الإمامة و السياسة - ج1

- ابن قتيبة المزيد...
243 /
157

كتابه العزيز: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنََا لِوَلِيِّهِ سُلْطََاناً [الإسراء: 33]. قال:

فهل تعلم أن معاوية من أولياء عثمان؟قال: نعم‏[ (1) ]. قال عمرو للقوم: اشهدوا.

قال أبو موسى للقوم: اشهدوا على ما يقول عمرو.

ثم قال أبو موسى لعمرو: قم يا عمرو: فقل و صرح بما اجتمع عليه رأيي و رأيك، و ما اتفقنا عليه، فقال عمرو: سبحان اللََّه!أقوم قبلك‏[ (2) ]و قد قدمك اللََّه قبلي في الإيمان و الهجرة، و أنت وافد أهل اليمن إلى رسول اللََّه، و وافد رسول اللََّه إليهم، و بك هداهم اللََّه، و عرفهم شرائع دينه، و سنة نبيه، و صاحب مغانم أبي بكر و عمر!و لكن قم أنت فقل، ثم أقوم فأقول. فقام أبو موسى‏[ (3) ]، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس. إن خير الناس للناس خيرهم لنفسه، و إني لا أهلك ديني بصلاح غيري، إن هذه الفتنة قد أكلت العرب، و إني رأيت و عمرا أن نخلع عليا و معاوية، و نجعلها لعبد اللََّه بن عمر[ (4) ]، فإنه لم يبسط في هذه الحرب يدا و لا لسانا، ثم قام عمرو فقال: أيها الناس، هذا أبو موسى شيخ المسلمين، و حكم أهل العراق و من لا يبيع الدين بالدنيا، و قد خلع عليا و أنا أثبّت معاوية. فقال أبو موسى: مالك؟عليك لعنة اللََّه!ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث!فقال عمرو: لكنك مثل الحمار يحمل أسفارا، و اختلط الناس، فقالوا:

و اللََّه لو اجتمعنا على هذا ما حوّلتمانا عما نحن عليه، و ما صلحكما بلازمنا، و إنا اليوم على ما كنا عليه أمس، و لقد كنا ننظر إلى هذا قبل أن يقع، و ما أمات قولكما حقا، و لا أحيا باطلا. ثم تشاتم أبو موسى و عمرو، ثم انصرف عمرو إلى معاوية، و لحق أبو موسى بمكة، و انصرف القوم إلى علي، فقال عديّ: أما و اللََّه [ (1) ]في الأخبار الطوال ص 199: أن أولى منه ابنه عمرو بن عثمان.

[ (2) ]كان عمرو بن العاص و منذ اللقاء الأول بأبي موسى قد قدّمه إن في الكلام أو الجلوس و كرّمه كثيرا، و قد عوّده أن يقدمه في كل شي‏ء و قد اغتره بذلك ليقدمه فيبدأ بخلع علي، و كان عمرو قد حاك خدعته بدقة و أحاط بأبي موسى من كل جانب، و الرجل غافل لا يدري كيف تجري الأمور، و ما يخطط عمرو و ما يرسم في ذهنه حتى أن معاوية نفسه شكك بنية عمرو و استرابه.

[ (3) ]عند ما قام أبو موسى ليتكلم، قال له ابن عباس يحذره، ويحك إني لأظنه قد خدعك إن كنتما اتفقتما على أمر فقدمه قبلك فيتكلم بذلك الأمر قبلك ثم تتكلم أنت بعده، فإن عمرا رجل غدار، و لا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك و بينه، فإذا قمت به في الناس خالفك. فقال له أبو موسى: إنا قد اتفقنا (وقعة صفين لابن مزاحم ص 545-الطبري 5/70) .

[ (4) ]في بعض الروايات: شورى بين المسلمين (انظر الحاشية رقم 2 في الصفحة السابقة) .

158

يا أمير المؤمنين، لقد قدمت القرآن، و أخرت الرجال، و جعلت الحكم للََّه.

فقال علي: أما إني قد أخبرتكم أن هذا يكون بالأمس، و جهدت أن تبعثوا غير أبي موسى، فأبيتم عليّ، و لا سبيل إلى حرب القوم حتى تنقضي المدة، فصعد المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: قم يا حسن فتكلم في أمر هذين الرجلين: أبي موسى و عمرو. فقام الحسن، فتكلم، فقال: أيها الناس، قد أكثرتم في أمر أبي موسى و عمرو، و إنما بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى، فحكما بالهوى دون القرآن، فمن كان هكذا لم يكن حكما، و لكنه محكوم عليه، و قد كان من خطأ أبي موسى أن جعلها لعبد اللََّه بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: خالف (يعني أبا موسى) أباه عمر، إذ لم يرضه لها[ (1) ]، و لم يره أهلا لها، و كان أبوه أعلم به من غيره، و لا أدخله في الشورى إلا على أنه لا شي‏ء له فيها، شرطا مشروطا من عمر على أهل الشورى، فهذه واحدة، و ثانية: لم تجمع عليه المهاجرون و الأنصار، الذين يعقدون الإمامة، و يحكمون على الناس، و ثالثة: لم يستأمر الرجل في نفسه، و لا علم ما عنده من رد أو قبول‏[ (2) ]. ثم جلس. ثم قال علي لعبد اللََّه بن عباس: قم فتكلم.

فقام عبد اللََّه بن عباس، و قال: أيها الناس، إن للحق أناسا أصابوه بالتوفيق و الرضا و الناس بين راض به، و راغب عنه، و إنما سار أبو موسى بهدى إلى ضلال‏[ (3) ]، و سار عمرو بضلالة إلى هدى، فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه، و مضى عمرو على ضلاله، فو اللََّه لو كانا حكما عليه بالقرآن لقد حكما عليه، و لئن كان حكما بهواهما على القرآن، و لئن مسكا بما سارا به لقد سار أبو موسى و عليّ إمامه، و سار عمرو و معاوية إمامه. ثم جلس‏

فقال عليّ لعبد اللََّه بن جعفر: قم فتكلم.

فقام و قال: أيها الناس هذا أمر كان النظر فيه لعلي، و الرضا فيه إلى غيره، جئتم بأبي موسى، فقلتم قد رضينا هذا، فارض به‏[ (4) ]، و ايم اللََّه ما أصلحا بما فعلا الشام، و لا أفسدا العراق [ (1) ]تقدم أن عمر بن الخطاب لما جعل الأمر شورى بين الستة على أن يختاروا واحدا منهم جعل ابنه عبد اللََّه مستشارا و ليس له من الأمر شيئا.

[ (2) ]زيد في العقد الفريد 4/350: و أما الحكومة فقد حكم النبي عليه الصلاة و السلام سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بما يرضي اللََّه به و لا شك، و لو خالف لم يرضه رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم.

[ (3) ]في العقد الفريد: ضلالة.

[ (4) ]زيد في العقد الفريد: و ايم اللََّه ما استفدنا به علما، و لا انتظرنا منه غائبا، و ما نعرفه صاحبا.

159

و لا أماتا حق علي، و لا أحييا باطل معاوية، و لا يذهب الحق قلة رأي، و لا نفخة شيطان، و إنا لعليّ اليوم كما كنا أمس عليه. ثم جلس.

كتاب ابن عمر إلى أبي موسى‏

قال: و ذكروا أن عبد اللََّه بن عمر لما بلغه ما كان من رأي أبو موسى، كتب إليه: أما بعديا أبا موسى، فإنك تقربت إليّ بأمر لم تعلم هواي فيه، أ كنت تظن أني أبسط يدا إلى أمر نهاني عنه عمر؟أو كنت تراني أتقدم على عليّ و هو خير مني؟لقد خبت إذا و خسرت، و ما أنا من المهتدين، فأغضبت بقولك و فعلك عليّ عليا و معاوية، ثم أعظم من ذلك خديعة عمرو إياك، و أنت حامل القرآن، و وافد أهل اليمن إلى نبي اللََّه، و صاحب مغانم أبي بكر و عمر، فقدمك عمرو للقول مخادعا، حتى خلعت عليا قبل أن تخلع معاوية، و لعمري ما يجوز لك على عليّ ما جاز لعمرو على معاوية، و لا ما جاز لنا عليه و لقد كرهنا ما رضيت و أردت، إن الحاكم هو من يحكم بما حكم اللََّه بين الناس، و لم تبلغ من خطيئتك عنده ما غيّر أمرك في خلاف هواه.

فلما أتى أبا موسى كتاب ابن عمر كتب إليه: أما بعد، فإنّي و اللََّه ما أردت بتوليتي إياك و بيعتي لك القربة إليك، ما أردت بذلك إلا اللََّه عز و جل، و ما تقلدي أمر هذه الأمة غير مستكره، فإنّهم كانوا على مثل حد السيف، فقلت:

إلى سنة محيا و ممات، إن يصطلحوا فهو الّذي أردت، و إلا لم يرجعوا إلى أعظم مما كانوا عليه، و أما إغضابي عليك عليا و معاوية، فقد غضبا عليك قبل ذلك، و أما خديعة عمرو إياي، فو اللََّه ما ضر بخديعته عليا، و لا نفع معاوية، و قد كان الشرط ما اجتمعنا عليه، لا ما اختلفنا فيه، و أما نهي أبيك، فو اللََّه لو تم الأمر لأكرهت عليه.

كتاب معاوية إلى أبي موسى‏

قال: و ذكروا أن معاوية كتب إلى أبي موسى بعد الحكومة و هو بمكة: أما بعد، فأكره من أهل العراق ما كرهوا منك، و أقبل إلى الشام، فإنّي خير لك من علي، و السلام‏[ (1) ].

[ (1) ]نص الكتاب في العقد الفريد 4/348 باختلاف و زيادة.

160

جوابه‏

فكتب إليه أبو موسى: أما بعد، فإنه لم يكن مني في علي إلا ما كان من عمرو فيك، غير أني أردت بما صنعت وجه اللََّه، و أراد عمرو بما صنع ما عندك، و قد كان بيني و بينه شروط[ (1) ]عن تراض، فلما رجع عمرورجعت، و أما قولك:

إن الحكمين إذا حكما على أمر فليس للمحكوم عليه أن يكون بالخيار، إنما ذاك في الشاة و البعير[ (2) ]، و أما في أمر هذه الأمة فليست تساق إلى ما تكره، و لن تذهب بين عجز عاجز، و لا كيد كائد، و لا خديعة فاجر، و أما دعاؤك إياي إلى الشام، فليس لي بدل و لا إيثار عن قبر ابن إبراهيم أبي الأنبياء.

كتاب علي إلى أبي موسى‏

قال: و ذكروا أنه‏

لما بلغ عليا كتاب أبي موسى رق له، و أحب أن يضمّه إليه، فكتب إليه: أما بعد، فإنك امرؤ ضللك الهوى‏[ (3) ]، و استدرجك الغرور، فاستقل اللََّه يقلك عثرتك، فإنه من استقال اللََّه أقاله، إن اللََّه يغفر و لا يغيّر[ (4) ]، و أحب عباده إليه المتقون‏[ (5) ]، و السلام.

فلما انتهى كتاب علي إلى أبي موسى هم أن يرجع، ثم‏

قال لأصحابه: إني امرؤ غلب علي الحياء، و لا يستطيع هذا الأمر رجل فيه حياء.

جوابه‏

فكتب أبو موسى إلى علي: أما بعد، فلو لا أني خشيت أن يؤول منع الجواب إلى أعظم مما في نفسك لم أجبك، لأنه ليس عذر ينفعني، و لا عذر[ (6) ] يمنعني منك، و أما التزامي مكة، فإنّي امتنسرت إلى أهل الشام، و انقطعت من [ (1) ]في العقد الفريد: شروط و شورى.

[ (2) ]زيد في العقد: و الدينار و الدرهم.

[ (3) ]في العقد الفريد 4/349 ظلمك الهوى.

[ (4) ]في العقد: و لا يغفل.

[ (5) ]في العقد: التوابون.

[ (6) ]في العقد: و لا قوة.

161

أهل العراق، و أصبت أقواما صغّروا من ذنبي ما عظمتم، و عظموا من حقي ما صغرتم، فأقمت بين أظهرهم، إذ لم يكن لي منكم وليّ و لا نصير.

ذكر الخوارج على عليّ بن أبي طالب كرم اللََّه وجهه‏

قال: و ذكروا أنه لما كان من الحكمين ما كان، لقيت الخوارج بعضها بعضا، فاجتمعوا في منزل عبد اللََّه بن وهب الراسبي، فحمد اللََّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس، ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، و ينيبون إلى حكم القرآن‏أن تكون هذه الدنيا[ (1) ]آثر عندهم من الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و القول بالحق، و إن‏[ (2) ]ضرّ و مرّ فإنه إن يضر و يمر[ (3) ]في هذه الدنيا، فإن ثوابه يوم القيامة رضوان اللََّه، و خلود الجنة، فاخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدعة المضلة، و الأحكام الجائرة.

فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، و إن الفراق لها وشيك، فلا تدعوكم زينتها و بهجتها إلى المقام بها، و لا تلونكم عن طلب الحق، و إنكار الظلم، ف إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [ (4) ]، يا قوم إن الرأي ما قد رأيتم، و الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد و سناد، و من راية تحفّون حولها، و ترجعون إليها.

ثم اجتمعوا في منزل زفر[ (5) ]بن حصين الطائي، فقالوا[ (6) ]: إن اللََّه أخذ عهودنا و مواثيقنا على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و القول بالحق، و الجهاد في تقويم السبيل، و قد قال عز و جل لنبيه عليه الصلاة و السلام: يََا دََاوُدُ إِنََّا جَعَلْنََاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ، فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ بِالْحَقِّ، وَ لاََ تَتَّبِعِ اَلْهَوى‏ََ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ، إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ [ص: 26]. و قال: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْكََافِرُونَ [ (1) ]في الطبري 5/74: «و التي الرضا بها و الركون بها و الإيثار إياها عناء و تبار» .

[ (2) ]عند الطبري: و إن منّ و ضرّ.

[ (3) ]عند الطبري: و يمنّ.

[ (4) ]في الطبري من هنا هذا القول نسب إلى حمزة بن سنان الأسدي.

[ (5) ]عند الطبري 5/75 و ابن الأثير 2/399 «زيد» و في الأخبار الطوال ص 204 «زيد» .

[ (6) ]في الأخبار الطوال ص 202 نسب هذا القول إلى عبد اللََّه بن وهب الراسبي بعد تأميره عليهم.

162

[المائدة: 44]. فاشهدوا على أهل دعوتنا أن قد اتبعوا الهوى، و نبذوا حكم القرآن‏[ (1) ]، و جاروا في الحكم و العمل، و أن جهادهم على المؤمنين فرض، و أقسم بالذي تعنو له الوجوه، و تخشع دونه الأبصار، لو لم يكن أحد على تغيير المنكر، و قتال القاسطين مساعدا، لقاتلتهم وحدي فردا، حتى ألقى اللََّه ربي، فيرى أني قد غيرت إرادة رضوانه بلساني‏[ (2) ]، يا إخواننا، اضربوا جباههم و وجوههم بالسيف، حتى يطاع الرحمن عز و جل، فإن يطع اللََّه كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له، الآمرين بأمره، و إن قتلتم فأي شي‏ء أعظم من المسير إلى رضوان اللََّه و جنته. و اعلموا أن هؤلاء القوم خرجوا لإقصاء حكم الضلالة[ (3) ]، فاخرجوا بنا إلى بلد نتعد فيه الاجتماع من مكاننا هذا، فإنكم قد أصبحتم بنعمة ربكم، و أنتم أهل الحق بين الخلق، إذ قلتم بالحق، و صمتم لقول الصدق، [ (4) ] فاخرجوا بنا إلى المدائن نسكنها فنأخذ بأبواها، و نخرج منها سكانها، و نبعث إلى إخواننا من أهل البصرة، فيقدمون علينا.

فقال زيد بن حصين الطائي: إن المدائن بها قوم يمنعونكم منها، و يمنعونها منكم، و لكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة، فأعلموهم بخروجكم، و سيروا أنتم على المدائن، فانزلوا بجسر النهروان‏[ (5) ]قالوا: هذا هو الرأي فاجتمعوا على ذلك، و كتبوا إلى إخوانهم من أهل البصرة: أما بعد، فإن أهل دعوتنا حكموا الرجال في أمر اللََّه، و رضوا بحكم القاسطين على عباده، فخالفناهم و نابذناهم، نريد بذلك الوسيلة إلى اللََّه، و قد قعدنا بجسر النهروان و أحببنا إعلامكم لتأخذوا بنصيبكم من الأجر، و السلام.

الجواب‏

فكتبوا إليهم: أما بعد، فقد بلغنا كتابكم، و فهمنا ما ذكرتم. و قد وهبنا لكم [ (1) ]في الأخبار الطوال: الكتاب.

[ (2) ]من هنا نسب الكلام في الأخبار الطوال ص 203 إلى عبد اللََّه بن السخبر و كان من المبرنسين.

[ (3) ]هذا الكلام نسب في الطبري و ابن الأثير إلى عبد اللََّه بن وهب.

[ (4) ]هذا الكلام نسب في الطبري و ابن الأثير إلى شريح بن أوفى العبسيّ.

[ (5) ]النهروان: ثلاث قرى بين واسط و بغداد. و انظر كتابهم إلى أهل البصرة في الأخبار الطوال ص 204. ـ

163

الرأي الّذي جمعكم اللََّه عليه من الطاعة، و إخلاص الحكم للََّه، و أعمالكم أنفسكم فيما يجمع اللََّه به كلمتكم، و قد أجمعنا على المسير إليكم عاجلا.

و كان بدء خروجهم أنهم اجتمعوا في منزل حرقوص بن زهير ليلة الخميس، فقالوا: متى أنتم خارجون؟قالوا: الليلة القابلة من يوم الجمعة، فقال لهم حرقوص: بل أقيموا ليلة الجمعة تتعبّدوا لربكم، و أوصوا فيها بوصايكم، ثم اخرجوا ليلة السبت مثنى و وحدانا لا يشعر بكم.

خطبة عليّ كرم اللََّه وجهه‏

قالوا[ (1) ]: فلما خرج جميع الخوارج، و توافروا إلى النهروان،

قام علي بالكوفة على المنبر، فحمد اللََّه، و أثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن معصية العالم الناصح تورث الحسرة، و تعقب الندامة، و قد كنت أمرتكم في هذين الرجلين، و في هذه الحكومة بأمري‏[ (2) ]، فأبيتم إلا ما أردتم‏[ (2) ]، فأحييا ما أمات القرآن، و أماتا ما أحيا القرآن، و اتبع كل واحد منهما هواه، يحكم بغير حجة، و لا سنة ظاهرة، و اختلفا في أمرهما و حكمهما، فكلاهما لم يرشد اللََّه، فبرئ اللََّه منهما و رسوله و صالحو المؤمنين، فاستعدوا للجهاد، و تأهبوا للمسير، ثم أصبحوا في معسكركم يوم الاثنين بالنخيلة[ (3) ]، و إنما حكمنا من حكمنا، ليحكما بالكتاب، فقد علمتم أنهما حكما بغير الكتاب، و بغير السنة، و و اللََّه لأغزونهم و لو لم يبق أحد غيري لجاهدتهم، و أعطى الناس العطاء و همّ بالجهاد

[ (4) ].

كتاب عليّ كرم اللََّه وجهه للخوارج‏

قالوا: فأجمع رأي علي و الناس على المسير إلى معاوية بصفين، فتجهز معاوية و خرج حتى نزل بصفين، و أصبح علي قد تجهز و عسكر، فقيل له: يا [ (1) ]قال في الأخبار الطوال ص 204: ثم إن القوم خرجوا من الكوفة عباديد الرجل و الرجلين و الثلاثة... و وافاهم من كان على رأيهم من أهل البصرة و كانوا 500 رجل حتى وافوا نهروان.

[ (2) ]زيد في النهج: و نخلت لكم مخزون رأيي لو كان يطاع لقصير أمر.

[ (3) ]النخيلة: موضع بالعراق.

[ (4) ]قارن مع الطبري 5/77 و ابن الأثير 2/400-401. الأخبار الطوال ص 207-208 مروج الذهب 2/447.

164

أمير المؤمنين إنه قد افترقت منا فرقة، فذهبت، قال:

فكتب إليهم علي‏[ (1) ]: أما بعد، فإن هذين الرجلين الخاطئين الحاكمين، اللذين ارتضيتم حكمين، قد خالفا كتاب اللََّه، و اتبعا هواهما بغير هدى من اللََّه، فلم يعملا بالسنة، و لم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ اللََّه منهما و رسوله و صالحو المؤمنين، إذا بلغكم كتابنا هذا فأقبلوا إلينا، فإنا سائرون إلى عدونا و عدوكم، و نحن على الأمر الّذي كنا عليه، و السلام.

قال: فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب للََّه، إنما غضبت لنفسك، و اللََّه لا يهدي كيد الخائنين. قال: فلما رأى عليّ كتابهم أيس منهم، و رأى أن يدعهم، و يمضي بالناس إلى معاوية و أهل الشام فيناجزهم‏

فقام علي خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن من ترك الجهاد و داهن في أمر اللََّه كان على شفا هلكة، إلا أن يتداركه اللََّه برحمته، فاتقوا اللََّه عباد اللََّه، قاتلوا من حادّ اللََّه، و حاول أن يطفئ نور اللََّه، قاتلوا الخاطئين، القاتلين لأولياء اللََّه، المحرفين لدين اللََّه، الذين ليسوا بقراء الكتاب و لا فقهاء في الدين، و لا علماء بالتأويل، و لا لهذا الأمر بأهل في دين، و لا سابقة في الإسلام، و و اللََّه لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بعمل كسرى و قيصر. فسيروا و تأهبوا للقتال، و قد بعثت لأخوانكم من أهل البصرة، ليقدموا عليكم فإذا قدموا و اجتمعتم شخصنا إن شاء اللََّه‏

[ (2) ].

كتاب علي إلى ابن عباس‏

قالوا:

و كان علي قد كتب إلى ابن عباس و إلى أهل البصرة: أما بعد، فإنا أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل الشام‏[ (3) ]، فأشخص إليّ من قبلك من الناس، و أقم حتى آتيك، و السلام.

ما قال ابن عباس إلى أهل البصرة

فلما قدم كتاب عليّ على ابن عباس، قرأه على الناس، ثم أمرهم [ (1) ]قارن مع نسخة الكتاب في الطبري 5/77 و الأخبار الطوال ص 208 و الكامل لابن الأثير ص 2/401 فتوح ابن الأعثم 4/106 باختلاف في الألفاظ و زيادة و نقصان في التعابير.

[ (2) ]قارن خطبته مع الطبري 5/78 و ابن الأثير 2/401 مروج الذهب 2/449.

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: من أهل المغرب.

165

بالشخوص مع الأحنف بن قيس، فشخص معه منهم ألف و خمس مائة رجل، فاستقبلهم ابن عباس، فقام خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: يا أهل البصرة، قد جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالمسير إليه مع الأحنف بن قيس، فلم يشخص إليه منكم إلا ألف و خمس مائة، و أنتم في الديوان ستون ألفا سوى أبنائكم و عبدانكم و مواليكم. ألا فانفروا[ (1) ]، و لا يجعل امرؤ على نفسه سبيلا، فإنّي موقع بكل من وجدته تخلف عن دعوته، عاصيا لإمامه، حزنا يعقب ندما، و قد أمرت أبا الأسود بحشدكم، فلا يلم امرؤ جعل السبيل على نفسه إلا نفسه.

ما قال علي كرم اللََّه وجهه لأهل الكوفة

قال: فحشد أبو الأسود الناس بالبصرة، فاجتمع عليه ألف و سبع مائة فأقبل هو و الأحنف بن قيس، حتى وافيا عليا بالنخيلة، فلما رأى عليّ أنه إنما قدم عليه من أهل البصرة ثلاثة آلاف و مائتا رجل‏[ (2) ]، جمع إليه رؤساء الناس و أمراء الأجناد و وجوه القبائل،

فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: يا أهل الكوفة أنتم إخواني و أنصاري و أعواني على الحق، و مجيبيّ إلى جهاد المحلين، بكم أضرب المدبر، و أرجو إتمام طاعة المقبل، و قد بعثت إلى أهل البصرة، فاستنفرتهم، فلم يأتني منهم غير ثلاثة آلاف و مائتين، فأعينوني بمناصحة سمحة، خليّة من الغش، و إني آمركم أن يكتب إليّ رئيس كل قوم منكم ما في عشيرته من المقاتلة، و أبنائهم الذين أدركوا القتال و العبدان و الموالي، و ارفعوا ذلك إلي ننظر فيه إن شاء اللََّه.

فقام سعد بن قيس الهمدانيّ، فقال: يا أمير المؤمنين سمعا و طاعة، و ودا و نصيحة، أنا أول الناس، و أول من أجابك بما سألت و طلبت.

ثم قام عدي بن حاتم و حجر بن عدي و أشراف القبائل، فقالوا: نحن كذلك، ثم كتبوا و رفعوا إلى علي، فكان جميع ما رفعوا إليه أربعين ألف مقاتل، [ (1) ]زيد في الطبري: مع جارية بن قدامة السعدي.

[ (2) ]في الأخبار الطوال: زهاء سبعة آلاف رجل، و قد قدم بهم ابن عباس. و في مروج الذهب: عشرة آلاف.

166

و سبعة عشر ألفا من الأبناء، و ثمانية آلاف من عبيدهم و مواليهم، و كانت العرب يومئذ سبعة و خمسين ألفا من أهل الكوفة، و من مماليكهم و مواليهم ثمانية آلاف، و من أهل البصرة ثلاثة آلاف و مائتا رجل، فقام علي فيهم خطيبا،

فقال: أما بعد، فقد بلغني قولكم: لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت علينا، فبدأنا بهم، إلا أن غير هذه الخارجة أهم على أمير المؤمنين، سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الأرض جبارين ملوكا، و يتخذهم المؤمنون أربابا، و يتخذون عباد اللََّه خولا، و دعوا ذكر الخوارج.

قال‏[ (1) ]: فنادى الناس من كل جانب: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، فنحن حزبك و أنصارك، نعادي من عاداك‏[ (2) ]، و نشايع من أناب إليك و إلى طاعتك، فسر بنا إلى عدوك، كائنا من كان، فإنك لن تؤتى من قلة و لا ضعف‏[ (3) ]، فإن‏[ (4) ]قلوب شيعتك كقلب رجل واحد في الاجتماع على نصرتك، و الجد في جهاد عدوك، فأبشر يا أمير المؤمنين بالنصر، و اشخص إلى أي الفريقين أحببت، فإنا شيعتك التي ترجو في طاعتك و جهاد من خالفك صالح الثواب من اللََّه، تخاف من اللََّه في خذلانك، و التخلف عنك شديد الوبال.

ما قال علي كرم اللََّه وجهه في الخثعميّ‏

فبايعوه على التسليم و الرضا، و شرط عليهم كتاب اللََّه و سنة رسوله صلّى اللََّه عليه و سلّم، فجاءه رجل من خثعم،

فقال له الإمام علي تبايع على كتاب اللََّه و سنة نبيه؟قال: لا، و لكن أبايعك على كتاب اللََّه و سنة نبيه و سنة أبي بكر و عمر. فقال علي: و ما يدخل سنة أبي بكر و عمر مع كتاب اللََّه و سنة نبيه؟ إنما كانا عاملين بالحق حيث عملا، فأبى الخثعميّ إلا سنة أبي بكر و عمر، و أبى عليّ أن يبايعه إلا على كتاب اللََّه و سنة نبيه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقال له حيث ألح عليه: تبايع؟قال: لا، إلا على ما ذكرت لك، فقال له عليّ: أما و اللََّه لكأنّي بك قد نفرت في هذه الفتنة، و كأني بحوافر خيلي قد شدخت وجهك،

[ (1) ]في الطبري 5/80 هذا قول صيفي بن فسيل، و في ابن الأثير: قسيل.

[ (2) ]في الطبري: عاديت.

[ (3) ]في الطبري: من قلة عدد، و لا ضعف نية أتباع.

[ (4) ]من هنا ذكر هذا الكلام في الطبري إلى محرز بن شهاب التميمي من بني سعد.

167

فلحق بالخوارج، فقتل يوم النهروان. قال قبيصة: فرأيته يوم النهروان قتيلا، قد وطأت الخيل وجهه، و شدخت رأسه، و مثلث به، فذكرت قول علي: و قلت للََّه در أبي الحسن!ما حرك شفتيه قط بشي‏ء إلا كان كذلك.

إجماع على الذهاب إلى صفين‏

فأجمع علي و الناس على المسير إلى صفين، و تجهز معاوية حتى نزل صفين، فلما خرج علي بالناس عبر الجسر، ثم مضى حتى نزل دير أبي موسى، على شاطئ الفرات، ثم أخذ على الأنبار. و إن الخارجة التي خرجت على عليّ بينما هم يسيرون، فإذا هم برجل يسوق امرأته على حمار له، فعبروا إليه الفرات، فقالوا له: من أنت؟قال: أنا رجل مؤمن، قالوا: فما تقول في علي بن أبي طالب؟قال: أقول: إنه أمير المؤمنين، و أول المسلمين إيمانا باللََّه و رسوله.

قالوا: فما اسمك؟قال: أنا عبد اللََّه بن خبّاب بن الأرتّ، صاحب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقالوا له: أفزعناك؟قال: نعم، قالوا: لا روع عليك، حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول اللََّه، لعل اللََّه أن ينفعنا به قال: نعم،

حدثني عن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، أنه قال: ستكون فتنة بعدي، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسي مؤمنا، و يصبح كافرا.

فقالوا: لهذا الحديث سألناك، و اللََّه لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا، فأخذوه و كتفوه، ثم أقبلوا به و بامرأته و هي حبلى متمّ‏[ (1) ]، حتى نزلوا تحت نخل، فسقطت رطبة منها، فأخذها بعضهم فقذفها في فيه، فقال له أحدهم بغير حل، أو بغير ثمن أكلتها، فألقاها من فيه، ثم اخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيرا لأهل الذمة، فقتله، قال له بعض أصحابه: إن هذا من الفساد في الأرض، فلقي الرجل صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيرة، فلما رأى منهم عبد اللََّه بن خباب ذلك، قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى، ما علي منكم بأس، و و اللََّه ما أحدثت حدثا في الإسلام، و إني لمؤمن، و قد أمّنتموني، و قلتم لا روع عليك فجاءوا به و بامرأته، فأضجعوه على شفير النهر، على ذلك الخنزير، فذبحوه فسال دمه في الماء[ (2) ]، ثم أقبلوا إلى امرأته، فقالت: إنما أنا امرأة، أما تتقون اللََّه؟قال: فبقروا [ (1) ]المرأة المتم: التي أتمت أشهرها و قاربت الولادة.

[ (2) ]قيل ضربه مسعر بن فدكي على أم رأسه فقتله (ابن الأعثم 4/198) .

168

بطنها، و قتلوا ثلاثة نسوة، فيهم أم سنان قد صحبت النبي عليه الصلاة و السلام.

فبلغ عليا خبرهم، فبعث إليهم الحارث بن مرة، لينظر فيما بلغه من قتل عبد اللََّه بن خباب و النسوة، و يكتب إليه بالأمر، فلما انتهى إليهم ليسائلهم، خرجوا إليه فقتلوه، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، تدع هؤلاء القوم وراءنا يخلفوننا في عيالنا و أموالنا، سر بنا إليهم، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى عدونا من أهل الشام.

مسير علي إلى الخوارج و ما قال لهم‏

قال: فسار علي و من معه حتى نزلوا المدائن، ثم خرج حتى أتى النهروان فبعث إليهم: أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا أفارقكم، و أكف عنكم، حتى ألقى أهل الشام، فبعثوا إليه: إنا كلنا قتلناهم، و كلنا مستحل لدمائكم و دمائهم. ثم أتاهم علي، فوقف عليهم،

فقال‏[ (1) ]: أيتها العصابة، إني نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا، و أنتم صرعى بإزاء هذا النهر، بغير برهان، و لا سنة، أ لم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، و أخبرتكم أن طلب القوم لها مكيدة، و أنبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، و إني أعرف بهم منكم، قد عرفتهم أطفالا، و عرفتهم رجالا، فهم شر رجال، و شر أطفال، و هم أهل المكر و الغدر، و إنكم إن فارقتموني و رأيي، جانبتم الخير و الحزم، فعصيتموني و أكرهتموني، حتى حكّمت، فلما أن فعلت شرطت و استوثقت، و أخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، و أن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا، و خالفا حكم الكتاب و السنة، و عملا بالهوى، فنبذا أمرهم، و نحن على أمرنا الأول، فما نبؤكم و من أين أتيتم؟

قالوا له: إنا حيث حكمنا الرجلين أخطأنا بذلك، و كنا كافرين، و قد تبنا من ذلك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، و تبت كما تبنا و أشهدنا، فنحن معك و منك، و إلا فاعتزلنا، و إن أبيت فنحن منابذوك على سواء.

فقال علي: أبعد إيماني باللََّه، و هجرتي و جهادي مع رسول اللََّه، أبوء و أشهد على نفسي بالكفر؟لقد ضللت إذا و ما أنا من المهتدين.

ويحكم!بم استحللتم قتالنا، و الخروج من جماعتنا؟أ أن اختار الناس رجلين،

فقالوا لهما: انظرا بالحق فيما يصلح العامة ليعزل رجل، و يوضع آخر مكانه.

[ (1) ]قارن مع الطبري 5/84 و ابن الأثير 2/404 و قسم منها في نهج البلاغة ص 140.

169

أحل لكم أن تضعوا سيوفكم على عواتقكم، تضربون بها هامات الناس، و تسفكون دماءهم؟!إن هذا لهو الخسران المبين. قال: فتنادوا لا تخاطبوهم و لا تكلموهم، تهيئوا للقاء الحرب‏[ (1) ]، الرواح الرواح إلى الجنة.

قتل الخوارج‏

قال: فرجع عليّ، فعبأ أصحابه فجعل على الميمنة حجر بن عديّ، و على الميسرة شيث بن ربعي، و على الخيل أبا أيوب الأنصاري، و على الرجّالة أبا قتادة، و على أهل المدينة و هم ثمان مائة[ (2) ]رجل من الصحابة قيس بن سعد بن عبادة، و وقف علي في القلب في مضر. قال: ثم رفع لهم راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري، فناداهم أبو أيوب: من جاء منكم إلى هذه الراية فهو آمن، و من دخل المصر فهو آمن، و من انصرف إلى العراق، و خرج من هذه الجماعة فهو آمن، فإنه لا حاجة لنا في سفك دمائكم‏[ (3) ]، قال: و قدم الخيل دون الرجالة، وصف الناس صفين وراء الخيل، وصف الرماة صفا أمام صف، و قال لأصحابه:

كفوا عنهم حتى يبدءوكم. قال: و أقبلت الخوارج حتى إذا دنوا من الناس نادوا:

لا حكم إلا للََّه، ثم نادوا: الرواح الرواح إلى الجنة. قال: و شدوا على أصحاب عليّ شدة رجل واحدة، و الخيل أمام الرجال، فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل، فخمدوا.

قال الثعلبي: لقد رأيت الخوارج حين استقبلتهم الرماح و النبل كأنهم معز اتقت المطر بقرونها، ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة و الميسرة، و نهض عليّ في القلب بالسيوف و الرماح، فلا و اللََّه ما لبثوا فواقا[ (4) ]حتى صرعهم اللََّه، كأنما قيل لهم موتوا فماتوا[ (5) ]. قال: و أخذ علي ما كان في عسكرهم من كل [ (1) ]في الطبري: للقاء الرب.

[ (2) ]في الطبري: سبعمائة أو ثمانمائة رجل.

[ (3) ]بعد نداء أبي أيوب انصرفت طائفة منهم إلى الدسكرة و طائفة إلى الكوفة و جماعة إلى علي، و كانوا أربعة آلاف. و بقي مع عبد اللََّه بن وهب منهم ألفان و ثمانمائة رجل. (الطبري 5/86 ابن الأثير 2/406 فتوح ابن الأعثم 4/125) .

[ (4) ]الفواق مقدار حلب الناقة أو البقرة أو نحوهما.

[ (5) ]لم يفلت منهم إلا تسعة نفر: هرب منهم رجلان إلى خراسان و رجلان إلى اليمن و رجلان إلى بلاد الجزيرة و صار رجل إلى تل موزن. (شرح نهج البلاغة-ابن الأعثم) .

170

شي‏ء، فأما السلاح و الدواب فقسمه عليّ بيننا، و أما المتاع و العبيد و الإماء فإنه حين قدم الكوفة رده على أهلها.

قال: و لما أراد علي الانصراف من النهروان، قام خطيبا،

فحمد اللََّه ثم قال: أما بعد، فإن اللََّه قد أحسن بلاءكم، و أعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى معاوية و أشياعه القاسطين، الذين نبذوا كتاب اللََّه‏ وَرََاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ، فبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون.

فقالوا: يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا، و كلت أذرعنا، و تقطعت سيوفنا، و نصلت أسنة رماحنا، فارجع بنا نحسن عدتنا، و لعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة، فإن ذلك أقوى‏[ (1) ]لنا على عدونا. فأقبل علي بالناس حتى نزل بالنخيلة، فعسكر بها، و أمر الناس أن يلزموا معه عسكرهم، و يوطنوا أنفسهم على الجهاد، و أن يقلوا من زيارة أبنائهم و نسائهم، حتى يسيروا إلى عدوهم من أهل الشام، فأقاموا معه أياما، ثم رجعوا و ما معه إلا نفر من وجوه الناس يسير، و ترك العسكر خاليا. [فلما رأى ذلك دخل الكوفة، و انكسر عليه رأيه في المسير][ (2) ].

خطبة علي كرم اللََّه وجهه‏

قال: فقام عليّ على المنبر،

فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، استعدوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القربة إلى اللََّه، و درك الوسيلة عنده، فأعدوا له مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وَ مِنْ رِبََاطِ اَلْخَيْلِ ، و توكلوا على اللََّه، و كفى به وكيلا،

ثم تركهم أياما، و دعا رؤساءهم و وجوههم، فسألهم عن رأيهم، و ما الّذي ثبطهم؟[ (3) ] فمنهم المعتلّ، و منهم المتكرّه، و أقلهم من نشط،

فقال لهم علي: عباد اللََّه، ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل اللََّه‏ اِثََّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا مِنَ اَلْآخِرَةِ بدلا[التوبة: 38]، و رضيتم بالذل و الهوان من العز خلفا، كلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم، كأنكم من الموت في سكرة، و كانت [ (1) ]في الطبري: أوفى.

[ (2) ]ما بين معكوفتين زيادة عن الطبري.

[ (3) ]في الطبري: و ما الّذي ينظرهم. و في ابن الأثير: يبطئ بهم.

171

قلوبكم قاسية[ (1) ]، فأنتم لا تعقلون، و كأن أبصاركم كمه، فأنتم لا تبصرون، للََّه أنتم، ما أنتم إلا أسود روّاعة[ (2) ]، و ثعالب روّاغة عند الناس‏[ (3) ]، تكادون و لا تكيدون، و تنتقص أطرافكم فلا تحاشون، و أنتم في غفلة ساهون، إن أخا الحرب اليقظان. أما بعد: فإن لي عليكم حقا، و لكم علي حقّ، أما حقكم علي: فالنصيحة في ذات اللََّه، و توفير فيئكم عليكم، و تعليمكم كيلا تجهلوا، و تأديبكم كيما تعلموا، و أما حقي عليكم: فالوفاء بالبيعة، و النصح لي في الإجابة حين أدعوكم، و الطاعة حين آمركم، فإن يرد اللََّه بكم خيرا تنزعوا عما أكره، و ترجعوا إلى ما أحب، تنالوا بذلك ما تحبون، و تدركوا ما تأملون. أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم‏[ (4) ]، ما عزت دعوة من دعاكم، و لا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصم‏[ (5) ]، و فعلكم يطمع فيكم عدوكم، إذا أمرتكم بالمسير قلتم كيت و كيت، أعاليل بأضاليل، هيهات، لا يدرك الحق إلا بالجد و الصبر، أي دار بعد داركم تمنعون؟و مع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور و اللََّه من غررتموه، و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب‏[ (6) ]، أصبحت لا أطمع في نصرتكم، و لا أصدق قولكم، فرق اللََّه بيني و بينكم، و أعقبني بكم من هو خير لي، و أعقبكم بعدي من هو شر لكم مني، أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا. و سيفا قاتلا. و أثرة يتخذها الظالمون بعدي عليكم سنة. تفرق جماعتكم. و تبكي عيونكم. و تدخل الفقر بيوتكم. تمنون و اللََّه عندها أن لو رأيتموني و نصرتموني. و ستعرفون ما أقول لكم عما قليل. استنفرتكم فلم تنفروا. و نصحت لكم فلم تقبلوا، و أسمعتكم فلم تعوا، فأنتم شهود كأغياب، و صم ذوو أسماع، أتلو عليكم الحكمة، و أعظكم بالموعظة النافعة، و أحثكم على جهاد المحلين، الظلمة الباغين، فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين، إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين، تضربون الأمثال، [ (1) ]في الطبري و ابن الأثير: و كأن قلوبكم مألوسة.

[ (2) ]في الطبري: أسود الشري في الدعة.

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: ثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس.

[ (4) ]أهواؤهم آراؤهم و ما تميل إليه قلوبهم (النهج-شرح محمد عبده) .

[ (5) ]الصم الشديدة الصلبة.

[ (6) ]السهم الأخيب: أي من فاز و ظفر بكم و كنتم نصيبه فقد ظفر بالسهم الأخيب و هو من سهام البسر الّذي لا حظّ له. ـ

172

و تناشدون الأشعار، تربت أيديكم، و قد نسيتم الحرب و استعدادها، و أصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها، و شغلتموها بالأباطيل و الأضاليل، ويحكم!اغزوا عدوكم قبل أن يغزوكم، فو اللََّه ما غزي‏[ (1) ] قوم قط في عقر دارهم إلا ذلّوا، و ايم اللََّه ما أظنكم تفعلون حتى يفعل بكم!و ايم اللََّه لوددت أني قد رأيتهم فلقيت اللََّه على نيتي و بصيرتي، فاسترحت من مقاساتكم و مداراتكم، ويحكم!ما أنتم إلا كإبل جامحة ضل عنها رعاؤها، فكلما ضمت‏[ (2) ]من جانب، انتشرت من جانب، و اللََّه لكأنّي انظر إليكم و قد حمي الوطيس، لقد انفرجتم عن عليّ، انفراج الرأس، و انفراج المرأة عن قبلها.

فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي، فقال: يا أمير المؤمنين فهلا فعلت كما فعل عثمان؟

قال له عليّ: ويلك و ما فعل عثمان، رأيتني عائذا باللََّه من شر ما تقول، و اللََّه إن الّذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له، و لا حجة معه، فكيف و أنا على بينة من ربي، و الحق معي، و اللََّه إن امرأ أمكن عدوه من نفسه، فنهش عظمه، و سفك دمه، لعظيم عجزه، ضعيف قلبه. أنت يا بن قيس فكن ذلك، فأما أنا فو اللََّه دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفي‏[ (3) ]، يطير له فراش الرأس‏[ (4) ]، و تطيح منه الأكف و المعاصم‏[ (5) ]، و تجد به الغلاصم و يفعل اللََّه بعد ذلك ما يشاء. و اللََّه يا أهل العراق، ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشام إلا ظاهرين عليكم، فقالوا: أ بعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين؟فقال: نعم، و الّذي فلق الحبة، و برأ النسمة، إني أرى أمورهم قد علت، و أرى أموركم قد خبت، و أراهم جادين في باطلهم، و أراكم وانين في حقكم، و أراهم مجتمعين، و أراكم متفرقين، و أراهم لصاحبهم معاوية مطيعين، و أراكم لي عاصين. أما و اللََّه لئن ظهروا عليكم بعدي لتجدنّهم أرباب سوء، كأنهم و اللََّه عن قريب قد شاركوكم في بلادكم، و حملوا إلى بلادهم منكم، و كأني انظر إليكم تكشون كشيش [ (1) ]عزين جمع عزة و هي الجماعة.

[ (2) ]في النهج: جمعت.

[ (3) ]المشرفي نسبة إلى مشارف بلد بالشام، و فيها تصنع السيوف المشرفية.

[ (4) ]فراش الهام في النهج. يعني العظام الرقيقة التي تلي القحف.

[ (5) ]في النهج: و تطيح السواعد و الأقدام.

173

الضباب‏[ (1) ]، لا تأخذون للََّه حقا، و لا تمنعون له حرمة[ (2) ]، و كأني انظر إليهم يقتلون صلحاءكم، و يخيفون علماءكم، و كأني انظر إليكم يحرمونكم و يحجبونكم، و يدينون الناس دونكم، فلو قد رأيتم الحرمان، و لقيتم الذل و الهوان، و وقع السيف و نزل الخوف، لندمتم و تحسرتم على تفريطكم في جهاد عدوكم، و تذكرتم ما أنتم فيه من الخفض و العافية، حين لا ينفعكم التذكار.

فقال الناس: قد علمنا يا أمير المؤمنين أن قولك كله و جميع لفظك يكون حقا، أ ترى معاوية يكون علينا أميرا؟

فقال: لا تكرهون إمرة معاوية، فإن إمرته سلم و عافية، فلو قد مات رأيتم الرءوس تندر عن كهولها كأنها الحنظل، و عدا كان مفعولا، فأما إمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرّها، ما بعدها أدهى و أمر.

كلام أبي أيوب الأنصاري‏

ثم قام أبو أيوب الأنصاري، فقال: إن أمير المؤمنين أكرمه اللََّه قد أسمع من كانت له أذن واعية، و قلب حفيظ، إن اللََّه قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها، حيث نزل بين أظهركم ابن عم رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و خير المسلمين و أفضلهم و سيدهم بعده، يفقهكم في الدين، و يدعوكم إلى جهاد المحلين، فو اللََّه لكأنكم صم لا تسمعون، و قلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون. عباد اللََّه، أ ليس إنما عهدكم بالجور و العدوان أمس، و قد شمل العباد، و شاع في الإسلام، فذو حق محروم، و مشتوم عرضه، و مضروب ظهره، و ملطوم وجهه، و موطوء بطنه، و ملقى بالعراء، فلما جاءكم أمير المؤمنين صدع بالحق، و نشر بالعدل و عمل بالكتاب، فاشكروا نعمة اللََّه عليكم، و لا تتولوا مجرمين، و لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا و هم لا يسمعون. اشحذوا السيوف، و جددوا آلة الحرب، و استعدوا للجهاد، فإذا دعيتم فأجيبوا، و إذا أمرتم فأطيعوا تكونوا بذلك من الصادقين.

قال: ثم قام رجال من أصحاب علي فقالوا: يا أمير المؤمنين، أعط هؤلاء هذه الأموال، و فضل هؤلاء الأشراف من العرب و قريش من الموالي، ممن [ (1) ]كشيش الضباب صوت احتكاك جلودها عند ازدحامها، و المراد حكاية حالهم عند هزيمتهم.

[ (2) ]في النهج: ضيما.

174

يتخوف خلافه على الناس و فراقه. و إنما قالوا له: هذا الّذي كان معاوية يصنعه بمن أثاه، و إنما عامة الناس همهم الدنيا، و لها يسعون، و فيها يكدحون. فأعط هؤلاء الأشراف، فإذا استقام لك ما تريد عدت إلى أحسن ما كنت عليه من القسم،

فقال علي: أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من الإسلام؟فو اللََّه لا أفعل ذلك ما لاح في السماء نجم، و اللََّه لو كان لهم مال لسويت بينهم، فكيف و إنما هي أموالكم. فقال رجل: يا أمير المؤمنين إن الموت نازل لا بد منه، فإن حل فمن صاحبنا؟فقال علي: أحدثك عن خاصة نفسي، أما الحسن فصاحب خوان‏[ (1) ]، و فتى من الفتيان، و لو قد التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب حثالة عصفور. و أما ابن أخي عبد اللََّه بن جعفر فصاحب لهو. و أما الحسين و محمد ابناي فأنا منهما و هما مني، و اللََّه لقد أحببت أن يدال هؤلاء القوم عليكم، بإصلاحهم في أرضهم، و فسادكم في أرضكم، و أدائهم الأمانة لمعاوية، و خيانتكم، و بطاعتهم له، و معصيتكم لي، و اجتماعهم على باطلهم، و تفرقكم عن حقكم، و ايم اللََّه لا يدعون بعدي محرّما إلا استحلوه، و لا يبقى بيت وبر و لا مدر إلا أدخلوه ظلمهم، حتى يقوم الباكيان منكم، باك لدينه، و باك لدنياه، و حتى تكون نصرة أحدكم كنصرة العبد لسيده، إذا شهد أطاعه، و إذا غاب سبّه. فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أ تظن ذلك كائنا؟ قال: ما هو بالظن و لكنه اليقين.

ما كتب علي لأهل العراق‏

قال: فقام حجر بن عدي، و عمرو بن الحمق، و عبد اللََّه بن وهب الراسبي، فدخلوا على عليّ، فسألوه عن أبي بكر و عمر: ما تقول فيهما؟و قالوا:

بين لنا قولك فيهما و في عثمان.

قال علي كرم اللََّه وجهه: و قد تفرغتم لهذا؟ و هذه مصر قد افتتحت، و شيعتي فيها قد قتلت؟إني مخرج إليكم كتابا أنبئكم فيه ما سألتموني عنه، فاقرءوه على شيعتي، فأخرج إليهم كتابا فيه: أما بعد، فإن اللََّه بعث محمدا صلّى اللََّه عليه و سلّم نذيرا للعالمين، و أمينا على التنزيل، و شهيدا على هذه الأمة، و أنتم يا معشر العرب على غير دين، و في شر [ (1) ]صاحب خوان: رجل كرم و إطعام.

175

دار، تسفكون دماءكم، و تقتلون أولادكم، و تقطعون أرحامكم و تأكلون أموالكم بينكم بالباطل، فمن اللََّه عليكم، فبعث محمدا إليكم بلسانكم، فكنتم أنتم المؤمنين، و كان الرسول فيكم و منكم، تعرفون وجهه و نسبه، فعلمكم الكتاب و الحكمة و السنة و الفرائض، و أمركم بصلة الأرحام، و حقن الدماء، و إصلاح ذات بينكم، و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، و أن توفوا بالعقود، و أن تعاطفوا و تبارّوا و تراحموا، و نهاكم عن التظالم و التحاسد و التقاذف و التباغي، و عن شرب الحرام، و عن بخس المكيال و الميزان، و تقدم إليكم فيما أنزل عليكم أن لا تزنوا و لا تأكلوا أموال اليتامى ظلما، فكل خير يبعدكم عن النار قد حضكم عليه، و كل شر يبعدكم عن الجنة قد نهاكم عنه، فلما استكمل رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم مدته من الدنيا توفاه اللََّه و هو مشكور سعيه مرضي عمله، مغفور له ذنبه، شريف عند اللََّه نزله، فيا لموته مصيبة خصت الأقربين، و عمت المؤمنين، فلما مضى تنازع المسلمون الأمر بعده، فو اللََّه ما كان يلقى في روعي‏[ (1) ]، و لا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر عني، فما راعني إلا إقبال الناس على أبي بكر، و إجفالهم عليه، فأمسكت يدي، و رأيت أني أحق بمقام محمد في الناس ممن تولى الأمور عليّ، فلبثت بذلك ما شاء اللََّه، حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محو دين محمد. و ملة إبراهيم عليهما السلام. فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله. أن أرى في الإسلام ثلما[ (2) ] و هدما. تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولاية أمركم. التي إنما هي متاع أيام قلائل. ثم يزول ما كان منها، كما يزول السراب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، و نهضت معه في تلك الأحداث، حتى زهق الباطل، و كانت كلمة اللََّه هي العليا، و أن يرغم الكافرون، فتولى أبو بكر رضي اللََّه عنه تلك الأمور فيسّر، و سدد، و قارب، و اقتصد، فصحبته مناصحا، و أطعته فيما أطاع اللََّه فيه جاهدا، فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاه، فسمعنا و أطعنا، و بايعنا و ناصحنا، فتولى تلك الأمور، فكان مرضيّ السيرة، ميمون النقيبة أيام حياته، فلما احتضر قلت في نفسي: ليس يصرف هذا الأمر عني. فجعلها عمر شورى و جعلني سادس ستة، فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي، لأنهم كانوا [ (1) ]روعي: بالضم القلب أو موضع الروع منه، و بفتح الراء: الفزع.

[ (2) ]ثلما أي خرقا.

176

يسمعونني و أنا أحاج أبا بكر فأقول: يا معشر قريش، أنا أحق بهذا الأمر منكم ما كان منا من يقرأ القرآن، و يعرف السنة، فخشوا إن وليت عليهم أن لا يكون لهم في هذا الأمر نصيب، فبايعوا إجماع رجل واحد، حتى صرفوا الأمر عني لعثمان، فأخرجوني منها، رجاء أن يتداولوها. حين يئسوا أن ينالوها، ثم قالوا لي: هلم فبايع عثمان. و إلا جاهدناك. فبايعت مستكرها. و صبرت محتسبا، و قال قائلهم: إنك يا بن أبي طالب على الأمر لحريص، قلت لهم: أنتم أحرص. أما أنا إذا طلبت ميراث ابن أبي و حقه، و أنتم إذ دخلتم بيني و بينه، و تضربون وجهي دونه، اللََّهمّ إني أستعين بك على قريش، فإنّهم قطعوا رحمي، و صغروا عظيم منزلتي و فضلي، و اجتمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه، ثم قالوا: اصبر كمدا، و عش متأسفا، فنظرت فإذا ليس معي رفاق و لا مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم على الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، و تجرعت رفيق على الشجا. و صبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم طعما، و آلم للقلب من حز الحديد، حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني تبايعونني، فأبيت عليكم، و أبيتم عليّ، فنازعتموني و دافعتموني، و لم أمد يدي، تمنعا عنكم، ثم ازدحمتم عليّ، حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، و أنكم قاتليّ، و قلتم: لا نجد غيرك، و لا نرضى إلا بك، فبايعنا لا نفترق و لا نختلف، فبايعتكم و دعوتم الناس إلى بيعتي، فمن بايع طائعا قبلت منه، و من أبى تركته، فأول من بايعني طلحة و الزبير، و لو أبيا ما أكرهتهما، كما لم أكره غيرهما، فما لبثا إلا يسيرا حتى قيل لي: قد خرجا متوجهين إلى البصرة في جيش، ما منهم رجل إلا و قد أعطاني الطاعة، و سمح لي بالبيعة، فقاموا على عمالي بالبصرة و خزائن بيوت أموالي، و على أهل مصري، و كلهم في طاعتي، و على شيعتي، فشتتوا كلمتهم، و أفسدوا على جماعتهم، ثم وثبوا على شيعتي، فقتلوا طائفة منهم غدرا، و طائفة صبرا، و طائفة عصرا بأسيافهم، فضاربوهم حتى لقوا اللََّه صابرين محتسبين، فو اللََّه لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله، لحل لي بذلك قتل الجيش كله، مع أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا عليهم بها، فقد أدال اللََّه منهم، فبعدا للقوم الظالمين. ثم إني نظرت بعد ذلك في أهل الشام، فإذا هم أعراب و أحزاب و أهل طمع، جفاة طغام، تجمعوا من كل أوب، ممن ينبغي أن يؤدب، و يولّى عليه، و يؤخذ على‏

177

يديه، ليسوا من المهاجرين و الأنصار، و لا من التابعين بإحسان، فسرت إليهم و دعوتهم إلى الجماعة و الطاعة، فأبوا إلا شقاقا و نفاقا، و نهضوا في وجوه المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان، ينضحونهم بالنبل، و يشجونهم بالرماح، فهنالك نهضت إليهم فقاتلتهم، فلما عضهم السلاح، و وجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، فنبأتكم أنهم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، و إنما رفعوها إليكم خديعة و مكيدة، فامضوا على قتالهم، فاتهمتموني، و قلتم: اقبل منهم، فإنّهم إن أجابوا إلى ما في الكتاب و السنة جامعونا على ما نحن عليه من الحق، و إن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم، فقبلت منهم، و خففت عنهم، و كان صلحا بينكم و بينهم على رجلين حكمين، يحييان ما أحيا القرآن، و يميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما، و تفرق حكمهما، و نبذا حكم القرآن، و خالف ما في الكتاب، و اتبعا هواهما بغير هدى من اللََّه، فجنبهما اللََّه السداد و أهوى بهما في غمرة الضلال، و كانا أهل ذلك، فانخذلت عنا فرقة منهم، فتركناهم ما تركونا، حتى إذا عاثوا في الأرض مفسدين، و قتلوا المؤمنين، أتيناهم فقلنا لهم: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، فقالوا: كلنا قتلهم، و كلنا استحللنا دماءهم و دماءكم، و شدت علينا خيلهم و رجالهم، فصرعهم اللََّه مصارع القوم الظالمين. ثم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فإنه أفزع لقلوبهم، و أنهك لمكرهم، و أهتك لكيدهم، فقلتم: كلت أذرعنا و سيوفنا، و نفدت نبالنا، و نصلت أسنة رماحنا، فأذن لنا، فلنرجع حتى نستعد بأحسن عدتنا، و إذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا، و من قد فارقنا، فإن ذلك قوة منا على عدونا، فأقبلتم حتى إذا أطللتم على الكوفة، أمرتكم أن تلزموا معسكركم و تضموا قواصيكم، و تتوطنوا على الجهاد، و لا تكثروا زيارة أولادكم و نسائكم فإن ذلك يرقّ قلوبكم و يلويكم، و إن أصحاب الحرب لا يتوجّدون، و لا يتوجعون، و لا يسأمون من سهر ليلهم، و لا من ظمأ نهارهم، و لا من خمص بطونهم، حتى يدركوا بثأرهم، و ينالوا بغيتهم و مطلبهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة، و دخلت طائفة منكم المصر عاصية فلا من نزل معي صبر فثبت، و لا من دخل المصر عاد إليّ، و لقد نظرت إلى عسكري و ما فيه معي منكم إلا خمسون رجلا، فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم، فما قدرتم أن تخرجوا معي إلى يومكم‏

178

هذا، للََّه آباؤكم!فما تنتظرون؟أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت‏[ (1) ]، و إلى مصركم قد افتتح؟فما بالكم تؤفكون!ألا إن القوم قد اجتمعوا و جدوا و تناصحوا، و إنكم تفرقتم و اختلفتم و تغاششتم، فأنتم إن اجتمعتم تسعدوا، فأيقظوا رحمكم اللََّه نائمكم، و تحرزوا لحرب عدوكم، إنما تقاتلون الطلقاء و أبناء الطلقاء، ممن أسلم كرها، و كان لرسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم حربا، أعداء السنة و القرآن، و أهل الأحزاب و البدع و الأحداث، و من كانت بوائقه تتقى، و كان عن الدين منحرفا، و أكلة الرشا، و عبيد الدنيا، لقد نمى إليّ أن ابن الباغية[ (2) ]لم يبايع معاوية حتى شرط عليه أن يؤتيه أتاوة هي أعظم ما في يديه من سلطانه، فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا!و تربت يد هذا المشتري نصرة غادر فاسق بأموال الناس!و إن منهم لمن شرب فيكم الحرام، و جلد حدا في الإسلام‏[ (3) ]، فهؤلاء قادة القوم، و من تركت ذكر مساويه منهم شر و أضر، و هؤلاء الذين لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الغضب و الفخر. و التسلط بالجبروت، و التطاول بالغضب، و الفساد في الأرض، و لا تبعوا الهوى، و حكموا بالرشا، و أنتم على ما فيكم من تخاذل و تواكل خير منهم و أهدى سبيلا، فيكم الحكماء، و العلماء و الفقهاء، و حملة القرآن، و المتهجدون بالأسحار، و العبّاد، و الزهاد في الدنيا، و عمّار المساجد، و أهل تلاوة القرآن، أ فلا تسخطون و تنقمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم، و الأراذل و الأشرار منكم!اسمعوا قولي إذا قلت، و أطيعوا أمري إذا أمرت، و اعرفوا نصيحتي إذا نصحت، و اعتقدوا جزمي إذا جزمت، و التزموا عزمي إذا عزمت، و انهضوا لنهوضي، و قارعوا من قارعت، و لئن عصيتموني لا ترشدوا و لا تجتمعوا، خذوا للحرب أهبتها، و أعدوا لها التهيؤ، فإنّها قد وقدت نارها، و علا سناها، و تجرد لكم فيها الظالمون، كيما يطفئوا نور اللََّه و يقهروكم، عباد اللََّه، ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع و الجفاء، بأولى في الجد في غيهم و ضلالهم و باطلهم، من أهل النزاهة و الحق و الإخبات بالجد في حقهم، و طاعة ربهم، و مناصحة إمامهم، إني و اللََّه لو لقيتهم [ (1) ]أطراف البلاد: جوانبها، قد حصل فيها النقص باستيلاء العدو عليها.

[ (2) ]كذا بالأصل، يريد ابن النابغة يعني عمرو بن العاص.

[ (3) ]يريد الوليد بن عقبة بن أبي معيط. و قد تقدم خبره. و قيل يريد عتبة بن أبي سفيان، و قد حده خالد بن عبد اللََّه بالطائف.

179

وحيدا منفردا، و هم في أهل الأرض إن‏[ (1) ]باليت بهم أو استوحشت منهم، إني في ضلالهم الّذي هم فيه، و الهدى الّذي أنا عليه، لعلى بصيرة و يقين و بينة من ربي، و إني للقاء ربي لمشتاق و لحسن ثوابه لمنتظر راج، و لكن أسفا يعتريني، و جزعا يريبني من أن يلي هذه الأمة سفهاؤها و فجارها، فيتخذون مال اللََّه دولا[ (2) ]، و عباد اللََّه خولا[ (3) ]، و الصالحين حربا، و القاسطين‏[ (4) ]حزبا، و ايم اللََّه لو لا ذلك ما أكثرت تأليبكم‏[ (5) ]و جمعكم، و تحريضكم، و لتركتكم، فو اللََّه إني لعلى الحق، و إني للشهادة لمحب، أنا نافر بكم إن شاء اللََّه، فانفروا خفافا و ثقالا، و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل اللََّه، إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلصََّابِرِينَ .

مقتل علي عليه السلام‏

قال المدائني: حج ناس من الخوارج سنة تسع و ثلاثين، و قد اختلف عامل عليّ و عامل معاوية، فاصطلح الناس على شبيب بن عثمان‏[ (6) ]، فلما انقضى الموسم أقام النفر من الخوارج مجاورين بمكة، فقالوا: كان هذا البيت معظما في الجاهلية، جليل الشأن في الإسلام، و قد انتهك هؤلاء حرمته، فلو أن قوما شروا أنفسهم فقتلوا هذين الرجلين اللذين قد أفسدا في الأرض، و استحلا حرمة هذا البيت، استراحت الأمة، و اختار الناس لهم إماما. فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه اللََّه: أنا أكفيكم أمر عليّ. و قال الحجاج‏[ (7) ]بن عبد اللََّه الصريمي، و هو البرك: أنا أقتل معاوية. فقال أذويه‏[ (8) ]مولى بني العنبر، و اسمه [ (1) ]في النهج: و هم طلاع الأرض كلها، ما باليت... أي لو كنت وحيدا و هم يملئون الأرض لقيتهم غير مبال بهم.

[ (2) ]الدول بضم ففتح جمع دولة بالضم أي الشي‏ء يتداولونه بينهم يتصرفون فيه بغير حق اللََّه.

[ (3) ]خول: عبيد (بالتحريك) .

[ (4) ]في النهج: و الفاسقين.

[ (5) ]تأليبكم تحريضكم و تحويل قلوبكم عنهم.

[ (6) ]في الطبري شيبة بن عثمان. قال و بعث علي عبيد اللََّه بن عباس و قيل عبد اللََّه بن عباس و قيل قثم بن عباس. و بعث معاوية على الموسم يزيد بن شجرة الرهاوي فاختلفوا فيمن يحج بالناس و أبى كل من الاثنين أن يسلم لصاحبه فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبي طلحة (الطبري 5/136 حوادث سنة 39) .

[ (7) ]في الأخبار الطوال: النزال بن عامر.

[ (8) ]في مروج الذهب و الكامل للمبرد: زادويه، و في الأخبار الطوال: اسمه عبد اللََّه بن مالك الصيداوي.

180

عمرو بن بكر و اللََّه ما عمرو بن العاص بدونهما، فأنا به. فتعاقدوا على ذلك ثم اعتمروا عمرة رجب. و اتفقوا على يوم واحد يكون فيه وقوع القتل منهم في عليّ و معاوية و عمرو، ثم سار كل منهم في طريقه فقدم ابن ملجم الكوفة و كتم أمره، و تزوج امرأة يقال لها: قطام‏[ (1) ]بنت علقمة، و كانت خارجية، و كان عليّ قد قتل أخاها[ (2) ]في حرب الخوارج. و تزوجها على أن يقتل عليا[ (3) ]. فأقام عندها مدة، فقالت له في بعض الأيام و هو مختف: لطالما أحببت المكث عند أهلك، و أضربت عن الأمر الّذي جئت بسببه، فقال: إن لي وقتا و أعدت فيه أصحابي، و لن أجاوزه فلما كان اليوم الّذي تواعدوا فيه، خرج عدو اللََّه، فقعد لعليّ حين خرج عليّ لصلاة الصبح، صبيحة نهار الجمعة، ليلة عشر[ (4) ]بقيت من رمضان سنة أربعين، فلما خرج للصلاة وثب عليه، و قال: الحكم للََّه لا لك يا علي، و ضربه على قرنه بالسيف،

فقال علي: فزت و رب الكعبة، ثم قال: لا يفوتنكم الرجل،

فشدّ الناس عليه، فأخذوه.

و كان عليّ رضي اللََّه عنه شديد الأدمة ثقيل العينين، ضخم البطن، أصلع، ذا عضلات، في أذنيه شعر يخرج منهما، و كان إلى القصر أقرب‏[ (5) ].

و كان ابن ملجم يعرض سيفه، فإذا أخبر أن فيه عيبا أصلحه، فلما قتل عليا قال:

لقد أحددت سيفي بكذا و كذا، و سممته بكذا و ضربت به عليا ضربة لو كانت بأهل المصر لأتت عليهم.

و

روي عن الحسن أنه قال: أتيت أبي فقال لي: أرقت الليلة، ثم ملكتني عيني. فسنح لي رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقلت له: يا رسول اللََّه، [ (1) ]في الطبري 6/83 و الطبقات الكبير ج 3/1/23 قطام ابنة الشجنة و في الكامل للمبرد 3/1116 فكالأصل. و في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2/170 قطام بنت سخينة بن عوف بن تيم اللات و في فتوح ابن الأعثم 4/134 قطام بنت الأضبع التميمي. و في مروج الذهب 2/457 قطام. أما في الأخبار الطوال فقال: خطب إلى قطام ابنتها الرباب.

[ (2) ]في الطبري: قتل أباها و أخاها. (انظر مروج الذهب) .

[ (3) ]و كانت قطام لما عرض عليها الزواج فاشترطت عليه مهرها: ثلاث آلاف و عبد و قينة و قتل علي بن أبي طالب فوافق.

[ (4) ]في شرح نهج البلاغة: ليلة تسع عشرة. و في مروج الذهب: لثلاث عشرة مضت من شهر رمضان.

[ (5) ]قارن مع الطبري 5/153 و ابن سعد 3/27. ـ

181

ما ذا لقيت من أمتك من الأود و اللدد؟[ (1) ]فقال: ادع عليهم، فقلت: اللََّهمّ أبدلني بهم خيرا لي منهم، و أبدلهم بي شرا لهم مني،

و خرج إلى الصلاة فاعترضه ابن ملجم،

و أدخل ابن ملجم على عليّ بعد ضربه إياه، فقال: أطيبوا طعامه، و ألينوا فراشه، فإن أعش فأنا وليّ دمي، إما عفوت، و إما اقتصصت، و إن أمت فالحقوه بي، وَ لاََ تَعْتَدُوا، إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ .

قالوا: و بكت أم كلثوم، و قالت لابن ملجم: يا عدو اللََّه، قتلت أمير المؤمنين، قال: ما قتلت أمير المؤمنين، و لكني قتلت أباك. قالت: و اللََّه إني لأرجو ألا يكون عليه بأس، قال‏[ (2) ]: و لم تبكين إذا؟و اللََّه لقد أرهفت السيف، و نفيت الخوف، و جبت الأجل، و قطعت الأمل و ضربت ضربة لو كانت بأهل المشرق لأتت عليهم.

و مكث علي يوم الجمعة و يوم السبت، و توفي ليلة الأحد، و غسله الحسن و الحسين و محمد بن الحنفية و عبد اللََّه بن جعفر، و كفن في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميص، و صلّى عليه الحسن ابنه، و دفن في قصر الإمارة بالكوفة، و غمي قبره مخافة أن ينبشه الخوارج، و قيل إنه نقل بعد صلح معاوية و الحسن إلى المدينة، و أخذ ابن ملجم، فقطعت يداه و رجلاه و أذناه و أنفه، و أتوا يقطعون لسانه، فصرخ، فقيل له: قد قطعت منك أعضاء و لم تنطق، فلما أتوا يقطعون لسانك صرخت؟قال: إني أذكر اللََّه به، فلم يسهل عليّ قطعه، ثم قتلوه بعد هذه المثلة[ (3) ].

كانت خلافة عليّ أربع سنين و تسعة أشهر، و كان عمره ثلاثا و ستين سنة[ (4) ].

و أما البرك: فإنه انطلق ليلة ميعادهم، فقعد لمعاوية، فلما خرج لصلاة [ (1) ]الأود: العوج. و اللدد: شدة الخصومة و عدم الرجوع إلى الحق.

[ (2) ]قارن مع عبارة الكامل للمبرد 3/1119 و الطبري 5/146 و الأخبار الطوال ص 214.

[ (3) ]و قيل في قتله غير ذلك انظر مروج الذهب 2/461 و الكامل للمبرد 3/1120.

[ (4) ]في مدة خلافته و مقدار عمره اختلاف في مصادر ترجمته انظر في ذلك الطبري 5/151-152 مروج الذهب 2/385 تاريخ ابن الأثير 2/439-440 طبقات ابن سعد 3/37 المعارف ص 209 المحبر ص 17 نهاية الأرب 20/218.

182

الصبح شد عليه سيفه، فأدبر معاوية، فضرب رانفة[ (1) ]أليته ففلقها، و وقع السيف في لحم كثير[ (2) ]، و أخذ، فقال لمعاوية: إن لك عندي لخبرا سارا، قد قتل الليلة عليّ، و حدثه الحديث، و عولج معاوية فبرئ، و أمر بقتل البرك‏[ (3) ]، و قيل: ضرب البرك معاوية و هو ساجد، فمذ ذاك جعل الحرس على رءوس الخلفاء، و اتخذ معاوية المقصورة.

و أما الثالث: فقصد عمرو بن العاص ليلة الميعاد، فلم يخرج تلك الليلة، لعلة وجدها في بطنه، و صلّى بالناس خارجة بن حذافة العدوي‏[ (4) ]، فشد عليه الخارجي، و هو يظن أنه ابن العاص، فقتله، و أخذ، فأتي به عمرو بن العاص، فلما رآه قال: و من المقتول؟قالوا: خارجة. فقال: أردت عمرا و أراد اللََّه خارجة، ثم قال لعمرو بن العاص الحديث، و ما كان من اتفاقه مع صاحبيه، فأمر بقتله. فلما قتل عليّ تداعى أهل الشام إلى بيعة معاوية، و قال له عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: نحن المؤمنون، و أنت أميرنا، فبايعوه و هو بإيلياء لخمس ليال خلون من شوال سنة أربعين.

فصل‏

روي عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه قال: «يا علي، أ تدري من أشقى الأولين و الآخرين؟قال: اللََّه و رسوله أعلم. قال: «أشقى الأولين: عاقر الناقة[ (5) ]، و أشقى الآخرين: الّذي يطعنك. و أشار إلى حيث طعن. [ (6) ]. قال: و خرج عليّ في ليلة قتله و هو يقول:

[ (1) ]أي أسفلها. و في الكامل للمبرد 3/1121: أصاب مأكمتيه. و المأكمتان الواحدة مأكمة و هما اللحمتان اللتان على رءوس الوركين.

[ (2) ]قيل إن معاوية كان عظيم الأوراك. فقطع منه عرقا يقال انه عرق النكاح فلم يولد لمعاوية بعد ذلك (الكامل للمبرد 3/1122) .

[ (3) ]و قيل إن معاوية لم يقتله بل قطع يده و رجله و أقام بعد ذلك بالبصرة و قد ولد له، ثم قتله زياد لما بلغه خبره (الكامل للمبرد 3/1122 و انظر مروج الذهب 2/464) .

[ (4) ]و هو من بني سهم بن عمرو بن هصيص، رهط عمرو بن العاص، و كان صاحب شرطته، و قيل قاضي مصر (راجع الكامل للمبرد 3/1122 الطبري 5/149 مروج الذهب 2/464) و في البداية و النهاية 7/365: خارجة بن أبي حبيبة من بني عامر بن لؤيّ.

[ (5) ]عاقر الناقة: الّذي عقر ناقة صالح عليه السلام التي أخرجها اللََّه لثمود من الحجر، و كانت معجزة صالح عليه السلام لقومه حتى يؤمنوا باللََّه العظيم.

[ (6) ]رواه ابن كثير في البداية و النهاية 7/358.

183

اشدد حيازيمك للموت # فإن الموت لاقيكا[ (1) ]

و لا تجزع من الموت # إذا حل بواديكا

و قال الشاعر في قتل ابن ملجم عليا[ (2) ]:

تضمن للآثام لا درّ درّه # و لاقى عقابا غير ما متصرّم

فلا مهر أغلى من عليّ و إن غلا # و لا فتك إلا دون فتك ابن ملجم

ثلاثة آلاف و عبد و قينة # و ضرب علي بالحسام المسمّم‏

قال هبيرة بن شريم: سمعت الحسن رضي اللََّه عنه يخطب، فذكر أباه و فضله و سابقته، ثم قال: و اللََّه ما ترك صفراء و لا بيضاء إلا سبع مائة درهم فضلت من عطائه، أراد أن يشتري بها خادما

[ (3) ]. و جاء رجل من مراد إلى علي، فقال له: يا أمير المؤمنين احترس، فإن هنا قوما يريدون قتلك.

فقال: إن لكل إنسان ملكين يحفظانه، فإذا جاء القدر خلياه.

قيل: و

لما ضرب عليّ دعا أولاده، و قال لهم: عليكم بتقوى اللََّه و طاعته و ألا تأسوا على ما صرف عنكم منها، و انهضوا إلى عبادة ربكم، و شمروا عن ساق الجد، و لا تثاقلوا إلى الأرض، و تقروا بالخسف، و تبوءوا بالذلّ، اللََّهمّ اجمعنا و إياهم على الهدى، و زهّدنا و إياهم في الدنيا، و اجعل الآخرة خيرا لنا و لهم من الأولى، و السلام.

بيعة الحسن بن علي رضي اللََّه عنه لمعاوية

قال: و ذكروا أنه لما قتل علي بن أبي طالب، ثار الناس إلى الحسن بن علي بالبيعة، فلما بايعوه‏

قال لهم: تبايعون لي على السمع و الطاعة، و تحاربون [ (1) ]حيازيمك واحدها حيزوم قال المهلبي: هو ما اشتمل عليه الصدر و يقال للرجل: اشدد حيازيمك لهذا الأمر أي وطن نفسك عليه.

[ (2) ]اختلفوا في نسبة هذه الأبيات، ففي الطبري 5/150 نسبها إلى ابن أبي مياس المرادي. و في سمط النجوم العوالي 2/468 للفرزدق و في شرح النهج 2/171 و الكامل للمبرد 3/1116 و مروج الذهب 2/458 هذه الأبيات منسوبة لابن ملجم. و في الأخبار الطوال ص 214 قال الشاعر. و في فتوح ابن الأعثم 4/147 يقول العبديّ و زاد على الأبيات ثلاثة أبيات أخرى.

و في هذه المصادر اختلاف في بعض الألفاظ و التعابير.

[ (3) ]و قيل: ترك لأهله مائتين و خمسين درهما و مصحفه و سيفه (مروج الذهب 2/461) . و في الطبري 5/157 ثمانمائة أو سبعمائة.

184

من حاربت، و تسالمون من سالمت،

فلما سمعوا ذلك ارتابوا و أمسكوا أيديهم و قبض هو يده، فأتوا الحسين، فقالوا له: ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك، و على حرب المحلين الضالين أهل الشام،

فقال الحسين: معاذ اللََّه أن أبايعكم ما كان الحسن حيا.

قال: فانصرفوا إلى الحسن، فلم يجدوا بدا من بيعته، على ما شرط عليهم، فلما تمت البيعة له، و أخذ عهودهم و مواثيقهم على ذلك، كاتب معاوية، فأتاه فخلا به، فاصطلح معه على أن لمعاوية الإمامة ما كان حيا، فإذا مات فالأمر للحسن‏[ (1) ]، فلما تم صلحهما صعد الحسن إلى [ (1) ]أقام الحسن بالكوفة بعد مقتل أبيه شهرين كاملين لا ينفذ إلى معاوية أحد، و لا ذكر المسير إلى الشام فورد عليه كتاب من ابن عباس و مما جاء فيه: «يا بن رسول اللََّه فإن المسلمين و لوك أمرهم بعد أبيك (رضي الله عنه) و قد أنكروا قعودك عن معاوية و طلبك لحقك فشمر للحرب و جاهد عدوك.

فبعث الحسن (رضي الله عنه) بكتاب إلى معاوية-بعد بيعته-يدعوه إلى طاعته و بيعته، فكتب إليه معاوية برفض ما طلبه منه ثم جمع الناس و خرج في ستين ألفا يريد العراق. عندئذ سار الحسن من الكوفة إلى مسكن و تجهز و عبأ الجيش، و جرت في عسكره مشاحنات حتى أنهم نفروا بسرادقه و نهبوا متاعه، و تفرق الأمر عنه كتب إلى معاوية في الصلح وفق شروط. و كان ذلك بعد أن رأى الحسن نفسه أمام ظروف دقيقة-حتمت عليه-بعد موقف الحيرة الّذي وجد نفسه فيه-اتخاذ الموقف الجري‏ء الواضح و الّذي لم يرض أن يهرق في أمره محجمة دم، فكانت خطة حقن الدماء التي أقرها و قررها أما الظروف التي أملت عليه اتخاذ هذا الموقف فهي:

1-خطة الحرب النفسية و الدعائية التي شنها معاوية و التي قضى من ورائها تدمير مقاومة الجيش في مسكن.

2-نشر الشائعات في جيش الحسن، و كانوا من أغرار الناس المتأرجحين بين الطاعة و العصيان و المتأهبين للفتنة و الاضطرابات في كل حين.

3-تهديم معنويات جيش الحسن.

هذا ما أدى إلى نهب سرادق الحسن و متاعه و عامة أثقاله و تفرق أصحابه. و مما أدى إلى تطاول سنان بن الجراح الأسدي إلى مهاجمة الحسن و جرحه جراحة كادت تأتي عليه، و ما همّ به المختار بن أبي عبيدة في إقناع عمه باستيثاق الحسن و أن يستأمن به من معاوية، و انخزال القبائل، قبيلة بعد قبيلة إلى معاوية.

أمام هذا كله وقف الحسن غير عابئ بما يدور حوله، و وضع خطته فيما يريده اللََّه و ما يؤثره عن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم و ما يجب لصيانة المبدإ أما ما يقوله الناس، فلم يكن ذلك مما يعنيه كثيرا (انظر الطبري-اليعقوبي-ابن كثير) .

و مما اشترطه الحسن على معاوية:

1-أن يعمل معاوية بالمؤمنين بكتاب اللََّه و سنة نبيه صلّى اللََّه عليه و سلّم و سيرة الخلفاء الصالحين من بعده.

2-ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده عهدا بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين.

3-الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللََّه شامهم و عراقهم و تهامهم و حجازهم.

185

المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه،

ثم قال: أيها الناس، إن اللََّه هدى أولكم بأولنا، و حقن دماءكم بآخرنا، و كانت لي في رقابكم بيعة، تحاربون من حاربت، و تسالمون من سالمت، و قد سالمت معاوية، و بايعته فبايعوه و إن أدري لعله فتنة لكم و متاع إلى حين، و أشار إلى معاوية.

إنكار سليمان بن صرد

قال: و ذكروا أنه لما تمت البيعة لمعاوية بالعراق، و انصرف راجعا إلى الشام، أتاه سليمان بن صرد، و كان غائبا عن الكوفة، و كان سيد أهل العراق و رأسهم. فدخل على الحسن، فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين‏[ (1) ]،

فقال الحسن: و عليك السلام، اجلس. للََّه أبوك،

قال: فجلس سليمان، فقال: أما بعد، فإن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية و معك مائة ألف مقاتل من أهل [ (4-) ]أصحاب علي و شيعته آمنون على أنفسهم و أموالهم و نسائهم و دمائهم، و على معاوية بذلك عهد اللََّه و ميثاقه.

و ذكر أنه اتفق بينهما على معاهدة صلح وقعها الفريقان. و صورتها لما أخذناها من مصادرها حرفيا:

-المادة الأولى: تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب اللََّه و سنة رسوله‏[المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج 4/8]و بسيرة الخلفاء الصالحين‏[فتح الباري فيما رواه ابن عقيل في النصائح الكافية ص 156].

-المادة الثانية: أن يكون الأمر للحسن من بعده‏[تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 194 و الإصابة 2/12 و 13 دائرة معارف و جدي 3/443]و ليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد[المدائني فيما يرويه عنه ابن أبي الحديد 4/8 و الفصول المهمة لابن الصباغ و غيرهما].

-المادة الثالثة: أن يترك سب أمير المؤمنين و القنوت عليه بالصلاة و أن لا يذكر عليا إلا بخير [الأصفهاني: مقاتل الطالبيين ص 26 شرح النهج 4/15 و قال آخرون أنه أجابه على أنه لا يشتم عليا و هو يسمع و قال ابن الأثير: ثم لم يف به أيضا].

-المادة الرابعة: يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن و له خراج داربجرد [الطبري 6/92 و في الأخبار الطوال ص 218: أن يحمل لأخيه الحسين في كل عام ألفي ألف، و يفضل بني هاشم في العطاء و الصلات على بني عبد شمس‏].

-المادة الخامسة: أن لا يأخذ أحدا من أهل العراق بإحنة، و أن يؤمن الأسود و الأحمر و يحتمل ما يكون من هفواتهم‏[الأخبار الطوال ص 218]و على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللََّه في شامهم و عراقهم و تهامهم و حجازهم‏[فتوح ابن الأعثم 4/160].

[ (1) ]في الأخبار الطوال ص 220 أن الّذي دخل على الحسن و قال له ذلك هو سفيان بن ليلى. و في فتوح ابن الأعثم 4/166 سفيان بن الليل البهمي. و في البداية و النهاية 8/20 أبو عامر سعيد بن النتل.

186

العراق، و كلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم و مواليهم، سوى شيعتك من أهل البصرة و أهل الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد، و لا حظا من القضية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت، و أعطاك ما أعطاك بينك و بينه من العهد و الميثاق، كنت كتبت عليك بذلك كتابا، و أشهدت عليه شهودا من أهل المشرق و المغرب إن هذا الأمر لك من بعده، كان الأمر علينا أيسر، و لكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله، ثم قال: و زعم على رءوس الناس ما قد سمعت، إني كنت شرطت لقوم شروطا، و وعدتهم عدات، و منيتهم أماني، إرادة إطفاء نار الحرب، و مداراة لهذه الفتنة، إذ جمع اللََّه لنا كلمتنا و ألفتنا، فإن كل ما هنالك تحت قدمي هاتين، و و اللََّه ما عنى بذلك إلا نقض ما بينك و بينه، فأعد للحرب خدعة، و أذن لي أشخص إلى الكوفة، فأخرج عامله منها، و أظهر فيها خلعه، و أنبذ إليه على سواء إن اللََّه لا يهدي كيد الخائنين. ثم سكت. فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقالته، و كلهم يقول: ابعث سليمان بن صرد، و ابعثنا معه، ثم الحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله، و أظهرنا خلعه.

فتكلم الحسن، فحمد اللََّه، ثم قال: أما بعد، فإنكم شيعتنا و أهل مودتنا، و من نعرفه بالنصيحة و الصحبة و الاستقامة لنا، و قد فهمت ما ذكرتم و لو كنت بالحزم في أمر الدنيا و للدنيا أعمل و أنصب، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا، و أشد شكيمة، و لكان رأيي غير ما رأيتم، و لكني أشهد اللََّه و إياكم أني لم أرد بما رأيتم إلاّ حقن دمائكم، و إصلاح ذات بينكم، فاتقوا اللََّه و ارضوا بقضاء اللََّه، و سلموا لأمر اللََّه، و الزموا بيوتكم، و كفوا أيديكم، حتى يستريح برّ، أو يستراح من فاجر، مع أن أبي كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر، فو اللََّه لو سرنا إليه بالجبال و الشجر، ما شككت أنه سيظهر، إن اللََّه لا معقب لحكمه، و لا رادّ لقضائه، و أما قولك: يا مذلّ المؤمنين، فو اللََّه لأن تذلوا و تعافوا أحب إليّ من أن تعزوا و تقتلوا، فإن رد اللََّه علينا حقنا في عافية قبلنا، و سألنا اللََّه العون على أمره، و إن صرفه عنا رضينا، و سألنا اللََّه أن يبارك في صرفه عنا، فليكن كل رجل منكم حلسا من‏[ (1) ]أحلاس بيته، ما دام معاوية حيا، فإن يهلك و نحن و أنتم أحياء، سألنا اللََّه العزيمة على‏

[ (1) ]الحلس: هو ما يلي ظهر الدابة تحت البرذعة، و المعنى: أن يلزم كل منكم بيته و لا يبارحه.

و الرجل الحلوس: هو الرجل الحريص الملازم.

187

رشدنا، و المعونة على أمرنا، و أن لا يكلنا إلى أنفسنا، فإن اللََّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون‏

.

كراهية الحسين رضي اللََّه عنه للبيعة

قال: ثم خرج سليمان بن صرد من عنده، فدخل على الحسين، فعرض عليه ما عرض على الحسن، و أخبره بما رد عليه الحسن،

فقال الحسين: ليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته، ما دام معاوية حيا، فإنّها بيعة كنت و اللََّه لها كارها، فإن هلك معاوية نظرنا و نظرتم، و رأينا و رأيتم.

ما أشار به المغيرة بن شعبة على معاوية من البيعة ليزيد

قال: و ذكروا أنه لما استقامت الأمور لمعاوية، استعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة، ثم هم أن يعزله و يولي سعيد بن العاص، فلما بلغ ذلك المغيرة قدم الشام على معاوية[ (1) ]، فقال: يا أمير المؤمنين، قد علمت ما لقيت هذه الأمة من الفتنة و الاختلاف، و في عنقك الموت، و أنا أخاف إن حدث بك حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان، فاجعل للناس بعدك علما يفزعون إليه، و اجعل ذلك يزيد ابنك‏[ (2) ]. قال: فدخل معاوية على امرأته فاختة بنت قرطة بن حبيب بن عبد شمس و كان ابنها منه عبد اللََّه بن معاوية، و قد كان بلغها ما قال المغيرة، و ما أشار به عليه من البيعة ليزيد و كان يزيد ابن الكلبية ميسون ابنة عبد الرحمن بن بحدل الكلبي. فقالت فاختة، و كانت معادية الكلبية، ما أشار به عليك المغيرة؟أراد أن يجعل لك عدوا من نفسك، يتمنى هلاكك [ (1) ]قال ابن الأثير في الكامل 2/508 أنه لما بلغ المغيرة عزله قال: الرأي أن أشخص إلى معاوية فأستعفيه ليظهر للناس كراهيتي للولاية. فسار إلى معاوية و قال لأصحابه حين وصل إليه: إن لم أكسبكم الآن ولاية و إمارة لا أفعل ذلك أبدا (و انظر الطبري 5/301-302) .

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير أن المغيرة بن شعبة دخل على يزيد و تساءل معه لما ذا لا يعقد لك أمير المؤمنين البيعة و قد ذهب أعيان أصحاب النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم و كبراء قريش و ذوو أسنانهم.. فدخل يزيد على أبيه و نقل إليه ما ذكره المغيرة فأدخله عليه يسأله ذلك... فذكروا قوله كما في الأصل، فأعاده إلى عمله و كلفه العمل و التحدث مع من يثق إليه بهذا الشأن فغادر المغيرة إلى الكوفة يعمل في بيعة يزيد و كانت باكورة ذلك أن أرسل وفدا إلى معاوية يزينون له بيعة يزيد و دعوه إلى عقدها. ـ

188

كل يوم، فشق ذلك على معاوية، ثم بدا له أن يأخذ بما أشار عليه المغيرة بن شعبة.

ما حاول معاوية في بيعة يزيد

قال: فلما اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار بدمشق، و فيهم الأحنف بن قيس، دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، فقال له: إذا جلست على المنبر، و فرغت من بعض موعظتي و كلامي، فاستأذني للقيام، فإذا أذنت لك، فاحمد اللََّه تعالى، و اذكر يزيد، و قل فيه الّذي يحق له عليك، من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي فإنّي قد رأيت و أجمعت على توليته، فأسأل اللََّه في ذلك، و في غيره الخيرة و حسن القضاء. ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي و عبد اللََّه بن مسعدة الفزاري، و ثور بن معن السلمي، و عبد اللََّه بن عصام‏[ (1) ] الأشعري، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك و أن يصدقوا قوله، و يدعوه إلى بيعة يزيد[ (2) ].

ما تكلم به الضحاك بن قيس‏

قال: فلما جلس معاوية على المنبر، و فرغ من بعض موعظته، و هؤلاء النفر في المجلس قد قعدوا للكلام، قام الضحاك بن قيس، فاستأذن في الكلام، فأذن له، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أصلح اللََّه أمير المؤمنين، و أمتع به، إنا قد بلونا الجماعة و الألفة، و الاختلاف و الفرقة فوجدناها ألم لشعثنا، و أمنة لسبلنا، و حاقنة لدمائنا، و عائدة علينا في عاجل ما نرجو و آجل ما نؤمل. مع ما ترجو به الجماعة من الألفة، و لا خير لنا أن نترك سدى، و الأيام عوج رواجع، و اللََّه يقول: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29]، و لسنا ندري ما يختلف به العصران‏[ (3) ]، و أنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء اللََّه و خلفائه، نسأل اللََّه تعالى بك المتاع، و قد رأينا من دعة يزيد بن أمير المؤمنين، [ (1) ]في مروج الذهب 3/34 عبد اللََّه بن عصاة الأشعري.

[ (2) ]كان ذلك سنة 59 على ما قاله في مروج الذهب و عند ابن الأثير 2/511 سنة 56 و في العقد الفريد 4/369 سنة 55.

[ (3) ]العصران: الغداة و العشي و الليل و النهار.

189

و حسن مذهبه، و قصد سيرته‏[ (1) ]، و يمن نقيبته، مع ما قسم اللََّه له من المحبة في المسلمين، و الشبه بأمير المؤمنين، في عقله و سياسته و شيمته المرضية، ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا، و القنوع به في الولاية علينا، فليوله أمير المؤمنين -أكرمه اللََّه-عهده، و ليجعله لنا ملجأ و مفزعا بعده، نأوي إليه إن كان كون فإنه ليس أحد أحق بها منه، فاعزم على ذلك، عزم اللََّه لك في رشدك، و وفقك في أمورنا[ (2) ].

ما قال عبد الرحمن بن عثمان‏

قال: ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أصلح اللََّه أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه، قد أحدودبت علينا سيساؤه‏[ (3) ]، و اقطوطبت‏[ (4) ]علينا أدواؤه، و أناخت علينا أبناؤه، و نحن نشير عليك بالرشاد، و ندعوك إلى السداد، و أنت-يا أمير المؤمنين- أحسننا نظرا و أثبتنا بصرا، و يزيد ابن أمير المؤمنين قد عرفنا سيرته، و بلونا علانيته، و رضينا ولايته، و زادنا بذلك انبساطا، و به اغتباطا، ما منحه اللََّه من الشبه بأمير المؤمنين و المحبة في المسلمين، فاعزم على ذلك، و لا تضق به ذرعا، فاللََّه تعالى يقيم به الأود، و يردع به الألد، و تأمن به السبل، و يجمع به الشمل، و يعظم به الأجر، و يحسن به الذخر. ثم جلس.

ما قال ثور بن معن‏

قال: ثم قام ثور بن معن السلمي، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أصلح اللََّه أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان صاحبه شاغب، و ظله ذاهب مكتوب علينا فيه الشقاء و السعادة، و أنت يا أمير المؤمنين ميت نسأل اللََّه بك المتاع و يزيد ابن أمير المؤمنين أقدمنا شرفا، و أبذلنا عرفا و قد دعانا إلى الرضا به، [ (1) ]قصد سيرته أي استقامتها.

[ (2) ]قارن مع العقد الفريد 4/369 و ابن الأثير 2/510 مروج الذهب 3/34 فتوح ابن الأعثم 4/230.

[ (3) ]السيساء: الظهر. المراد أن الزمان غير مستقيم يحدودب كما يحدودب ظهر الدابة فلا يمكن ركوبها.

[ (4) ]اقطوطب: اجتمع. الأدواء جمع داء.

190

و القنوع بولايته، و الحرص عليه، و الاختيار له، ما قد عرفنا من صدق لسانه و وفائه، و حسن بلائه، فاجعله لنا بعدك خلفا، فإنه أوسعنا كنفا، و أقدمنا سلفا، و هو رتق لما فتق، و زمام لما شعب‏[ (1) ]، و نكال لمن فارق و نافق، و سلّم لمن واظب، و حافظ للحق، أسأل اللََّه لأمير المؤمنين أفضل البقاء و السعادة، و الخيرة فيما أراد، و التوطن في البلاد، و صلاح أمر جميع العباد. ثم جلس.

ما تكلم به عبد اللََّه بن عصام‏

قال: ثم قام عبد اللََّه بن عصام، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أصلح اللََّه أمير المؤمنين، و أمتع به، إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية، و أهواء منجذمة[ (2) ] نخاف هدّها، و ننتظر جدّها، شديد منحدرها، كثير وعرها، شامخة مراقيها، ثابتة مراتبها، صعبة مراكبها، فالموت يا أمير المؤمنين وراءك و وراء العباد، لا يخلد في الدنيا أحد، و لا يبقى لنا أمد، و أنت يا أمير المؤمنين مسئول عن رعيتك، و مأخوذ بولايتك، و أنت انظر للجماعة و أعلى عينا بحسن الرأي لأهل الطاعة، و قد هديت ليزيد في أكمل الأمور و أفضلها رأيا، و أجمعها رضا، فاقطع بيزيد قالة الكلام، و نخوة المبطل، و شغب المنافق، و اكبت به الباذخ‏[ (3) ]المعادي، فإن ذلك ألم للشمل و أسهل للوعث، فاعزم على ذلك، و لا تترامى بك الظنون.

ما تكلم به عبد اللََّه بن مسعدة

ثم قام عبد اللََّه بن مسعدة الفزاري، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أصلح اللََّه أمير المؤمنين، و أمتع به. إن اللََّه قد آثرك بخلافته، و اختصك بكرامته، و جعلك عصمة لأوليائه، و ذا نكاية لأعدائه، فأصبحت بأنعمه جذلا، و لما حملك محتملا، يكشف اللََّه تعالى بك العمى، و يهدي بك العدي، و يزيد ابن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة، و أحقهم بالخلافة بعدك، قد ساس الأمور، و أحكمته الدهور، ليس بالصغير الفهيه‏[ (4) ]، و لا بالكبير السفيه، قد احتجن‏[ (5) ] [ (1) ]شعب: كسر و تفرق.

[ (2) ]منجذمة: متقطعة.

[ (3) ]الباذخ: المستعلي المتكبر.

[ (4) ]الفهيه: العيي الّذي لا يحسن الكلام.

[ (5) ]احتجن المكارم: جمعها و حواها.

191

المكارم، و ارتجى لحمل العظائم، و أشد الناس في العدوّ نكاية، و أحسنهم صنعا في الولاية، و أنت أغنى بأمرك، و أحفظ لوصيتك، و أحرز لنفسك. أسأل اللََّه لأمير المؤمنين العافية في غير جهد، و النعمة في غير تغيير.

ما قال الأحنف بن قيس‏

قال: فقال معاوية: أ و كلّكم قد أجمع رأيه على ما ذكرنا؟فقالوا: كلنا قد أجمع رأيه على ما ذكرنا. قال: فأين الأحنف؟فأجابه، قال: ألا تتكلم؟فقام الأحنف فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أصلح اللََّه أمير المؤمنين، إن الناس قد أمسكوا في منكر زمان قد سلف، و معروف زمان مؤتنف‏[ (1) ]، و يزيد ابن أمير المؤمنين نعم الخلف، و قد حلبت الدهر أشطره‏[ (2) ]يا أمير المؤمنين، فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك، ثم أعص أمر من يأمرك، لا يغررك من يشير عليك، و لا ينظر لك، و أنت انظر للجماعة، و أعلم باستقامة الطاعة، مع أن أهل الحجاز و أهل العراق لا يرضون بهذا، و لا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا[ (3) ]و[ (4) ].

ما ردّ الضحاك بن قيس عليه‏

قال: فغضب الضحاك بن قيس، فقام الثانية، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أصلح اللََّه أمير المؤمنين. إن أهل النفاق من أهل العراق، مروءتهم في أنفسهم الشقاق، و ألفتهم في دينهم الفراق، يرون الحق على أهوائهم، كأنما ينظرون بأقفائهم، اختالوا جهلا و بطرا، لا يرقبون من اللََّه راقبة، و لا يخافون وبال عاقبة، اتخذوا إبليس لهم ربا، و اتخذهم إبليس حزبا، فمن يقاربوه لا يسرّوه، و من يفارقوه لا يضروه، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم، و كلامهم في صدورهم، ما للحسن و ذوي الحسن في سلطان اللََّه الّذي استخلف [ (1) ]مؤتنف: مستقبل.

[ (2) ]حلب الدهر أشطره. مثل يقال للرجل المجرب الأمور الّذي قاسي الشدة و الرخاء و تصرف في الفقر و الغنى (انظر جمهرة الأمثال 1/346 المستقصى 2/64 مجمع الأمثال 1/195) .

[ (3) ]قارن كلام الأحنف مع ما ذكره العقد الفريد 4/370 ابن الأعثم 4/232 ابن الأثير 2/511 مروج الذهب 3/34.

[ (4) ]يفهم من كلام الأحنف أن ذلك حصل قبل وفاة الحسن بن علي أي قبل سنة 50 و المشهور أن وفاة الحسن كانت سنة 49. (انظر ما لاحظناه ص 188 حاشية رقم 2) .

192

به معاوية في أرضه؟هيهات لا تورث الخلافة من كلالة، و يحجب غير الذكر العصبة، فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم، و كاتب نبيكم و صهره، يسلم لكم العاجل، و تربحوا من الآجل.

ما أجاب به الأحنف بن قيس‏

قال: ثم قام الأحنف بن قيس، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنا قد فررنا عنك قريشا، فوجدناك أكرمها زندا، و أشدها عقدا، و أوفاها عهدا، و قد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، و لم تظهر عليها قعصا[ (1) ]، و لكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود اللََّه ما قد علمت‏[ (2) ]، ليكون له الأمر من بعدك، فإن تف فأنت أهل الوفاء، و إن تغدر تعلم و اللََّه إن وراء الحسن خيولا جيادا، و أذرعا شدادا، و سيوفا حدادا، إن تدن له شبرا من غدر، تجد وراءه باعا من نصر، و إنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك، و لا أبغضوا عليا و حسنا منذ أحبوهما، و ما نزل عليهم في ذلك غير من السماء، و إن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم، و القلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم، و أيم اللََّه إن الحسن لأحب إلى أهل العراق من عليّ.

ما قال عبد الرحمن بن عثمان‏

قال: ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أصلح اللََّه أمير المؤمنين، إن رأي الناس مختلف، و كثير منهم منحرف، لا يدعون أحدا إلى رشاد، و لا يجيبون داعيا إلى سداد، مجانبون لرأي الخلفاء، مخالفون لهم في السنة و القضاء، و قد وقفت ليزيد في أحسن القضية، و أرضاها لحمل الرعية، فإذا خار اللََّه لك، فاعزم، ثم اقطع قالة الكلام، فإن يزيد أعظمنا حلما و علما، و أوسعنا كنفا، و خيرنا سلفا، قد أحكمته التجارب، و قصدت به سبل المذاهب، فلا يصرفنك عن بيعته صارف، و لا يقفن بك دونها واقف، ممن هو شاسع عاص، ينوص‏[ (3) ]للفتنة كل مناص، لسانه ملتو، و في صدره داء دويّ، [ (1) ]القعص: القتل. يريد أنه لم يدخل العراق بالحرب و إنما جاء دخوله إليها بعد صلحه مع الحسن و مبايعة الحسن له.

[ (2) ]راجع ما لاحظناه بشأن معاهدة الصلح بين الحسن بن علي و معاوية.

[ (3) ]ينوص للفتنة: يتحرك لها.

193

إن قال فشر قائل، و إن سكت فذود غائل، قد عرفت من هم أولئك و ما هم عليه لك، من المجانبة للتوفيق، و الكلف للتفريق، فأجل ببيعته عنا الغمة، و اجمع به شمل الأمة، فلا تحد عنه إذ هديت له، و لا تنشّ‏[ (1) ]عنه إذ وقفت له، فإن ذلك الرأي لنا و لك، و الحق علينا و عليك، أسأل اللََّه العون و حسن العاقبة لنا و لك بمنّه.

ما قال معاوية بن أبي سفيان‏

قال: فقام معاوية فقال: أيها الناس، إن لإبليس من الناس إخوانا و خلانا بهم يستعد، و إياهم يستعين، و على ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعا أوجفوا[ (2) ]، و إن استغنى عنهم أرجفوا[ (3) ]ثم يلحقون الفتن بالفجور، و يشققون لها حطب النفاق، عيابون مرتابون، إن ولوا عروة أمر حنقوا، و إن دعوا إلى غي أسرفوا، و ليسوا أولئك بمنتهين و لا بمقلعين و لا متعظين، حتى تصيبهم صواعق خزي و بيل، و تحل بهم قوارع أمر جليل، تجتث أصولهم كاجتثات أصول الفقع‏[ (4) ]، فأولى لأولئك ثم أولى، فإنا قد قدمنا و أنذرنا إن أغنى التقديم شيئا أو نفع النذير.

قال: فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة، و دعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة، ثم قام أبو خنيف‏[ (5) ]فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لا نطيق ألسنة مضر و خطبها، أنت يا أمير المؤمنين، فإن هلكت فيزيد بعدك، فمن أبى فهذا، و سل سيفه، فقال معاوية: أنت أخطب القوم و أكرمهم.

ثم قام الأحنف بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، أنت أعلمنا بليله و نهاره، و بسره و علانيته فإن كنت تعلم أنه خير لك فوله و استخلفه، و إن كنت تعلم أنه شر لك، فلا تزوده الدنيا و أنت صائر إلى الآخرة، فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب، و اعلم أنه لا حجة لك عند اللََّه إن قدمت يزيد على الحسن [ (1) ]لا تنش عنه أي لا تبعد عنه و لا تتحرك من ناحيته.

[ (2) ]أوجف بالشي‏ء: أسرع بإتمامه.

[ (3) ]أرجفوا: أثاروا الشائعات.

[ (4) ]الفقع: نبات الكمأة، و أصوله سهلة الاستئصال.

[ (5) ]في ابن الأثير 2/511 اسمه يزيد بن المقنع العذري. و في مروج الذهب: رجل من الأزد.

194

و الحسين، و أنت تعلم من هما، و إلى ما هما، و إنما علينا أن نقول: سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا غُفْرََانَكَ رَبَّنََا وَ إِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ [البقرة: 285].

قدوم معاوية المدينة و ما خاوض فيه العبادلة

قال: قالوا: فاستخار اللََّه معاوية، و أعرض عن ذكر البيعة، حتى قدم المدينة سنة خمسين‏[ (1) ]، فتلقاه الناس، فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد اللََّه بن عباس، و عبد اللََّه بن جعفر بن أبي طالب و إلى عبد اللََّه بن عمر، و إلى عبد اللََّه بن الزبير، و أمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر، فلما جلسوا تكلم معاوية، فقال: الحمد للََّه الّذي أمرنا بحمده، و وعدنا عليه ثوابه، نحمده كثيرا، كما أنعم علينا كثيرا، و أشهد أن لا إله إلا اللََّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله. أما بعد، فإنّي قد كبر سني، و وهن عظمي، و قرب أجلي، و أوشكت أن أدعى فأجيب، و قد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي يزيد، و رأيته لكم رضا، و أنتم عبادلة قريش و خيارها، و أبناء خيارها، و لم يمنعني أن أحضر حسنا و حسينا إلا أنهما أولاد أبيهما عليّ على حسن رأيي فيهما، و شديد محبتي لهما، فردوا على أمير المؤمنين خيرا رحمكم اللََّه.

ما تكلم به عبد اللََّه بن عباس‏

قال: فتكلم عبد اللََّه بن عباس، فقال: الحمد للّه الّذي ألهمنا أن نحمده، و استوجب علينا الشكر على آلائه، و حسن بلائه، و أشهد أن لا إله إلا اللََّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، و صلّى اللََّه على محمد و آل محمد. أما بعد، فإنك قد تكلمت فأنصتنا، و قلت فسمعنا، و إن اللََّه جل ثناؤه و تقدست أسماؤه، اختار محمدا صلّى اللََّه عليه و سلّم لرسالته، و اختاره لوحيه، و شرفه على خلقه، فأشرف الناس من تشرف به، و أولاهم بالأمر أخصهم به، و إنما على الأمة التسليم لنبيها، إذ اختاره اللََّه لها، فإنه إنما اختار محمدا بعلمه، و هو العليم الخبير، و أستغفر اللََّه لي و لكم.

[ (1) ]كذا، و في آخر الخبر ما يشير إلى أن ذهابه إلى المدينة كان قبل وفاة الحسن.

195

ما تكلم به عبد اللََّه بن جعفر

قال: فقام عبد اللََّه بن جعفر، فقال: الحمد للََّه أهل الحمد و منتهاه، نحمده على إلهامنا حمده، و نرغب إليه في تأدية حقه، و أشهد أن لا إله إلا اللََّه واحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة و لا ولدا، و أن محمدا عبده و رسوله، صلّى اللََّه عليه و سلّم: أما بعد، فإن هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن، فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللََّه، و إن أخذ فيها بسنة رسول اللََّه، فأولو رسول اللََّه، و إن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر و عمر فأي الناس أفضل و أكمل و أحق بهذا الأمر من آل الرسول؟و ايم اللََّه لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه، لحقه و صدقه، و لأطيع الرحمن، و عصي الشيطان، و ما اختلف في الأمة سيفان، فاتق اللََّه يا معاوية، فإنك قد صرت راعيا، و نحن رعية، فانظر لرعيتك فإنك مسئول عنها غدا، و أما ما ذكرت من ابني عمي، و تركك أن تحضرهما، فو اللََّه ما أصبت الحق، و لا يجوز لك ذلك إلا بهما، و إنك لتعلم أنهما معدن العلم و الكرم، فقال أو دع. و أستغفر لي اللََّه و لكم.

ما تكلم به عبد اللََّه بن الزبير

قال: فتكلم عبد اللََّه بن الزبير، فقال: الحمد للََّه الّذي عرفنا دينه، و أكرمنا برسوله، أحمده على ما أبلى و أولى، و أشهد أن لا إله إلا اللََّه، و أن محمدا عبده و رسوله. أما بعد: فإن هذه الخلافة لقريش خاصة، تتناولها بمآثرها السنية، و أفعالها المرضية، مع شرف الآباء، و كرم الأبناء، فاتق اللََّه يا معاوية و أنصف من نفسك، فإن هذا عبد اللََّه بن عباس ابن عم رسول اللََّه، و هذا عبد اللََّه بن جعفر ذو الجناحين ابن عم رسول اللََّه، و أنا عبد اللََّه بن الزبير ابن عمة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و عليّ خلف حسنا و حسينا، و أنت تعلم من هما، و ما هما، فاتق اللََّه يا معاوية، و أنت الحاكم بيننا و بين نفسك، ثم سكت.

ما تكلم به عبد اللََّه بن عمر

فتكلم عبد اللََّه بن عمر، فقال: الحمد للّه الّذي أكرمنا بدينه، و شرفنا بنبيه صلّى اللََّه عليه و سلّم أما بعد: فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية[ (1) ]، و لا [ (1) ]يريد أنها لا تورث كما يورث ملوك الروم أبناءهم الملك. و الهرقلية نسبة إلى هرقل.

196

قيصرية و لا كسروية يتوارثها الأبناء عن الآباء و لو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي، فو اللََّه ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا، و إنما هي في قريش خاصة، لمن كان لها أهلا ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم، من كان أتقى و أرضى، فإن كنت تريد الفتيان من قريش، فلعمري إن يزيد من فتيانها، و اعلم أنه لا يغني عنك من اللََّه شيئا.

ما تكلم به معاوية

فتكلم معاوية فقال: قد قلت و قلتم، و إنه ذهبت الآباء، و بقيت الأبناء، فابني أحب إليّ من أبنائهم، مع أن ابني إن قاولتموه وجد مقالا، و إنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف، لأنهم أهل رسول اللََّه، فلما مضى رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، ولي الناس أبا بكر و عمر من غير معدن الملك و لا الخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف، فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة، و قد أخرجك اللََّه يا بن الزبير، و أنت يا بن عمر منها، فأما ابنا عمي هذان‏[ (1) ]فليسا بخارجين من الرأي إن شاء اللََّه. ثم أمر بالرحلة، و أعرض عن ذكر البيعة ليزيد، و لم يقطع عنهم شيئا من صلاتهم و أعطياتهم. ثم انصرف راجعا إلى الشام، و سكت عن البيعة، فلم يعرض لها إلى سنة إحدى و خمسين.

موت الحسن بن علي رضي اللََّه عنهما

قال: فلما كانت سنة إحدى و خمسين‏[ (2) ]، مرض الحسن بن علي مرضه الّذي مات فيه‏[ (3) ]، فكتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن، فكتب إليه معاوية: إن استطعت ألا يمضي يوم يمر بي إلا يأتيني فيه خبره فافعل، فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفي. فكتب إليه بذلك، فلما أتاه الخبر أظهر فرحا و سرورا، حتى سجد و سجد من كان معه، فبلغ ذلك عبد اللََّه بن عباس، و كان [ (1) ]يريد عبد اللََّه بن عباس و عبد اللََّه بن جعفر بن أبي طالب.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير و ابن كثير و العقد الفريد مات سنة 49 بالمدينة. و قال آخرون: مات سنة 50 و قيل سنة 58.

[ (3) ]قال ابن الأثير في الكامل: سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي. (و انظر البداية و النهاية 8/46-47) . ـ

197

بالشام يومئذ، فدخل على معاوية، فلما جلس قال معاوية: يا بن عباس هلك الحسن بن علي، فقال ابن عباس: نعم هلك‏ إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ترجيعا مكررا، و قد بلغني الّذي‏أظهرت من الفرح و السرور لوفاته. أما و اللََّه ما سد جسده حفرتك، و لا زاد نقصان أجله في عمرك، و لقد مات و هو خير منك، و لئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه، جده رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فجبر اللََّه مصيبته، و خلف علينا من بعده أحسن الخلافة. ثم شهق ابن عباس و بكى، و بكى من حضر في المجلس، و بكى معاوية، فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم، فقال معاوية: بلغني أنه ترك بنين صغارا. فقال ابن عباس:

كلنا كان صغيرا فكبر[ (1) ]. قال معاوية: كم أتى له من العمر؟فقال ابن عباس: أمر الحسن أعظم من أن يجهل أحد مولده. قال: فسكت معاوية يسيرا، ثم قال:

يا بن العباس: أصبحت سيد قومك من بعده، فقال ابن عباس: أما ما أبقى اللََّه أبا عبد اللََّه الحسين فلا. قال معاوية: للََّه أبوك يا بن عباس، ما استنبأتك إلا وجدتك معدّا.

بيعة معاوية ليزيد بالشام و أخذه أهل المدينة

قالوا: ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه اللََّه إلا يسيرا حتى بايع ليزيد بالشام، و كتب بيعته إلى الآفاق، و كان عامله على المدينة مروان بن الحكم، فكتب إليه يذكر الّذي قضى اللََّه به على لسانه من بيعة يزيد، و يأمره أن يجمع من قبله من قريش و غيرهم من أهل المدينة، ثم يبايعوا ليزيد[ (2) ].

عزل مروان عن المدينة

قال: فلما قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك. و أبته قريش. فكتب لمعاوية: إن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك، فارأ رأيك. فلما بلغ [ (1) ]زيد في العقد الفريد 4/362 و إن طفلنا لكهل، و إن صغيرنا لكبير.

[ (2) ]اختلفوا في موقف مروان بن الحكم من بيعة يزيد، فالمسعودي ذكر في مروج الذهب غضب مروان و انزعاجه و رفضه للبيعة (3/35) أما الطبري فقد ذكر عزل مروان عن المدينة دون ذكر السبب في ذلك. أما في العقد الفريد 4/371 و ابن الأعثم في الفتوح 4/231-232 فقد ذكرا أن مروان جمع وجوه أهل المدينة-لما وصله كتاب معاوية-و دعاهم إلى بيعة يزيد و حذرهم الفتنة.

198

معاوية كتاب مروان عرف أن ذلك من قبله. فكتب إليه يأمره أن يعتزل عمله، و يخبره أنه قد ولى المدينة سعيد بن العاص‏[ (1) ]، فلما بلغ مروان كتاب معاوية، أقبل مغاضبا في أهل بيته، و ناس كثير من قومه، حتى نزل بأخواله بني كنانة، فشكا إليهم، و أخبرهم بالذي كان من رأيه في أمر معاوية، و في عزله و استخلافه يزيد ابنه عن غير مشورة مبادرة له، فقالوا: نحن نبلك في يدك، و سيفك في قرابك فمن رميته بنا أصبناه، و من ضربته بنا قطعناه، الرأي رأيك، و نحن طوع يمينك. ثم أقبل مروان في وفد منهم كثير، ممن كان معه من قومه و أهل بيته حتى نزل دمشق، فخرج فيهم حتى أتى سدة معاوية، و قد أذن للناس. فلما نظر الحاجب إلى كثرة من معه من قومه و أهل بيته، منعه من الدخول، فوثبوا إليه، فضربوا وجهه، حتى خلى عن الباب، ثم دخل مروان، و دخلوا معه، حتى إذا كان من معاوية بحيث تناله يده.

خطبة مروان بن الحكم بين يدي معاوية

قال بعد التسليم عليه بالخلافة: إن اللََّه عظيم خطره، لا يقدر قادر قدره، خلق من خلقه عبادا، جعلهم لدعائم دينه أوتادا، هم رقباؤه على البلاد، و خلفاؤه على العباد، أسفر بهم الظلم، و ألف بهم الدين، و شدد بهم اليقين و منح بهم الظفر، و وضع بهم من استكبر، فكان من قبلك من خلفائنا يعرفون ذلك في سالف زمامنا، و كنا نكون لهم على الطاعة إخوانا، و على من خالف عنها أعوانا، يشد بنا العضد، و يقام بنا الأود[ (2) ]، و نستشار في القضية، و نستأمر في أمر الرعية، و قد أصبحنا اليوم في أمور مستحيرة ذات وجوه مستديرة، تفتح بأزمة الضلال، و تجلس بأهواء الرجال، يؤكل جزورها، و تمق أحلابها[ (3) ]فما لنا لا نستأمر في رضاعها، و نحن فطامها و أولات فطامها؟[ (4) ]و ايم اللََّه لو لا عهود مؤكدة، و مواثيق معقدة لأقمت أود وليّها، فأقم الأمر يا بن سفيان و اهدئ‏[ (5) ]من [ (1) ]في الطبري و ابن الأثير: تولى المدينة بعد عزل مروان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.

[ (2) ]الأود: العوج.

[ (3) ]و تمق أحلابها: يشرب لبنها جميعا.

[ (4) ]يريد أن معاوية يستأثر بالخلافة وحده و لا يترك للآخرين مع أنهم يؤثرون سلبا في اتجاه الأوضاع، و يستطيعون أن يلعبوا دورا في كل القضايا المطروحة، و الخطيرة منها.

[ (5) ]في مروج الذهب 3/35 «و أعدل» و كلاهما بمعنى امتنع أو ترو و لا تتسرع.

199

تأميرك الصبيان، و اعلم أن لك في قومك نظرا، و أن لهم على مناوأتك وزرا.

فغضب معاوية من كلامه غضبا شديدا، ثم كظم غيظه بحلمه، و أخذ بيد مروان، ثم قال: إن اللََّه قد جعل لكلّ شي‏ء أصلا، و جعل لكلّ خير أهلا ثم جعلك في الكرم مني محتدا، و العزيز مني والدا، اخترت من قروم قادة، ثم استللت سيد سادة، فأنت ابن ينابيع الكرم، فمرحبا بك و أهلا من ابن عم ذكرت خلفا مفقودين، شهداء صديقين، كانوا كما نعتّ، و كنت لهم كما ذكرت، و قد أصبحنا في أمور مستحيرة، ذات وجوه مستديرة، و بك و اللََّه يا بن العم نرجو استقامة أودها، و ذلولة صعوبتها، و سفور ظلمتها، حتى يتطأطأ جسيمها، و يركب بك عظيمها، فأنت نظير أمير المؤمنين بعده، و في كلّ شدّة عضده، و إليك عهد عهده، فقد وليتك قومك، و أعظمنا في الخراج سهمك، و أنا مجيز و فدك، و محسن رفدك، و على أمير المؤمنين غناك، و النزول عند رضاك‏[ (1) ].

فكان أوّل ما رزق ألف دينار في كلّ هلال، و فرض له في أهل بيته مائة مائة.

كراهية أهل المدينة البيعة و ردهم لها

قال و ذكروا أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص و هو على المدينة، يأمره أن يدعو أهل المدينة إلى البيعة، و يكتب إليه بمن سارع ممن لم يسارع. فلما أتى سعيد بن العاص الكتاب، دعا الناس إلى البيعة ليزيد، و أظهر الغلظة و أخذهم بالعزم و الشدة، وسطا[ (2) ]بكل من أبطأ عن ذلك، فأبطأ الناس عنها، إلا اليسير، لا سيما بني هاشم، فإنه لم يجبه منهم أحد، و كان ابن الزبير من أشد الناس إنكارا لذلك، و ردّا له.

فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية: أما بعد، فإنك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين، و أن أكتب إليك بمن سارع ممن أبطأ، و إني أخبرك أن الناس عن ذلك بطاء، لا سيما أهل البيت من بني هاشم، فإنه لم يجبني منهم أحد، و بلغني عنهم ما أكره و أما الّذي جاهر بعداوته، و إبائه لهذا الأمر، [ (1) ]انظر مروج الذهب و زيد عنده بعد أن جعله ولي عهد يزيد: رده إلى المدينة ثم انه عزله عنها و ولاها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان و لم يف لمروان بما جعل له من ولاية عهد يزيد بن معاوية.

[ (2) ]سطا بهم: نكل بهم و عاقبهم.

200

فعبد اللََّه بن الزبير، و لست أقوى عليهم إلا بالخيل و الرجال أو تقدم بنفسك، فترى رأيك في ذلك، و السلام.

فكتب معاوية إلى عبد اللََّه بن عباس، و إلى عبد اللََّه بن الزبير، و إلى عبد اللََّه بن جعفر، و إلى الحسين بن علي، رضي اللََّه عنهم كتبا، و أمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم، و يبعث بجواباتها.

كتاب معاوية إلى سعيد بن العاص‏

كتب إلى سعيد بن العاص، أما بعد، فقد أتاني كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه من إبطاء الناس عن البيعة. و لا سيما بني هاشم، و ما ذكر ابن الزبير و قد كتبت إلى رؤسائهم كتبا، فسلمها إليهم، و تنجز جواباتها، و ابعث بها إليّ، حتى أرى في ذلك رأيي، و لتشتد عزيمتك، و لتصلب شكيمتك، و تحسن نيتك.

و عليك بالرفق، و إياك و الخرق، فإن الرّفق رشد، و الخرق نكد، و انظر حسينا خاصة، فلا يناله منك مكروه، فإن له قرابة و حقا عظيما لا ينكره مسلم و لا مسلمة، و هو ليث عرين، و لست آمنك إن شاورته أن لا نقوى عليه، فأما من يرد مع السباع إذا وردت‏[ (1) ]، و يكنس إذا كنست‏[ (2) ]، فذلك عبد اللََّه بن الزبير، فاحذره أشد الحذر، و لا قوة إلا باللََّه، و أنا قادم عليك إن شاء اللََّه، و السلام.

ما كتب به إلى ابن عباس‏

و كتب إلى ابن عباس: أما بعد، فقد بلغني إبطاؤك عن البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين، و إني لو قتلتك بعثمان لكان ذلك إليّ، لأنك ممن ألب عليه و أجلب، و ما معك من أمان فتطمئن به، و لا عهد فتسكن إليه، فإذا أتاك كتابي هذا، فاخرج إلى المسجد، و العن قتلة عثمان، و بايع عاملي، فقد أعذر من أنذر و أنت بنفسك أبصر، و السلام.

[ (1) ]وردت السباع الماء: إذا أشرفت عليه، دخلته أو لم تدخله و قيل: الورود بالإجماع: عدم الدخول. و الوارد هم الذين يردون الماء. (اللسان) .

[ (2) ]أي يأوي إلى كناسه، يعني مأواه.

201

ما كتب به إلى عبد اللََّه بن جعفر

و كتب إلى عبد اللََّه بن جعفر: أما بعد، فقد عرفت أثرتي‏[ (1) ]إياك على من سواك، و حسن رأيي فيك و في أهل بيتك، و قد أتاني عنك ما أكره، فإن بايعت تشكر و إن تأب تجبر، و السلام.

ما كتب به إلى الحسين‏

و كتب إلى الحسين: أما بعد، فقد انتهت إليّ منك أمور، لم أكن أظنك بها رغبة عنها، و إن أحقّ الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان مثلك، في خطرك و شرفك و منزلتك التي أنزلك اللََّه بها، فلا تنازع إلى قطيعتك، و اتّق اللََّه و لا تردنّ هذه الأمة في فتنة، و انظر لنفسك و دينك و أمة محمد، و لا يستخفنّك الذين لا يوقنون.

ما كتبه إلى ابن الزبير

و كتب إلى عبد اللََّه بن الزبير:

رأيت كرام الناس إن كف عنهم # بحلم رأوا فضلا لمن قد تحلما

و لا سيما إن كان عفوا بقدرة # فذلك أحرى أن يجل و يعظما

و لست بذي لوم فتعذر بالذي # أتاه من الأخلاق من كان ألوما

و لكن غشا لست تعرف غيره # و قد غش قبل اليوم إبليس آدما

فما غش إلا نفسه في فعاله # فأصبح ملعونا و قد كان مكرما

و إني لأخشى أن أنالك بالذي # أردت فيجزي اللََّه من كان أظلما

ما أجابه القوم به رضي اللََّه عنهم‏

فكان أول ما أجابه عبد اللََّه بن عباس، فكتب إليه: أما بعد، فقد جاءني كتابك، و فهمت ما ذكرت، و أن ليس معي منك أمان، و إنه و اللََّه ما منك يطلب الأمان يا معاوية، و إنما يطلب الأمان من اللََّه رب العالمين. و أما قولك في قتلي، [ (1) ]الأثرة: بفتح الثاء و ضمها: المكرمة. و في المحكم: المكرمة المتوارثة. آثره: أكرمه. آثره عليه:

فضله (اللسان) .

202

فو اللََّه لو فعلت للقيت اللََّه، و محمد صلّى اللََّه عليه و سلّم خصمك، فما إخاله أفلح و لا أنجح من كان رسول اللََّه خصمه. و أما ما ذكرت من أني ممن ألب في عثمان و أجلب، فذلك أمر غبت عنه، و لو حضرته ما نسبت إليّ شيئا من التأليب عليه، و ايم اللََّه ما أرى أحدا غضب لعثمان غضبي، و لا أعظم أحد قتله إعظامي، و لو شهدته لنصرته‏[ (1) ]، أو أموت دونه، و لقد قلت و تمنيت يوم قتل عثمان: «ليت الّذي قتل عثمان لقيني فقتلني معه، و لا أبقى بعده» و أما قولك لي: العن قتلة عثمان، فلعثمان ولد و خاصة و قرابة، هم أحق بلعنهم مني، فإن شاءوا أن يلعنوا فليلعنوا، و إن شاءوا أن يمسكوا فليمسكوا، و السلام.

و كتب إليه عبد اللََّه بن جعفر: أما بعد، فقد جاءني كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه من أثرتك إياي على من سواي، فإن تفعل فبحظك أصبت، و إن تأب فبنفسك قصّرت. و أما ما ذكرت من جبرك إياي على البيعة ليزيد، فلعمري لئن أجبرتني عليها لقد أجبرناك و أباك على الإسلام، حتى أدخلناكما كارهين غير طائعين، و السلام.

و كتب إليه عبد اللََّه بن الزبير رضي اللََّه عنهما:

ألا سمع اللََّه الّذي أنا عبده # فأخزى إله الناس من كان أظلما

و أجرا على اللََّه العظيم بحلمه # و أسرعهم في الموبقات تقحّما

أغرك أن قالوا حليم بغرة # و ليس بذي حلم و لكن تحلما

و لو رمت ما إن قد زعمت وجدتني # هزبر عرين يترك القرن أكتما[ (2) ]

و أقسم لو لا بيعة لك لم أكن # لأنقضها لم تنج مني مسلما

و

كتب إليه الحسين رضي اللََّه عنه: أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور، لم تكن تظنني بها، رغبة بي عنها، و إن الحسنات لا يهدي لها، و لا يسدد إليها إلا اللََّه تعالى، و أما ما ذكرت أنه رقي إليك عني، فإنما رقّاه الملاقون، المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الجمع، و كذب الغاوون المارقون، ما أردت حربا و لا خلافا، و إني لأخشى للََّه في ترك ذلك، منك و من‏

[ (1) ]كان عثمان بن عفان قد ولى ابن عباس على الموسم و هو محاصر، حيث استمر الحصار من أواخر ذي القعدة إلى الثامن عشر من ذي الحجة و لما رجع الحج وجدوا عثمان قد قتل.

[ (2) ]هزبر: الأسد. القرن: بالكسر: الكف‏ء و النظير في الشجاعة و الحرب و يجمع على أقران.

203

حزبك، القاسطين المحلّين، حزب الظالم، و أعوان الشيطان الرجيم. أ لست قاتل حجر[ (1) ]، و أصحابه العابدين المخبتين، الذين كانوا يستفظعون البدع، و يأمرون بالمعروف، و ينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلما و عدوانا، من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة، و العهود المؤكدة، جراءة على اللََّه و استخفافا بعهده، أو لست بقاتل عمرو بن الحمق، الّذي أخلقت و أبلت وجهه العبادة، فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم‏[ (2) ]نزلت من شعف الجبال، أ و لست المدعي زيادا في الإسلام‏[ (3) ]، فزعمت أنه ابن أبي سفيان، و قد قضى رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، أن الولد للفراش و للعاهر الحجر، ثم سلطته على أهل الإسلام، يقتلهم و يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و يصلبهم على جذوع النخل، سبحان اللََّه يا معاوية!لكأنك لست من هذه الأمة، و ليسوا منك. أو لست قاتل الحضرميّ الّذي كتب إليك فيه زياد أنه على دين علي كرم اللََّه وجهه، و دين علي هو دين ابن عمه صلّى اللََّه عليه و سلّم، الّذي أجلسك مجلسك الّذي أنت فيه، و لو لا ذلك كان أفضل شرفك و شرف آبائك تجشم الرحلتين: رحلة الشتاء و الصيف، فوضعها اللََّه عنكم بنا، منّة عليكم، و قلت فيما قلت: لا ترد هذه الأمة في فتنة، و إني لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها، و قلت فيما قلت: انظر لنفسك و لدينك و لأمة محمد، و إني و اللََّه ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنه قربة إلى ربي، و إن لم أفعله فأستغفر اللََّه لديني، و أسأله التوفيق لما يحب و يرضى، و قلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك، فلعمري لقديما يكاد الصالحون، و إني لأرجو أن لا تضر إلا نفسك، و لا تمحق إلا عملك، فكدني ما بدا لك، و اتّق اللََّه يا معاوية، و اعلم أن للََّه كتابا لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها. و اعلم أن اللََّه ليس [ (1) ]يريد حجر بن عدي الكندي و قد قتله معاوية صبرا، و يقال إنه أول من قتل صبرا في الإسلام.

قتل مع ستة من أصحابه و هم شريك بن شداد الحضرميّ، و صيفي بن فسيل الشيبانيّ، و قبيصة بن ضبيعة العبسيّ، و محرز بن شهاب السعدي، و كدام بن حيان العنزي، و عبد الرحمن بن حسان العنزي (انظر في مقتلهم مروج الذهب 3/3-4 و الطبري 5/277) .

[ (2) ]العصم جمع أعصم و هي الوعول.

[ (3) ]يريد زياد بن أبيه حيث استلحقه معاوية و جعله أخيه و سماه زياد بن أبي سفيان، و كان أبو سفيان قد أنكر انه ابنه من سمية. (انظر ما ذكره المسعودي في مروج الذهب 3/7) بشأن قضية إلحاق زياد بأبي سفيان.

204

بناس لك قتلك بالظنة، و أخذك بالتهمة، و إمارتك صبيا يشرب الشراب، و يلعب بالكلاب، ما أراك إلا و قد أوبقت نفسك، و أهلكت دينك، و أضعت الرعية و السلام.

قدوم معاوية المدينة على هؤلاء القوم و ما كان بينهم من المنازعة

قال: و ذكروا أنه لما جاوب القوم معاوية بما جاوبوه، من الخلاف لأمره، و الكراهية لبيعته ليزيد، كتب إلى سعيد بن العاص‏[ (1) ]، يأمره أن يأخذ أهل المدينة بالبيعة ليزيد، أخذا بغلظة و شدة، و لا يدع أحدا من المهاجرين و الأنصار و أبنائهم حتى يبايعوا، و أمره أن لا يحرك هؤلاء النفر، و لا يهيجهم. فلما قدم عليه كتاب معاوية أخذهم بالبيعة أعنف ما يكون من الأخذ و أغلظه، فلم يبايعه أحد منهم.

فكتب إلى معاوية: إنه لم يبايعني أحد، و إنما الناس تبع لهؤلاء النفر، فلو بايعوك بايعك الناس جميعا، و لم يتخلف عنك أحد. فكتب إليه معاوية يأمره أن لا يحركهم إلى أن يقدم، فقدم معاوية المدينة حاجا، فلما أن دنا من المدينة خرج إليه الناس يتلقونه، ما بين راكب و ماش، و خرج النساء و الصبيان، فلقيه الناس على حال طاقتهم و ما تسارعوا به في الفوت و القرب، فلان لمن كافحه، و فاوض العامة بمحادثته و تألفهم جهده، مقاربة و مصانعة، ليستميلهم إلى ما دخل فيه الناس، حتى قال في بعض ما يجتلبهم به: يا أهل المدينة ما زلت أطوي الحزن من وعثاء السفر بالحب لمطالعتكم، حتى انطوى البعيد، و لان الخشن، و حق لجار رسول اللََّه أن يتاق إليه.

فرد عليه القوم: بنفسك و دارك و مهاجرك، أما إن لك منهم كإشفاق الحميم البرّ، و الحفيّ المتعاهد[ (2) ].

قال: حتى إذا كان بالجرف‏[ (3) ]لقيه الحسين بن علي، و عبد اللََّه بن عباس، [ (1) ]في العقد الفريد 4/371 و فتوح ابن الأعثم 4/232: كتب إلى مروان بن الحكم.

[ (2) ]الحفي: القريب الّذي يحترم صاحبه و يحتفل به. المتعاهد: أي الّذي يداوم الحفاوة.

[ (3) ]الجرف: بالضم فسكون، موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام (معجم البلدان) .

205

فقال معاوية: مرحبا يا بن بنت رسول اللََّه و ابن صنو أبيه‏[ (1) ]، ثم انحرف إلى الناس، فقال: هذان شيخا بني عبد مناف، و أقبل عليهما بوجهه و حديثه، فرحب و قرب، و جعل يواجه هذا مرة، و يضاحك هذا أخرى، حتى ورد المدينة، فلما خالطها لقيته المشاة و النساء و الصبيان، يسلمون عليه و يسايرونه إلى أن نزل، فانصرفا عنه فمال الحسين إلى منزله، و مضى عبد اللََّه بن عباس إلى المسجد فدخله.

و أقبل معاوية و معه خلق كثير من أهل الشام، حتى أتى عائشة أم المؤمنين فاستأذن عليها فأذنت له وحده، و لم يدخل عليها معه أحد، و عندها مولاها ذكوان. فقالت عائشة: يا معاوية، أ كنت تأمن أن أقعد لك رجلا فأقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر؟[ (2) ]فقال معاوية: ما كنت لتفعلي ذلك، قالت:

لم؟قال: لأني في بيت آمن، بيت رسول اللََّه. ثم إن عائشة حمدت اللََّه و أثنت عليه، و ذكرت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم و ذكرت أبا بكر و عمر، و حضته على الاقتداء بهما، و الاتباع لأثرهما، ثم صمتت. قال: فلم يخطب معاوية، و خاف أن لا يبلغ ما بلغت، فارتجل الحديث ارتجالا، ثم قال: أنت- و اللََّه يا أم المؤمنين-العالمة باللََّه و برسوله، دللتنا على الحق، و حضضتنا على حظ أنفسنا، و أنت أهل لأن يطاع أمرك، و يسمع قولك، و إن أمر يزيد قضاء من القضاء، و ليس للعباد الخيرة من أمرهم، و قد أكد الناس بيعتهم في أعناقهم، و أعطوا عهودهم على ذلك و مواثيقهم، أ فترين أن ينقضوا عهودهم و مواثيقهم؟ فلما سمعت ذلك عائشة علمت أنه سيمضي على أمره، فقالت: أما ما ذكرت من عهود و مواثيق، فاتق اللََّه في هؤلاء الرهط، و لا تعجل فيهم، فلعلّهم لا [ (1) ]في العقد الفريد: مرحبا بسيد شباب المسلمين. و في ابن الأثير 2/511: لقيه الحسين أول الناس، فلما نظر إليه قال: لا مرحبا و لا أهلا، بدنة يترقرق دمها و اللََّه مهريقه. فقال: مهلا فإنّي و اللََّه لست بأهل لهذه المقالة.

و قيل إن الحسين لاقاه لما دنا من المدينة فكان لقاء معاوية له شيئا ثم أنه ندم على ما كان منه، فعند ما لقيه ببطن مر، بعد خروجه من المدينة، رحب به و أمر له بدابة و ساير فالتبس على بعض المؤرخين خبر اللقاءين. و لم يذكر فيمن استقبله عبد اللََّه بن عباس (و انظر فتوح ابن الأعثم 3/234) .

[ (2) ]و كان معاوية قد قتله سنة 38 و كان محمد عاملا على مصر لعلي بن أبي طالب و قد قتله معاوية بن حديج (انظر تفاصيل مقتله في الطبري 5/94 و ما بعدها) . ـ

206

يصنعون إلا ما أحببت، ثم قام معاوية، فلما قام قالت عائشة: يا معاوية، قتلت حجرا و أصحابه العابدين المجتهدين‏[ (1) ]. فقال معاوية، دعي هذا، كيف أنا في الّذي بيني و بينك في حوائجك؟قالت: صالح، قال: فدعينا و إياهم حتى نلقى ربنا، ثم خرج و معه ذكوان، فاتكأ على يد ذكوان، و هو يمشي و يقول: تاللََّه إن رأيت كاليوم قط خطيبا أبلغ من عائشة بعد رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، ثم مضى حتى أتى منزله. فأرسل إلى الحسين بن علي، فخلا به، فقال له:

يا بن أخي، قد استوثق الناس لهذا الأمر، غير خمسة نفر من قريش، أنت تقودهم يا بن أخي، فما أربك إلى الخلاف؟

قال الحسين: أرسل إليهم، فإن بايعوك كنت رجلا منهم، و إلا لم تكن عجلت عليّ بأمر. قال: و تفعل؟قال:

نعم،

قال: فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا، فخرج، و قد أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق، فقال: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان؟فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا. قال: ثم أرسل معاوية بعده إلى ابن الزبير، فخلا به.

فقال له: قد استوثق الناس لهذا الأمر، غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، يا بن أخي، فما أربك إلى الخلاف؟[ (2) ]قال: فأرسل إليهم، فإن بايعوك كنت رجلا منهم، و إلا لم تكن عجلت علي بأمر. قال: و تفعل؟قال: نعم. فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما[ (3) ]أحدا[ (4) ]. قال: فأرسل بعده إلى ابن عمر، فأتاه و خلا به، فكلمه بكلام هو ألين من صاحبيه و قال: إني كرهت أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها، و قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر أنت تقودهم، فما أربك إلى الخلاف؟قال ابن عمر: هل لك في أمر تحقن به الدماء و تدرك به حاجتك؟فقال معاوية: وددت ذلك، فقال ابن عمر: تبرز سريرك، ثم أجي‏ء فأبايعك، على أني بعدك أدخل فيما اجتمعت عليه الأمة، فو اللََّه لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة. قال: و تفعل؟ قال: نعم. ثم خرج و أرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فخلا به. قال: بأي يد أو رجل تقدم على معصيتي؟فقال عبد الرحمن: أرجو أن يكون ذلك خيرا [ (1) ]تقدمت الإشارة قريبا إلى ذلك.

[ (2) ]زيد في الطبري 5/304 قال: أنا أقودهم!قال: نعم، أنت تقودهم.

[ (3) ]في الطبري: بحديثهم.

[ (4) ]زيد في الطبري: قال: يا أمير المؤمنين، نحن في حرم اللََّه عز و جل، و عهد اللََّه سبحانه ثقيل فأبى عليه و خرج.