 5/41-42 و انظر تاريخ اليعقوبي 2/161) .

123

ألا يكون عليك و لا لك، و لو كان معك لنفعك أو عليك لضرك.

تعبئة معاوية أهل الشام لقتال عليّ‏

قال: و ذكروا أن معاوية بعث إلى رؤساء أهل الشام، فجمعهم ثم قال:

أنتم أهل الفضل، فليقم كل رجل منكم يتكلم، فقام رجل فقال: أما و اللََّه لو شهدنا أمر عثمان، فعرفنا قتلته بأعيانهم لاستغنينا عن إخبار الناس، و لكنا نصدقك على ما غاب عنا، و إن أبغض الناس إلينا من يقاتل عليّ بن أبي طالب لقدمه في الإسلام، و علمه بالحرب.

ثم قام حوشب فقال: و اللََّه ما إياك ننصر، و لا لك نغضب، و لا عنك نحامي، ما ننصر إلا اللََّه، و لا نغضب إلا للخليفة، و لا نحامي إلا عن الشام، فلف الخيل بالخيل، و الرجال بالرجال، و قد دعونا قومنا إلى ما دعوتنا إليه أمس، و أمرناهم بما أمرتنا به، فجعلوك بيننا و بين اللََّه، و نحن بينك و بينهم، فمرنا بما تحب، و انهنا عما تكره.

قال: فلما عزم معاوية على المسير إلى صفّين عبّأ أهل الشام، فجعل على مقدمته أبا الأعور السلميّ، و على ساقته بسر بن أرطاة، و على الخيل عبيد اللََّه بن عمر، و دفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و على الميمنة يزيد العبسيّ، و على الميسرة عبد اللََّه بن عمرو بن العاص‏[ (1) ]، ثم قال: يا أهل الشام، إنكم قد سرتم لتمنعوا الشام، و تأخذوا العراق، و لعمري ما للشام رجال العراق و أموالها، و لا لأهل العراق بصر أهل الشام و لا بصائرهم، مع أن القوم بعدهم غيرهم مثلهم، و ليس بعدكم غيركم، فإن غلبتموهم فلم تغلبوا إلا من قد أتاكم، و إن غلبوكم عاقبوا من بعدكم، و القوم لاقوكم ببصائر أهل الحجاز، ورقة أهل اليمن، و قسوة أهل مصر، و كيد أهل العراق، و إنما يبصر غدا من أبصر اليوم، ف اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ، إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلصََّابِرِينَ .

ثم سار معاوية في ثلاثة آلاف و ثمانين ألفا[ (2) ]، حتى نزل بصفّين، و ذلك [ (1) ]انظر فيمن استعمله معاوية على الألوية وقعة صفين ص 206 و فتوح ابن الأعثم 2/437.

و الأخبار الطوال ص 167. باختلاف.

[ (2) ]في مروج الذهب 2/416: 85 ألفا. قال ابن الأعثم و اجتمعت إليه العساكر من أطراف البلاد فصار في 120 ألف. و في العقد الفريد: في بضع و ثمانين ألفا.

124

في نصف محرم، و سبق إلى سهولة الأرض، و سعة المناخ، و قرب الفرات، و كتب إلى عليّ يخبره بمسيره.

تعبئة أهل العراق للقتال‏

قال:

و ذكروا أن عليا لما بلغه تأهب معاوية قال: أيها الناس، إنما بايع معاوية أهل الشام، و ليس له غيرهم وليّ و لا نصير، و إنكم أهل الحجاز، و أهل العراق، و أهل اليمن، و أهل مصر، و قد جعل القوم معاوية بينهم و بين اللََّه، و ليس له دعوة في الدنيا و لا في الآخرة، و قد وادع القوم الروم، فإن غلبتموهم استعانوا بهم، و لحقوا بأرضهم، و إن غلبوكم فالغاية الموت، و المفر إلى اللََّه العزيز الحكيم. و قد زعم معاوية أن أهل الشام أهل صبر و نصر، و لعمري لأنتم أولى بذلك منهم، لأنكم المهاجرون و الأنصار و التابعون بإحسان، و إنما الصبر اليوم، و النصر غدا.

قال: فجد الناس و نشطوا و تأهبوا، فسار عليّ بالناس من الكوفة في مائة ألف و تسعين ألفا[ (1) ]، فجعل على المقدمة الأشتر النخعي، و على ساقته شريح بن هانئ، و على المهاجرين و الأنصار محمد بن أبي بكر، و على أهل البصرة عبد اللََّه بن عباس، و على الكوفة عبد اللََّه بن جعفر، و على جماعة الخيل عمار بن ياسر، و على القلب الحسن بن علي‏[ (2) ]، و سار علي حتى نزل صفين، و قد سبقه معاوية إلى سهولة الأرض. و سعة المناخ، و قرب الفرات.

منع معاوية الماء من أصحاب عليّ‏

قال: و ذكروا أنه لما نزل معاوية بصفين، بعث أبا الأعور بمن معه، ليحولوا بينهم و بين الفرات‏[ (3) ]، و أن أهل العراق لما نزلوا بعثوا غلمانهم ليستقوا لهم من الفرات، فحالت خيل معاوية بينهم و بين الماء، فانصرفوا، فساروا إلى [ (1) ]في مروج الذهب: تسعين ألفا. و في العقد الفريد: في خمسة و تسعين ألفا.

[ (2) ]انظر فيمن استعمله علي على الألوية وقعة صفين ص 204-205.

[ (3) ]و كان معاوية قد انتهى إلى جانب شريعة على الفرات و ليس في ذلك الصقع شريعة غيرها و جعلها في حيزه و حماها و منعها عن أصحاب علي، و ما عداها أخراق عالية، و مواضع إلى الماء وعرة.

(الطبري 5/240 و مروج الذهب 2/416 الأخبار الطوال ص 168) .

125

عليّ، فأخبروه‏

فقال عليّ للأشعث [ (1) ]: اذهب إلى معاوية، فقل له: إن الّذي جئنا له غير الماء، و لو سبقناك إليه لم نحل بينك و بينه، فإن شئت خليت عن الماء، و إن شئت تناجزنا عليه و تركنا ما جئنا له.

فانطلق الأشعث إلى معاوية، فقال له: إنك تمنعنا الماء و أيم اللََّه لنشربنه، فمرهم يكفوا عنه قبل أن نغلب عليه، و اللََّه لا نموت عطشا و سيوفنا على رقابنا. فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال رجل منهم‏[ (2) ]: نرى أن نقتلهم عطشا، كما قتلوا عثمان ظلما. فقال عمرو بن العاص: لا تظن يا معاوية أن عليا يظمأ و أعنة الخيل بيده، و هو ينظر إلى الفرات، حتى يشرب أو يموت دونه، خلّ عن القوم يشربوا. فقال معاوية:

هذا و اللََّه أول الظفر، لا سقاني اللََّه من حوض الرسول إن شربوا منه، حتى يغلبوني عليه. فقال عمرو: و هذا أول الجور، أما تعلم أن فيهم العبد و الأجير و الضعيف و من لا ذنب له؟لقد شجعت الجبان، و حملت من لا يريد قتالك على قتالك.

غلبة أصحاب علي على الماء

قال: و ذكروا أن معاوية لما غلب على الماء اغتم عليّ لما فيه الناس من العطش، فخرج ليلا و الناس يشكون بعضهم إلى بعض، مخافة أن يغلب أهل الشام على الماء، فقال الأشعث: يا أمير المؤمنين، أ يمنعنا القوم الماء و أنت فينا و معنا السيوف؟خل عنا و عن القوم، فو اللََّه لا أرجع إليك حتى أرده، أو أموت دونه، و أمر الأشتر أن يعلو الفرات في الخيل، حتى آمره بأمري.

فقال علي: ذلك لك.

فانصرف الأشعث، فنادى في الناس: من كان يريد الماء فميعاده الصبح، فإنّي ناهض إلى الماء، فأجابه بشر كثير[ (3) ]، فتقدم الأشعث في الرجّالة، و الأشتر في الخيل، حتى وقفا على الفرات، فلم يزل الأشعث في الرجّالة يمضي، حتى خالط القوم، ثم حسر عن رأسه، فنادى: أنا الأشعث بن قيس، [ (1) ]في الأخبار الطوال و فتوح ابن الأعثم 3/1 أن عليا بعث شبث بن ربعي و صعصعة بن صوحان العبديّ لمناقشة معاوية بشأن الوصول إلى الماء.

[ (2) ]عند ابن الأثير 2/364 أن الوليد بن عقبة و عبد اللََّه بن سعد بن أبي سرح هما من أشارا على معاوية بمنع الماء. و في آخر الخبر يقول: و قد قيل إن الوليد و ابن أبي سرح لم يشهدا صفين.

(الطبري 5/242 و الأخبار الطوال ص 168 و الإصابة) .

[ (3) ]أجابه نيف عن عشرة آلاف. ـ

126

خلوا عن الماء. فقال أبو الأعور: أما و اللََّه قبل أن تأخذنا و إياكم السيوف فلا.

فقال الأشعث: أظنها و اللََّه قد دنت منا و منكم. قال: و بعث الأشعث إلى الأشتر أن أقحم الخيل، فأقحمها الأشتر، حتى وضع سنابكها في الفرات، و حمل الأشتر في الرجالة، فأخذت القوم السيوف فانكشف أبو الأعور و أصحابه، و بعث الأشتر إلى علي: هلم يا أمير المؤمنين، قد غلب اللََّه لك على الماء، فلما غلب أهل العراق على الماء، شمت عمرو بن العاص بمعاوية، و قال: يا معاوية، ما ظنك إن منعك علي الماء اليوم كما منعته أمس؟أتراك ضاربهم كما ضربوك؟فقال:

دع ما مضى عنك فإن عليا لا يستحل منك ما استحللت منه، و إن الّذي جاء له غير الماء[ (1) ].

دعاء عليّ معاوية إلى البراز

قال: و ذكروا أن الناس مكثوا بصفين أربعين ليلة: يغدون إلى القتال و يروحون، فأما القتال الّذي كان فيه الفناء فثلاثة أيام‏[ (2) ]. فلما رأى علي كثرة القتال و القتل في الناس، برز يوما من الأيام و معاوية فوق التل،

فنادى بأعلى صوته: يا معاوية فأجابه فقال: ما تشاء يا أبا الحسن؟قال علي: علام يقتتل الناس و يذهبون؟على ملك إن نلته كان لك دونهم؟و إن نلته أنا كان لي دونهم؟ أبرز إليّ و دع الناس، فيكون الأمر لمن غلب.

قال عمرو بن العاص: أنصفك الرجل يا معاوية. فضحك معاوية و قال: طمعت فيها يا عمرو[ (3) ]، فقال عمرو:

و اللََّه ما أراه يجمل بك إلا أن تبارزه. فقال معاوية: ما أراك إلا مازحا، نلقاه بجمعنا.

[ (1) ]و في ذلك يقول النجاشي:

كشف الأشعث عنا # كربة الموت عيانا

و يقول عمرو بن العاص شامتا بمعاوية:

أمرتك أمرا ففسخته # لرأي رأى ابن أبي سرحة...

و قد شرب القوم ماء الفرات # و قلدك الأشعث الفضحة

[ (2) ]و هي: الوقعة المعروفة بوقعة الخميس (وقعة صفين ص 362) و ليلة الهرير (وقعة صفين ص 475) .

و يوم الهرير و هو اليوم الأعظم في معركة صفين (وقعة صفين ص 479) .

[ (3) ]و اللََّه يا عمرو إن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي، اذهب إليك، فليس مثلي يخدع.

(وقعة صفين ص 316 و 388) .

127

براز عمرو بن العاص لعليّ‏

قال: و ذكروا أن عمرا قال لمعاوية: أ تجبن عن علي، و تتهمني في نصيحتي إليك؟و اللََّه لأبارزن عليا و لو مت ألف موتة في أول لقائه. فبارزه عمرو[ (1) ]، فطعنه عليّ فصرعه، فاتقاه بعورته فانصرف عنه عليّ، و ولى بوجهه دونه. و كان علي رضي اللََّه عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد، حياء و تكرما، و تنزها عما لا يحل و لا يجمل بمثله، كرم اللََّه وجهه.

قطع الميرة عن أهل الشام‏

قال: و ذكروا

أن عليا دعا زجر بن قيس، فقال له: سر في بعض هذه الخيل إلى القطقطانة[ (2) ]، فاقطع الميرة عن معاوية، و لا تقتل إلا من يحل لك قتله، وضع السيف موضعه،

فبلغ ذلك معاوية، فدعا الضحاك بن قيس، فأمره أن يلقى زحر بن قيس فيقاتله، فسار الضحاك فلقيه زحر فهزمه، و قتل من أصحابه، و قطع الميرة عن أهل الشام، و رجع الضحاك إلى معاوية منهزما، فجمع معاوية الناس، فقال: أتاني خبر من ناحية من نواحيّ، أمر شديد، فقالوا:

يا أمير المؤمنين، لسنا في شي‏ء مما أتاك، إنما علينا السمع و الطاعة، و بلغ عليا قول معاوية و قول أهل الشام، فأراد أن يعلم ما رأي أهل العراق، فجمعهم،

فقال: أيها الناس إنه أتاني خبر من ناحية من نواحي. فقال ابن الكواء و أصحابه: إن لنا في كل أمر رأيا، فما أتاك فأطلعنا عليه، حتى نشير عليك.

فبكى علي، ثم قال: ظفر و اللََّه ابن هند باجتماع أهل الشام له، و اختلافكم عليّ، و اللََّه ليغلبن باطله حقكم، إنما أتاني أن زحر بن قيس ظفر بالضحاك، و قطع الميرة، و أتى معاوية هزيمة صاحبه، فقال: يا أهل الشام، إنه أتاني أمر شديد، فقلدوه أمرهم، و اختلفتم عليّ.

فقام قيس بن سعد، فقال: أما و اللََّه لنحن كنا أولى بالتسليم من أهل الشام.

[ (1) ]في وقعة صفين أن عمرو بن العاص صارع عليا و لم يعرفه حيث قال لمعاوية ص 407: أما و اللََّه أن لو عرفته ما أقحمت عليه.

[ (2) ]القطقطانة: موضع بالكوفة.

128

قدوم أبي هريرة و أبي الدرداء[ (1) ]على معاوية و عليّ‏

قال: و ذكروا أن أبا هريرة و أبا الدرداء قدما على معاوية من حمص، و هو بصفين، فوعظاه و قالا له: يا معاوية، علام تقاتل عليا و هو أحق بهذا الأمر منك في الفضل و السابقة؟لأنه رجل من المهاجرين الأولين، السابقين بإحسان، و أنت طليق، و أبوك من الأحزاب. أما و اللََّه ما نقول لك أن تكون العراق أحب إلينا من الشام، و لكن البقاء أحب إلينا من الفناء، و الصلاح أحب إلينا من الفساد. فقال معاوية: لست أزعم أني أولى بهذا الأمر من علي، و لكني أقاتله حتى يدفع إليّ قتلة عثمان. فقالا: إذا دفعهم إليك ما ذا يكون؟قال: أكون رجلا من المسلمين، فأتيا عليا فإن دفع إليكما قتلة عثمان جعلتها شورى. فقدما على عسكر علي، فأتاهما الأشتر، فقال: يا هذان إنه لم ينزلكما الشام حب معاوية، و قد زعمتما أنه يطلب قتلة عثمان، فعمن أخذتما ذلك فقبلتماه؟أ عمن قتله فصدقتموهم على الذنب، كما صدقتموهم على القتل؟أم عمن نصره، فلا شهادة لمن جرّ إلى نفسه، أم عمن اعتزلوا، إذ علموا ذنب عثمان و قد علموا ما الحكم في قتله؟أم عن معاوية و قد زعم أن عليا قتله؟اتقيا اللََّه، فإننا شهدنا و غبتما، و نحن الحكام على من غاب. فانصرفا ذلك اليوم، فلما أصبحا أتيا عليا، فقالا له: إن لك فضلا لا يدفع‏[ (2) ]، و قد سرت مسير فتى إلى سفيه من السفهاء، و معاوية يسألك أن تدفع إليه قتلة عثمان، فإن فعلت ثم قاتلك كنا معك.

قال علي: أ تعرفانهم؟

قالا: نعم. قالا: فخذاهم، فأتيا محمد بن أبي بكر، و عمار بن ياسر، و الأشتر[ (3) ]، فقالا: أنتم من قتلة عثمان و قد أمرنا بأخذكم، فخرج إليهما أكثر من عشرة آلاف رجل، فقالوا: نحن قتلنا عثمان، فقالا: نرى أمرا شديدا ألبس علينا الرجل. و إن أبا هريرة و أبا الدرداء انصرفا إلى منزلهما بحمص، فلما قدما حمص لقيهما عبد الرحمن بن عثمان‏[ (4) ]، فسألهما عن مسيرهما، فقصا عليه [ (1) ]في الأخبار الطوال ص 170 أبو أمامة الباهلي و أبو الدرداء. و المشهور أن أبا الدرداء مات في خلافة عثمان. (انظر الإصابة 5/46 و تهذيب التهذيب 8/176) . و الخبر في فتوح ابن الأعثم 3/94.

[ (2) ]زيد عند ابن الأعثم: و شرفا لا ينكر.

[ (3) ]زيد عند ابن الأعثم: و عدي بن حاتم و عمرو بن الحمق و فلان و فلان.

[ (4) ]عند ابن الأعثم: عبد الرحمن بن غنم الأشعري صاحب معاذ بن جبل.

129

القصة، فقال: العجب منكما أنكما من صحابة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، أما و اللََّه لئن كففتما أيديكما ما كففتما ألسنتكما، أ تأتيان عليا و تطلبان إليه قتلة عثمان و قد علمتما أن المهاجرين و الأنصار لو حرموا دم عثمان نصروه، و بايعوا عليا على قتلته، فهل فعلوا؟و أعجب من ذلك رغبتكما عما صنعوا، و قولكما لعليّ: اجعلها شورى، و اخلعها من عنقك، و إنكما لتعلمان أن من رضي بعلي خير ممن كرهه، و أن من بايعه خير ممن لم يبايعه، ثم صرتما رسولي رجل من الطلقاء، لا تحلّ له الخلافة، ففشا قوله و قولهما، فهمّ معاوية بقتله، ثم راقب فيه عشيرته.

وقوع عمرو بن العاص في عليّ‏

و ذكروا أن رجلا من همذان يقال له برد قدم على معاوية، فسمع عمرا يقع في علي،

فقال له: يا عمرو، إن أشياخنا سمعوا رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه،

فحق ذلك أم باطل؟فقال عمرو:

حق، و أنا أزيدك أنه ليس أحد من صحابة رسول اللََّه له مناقب مثل مناقب علي، ففزع الفتى، فقال عمرو: إنه أفسدها بأمره في عثمان، فقال برد: هل أمر أو قتل؟قال: لا، و لكنه آوى و منع. قال: فهل بايعه الناس عليها؟قال: نعم.

قال: فما أخرجك من بيعته؟قال: اتهامي إياه في عثمان. قال له: و أنت أيضا قد اتهمت؟قال: صدقت فيها خرجت إلى فلسطين، فرجع الفتى إلى قومه فقال: إنا أتينا قوما أخذنا الحجة عليهم من أفواههم. عليّ على الحق فاتبعوه.

كتاب معاوية إلى أبي أيوب الأنصاري‏

[ (1) ] قال: و ذكروا أن معاوية كتب إلى أبي أيوب الأنصاري، و كان أشد الأنصار على معاوية: أما بعد، فإنّي ناسيتك ما لا تنسى الشيباء. فلما قرأ كتابه أتى به عليا، فأقرأه إياه.

قال علي: يعني بالشيباء المرأة الشمطاء[ (2) ]لا تنسى ثكل ابنها، [ (1) ]هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، كان سيدا معظما من سادات الأنصار، نزل عليه رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته و مسجده مات بالقسطنطينية سنة 52.

[ (2) ]في وقعة صفين ص 366: الشيباء المرأة البكر ليلة افتضاضها لا تنسى بعلها الّذي افترعها أبدا.

130

فأنا لا أنسى قتل عثمان.

فكتب إليه أبو أيوب: إنه لا تنسى الشيباء ثكل ولدها، و ضربتها مثلا لقتل عثمان، فما نحن و قتلة عثمان؟إن الّذي تربص بعثمان، و ثبط أهل الشام عن نصرته لأنت، و إن الذين قتلوه غير الأنصار، و السلام.

ما خاطب به النعمان بن بشير قيس بن سعد

قال: و ذكروا أن النعمان بن بشير الأنصاري وقف بين الصفين‏[ (1) ]، فقال: يا قيس بن سعد، أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه، إنكم يا معشر الأنصار أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، و قتلكم أنصاره يوم الجمل، و إقحامكم على أهل الشام بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا، كان هذا بهذا، و لكنكم خذلتم حقا، و نصرتم باطلا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس، حتى أشعلتم الحرب، و دعوتم إلى البراز، فقد و اللََّه وجدتم رجال الحرب من أهل الشام سراعا إلى برازكم، غير أنكاس عن حربكم، ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة، و وعدتموه الظفر، و قد و اللََّه أخلفتموه، و هان عليكم بأسكم، و ما كنتم لتخلوا به أنفسكم، من شدتكم في الحرب، و قدرتكم على عدوكم، و قد أصبحتم أذلاء على أهل الشام، لا يرون حربكم شيئا، و أنتم أكثر منهم عددا و مددا، و قد و اللََّه كاثروكم بالقلة، فكيف لو كانوا مثلكم في الكثرة؟و اللََّه لا تزالون أذلاء في الحرب بعدها أبدا، إلا أن يكون معكم أهل الشام، و قد أخذت الحرب منا و منكم ما قد رأيتم، و نحن أحسن بقية، و أقرب إلى الظفر، فاتقوا اللََّه في البقية.

فضحك قيس و قال: و اللََّه ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذا المقام‏[ (2) ]، أما المنصف المحقّ فلا ينصح أخاه من غشّ نفسه، و أنت و اللََّه الغاشّ لنفسه، المبطل فيم انتصح غيره، أما ذكرك عثمان فإن كان الإيجاز يكفيك فخذه، قتل عثمان من لست خيرا منه، و خذله من هو خير منك، و أما أصحاب الجمل‏فقاتلناهم على النكث، و أما معاوية فلو اجتمعت العرب على بيعته [ (1) ]لم يكن مع معاوية من الأنصار غيره و مسلمة بن مخلد و كان معاوية قد أغضبهما و همّا أن ينصرفا إلى قومهما ثم استرضاهما، و رجا معاوية النعمان أن يكلم قيس بن عبادة و يسأله السلم (انظر وقعة صفين ص 448 و قد ذكر الخبر فيها باختلاف و زيادة) .

[ (2) ]في وقعة صفين: على هذه المقالة.

131

لقاتلهم الأنصار، و أما قولك: إنا لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم نتقي السيوف بوجوهنا، و الرماح بنحورنا، حَتََّى جََاءَ اَلْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اَللََّهِ وَ هُمْ كََارِهُونَ . و لكن انظر يا نعمان: هل ترى مع معاوية إلا طليقا أعرابيا، أو يمانيا مستدرجا؟و انظر أين المهاجرون و الأنصار، و التابعون بإحسان، الذين رضي اللََّه عنهم و رضوا عنه؟ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك و غير صويحبك‏[ (1) ]، و لستما و اللََّه بدريين، و لا عقبيين‏[و لا أحديين‏]، و لا لكما سابقة في الإسلام، و لا آية في القرآن‏[ (2) ].

كتاب عمرو إلى ابن عباس‏

قال: و ذكروا أن معاوية قال لعمرو بن العاص: إن رأس أهل العراق‏[ (3) ]مع علي عبد اللََّه بن عباس، فلو ألقيت إليه كتابا ترفق فيه، فإن قال شيئا لم يخرج منه عليّ، و قد أكلتنا هذه الحرب، و لا أرانا نطيق العراق إلا بهلاك الشام. فقال له عمرو: إن ابن عباس لا يخدع، و لو طمعت فيه طمعت في عليّ. قال معاوية: على ذلك. فكتب عمرو إلى ابن عباس: أما بعد، فإن الّذي نحن و أنت فيه ليس أول أمر قاده البلاء، و ساقته العافية، و إنك رأس هذا الجمع بعد عليّ، فانظر فيما بقي بغير ما مضى، فو اللََّه ما أبقت هذه الحرب لنا و لا لكم حياة و لا صبرا. و اعلم أن الشام لا تهلك إلا بهلاك العراق، و أن العراق لا تهلك‏[ (4) ]إلا بهلاك الشام، فما خيرنا بعد أعدادنا منكم؟و ما خيركم بعد أعدادكم منا؟و لسنا نقول: ليت الحرب عادت‏[ (5) ]، و لكنا نقول: ليتها لم تكن. و إن فينا لمن يكره البقاء كما فيكم، و إنما هما ثلاثة: أمير مطاع، أو مأمور مطيع، أو مشاور مأمون. فأما العاصي السفيه‏[ (6) ]فليس بأهل أن يدعى في ثقات أهل الشورى، و لا خواص أهل النجوى.

[ (1) ]يريد مسلمة بن مخلد.

[ (2) ]زيد في وقعة صفين: «و لعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك» إشارة إلى بشير بن سعد لما بايع أبا بكر يوم سقيفة بني ساعدة.

[ (3) ]في وقعة صفين ص 410: بعد.

[ (4) ]في وقعة صفين في الموضعين: لا تملك.

[ (5) ]في وقعة صفين: غارت.

[ (6) ]في وقعة صفين: و أما الأشتر الغليظ الطبع القاسي القلب.

132

جواب عبد اللََّه بن عباس إلى عمرو بن العاص‏

قال: و ذكروا أنه لما انتهى كتاب عمرو إلى ابن عباس، أتى به إلى علي، فأقرأه إياه،

فقال علي: قاتل اللََّه ابن العاص، أجبه.

فكتب إليه: أما بعد، فإنّي لا أعلم رجلا أقل حياء منك في العرب، إنك مال بك الهوى إلى معاوية، و بعته دينك بالثمن الأوكس، ثم خبطت الناس في عشواء، طمعا في هذا الملك، فلما ترامينا، أعظمت الحرب و الرماء إعظام أهل الدين، و أظهرت فيها كراهية أهل الورع، لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب، و كسر أهل الدين، فإن كنت تريد اللََّه فدع مصر، و ارجع إلى بيتك، فإن هذه حرب ليس فيها معاوية كعليّ، بدأها علي بالحق، و انتهى فيها إلى العذر، و بدأها معاوية بالبغي، و انتهى فيها إلى السرف، و ليس أهل الشام فيها كأهل العراق، بايع أهل العراق عليا و هو خير منهم، و بايع أهل الشام معاوية و هم خير منه، و لست أنا و أنت فيها سواء، أردت اللََّه، و أنت أردت مصر، و قد عرفت الشي‏ء الّذي باعدك مني، و لا أعرف الشي‏ء الّذي قربك من معاوية، فإن ترد شرّا لا تفتنا به، و إن ترد خيرا لا تسبقنا إليه.

أمر معاوية مروان بحرب الأشتر

قال: و ذكروا أن معاوية دعا مروان بن الحكم، فقال: يا مروان، إن الأشتر قد غمني، فاخرج بهذه الخيل، فقاتله بها غدا. فقال مروان: ادع لها عمرا، فإنه شعارك دون دثارك. قال معاوية: و أنت نفسي دون وزيري. قال مروان: لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء، و ألحقته بي في الحرمان، و لكنك أعطيته ما في يدك، و منيتني ما في يدي غيرك، فإن غلبت طاب المقام، و إن غلبت خف عليك المهرب. قال معاوية: يغني اللََّه عنك، قال: أما اليوم فلا. فدعا معاوية عمرا، فأمره بأمره، فقال: أما و اللََّه لئن فعلت لقد قدمتني كافيا، و أدخلتني ناصحا، و قد غمك القوم في مصر، فإن كان لا يرضيهم إلا أخذها فخذها، عليها لعنة اللََّه، أما و اللََّه يا أمير المؤمنين إن مروان يباعدك منا و يباعدنا منك، و يأبى اللََّه إلا أن يقربنا إليك‏.

133

كتاب معاوية إلى ابن عباس‏[ (1) ]

قال: و ذكروا أن معاوية كتب إلى عبد اللََّه بن عباس رضي اللََّه عنهما: أما بعد، فإنكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع منكم بالمساءة إلى أنصار عثمان، فإن يك ذلك لسلطان بني أمية، فقد ورثها عدي و تيم، و قد وقع من الأمر ما قد ترى، و أدالت هذه الحرب بعضنا من بعض، حتى استوينا فيها، فما أطمعكم فينا، و ما أيأسكم منا أيأسنا منكم، و قد رجونا غير الّذي كان، و خشينا دون ما وقع، و لستم ملاقينا اليوم بأحد من حدّكم أمس، و قد منعنا بما كان منا الشام، و قد منعتم بما كان منكم العراق، فاتقوا اللََّه في قريش، فما بقي من رجالها إلا ستة: رجلان بالشام، و رجلان بالعراق، و رجلان بالحجاز، فأما اللذان بالحجاز: فسعد، و عبد اللََّه بن عمر، و أما اللذان بالشام: فأنا، و عمرو، و أما اللذان بالعراق، فعلي و أنت. و من الستة رجلان ناصبان لك، و آخران واقفان عليك، و أنت رأس هذا الجمع اليوم و غدا، و لو بايع الناس لك بعد عثمان كنا أسرع إليك منا إلى عليّ.

جوابه‏

قال: و ذكروا أنه لما أتى كتاب معاوية إلى ابن عباس ضحك، ثم قال:

حتى متى يخطب إليّ معاوية عقلي؟و حتى متى أجمجم له عما في نفسي؟ فكتب إليه: أما بعد، فقد جاءني كتابك فأما ما ذكرت من سرعتنا بالمساءة إلى أنصار عثمان لسلطان بني أمية، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك، لقد استنصرك فلم تنصره، حتى صرت إلى ما صرت إليه، و بيني و بينك في ذلك ابن عمك، و أخو عثمان الوليد بن عقبة[ (2) ]، و أما قولك: إنه لم يبق من رجال قريش غير ستة، فما أكثر رجالها، و أحسن بقيتها، و قد قاتلك من خيارها من قاتلك، و لم يخذلنا إلا من خذلك، و أما إغراؤك إيانا بعدي و تيم، فأبو بكر و عمر كانا [ (1) ]و قد جاء كتاب معاوية إلى ابن عباس بعد ما رد على كتاب عمرو بن العاص، و قد رمى معاوية- كما قال-من كتابته إشغال علي و ابن عباس بالكتابة، و كان معاوية قد تخوف من هجوم كبير قد يشنه على أصحابه عليّ و أصحابه (انظر وقعة صفين ص 414 و فتوح ابن الأعثم 3/254 و الكتاب فيهما باختلاف و زيادة) .

[ (2) ]الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخو عثمان من الرضاع.

134

خيرا منك و من عثمان، كما أن عليا خير منك، و أما قولك: إنا لن نلقاك إلا بما لقيناك به، فقد بقي لك منا يوم ينسيك ما قبله، و تخاف له ما بعده، و أما قولك:

إنه لو بايعني الناس استقمت فقد بايعوا عليا و هو خير مني، فلم تستقم له، و إن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان في الشورى، فما أنت و الخلافة؟و أنت طليق الإسلام، و ابن رأس الأحزاب، و ابن آكلة الأكباد من قتلى بدر.

خطبة علي كرم اللََّه وجهه‏

قال: و ذكروا

أن عليا قام خطيبا فقال: أيها الناس، ألا إن هذا القدر[ (1) ] ينزل من السماء كقطر المطر، على كل نفس بما كسبت من زيادة أو نقصان، في أهل أو مال، فمن أصابه نقصان في أهل أو مال فلا يغشّ نفسه، ألا و إنما المال حرث الدنيا، و العمل الصالح حرث الآخرة، و قد يجمعهما اللََّه لأقوام، و قد دخل في هذا العسكر طمع من معاوية، فضعوا عنكم هم الدنيا بفراقها، و شدّة ما اشتدّ منها، برجاء ما بعدها، فإن نازعتكم أنفسكم إلى غير ذلك فردوها إلى الصبر، و وطنوها على العزاء، فو اللََّه إن أرجى ما أرجوه الرزق من اللََّه، حيث لا نحتسب، و قد فارقكم مصقلة بن هبيرة، فآثر الدنيا على الآخرة، و فارقكم بشر بن أرطاة فأصبح ثقيل الظهر من الدماء، مفتضح البطن من المال، و فارقكم زيد بن عدي بن حاتم، فأصبح يسأل الرجعة. و ايم اللََّه لوددت رجال مع معاوية أنهم معي، فباعوا الدنيا بالآخرة، و لوددت رجال معي أنهم مع معاوية، فباعوا الآخرة بالدنيا

.

قدوم ابن أبي محجن على معاوية

قال: و ذكروا أن عبد اللََّه بن أبي محجن الثقفي قدم على معاوية. فقال: يا أمير المؤمنين، إني أتيتك من عند الغبي الجبان البخيل ابن أبي طالب. فقال معاوية: للََّه أنت!أ تدري ما قلت؟أما قولك الغبي، فو اللََّه لو أن ألسن الناس جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان عليّ، و أما قولك إنه جبان، فثكلتك أمك، هل رأيت أحدا قط بارزه إلا قتله؟و أما قولك إنه بخيل، فو اللََّه لو كان له بيتان أحدهما من تبر و الآخر من تبن، لأنفذ تبره قبل تبنه. فقال الثقفي: فعلام [ (1) ]في النهج: الأمر. ـ

135

تقاتله إذا؟قال: على دم عثمان، و على هذا الخاتم، الّذي من جعله في يده جادت طينته، و أطعم عياله، و ادخر لأهله. فضحك الثقفي ثم لحق بعلي، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي يديّ بجرمي، لا دنيا أصبت و لا آخرة.

فضحك علي، ثم‏

قال: أنت منها على رأس أمرك، و إنما يأخذ اللََّه العباد بأحد الأمرين.

رفع أهل الشام المصاحف‏

قال: و ذكروا أن أهل العسكرين باتوا بشدة من الألم‏[ (1) ]، و نادى عليّ أصحابه، فأصبحواعلى راياتهم و مصافّهم، فلما رآهم معاوية و قد برزوا للقتال، قال لعمرو بن العاص: يا عمرو، أ لم تزعم أنك ما وقعت في أمر قط إلا خرجت منه؟قال: بلى، قال: أ فلا تخرج مما ترى؟قال: و اللََّه لأدعونّهم إن شئت إلى أمر أفرق به جمعهم، و يزداد جمعك إليك اجتماعا، إن أعطوكه اختلفوا، و إن منعوكه اختلفوا. قال معاوية: و ما ذلك؟قال عمرو: تأمر بالمصاحف فترفع ثم تدعوهم إلى ما فيها، فو اللََّه لئن قبله لتفترقن عنه جماعته، و لئن ردّه ليكفرنه أصحابه.

فدعا معاوية بالمصحف، ثم دعا رجلا من أصحابه يقال له ابن هند[ (2) ]، فنشره بين الصفين، ثم نادى: اللََّه اللََّه في دمائنا و دمائكم الباقية، بينا و بينكم كتاب اللََّه. فلما سمع الناس ذلك ثاروا إلى عليّ، فقالوا: قد أعطاك معاوية الحق، و دعاك إلى كتاب اللََّه، فأقبل منه. و رفع صاحب معاوية المصحف و هو يقول:

بيننا و بينكم هذا المصحف، ثم تلا: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ يُدْعَوْنَ إِلى‏ََ كِتََابِ اَللََّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَتَوَلََّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ [آل عمران: 23]، ثم نادى من لفارس من الروم؟فقال الأشعث: و اللََّه لا نأتي هذه أبدا، و نرضى معك، أو نقاتل معك و تابعه أشراف أهل اليمن، و ركنوا إلى الصلح، و كرهوا القتال.

[ (1) ]كان ذلك بعد ما اشتدت الحرب، و بقي الناس يقتتلون ليلتهم حتى أصبحوا و قد قتل من القوم تلك الليلة أكثر من ستة و ثلاثين ألفا من حجاحجة العرب، و بعد ما طلعت الشمس و تعالى النهار كانت السيوف تأخذ هام الرجال، و كان مشايخ أهل الشام ينادون: اللََّه اللََّه في البقية، اللََّه اللََّه في الحرم و الذرية.

[ (2) ]في وقعة صفين ص 481: أبو الأعور السلمي. (و انظر الأخبار الطوال ص 189) .

136

ما تكلم به عبد اللََّه بن عمرو و أهل العراق‏

قال: و ذكروا أن معاوية دعا عبد اللََّه بن عمرو بن العاص، فأمره أن يكلم أهل العراق، فأقبل عبد اللََّه بن عمرو، حتى إذا كان بين الصفين نادى: يا أهل العراق، أنا عبد اللََّه بن عمرو بن العاص، إنه قد كانت بيننا و بينكم أمور للدين و الدنيا، فإن تك للدين، فقد و اللََّه أسرفنا و أسرفتم‏[ (1) ]، و إن تك للدنيا فقد و اللََّه أعذرنا و أعذرتم‏[ (1) ]، و قد دعوناكم لأمر لو دعوتمونا إليه أجبناكم، فإن يجمعنا و إياكم الرضا، فذلك من اللََّه، و إلا فاغتنموا هذه الفرجة، لعلّ اللََّه أن ينعش بها الحيّ‏[ (2) ]، و ينسى بها القتيل، فإن بقاء المقلد بعد الهالك قليل.

فقال عليّ لسعد[ (3) ]بن قيس: أجب الرجل،

و قد كان عبد اللََّه بن عمرو قاتل يوم صفين بسيفين، و كان من حجته أن قال: أمرني رسول اللََّه أن أطيع أبي. فتقدّم سعد بن قيس، حتى إذا كان بين الصفين نادى: يا أهل الشام إنه كانت بيننا و بينكم أمور حامينا فيها على الدين و الدنيا، و قد دعوتمونا إلى ما قاتلناكم عليه أمس، و لم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم، و لا أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل منه، فإن يحكم فيه بما أنزل اللََّه فالأمر في أيدينا، و إلا فنحن نحن، و أنتم أنتم، و إن الناس ثاروا إلى عليّ عند كلام عبد اللََّه بن عمرو، فقالوا: أجب القوم إلى ما دعوك إليه، فإنا دعونا عثمان إلى ما دعاك القوم إليه، فأبى فقاتلناه. فبعث عليّ الأشعث إلى أهل الرايات، يأمرهم أن ينقضوها و يرجعوا إلى رحالهم، حتى يبرموا رأيهم» .

ما خاطب به عتبة بن أبي سفيان الأشعث بن قيس‏

قال: و ذكروا أن معاوية دعا عتبة، فقال له: ألن إلى الأشعث كلاما، فإنه إن رضي بالصلح رضيت به العامة، فخرج عتبة حتى إذا وقف بين الصفين نادى الأشعث، فأتاه. فقال عتبة: أيها الرجل، إن معاوية لو كان لاقيا أحدا غيرك و غير عليّ لقيك، إنك رأس أهل العراق، و سيد أهل اليمن، و من قد سلف إليه من [ (1) ]في وقعة صفين ص 483: أعذرنا و أعذرتم... أسرفنا و أسرفتم.

[ (2) ]في وقعة صفين: المحترف.

[ (3) ]في وقعة صفين: سعيد.

137

عثمان ما قد سلف من الصهر و العمل، و لست كأصحابك. أما الأشتر فقتل عثمان، و أما عديّ فخصص، و أما سعد بن قيس فقلد عليا دينه، و أما شريح بن هانئ و زحر بن قيس فلا يعرفان غير الهوى، و أما أنت فحاميت عن أهل العراق تكرّما، و حاربت أهل الشام حميّة و قد و اللََّه بلغنا منك ما أردنا، و بلغت منا ما أردت، و إنا لا ندعوك إلى ما لا يكون منك من تركك عليا، و لا نصرة معاوية و لكنا ندعوك إلى البقية، التي فيها صلاحك و صلاحنا.

فتكلم الأشعث فقال: يا عتبة، أما قولك إن معاوية لا يلقى إلا عليا، فلو لقيني ما زاد و لا عظم في عيني، و لا صغرت عنه، و لئن أحب أن أجمع بينه و بين عليّ لأفعلن، و أما قولك: إني رأس أهل العراق و سيد أهل اليمن، فالرأس الأمير، و السيد المطاع، و هاتان لعليّ، و أما ما سلف إليّ من عثمان فو اللََّه ما زادني صهره شرفا، و لا عمله غنى، و أما عيبك أصحابك، فإن هذا الأمر لا يقربك مني، و أما محاماتي عن العراق، فمن نزل بيننا حميناه، و أما البقية فلسنا بأحوج منها إليكم.

كتاب معاوية إلى علي رضي اللََّه عنهما

قال: و ذكروا أن عليا أظهر أنه مصبح معاوية للقتال، فبلغ ذلك معاوية ففزع أهل الشام، فانكسروا لذلك، فقال معاوية لعمرو: إني قد رأيت رأيا، أن أعيد[ (1) ]إلى علي كتابا أسأله فيه الشام. فضحك عمرو، ثم قال: أين أنت يا معاوية من خدعة علي؟فقال معاوية: أ لسنا بني عبد مناف؟فقال: بلى و لكن لهم النبوة دونكم، فإن شئت أن تكتب فاكتب. فكتب معاوية إلى علي: أما بعد، فإنّي أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، و إن كنا قد غلبنا على عقولنا، فلنا منها ما نذم به ما مضى، و نصلح ما بقي، و قد كنت سألتك‏[ (2) ]ألا يلزمني لك طاعة و لا بيعة، فأبيت ذلك علي، فأعطاني اللََّه ما منعت، و إني أدعوك إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو، و لا تخاف من الفناء إلا ما أخاف. و قد و اللََّه رقت [ (1) ]و كان معاوية كان قد كتب سابقا إلى علي يطلب منه الشام فرده عنه.

[ (2) ]في وقعة صفين ص 470: سألتك الشام على ألا يلزمني.

138

الأجناد، و ذهبت الرجال، و نحن بنو عبد مناف، ليس لبعضنا على بعض فضل، إلا فضل لا يستذل به عزيز، و لا يسترقّ به حر.

جوابه‏

فلما انتهى كتابه إلى علي، دعا كاتبه عبيد اللََّه بن رافع‏[ (1) ]،

فقال: اكتب:

«أما بعد، فقد جاءني كتابك، تذكر أنك لو علمت و علمنا أن الحرب تبلغ ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، و أنا و إياك في غاية لم نبلغها بعد[ (2) ]، و أما طلبك إليّ الشام، فإنّي لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس، و أما استواؤنا في الخوف و الرجاء، فإنك لست أمضى على الشك مني على اليقين، و ليس أهل الشام بأحرص من أهل العراق على الآخرة، و أما قولك: إنا بنو عبد مناف فكذلك، و لكن ليس أمية كهاشم، و لا حرب كعبد المطلب، و لا أبو سفيان كأبي طالب و لا المهاجر كالطليق، و لا المحقّ كالمبطل، و في أيدينا فضل النبوة[ (3) ]التي قتلنا بها العزيز، و بعنا بها الحر، و السلام.

فلما أتى معاوية الكتاب أقرأه عمرا، فشمت به عمرو، و لم يكن أحد أشد تعظيما لعلي من عمرو بن العاص بعد يوم مبارزته، فقال معاوية لعمرو: قد علمت أن إعظامك لعليّ لما فضحك، قال عمرو: لم يفتضح امرؤ بارز عليا، و إنما افتضح من دعاه إلى البراز فلم يجبه.

اختلاف أهل العراق في الموادعة

قال: و ذكروا أنه لما عظم الأمر، و استحر القتال، قال له رأس من أهل العراق: إن هذه الحرب قد أكلتنا، و أذهبت الرجال، و الرأي الموادعة. و قال بعضهم: لا بل نقاتلهم اليوم على ما قاتلناهم عليه أمس، و كانت الجماعة قد رضيت الموادعة، و جنحت إلى الصلح و المسالمة.

فقام علي خطيبا فقال: أيها

[ (1) ]في وقعة صفين: بن أبي رافع.

[ (2) ]زيد في وقعة صفين: و إني لو قتلت في ذات اللََّه، و حييت، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة، لم أرجع عن الشدة في ذات اللََّه، و الجهاد لأعداء اللََّه، و أما قولك إنه قد بقي من عقولنا ما عدم به على ما مضى، فإنّي ما نقصت عقلي، و لا ندمت على فعلي.

[ (3) ]في وقعة صفين: التي أذللنا بها العزيز، و أعززنا بها الذليل.

139

الناس، إني لم أزل من أمري على ما أحب حتى قدحتكم الحرب، و قد و اللََّه أخذت منكم و تركت، و هي لعدوكم أنهك. و قد كنت بالأمس أميرا، فأصبحت اليوم مأمورا، و كنت ناهيا فأصبحت اليوم منهيا، فليس لي أن أحملكم على ما تكرهون‏

[ (1) ].

ما ردّ كردوس بن هانئ على عليّ‏

قال و ذكروا أن كردوس بن هانئ قام فقال: أيها الناس، إنه و اللََّه ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه، و لا تبرأنا من علي منذ توليناه، و إن قتيلنا[ (2) ]لشهيد، و إن حيّنا لفائز، و إن عليا على بينة من ربه، و ما أجاب القوم إلا إنصافا، و كل محقّ منصف، فمن سلّم له نجا، و من خالفه هوى.

ما قال سفيان‏[ (3) ]بن ثور

قال: و ذكروا أن سفيان‏[ (3) ]بن ثور قال: أيها الناس إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب اللََّه، فردوه علينا، فقاتلناهم، و إنهم دعونا إلى كتاب اللََّه، فإن رددناه عليهم، حل لهم منا ما حل لنا منهم، و لسنا نخاف أن يحيف اللََّه علينا و رسوله، و إن عليا ليس بالراجع الناكص، و هو اليوم على ما كان عليه أمس، و قد أكلتنا هذه الحرب، و لا نرى البقاء إلا في الموادعة.

ما قال حريث بن جابر[البكري‏]

ثم قام حريث بن جابر، فقال: أيها الناس، إن عليا لو كان خلوا[ (4) ]من هذا الأمر لكان المرجع‏[ (5) ]إليه، فكيف و هو قائده و سابقه؟و إنه و اللََّه ما قبل من القوم اليوم إلا الأمر الّذي دعاهم إليه أمس، و لو رده عليهم كنتم له أعيب و لا [ (1) ]قارن مع وقعة صفين ص 484 و ابن الأعثم 2/308.

[ (2) ]في وقعة صفين و ابن الأعثم: و ان قتلانا لشهداء، و أحياءنا لأبرار.

[ (3) ]كذا بالأصل، و في الأخبار الطوال ص 189 و وقعة صفين ص 485 و ابن الأعثم 2/309 شقيق.

(و هو شقيق بن ثور البكري) .

[ (4) ]في وقعة صفين ص 485: خلفا.

[ (5) ]في وقعة صفين: المفزع إليه.

140

يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه، أو مستدرج مغرور، و ما بيننا و بين من طعن علينا إلا السيف.

ما قال خالد بن معمر[السدوسي‏]

ثم قام خالد بن معمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا و اللََّه ما أخرنا[ (1) ]هذا المقام أن يكون أحد أولى به منا، و لكن قلنا: أحب الأمور إلينا ما كفينا مئونته، فأما إذا استغنينا فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك القوم إليه اليوم، إن رأيت ذلك، و إن لم تره فرأيك أفضل.

ما قال الحصين بن المنذر[ (2) ]

ثم قام الحصين بن المنذر، و كان أحدث القوم سنا، فقال: أيها الناس، إنما بني هذا الدين على التسليم، فلا تدفعوه بالقياس، و لا تهدموه بالشبهة[ (3) ]، و إنا و اللََّه لو أنا لا نقبل من الأمور إلا ما نعرف، لأصبح الحق في الدنيا قليلا، و لو تركنا و ما نهوى لأصبح الباطل في أيدينا كثيرا، و إن لنا راعيا[ (4) ]قد حمدنا ورده و صدره، و هو المأمون على ما قال و فعل، فإن قال: لا، قلنا: لا، و إن قال:

نعم، قلنا: نعم.

ما قال عثمان بن حنيف‏

ثم قام عثمان بن حنيف، و كان من صحابة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و كان عاملا لعلي على البصرة، و كان له فضل، فقال: أيها الناس، اتهموا رأيكم، فقد و اللََّه كنا مع رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، بالحديبية يوم أبي جندل و إنا لنريد القتال، إنكارا للصلح، حتى ردنا عنه رسول اللََّه، و إن أهل الشام‏دعوا إلى كتاب اللََّه اضطرارا، فأجبناهم إليه إعذارا، فلسنا و القوم سواء إنا و اللََّه ما عدلنا الحي بالحي، و لا القتيل بالقتيل، و لا الشاميّ بالعراقيّ، [ (1) ]في وقعة صفين ص 485: اخترنا.

[ (2) ]في الأخبار الطوال ص 189: «الحضين» و في وقعة صفين ص 485 الحضين الربعي.

[ (3) ]في وقعة صفين: بالشفقة.

[ (4) ]في الأخبار الطوال و وقعة صفين: داعيا.

141

و لا معاوية بعلي، و إنه لأمر منعه غير نافع، و إعطاؤه غير ضائر، و قد كلت البصائر التي كنا نقاتل بها، و قد حمل الشك اليقين الّذي كنا نؤول إليه، و ذهب الحياء الّذي كنا نماري به، فاستظلوا في هذا الفي‏ء، و اسكنوا في هذه العافية، فإن قلتم: نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس، هيهات هيهات، ذهب و اللََّه قياس أمس، و جاء غد. فأعجب عليا قوله، و افتخرت به الأنصار، و لم يقل أحد بأحسن من مقالته.

ما قال عدي بن حاتم‏

ثم قام عدي بن حاتم، فقال: أيها الناس، إنه و اللََّه لو غير عليّ دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه، و لا وقع بأمر قط إلا و معه من اللََّه برهان، و في يديه من اللََّه سبب، و إنه وقف عن عثمان بشبهة، و قاتل أهل الجمل على النكث، و أهل الشام على البغي، فانظروا في أموركم و أمره، فإن كان له عليكم فضل، فليس لكم مثله، فسلموا له، و إلا فنازعوا عليه، و اللََّه لئن كان إلى العلم بالكتاب و السنة إنه لأعلم الناس بهما، و لئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي اللََّه، و الرأس في الإسلام، و لئن كان إلى الزهد و العبادة، إنه لأظهر الناس زهدا، و أنهكهم عبادة، و لئن كان إلى العقول و النحائز[ (1) ]، إنه لأشد الناس عقلا، و أكرمهم نحيزة، و لئن كان إلى الشرف و النجدة إنه لأعظم الناس شرفا و نجدة، و لئن كان إلى الرضا، لقد رضي به المهاجرون و الأنصار في شورى عمر رضي اللََّه عنهم، و بايعوه بعد عثمان، و نصروه على أصحاب الجمل و أهل الشام، فما الفضل الّذي قربكم إلى الهدى، و ما النقص الّذي قربه إلى الضلال، و اللََّه لو اجتمعتم جميعا على أمر واحد لأتاح اللََّه له من يقاتل لأمر ماض، و كتاب سابق.

فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام، و رجع كل من تشعّب على عليّ رضي اللََّه عنه.

ما قال عبد اللََّه بن حجل‏

ثم قام عبد اللََّه بن حجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أمرتنا يوم الجمل [ (1) ]النحائز جمع نحيزة و هي الطبيعة.

142

بأمور مختلفة، كانت عندنا أمرا واحدا، فقبلناها بالتسليم، و هذه مثل تلك الأمور، و نحن أولئك أصحابك، و قد أكثر الناس في هذه القضية، و ايم اللََّه ما المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف، و قد أخذت الحرب بأنفاسنا، فلم يبق إلا رجاء ضعيف، فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه، فأنت أولنا إيمانا، و آخرنا بنبي اللََّه عهدا، و هذه سيوفنا على أعناقنا، و قلوبنا بين جوانحنا، و قد أعطيناك بقيتنا، و شرحت بالطاعة صدورنا، و نفذت في جهاد عدوك بصيرتنا، فأنت الوالي المطاع، و نحن الرعية الأتباع، أنت أعلمنا بربنا و أقربنا بنبينا، و خيرنا في ديننا، و أعظمنا حقا فينا، فسدد رأيك نتبعك، و استخر اللََّه تعالى في أمرك، و أعزم عليه برأيك، فأنت الوالي المطاع، قال: فسرّ علي كرم اللََّه وجهه بقوله، و أثنى خيرا.

[ما قال صعصعة بن صوحان‏]

ثم قام صعصعة بن صوحان فقال: يا أمير المؤمنين، إنا سبقنا الناس إليك يوم قدوم طلحة و الزبير عليك، فدعانا حكيم إلى نصرة عاملك عثمان بن حنيف فأجبناه، فقاتل عدوّك، حتى أصيب في قوم من بني عبد قيس، عبدوا اللََّه حتى كانت أكفهم مثل أكف الإبل، و جباههم مثل ركب المعز، فأسر الحيّ و سلب القتيل، فكنا أوّل قتيل و أسير[ (1) ]، ثم رأيت بلاءنا بصفين، و قد كلت البصائر، و ذهب الصبر، و بقي الحق موفورا، و أنت بالغ بهذا حاجتك، و الأمر إليك، ما أراك اللََّه فمرنا به.

ما قال المنذر بن الجارود

ثم قام المنذر بن الجارود، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أرى أمرا لا يدين له الشام إلا بهلاك العراق، و لا يدين له العراق إلا بهلاك الشام، و لقد كنا نرى أن ما زادنا نقصهم، و ما نقصنا أضرّهم، فإذا في ذلك أمران، فإن رأيت غيره ففينا و اللََّه ما يفل به الحدّ، و يردّ به الكلب، و ليس لنا معك إيراد و لا صدر.

[ (1) ]إشارة إلى مقتل أخيه زيد بن صوحان العبديّ يوم الجمل. و قد جرح صعصعة أيضا يوم الجمل.

143

ما قال الأحنف بن قيس‏

ثم قام الأحنف بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس بين ماض و واقف، و قائل و ساكت، و كلّ في موضعه حسن، و إنه لو نكل الآخر عن الأول لم يقل شيئا، إلا أن يقول اليوم ما قد قيل أمس، و لكنه حق يقضى، و لم نقاتل القوم لنا و لا لك، إنما قاتلناهم للََّه، فإن حال أمر اللََّه دوننا و دونك فاقبله، فإنك أولى بالحق، و أحقنا بالتوفيق، و لا أرى إلا القتال.

ما قال عمير بن عطارد

ثم قام عمير بن عطارد فقال: يا أمير المؤمنين، إن طلحة و الزبير و عائشة كانوا أحب الناس إلى معاوية، و كانت البصرة أقرب إلينا من الشام، و كان القوم الذين وثبوا عليك من أصحاب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، خيرا من الذين وثبوا عليك من أصحاب معاوية اليوم، فو اللََّه ما منعنا ذلك من قتل المحارب، و عيب الواقف، فقاتل القوم إنا معك.

ما قال عليّ رضي اللََّه عنه بعده‏

ثم قام علي خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم‏

قال: أيها الناس، إنه قد بلغ بكم‏[ (1) ]و بعدوّكم ما قد رأيتم، و لم يبق منهم إلا آخر نفس، و إن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها، و قد صبر لكم القوم على غير دين، حتى بلغوا منكم ما بلغوا[ (2) ]، و أنا غاد عليهم بنفسي بالغداة فأحاكمهم بسيفي هذا إلى اللََّه.

نداء أهل الشام و استغاثتهم عليا رضي اللََّه عنه‏

قال: فلما بلغ معاوية قول علي دعا عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو إنما هي الليلة، حتى يغدو علينا عليّ بنفسه‏[ (3) ]، فما ترى؟قال عمرو: إن رجالك لا يقومون لرجاله، و لست مثله، أنت تقاتله على أمر، و يقاتلك على غيره، و أنت [ (1) ]في وقعة صفين ص 476: بلغ بكم الأمر.

[ (2) ]في وقعة صفين: حتى بلغنا منهم ما بلغنا.

[ (3) ]في وقعة صفين: بالفيصل. ـ

144

تريد البقاء، و علي يريد الفناء، و ليس يخاف أهل الشام من علي ما يخاف منك أهل العراق و إن هلكوا، و لكن ادعهم إلى كتاب اللََّه. فإنك تقضي منه حاجتك، قبل أن ينشب مخلبه فيك، فأمر معاوية أهل الشام أن ينادوهم، فنادوا في سواد الليل نداء معه صراخ‏و استغاثة، يقولون: يا أبا الحسن من لذرارينا من الروح إن قتلتنا؟اللََّه اللََّه، البقيا، كتاب اللََّه بيننا و بينكم. فأصبحوا و قد رفعوا المصاحف على الرماح، و قلدوها أعناق الخيل، و الناس على راياتهم قد أصبحوا للقتال.

ما أشار به عدي بن حاتم‏

فقام عدي بن حاتم، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهل الباطل‏[ (1) ]لا تعوق أهل الحق، و قد جزع القوم حين تأهبت للقتال بنفسك، و ليس بعد الجزع إلا ما تحب، ناجز القوم.

ما قال الأشتر و أشار به‏

ثم قام الأشتر فقال: يا أمير المؤمنين، ما أجبناك لدينا. إن معاوية لا خلف له من رجاله، و لكن بحمد اللََّه الخلف لك، و لو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك و لا نصرتك‏[ (2) ]، فافرج الحديد بالحديد، و استعن باللََّه.

ما قال عمرو بن الحمق‏

ثم قام عمرو بن الحمق، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أجبناك لدنيا، و لا نصرناك على باطل، ما أجبناك إلا للََّه تعالى، و لا نصرناك إلا للحق، و لو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا لكثر[ (3) ]فيه اللجاج، و طالت له النجوى، و قد بلغ الحق مقطعه، و ليس لنا معك رأي.

ما قال الأشعث بن قيس‏

ثم قام الأشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لك اليوم على ما [ (1) ]العبارة في وقعة صفين ص 482: إن كان أهل الباطل لا يقومون بأهل الحق فإنه لم يصب عصبة منا و قد أصيب مثلها منهم، و كلّ مقروح، و لكنا أمثل بقية منهم.

[ (2) ]في وقعة صفين ص 482: بصرك، فاقرع الحديد...

[ (3) ]في وقعة صفين ص 482: « لاستشرى» أي اشتد و قوي.

145

كنا عليه أمس، و لست أدري كيف يكون غدا. و ما القوم الذين كلموك بأحمد لأهل العراق مني، و لا بأوتر لأهل الشام مني، فأجب القوم إلى كتاب اللََّه، فإنك أحق به منهم، و قد أحب اللََّه البقيا[ (1) ].

ما قال عبد الرحمن بن الحارث‏

ثم قام عبد الرحمن بن الحارث، فقال: يا أمير المؤمنين، امض لأمر اللََّه، و لا يستخفنك الذين لا يوقنون. أحكم بعد حكم؟و أمر بعد أمر؟مضت دماؤنا و دماؤهم، و مضى حكم اللََّه علينا و عليهم‏.

ما رآه علي كرم اللََّه وجهه‏

قال: فمال علي إلى قول الأشعث بن قيس و أهل اليمن،

فأمر رجلا ينادي: إنا قد أجبنا معاوية إلى ما دعانا إليه، فأرسل معاوية إلى علي: إن كتاب اللََّه لا ينطق، و لكن نبعث رجلا منا و رجلا منكم، فيحكمان بما فيه. فقال علي:

قد قبلت ذلك.

ما قال عمار بن ياسر

فلما أظهر علي أنه قبل ذلك قام عمار بن ياسر فقال: يا أمير المؤمنين، أما و اللََّه لقد أخرجها إليك معاوية بيضاء، من أقر بها هلك، و من أنكرها ملك، مالك يا أبا الحسن؟شكّكتنا في ديننا!و رددتنا على أعقابنا بعد مائة ألف قتلوا منا و منهم؟أ فلا كان هذا قبل السيف؟و قبل طلحة و الزبير و عائشة، قد دعوك إلى ذلك فأبيت، و زعمت أنك أولى بالحقّ و أن من خالفنا منهم ضالّ حلال الدم، و قد حكم اللََّه تعالى في هذا الحال ما قد سمعت، فإن كان القوم كفارا مشركين، فليس لنا أن نرفع السيف عنهم، حتى يفيئوا إلى أمر اللََّه، و إن كانوا أهل فتنة فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى لا تكون فتنة، و يكون الدين كله للََّه، و اللََّه ما أسلموا، و لا أدوا الجزية، و لا فاءوا إلى أمر اللََّه، و لا طفئت الفتنة،

فقال علي: و اللََّه إني لهذا الأمر كاره.

[ (1) ]الأخبار الطوال ص 190 وقعة صفين ص 482.

146

قتل عمار بن ياسر

قال: فلما ردّ عليّ على عمار أنه كاره للقضية، و أنه ليس من رأيه، نادى عمار: أيها الناس هل من رائح إلى الجنة، فخرج إليه خمس مائة رجل، منهم أبو الهيثم و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، فاستسقى عمار الماء، فأتاه غلام له بإداوة فيها لبن، فلما رآه كبّر و

قال: سمعت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول: «آخر زادك من الدنيا لبن»

[ (1) ]، ثم قال عمار: اليوم ألقى الأحبة: محمدا و حزبه. ثم حمل عمار و أصحابه، فالتقى عليه رجلان فقتلاه‏[ (2) ]، و أقبلا برأسه إلى معاوية يتنازعان فيه، كل يقول أنا قتلته، فقال لهما عمرو بن العاص: و اللََّه إن تتنازعان إلا في النار،

سمعت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول: «تقتل عمارا الفئة الباغية»

[ (3) ]فقال معاوية: قبحك اللََّه من شيخ!فما تزال تتزلق في قولك، أو نحن قتلناه؟إنما قتله الذين جاءوا به، ثم التفت إلى أهل الشام فقال:

إنما نحن الفئة الباغية؟التي تبغي دم عثمان. فلما قتل عمار اختلط الناس، حتى ترك أهل الرايات مراكزهم، و أقحم أهل الشام، و ذلك من آخر النهار، و تفرق الناس عن عليّ، فقال عدي بن حاتم: و اللََّه يا أمير المؤمنين ما أبقت هذه الوقعة لنا و لا لهم عميدا، فقاتل حتى يفتح اللََّه تعالى لك، فإن فينا بقية،

فقال علي: يا عديّ، قتل عمار بن ياسر؟قال: نعم، فبكى علي و قال: رحمك اللََّه يا عمار، استوجب الحياة و الرزق الكريم، كم تريدون أن يعيش عمار، و قد نيّف على التسعين؟

[ (4) ].

هزيمة أهل الشام‏

ثم أقبل الأشتر جريحا، فقال: يا أمير المؤمنين، خيل كخيل، و رجال كرجال، و لنا الفضل إلى ساعتنا هذه، فعد مكانك الّذي كنت فيه، فإن الناس [ (1) ]رواه البيهقي في الدلائل 6/420 و الإمام أحمد في مسندة 4/319 و الحاكم في المستدرك 3/389.

[ (2) ]هما أبو العادية العاملي و ابن جون السكسكي (مروج الذهب) و في وقعة صفين لابن مزاحم: ابن جون السكونيّ، و أبو العادية الفزاري طعنه أبو العادية و احتز رأسه ابن جون.

[ (3) ]مسند الإمام أحمد 2/161، 3/5، 4/319، 6/315 و 289. و بعضه أخرجه مسلم في الفتن 4/233 و البخاري في الصلاة فتح الباري 1/541.

[ (4) ]في مروج الذهب: ثلاث و تسعون سنة.

147

إنما يطلبوك حيث تركوك. و إن عليا دعا بفرسه التي كانت لرسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، ثم دعا ببغلة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم الشهباء، ثم تعصب بعمامة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم السوداء، ثم نادى: من يبع نفسه اليوم‏يربح غدا، يوم له ما بعده، و إن عدوكم قد قدح كما قدحتم. فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى اثنى عشر ألفا واضعي سيوفهم على عواتقهم و تقدموا، فحمل عليّ و الناس حملة واحدة، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أهمد، حتى أفضى الأمر إلى معاوية، و علي يضرب بسيفه، و لا يستقبل أحدا إلاّ ولى عنه.

فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه، فلما وضع رجله في الركاب نظر إلى عمرو بن العاص، فقال له: يا بن العاص، اليوم صبر، و غدا فخر، قال: صدقت، فترك الركوب، و صبر و صبر القوم معه إلى الليل، فبات الناس يتحارسون، و كرهوا القتال، و هو اليوم الّذي فيه البلاء العظيم، يوم قتل عمار، و كل يظن أن الدائرة عليه، و أسرف الفريقان في القتل، و لم يكن في الإسلام بلاء و لا قتل أعظم منه في تلك الثلاثة الأيام، و إن عليا نادى بالرحيل في جوف الليل، فلما سمع معاوية رضي اللََّه عنه رغاء الإبل، دعا عمرو بن العاص، فقال: ما ترى هاهنا؟قال عمرو: أظن الرجل هاربا، فلما أصبحوا إذا علي و أصحابه إلى جانبهم قد خالطوهم، فقال معاوية: كلا، زعمت يا عمرو أنه هارب، فضحك و قال: من فعلاته و اللََّه، فعندها أيقن معاوية بالهلكة، و نادى أهل الشام: كتاب اللََّه بيننا و بينكم، و يومئذ استبان ذل أهل الشام، و رفعوا المصاحف، ثم ارتحلوا فاعتصموا بحبل منيف، و صاحوا: لا تردّ كتاب اللََّه يا أبا الحسن فإنك أولى به منا، و أحق من أخذ به.

ما قال الأشعث بن قيس‏

قال: فأقبل الأشعث بن قيس في أناس كثير من أهل اليمن، فقالوا لعليّ:

لا تردّ ما دعاك القوم إليه، قد أنصفك القوم، و اللََّه لئن‏لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك، و لا نرمي معك بسهم و لا حجر، و لا نقف معك موقفا.

ما قال القراء

قال: فلما سمع عليّ قول الأشعث و رأى حال الناس قبل القضية، و أجاب‏

148

إلى الصلح، و قام إلى عليّ أناس، و هم القراء[ (1) ]منهم عبد اللََّه بن وهب الراسبي في أناس كثير قد اخترطوا سيوفهم، و وضعوها على عواتقهم، فقالوا لعليّ: اتّق اللََّه، فإنك قد أعطيت العهد و أخذته منا، لنفنين أنفسنا أو لنفنين عدوّنا، أو يفي‏ء إلى أمر اللََّه، و إنا نراك قد ركبت إلى أمر فيه الفرقة و المعصية للََّه، و الذلّ في الدنيا، فانهض بنا إلى عدونا، فلنحاكمه إلى اللََّه بسيوفنا. حتى يحكم اللََّه بيننا و بينهم، و هو خير الحاكمين، لا حكومة الناس.

ما قال عثمان بن حنيف‏

ثم قام عثمان بن حنيف، فقال: أيها الناس، اتهموا رأيكم، فإنا و اللََّه قد كنا مع رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يوم الحديبيّة و لو رأينا قتالا قاتلنا و ذلك في الصلح الّذي كان بين رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم و بين أهل مكة، فامض على القضية، و اتهم هذا الصلح.

ما قال الأشتر و قيس بن سعد

قال: فأنكرها الأشتر و قيس بن سعد و كانا أشدّ الناس على عليّ فيها قولا، فكان الذين عملوا في الصلح الأشعث بن قيس، و عدي بن حاتم و شريح بن هانئ، و عمرو بن الحمق و زحر بن قيس، و من أهل الشام زيد بن أسد، و مخارق بن الحارث، و حمزة بن مالك. فلما رأى ذلك أبو الأعور قام إلى معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم لم يجيبوا إلى ما دعوناهم إليه حتى لم يجدوا من ذلك بدا و إنهم إن ينصرفوا العام يعودوا في قابل في سنة يبرأ فيها الجريح، و ينسى القتيل، و قد أخذت الحرب منا و منهم، غير أنهم اختلفوا على عليّ، و لم يختلف عليك أحد و الخلاف أشد من القتل، ناجز القوم، فقال بشر بن أرطاة: و اللََّه إن الشام خير من العراق لعلي، و ما في يدك لك، و ما في يد علي لأصحابه دونه، فإنه كنت إنما سألت المدة لإعداد العدة، و انتظار المدد، فنعم، و إن كنت سألتها بغض الحرب، و بقيا على أهل الشام، فلا.

[ (1) ]ذكر الطبري و غيره أن عصابة من القراء منهم مسعر بن فدكي التميمي و زيد بن حصين الطائي ثم السنبسي و دعوه إلى إجابة القوم إلى ما دعوه إليه من كتاب اللََّه و إلا دفعناك إليهم برغمك أو قتلناك كما قتلنا عثمان (الطبري 6/27 وقعة صفين ص 489 فتوح ابن الأعثم 2/312) .

149

ذكر الاتفاق على الصلح و إرسال الحكمين‏

قال: و ذكروا أن معاوية قال لأصحابه حين استقامت المدة، و لم يسم الحكمان: من ترون عليا يختار؟فأما نحن فصاحبنا عمرو بن العاص. قال عتبة بن أبي سفيان: أنت أعلم بعلي منا. فقال معاوية: إن لعلي خمسة رجال من ثقاته، منهم عدي بن حاتم، و عبد اللََّه بن عباس، و قيس بن سعد، و شريح بن هانئ، و الأحنف بن قيس، و أنا أصفهم لك: أما ابن عباس فإنه لا يقوى عليه، و أما عدي بن حاتم فيرد عمرا سائلا، و يسأله مجيبا، و أما شريح بن هانئ فلا يدع لعمرو حياضا، و أما الأحنف بن قيس فبديهته كروّيته، و أما قيس بن سعد فلو كان من قريش بايعته العرب. و مع هذا إن الناس قد ملوا هذه الحرب، و لم يرضوا إلا رجلا له تقيّة، و كل هؤلاء لا تقيّة لهم، و لكن انظروا أين أنتم من رجل من أصحاب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، تأمنه أهل الشام، و ترضى به أهل العراق، فقال عتبة: ذلك أبو موسى الأشعري.

اختلاف أهل العراق في الحكمين‏

قال: و ذكروا أن عليا لما استقام رأيه على أن يرسل عبد اللََّه بن عباس مع عمرو بن العاص، قام إليه الأشعث بن قيس، و شريح بن هانئ، و عدي بن حاتم، و قيس بن سعد، و معهم أبو موسى الأشعري، فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا أبو موسى الأشعري وافد أهل اليمن إلى رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و صاحب مغانم أبي بكر[ (1) ]، و عامل عمر بن الخطاب، و قد عرضنا على القوم ابن عباس فزعموا أنه قريب القرابة منك، ضنين في أمرك‏[ (2) ]، و ايم اللََّه لو لقيت به عمرا لأخذ بصره، و غم صدره. و لكن الناس قد رضوا برجل يثق أهل العراق و أهل الشام بتقيّته. فتكلم شبيب بن ربعي، فقال: إنا و اللََّه و إن خفنا على أبي موسى من عمرو ما لا يخافه أهل الشام على عمرو من أبي موسى، فلعل ما خفناه لا يضرّنا، و لعل ما رجوا لا ينفعهم، فإن قلت في أبي موسى ضعف فضعفه و تقاه خير من قوة عمرو و فجوره، فأغلق به البلاء، و افتح به العافية. ثم [ (1) ]أي الّذي كان يتولى أمر قسمة المغانم و المقاسم و نحوها.

[ (2) ]في وقعة صفين ص 502 ذكر هذا القول لابن الكواء.

150

تكلم ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أجبت اللََّه و أجبناك، و لكنا نقول:

اللََّه بيننا و بينك، إن كنت تخشى من أبي موسى عجزا فشرّ من أرسلت الخائن العاجز، و لست تحتاج من عقله إلا إلى حرف واحد، أن لا يجعل حقك لغيرك، فيدرك حاجته منك. ثم قال لأبي موسى: اعلم أن معاوية طليق الإسلام، و أن أباه رأس الأحزاب، و أنه ادّعى الخلافة من غير مشورة، فإن صدقك فقد حل خلعه، و إن كذبك فقد حرم عليك كلامه، و إن ادعى أن عمر و عثمان استعملاه، فلقد صدق، استعمله عمر و هو الوالي عليه بمنزلة الطبيب من المريض، يحميه ما يشتهي، و يوجره ما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر و ما أكثر من استعملا ممن لم يدّع الخلافة، و اعلم أن لعمرو مع كل شي‏ء يسرك خبرا يسوؤك، و مهما نسيت فلا تنس أن عليا بايعه الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان، و أنها بيعة هدي، و أنه لم يقاتل إلا عاصيا أو ناكثا. فقال أبو موسى: رحمك اللََّه، أما و اللََّه ما لي إمام غير علي، و إني لواقف عند ما رأى، و لرضاء اللََّه تعالى أحب إليّ من رضاء الناس، و ما أنا و أنت إلا باللََّه تعالى‏[ (1) ].

ما قال أهل الشام لأهل العراق‏

قال: و ذكروا أن أهل الشام قالوا لأهل العراق: أعطونا رجالا نسميهم لكم، يكونوا شهودا على ما يقوله صاحبنا و صاحبكم، بيننا و بينكم صحيفة،

فقال عليّ: سمّوا من أحببتم،

فسمّوا ابن عباس، و الأشعث بن قيس، و زياد بن كعب، و شريح بن هانئ، و عديّ بن حاتم، و حجر بن عدي، و عبد اللََّه بن الطفيل، و سفيان بن ثور، و عروة بن عامر، و عبد اللََّه بن حجر، و خالد بن معمر، و طلب أهل العراق من أهل الشام: عتبة بن أبي سفيان، و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و يزيد بن أسيد، و أبا الأعور، و الحصين بن نمير، و حمزة بن مالك، و بسر بن أرطاة، و النعمان بن بشير، و مخارق بن الحارث.

[ (1) ]

و لما رأى علي أن القوم مصرون على أبي موسى الأشعري رغم اتهامه له قال لهم: فاصنعوا ما أردتم، و افعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه. اللََّهمّ إني أبرأ إليك من صنيعهم.

و في ذلك يقول خريم بن فاتك الأسدي:

لو كان للقوم رأي يعصمون به # عند الخطوب رموكم بابن عباس

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن # لم يدر ما ضرب أخماس بأسداس

ما الأشعري بمأمون أبا حسن # خذها إليك و ليس الفخذ كالرأس‏

151

فلما سمى أهل العراق رجال أهل الشام، و سمى أهل الشام رجال أهل العراق، قال معاوية: أين يكون هذان الرجلان؟فرضي الناس أن يكونا بدومة الجندل.

ما قال الأحنف بن قيس لعلي‏

قال: فلما لم يبق إلا الكتاب، قال الأحنف بن قيس لعلي: يا أمير المؤمنين إن أبا موسى رجل يماني، و قومه مع معاوية، فابعثني معه، فو اللََّه لا يحل لك عقدة إلا عقدت لك أشد منها، فإن قلت: إني لست من أصحاب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فابعث‏[ (1) ]ابن عباس و ابعثني معه‏[ (2) ].

ما قال علي كرم اللََّه وجهه‏

فقال علي: إن الأنصار و القراء أتوني بأبي موسى، فقالوا: ابعث هذا، فقد رضيناه، و لا نريد سواه، و اَللََّهَ بََالِغُ أَمْرِهِ .

الاختلاف في كتابة صحيفة الصلح‏

قال: فوضع الناس السلاح، و التقوا بين العسكرين، فلما جي‏ء بالكتاب

قال علي: اكتب: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، و معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية: علام قاتلناك إذا كنت أمير المؤمنين؟اكتب: علي بن أبي طالب. فقال الأشعث: اطرح هذا الاسم فإنه لا يضرك، فضحك علي، ثم قال: دعاني رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يوم الحديبيّة[ (3) ]، حين صدّه المشركون عن مكة، فقال: يا علي اكتب: هذا ما تقاضى عليه محمد رسول اللََّه و مشركو قريش، فقال سهيل بن عمرو: لقد ظلمناك إذا يا محمد إن قاتلناك و أنت رسول اللََّه، و لكن اكتب اسمك و اسم أبيك، فقال صلّى اللََّه عليه و سلّم: اكتب محمد بن عبد اللََّه، و إني [ (1) ]في وقعة صفين ص 502 «فابعث غير عبد اللََّه بن قيس» .

[ (2) ]انظر وقعة صفين ص 501 و ابن الأعثم 3/5 في كلام كثير. و الأخبار الطوال ص 193.

[ (3) ]راجع بشأن صلح الحديبيّة سيرة ابن هشام 2/180 الطبري 3/79 الكامل للمبرد ص 540 وقعة صفين لابن مزاحم ص 275.

152

رسول اللََّه. و كنت إذا أمرني بشي‏ء رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم أسرعت، و إذا قال مشركو قريش أبطأت به، و إذا كتبت شيئا قال نبي اللََّه، امحها، فتعاظمني ذلك. فدعا بمقراض فقرضه، و كتب: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، و معاوية بن أبي سفيان،

فقال أبو الأعور: أو معاوية و عليّ، فقال الأشعث: لا لعمر اللََّه، و لكن نبدأ بأولهما إيمانا و هجرة، و أدناهما من الغلبة. فقال معاوية: قدموا أو أخروا، تقاضوا على أن عليا و من معه من شيعته من أهل العراق‏[ (1) ]، و معاوية و من معه من أهل الشام، أنا ننزل عند حكم اللََّه و كتابه، من فاتحته إلى خاتمته، ما أحيا القرآن أحييناه، و ما أمات القرآن أمتناه، و ما لم يجد عبد اللََّه بن قيس و عمرو بن العاص في القرآن حكما بما يجدان في السنة العادلة[ (2) ]، غير المفرقة، و على عليّ و معاوية، و تبيعتهما وضع السلاح إلى انقضاء هذه المدة، و هي من رمضان إلى رمضان، و على أن عبد اللََّه بن قيس و عمرا آمنان على دمائهما و أموالهما و حريمهما و الأمة على ذلك أنصار، و عليهما مثل الّذي أخذا أن يقضيا بما في كتاب اللََّه تعالى، و ما لم يجدا في كتاب اللََّه قضيا بما يجدان في السنة، و عليهما أن لا يؤخرا أمرهما عن هذه المدة، فإن أحبا أن‏[ (3) ]أن يقولا قبل انقضائها، فلهما أن يقولا عن تراض منهما، على أن يرجع أهل العراق إلى العراق، و أهل الشام إلى الشام، فيكون الاجتماع إلى دومة الجندل‏[ (4) ]، فإن رضيا أن يجتمعا بغيرهما فلهما ذلك، و لهما ألا يحضرهما إلا من أحبّا، و لا يشهدا إلا من أرادا، و هؤلاء النفر [ (1) ]زيد في فتوح ابن الأعثم: و أهل الحجاز.

[ (2) ]في الطبري: السنة العادلة الجامعة.

[ (3) ]في الطبري: إن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه عن تراض بينهما.

[ (4) ]ذكر بعض الرواة إلى أن التحكيم جرى بأذرح، و منهم من قال أنها كانت بدومة الجندل، و قد أكثر الشعراء في ذكر أذرح و أن التحكيم كان بها و في معجم البلدان: «و بأذرح إلى الجرباء كان أمر الحكمين بين عمرو بن العاص و أبي موسى الأشعري، و قيل بدومة الجندل و الصحيح أذرح و الجرباء و يشهد بذلك قول ذي الرمة يمدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى:

فشد إصار الدين أيام أذرح # ورد حروبا قد لقحن إلى عقر

و كان الأصمعي يلعن كعب بن جعيل لقوله في عمرو بن العاص:

كأن أبا موسى عشية أذرح # يطيف بلقمان الحكيم يوار به‏

و قال الأسود بن الهيثم:

لما تداركت الوفود بأذرح # و في أشعري لا يحل له غدر

153

من أهل العراق و أهل الشام ضامنون بالوفاء إلى هذه المدة، فكتب أهل العراق بهذا كتابا لأهل الشام‏[ (1) ]، و كتب أهل الشام كتابا بهذا لأهل العراق، بخط عمرو ابن عبادة[ (2) ]كاتب معاوية، و شهد شهود أهل الشام على أهل العراق، و شهد شهود أهل العراق على أهل الشام‏[ (3) ].

فلما كتب الكتابان أقبل رجل من بني يشكر، على فرس له أبلق، حتى وقف بين الصفين على عليّ، فقال: يا عليّ، أكفر بعد إسلام، و نقض بعد توكيد، و ردة بعد معرفة؟أنا من صحيفتيكما بري‏ء، و ممن أقر بها بري‏ء، ثم حمل على أصحاب معاوية، فطعن منهم، حتى إذا عطش أتى عسكر علي، فاستسقى فسقي، ثم حمل على عسكر عليّ، فطعن فيهم، حتى إذا عطش أتى عسكر معاوية، فاستسقى فسقي.

ما وصى به شريح بن هانئ أبا موسى‏[ (4) ]

قال: و ذكروا أن شريح بن هانئ أخذ بيد أبي موسى فقال: يا أبا موسى إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه، و لا تستقال فلتته‏[ (5) ]، و مهما تقل من شي‏ء لك أو عليك، يثبت حقه، و يزيل باطله، إنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكها معاوية، و لا بأس بأهل الشام إن ملكها عليّ، فانظر في ذلك من يعرف هذا الأمر حقا.

[ (1) ]بخط عبيد اللََّه بن أبي رافع كاتب عليّ.

[ (2) ]في ابن الأعثم عمار بن عباد الكلبي. و في كتاب صفين ص 507: و كتب عمر.. و في ص 511 و كتب عميرة. و قد ذكر الجهشياري في كتاب الوزراء و الكتاب من كتب لمعاوية ص 24-27:

عبيد اللََّه بن أوس الغساني، و سرجون بن منصور الرومي، عبد الرحمن بن دراج، سليمان بن سعيد، عبيد اللََّه بن نصر بن الحجاج بن علاء السلمي، حبيب بن عبد الملك بن مروان، ابن أثال النصراني. و لم يذكر الطبري في كتاب معاوية من اسمه عمار أو عمر بن عباد أو عبادة.

[ (3) ]انظر في شهود أهل العراق و أهل الشام ذيل وثيقة التحكيم في وقعة صفين ص 506-507 الطبري 6/29 الأخبار الطوال 194 معجم البلدان 4/109.

[ (4) ]كان أبو موسى قد أقبل إلى علي و قال له: يا أمير المؤمنين إني لست آمن الغوائل فابعث معي قوما من أصحابك إلى دومة الجندل، فبعث معه علي رضي اللََّه عنه شريح بن هانئ في خمسمائة رجل.

[ (5) ]في ابن الأعثم: «و لا يستقال عثرته» و في وقعة صفين لابن مزاحم: «و لا يستقال فتقه» و في نسخة:

و لا تستقال فتنته. ـ

154

ما وصى به الأحنف بن قيس أبا موسى‏

قال: ثم جاء الأحنف بن قيس، فأخذ بيده، ثم قال: يا أبا موسى، اعرف خطب هذا الأمر، و اعلم أن له ما بعده، و إنك إن ضيعت العراق، فلا عراق لك، فاتق اللََّه، فإنك تجمع بذلك دنيا و أخرى، و إذا لقيت عمرا غدا فلا تبادره بالسلام‏[ (1) ]، فليس من أهله، و لا تعطه يدك، فإنّها أمانة، و إياك أن يقعدك على صدر الفراش، فإنّها خدعة، و لا تلقه إلا وحده، و إياك أن يكلمك في بيت فيه مخدع يخبأ لك فيه رجالا[ (2) ]، و إن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي، فخيره أن يختار أهل العراق من قريش أهل الشام من شاءوا، فإنّهم إن يولّوا الخيار يختاروا من يريدون، فإن أبى فلتختر أهل الشام من قريش أهل العراق من شاءوا، فإن فعلوا كان الأمر بيننا.

ما قال معاوية لعمرو

قال: و ذكروا أن معاوية قال لعمرو: إن أهل العراق أكرهوا عليا على أبي موسى، و أنا و أهل الشام راضون بك، و أرجو في دفع هذه الحرب خصالا: قوّة لأهل الشام، و فرقة لأهل العراق، و إمدادا لأهل اليمن، و قد ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي، و له على ذلك دين و فضل، فدعه يقل، فإذا هو قال فاصمت، و اعلم أن حسن الرأي زيادة في العقل، إن خوّفك العراق فخوّفه بالشام، و إن خوفك مصر فخوفه باليمن، و إن خوفك عليا فخوفه بمعاوية، و إن أتاك بالجميل، فأته بالجميل. قال عمرو: يا أمير المؤمنين، أقلل الاهتمام بما قبلي، و ارج اللََّه تعالى فيما وجهتني له، إنك من أمرك على مثل حد السيف، لم تنل في حربك ما رجوت، و لم تأمن ما خفت، و نحن نرجو أن يصنع اللََّه تعالى لك خيرا، و قد ذكرت لأبي موسى دينا، و إن الدين منصور، أ رأيت إن ذكر عليا و جاءنا بالإسلام و الهجرة و اجتماع الناس عليه، ما أقول؟فقال معاوية: قل ما تريد و ترى. قال: فانصرف عمرو إلى منزله، فقال لأصحابه: هل ترون ما أراد معاوية من تصغير أبي موسى؟قالوا: لا، قال: عرف أني خادعه غدا.

[ (1) ]في وقعة صفين ص 536: فإنّها و إن كانت سنّة إلا أنه ليس من أهلها.

[ (2) ]يريد رجالا شهود، يسمعون كلام أبي موسى و يشهدون عليه دون أن يعلم.

155

ما قال شرحبيل لعمرو

قال: و أتى شرحبيل بن السمط إلى عمرو، فقال: يا عمرو، إنك رجل قريش، و إن معاوية لم يبعثك إلا لثقته بك، و اعلم أنك لا تؤتى من عجز[ (1) ]، و قد علمت أن وطأة هذا الأمر لصاحبك و لك، فكن عند ظننا بك.

اجتماع أبي موسى و عمرو

قال: و ذكروا أن أبا موسى و عمرا لما اجتمعا بدومة الجندل، و حضرهما من يليهما من العرب، ليستمعوا قول الرجلين، فلما التقيا استقبل عمرو أبا موسى، فأعطاه يده و ضم عمرو أبا موسى إلى صدره، فقال: يا أخي قبح اللََّه أمرا فرق بيننا، ثم أقعد أبا موسى على صدر الفراش، و أقبل عليه بوجهه، و الناس مجتمعون، فلم يزالا حتى تفرقا، و مكثا أياما يلتقيان في أمرهما سرا و جهرا، و أقبل الأشعث بن قيس، و كان من أحرص الناس على إتمام الصلح، و الراحة من الحرب، فقال: يا هذان، إنا قد كرهنا هذه الحرب، فلا تردّاها إلينا، فإنّها مرّة الرضاع و الفطام، فكفّاها بما شئتما.

ما قال سعيد بن قيس للحكمين‏

قال: فأقبل سعيد بن قيس، و كان من النصحاء لعلي كرم اللََّه وجهه، فقال:

أيها الرجلان، إني أراكما قد أبطأتما بهذا الأمر حتى أيس القوم منكما، فإن كنتما اجتمعتما على خير فأظهراه، نسمعه و نشهد عليه، و إن كنتما لم تجتمعا رجعنا إلى الحرب.

ما قال عديّ بن حاتم لعمرو

قال: و ذكروا أن عديا قال لعمرو: أما و اللََّه يا عمرو إنك لغير مأمون الغناء، و إنك يا أبا موسى لغير مأمون الضعف، و ما ننتظر بالقول منكما إلا أن تقولا[ (2) ]، [ (1) ]زيد في وقعة صفين ص 536: و مكيدة.

[ (2) ]كذا بالأصل، و في فتوح ابن الأعثم 3/25 نسب هذا القول إلى عمرو بن العاص. و زيد فيه:

فأمسك عنك يا هذا.

156

و اللََّه ما لكما مع كتاب اللََّه إيراد و لا صدر. فقال أبو موسى: كفوا عنا فإنا إنما نقول فيما بقي، و لسنا نقول فيما مضى.

ما قال عمرو لأبي موسى‏

قال: و ذكروا أن عمرا غدا على أبي موسى، فقال: يا أبا موسى، قد عرفت حال معاوية في قريش، و شرفه في بني عبد مناف، و أنه ابن هند، و ابن أبي سفيان، فما ترى؟فقال أبو موسى: أما معاوية فليس بأشرف في قريش من عليّ، و لو كان هذا الأمر على شرف الجاهلية، كان أخوال ذي أصبح‏[ (1) ]، و لكنني أرى و ترى، و باعده أبو موسى، ثم غدا عليه عمرو، فقال: يا أبا موسى إن قال قائل: إن معاوية من الطلقاء، و أبوه رأس الأحزاب، لم يبايعه المهاجرون و الأنصار فقد صدق، و إذا قال إن عليا آوى قتلة عثمان، و قتل أنصاره يوم الجمل، و برز على أهل الشام بصفين فقد صدق، و فينا و فيكم بقية، و إن عادت الحرب ذهب ما بقي، فهل لك أن تخلعهما جميعا، و تجعل الأمر لعبد اللََّه بن عمر، فقد صحب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و لم يبسط في هذه الحرب يدا و لا لسانا، و قد علمت من هو مع فضله و زهده و ورعه و علمه، فقال أبو موسى: جزاك اللََّه بنصيحتك خيرا، و كان أبو موسى لا يعدل بعبد اللََّه بن عمر أحدا، لمكانه من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و مكانه من أبيه، لفضل عبد اللََّه في نفسه، و افترقا على هذا الأمر، و اجتمع رأيهما على ذلك‏[ (2) ]. ثم إن عمرا غدا على أبي موسى بالغد، و جماعة الشهود، فقال: يا أبا موسى، ناشدتك اللََّه تعالى، من أحق بهذا الأمر؟من أوفى، أو من غدر؟قال أبو موسى: من أوفى. قال عمرو: يا أبا موسى، نشدتك اللََّه تعالى، ما تقول في عثمان؟قال أبو موسى: قتل مظلوما. قال عمرو: فما الحكم فيمن قتل؟قال أبو موسى: يقتل بكتاب اللََّه تعالى. قال: فمن يقتله؟قال: أولياء عثمان. قال: فإن اللََّه يقول في [ (1) ]في وقعة صفين ص 541: و لو كان على الشرف كان أحق الناس بهذا الأمر أبرهة بن الصباح.

[ (2) ]اختلفوا في ذلك، فقيل إن أبا موسى هو الّذي أشار على ابن العاص بخلع الرجلين (علي و معاوية) و تولية عبد اللََّه بن عمر و قد أشار ابن العاص إلى تولية ابنه عبد اللََّه فقال له أبو موسى: إن ابنك رجل صدق و لكنك غمسته في هذه الفتنة. فرفض عمرو بن العاص رأي أبي موسى، و اتفقا على خلع الرجلين و جعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من شاءوا و من أحبوا (انظر وقعة صفين ص 544 و 545 الطبري 5/68-69 الأخبار الطوال ص 200) .