الإمامة و السياسة - ج1

- ابن قتيبة المزيد...
243 /
207

لي، فقال معاوية: و اللََّه لقد هممت أن أقتلك، فقال: لو فعلت لأتبعك اللََّه في الدنيا، و لأدخلك به في الآخرة النار، قال: ثم خرج عبد الرحمن بن أبي بكر، و بقي معاوية يومه ذلك يعطي الخواص، و يعصى مذمة الناس‏[ (1) ].

فلما كان صبيحة اليوم الثاني، أمر بفراش فوضع له، و سويت مقاعد الخاصة حوله و تلقاءه من أهله، ثم خرج و عليه حلة يمانية، و عمامة دكناء، و قد أسبل طرفها بين كتفيه، و قد تغلي‏[ (2) ]و تعطر، فقعد على سريره، و أجلس كتابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به، و أمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس و إن قرب، ثم أرسل إلى الحسين بن علي، و عبد اللََّه بن عباس، فسبق ابن عباس، فلما دخل و سلّم أقعده في الفراش عن يساره، فحادثه مليا، ثم قال: يا بن عباس لقد وفر اللََّه حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف، و دار الرسول عليه الصلاة و السلام. فقال ابن عباس: نعم أصلح اللََّه أمير المؤمنين، و حظنا من القناعة بالبعض، و التجافي عن الكل أوفر، فجعل معاوية يحدثه و يحيد به عن طريق المجاوبة، و يعدل إلى ذكر الأعمال على اختلاف الغرائز و الطبائع، حتى أقبل الحسين بن علي، فلما رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه، فدخل الحسين و سلّم، فأشار إليه، فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن و أسنانهم، فأخبره، ثم سكت. قال: ثم ابتدأ معاوية فقال: أما بعد، فالحمد للََّه ولي النعم، و منزل النقم، و أشهد أن لا إله إلا اللََّه المتعالي عما يقول الملحدون علوا كبيرا، و أن محمدا عبده المختص المبعوث إلى الجن و الإنس كافة، لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. فأدى عن اللََّه، و صدع‏[ (3) ]بأمره، و صبر على الأذى في جنبه، حتى وضح دين اللََّه، و عز أولياؤه، و قمع المشركون، و ظهر أمر اللََّه و هم كارهون، فمضى صلوات اللََّه عليه، و قد ترك من الدنيا ما بذل له، و اختار منها الترك لما سخر له، زهادة و اختيارا للََّه، و أنفة و اقتدارا على الصبر، بغيا لما يدوم و يبقى، فهذه صفة الرسول صلّى اللََّه عليه و سلّم، ثم خلفه رجلان [ (1) ]لم يذكر عبد اللََّه بن عباس فكما لاحظنا فقد ذكر أنه استدعى عبد الرحمن بن أبي بكر حيث لم يرد أنه كاتبه في جملة من كاتب من النفر المتقدمين.

[ (2) ]تغلي أي تضمخ بالغالية، من أنواع المسك.

[ (3) ]صدع بأمره: أظهره و بيّنه.

208

محفوظان، و ثالث مشكور، و بين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة و مكافحة و معاينة و سماعا، و ما أعلم منه فوق ما تعلمان، و قد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه و إلى تجويزه، و قد علم اللََّه ما أحاول به في أمر الرعية، من سد الخلل، و لم الصدع بولاية يزيد بما أيقظ العين، و أحمد الفعل، هذا معناي في يزيد، و فيكما فضل القرابة، و حظوة العلم، و كمال المروءة، و قد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة و المقابلة، ما أعياني مثله عندكما، و عند غيركما، مع علمه بالسنة، و قراءة القرآن، و الحلم الّذي يرجح بالصم الصلاب، و قد علمتما أن الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة، قدّم على الصديق و الفاروق، و من دونهما من أكابر الصحابة، و أوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل‏[ (1) ]، من لم يقارب القوم و لم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة. و لا سنة مذكورة، فقادهم الرجل بأمره، و جمع بهم صلاتهم، و حفظ عليهم فيئهم، و قال فلم يقل معه، و في رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم أسوة حسنة، فمهلا بني عبد المطلب، فأنا و أنتم شعبا نفع وجد، و ما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما، فما يقول القائل إلا بفضل قولكما، فردا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما، و أستغفر اللََّه لي و لكما.

قال: فتيسر ابن عباس للكلام، و نصب يده للمخاطبة، فأشار إليه الحسين و

قال: على رسلك، فأنا المراد، و نصيبي في التهمة أوفر، فأمسك ابن عباس، فقام الحسين، فحمد اللََّه، و صلّى على الرسول ثم قال: أما بعد يا معاوية، فلن يؤدي القائل، و إن أطنب في صفة الرسول صلّى اللََّه عليه و سلّم من جميع جزءا، و قد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول اللََّه من إيجاز الصفة و التنكب عن استبلاغ النعت، و هيهات هيهات يا معاوية: فضح الصبح فحمة الدجى، و بهرت الشمس أنوار السرج، و لقد فضلت حتى أفرطت، و استأثرت حتى أجحفت، و منعت حتى محلت، و جزت حتى جاوزت ما بذلت لذي حقّ من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، و نصيبه الأكمل، و فهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، و سياسته لأمة محمد، تريد أن توهم الناس في [ (1) ]إشارة إلى تولية عمرو بن العاص غزوة ذات السلاسل من أرض بني عذرة حيث أرسله صلّى اللََّه عليه و سلّم يستنفر العرب إلى الشام. ثم أرسل إليه مددا أبا بكر و عمر و أبا عبيدة (سيرة ابن هشام 4/272) .

209

يزيد، كأنك تصف محجوبا، أو تنعت غائبا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، و قد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، و الحمام السّبق لأترابهن، و القيان ذوات المعازف و ضرب الملاهي تجده باصرا، و دع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى اللََّه من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فو اللََّه ما برحت تقدح باطلا في جور، و حنقا في ظلم حتى ملأت الأسقية[ (1) ]و ما بينك و بين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ، في يوم مشهود، و لات حين مناص، و رأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، و منعتنا عن آبائنا تراثا، و لقد-لعمر اللََّه-أورثنا الرسول عليه الصلاة و السلام ولادة و جئت لنا بها، أما حججتم به القائم عند موت الرسول، فأذعن للحجة بذلك، و رده الإيمان إلى النصف، فركبتم الأعاليل، و فعلتم الأفاعيل، و قلتم كان و يكون، حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار، و ذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم و تأميره له، و قد كان ذلك، و لعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول، و بيعته له، و ما صار-لعمر اللََّه- يومئذ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته، و كرهوا تقديمه، و عدوا عليه أفعاله، فقال صلّى اللََّه عليه و سلّم: لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري. فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول، في أوكد الأحكام، و أولادها بالمجمع عليه من الصواب؟أم كيف صاحبت بصاحب تابعا، و حولك من لا يؤمن في صحبته، و لا يعتمد في دينه و قرابته، و تتخطاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، و تشقى بها في آخرتك.

إن هذا لهو الخسران المبين. و أستغفر اللََّه لي و لكم.

قال: فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال: ما هذا يا بن عباس؟و لما عندك أدهى و أمرّ. فقال ابن عباس: لعمر اللََّه إنها لذرّيّة الرسول، و أحد أصحاب الكساء[ (2) ]، و في البيت المطهر، فاله عما تريد، فإن لك في الناس مقنعا، حتى [ (1) ]الأسقية جمع سقّاء و هو القربة.

[ (2) ]إشارة إلى حديث رواه ابن كثير في البداية و النهاية 7/376

قال لما نزلت آية فَقُلْ تَعََالَوْا نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ... دعا رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم عليا و فاطمة و حسنا و حسينا ثم قال: اللََّهمّ هؤلاء أهلي.

210

يحكم اللََّه بأمره‏ وَ هُوَ خَيْرُ اَلْحََاكِمِينَ . فقال معاوية: أعود الحلم التحلم، قال:

و خيره التحلم عن الأهل. انصرفا في حفظ اللََّه، ثم أرسل معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر[ (1) ]، و إلى عبد اللََّه بن عمر، و إلى عبد اللََّه بن الزبير، فجلسوا، فحمد اللََّه و أثنى عليه معاوية ثم قال: يا عبد اللََّه بن عمر قد كنت تحدثنا أنك لا تحب أن تبيت ليلة و ليس في عنقك بيعة جماعة و أن لك الدنيا و ما فيها، و إني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، و تسعى في تفريق ملئهم، و أن تسفك دماءهم، و إن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، و ليس للعباد خيرة من أمرهم، و قد وكد الناس بيعتهم في أعناقهم، و أعطوا على ذلك عهودهم و مواثيقهم، ثم سكت.

فتكلم عبد اللََّه بن عمر، فحمد اللََّه و أثنى عليه. ثم قال: أما بعد يا معاوية، لقد كانت قبلك خلفاء، و كان لهم بنون، ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك. فلم يحابوا في هذا الأمر أحدا، و لكن اختاروا لهذه الأمة حيث علموهم، و إنك تحذرني أن أشقّ عصا المسلمين، و أفرّق ملأهم. و أسفك دماءهم، و لم أكن لأفعل ذلك إن شاء اللََّه، و لكن إن استقام الناس فسأدخل في صالح ما تدخل فيه أمة محمد. فقال معاوية: يرحمك اللََّه ليس عندك خلاف. ثم قال معاوية لعبد الرحمن بن أبي بكر نحو ما قاله لعبد اللََّه بن عمر. فقال له عبد الرحمن: إنك و اللََّه لوددت أنا نكلك إلى اللََّه فيما جسرت عليه من أمر يزيد، و الّذي نفسي بيده لنجعلنها شورى، أو لأعيدنها جذعة، ثم قام ليخرج، فتعلق معاوية بطرف ردائه. ثم قال: على رسلك، اللََّهمّ اكفنيه بما شئت، ثم قال له: لا تظهرن لأهل الشام، فإنّي أخشى عليك منهم.

ثم قال لابن الزبير، نحو ما قاله لابن عمر. ثم قال له: أنت ثعلب روّاغ، كلما خرجت من جحر انجحرت في آخر، أنت ألّبت هذين الرجلين‏[ (2) ]، و أخرجتهما [ () ]و رواه أحمد في مسندة 1/173، 175، 182 و 3/338 و الترمذي في المناقب 5/638 و مسلم في فضائل الصحابة (باب 4) حديث 32.

[ (1) ]كذا بالأصل و بعض كتب التاريخ. قال ابن الأثير في تاريخه 2/513: ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر لا يستقيم على قول من يجعل وفاته سنة 53، و إنما يصح على قول من يجعلها بعد ذلك الوقت.

[ (2) ]عند ابن الأعثم: هؤلاء الثلاثة يريد الحسين بن علي و عبد الرحمن بن أبي بكر و عبد اللََّه بن عمر.

211

إلى ما خرجا إليه. فقال ابن الزبير. أ تريد أن تبايع ليزيد؟أ رأيت إن بايعناه أيكما نطيع، أ نطيعك أم نطيعه؟إن كنت مللت الخلافة فاخرج منها و بايع ليزيد، فنحن نبايعه، فكثر كلامه و كلام ابن الزبير، حتى قال له معاوية في بعض كلامه: و اللََّه ما أراك إلا قاتلا نفسك، و لكأنّي بك قد تخبطت في الحبالة. ثم أمرهم بالانصراف، و احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج.

ثم خرج، فأمر المنادي أن ينادي في الناس، أن يجتمعوا لأمر جامع فاجتمع الناس في المسجد، و قعد هؤلاء حول المنبر، فحمد اللََّه، و أثنى عليه.

ثم ذكر يزيد و فضله، و قراءته القرآن، ثم قال: يا أهل المدينة، لقد هممت ببيعة يزيد، و ما تركت قرية و لا مدرة[ (1) ]إلا بعثت إليها في بيعته، فبايع الناس جميعا، و سلّموا، و أخرت المدينة بيعته، و قلت بيضته و أصله‏[ (2) ]، و من لا أخافهم عليه، و كان الذين أبوا البيعة منهم من كانوا أجدر أن يصله، و و اللََّه لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعت له،

فقام الحسين فقال: و اللََّه لقد تركت من هو خير منه أبا و أما و نفسا، فقال معاوية: كأنك تريد نفسك؟فقال الحسين:

نعم، أصلحك اللََّه.

فقال معاوية: إذا أخبرك، أما قولك: خير منه أما، فلعمري: أمك خير من أمه، و لو لم تكن إلا أنها امرأة من قريش لكان لنساء قريش فضلهنّ، فكيف و هي ابنة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم؟ثم فاطمة في دينها و سابقتها، فأمك لعمر اللََّه خير من أمه، و أما أبوك فقد حاكم أباه إلى اللََّه، فقضى لأبيه على أبيك.

فقال الحسين: حسبك جهلك، آثرت العاجل على الآجل.

فقال معاوية: أما ما ذكرت من أنك خير من يزيد نفسا فيزيد و اللّه خير لأمة محمد منك‏

فقال الحسين: هذا هو الإفك و الزور، يزيد شارب الخمر مشتري اللهو خير مني؟

فقال معاوية: مهلا عن شتم ابن عمك، فإنك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك‏[ (3) ]. ثم التفت معاوية إلى الناس و قال: أيها الناس، قد علمتم أن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم قبض، و لم يستخلف أحدا، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، و كانت بيعته بيعة هدى، فعمل بكتاب اللََّه و سنة نبيه، فلما حضرته الوفاة، رأى أن يستخلف عمر، فعمل عمر [ (1) ]مدرة: القرية المبنية بالطين و اللبن.

[ (2) ]في ابن الأعثم: قلت هم أصله و قومه و عشيرته.

[ (3) ]زيد في فتوح ابن الأعثم: إن علم مني ما أعلمه منه فليقل فيما أقول فيه.

212

بكتاب اللََّه، و سنة نبيه، فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة نفر، اختارهم من المسلمين، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول اللََّه، و صنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر، كل ذلك يصنعونه نظرا للمسلمين، فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف، و نظرا لهم بعين الإنصاف.

ما قال عبد اللََّه بن الزبير لمعاوية

قال: و ذكروا أن عبد اللََّه بن الزبير قام إلى معاوية فقال‏[ (1) ]: إن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم قبض، فترك الناس إلى كتاب اللََّه، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، ثم رأى أبو بكر أن يستخلف عمر، و هو أقصى قريش منه نسبا، و رأى عمر أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين، و في المسلمين ابنه عبد اللََّه، و هو خير من ابنك، فإن شئت أن تدع الناس على ما تركهم رسول اللََّه، فيختارون لأنفسهم، و إن شئت أن تستخلف من قريش كما استخلف أبو بكر خير من يعلم، و إن شئت أن تصنع مثل ما صنع عمر، تختار رهطا من المسلمين، و تزويها عن ابنك، فافعل‏[ (2) ].

فنزل معاوية عن المنبر، و انصرف ذاهبا إلى منزله، و أمر من حرسه و شرطته قوما أن يحضروا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة، و هم الحسين بن عليّ، و عبد اللََّه بن عمر، و عبد اللََّه بن الزبير، و عبد اللََّه بن عباس، و عبد الرحمن بن أبي بكر، و أوصاهم معاوية فقال: إني خارج العشية إلى أهل الشام، فأخبرهم أن هؤلاء النفر قد بايعوا و سلموا، فإن تكلم أحد منهم بكلام يصدقني أو يكذّبني فيه، فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه، فحذر القوم ذلك، فلما كان العشيّ، خرج معاوية، و خرج معه هؤلاء النفر، و هو يضاحكهم، و يحدثهم، و قد ألبسهم الحلل، فألبس ابن عمر حلة حمراء، و ألبس الحسين حلة صفراء، و ألبس عبد اللََّه بن عباس حلة خضراء، و ألبس ابن الزبير حلة يمانية. ثم خرج بينهم، [ (1) ]في العقد الفريد و فتوح ابن الأعثم: نخيرك بين خصال ثلاث فاختر منها أيتهن شئت. (و انظر تاريخ خليفة ص 216 و ابن الأثير 2/512) .

[ (2) ]زيد في العقد الفريد و ابن الأثير: قال معاوية: هل عندك غير هذا؟قال: لا. ثم قال: فأنتم؟ قالوا: قولنا قوله. قال: فأني قد أحببت أن أتقدم إليكم، فإنه أعذر من أنذر.

213

و أظهر لأهل الشام الرضا عنهم: أي القوم، و أنهم بايعوا، فقال: يا أهل الشام‏[ (1) ] إن هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين، فوجدهم واصلين مطيعين، و قد بايعوا و سلموا، قال ذلك و القوم سكوت و لم يتكلموا شيئا حذر القتل، فوثب أناس من أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين إن كان رابك منهم ريب، فخل بيننا و بينهم، حتى نضرب أعناقهم. فقال معاوية: سبحان اللََّه!ما أحل دماء قريش عندكم يا أهل الشام. لا أسمع لهم ذاكرا بسوء، فإنّهم قد بايعوا و سلموا، و ارتضوني فرضيت عنهم، رضي اللََّه عنهم‏[ (2) ].

ثم ارتحل معاوية راجعا إلى مكة، و قد أعطى الناس أعطياتهم، و أجزل العطاء، و أخرج إلى كل قبيلة جوائزها و أعطياتها، و لم يخرج لبني هاشم جائزة و لا عطاء. فخرج عبد اللََّه بن عباس في أثره حتى لحقه بالروحاء[ (3) ]، فجلس ببابه، فجعل معاوية يقول: من بالباب؟فيقال: عبد اللََّه بن عباس؟فلم يأذن لأحد.

فلما استيقظ قال: من بالباب؟فقيل: عبد اللََّه بن عباس، فدعا بدابته، فأدخلت إليه، ثم خرج راكبا، فوثب إليه عبد اللََّه بن عباس، فأخذ بلجام البغلة، ثم قال:

أين تذهب؟قال: إلى مكة، قال: فأين جوائزنا كما أجزت غيرنا، فأومأ إليه معاوية، فقال: و اللََّه ما لكم عندي جائزة و لا عطاء حتى يبايع صاحبكم‏[ (4) ]. قال ابن عباس: فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد، و أبى عبد اللََّه بن عمر، فأخرجت جائزة بني عدي، فما لمنا إن أبى صاحبنا، و قد أبى صاحب غيرنا؟ فقال معاوية: لستم كغيركم، لا و اللََّه لا أعطيكم درهما حتى يبايع صاحبكم.

فقال ابن عباس: أما و اللََّه لئن لم تفعل لألحقن بساحل من سواحل الشام، ثم لأقولن ما تعلم، و اللََّه لأتركنهم عليك خوارج. فقال معاوية: لا، بل أعطيكم جوائزكم، فبعث بها من الروحاء و مضى راجعا إلى الشام، فلم يلبث إلا قليلا، حتى توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومة نامها رحمه اللََّه.

ما قال سعيد بن عثمان بن عفان لمعاوية

قال: فلما قدم معاوية الشام، أتاه سعيد بن عثمان بن عفان، و كان شيطان [ (1) ]انظر مقالته في ابن الأثير 2/513 العقد الفريد 4/372 ابن الأعثم 4/248 باختلاف عما هنا.

[ (2) ]فبايع الناس، و كانوا يتربصون بيعة هؤلاء النفر، و تفرقوا و هم يظنون أنهم.

[ (3) ]الروحاء: على طريق مكة من المدينة.

[ (4) ]يريد الحسين بن علي. ـ

214

قريش و لسانها. قال: يا أمير المؤمنين علام تبايع ليزيد و تتركني؟فو اللََّه لتعلم أن أبي خير من أبيه، و أمي خير من أمه، و أنا خير منه، و أنك إنما نلت ما أنت فيه بأبي، فضحك معاوية و قال: يا بن أخي أما قولك: إن أباك خير من أبيه، فيوم من عثمان خير من معاوية، و أما قولك: إن أمك خير من أمه، ففضل قرشية على كلبية فضل بيّن، و أما أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك، فإنما هو الملك يؤتيه اللََّه من يشاء، قتل أبوك رحمه اللََّه، فتواكلته بنو العاصي، و قامت فيه بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منة عليك، و أما أن تكون خيرا من يزيد، فو اللََّه‏[ (1) ]ما أحب أن داري مملوءة رجالا مثلك بيزيد، و لكن دعني من هذا القول، و سلني أعطك. فقال سعيد بن عثمان: يا أمير المؤمنين، لا يعدم يزيد مركبا ما دمت له، و ما كنت لأرضى ببعض حقي دون بعض، فإذا أبيت فأعطني مما أعطاك اللََّه. فقال معاوية: لك خراسان. قال سعيد: و ما خراسان؟قال: إنها لك طعمة و صلة رحم، فخرج راضيا، و هو يقول:

ذكرت أمير المؤمنين و فضله # فقلت جزاه اللََّه خيرا بما وصل

و قد سبقت مني إليه بوادر # من القول فيه آفة العقل و الزلل

فعاد أمير المؤمنين بفضله # و قد كان فيه قبل عودته ميل

و قال خراسان لك اليوم طعمة # فجوزي أمير المؤمنين بما فعل

فلو كان عثمان الغداة مكانه # لما نالني من ملكه فوق ما بذل‏

فلما انتهى قوله إلى معاوية، أمر يزيد أن يزوّده، و أمر إليه بخلعة، و شيعه فرسخا.

قدوم أبي الطفيل على معاوية

قال: و ذكروا أنه لم يكن أحد أحب إلى معاوية أن يلقاه من أبي الطفيل الكناني، و هو عامر بن واثلة، و كان فارس أهل صفين، و شاعرهم، و كان من أخص الناس بعلي كرم اللََّه وجهه، فقدم أبو الطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية، فأخبر معاوية بقدومه، فأرسل إليه، فأتاه و هو شيخ كبير، فلما دخل عليه، قال له معاوية: أنت أبو الطفيل عامر بن واثلة؟قال: نعم. قال [ (1) ]العبارة في الطبري (حوادث سنة 56) فو اللََّه ما أحب أن الغوطة دحست (أي ملئت) ليزيد رجالا مثلك.

215

معاوية: أ كنت ممن قتل عثمان أمير المؤمنين، قال: لا، و لكن ممن شهده فلم ينصره، قال: و لم؟قال: لم ينصره المهاجرون و الأنصار، فقال معاوية: أما و اللََّه إن نصرته كانت عليهم و عليك حقا واجبا، و فرضا لازما، فإذ ضيعتموه فقد فعل اللََّه بكم ما أنتم أهله، و أصاركم إلى ما رأيتم، فقال أبو الطفيل: فما منعك يا أمير المؤمنين، إذ تربصت به ريب المنون أن تنصره و معك أهل الشام؟قال معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه، فضحك أبو الطفيل و قال: بلى، و لكني و إياك كما قال عبيد بن الأبرص‏[ (1) ]:

لا أعرفنّك‏[ (2) ]بعد الموت تندبني # و في حياتي ما زوّدتني زادي‏

فدخل مروان بن الحكم، و سعيد بن العاص، و عبد الرحمن بن الحكم، فلما جلسوا نظر إليهم معاوية، ثم قال: أ تعرفون هذا الشيخ؟قالوا: لا، فقال معاوية: هذا خليل علي بن أبي طالب و فارس صفّين، و شاعر أهل العراق، هذا أبو الطفيل. قال سعيد بن العاص: قد عرفناه يا أمير المؤمنين، فما يمنعك منه؟ و شتمه القوم، فزجرهم معاوية و قال: مهلا، فرب يوم ارتفع عن الأسباب قد ضقتم به ذرعا، ثم قال: أ تعرف هؤلاء يا أبا الطفيل؟قال: ما أنكرهم من سوء، و لا أعرفهم بخير، و أنشد:

فإن تكن العداوة قد أكنّت # فشر عداوة المرء السّباب‏

فقال معاوية: يا أبا الطفيل، ما أبقى لك الدهر من حب علي؟قال: حب أم موسى، و أشكو إلى اللََّه التقصير، فضحك معاوية، قال: و لكن و اللََّه هؤلاء الذين حولك لو سئلوا عني ما قالوا هذا. فقال مروان: أجل، و اللََّه لا نقول الباطل. قال: ثم جهزه معاوية، و ألحقه بالكوفة[ (3) ].

ما حاول معاوية من تزويج يزيد

قال: و ذكروا أن يزيد بن معاوية سهر ليلة من الليالي، و عنده و صيف لمعاوية يقال له رفيق، فقال يزيد: أستديم اللََّه بقاء أمير المؤمنين و عافيته إياه، [ (1) ]في مروج الذهب 3/20 كما قال الجعديّ (يريد النابغة) .

[ (2) ]في مروج الذهب: ألفينك.

[ (3) ]الخبر في مروج الذهب باختلاف و اختصار 3/19-20.

216

و أرغب إليه في تولية أمره و كفاية همه، فقد كنت أعرف من جميل رأي أمير المؤمنين فيّ، و حسن نظره في جميع الأشياء ما يؤكد الثقة في ذلك و التوكل عليه؟منعني من البوح بما جمجمت فيّ صدري له، و تطلابه إليه، فأضاع من أمري و ترك من النظر في شأني، و قد كان في حلمه، و علمه، و رضائه، و معرفته، بما يحق لمثله النظر فيه، غير غافل عنه، و لا تارك له، مع ما يعلم من هيبتي له و خشيتي منه، فاللََّه يجزيه عني بإحسانه، و يغفر له ما اجترح من عهده و نسيانه، فقال الوصيف: و ما ذلك جعلت فداك؟لا تلم على تضييعه إياك، فإنك تعرف تفضيله لك، و حرصه عليك، و ما يخامره من حبك، و أن ليس شي‏ء أحب إليه، و لا آثر عنده منك لديه، فاذكر بلاءه، و اشكر حباءه فإنك لا تبلغ من شكره إلا بعون من اللََّه.

قال: فأطرق يزيد إطراقا عرف الوصيف منه ندامته على ما بدا منه، و باح به، فلما آب من عنده توجه نحو سدة معاوية ليلا و كان غير محجوب عنه، و لا محبوس دونه، فعلم معاوية أنه ما جاء به إلا خبر أراد إعلامه به. فقال له معاوية: ما وراءك؟و ما جاء بك؟فقال: أصلح اللََّه أمير المؤمنين، كنت عند يزيد ابنك، فقال فيما استجرّ من الكلام كذا و كذا، فوثب معاوية و قال: ويحك ما أضعنا منه؟رحمة له، و كراهية لما شجاه و خالف هواه؟و كان معاوية لا يعدل بما يرضيه شيئا. فقال: عليّ به، و كان معاوية إذا أتت الأمور المشكلة المعضلة، بعث إلى يزيد يستعين به على استيضاح شباتها و استسهال معضلاتها، فلما جاءه الرسول قال: أجب أمير المؤمنين، فحسب يزيد إنما دعاه إلى تلك الأمور التي يفزع إليه منها، و يستعين برأيه عليها، فأقبل حتى دخل عليه، فسلم ثم جلس، فقال معاوية: يا يزيد ما الّذي أضعنا من أمرك، و تركنا من الحيطة عليك، و حسن النظر لك، حيث قلت ما قلت؟، و قد تعرف رحمتي بك، و نظري في الأشياء التي تصلحك، قبل أن تخطر على وهمك، فكنت أظنك على تلك النعماء شاكرا، فأصبحت بها كافرا، إذ فرط من قولك ما ألزمتني فيه إضاعتي إياك، و أوجبت عليّ منه التقصير، لم يزجرك عن ذلك تخوف سخطي، و لم يحجزك دون ذكره سالف نعمتي، و لم يردعك عنه حق أبوتي، فأي ولد أعق منك و أكيد، و قد علمت أني تخطأت الناس كلهم في تقديمك، و نزلتهم لتوليتي إياك، و نصبتك إماما على أصحاب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و فيهم من‏

217

عرفت، و حاولت منهم ما علمت؟قال: فتكلم يزيد، و قد خنقه من شدة الحياء الشرق و أخضله من أليم الوجد العرق. قال: لا تلزمني كفر نعمتك، و لا تنزل بي عقابك، و قد عرفت نعمة مواصلتك ببرك، و خطوي إلى كل ما يسرك، في سري و جهري فليسكن سخطك، فإن الّذي أرثي له من أعباء حمله و ثقله، أكثر مما أرثي لنفسي، من أليم ما بها و شدته، و سوف أنبئك و أعلمك أمري.

كنت قد عرفت من أمير المؤمنين استكمل اللََّه بقاءه، نظرا في خيار الأمور لي، و حرصا على سياقها إليّ، و أفضل ما عسيت أستعد له بعد إسلامي المرأة الصالحة، و قد كان ما تحدث به من فضل جمال أرينب بنت إسحاق و كمال أدبها ما قد سطع و شاع في الناس، فوقع مني بموقع الهوى فيها، و الرغبة في نكاحها، فرجوت ألا تدع حسن النظر لي في أمرها، فتركت ذلك حتى استنكحها بعلها، فلم يزل ما وقع في خلدي ينمو و يعظم في صدري، حتى عيل صبري، فبحت بسري، فكان مما ذكرت تقصيرك في أمري، فاللََّه يجزيك أفضل من سؤالي و ذكري. فقال له معاوية: مهلا يا يزيد، فقال: علام تأمرني بالمهل و قد انقطع منها الأمل؟فقال له معاوية: فأين حجاك و مروءتك و تقاك؟فقال يزيد: قد يغلب الهوى على الصبر و الحجا، و لو كان أحد ينتفع فيما يبتلي به من الهوى يتقاه، أو يدفع ما أقصده بحجاه، لكان أولى الناس بالصبر داود عليه السلام، و قد خبرك القرآن بأمره. فقال معاوية: فما منعك قبل الفوت من ذكره؟قال: ما كنت أعرفه، و أثق به من جميل نظرك، قال: صدقت، و لكن اكتم يا بني أمرك بحلمك، و استعن باللََّه على غلبة هواك بصبرك، فإن البوح به غير نافعك، و اللََّه بالغ أمره، و لا بد مما هو كائن.

و كانت أرينب بنت إسحاق مثلا في أهل زمانها في جمالها، و تمام كمالها و شرفها، و كثرة مالها، فتزوجها رجل من بني عمها يقال له عبد اللََّه بن سلام من قريش، و كان من معاوية بالمنزلة الرفيعة في الفضل. و وقع أمر يزيد من معاوية موقعا ملأه همّا، و أوسعه غما، فأخذ في الحيلة و النظر أن يصل إليها، و كيف يجمع بينه و بينها حتى يبلغ رضا يزيد فيها. فكتب معاوية إلى عبد اللََّه بن سلام:

و كان قد استعمله على العراق، أن أقبل حين تنظر في كتابي هذا الأمر حظك فيه كامل، و لا تتأخر عنه، فأعد المصير و الإقبال. و كان عند معاوية بالشام أبو هريرة و أبو الدرداء، صاحبا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، فلما قدم عبد اللََّه بن‏

218

سلام الشام، أمر معاوية أن ينزل منزلا قد هيئ له، و أعد له فيه نزله، ثم قال لأبي هريرة و صاحبه: إن اللََّه قسم بين عباده قسما، و وهبهم نعما أوجب عليهم شكرها، و حتم عليهم حفظها، و أمرهم برعاية حقها، و سلطان طريقها، بجميل النظر، و حسن التفقد لمن طوقهم اللََّه أمره، كما فوضه إليهم، حتى يؤدوا إلى اللََّه الحق فيهم كما أوجبه عليهم، فحياني منها عز و جل بأعز الشرف، و سمو السلف، و أفضل الذكر، و أغدق اليسر، و أوسع علي في رزقه، و جعلني راعي خلقه، و أمينه في بلاده، و الحاكم في أمر عباده، ليبلوني أ أشكر آلاءه أم أكفرها، فإياه أسأله أداء شكره، و بلوغ ما أرجو بلوغه، من عظيم أجره، و أول ما ينبغي للمرء أن يتفقده و ينظر فيه، فيمن استرعاه اللََّه أمره من أهله و من لا غنى به عنه.

و قد بلغت لي ابنة أردت إنكاحها، و النظر فيمن يريد أن يباعلها. لعل من يكون بعدي يهتدي منه بهديي، و يتبع فيه أثري، فإنّي قد تخوفت أن يدعو من يلي هذا الأمر من بعدي زهوة السلطان و سرفه إلى عضل نسائهم، و لا يرون لهنّ فيمن ملكوا أمره كفؤا و لا نظيرا، و قد رضيت لها عبد اللََّه بن سلام لدينه و فضله و مروءته و أدبه. فقال أبو هريرة و أبو الدرداء: إن أولى الناس برعاية أنعم اللََّه و شكرها، و طلب مرضاته فيها فيما خصه به منها، أنت صاحب رسول اللََّه و كاتبه. فقال معاوية: اذكروا له ذلك عني، و قد كنت جعلت لها في نفسها شورى، غير أني أرجو أنها لا تخرج من رأيي إن شاء اللََّه، فلما خرجا من عنده متوجهين إلى منزل عبد اللََّه بن سلام بالذي قال لهما، قال: و دخل معاوية إلى ابنته، فقال لها: إذا دخل عليك أبو هريرة و أبو الدرداء، فعرضا عليك أمر عبد اللََّه بن سلام، و إنكاحي إياك منه، و دعواك إلى مباعلته، و حضاك على ملاءمة رأيي، و المسارعة إلى هواي. فقولي لهما: عبد اللََّه بن سلام كفؤ كريم، و قريب حميم، غير أنه تحته أرينب بنت إسحاق، و أنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء، فأتولى منه ما أسخط اللََّه فيه، فيعذّبني عليه، فأفارق الرجاء، و أستشعر الأذى، و لست بفاعلة حتى يفارقها، فذكر ذلك أبو هريرة و أبو الدرداء لعبد اللََّه بن سلام، و أعلماه بالذي أمرهما معاوية، فلما أخبراه سرّ به و فرح، و حمد اللََّه عليه، ثم قال: نستمتع اللََّه بأمير المؤمنين، لقد والى عليّ من نعمه، و أسدى إلي من مننه، فأطول ما أقوله فيه قصير، و أعظم الوصف لها يسير. ثم أراد إخلاطي بنفسه، و إلحاقي بأهله، إتماما لنعمته، و إكمالا لإحسانه، فاللََّه‏

219

أستعين على شكره، و به أعوذ من كيده و مكره. ثم بعثهما إليه خاطبين عليه، فلما قدما، قال لهما معاوية: قد تعلمان رضائي به و تنخلي إياه، و حرصي عليه، و قد كنت أعلنتكما بالذي جعلت لها في نفسها من الشورى، فادخلا إليها، و اعرضا عليها الّذي رأيت لها، فدخلا عليها و أعلماها بالذي ارتضاه لها أبوها، لما رجا من ثواب اللََّه عليه. فقالت لهما كالذي قال لها أبوها، فأعلماه بذلك، فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا أمرها، فارق زوجته، و أشهدهما على طلاقها، و بعثهما خاطبين إليه أيضا، فخطبا، و أعلما معاوية بالذي كان من فراق عبد اللََّه بن سلام امرأته، طلابا لما يرضيها، و خروجا عما يشجيها، فأظهر معاوية كراهية لفعله، و قال: ما أستحسن له طلاق امرأته، و لا أحببته، و لو صبر و لم يعجل لكان أمره إلى مصيره، فإن كون ما هو كائن لا بدّ منه، و لا محيص عنه، و لا خيرة فيه للعباد، و الأقدار غالبة، و ما سبق في علم اللََّه لا بدّ جار فيه، فانصرفا في عافية، ثم تعودان إلينا فيه، و تأخذان إن شاء اللََّه رضانا. ثم كتب إلى يزيد ابنه يعلمه بما كان من طلاق أرينب بنت إسحاق عبد اللََّه بن سلام، فلما عاد أبو هريرة و أبو الدرداء إلى معاوية أمرهما بالدخول عليها، و سؤالها عن رضاها تبريا من الأمر، و نظرا في القول و العذر، فيقول: لم يكن لي أن أكرهها، و قد جعلت لها الشورى في نفسها، فدخلا عليها، و أعلماها بالذي رضيه إن رضيت هي، و بطلاق عبد اللََّه بن سلام امرأته أرينب، طلابا لمسرّتها، و ذكرا من فضله، و كمال مروءته، و كريم محتده، ما القول يقصر عن ذكره. فقالت لهما:

جفّ القلم بما هو كائن، و إنه في قريش لرفيع، غير أن اللََّه عزّ و جلّ يتولى تدبير الأمور في خلقه، و تقسيمها بين عباده، حتى ينزلها منازلها فيهم، و يضعها على ما سبق في أقدارها. و ليست تجري لأحد على ما يهوى، و لو كان لبلغ منها غاية ما شاء. و قد تعرفان أن التزويج هزله جدّ، و جدّه ندم، الندم عليه يدوم، و المعثور فيه لا يكاد يقوم، و الأناة في الأمور أوفق لما يخاف فيها من المحذور، فإن الأمور إذا جاءت خلاف الهوى بعد التأني فيها، كان المرء بحسن العزاء خليقا، و بالصبر عليها حقيقا، و علمت أن اللََّه ولي التدابير. فلم تلم النفس على التقصير، و إني باللََّه أستعين، سائلة عنه، حتى أعرف دخيلة خبره، و يصحّ لي الّذي أريد علمه من أمره و مستخيرة، و إن كنت أعلم أنه لا خيرة لأحد فيما هو كائن، و معلمتكما بالذي يرينيه اللََّه في أمره، و لا قوّة إلا باللََّه.

220

فقالا: وفقك اللََّه و خار لك. ثم انصرفا عنها، فلما أعلماه بقولها تمثل و قال:

فإن يك صدر هذا اليوم ولىّ # فإن غدا لناظره قريب‏

و تحدث الناس بالذي كان من طلاق عبد اللََّه امرأته قبل أن يفرغ من طلبته، و قبل أن يوجب له الّذي كان من بغيته، و لم يشكوا في غدر معاوية إياه.

فاستحث عبد اللََّه بن سلام أبا هريرة و أبا الدرداء، و سألهما الفراغ من أمره، فأتياها. فقالا لها: قد أتيناك لما أنت صانعة في أمرك، و إن تستخيري اللََّه يخر لك فيما تختارين، فإنه يهدي من استهداه، و يعطي من اجتداه، و هو أقدر القادرين. قالت: الحمد للََّه أرجو أن يكون اللََّه قد خار لي، فإنه لا يكل إلى غيره من توكل عليه، و قد استبرأت أمره، و سألت عنه فوجدته غير ملائم و لا موافق لما أريد لنفسي، مع اختلاف من استشرته فيه، فمنهم الناهي عنه، و منهم الآمر به، و اختلافهم أول ما كرهت من اللََّه. فعلم عبد اللََّه أنه خدع، فهلع ساعة و اشتد عليه الهم. ثم انتبه فحمد اللََّه تعالى و أثنى عليه، و قال متعزيا: ليس لأمر اللََّه راد، و لا لما لا بد أن يكون منه صاد، أمور في علم اللََّه سبقت، فجرت بها أسبابها، حتى امتلأت منها أقرابها، و إن امرؤ انثال له حلمه و اجتمع له عقله، و استذله رأيه، ليس بدافع عن نفسه قدرا و لا كيدا، و لا انحرافا عنه و لا حيدا، و لآل ما سروا به و استجذلوا له لا يدوم لهم سروره، و لا يصرف عنهم محذوره.

قال: و ذاع أمره في الناس و شاع، و نقلوه إلى الأمصار، و تحدثوا به في الأسمار، و في الليل و النهار، و شاع في ذلك قولهم، و عظم لمعاوية عليه لومهم، و قالوا:

خدعه معاوية حتى طلق امرأته، و إنما أرادها لابنه، فبئس من استرعاه اللََّه أمر عباده، و مكنه في بلاده، و أشركه في سلطانه، يطلب أمرا بخدعة من جعل اللََّه إليه أمره، و يحيره و يصرعه جرأة على اللََّه. فلما بلغ معاوية ذلك من قول الناس.

قال: لعمري ما خدعته. قال: فلما انقضت أقراؤها، وجه معاوية أبا الدرداء إلى العراق خاطبا لها على ابنه يزيد، فخرج حتى قدمها، و بها يومئذ الحسين بن عليه و هو سيد أهل العراق فقها و مالا و جودا و بذلا. فقال أبو الدرداء إذ قدم العراق: مما ينبغي لذي الحجا و المعرفة و التقى أن يبدأ به و يؤثره على مهمّ أمره، لما يلزمه حقه، و يجب عليه حفظه، و هذا ابن بنت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و سيد شباب أهل الجنة يوم القيامة، فلست بناظر في شي‏ء قبل‏

221

الإلمام به و الدخول عليه، و النظر إلى وجهه الكريم و أداء حقه، و التسليم عليه، ثم أستقبل بعد إن شاء اللََّه ما جئت له، و بعثت إليه، فقصد حتى أتى الحسين، فلما رآه الحسين قام إليه فصافحه إجلالا له، و معرفته لمكانه من رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و موضعه من الإسلام.

ثم قال الحسين: مرحبا بصاحب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و جليسه، يا أبا الدرداء، أحدثت لي رؤيتك شوقا إلى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و أوقدت مطلقات أحزاني عليه، فإنّي لم أر منذ فارقته أحدا كان له جليسا، و إليه حبيبا، إلا هملت عيناي، و أحرقت كبدي أسى عليه، و صبابة إليه.

ففاضت عينا أبي الدرداء لذكر رسول اللََّه، و قال: جزى اللََّه لبانة أقدمتنا عليك، و جمعتنا بك خيرا.

فقال الحسين: و اللََّه إني لذو حرص عليك، و لقد كنت بالاشتياق إليك. فقال أبو الدرداء: وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد أرينب بنت إسحاق، فرأيت أن لا أبدأ بشي‏ء قبل إحداث العهد بك، و التسليم عليك. فشكر له الحسين ذلك، و أثنى عليه و قال: لقد كنت ذكرت نكاحها، و أردت الإرسال إليها بعد انقضاء أقرائها، فلم يمنعني من ذلك إلا تخيير مثلك، فقد أتى اللََّه بك، فاخطب رحمك اللََّه عليّ و عليه، فلتختر من اختاره اللََّه لها و إنها أمانة في عنقك حتى تؤديها إليها، و أعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه.

فقال أبو الدرداء: أفعل إن شاء اللََّه، فلما دخل عليها قال لها: أيتها المرأة إن اللََّه خلق الأمور بقدرته، و كونها بعزته، فجعل لكل أمر قدرا، و لكل قدر سببا، فليس لأحد عن قدر اللََّه مستحاص، و لا عن الخروج عن علمه مستناص، فكان مما سبق لك و قدر عليك، الّذي كان من فراق عبد اللََّه بن سلام إياك، و لعل ذلك لا يضرك، و أن يجعل اللََّه لك فيه خيرا كثيرا. و قد خطبك أمير هذه الأمة، و ابن الملك، و وليّ عهده، و الخليفة من بعده، يزيد بن معاوية. و ابن بنت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و ابن أول من آمن به من أمته، و سيد شباب أهل الجنة يوم القيامة، و قد بلغك سناهما و فضلهما، و جئتك خاطبا عليهما، فاختاري أيهما شئت؟فسكتت طويلا. ثم قالت: يا أبا الدرداء لو أن هذا الأمر جاءني و أنت غائب عني أشخصت فيه الرسل إليك، و اتبعت فيه رأيك، و لم أقطعه دونك على بعد مكانك، و نأي دارك، فأما إذ كنت المرسل فيه فقد فوّضت أمري بعد اللََّه إليك، و برئت منه إليك، و جعلته في يديك، فاختر لي أرضاهما لديك،

222

و اللََّه شهيد عليك، و اقض فيه قضاء ذي التحرّي المتقي، و لا يصدنك عن ذلك اتباع هوى، فليس أمرهما عليك خفيا و ما أنت عما طوّقتك عميا. فقال أبو الدرداء: أيتها المرأة إنما عليّ إعلامك و عليك الاختيار لنفسك. قالت: عفا اللََّه عنك، إنما أنا بنت أخيك، و من لا غنى بها عنك فلا يمنعك رهبة أحد من قول الحق فيما طوّقتك، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك، و اللََّه خير من روعي و خيف، إنه بنا خبير لطيف. فلما لم يجد بدّا من القول و الإشارة عليها.

قال: بنيّة، ابن بنت رسول اللََّه أحبّ إليّ و أرضاهما عندي، و اللََّه أعلم بخيرهما لك، و قد كنت رأيت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم واضعا شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك حيث وضعهما رسول اللََّه، قالت: قد اخترته و رضيته، فاستنكحها الحسين بن عليّ، و ساق إليها مهرا عظيما، و قال الناس و بلغ معاوية الّذي كان من فعل أبي الدرداء في ذكره حاجة أحد مع حاجته، و ما بعثه هو له، و نكاح الحسين إياها، فتعاظمه ذلك جدا، و لامه لوما شديدا، و قال:

من يرسل ذا بلاهة و عمى، يركب في أمره خلاف ما يهوى، و رأيي كان من رأيه أسوأ، و لقد كنا بالملامة منه أولى حين بعثناه، و لحاجتنا انتخلناه، و كان عبد اللََّه بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها بدرات مملوءة درا، كان ذلك الدرّ أعظم ماله و أحبه إليه، و كان معاوية قد أطرحه، و قطع جميع روافده عنه، لسوء قوله فيه، و تهمته إياه على الخديعة، فلم يزل يجفوه و يغضبه، و يكدي عنه، ما كان يجديه، حتى عيل صبره، و طال أمره، و قلّ ما في يديه، و لام نفسه على المقام لديه، فخرج من عنده راجعا إلى العراق، و هو يذكر ماله الّذي كان استودعها، و لا يدري كيف يصنع فيه، و أنّى يصل إليه، و يتوقع جحودها عليه، لسوء فعله بها، و طلاقه إياها على غير شي‏ء أنكره منها، و لا نقمة عليها. فلما قدم العراق لقي الحسين، فسلم عليه. ثم قال: قد علمت جعلت فداك الّذي كان من قضاء اللََّه في طلاق أرينب بنت إسحاق، و كنت قبل فراقي إياها قد استودعتها مالا عظيما درّا و كان الّذي كان و لم أقبضه، و و اللََّه ما أنكرت منها في طول ما صحبتها فتيلا، و لا أظنّ بها إلا جميلا، فذكّرها أمري، و احضضها على الرد عليّ، فإن اللََّه يحسن عليك ذكرك، و يجزل به أجرك. فسكت عنه. فلما انصرف الحسين إلى أهله، قال لها: قدم عبد اللََّه بن سلام و هو يحسن الثناء عليك، و يحمل النشر عنك، في حسن صحبتك، و ما أنسه قديما من أمانتك

223

فسرّني ذلك و أعجبني، و ذكر أنه كان استودعك مالا قبل فراقه إياك، فأدّي إليه أمانته، و ردي عليه ماله، فإنه لم يقل إلا صدقا، و لم يطلب إلا حقا. قالت:

صدق، قد و اللََّه استودعني مالا لا أدري ما هو، و إنه لمطبوع عليه بطابعه ما أخذ منه شي‏ء إلى يومه هذا، فأثنى عليها الحسين خيرا، و

قال: بل أدخله عليك حتى تبرئي إليه منه كما دفعه إليك. ثم لقي عبد اللََّه بن سلام، فقال له: ما أنكرت مالك، و زعمت أنه لكما دفعته إليها بطابعك، فادخل يا هذا عليها، و توفّ مالك منها. فقال عبد اللََّه بن سلام: أو تأمر بدفعه إليّ جعلت فداك. قال: لا، حتى تقبضه منها كما دفعته إليها، و تبرئها منه إذا أدّته.

فلما دخلا عليها

قال لها الحسين: هذا عبد اللََّه بن سلام، قد جاء يطلب وديعته، فأدّيها إليه كما قبضتها منه،

فأخرجت البدرات فوضعتها بين يديه، و قالت له: هذا مالك، فشكر لها، و أثنى عليها، و خرج الحسين، ففض عبد اللََّه خاتم بدره، فحثا لها من ذلك الدرّ حثوات، و قال: خذي، فهذا قليل مني لك، و استعبرا جميعا، حتى تعالت أصواتهما بالبكاء، أسفا على ما ابتليا به، فدخل الحسين عليهما و قد رقّ لهما، للذي سمع منهما.

فقال: أشهد اللََّه أنها طالق ثلاثا، اللََّهمّ إنك تعلم أني لم أستنكحها[ (1) ]رغبة في مالها و لا جمالها، و لكني أردت إحلالها لبعلها، و ثوابك على ما عالجته في أمرها، فأوجب لي بذلك الأجر، و أجزل لي عليه الذخر إنك على كل شي‏ء قدير،

و لم يأخذ مما ساق إليها في مهرها قليلا و لا كثيرا. و قد كان عبد اللََّه بن سلام سأل ذلك أرينب، أي التعويض على الحسين، فأجابته إلى ردّ ماله عليه شكرا لما صنعه بهما، فلم يقبله، و

قال: الّذي أرجو عليه من الثواب خير لي منه‏

فتزوّجها عبد اللََّه بن سلام، و عاشا متحابين متصافيين حتى قبضهما اللََّه، و حرّمها اللََّه على يزيد. و الحمد للََّه ربّ العالمين.

وفاة معاوية رحمه اللََّه‏

قال: و ذكروا أن عتبة بن مسعود قال: مرّ بنا نعي معاوية بن أبي سفيان‏[ (2) ] [ (1) ]استنكحها: أي أني لم أتزوجها إلا...

[ (2) ]أجمعوا على وفاته سنة 60. و اختلفوا في وقت وفاته، و في مدة خلافته و مقدار عمره: انظر في ذلك الطبري 5/323-324 مروج الذهب 3/3 تاريخ خليفة ص 226 فتوح ابن الأعثم 4/265 الأخبار الطوال و تاريخ اليعقوبي و الاستيعاب تر 4977 و أسد الغابة تر 4977 و الإصابة تر 8074 و مآثر الإنافة 1/109 ابن الأثير التاريخ 2/524.

224

و نحن بالمسجد الحرام. قال: فقمنا فأتينا ابن عباس، فوجدناه جالسا قد وضع له الخوان، و عنده نفر. فقلنا: أما علمت بهذا الخبر يا بن عباس؟قال: و ما هو؟ قلنا: هلك معاوية. فقال: ارفع الخوان يا غلام، و سكت ساعة، ثم قال: جبل تزعزع ثم مال بكلكلة، أما و اللََّه ما كان كمن كان قبله، و لما يكن بعده مثله.

اللََّهمّ أنت أوسع لمعاوية فينا و في بني عمنا هؤلاء لذي لبّ معتبر، اشتجرنا بيننا، فقتل صاحبهم غيرنا، و قتل صاحبنا غيرهم، و ما أغراهم بنا إلا أنهم لا يجدون مثلنا، و ما أغرانا بهم إلا أنا لا نجد مثلهم، كما قال القائل: مالك تظلمني؟قال: لا أجد من أظلم غيرك. و و اللََّه إن ابنه لخير أهله، أعد طعامك يا غلام. قال: فما رفع الخوان حتى جاء رسول خالد بن الحكم إلى ابن عباس، أن انطلق فبايع. فقال للرسول: أقرئ الأمير السلام، و قل له: و اللََّه ما بقي فيّ ما تخافون، فاقض من أمرك ما أنت قاض، فإذا سهل الممشى و ذهبت حطمة الناس‏[ (1) ]، جئتك ففعلت ما أحببت. قال: ثم أقبل علينا فقال: مهلا معشر قريش، أن تقولوا عند موت معاوية: ذهب جدّ بني معاوية، و انقطع ملكهم، ذهب لعمر اللََّه جدّهم، و بقي ملكهم و شرّها بقية هي أطول مما مضى، الزموا مجالسكم و أعطوا بيعتكم. قال: فما برحنا حتى جاء رسول خالد فقال: يقول لك الأمير: لا بدّ لك أن تأتينا. قال: فإن كان لا بدّ، فلا بدّ مما لا بدّ منه، يا نوار هلمي ثيابي، ثم قال: و ما ينفعكم إتيان رجل إن جلس لم يضرّكم؟قال:

فقلت له: أ تبايع ليزيد، و هو يشرب الخمر، و يلهو بالقيان، و يستهتر بالفواحش؟ قال: مه، فأين ما قلت لكم؟و كم بعده من آت ممن يشرب الخمر، أو هو شرّ من شاربها، أنتم إلى بيعته سراع؟أما و اللََّه إني لأنهاكم، و أنا أعلم أنكم فاعلون ما أنتم فاعلون، حتى يصلب مصلوب قريش بمكة، يعني عبد اللََّه بن الزبير.

كتاب يزيد بالبيعة إلى أهل المدينة

قال: و ذكروا أن نافع بن جبير قال: إني بالشام يوم موت معاوية، و كان [ () ]و في العلة التي أصابته قال الطبري النفاثات و في ابن الأثير: التفاتات و في ابن الأعثم: أصابته اللقوة في وجهه. قلت لعل ذلك نتج عن ارتجاج قوي في الدماغ أودى بحياته (قيل مات من يومه) .

[ (1) ]يريد ازدحام الناس.

225

يزيد غائبا، و استخلف معاوية الضحاك بن قيس بعده، حتى يقدم يزيد، فلما مات معاوية خرج الضحاك على الناس، فقال: لا يحملنّ اليوم نعش أمير المؤمنين إلا قرشي. قال: فحملته قريش ساعة. ثم قال أهل الشام: أصلح اللََّه الأمير. اجعل لنا من أمير المؤمنين نصيبا في موته، كما كان لنا في حياته. قال:

فاحملوه، فحملوه، و ازدحموا عليه، حتى شقوا البرد الّذي كان عليه صدعين.

قال: فلما قدم يزيد دمشق بعد موت أبيه إلى عشرة أيام‏[ (1) ]، كتب إلى خالد بن الحكم‏[ (2) ]، و هو عامل المدينة[ (3) ]: أما بعد، فإن معاوية بن أبي سفيان، كان عبدا استخلفه اللََّه على العباد، و مكن له في البلاد و كان من حادث قضاء اللََّه جل ثناؤه، و تقدست أسماؤه فيه، ما سبق في الأوّلين و الآخرين لم يدفع عنه ملك مقرّب، و لا نبيّ مرسل، فعاش حميدا، و مات سعيدا، و قد قلدنا اللََّه عزّ و جلّ ما كان إليه، فيا لها مصيبة ما أجلّها، و نعمة ما أعظمها، نقل الخلافة، و فقد الخليفة، فنستوزعه الشكر، و نستلهمه الحمد، و نسأله الخيرة في الدارين معا، و محمود العقبي في الآخرة و الأولى، إنه وليّ ذلك، و كلّ شي‏ء بيده لا شريك له، و إن أهل المدينة قومنا و رجالنا، و من لم نزل على حسن الرأي فيهم، و الاستعداد بهم، و اتباع أثر الخليفة فيهم، و الاحتذاء على مثاله لديهم، من الإقبال عليهم، و التقبل من محسنهم، و التجاوز عن مسيئهم، فبايع لنا قومنا، و من قبلك من رجالنا، بيعة منشرحة بها صدوركم، طيبة عليها أنفسكم، و ليكن أوّل من يبايعك من قومنا و أهلنا[ (4) ]: الحسين، و عبد اللََّه بن عمر، و عبد اللََّه بن عباس، و عبد اللََّه بن الزبير، و عبد اللََّه بن جعفر، و يحلفون على ذلك بجميع الأيمان اللازمة، و يحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها، و جزية رقيقهم، و طلاق [ (1) ]في فتوح ابن الأعثم 5/2 «بعد ثلاثة أيام» ، و لعله يريد هنا أي بعد انقضاء عشرة أيام على قدومه إلى دمشق، و هو مناسب.

[ (2) ]تقدمت الإشارة إلى أنه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.

[ (3) ]قارن مع الطبري 5/338 فتوح ابن الأعثم 5/10.

[ (4) ]ذكر أن يزيد أرسل إلى الوليد بن عتبة كتابا آخر غير كتاب التعزية بمعاوية في صحيفة كأنها أذن فارة قال فيها: أما بعد فخذ حسينا و عبد اللََّه بن عمر و عبد اللََّه بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا، و السلام (نص الطبري 5/338 و انظر ابن الأثير 2/529 و الأخبار الطوال ص 227 و فتوح ابن الأعثم 5/10) و فيه زيادة: فمن أبى عليك منهم فاضرب عنقه و ابعث إليّ برأسه. و زيد فيه أيضا اسم عبد الرحمن بن أبي بكر و هو خطأ فقد مات عبد الرحمن قبل وفاة معاوية.

226

نسائهم، بالثبات على الوفاء، بما يعطون من بيعتهم، و لا قوة إلا باللََّه، و السلام.

إباية القوم الممتنعين عن البيعة

قال: و ذكروا أن خالد بن الحكم‏[ (1) ]، لما أتاه الكتاب من يزيد فظع به، فدعا مروان بن الحكم، و كان على المدينة قبله، فلما دخل عليه مروان، و ذلك في أوّل الليل. قال له خالد[ (1) ]: احتسب صاحبك يا مروان، فقال له مروان:

اكتم ما بلغك، إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ . ثم أقرأه الكتاب، و قال له: ما الرأي؟ فقال: أرسل الساعة إلى هؤلاء النفر، فخذ بيعتهم، فإنّهم إن بايعوا لم يختلف على يزيد أحد من أهل الإسلام، فعجل عليهم قبل أن يفشي الخبر فيمتنعوا، فأرسل إلى الحسين بن عليّ، و عبد اللََّه بن الزبير، و عبد اللََّه بن عمر[ (2) ]، فلما أتاهم الرسول قال عبد اللََّه بن الزبير للحسين: ظنّ يا أبا عبد اللََّه فيما أرسل إلينا؟[ (3) ]

فقال الحسين: لم يرسل إلينا إلا للبيعة، فما ترى؟قال: آتيه، فإن أراد تلك امتنعت عليه، فدعا الحسين مواليه و أهل بيته، و أقعدهم على الباب، و قال لهم: إن ارتفع صوتي فاقتحموا الدار عليّ، و إلا فمكانكم حتى أخرج إليكم.

ثم دخل على خالد[ (1) ]، فأقرأه الكتاب،

فقال الحسين: رحم اللََّه معاوية. فقالا له: بايع، فقال الحسين‏[ (4) ]: لا خير في بيعة سرّ، و الظاهرة خير، فإذا حضر الناس كان أمرا واحدا،

ثم وثب أهله، فقال مروان لخالد[ (1) ]: أشدد يدك بالرجل، فلا يخرج حتى يبايعك، فإن أبى فاضرب عنقه. فقال له ابن الزبير[ (5) ]: قد علمت أنا كنا أبينا البيعة إذ دعانا إليها معاوية، و في نفسه علينا من ذلك ما لا تجهله، و متى ما نبايعك ليلا على هذه الحال، تر أنك أغضبتنا على أنفسنا، دعنا حتى نصبح، و تدعو الناس [ (1) ]كذا، و قد مرت الملاحظة أنه الوليد بن عتبة و ليس خالد بن الحكم.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير لم يرسل إليه بل أرسل فقط إلى الحسين بن علي و عبد اللََّه بن الزبير يدعوهما، و قد أقنعه مروان بعدم الإتيان به لأنه كما قال مروان: فإنّي لا أراه يرى القتال، و لا يحب أن يولى على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوا.

[ (3) ]و كان الوليد قد أرسل إليهما في وقت لم يكن يجلس فيه إلى الناس و لا يأتيه في مثله أحد إلا الأمر هام مستعجل (الطبري) .

[ (4) ]في الطبري: فإن مثلي لا يعطي بيعته سرا، و لا أراك تجتزئ بها مني سرا دون أن نظرها على رءوس الناس علانية.

[ (5) ]يشير ابن الأثير و الطبري إلى أن ابن الزبير لم يأته بل أرسل إليه أخاه جعفر و وعده أن يأتيه مع الناس غدا، و قد خرج ابن الزبير من ليلته إلى مكة.

227

إلى البيعة، فنأتيك فنبايعك بيعة سليمة صحيحة، فلم يزالا به حتى خلى عنهما و خرجا. فقال مروان لخالد[ (1) ]: تركتهما، و اللََّه لا تظفر بمثلها منهما أبدا، فقال خالد[ (1) ]: ويحك أ تشير عليّ أن أقتل الحسين، فو اللََّه‏[ (2) ]ما يسرّني أن لي الدنيا و ما فيها، و ما أحسب أن قاتله يلقى اللََّه بدمه إلا خفيف الميزان يوم القيامة. فقال له مروان مستهزئا: إن كنت إنما تركت ذلك لذلك فقد أصبت.

خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية

قال: و ذكروا أن يزيد بن معاوية عزل خالد بن الحكم‏[ (1) ]عن المدينة، و ولاها عثمان‏[ (3) ]بن محمد بن أبي سفيان الثقفيّ، و خرج الحسين بن عليّ، و عبد اللََّه بن الزبير إلى مكة و أقبل عثمان بن محمد[ (3) ]من الشام واليا على المدينة و مكة و على الموسم في رمضان، فلما استوى على المنبر بمكة رعف، فقال رجل مستقبله:

جئت و اللََّه بالدم، فتلقاه رجل آخر بعمامته. فقال: مه، و اللََّه عم الناس. ثم قام يخطب، فتناول عصا لها شعبتان، فقال: مه، شعب‏[ (4) ]و اللََّه أمر الناس، ثم نزل.

فقال الناس للحسين: يا أبا عبد اللََّه، لو تقدّمت فصليت بالناس؟فإنه ليهمّ بذلك إذ جاء المؤذّن، فأقام الصلاة، فتقدّم عثمان فكبر، فقال للحسين: يا أبا عبد اللََّه، إذا أبيت أن تتقدّم فاخرج.

فقال: الصلاة في الجماعة أفضل. قال: فصلى، ثم خرج،

فلما انصرف عثمان بن محمد من الصلاة، بلغه أن الحسين خرج. قال:

اركبوا كل بعير بين السماء و الأرض فاطلبوه، فطلب، فلم يدرك. قال: ثم قدم المدينة، فأقبل ابن ميثاء بسراح له من الحرّة، يريد الأموال التي كانت لمعاوية، فمنع منها، و أزاحه أهل المدينة عنها، و كانت أموالا اكتسبها معاوية، و نخيلا يجد منها مائة ألف وسق‏[ (5) ]و ستين ألفا، و دخل نفر من قريش و الأنصار على [ (1) ]الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.

[ (2) ]العبارة في الطبري: و اللََّه ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس و غربت عنه من مال الدنيا و ملكها و أني قتلت حسينا، سبحان اللََّه!أقتل حسينا أن قال: لا أبايع! (و انظر ابن الأثير-ابن الأعثم- الأخبار الطوال) .

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: عمرو بن سعيد الأشدق. و بقي إلى سنة 61 حيث عزله و ولى مكانه الوليد بن عتبة ثم عزله سنة 62 و ولى مكانه عثمان بن محمد بن أبي سفيان و كان فتى غرّ حدث غمر لم يجرب الأمور و لم يحنكه السن و لم تضرسه التجارب.

[ (4) ]شعب: تفرق.

[ (5) ]الوسق: من المكاييل، و هو ستون صاعا أو حمل بعير (القاموس) .

228

عثمان، فكلموه فيها فقالوا: قد علمت أن هذه الأموال كلها لنا، و أن معاوية آثر علينا في عطائنا، و لم يعطنا قطّ درهما فما فوقه، حتى مضّنا الزمان، و نالتنا المجاعة، فاشتراها منا بجزء من مائة من ثمنها، فأغلظ لهم عثمان في القول، و اغلظوا له. فقال لهم: لأكتبنّ إلى أمير المؤمنين بسوء رأيكم، و ما أنتم عليه من كمون الأضغان القديمة، و الأحقاد التي لم تزل في صدوركم، فافترقوا على موجدة، ثم اجتمع رأيهم على منع ابن ميثاء القيّم عليها، فكفّ عثمان بن محمد عنهم، و كتب بأمرهم إلى يزيد بن معاوية.

قال عبد اللََّه بن جعفر: جاء كتاب عثمان بن محمد بعد هدأة من الليل، و قد كنت انصرفت من عند يزيد، فلم ألبث أن جاءني رسوله، فدخلت عليه، و الشمعة بين يديه، و هو مغضب قد حسر عن ذراعيه، و الكتاب بين يديه، فقال:

دونك يا أبا جعفر هذا الكتاب، فاقرأه، فرأيت كتابا قبيحا، فيه تعريض بأهل المدينة و تحريش. ثم قال: و اللََّه لأطأنّهم وطأة آتي منها على أنفسهم. قال ابن جعفر: فقلت له: إن اللََّه لم يزل يعرف أباك في الرّفق خيرا، فإن رأيت أن ترفق بهم و تتجاوز عنهم فعلت، فإنما هم أهلك و عشيرتك، و إنما تقتل بهم نفسك إذا قتلتهم. قال: أقتل و أشفي نفسي، فلم أزل ألحّ عليه فيهم، و أرفقه عليهم، و كان لي سامعا و مطيعا، فقال لي: إن ابن الزبير حيث علمت من مكة، و هو زعم أنه قد نصب الحرب، فأنا أبعث إليه الجيوش، و آمر صاحب أوّل جيش أبعثه أن يتخذ المدينة طريقا، و أن لا يقاتل، فإن أقروا بالطاعة، و نزعوا عن غيهم و ضلالهم، فلهم عليّ عهد اللََّه و ميثاقه، أن لهم عطاءين في كل عام، ما لا أفعله بأحد من الناس طول حياتي، عطاء في الشتاء، و عطاء في الصيف، و لهم عليّ عهد أن أجعل الحنطة عندهم كسعر الحنطة عندنا، و الحنطة عندهم سبعة آصع‏[ (1) ]بدرهم، و العطاء الّذي يذكرون أنه احتبس عنهم في زمان معاوية فهو عليّ أن أخرجه لهم وافرا كاملا، فإن أنابوا و قبلوا ذلك، جاوز إلى ابن الزبير، و إن أبوا قاتلهم، ثم إن ظفر بها أنهبها ثلاثا، هذا عهدي إلى صاحب جيشي لمكانك و لطلبتك فيهم، و لما زعمت أنهم قومي و عشيرتي. قال عبد اللََّه بن جعفر: فرأيت هذا لهم فرجا، فرجعت إلى منزلي فكتبت إليهم من ليلتي كتابا [ (1) ]آصع جمع صاع، و صاع أهل المدينة يأخذ أربعة أمداد. و المد: هو رطل و ثلث بالعراقي. و قيل هو رطلان (اللسان) .

229

إلى أهل المدينة، أعلمهم فيه قول يزيد، و أحضهم على الطاعة و التسليم، و الرضا و القبول لما بذل لهم، و أنهاهم أن يتعرّضوا لجيوشه، و قلت لرسولي:

اجهد السير، فدخلها في عشر، فو اللََّه ما أرادوا ذلك و لا قبلوه، و قالوا: و اللََّه لا يدخلها عنوة أبدا.

كتاب يزيد إلى أهل المدينة

قال: و كتب يزيد إلى أهل المدينة كتابا، و أمر عثمان بن محمد يقرأه عليهم، فقدم الكتاب المدينة، و عثمان خائف، فقرأه عليهم، فإذا فيه: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم: أما بعد، فإنّي قد نفستكم حتى أخلفتكم، و رفعتكم حتى أخرقتكم‏[ (1) ]، و رفعتكم على رأسي ثم وضعتكم، و ايم اللََّه لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقل منها عددكم و أترككم أحاديث تتناسخ كأحاديث عاد و ثمود، و ايم اللََّه لا يأتيكم مني أولى من عقوبتي، فلا أفلح من ندم‏[ (2) ].

ما أجمع عليه أهل المدينة و رأوه من إخراج بني أمية

قال: و ذكروا أنه لما قرئ الكتاب، تكلم عبد اللََّه بن مطيع و رجال معه كلاما قبيحا، فلما استبان لهم أن يزيد باعث الجيوش إليهم، أجمعوا على خلافهم‏[ (3) ]، و اختلفوا في الرئاسة أيهم يقوم بهذا الأمر. فقال قائل: ابن مطيع، [ (1) ]أخرقتكم: جعلتكم خرقى أي حمقى.

[ (2) ]قارن مع العقد الفريد 4/388.

[ (3) ]لم يكن كتاب يزيد إلى أهل المدينة السبب في خلافهم عليه، و قد يكون هو العامل الّذي حرك الأسباب الحقيقية لتحرك أهل المدينة خاصة و دفعها إلى الواجهة حيث أخذت المواجهة بين المدنيين و الحكم الأموي المتمثل بيزيد الطابع الصدامي و الأكثر دموية.

و لحركة المدينة أسباب كثيرة منها سياسية و منها اقتصادية و اجتماعية و أهم هذه الأسباب:

-السياسة الأموية التي وضع معاوية بن أبي سفيان خطوطها الأولى كانت وراء الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالمدينة و التي دفعت بها إلى حدود الضيق و الفقر (انظر تفاصيل حول هذه السياسة أوردها د. إبراهيم بيضون في كتابه الحجاز و الدولة الإسلامية ص 250 و ما بعدها) .

-القهر السياسي الّذي عانى منه الحجاز عامة، و المدينة و مكة خاصة حيث حظر على زعمائها تجاوز الاهتمامات الاجتماعية و الثقافية بعد انتقال الخلافة إلى الشام.

-رفض الحكم الأموي، و قد جاء غياب معاوية فرصة لإظهار هذا الرفض من الخفاء إلى العلن.

و قد كان غيابه مؤشرا للانفجار المرتقب، و قد كان وجوده عاملا في منعه أو تجميده.

230

و قال قائل: إبراهيم بن نعيم، ثم اجتمع رأيهم أن يقوم بأمرهم ابن حنظلة، و هرب عثمان بن محمد منهم ليلا فلحق بالشام، ثم أخذوا مروان بن الحكم و كبراء بني أمية، فأخرجوهم عن المدينة، فقالوا: الشقة بعيدة، و لا بدّ لنا مما يصلحنا، و لنا عيال و صبية[ (1) ]، و نحن نريد الشام. قال: فاستنظروا عشرة أيام، فأنظروا. ثم اجتمع رأي أهل المدينة أن يحلّفوا كبراء بني أمية عند منبر رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم لئن لقوا جيش يزيد ليردّونهم عنهم إن استطاعوا، فإن لم يستطيعوا مضوا إلى الشام و لم يرجعوا معهم، فحلفوا لهم على ذلك، و شرطوا عليهم أن يقيموا بذي خشب‏[ (2) ]عشرة أيام، فخرجوا من المدينة، و تبعهم الصبيان، و سفهاء الناس يرمونهم بالحجارة، حتى انتهوا إلى ذي خشب، و لم يتحرك أحد من آل عثمان بن محمد، و لم يخرج من المدينة، فلما رأت بنو أمية ما صنع بهم أهل المدينة من إخراجهم منها، اجتمعوا إلى مروان، فقالوا: يا أبا عبد الملك ما الرأي؟قال: من قدر منكم أن يغيّب حريمه فليفعل، فإنما الخوف على الحرمة، فغيّبوا حرمهم، فأتى مروان عبد اللََّه بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، بلغني أنك تريد الخروج إلى مكة، و تغيب عن هذا الأمر، فأحب [ (-) ]فشل الخليفة يزيد أمام الأزمات الخطيرة التي واجهت حكمه و انغماسة (حسب الروايات) بالترف و المجون و استغراقه حتى العبث في حياته الخاصة ساهم في إذكاء روح المعارضة و تجرؤها على الإعلان عن نفسها.

-ضربه الرموز الإسلامية بمنتهى العنف، حيث رأى في اتباعه هذه السياسة مدخلا إلى إثبات حضوره السلطوي لكن هذا شجع المعارضة على المبادرة إلى اتخاذ موقف علني ضده.

-ثورة الحسين التي كانت السباقة إلى رفض الأمر الواقع و التي انتهت بمأساة دموية في العراق و أوقعت النظام الأموي في ارتباك شديد.

-حركة ابن الزبير التي استطاعت أن تستثمر النقمة المتزايدة على الحكم الأموي.

-وجود الوالي عثمان بن محمد بن أبي سفيان و الّذي وصفه بأنه غرّ قليل التجربة حديث السن و إخفاقه في التعاطي مع المستجدات الخطيرة في مكة و المدينة.

-محاولة أهل المدينة (الأنصار) إعادة التوازن الّذي اختل منذ السقيفة، و هنا لا بد من الإشارة إلى أن دعوة ابن الزبير للمدينة لبيعته بعد مقتل الحسين لم يرافقها في المدينة كثير من الحماسة فقد انقسمت بين مؤيد له و متحفظ و متردد، لكن اللقاء مع ابن الزبير تمحور حول هدف كبير مشترك هو الإطاحة بالخليفة الأموي. و ما تولي عبد اللََّه بن حنظلة (من الأوس) ، (و هو ما سيرد بعد أسطر) إلا إشارة على التوجه الأنصاري لأهل المدينة. و هذا ما سيؤدي إلى استفراد المدينة في الحملة العسكرية التي استهدفتها.

[ (1) ]كانوا نحوا من ألف رجل (رواية الطبري) .

[ (2) ]ذو خشب: واد بالمدينة. ـ

231

أن أوجه عيالي معك. فقال ابن عمر: إني لا أقدر على مصاحبة النساء. قال:

فتجعلهم في منزلك مع حرمك. قال: لا آمن أن يدخل على حريمي من أجل مكانكم. فكلم مروان عليّ بن الحسين، فقال: نعم، فضمهم عليّ إليه، و بعث بهم مع عياله، قال: ثم ارتحل القوم من ذي خشب على أقبح إخراج يكون، و إسراع خوفا منهم أن يبدو للقوم في حبسهم، و جعل مروان يقول لابنه عبد الملك: يا بنيّ إن هؤلاء القوم لم يدروا و لم يستشيروا، فقال ابنه: و كيف ذلك؟قال: إذ لم يقتلونا أو يحبسونا، فإن بعثوا إلينا بعثا كنا في أيديهم، و ما أخوفني أن يفطنوا لهذا الأمر فيبعثوا في طلبنا فالوحى الوحي و النجاء النجاء[ (1) ].

إرسال يزيد الجيوش إليهم‏

قال: فلما أجمع رأي يزيد على إرسال الجيوش، صعد المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا أهل الشام، فإن أهل المدينة أخرجوا قومنا منها، و اللََّه لأن تقع الخضراء على الغبراء[ (2) ]أحب إليّ من ذلك. و كان معاوية قد أوصى يزيد فقال له: إن رابك منهم ريب، أو انتقض عليك منهم أحد، فعليك بأعور بني مرّة مسلم بن عقبة، فدعا به فقال: سر إلى هذه المدينة بهذه الجيوش‏[ (3) ]، و إن شئت أعفيتك، فإنّي أراك مدنفا منهوكا. فقال: نشدتك اللََّه، أن لا تحرمني أجرا ساقه اللََّه إليّ، أو تبعث غيري، فإنّي رأيت في النوم شجرة غرقد تصيح أغصانها: يا ثارات عثمان، فأقبلت إليها، و جعلت الشجرة تقول:

إليّ يا مسلم بن عقبة، فأتيت فأخذتها، فعبّرت ذلك أن أكون أنا القائم بأمر عثمان، و و اللََّه ما صنعوا الّذي صنعوا إلا أن اللََّه أراد بهم الهلاك. فقال يزيد:

فسر على بركة اللََّه، فأنت صاحبهم، فخرج مسلم فعسكر و عرض الأجناد، فلم يخرج معه أصغر من ابن عشرين، و لا أكبر من ابن خمسين على خيل عراب، و سلاح شاك، و أداة كاملة، و وجّه معه عشرة آلاف بعير تحمل الزّاد حتى خرج، [ (1) ]قال الطبري: أن مروان بن الحكم كتب كتابا و أرسله إلى يزيد مع ابنه عبد الملك بن مروان و كان في الكتاب: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم: أما بعد، فإنه قد حصرنا في دار مروان بن الحكم، و منعنا العذب، و رمينا بالجبوب، فيا غوثاه يا غوثاه.

[ (2) ]الغبراء: الأرض، و الخضراء: السماء.

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: اثنا عشر ألف. و في فتوح ابن الأعثم: عشرون ألف فارس و سبعة آلاف راجل.

232

فخرج معه يزيد فودّعه. قال له: إن حدث بك حدث فأمر الجيوش إلى حصين بن نمير، فانهض بسم اللََّه إلى ابن الزبير، و اتخذ المدينة طريقا إليه، فإن صدّوك أو قاتلوك فاقتل من ظفرت به منهم، و انهبها[ (1) ]ثلاثا، فقال مسلم بن عقبة: أصلح اللََّه الأمير، لست بآخذ من كل ما عهدت به إلا بحرفين. قال يزيد: و ما هما؟ويحك. قال: أقبل من المقبل الطائع، و أقتل المدبر العاصي.

فقال يزيد: حسبك، و لكن البيان لا يضرّك، و التأكيد ينفعك، فإذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها، أو نصب لك الحرب، فالسيف السيف، أجهز على جريحهم، و أقبل على مدبرهم، و إياك أن تبقي عليهم، و إن لم يتعرضوا لك، فامض إلى ابن الزبير.

فمضت الجيوش، فلما نزلوا بوادي القرى، لقيتهم بنو أمية خارجين من المدينة، فرجعوا معهم، و استخبرهم مسلم بن عقبة عما خلفهم، و عما لقوا، و عن عددهم. فقال مروان: عددهم كثير، أكثر مما جئت به من الجيوش، و لكن عامتهم ليس لهم نيات و لا بصائر، و فيهم قوم قليل لهم نية و بصيرة، و لكن لا بقاء لهم مع السيف، و ليس لهم كراع و لا سلاح، و قد خندقوا عليهم و حصّنوا.

قال مسلم: هذه أشدها علينا، و لكنا نقطع عنهم مشربهم، و نردم عليهم خندقهم. فقال مروان: عليه رجال لا يسلمونه، و لكن عندي فيه وجه سأخبرك به. قال: هاته. فقال: اطوه و دعه حتى يحضر ذلك، قال: فدعه إذا. ثم قال لهم مسلم: تريدون أن تسيروا إلى أمير المؤمنين، أو تقيموا موضعكم هذا، أو تسيروا معنا؟فقال بعضهم: نسير إلى أمير المؤمنين، و نحدث به عهدا، فقال مروان: أما أنا فراجع. فقال بعضهم لبعض: قد حلفنا لهم عند المنبر لئن استطعنا أن نردّ الجيش عنهم لنردنّه فكيف بالرجوع إليهم. فقال مروان: أما أنا فراجع إليهم. فقال له قوم: ما نرى أن تفعل، فإنما تقتلون بهؤلاء أنفسكم، و اللََّه لا أكثرنا عليهم لمسلم جمعا أبدا. فقال مروان: أنا و اللََّه ماض مع مسلم إلى المدينة، فمدرك ثأري من عدوي، و ممن أخرجني من بيتي، و فرق بيني و بين أهلي، و إن قتلت بهم نفسي، فلم يرجع مع مسلم من بني أمية غير مروان و ابنه عبد الملك، و كان مجدورا فجعله بذي خشب.

[ (1) ]في الطبري: «فأبحها ثلاثا» .

233

فلما أيقن أهل المدينة بقدوم الجيوش إليهم تشاوروا في الخندق و قالوا: قد خندق رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، فخندقوا المدينة من كلّ نواحيها.

ثم جمع عبد اللََّه بن حنظلة أهل المدينة عند المنبر، فقال: تبايعوني على الموت و إلا فلا حاجة في بيعتكم. فبايعوه على الموت‏[ (1) ]، ثم صعد المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما خرجتم غضبا لدينكم، فأبلوا إلى اللََّه بلاء حسنا ليوجب لكم به الجنة و مغفرته، و يحل بكم رضوانه، و استعدّوا بأحسن عدتكم، و تأهبوا بأكمل أهبتكم، فقد أخبرت أن القوم قد نزلوا بذي خشب، و معهم مروان بن الحكم، و اللََّه إن شاء مهلكه بنقضه العهد و الميثاق عند منبر رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، فتصايح الناس، و جعلوا ينالون منه و يسبونه. فقال لهم: إن الشتم ليس بشي‏ء، و لكن نصدقهم اللقاء، و اللََّه ما صدق قوم قطّ إلا نصروا، ثم رفع يديه إلى السماء و قال: اللََّهمّ إنا بك واثقون، و عليك متوكلون، و إليك ألجأنا ظهورنا ثم نزل. و كان عبد اللََّه بن حنظلة لا يبيت إلا في المسجد الشريف، و كان لا يزيد على شربة من سويق يفطر عليها إلى مثلها من الغد.

قدوم الجيوش إلى المدينة

قال: و ذكروا أن أهل الشام لما انتهوا إلى المدينة عسكروا بالجرف‏[ (2) ]، و مشوا رجالا من رجالهم، فأحدقوا بالمدينة من كلّ ناحية لا يجدون مدخلا، لأنهم قد خندقوها عليهم، و الناس متلبسون السلاح، قد قاموا على أفواه الخنادق، و قد حرصوا أن لا يتكلم منهم متكلم، و جعل أهل الشام يطوفون بها و الناس يرمونهم بالحجارة و النبل من فوق الآكام و البيوت، حتى خرجوا فيهم و في خيلهم، فقال مسلم لمروان: أين ما قلت لي بوادي القرى؟فخرج مروان حتى جاء بني حارثة، فكلم رجلا منهم، و رغّبه في الضيعة، و قال: افتح لنا طريقا، فأنا أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين، و متضمن لك عنه شطر ما كان بذل لأهل [ (1) ]و قيل إن المدينة قسمت أرباعا و على كل ربع منها قائد. و قيل إن عبد اللََّه بن مطيع كان على قريش من أهل المدينة، و عبد اللََّه بن حنظلة الغسيل على الأنصار، و معقل بن سنان على المهاجرين (انظر الطبري 5/487 ابن الأثير 2/596 الأخبار الطوال ص 265، و ابن الأعثم 5/294) .

[ (2) ]الجرف: موضع قرب المدينة.

234

المدينة من العطاء و تضعيفه، ففتح له طريقا، و رغب فيما بذل له، و تقبل ما تضمن له عن يزيد، فاقتحمت الخيل، فجاء الخبر إلى عبد اللََّه بن حنظلة، فأقبل، و كان من ناحية الطورين، و أقبل عبد اللََّه بن مقطع، و كان من ناحية ذناب، و أقبل ابن أبي ربيعة، فاجتمعوا جميعا بمن معهم، بحيث اقتحم عليهم أهل الشام، فاقتتلوا حتى عاينوا الموت، ثم تفرّقوا.

غلبة أهل الشام على أهل المدينة

قال: و ذكروا أن عبد اللََّه بن أبي سفيان قال: وقعت مع قوم عند مسجد بني عبد الأشهل، منهم عبد اللََّه بن زيد صاحب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و قاتل مسيلمة الكذّاب، و معه عبد اللََّه بن حنظلة، و محمد بن سعد بن أبي وقاص، و إبراهيم بن فارط، و إبراهيم بن نعيم بن النجار، فهم يقاتلون و يقولون للناس: أين الفرار؟و اللََّه لأن يقتل الرجل مقبلا خير له من أن يقتل مدبرا. قال:

فاقتتلوا ساعة، و النساء و الصبيان يصيحون و يبكون على قتلاهم، حتى جاءهم ما لا طاقة لهم به، و جعل مسلم يقول: من جاء برأس رجل فله كذا و كذا، و جعل يغري قوما لا دين لهم، فقتلوا و ظهروا على أكثر المدينة. قال: و كان على بشر بن حنظلة يومئذ درعان، فلما هزم القوم طرحهما. ثم جعل يقاتلهم و هو حاسر حتى قتلوه، ضربه رجل من أهل الشام ضربة بالسيف قطع منكبه، فوقع ميتا. فلما مات ابن حنظلة صار أهل المدينة كالنعم بلا راع، شرود يقتلهم أهل الشام من كل وجه، فأقبل محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، و إن جراحة لتنفث دما، و هو يقاتل و يحمل على الكردوس منهم فيفضّ جماعتهم، و كان فارسا، فحمل عليه أهل الشام حملة واحدة حتى نظموه بالرماح، فمال ميتا.

فلما قتل انهزم من بقي من الناس في كل وجه، و دخل القوم المدينة، فجالت خيولهم فيها يقتلون و ينهبون.

قال: و خرج يومئذ عبد اللََّه بن زيد بن عاصم صاحب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و الخيل تسرع في كلّ وجه قتلا و نهبا. فقيل له: لو علم القوم باسمك و صحبتك لم يهيجوك، فلو أعلمتهم بمكانك؟فقال: و اللََّه لا أقبل لهم أمانا، و لا أبرح حتى أقتل، لا أفلح من ندم، و كان رجلا أبيض طويلا أصلع، فأقبل عليه رجل من أهل الشام، و هو يقول: و اللََّه لا أبرح حتى أضرب صلعته و هو

235

حاسر. فقال عبد اللََّه: شرّ لك خير لي، فضربه بفأس في يده، فرأيت نورا ساطعا في السماء، فسقط ميتا. و كان يومه ذلك صائما، رحمه اللََّه.

قال: فجعل مسلم يطوف على فرس له و معه مروان بن الحكم على القتلى. فمرّ على عبد اللََّه بن حنظلة، و هو مادّ إصبعه السبابة. فقال مروان: أما و اللََّه لئن نصبتها ميتا فطالما نصبتها حيا، داعيا إلى اللََّه. و مرّ على إبراهيم بن نعيم، و يده على فرجه، فقال: أما و اللََّه لئن حفظته في الممات لقد حفظته في الحياة. و مر عليّ محمد بن عمرو بن حزم و هو على وجهه واضعا جبهته بالأرض، فقال‏[ (1) ]: أما و اللََّه لئن كنت على وجهك في الممات لطالما افترشته حيا ساجدا للََّه. فقال مسلم: و اللََّه ما أرى هؤلاء إلا من أهل الجنة. و مرّ على عبد اللََّه بن زيد و بين عينيه أثر السجود، فلما نظر إليه مروان عرفه، و كره أن يعرفه لمسلم فيحزّ رأسه. فقال له مسلم: من هذا؟فقال بعض هذه الموالي و جاوزه، فقال له مسلم: كلا، و بيت اللََّه لقد نكبت عنه لشي‏ء. فقال له مروان: هذا صاحب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم عبد اللََّه بن زيد. فقال: ذاك أخزى ناكث بيعته حزّوا رأسه.

و كان قصر بني حارثة أمانا لمن أراد أهل الشام أن يؤمّنوه، و كان بنو حارثة آمنين ما قتل منهم أحد، و كان كلّ من نادى باسم الأمان إلى أحد من قبيلة بني حارثة أمنوه رجلا كان أو امرأة ثم ذبوا عنه حتى يبلغوه قصر بني حارثة، فأجير يومئذ رجال كثير و نساء كثيرة، فلم يزالوا في قصر بني حارثة حتى انقضت الثلاث.

قال: و أوّل دور انتهبت و الحرب قائمة دور بني عبد الأشهل، فما تركوا في المنازل من أثاث و لا حليّ و لا فراش إلا نقض صوفه، حتى الحمام و الدجاج كانوا يذبحونها، فدخلوا دار محمد بن مسلمة، فصاح النساء، فأقبل زيد بن محمد بن مسلمة إلى الصوت، فوجد عشرة ينهبون، فقاتلهم و معه رجلان من أهله حتى قتل الشاميون جميعا، و خلّصوا منهم ما أخذوه، فألقوا متاعهم في بئر لا ماء فيها، و أبقى عليها التراب، ثم أقبل نفر من أهل الشام، فقاتلوهم أيضا، [ (1) ]مر عليه مروان بن الحكم و كأنه برطيل من فضة فقال: رحمك اللََّه!فرب سارية قد رأيتك تطيل القيام في الصلاة إلى جنبها (الطبري) .

236

حتى قتل زيد بن محمد أربعة عشر رجلا، فضربه بالسيف منهم أربعة في وجهه. و لزم أبو سعيد الخدريّ بيته‏[ (1) ]، فدخل عليه نفر من أهل الشام، فقالوا:

أيها الشيخ، من أنت؟فقال: أنا أبو سعيد الخدريّ صاحب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، فقالوا ما زلنا نسمع عنك، فبحظك أخذت في تركك قتالنا، و كفك عنا، و لزوم بيتك، و لكن أخرج إلينا ما عندك. قال: و اللََّه ما عندي مال، فنتفوا لحيته، و ضربوه ضربات، ثم أخذوا كلّ ما وجدوه في بيته حتى الصواع‏[ (2) ] و حتى زوج حمام كان له.

و كان جابر بن عبد اللََّه يومئذ قد ذهب بصره، فجعل يمشي في بعض أزقة المدينة، و هو يقول: تعس من أخاف اللََّه و رسوله. فقال له رجل: و من أخاف اللََّه و رسوله؟

فقال: سمعت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم يقول: من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ‏

[ (3) ]، فحمل عليه رجل بالسيف ليقتله، فترامى عليه مروان فأجاره، و أمر أن يدخله منزله، و يغلق عليه بابه، و كان سعيد بن المسيب رحمه اللََّه لم يبرح من المسجد، و لم يكن يخرج إلا من الليل إلى الليل، و كان يسمع إذا جاء وقت الأذان أذانا يخرج من قبل القبر الشريف، حتى آمن الناس، فكان سعيد يقول: ما رأيت خيرا من الجماعة[ (4) ]، ثم أمر مسلم بالأسارى، فغلوا بالحديد، ثم دعا إلى بيعة يزيد، فكان أوّل من بايع مروان بن الحكم، ثم أكابر بني أمية، حتى أتى على آخرهم. ثم دعا بني أسد، و كان عليهم حنقا، فقال: أ تبايعون لعبد اللََّه يزيد ابن أمير المؤمنين و لمن استخلف عليكم بعده، على أن أموالكم و دماءكم و أنفسكم خول له، يقضي فيها ما شاء؟ قال يزيد بن عبد اللََّه بن زمعة: إنما نحن نفر من المسلمين لنا ما لهم و علينا ما [ (1) ]و في رواية الطبري و ابن الأثير أنه خرج من منزله و دخل كهفا في الجبل. فلحقه رجل من أهل الشام، و لما عرفه انصرف عنه.

[ (2) ]الصواع: الكوز الّذي يشرب به.

[ (3) ]في رواية ابن كثير 8/244 «فقد أخاف ما بين هذين-و وضع يده على جبينه» قال الدار الدّارقطنيّ:

تفرد به سعد بن عبد العزيز لفظا و إسنادا.

قال ابن كثير: و قد استدل بهذا الحديث و أمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية... و قد انتصر لذلك أبو الفرج ابن الجوزي في مصنف مفرد و جوز لعنته.

[ (4) ]قال ابن كثير عن المدائني: و جي‏ء إلى مسلم بسعيد بن المسيب فقال له: بايع!فقال: أبايع على سيرة أبي بكر و عمر، فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل أنه مجنون فخلى سبيله.

237

عليهم. فقال مسلم: و اللََّه لا أقيلك، و لا تشرب البارد بعدها أبدا، فأمر به، فضربت عنقه. ثم أتي بمعقل بن سنان، و كان معقل حاملا لواء قومه يوم الفتح مع رسول اللََّه، فلما دخل عليه قال له: أعطشت يا معقل؟قال: نعم أصلح اللََّه الأمير، قال: حيسوا له شربة[ (1) ]من سويق اللوز الّذي زوّدنا به أمير المؤمنين، فلما شربها قال له: رويت؟قال: نعم. فقال مسلم: أما و اللََّه لا تبولها من مثانتك أبدا، فقدم، فضربت عنقه، ثم قال: ما كنت لأدعك بعد كلام سمعته منك تطعن به على إمامك، و كان معقل قد طعن بعض الطعن على يزيد قبل ذلك، فيما بينه و بين مسلم، على الاستراحة بذلك‏[ (2) ]، ثم أمر بمحمد بن أبي الجهم و جماعة من وجوه قريش و الأنصار، و خيار الناس و الصحابة و التابعين، ثم أتي بعبد اللََّه بن الحارث مغلولا. فقال مسلم: أنت القائل: اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية، لا تروا شرا أبدا؟قال: قد قلتها، و لكن لا يسمع من أسير أمر، أرسل يديّ، و قد برئت مني الذمة، إنما نزلت بعهد اللََّه و ميثاقه، و ايم اللََّه لو أطاعوني و قبلوا مني ما أشرت به عليهم ما تحكمت فيهم أنت أبدا. فقال له مسلم: و اللََّه لأقدمنك إلى نار تلظى، ثم أمر به فضربت عنقه. فقال مروان: قد و اللََّه سقيتني من دماء هؤلاء القوم، إلاّ ما كان من قريش، فإنك أثخنتها و أفنيتها.

فقال مسلم: و اللََّه لا أعلم عند أحد غشا لأمير المؤمنين إلا سألت اللََّه أن يسقيني دمه. فقال: إن عند أمير المؤمنين عفوا لهم، و حلما عنهم ليس عندك. و جعل مروان يعتذر إلى قريش، و يقول: و اللََّه لقد ساءني قتل من قتل منكم. فقالت له قريش: أنت و اللََّه الّذي قتلتنا، ما عذرك اللََّه و لا الناس، لقد خرجت من عندنا، و حلفت لنا عند منبر رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم لتردّنهم عنا، فإن لم تستطع لتمضينّ و لا ترجع معهم، فرجعت، و دللت على العورة، و أعنت على الهلكة، فاللََّه لك بالجزاء. قال: فبلغ عدّة قتلى الحرّة يومئذ من قريش و الأنصار و المهاجرين و وجوه الناس، ألفا و سبع مائة[ (3) ]، و سائرهم من الناس عشرة آلاف، [ (1) ]في الطبري و ابن الأثير: العسل.

[ (2) ]و كان ذلك بطبرية، و قد ذكر الخبر في الأخبار الطوال ص 266 و ابن الأعثم 5/297 و الطبري 5/492 و ابن الأثير 2/599 و في قتل معقل قال بعضهم:

يقتل سكان المدينة عنوة # و قد أصبحوا صرعى بكل مكان

أصبحت الأنصار تبكي سراتها # و أشجع تبكي معقل بن سنان‏

[ (3) ]في عدد من قتل في المدينة أقوال: قال خليفة في تاريخه ص 250: فجميع من أصيب من

238

سوى النساء و الصبيان.

قال أبو معشر: دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار و معها صبيّ لها، فقال لها: هل من مال؟قالت: لا و اللََّه ما تركوا لي شيئا. فقال: و اللََّه لتخرجنّ إليّ شيئا أو لأقتلنك و صبيك هذا. فقالت له: ويحك إنه ولد ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و لقد بايعت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم معه يوم بيعة الشجرة، على أن لا أزني، و لا أسرق، و لا أقتل ولدي، و لا آتي ببهتان أفتريه، فما أتيت شيئا فاتق اللََّه. ثم قالت لابنها: يا بني، و اللََّه لو كان عندي شي‏ء لافتديتك به. قال: فأخذ برجل الصبي، و الثدي في فمه، فجذبه من حجرها، فضرب به الحائط فانتثر دماغه في الأرض، قال: فلم يخرج من البيت حتى اسودّ نصف وجهه، و صار مثلا.

قال أبو معشر: قال لي رجل‏[ (1) ]: بينا أنا في بعض أسواق الشام، إذا برجل ضخم، فقال لي: ممن أنت؟قلت: رجل من أهل المدينة، قال: من أهل الخبيثة؟قال: فقلت له: سبحان اللََّه، رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم سماها طيبة و سميتها خبيثة!قال: فبكى، فقلت له: ما يبكيك، قال: العجب و اللََّه، كنت أغزو الصائفة كل عام زمن معاوية، فأتيت في المنام فقيل لي: إنك تغزو المدينة، و تقتل فيها رجلا يقال له: محمد بن عمرو بن حزم، و تكون بقتله من أهل النار. قال: فقلت: ما هذا من شأن المدينة، و لا يقع في نفس مدينة الرسول. قال: فقلت: لعلها بعض مدائن الروم، فكنت أغزو و لا أسلّ فيها سيفا، حتى مات معاوية، و ولي يزيد، فضرب قرعة بعث المدينة، فأصابتني القرعة. قال: فقلت: هي هذه و اللََّه، فأردت أن يأخذوا مني بديلا، فأبوا، فقلت في نفسي: أما إذا أبوا، فإنّي لا أسلّ فيها سيفا، قال: فحضرت الحرّة، فخرج [ () ]الأنصار مائة رجل و ثلاثة و سبعون رجلا، و جميع من أصيب من قريش و الأنصار ثلاثمائة رجل و ستة رجال.

و قد ذكر خليفة ص 240 و ما بعدها أسماء من قتل يوم الحرة. و انظر ما ذكر في عدد من قتل: ابن الأثير 2/600 سير أعلام النبلاء للذهبي 3/220 العقد الفريد 4/390 مروج الذهب 3/85 النجوم الزاهرة 1/161 و ابن الأعثم 5/295.

[ (1) ]اسمه محمد بن عمارة (ابن الأثير 2/600) .

239

أصحابي يقاتلون، و جلست في فسطاطي، فلما فرغوا من القتال، جاءنا أصحابنا، فقالوا: دخلنا و فرغنا من الناس، فقال بعض أصحابي لبعض: تعالوا حتى ننظر إلى القتلى، فتقلدت سيفي و خرجت، فجعلنا ننظر إلى القتلى و نقول: هذا فلان، و ذا فلان، فإذا رجل في بعض تلك الدارات في يده سيف، و قد أزبد شدقاه، و حوله صرعى من أهل الشام، فلما أبصرني قال: يا كلب احقن عني دمك. قال: فنسيت و اللََّه كل شي‏ء، فحملت عليه، فقاتلته فقتلته، فسطع نور بين عينيه و سقط في يدي، قلت: من هذا؟فقيل لي: هذا محمد بن عمرو بن حزم، فجعلت أدور مع أصحابي، فيقولون: هذا فلان، و هذا فلان.

فمرّ إنسان لا يعرف، فقال: من قتل هذا، ويحكم، يريد محمد بن عمرو بن حزم!قتله اللََّه، و اللََّه لا يرى الجنة بعينه أبدا[ (1) ].

عدة من قتل من أصحاب النبي صلى اللََّه عليه و سلم و غيرهم‏

قال: و ذكروا أنه قتل يوم الحرّة من أصحاب النبيّ صلى اللََّه عليه و سلم ثمانون رجلا، و لم يبق بدريّ بعد ذلك، و من قريش و الأنصار سبع مائة، و من سائر الناس من الموالي و العرب و التابعين عشرة آلاف‏[ (2) ]، و كانت الوقعة في ذي الحجة لثلاث‏[ (3) ]بقين منها سنة ثلاث و ستين. قالوا: و كان الناس يعجبون من ذلك أن ابن الزبير لم يصلوا إليه إلا بعد ستة أشهر، و لم يكن مع ابن الزبير، إلا نفر قليل، و كان بالمدينة أكثر من عشرة آلاف رجل، و اللََّه ما استطاعوا أن يناهضوهم يوما إلى الليل.

كتاب مسلم بن عقبة إلى يزيد

قال: و ذكروا أن مسلما لما فرغ من قتال أهل المدينة و نهبها، كتاب إلى يزيد بن معاوية بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، لعبد اللََّه يزيد بن معاوية أمير المؤمنين من مسلم بن عقبة، سلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللََّه، فإنّي أحمد اللََّه [ (1) ]زيد عند ابن الأثير: فأتيت أهله فعرضت عليهم أن يقتلوني فلم يفعلوا و عرضت عليهم الدية فلم يأخذوا.

[ (2) ]تقدمت الإشارة إلى ذلك (انظر صفحة 237 حاشية رقم 3) .

[ (3) ]عند ابن الأثير و الطبري: لليلتين بقيتا. ـ

240

إليك الّذي لا إله إلا هو، أما بعد: تولى اللََّه حفظ أمير المؤمنين و الكفاية له، فإنّي أخبر أمير المؤمنين أبقاه اللََّه، أني خرجت من دمشق و نحن على التعبئة التي رأى أمير المؤمنين يوم فارقنا بالعافية، فلقينا أهل بيت أمير المؤمنين بوادي القرى، فرجع معنا مروان بن الحكم، و كان لنا عونا على عدوّنا، و إنا انتهينا إلى المدينة فإذا أهلها قد خندقوا عليها الخنادق، و أقاموا على أنقابها الرجال بالسلاح و أدخلوا ماشيتهم، و ما يحتاجون لحصارهم سنة فيما كانوا يقولون، و إنا أعذرنا إليهم، و أخبرناهم بعهد أمير المؤمنين، و ما بذل لهم، فأبوا، ففرقت أصحابي على أفواه الخنادق، فوليت الحصين بن نمير، ناحية ذناب و ما والاها، و على الموالي وجهت حبيش بن دلجة[ (1) ]إلى ناحية بني سلمة، و وجهت عبد اللََّه بن مسعدة إلى ناحية بقيع الغرقد[ (2) ]، و كنت و من معي من قواد أمير المؤمنين و رجاله في وجوه بني حارثة، فأدخلنا الخيل عليهم حين ارتفع النهار، من ناحية عبد الأشهل بطريق فتحه لنا رجل منهم بما دعاه إليه مروان بن الحكم إلى صنيع أمير المؤمنين، و ما تضمن له عنه من قرب المكان، و جزيل العطاء، و إيجاب الحق، و قضاء الذمام، و قد بعثت به إلى أمير المؤمنين، و أرجو من اللََّه عز و جل، أن يلهم خليفته و عبده عرفان ما أولى من الصنع و أسدى من الفضل، و كان أكرم اللََّه أمير المؤمنين من محمود مقام مروان بن الحكم، و جميل مشهده، و سديد بأسه، و عظيم نكايته لعدو أمير المؤمنين، ما لا إخال ذلك ضائعا عند إمام المسلمين و خليفة رب العالمين إن شاء اللََّه، و سلم اللََّه رجال أمير المؤمنين، فلم يصب منهم أحد بمكروه، و لم يقم لهم عدوهم من ساعات نهارهم أربع ساعات، فما صليت الظهر-أصلح اللََّه أمير المؤمنين-إلا في مسجدهم، بعد القتل الذريع، و الانتهاب العظيم، و أوقعنا بهم السيوف و قتلنا من أشرف لنا منهم، و أتبعنا مدبرهم و أجهزنا على جريحهم، و انتهبناهم ثلاثا كما قال أمير المؤمنين، أعز اللََّه نصره، و جعلت دور بني الشهيد المظلوم عثمان بن عفان، في حرز و أمان، فالحمد للََّه الّذي شفى صدري من قتل أهل الخلاف القديم، و النفاق العظيم، فطالما عتوا، و قديما ما طغوا.

و كتبت إلى أمير المؤمنين، و أنا في منزل سعيد بن العاص مدنفا مريضا، [ (1) ]بالأصول: «دجلة» تحريف.

[ (2) ]بقيع الغرقد: مقبرة المدينة.

241

ما أراني إلا لما بي، فما كنت أبالي، متى مت بعد يومي هذا، و كتب لهلال المحرم سنة ثلاث و ستين. فلما جاءه الكتاب، أرسل إلى عبد اللََّه بن جعفر و إلى ابنه معاوية بن يزيد، فأقرأهما الكتاب، فاسترجع عبد اللََّه بن جعفر و أكثر، و بكى معاوية بن يزيد، حتى كادت نفسه تخرج، و طال بكاؤه، فقال يزيد لعبد اللََّه بن جعفر: أ لم أجبك إلى ما طلبت، و أسعفتك فيما سألت، فبذلت لهم العطاء و أجزلت لهم الإحسان، و أعطيت العهود و المواثيق على ذلك؟فقال عبد اللََّه بن جعفر: فمن هنالك استرجعت، و تأسفت عليهم، إذ اختاروا البلاء على العافية، و الفاقة على النعمة، و رضوا بالحرمان دون العطاء، ثم قال يزيد لابنه معاوية:

فما بكاؤك أنت يا بنيّ؟قال: أبكي على قتل من قتل من قريش، و إنما قتلنا بهم أنفسنا. فقال يزيد: هو ذاك، قتلت بهم نفسي و شفيتها قال: و سأل مسلم بن عقبة قبل أن يرتحل عن المدينة عن عليّ بن الحسين، أ حاضر هو؟فقيل له:

نعم. فأتاه عليّ بن الحسين، و معه ابناه، فرحب بهما، و سهل و قربهم، و قال:

إن أمير المؤمنين أوصاني بك.

فقال عليّ بن الحسين: وصل اللََّه أمير المؤمنين و أحسن جزاؤه‏

ثم انصرف عنه. و لم يكن أحد نصب للحرب من بني هاشم، و لزموا بيوتهم، فسلموا، إلا ثلاثة منهم تعرّضوا للقتال، فأصيبوا[ (1) ].

موت مسلم بن عقبة و نبشه‏

قال: و ذكروا أن مسلم بن عقبة ارتحل عن المدينة، و هو يجود بنفسه‏[ (2) ]، يريد ابن الزبير بمكة، فنزل في بعض الطريق، فدعا الحصين بن نمير فقال له: يا برذعة الحمار، إنه كان من عهد أمير المؤمنين إن حدث بي حدث الموت أن أعهد إليك، فاسمع، فإنّي بك عالم، لا تمكّن قريشا من أذنك إذا قدمت مكة فتبول (أي قريش فيها) ، فإنما هو الوفاق‏[ (3) ]، ثم النفاق ثم الانصراف ثم مات [ (1) ]ذكر المسعودي في مروج الذهب 3/85 أن اثنين من آل أبي طالب قتلا: عبد اللََّه بن جعفر بن أبي طالب، و جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب، و من بني هاشم غيرهما: الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب و حمزة بن عبد اللََّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، و العباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب.

[ (2) ]و كانت علته الذبحة (الأخبار الطوال ص 267) .

[ (3) ]في العقد الفريد 4/391: الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف. الوقاف يعني الوقوف في حرب أو خصومة. و الثقاف: الجلاد.

242

فدفن في ثنية المشلل‏[ (1) ]، فلما تفرق القوم عنه، أتته أم ولد ليزيد بن عبد اللََّه بن زمعة، و كانت من وراء العسكر تترقب موته، فنبشت عنه، فلما انتهت إلى لحده، وجدت أسود من الأساود منطويا في رقبته، فاتحا فاه، فتهيبته. ثم لم تزل به حتى تنحى لها عنه فصلبته على المشلل. قال الضحاك: فحدثني من رآه مصلوبا يرمى كما يرمى قبر أبي رغال‏[ (2) ].

فضائل قتلى أهل الحرة رحمهم اللََّه تعالى‏

قال: و ذكروا

أن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم خرج في سفر من أسفاره فلما مرّ بحرّة بني زهرة، وقف فاسترجع.. فقالوا: ما هو يا رسول اللََّه؟ قال: يقتل في هذه الحرّة خيار أمتي بعد أصحابي‏

[ (3) ]. قال: و ذكروا أن عبد اللََّه بن سلام وقف بالحرّة زمان معاوية بن أبي سفيان، فقال: أجد في كتاب يهود الّذي لم يبدّل و لم يغير، أنه يكون هاهنا مقتلة قوم يحشرون يوم القيامة واضعي سيوفهم على رقابهم، حتى يأتوا الرحمن تبارك و تعالى، فيقفون بين يديه، فيقولون: قتلنا فيك. قال: و ذكروا عن داود بن الحصين قال: عندنا قبور قوم من قتلى الحرّة، فقلّ ما حرّكت إلا فاح منها ريح المسك. و قال بعضهم: عن عبد اللََّه بن أبي سفيان عن أبيه قال: رأيت عبد اللََّه بن حنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤة، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أ قتلت؟قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم؟قال: هم معي، و حول لوائي هذا الّذي ترى لم تحلّ عقدته بعد. و قال ابن سيرين رحمه اللََّه تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي اللََّه عنه في النوم، فقلت له: أ لست قد استشهدت؟قال: ليس في الإسلام شهادة، و لكنها الندباء. و قال [ (1) ]ثنية المشلل: جبل بالمدينة. و قيل مات بالأبواء.. (مما يلي المدينة ثلاثة و عشرون ميلا) و قيل بالقديد (قاله المسعودي) و قيل بثنية هرشى.

[ (2) ]أبو رغال: بكسر الراء قيل هو رجل من ثمود كان يقيم بالحرم يدافع عنه فلما خرج أصابته النقمة، و قيل كان دليلا للأحابيش لما توجهوا إلى مكة، و قيل كان عشارا جائرا. رجم قبره لكراهة الناس له.

[ (3) ]رواه البيهقي في الدلائل 6/473 من طريق أيوب بن بشير المعافري رفعه قال البيهقي: «هذا مرسل. و قد روي عن ابن عباس في تأويل آية من كتاب اللََّه عز و جل ما يؤكده» و نقله ابن كثير في البداية و النهاية عن الفسوي 6/233 و هو في تاريخ الفسوي 3/327.

243

الأعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ‏[ (1) ]من الثياب قبل الحرّة، فلما قتل الناس بالحرّة استحبوا أن يلبسوها و قالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرّة سنة لا يهدءون. و قال عبد اللََّه بن أبي بكر كان أهل المدينة أعزّ الناس و أهيبهم، حتى كانت الحرّة، فاجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهريّ: بلغ القتلى يوم الحرّة من قريش و الأنصار، و مهاجرة العرب و وجوه الناس سبع مائة، و سائر الناس عشرة آلاف‏[ (2) ]. من أخلاط الناس و الموالي و العبيد، قال و أصيب نساء و صبيان و كان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث و ستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرّم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، و قتل بها من أصحاب النبيّ صلى اللََّه عليه و سلم ثمانون رجلا، و لم يبق بعد ذلك بدريّ.

و قالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبد اللََّه بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرّة؟قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، و صنع بني حارثة الّذي صنعوا من إدخالهم علينا و ولىّ الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر[ (3) ].

و علمت أنه لا يضرّ عدويّ مشهدي و لا ينفع وليّي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، و كنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، و لم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، و كان معنا يوم الحرّة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل.

تمّ الجزء الأوّل من كتاب الإمامة و السياسة و يليه الجزء الثاني [ (1) ]يريد الثياب المصبوغة بالسواد. و ذلك يرمز إلى الحداد على قتلى أهل الحرة.

[ (2) ]تقدمت الإشارة إلى عدد من قتل، راجع ما لاحظناه قريبا.

[ (3) ]و كان الحارث بن هشام قد فرّ يوم بدر من القتال، و قد هجاه حسان بن ثابت على فراره و مما قاله:

ترك الأحبة أن يقاتل دونهم # و نجا برأس طمرة و لجام

ملأت به الفرجين فارمدت به # و ثوى أحبّته بشر مقام

و بنو أبيه و رهطه في معرك # نصر الإله به ذوي الإسلام‏

فقال الحارث بن هشام يجيب حسان و يعتذر من فراره يوم بدر:

اللََّه أعلم ما تركت قتالهم # حتى حبوا مهري بأشقر مزبد

و عرفت أني إن أقاتل واحدا # أقتل و لا ينكي عدوي مشهدي

فصددت عنهم و الأحبة فيهم # طمعا لهم بعقاب يوم مفسد