شرح ابن عقيل

- عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل المزيد...
686 /
453

ما ثبت لمفعولى علم يثبت للثانى و الثالث من مفاعيل هذه الأفعال‏

و ما لمفعولى علمت مطلقا # للثّان و الثّالث أيضا حقّقا (1)

أى: يثبت للمفعول الثانى و المفعول الثالث من مفاعيل «أعلم، و أرى» ما ثبت لمفعولى «علم، و رأى» : من كونهما مبتدأ و خبرا فى الأصل، و من جواز الإلغاء و التعليق بالنسبة إليهما، و من جواز حذفهما أو حذف أحدهما إذا دلّ على ذلك دليل، و مثال ذلك «أعلمت زيدا عمرا قائما» فالثانى و الثالث من هذه المفاعيل أصلهما المبتدأ و الخبر-و هما «عمرو قائم» -و يجوز إلغاء العامل بالنسبة إليهما، نحو: «عمرو أعلمت زيدا قائم» و منه قولهم: «البركة أعلمنا اللّه مع الأكابر» فـ «نا» : مفعول أول، و «البركة» : مبتدأ، و «مع الأكابر» ظرف فى موضع الخبر، و هما اللذان كانا مفعولين، و الأصل:

«أعلمنا اللّه البركة مع الأكابر» ، و يجوز التعليق عنهما؛ فتقول: «أعلمت زيدا لعمرو قائم» و مثال حذفهما للدلالة أن يقال: هل أعلمت أحدا عمرا قائما؟ فتقول: أعلمت زيدا، و مثال حذف أحدهما للدلالة أن تقول فى هذه الصورة:

«أعلمت زيدا عمرا» أى: قائما، أو «أعلمت زيدا قائما» أى: عمرا قائما.

***

و إن تعدّيا لواحد بلا # همز فلاثنين به توصّلا (2)

____________

(1) «و ما» اسم موصول مبتدأ «لمفعولى» جار و مجرور متعلق بمحذوف صلة ما، و مفعولى مضاف و «علمت» قصد لفظه: مضاف إليه «مطلقا» حال من الضمير المستتر فى الصلة «للثان» جار و مجرور متعلق بحقق الآتى «و الثالث» معطوف على الثانى «أيضا» مفعول مطلق لفعل محذوف «حققا» حقق: فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة الواقعة مبتدأ، و الجملة من حقق و نائب فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ.

(2) «و إن» شرطية «تعديا» فعل ماض فعل الشرط، و ألف الاثنين فاعل، -

454

ما يتعدى لواحد من الأفعال يتعدى لاثنين بالهمزة، و يثبت لثانيهما ما يثبت للمفعول الثانى من مفعولى «كسا»

و الثّان منهما كثانى اثنى كسا # فهو به فى كلّ حكم ذو ائتسا (1)

تقدّم أن «رأى، و علم» إذا دخلت عليهما همزة النّقل تعدّيا إلى ثلاثة مفاعيل، و أشار فى هذين البيتين إلى أنه إنما يثبت لهما هذا الحكم إذا كانا قبل الهمزة يتعدّيان إلى مفعولين، و أما إذا كانا قبل الهمزة يتعدّيان إلى واحد- كما إذا كانت «رأى» بمعنى أبصر، نحو «رأى زيد عمرا» و «علم» بمعنى عرف نحو «علم زيد الحقّ» -فإنهما يتعدّيان بعد الهمزة إلى مفعولين، نحو:

«أريت زيدا عمرا» و «أعلمت زيدا الحقّ» و الثانى من هذين المفعولين كالمفعول الثانى من مفعولى «كسا» و «أعطى» نحو «كسوت زيدا جبّة»

____________

ق- «لواحد» جار و مجرور متعلق بقوله تعديا «بلا همز» الباء حرف جر، و لا:

اسم بمعنى غير مجرور محلا بالباء، و قد ظهر إعرابه على ما بعده على طريق العارية، و الجار و المجرور متعلق بتعديا أيضا، و لا مضاف و «همز» مضاف إليه «فلاثنين» الفاء واقعة فى جواب الشرط، لاثنين: جار و مجرور متعلق بقوله توصلا الآتى «به» جار و مجرور متعلق بتوصلا أيضا «توصلا» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الألف مبدلة من نون التوكيد الخفيفة، و يجوز أن يكون توصلا فعلا ماضيا مبنيا للمعلوم، و الألف ضمير الاثنين عائد إلى رأى و علم و هو فاعل توصل.

(1) «و الثان» مبتدأ «منهما» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه الضمير المستكن فى الخبر الآتى «كثانى» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ثانى مضاف و «اثنى» مضاف إليه، و اثنى مضاف، و «كسا» قصد لفظه: مضاف إليه «فهو» مبتدأ «به» جار و مجرور متعلق بائتسا الآتى «فى كل» جار و مجرور متعلق بائتسا أيضا، و كل مضاف و «حكم» مضاف إليه «ذو» خبر المبتدأ، و ذو مضاف، و «ائتسا» مضاف إليه، و أصله ممدود فقصره للضرورة، و الائتساء أصله بمعنى الاقتداء، و المراد به هنا أنه مثله فى كل حكم.

455

و «أعطيت زيدا درهما» : فى كونه لا يصحّ الإخبار به عن الأول؛ فلا تقول [زيد الحقّ، كما لا تقول‏] «زيد درهم» ، و فى كونه يجوز حذفه مع الأول، و حذف الثانى و إبقاء الأول، و حذف الأول و إبقاء الثانى، و إن لم يدل على ذلك دليل؛ فمثال حذفهما «أعلمت، و أعطيت» ، و منه قوله تعالى: (فَأَمََّا مَنْ أَعْطى‏ََ وَ اِتَّقى‏ََ) و مثال حذف الثانى و إبقاء الأول «أعلمت زيدا، و أعطيت زيدا» و منه قوله تعالى: (وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ََ) و مثال حذف الأول و إبقاء الثانى نحو: «أعلمت الحقّ، و أعطيت درهما» و منه قوله تعالى:

(حَتََّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صََاغِرُونَ) و هذا معنى قوله: «و الثانى منهما-إلى آخر البيت‏ (1) » .

***

تتمة أفعال هذا الباب و الاستشهاد لها

و كأرى السّابق نبّا أخبرا # حدّث، أنبأ، كذاك خبّرا (2)

____________

(1) عبارة الناظم-و هى قوله «فهو به فى كل حكم ذو ائتسا» -عامة، و لم يتعرض الشارح-رحمه اللّه!-فى كلامه إلى نقد هذا العموم كعادته؛ فهذا العموم يعطى أن رأى البصرية و علم العرفانية إذا اتصلت بهما همزة النقل فصارا يتعديان إلى مفعولين، فشأن مفعولهما الثانى كشأن المفعول الثانى من مفعولى كسا، و من شأن المفعول الثانى من مفعولى كسا أنه لا يعلق عنه العامل، و لكن المفعول الثانى من مفعولى رأى البصرية و علم العرفانية يعلق عنه العامل؛ و من التعليق عنه قوله تعالى:

(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ) فأرنى هنا بصرية، لأن إبراهيم عليه السّلام كان يطلب مشاهدة كيفية إحياء اللّه تعالى الموتى. و مفعولها الأول ياء المتكلم، و مفعولها الثانى جملة (كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ) و قد علق العامل عنها باسم الاستفهام، و من التعليق قوله تعالى:

(أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحََابِ اَلْفِيلِ؟) .

(2) «و كأرى» الواو عاطفة، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «السابق» نعت لأرى «نبأ» قصد لفظه: مبتدأ مؤخر «أخبرا، حدث، أنبأ» -

456

تقدّم أن المصنف عدّ الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل سبعة، و سبق ذكر «أعلم، و أرى» و ذكر فى هذا البيت الخمسة الباقية، و هى: «نبّأ» كقولك:

«نبّأت زيدا عمرا قائما» و منه قوله:

____________

137

-

نبّئت زرعة-و السّفاهة كاسمها- # يهدى إلىّ غرائب الأشعار

____________

ق-معطوفات على نبأ بحرف عطف مقدر «كذاك» الكاف حرف جر، و ذا: اسم إشارة مبنى على السكون فى محل جر بالكاف، و الكاف بعده حرف خطاب، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «خبرا» قصد لفظه: مبتدأ مؤخر.

(137) -هذا البيت للنابغة الذبيانى، من كلمة له يهجو فيها زرعة بن عمرو بن حويلد، و كان قد لقيه فى سوق عكاظ، فأشار زرعة على النابغة الذبيانى بأن يحمل قومه على معاداة بنى أسد و ترك محالفتهم، فأبى النابغة ذلك؛ لما فيه من الغدر، فتركه زرعة و مضى، ثم بلغ النابغة أن زرعة يتوعده، فقال أبياتا يهجوه فيها، و هذا البيت الشاهد أولها.

اللغة: «نبئت» أخبرت، و النبأ كالخبر وزنا و معنى، و يقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن و خطر من الأخبار «و السفاهة كاسمها» السفاهة: الطيش و خفة الأحلام، و أراد أن السفاهة فى معناها قبيحة كما أن اسمها قبيح «غرائب الأشعار» الغرائب: جمع غريبة، و أراد بها ما لا يعهد مثله، و يروى مكانه «أوابد الأشعار» و الأوابد: جمع آبدة، و أصلها إسم فاعل من «أبدت الوحوش» إذا نفرت و لم تأنس.

الإعراب: «نبئت» نبى‏ء: فعل ماض مبنى للمجهول، و التاء التى للمتكلم نائب فاعل، و هو المفعول الأول «زرعة» مفعول ثان «و السفاهة كاسمها» الواو واو الحال، و ما بعده جملة من مبتدأ و خبر فى محل نصب حال «يهدى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى زرعة، و الجملة من يهدى و فاعله فى محل نصب مفعول ثالث لنبى‏ء «إلى» جار و مجرور متعلق بيهدى «غرائب» مفعول به ليهدى، و غرائب مضاف و «الأشعار» مضاف إليه. -

457

و «أخبر» كقولك: «أخبرت زيدا أخاك منطلقا» و منه قوله:

____________

138

-

و ما عليك-إذا أخبرتنى دنفا # و غاب بعلك يوما-أن تعودينى؟!

____________

ق-الشاهد فيه: قوله «نبئت زرعة... يهدى» حيث أعمل «نبأ» فى مفاعيل ثلاثة، أحدها النائب عن الفاعل و هو التاء، و الثانى «زرعة» و الثالث جملة يهدى مع فاعله و مفعوله.

(138) -هذا البيت لرجل من بنى كلاب، و هو من مختار أبى تمام فى ديوان الحماسة، و لكن رواية الحماسة هكذا:

و ما عليك إذا خبّرتنى دنفا # رهن المنيّة يوما أن تعودينا

أو تجعلى نطفة فى القعب باردة # و تغمسى فاك فيها ثمّ تسقينا

و انظر شرح التبريزى على الحماسة 3-353 بتحقيقنا.

اللغة: «دنفا» بزنة كتف-هو الذى لازمه مرض العشق، و هو وصف من الدنف-بفتح الدال و النون جميعا-و هو المرض الملازم الذى ينهك القوى «و غاب بعلك» بعل المرأة: زوجها، و قد رأيت أن رواية الحماسة فى مكان هذه العبارة «رهن المنية» و المنية: الموت، و فلان رهن كذا: أى مقيد به، يريد أنه فى حال من المرض الشديد تجعله فى سياق الموت، و قوله «أن تعودينى» العيادة: زيارة المريض خاصة، و لا تقال فى زيارة غيره.

الإعراب: «و ما» اسم استفهام مبتدأ «عليك» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ «إذا» ظرف تضمن معنى الشرط «أخبرتنى» أخبر: فعل ماض مبنى للمجهول، و التاء نائب فاعل، و هو المفعول الأول، و النون للوقاية، و ياء المتكلم مفعول ثان لأخبر «دنفا» مفعول ثالث، و الجملة من الفعل و فاعله و مفعولاته الثلاث فى محل جر بإضافة إذا إليها «و غاب بعلك» الواو واو الحال، و ما بعده جملة من فعل و فاعل فى محل نصب حال، و هى-عند أبى العباس المبرد-على تقدير «قد» أى: و قد غاب بعلك، و يجوز أن تكون الواو للعطف، و الجملة فى محل جر بالعطف على جملة «أخبرتنى دنفا» المجرورة محلا بإضافة إذا إليها «أن تعودينى» فى تأويل-

458

و «حدّث» كقولك «حدّثت زيدا بكرا مقيما» و منه قوله:

____________

139

-

أو منعتم ما تسألون، فمن حدّ # ثتموه له علينا الولاء؟

____________

ق-مصدر مجرور بفى محذوفة، و التقدير: فى عيادتى، و حذف حرف الجر ههنا قياس، و الجار و المجرور متعلق بخبر.

الشاهد فيه: قوله «أخبرتنى دنفا» حيث أعمل «أخبر» فى ثلاثة مفاعيل:

أحدها نائب الفاعل و هو تاء المخاطبة، و الثانى ياء المتكلم، و الثالث قوله «دنفا» .

(139) -البيت للحارث بن حلزة اليشكرى، من معلقته المشهورة التى مطلعها:

آذنتنا ببينها أسماء # ربّ ثاو يملّ منه الثّواء

اللغة: «منعتم ما تسألون» معناه: إن منعتم عنا ما نسألكم أن تعطوه من النصفة و الإخاء و المساواة فلأى شى‏ء كان ذلك منكم مع ما تعلمون من عزنا و منعتنا؟ «فمن حدثتموه له علينا الولاء» يقول: من الذى بلغكم عنه أنه قد صارت له علينا الغلبة فى سالف الدهر، و أنتم تمنون أنفسكم بأن تكونوا مثله؟و الاستفهام بمعنى النفى، يريد لم يكن لأحد سلطان فى الزمن الغابر علينا، و يروى «له علينا العلاء» بالعين المهملة، من العلو، و هو الرفعة. و يروى «الغلاء» بالغين المعجمة، و هو الارتفاع أيضا.

الإعراب: «منعتم» فعل و فاعل «ما» اسم موصول: مفعول به لمنع «تسألون» جملة من فعل و نائب فاعل لا محل لها صلة الموصول «فمن» اسم استفهام مبتدأ «حدثتموه» حدث: فعل ماض مبنى للمجهول، و تاء المخاطبين نائب فاعل، و هاء الغائب مفعول ثان، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «له، علينا» يتعلقان بمحذوف خبر مقدم «الولاء» مبتدأ مؤخر، و الجملة من هذا المبتدأ و الخبر فى محل نصب مفعول ثالث لحدث.

الشاهد فيه: قوله «حدثتموه... له علينا الولاء» حيث أعمل «حدث» فى ثلاثة مفاعيل: أحدها نائب الفاعل، و هو ضمير المخاطبين، و الثانى هاء الغائب، و الثالث جملة «له علينا الولاء» كما أوضحناه فى الإعراب.

459

و «أنبأ» كقولك: «أنبأت عبد اللّه زيدا مسافرا» و منه قوله:

____________

140

-

و أنبئت قيسا و لم أبله # كما زعموا خير أهل اليمن‏

و «خبّر» كقولك: «خبّرت زيدا عمرا غائبا» و منه قوله:

____________

141

-

و خبّرت سوداء الغميم مريضة # فأقبلت من أهلى بمصر أعودها

____________

(140) -هذا البيت للأعشى ميمون بن قيس، من كلمه يمدح بها قيس بن قيس بن معديكرب، و أولها قوله:

لعمرك ما طول هذا الزّمن # على المرء إلاّ عناء معنّ‏

اللغة: «معن» هو اسم فاعل من عناه-بتشديد النون-إذا أورثه العناء و المشقة «و لم أبله» تقول: بلوته أبلوه، إذا اختبرته، و يروى فى مكانه «و لم آته» و يذكر الرواة أن قيسا حين سمع هذا البيت قال: أو شك؟ثم أمر بحبسه.

الإعراب: «و أنبئت» أنبى‏ء: فعل ماض مبنى للمجهول، و تاء المتكلم نائب فاعل و هو المفعول الأول «قيسا» مفعول ثان «و لم أبله» الواو واو الحال، و ما بعده جملة من فعل مضارع مجزوم بلم، و فاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، و مفعول، فى محل نصب حال «كما» الكاف جارة، و ما: يحتمل أن تكون موصولة مجرورة المحل بالكاف، و أن تكون مصدرية؛ و على الأول فجملة «زعموا» لا محل لها صلة، و على الثانى تكون «ما» و ما دخلت عليه فى تأويل مصدر مجرور بالكاف أى كزعمهم «خير» مفعول ثالث لأنبئت، و خير مضاف و «أهل» مضاف إليه، و أهل مضاف و «اليمن» مضاف إليه مجرور بالكسرة، و سكن لأجل الوقف.

الشاهد فيه: قوله «و أنبئت قيسا... خير أهل اليمن» حيث أعمل أنبأ فى مفاعيل ثلاثة، الأول تاء المتكلم الواقعة نائب فاعل، و الثانى قوله «قيسا» ، و الثالث قوله «خير أهل اليمن» .

(141) -هذا البيت للعوام بن عقبة بن كعب بن زهير، و كان قد عشق امرأة من بنى عبد اللّه بن غطفان، و كلف بها، و كانت هى تجد به أيضا، فخرج إلى مصر فى-

460

____________

ق-ميرة، فبلغه أنها مريضة، فترك ميرته، و كر نحوها راجعا، و هو يقول أبياتا أولها بيت الشاهد، و بعده قوله:

فيا ليت شعرى هل تغيّر بعدنا # ملاحة عينى أمّ يحيى و جيدها؟

و هل أخلقت أثوابها بعد جدّة # ألا حبّذا أخلاقها و جديدها؟

و لم يبق يا سوداء شى‏ء أحبّه # و إن بقيت أعلام أرض و بيدها

(و انظر شرح التبريرى على الحماسة 3/344 بتحقيقنا) .

اللغة: «الغميم» بفتح الغين المعجمة و كسر الميم-اسم موضع فى بلاد الحجاز، و يقال: هو بضم الغين على زنة التصغير، و يروى «و نبئت سوداء الغميم» و يروى أيضا «و نبئت سوداء القلوب» فيجوز أن اسمها سوداء ثم أضافها إلى القلوب كما فعل ابن الدمينة فى قوله:

قفى يا أميم القلب نقض لبانة # و نشك الهوى، ثمّ افعلى ما بدا لك‏

و يجوز أن يكون أراد أنها تحل من القلوب محل السويداء، و يجوز أن يكون قد أراد أنها قاسية القلب، و لكنه جمع لأنه أراد القلب و ما حوله، أو أراد أن لها مع كل محب قلبا. و يروون عجز البيت «فأقبلت من مصر إليها أعودها» .

الإعراب: «خبرت» خبر: فعل ماض مبنى للمجهول، و تاء المتكلم نائب فاعل و هو المفعول الأول «سوداء» مفعول ثان، و سوداء مضاف و «الغميم» مضاف إليه «مريضة» مفعول ثالث لخبر «فأقبلت» فعل و فاعل «من أهلى» الجار و المجرور متعلق بأقبل، و أهل مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه «بمصر» جار و مجرور متعلق بمحذوف صفة أو حال من أهل المضاف لياء المتكلم «أعودها» أعود: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و هاء: مفعول به، و الجملة فى محل نصب حال من التاء فى «أقبلت»

الشاهد فيه: قوله «و خبرت سوداء الغميم مريضة» حيث أعمل «خبر» فى ثلاثة مفاعيل، أحدها تاء المتكلم الواقعة نائب فاعل، و الثانى قوله «سوداء الغميم» ، و الثالث قوله «مريضة» كما اتضح لك فى إعراب البيت.

هذا، و أنت لو تأملت فى جميع هذه الشواهد التى جاء بها الشارح لهذه المسألة-

461

و إنما قال المصنف: «و كأرى السابق» لأنه تقدم فى هذا الباب أن «أرى» تارة تتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل، و تارة تتعدّى إلى اثنين، و كان قد ذكر أولا [أرى‏]المتعدية إلى ثلاثة؛ فنبّه على أن هذه الأفعال الخمسة مثل «أرى» السابقة، و هى المتعدية إلى ثلاثة، لا مثل «أرى» المتأخرة، و هى المتعدية إلى اثنين.

***

____________

ق-لوجدت الأفعال فيها كلها مبنية للمجهول، و قد تعدت إلى مفعولين بعد نائب الفاعل، و بعضها تجد المفعول الثانى و المفعول الثالث فيه مفردين، و بعضها تجد فيه المفعول الثالث جملة كبيت الحارث بن حازة (رقم 139) و شأن ما لم يذكره الشارح من الشواهد كشأن ما ذكره منها، حتى قال شيخ الإسلام زكريا الأنصارى: «و لم يسمع تعديها إلى ثلاثة صريحة» اهـ.

462

الفاعل‏

تعريف الفاعل‏

الفاعل الّذى كمرفوعى «أتى # زيد» «منيرا وجهه» «نعم الفتى» (1)

لما فرغ من الكلام على نواسخ الابتداء شرع فى ذكر ما يطلبه الفعل التامّ من المرفوع-و هو الفاعل، أو نائبه-و سيأتى الكلام على نائبه فى الباب الذى يلى هذا الباب.

فأمّا الفاعل فهو: الاسم، المسند إليه فعل، على طريقة فعل، أو شبهه، و حكمه الرّفع‏ (2) ، و المراد بالاسم: ما يشمل الصريح، نحو: «قام زيد» و المؤوّل

____________

(1) «الفاعل» مبتدأ «الذى» اسم موصول: خبر المبتدأ «كمرفوعى» جار و مجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول «أتى زيد» فعل و فاعل، و مرفوعى مضاف، و جملة الفعل و الفاعل بمتعلقاتها فى محل جر مضاف إليه «منيرا» حال، و هو اسم فاعل «وجهه» وجه: فاعل بمنير، و وجه مضاف و الضمير مضاف إليه «نعم الفتى» فعل و فاعل.

(2) و قد ينصب الفاعل و يرفع المفعول إذا أمن اللبس، و قد ورد عن العرب قولهم خرق الثوب المسمار، و قولهم: كسر الزجاج الحجر. و قال الأخطل:

مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت # نجران أو بلغت سوآتهم هجر

و قال عمر بن أبى ربيعة المخزومى:

ألم تسأل الأطلال و المتربّعا # ببطن حليّات دوارس أربعا

إلى الشّرى من وادى المغمّس بدّلت # معالمه و بلا و نكباء زعزعا

و ربما نصبوا الفاعل و المفعول جميعا، كما قال الراجز:

قد سالم الحيّات منه القدما # الأفعوان و الشّجاع الشّجعما

و ربما رفعوهما جميعا، كما قال الشاعر:

إنّ من صاد عقعقا لمشوم # كيف من صاد عقعقان و بوم‏

-

463

به، نحو: «بعجبنى أن تقوم» أى: قيامك.

فخرج بـ «المسند إليه فعل» ما أسند إليه غيره، نحو: «زيد أخوك» أو جملة، نحو: «زيد قام أبوه» أو «زيد قام» أو ما هو فى قوة الجملة، نحو:

«زيد قائم غلامه» أو «زيد قائم» أى: هو-و خرج بقولنا «على طريقة فعل» ما أسند إليه فعل على طريقة فعل، و هو النائب عن الفاعل، نحو:

«ضرب زيد» .

____________

ق-و سيشير الشارح فى مطلع باب المفعول به إلى هذه المسألة. و نتعرض هناك للكلام عليها مرة أخرى، إن شاء اللّه تعالى.

و المبيح لذلك كله اعتمادهم على انفهام المعنى، و هم لا يجعلون ذلك قياسا، و لا يطردونه فى كلامهم.

و قد يجر لفظ الفاعل بإضافة المصدر، نحو قوله تعالى: (وَ لَوْ لاََ دَفْعُ اَللََّهِ اَلنََّاسَ) * أو بإضافة اسم المصدر، نحو قوله عليه الصلاة و السّلام: «من قبلة الرجل امرأته الوضوء» .

و قد يجر الفاعل بالباء الزائدة. و ذلك واجب فى أفعل الذى على صورة فعل الأمر فى باب التعجب، نحو قوله تعالى. (أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ) و نحو قول الشاعر:

أخلق بذى الصّبر أن يحظى بحاجته # و مدمن القرع للابواب أن يلجا

و هو كثير غالب فى فاعل «كفى» نحو قوله تعالى: (كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً) * و من القليل فى فاعل كفى تجرده من الباء، كما فى قول سحيم الرياحى:

عميرة ودّع إن تجهّزت غازيا # كفى الشّيب و الإسلام للمرء ناهيا

فقد جاء بفاعل «كفى» و هو قوله «الشيب» غير مجرور بالباء.

و يشذ جر الفاعل بالباء فيما عدا أفعل فى التعجب و فاعل كفى، و ذلك نحو قول الشاعر:

أ لم ياتيك و الأنباء تنمى # بما لاقت لبون بنى زياد

فالباء فى «بما» زائدة، و ما: موصول اسمى فاعل يأتى، فى بعض تخريجات هذا البيت.

و قد يجر الفاعل بمن الزائدة إذا كان نكرة بعد نفى أو شبهه، نحو قوله تعالى:

(مََا جََاءَنََا مِنْ بَشِيرٍ) و الفاعل حينئذ مرفوع بضمة مقدرة على الراجح، فاحفظ ذلك كله.

غ

464

و المراد بشبه الفعل المذكور: اسم الفاعل، نحو: «أ قائم الزّيدان» ، و الصفة المشبهة، نحو: «زيد حسن وجهه» و المصدر، نحو: «عجبت من ضرب زيد عمرا» و اسم الفعل، نحو: «هيهات العقيق» و الظرف و الجار و المجرور، نحو: «زيد عندك أبوه» أو «فى الدار غلاماه» و أفعل التفضيل، نحو.

«مررت بالأفضل أبوه» فأبوه: مرفوع بالأفضل، و إلى ما ذكر أشار المصنف بقوله: «كمرفوعى أتى-إلخ» .

و المراد بالمرفوعين ما كان مرفوعا بالفعل أو بما يشبه الفعل، كما تقدم ذكره، و مثّل للمرفوع بالفعل بمثالين: أحدهما ما رفع بفعل متصرف، نحو: «أتى زيد» و الثانى ما رفع بفعل غير متصرف، نحو: «نعم الفتى» و مثل للمرفوع بشبه الفعل بقوله: «منيرا وجهه» .

***

حكم الفاعل التأخر عن فعله‏

و بعد فعل فاعل، فإن ظهر # فهو، و إلاّ فضمير استتر (1)

____________

(1) «و بعد» ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، و بعد مضاف، و «فعل» مضاف إليه «فاعل» مبتدأ مؤخر «فإن» شرطية «ظهر» فعل ماض، فعل الشرط، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فاعل «فهو» الفاء لربط الجواب بالشرط، هو: مبتدأ، و خبره محذوف، و التقدير «فإن ظهر فهو المطلوب» مثلا، و الجملة فى محل جزم جواب الشرط «و إلا» الواو عاطفة، و إن: شرطية، و لا: نافية، و فعل الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، و التقدير: و إلا يظهر «فضمير» الفاء لربط الجواب بالشرط، ضمير: خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: فهو ضمير، و الجملة من المبتدأ و الخبر فى محل جزم جواب الشرط، و جملة «استتر» مع فاعله المستتر فيه فى محل رفع صفة لضمير.

و هذا البيت يشير إلى حكمين من أحكام الفاعل، أولهما أن الفاعل يجب أن يكون بعد الفعل، فلا يجوز عنده تقديم الفاعل، و هذا هو الذى ذكره الشارح-

465

حكم الفاعل التأخّر عن رافعه-و هو الفعل أو شبهه-نحو «قام الزيدان، و زيد قائم غلاماه، و قام زيد» و لا يجوز تقديمه على رافعه؛ فلا تقول: «الزيدان قام» ، و لا «زيد غلاماه قائم» ، و لا «زيد قام» على أن يكون «زيد» فاعلا مقدّما، بل على أن يكون مبتدأ، و الفعل بعده رافع لضمير مستتر، و التقدير «زيد قام هو» و هذا مذهب البصريين، و أما الكوفيون فأجازوا التقديم فى ذلك كله‏ (2) .

____________

ق-بقوله: «حكم الفاعل التأخر عن رافعه-إلخ» و ثانى الحكمين أنه لا يجوز حذف الفاعل، بل إما أن يكون ملفوظا به، و إما أن يكون ضميرا مستترا، و هذا هو الذى ذكره الشارح بقوله: «و أشار بقوله فإن ظهر-إلخ، إلى أن الفعل و شبهه لا بد له من مرفوع» و ليس هذا الحكم مطردا، بل له استثناء سنذكره فيما بعد (اقرأ الهامشة 1 ص 466) .

(2) استدل الكوفيون على جواز تقديم الفاعل على رافعه، بوروده عن العرب فى نحو قول الزباء:

ما للجمال مشيها وئيدا # أجندلا يحملن أم حديدا

فى رواية من روى «مشيها» مرفوعا، قالوا: ما: اسم استفهام مبتدأ، و للجمال:

جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، مشى: فاعل تقدم على عامله-و هو وئيدا الآتى-و مشى مضاف و الضمير العائد إلى الجمال مضاف إليه، و وئيدا: حال من الجمال منصوب بالفتحة الظاهرة، و تقدير الكلام: أى شى‏ء ثابت للجمال حال كونها وئيدا مشيها

و استدل البصريون على أنه لا يجوز تقديم الفاعل على فعله بوجهين، أحدهما:

أن الفعل و فاعله كجزأين لكلمة واحدة متقدم أحدهما على الآخر وضعا، فكما لا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها لا يجوز تقديم الفاعل على فعله، و ثانيهما: أن تقديم الفاعل يوقع فى اللبس بينه و بين المبتدأ، و ذلك أنك إذا قلت «زيد قام «و كان تقديم الفاعل جائزا لم يدر السامع أ أردت الابتداء بزيد و الإخبار عنه بجملة قام و فاعله المستتر، أم أردت إسناد قام المذكور إلى زيد على أنه فاعل، و قام حينئذ خال من الضمير؟و لا-

466

و تظهر فائدة الخلاف فى غير الصورة الأخيرة-و هى صورة الإفراد-نحو «زيد قام» ؛ فتقول على مذهب الكوفيين: «الزيدان قام، و الزيدون قام» و على مذهب البصريين يجب أن تقول: «الزيدان قاما، و الزيدون قاموا» ، فتأتى بألف و واو فى الفعل، و يكونان هما الفاعلين، و هذا معنى قوله:

«و بعد فعل فاعل» .

و أشار بقوله: «فإن ظهر-إلخ» إلى أن الفعل و شبهه لا بدّ له من مرفوع‏ (1) ، فإن ظهر فلا إضمار، نحو «قام زيد» و إن لم يظهر فهو ضمير، نحو «زيد قام» أى: هو.

***

____________

ق-شك أن بين الحالتين فرقا؛ فإن جملة الفعل و فاعله تدل على حدوث القيام بعد أن لم يكن، و جملة المبتدأ و خبره الفعلى تدل على الثبوت و على تأكيد إسناد القيام لزيد، و لا يجوز إغفال هذا الفرق بادعاء أنه مما لا يتعلق به المقصود من إفادة إسناد القيام لزيد على جهة وقوعه منه، و أنه مما يتعلق به غرض أهل البلاغة الذين يبحثون عن معان للتراكيب غير المعانى الأولية التى تدل عليها الألفاظ مع قطع النظر عن التقديم و التأخير و نحوهما.

و أجابوا عما استدل به الكوفيون بأن البيت يحتمل غير ما ذكروا من وجوه الإعراب؛ إذ يجوز أن يكون «مشى، مبتدأ، و الضمير مضاف إليه، و «وئيدا» حال من فاعل فعل محذوف، و التقدير: مشيها يظهر وئيدا، و جملة الفعل المحذوف و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ، و متى كان البيت محتملا لم يصلح دليلا.

(1) بعض الأفعال لا يحتاج إلى فاعل؛ فكان على الشارح أن يستثنيه من هذا العموم، و نحن نذكر لك ثلاثة مواضع من هذه القبيل:

(الأول) الفعل المؤكد فى نحو قول الشاعر:

*أتاك أتاك اللاّحقون احبس احبس*

-

467

إذا كان الفاعل مثنى أو مجموعا تجرد الفعل عند جمهرة العرب من علامة التثنية و الجمع‏

و جرّد الفعل إذا ما أسندا # لاثنين أو جمع كـ «فاز الشّهدا» (1)

و قد يقال: سعدا، و سعدوا، # و الفعل للظّاهر-بعد-مسند (2)

مذهب جمهور العرب أنه إذا أسند الفعل إلى ظاهر-مثنّى، أو مجموع- وجب تجريده من علامة تدل على التثنية أو الجمع، فيكون كحاله إذا أسند إلى مفرد؛ فتقول: «قام الزيدان، و قام الزيدون، و قامت الهندات» ، كما تقول: «قام زيد» و لا تقول على مذهب هؤلاء: «قاما الزيدان» ،

____________

ق (الثانى) «كان» الزائدة فى نحو قول الشاعر، و قد أنشدناه مع نظائره فى باب كان و أخواتها عند الكلام على مواضع زيادتها.

للّه درّ أنو شروان من رجل # ما كان أعرفه بالدّون و السّفل‏

بناء على الراجح عند المحققين من أن كان الزائدة لا فاعل لها.

(الثالث) الفعل المكفوف بما، نحو قلما، و طالما، و كثر ما، بناء على ما ذهب إليه سيبويه.

و من العلماء من يزعم أن «ما» فى نحو «طالما نهيتك» مصدرية سابكة لما بعدها بمصدر هو فاعل طال، و التقدير: طال نهيى إياك.

(1) «و جرد» الواو عاطفة، جرد: فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «الفعل» مفعول به لجرد «إذا» ظرف تضمن معنى الشرط «ما» زائدة «أسندا» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، و الجملة من أسند و نائب فاعله فى محل جر بإضافة «إذا» إليها «لاثنين» جار و مجرور متعلق بأسند «أو جمع» معطوف على اثنين «كفاز الشهدا» الكاف جارة لقول محذوف، و جملة الفعل و الفاعل فى محل نصب بذلك المجرور المحذوف، و أصل الكلام: و ذلك كائن كقولك فاز الشهداء.

(2) «و قد» حرف تقليل «يقال» فعل مضارع مبنى للمجهول «سعدا و سعدوا» قصد لفظهما: نائب عن الفاعل و معطوف عليه «و الفعل» الواو للحال، و الفعل: مبتدأ «للظاهر، بعد» متعلقان بمسند الآتى «مسند» خبر المبتدأ، و الجملة من المبتدأ و خبره فى محل نصب حال.

468

و لا «قاموا الزيدون» ، و لا «قمن الهندات» فتأتى بعلامة فى الفعل الرافع للظاهر، على أن يكون ما بعد الفعل مرفوعا به، و ما اتصل بالفعل-من الألف، و الواو، و النون. -حروف تدلّ على تثنية الفاعل أو جمعه، بل على أن يكون الاسم الظاهر مبتدأ مؤخرا، و الفعل المتقدم و ما اتّصل به اسما فى موضع رفع به، و الجملة فى موضع رفع خبرا عن الاسم المتأخر.

و يحتمل وجها آخر، و هو أن يكون ما اتصل بالفعل مرفوعا به كما تقدم، و ما بعده بدل مما اتصل بالفعل من الأسماء المضمرة-أعنى الألف، و الواو، و النون-

و مذهب طائفة من العرب-و هم بنو الحارث بن كعب، كما نقل الصفّار فى شرح الكتاب-أن الفعل إذا أسند إلى ظاهر-مثنى، أو مجموع-أتى فيه بعلامة تدلّ على التثنية أو الجمع‏ (1) ؛ فتقول: «قاما الزيدان، و قاموا الزيدون، و قمن الهندات» فتكون الألف و الواو و النون حروفا تدلّ على التثنية و الجمع، كما كانت التاء فى «قامت هند» حرفا تدلّ على التأنيث عند جميع العرب‏ (2) ، و الاسم الذى بعد الفعل المذكور مرفوع به، كما ارتفعت «هند» بـ «قامت» ، و من ذلك قوله:

____________

(1) و ليس الإتيان بعلامة التثنية إذا كان الفاعل مثنى أو بعلامة الجمع إذا كان الفاعل مجموعا واجبا عند هؤلاء، بل إنهم ربما جاءوا بالعلامة، و ربما تركوها.

(2) الفرق بين علامة التأنيث و علامة التثنية و الجمع من ثلاثة أوجه:

الأول: أن لحاق علامة التثنية و الجمع لغة لجماعة من العرب بأعيانهم-يقال: هم طيى‏ء، و يقال: هم أزدشنوءة-و أما إلحاق تاء التأنيث فلغة جميع العرب.

الثانى: أن إلحاق علامة التثنية و الجمع عند من يلحقها جائز فى جميع الأحوال، و لا يكون واجبا أصلا؛ فأما إلحاق علامة التأنيث فيكون واجبا إذا كان الفاعل-

469

____________

142

-

تولّى قتال المارقين بنفسه # و قد أسلماه مبعد و حميم‏

____________

ق-ضميرا متصلا لمؤنث مطلقا، و إذا كان الفاعل اسما ظاهرا حقيقى التأنيث، على ما سيأتى بيانه و تفصيله فى هذا الباب.

الثالث: أن احتياج الفعل إلى علامة التأنيث أقوى من احتياجه إلى علامة التثنية و الجمع؛ لأن الفاعل قد يكون مؤنثا بدون علامة و يكون الاسم مع هذا مشتركا بين المذكر و المؤنث كزيد و هند؛ فقد سمى بكل من زيد و هند مذكر و سمى بكل منهما مؤنث، فإذا ذكر الفعل بدون علامة التأنيث لم يعلم أمؤنث فاعله أم مذكر، فأما المثنى و الجمع فإنه لا يمكن فيهما احتمال المفرد.

(142) -البيت لعبيد اللّه بن قيس الرقيات، يرثى مصعب بن الزبير بن العوام رضى اللّه عنهما، و كان عبيد اللّه بن قيس هذا من شيعة الزبيريين، و كان مصعب قد خرج على الخلافة الأموية مع أخيه عبد اللّه بن الزبير، و عبيد اللّه بن قيس الرقيات هو الذى يقول:

كيف نومى على الفراش و لمّا # تشمل الشّام غارة شعواء؟

تذهل الشّيخ عن بنيه، و تبدى # عن براها العقيلة العذراء

و لما قتل مصعب بن الزبير قال كلمة يرثيه بها، منها بيت الشاهد، و أول رثائها قوله:

لقد أورث المصرين حزنا و ذلّة # قتيل بدير الجاثليق مقيم‏

اللغة: «المارقين» الخارجين عن الدين كما يخرج السهم من الرمية «مبعد» أراد به الأجنبى «و حميم» الصديق الذى يهتم لأمر صديقه «أسلماه» خذلاه، و لم يعيناه.

الإعراب: «تولى» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على مصعب «قتال» مفعول به لتولى، و قتال مضاف، و «المارقين» مضاف إليه «بنفسه» جار و مجرور متعلق بتولى، أو الباء زائدة، و نفس: تأكيد للضمير المستتر فى تولى، و نفس مضاف و ضمير الغائب العائد إلى مصعب مضاف إليه «و قد» الواو للحال، قد: حرف تحقيق «أسلماه» أسلم: فعل ماض، و الألف حرف دال على التثنية، و الهاء ضمير الغائب العائد إلى مصعب مفعول به لأسلم «مبعد» فاعل أسلم «و حميم» الواو حرف عطف، حميم: معطوف على مبعد. -

470

و قوله:

____________

143

-

يلوموننى فى اشتراء النّخيـ # ل أهلى؛ فكلّهم يعذل‏

____________

ق-الشاهد فيه: قوله «و قد أسلماه مبعد و حميم» حيث وصل بالفعل ألف التثنية مع أن الفاعل اسم ظاهر. و كان القياس على الفصحى أن يقول «و قد أسلمه مبعد و حميم» . و سيأتى لهذا الشاهد نظائر فى شرح الشاهدين الآتيين رقم 143 و 144.

(143) -هذا البيت من الشواهد التى لم يعينوا قائلها، و بعده قوله:

و أهل الّذى باع يلحونه # كما لحى البائع الأوّل‏

اللغة: «يلوموننى» تقول: لام فلان فلانا على كذا يلومه لوما-بوزان قال يقول قولا-و لومة، و ملامة، و إذا أردت المبالغة قلت: لومه-بتشديد الواو «يعذل» العذل-بفتح فسكون-هو اللوم، و فعله من باب ضرب «يلحونه» تقول: لحا فلان فلانا يلحوه-مثل دعاه يدعوه-و لحاه يلحاه-مثل نهاه ينهاه-إذا لامه و عذله.

الإعراب: «يلوموننى» فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، و الواو حرف دال على الجماعة، و النون للوقاية، و الياء مفعول به ليلوم «فى اشتراء» جار و مجرور متعلق بيلوم، و اشتراء مضاف، و «النخيل» مضاف إليه «أهلى» أهل: فاعل يلوم، و أهل مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه «فكلهم» كل: مبتدأ، و كل مضاف، و هم:

مضاف إليه «يعذل» فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كل الواقع مبتدأ، و الجملة من يعذل و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ.

الشاهد فيه: قوله «يلوموننى... أهلى» حيث وصل واو الجماعة بالفعل، مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعد الفعل، و هذه لغة طيى‏ء، و قيل: لغة أزد شنوءة.

و بذكر النحاة مع هذا الشاهد و الذى قبله قول الشاعر (و هو أبو فراس الحمدانى) :

نتج الرّبيع محاسنا # ألقحنها غرّ السّحائب‏

و مثله قول «تميم» و هو من شعراء اليتيمة:

إلى أن رأيت النّجم و هو مغرّب # و أقبلن رايات الصّباح من الشّرق‏

فقد وصل كل منهما نون النسوة بالفعل، مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعده، -

غ

471

و قوله:

____________

144

-

رأين الغوانى الشّيب لاح بعارضى # فأعرضن عنّى بالخدود النّواضر

____________

ق-و هو قوله «غر السحائب» فى الأول، و «رايات الصباح» فى الثانى، و كذلك قول عمرو بن ملقط:

ألفيتا عيناك عند القفا # أولى فأولى لك ذا واقيه‏

فقد وصل ألف الاثنين بالفعل فى قوله «ألفيتا» مع كونه مسندا إلى المثنى الذى هو قوله «عيناك» و كذلك قول عروة بن الورد:

و أحقرهم و أهونهم عليه # و إن كانا له نسب و خير

فقد ألحق ألف الاثنين بالفعل فى قوله «كانا» مع كونه مسندا إلى اثنين قد عطف أحدهما على الآخر، و ذلك قوله «نسب و خير» و مثله قول الآخر:

نسيا حاتم و أوس لدن فا # ضت عطاياك يا ابن عبد العزيز

و محل الاستشهاد فى قوله «نسيا حاتم و أوس» و هذا-مع ما أنشدناه من بيت عمرو بن ملقط-يدل على أن شأن نائب الفاعل فى هذه المسألة كشأن الفاعل، و سيأتى لهذه المسألة شواهد أخرى فى شرح الشاهد 144 الآتى.

(144) -البيت لأبى عبد الرحمن محمد بن عبد اللّه العتبى، من ولد عتبة بن أبى سفيان.

اللغة: «الغوانى» جمع غانية، و هى هنا التى استغنت بجمالها عن الزينة «لاح» ظهر «النواضر» الجميلة، مأخوذ من النضرة، و هى الحسن و الرواء، و النواضر:

جمع ناضر.

الإعراب: «رأين» رأى: فعل ماض، و هى هنا بصرية، و النون حرف دال على جماعة الإناث «الغوانى» فاعل رأى «الشيب» مفعول به لرأى «لاح» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الشيب «بعارضى» الباء حرف جر، و عارض: مجرور بالباء، و الجار و المجرور متعلق بلاح، و عارض مضاف، -

472

فـ «مبعد و حميم» مرفوعان بقوله «أسلماه» و الألف فى «أسلماه» حرف يدلّ على كون الفاعل اثنين، و كذلك «أهلى» مرفوع بقوله «يلوموننى» و الواو حرف يدلّ على الجمع، و «الغوانى» مرفوع بـ «رأين» و النون حرف يدلّ على جمع المؤنث، و إلى هذه اللغة أشار المصنف بقوله: «و قد يقال سعدا و سعدوا-إلى آخر البيت» .

و معناه أنه قد يؤتى فى الفعل المسند إلى الظاهر بعلامة تدلّ على التثنية، أو الجمع؛ فأشعر قوله «و قد يقال» بأن ذلك قليل، و الأمر كذلك.

و إنما قال: «و الفعل للظاهر بعد مسند» لينبه على أن مثل هذا التركيب

____________

ق-و ياء المتكلم مضاف إليه «فأعرضن» فعل و فاعل «عنى، بالخدود» جاران و مجروران متعلقان بأعرض «النواضر» صفة للخدود.

الشاهد فيه: قوله «رأين الغوانى» فإن الشاعر قد وصل الفعل بنون النسوة فى قوله «رأين» مع ذكر الفاعل الظاهر بعده، و هو قوله «الغوانى» كما أوضحناه فى الإعراب، و مثله قول الآخر:

فأدركنه خالاته فخذلنه # ألا إنّ عرق السّوء لا بدّ مدرك‏

و من شواهد المسألة الشاهد رقم 99 الذى سبق فى باب إن و أخواتها و قول الشاعر:

نصروك قومى؛ فاعتززت بنصرهم # و لو أنّهم خذلوك كنت ذليلا

فقد ألحق علامة جمع الذكور-و هى الواو-بالفعل فى قوله «نصروك» مع أن هذا الفعل مسند إلى فاعل ظاهر بعده، و هو قوله «قومى» .

و قد ورد فى الحديث كثير على هذه اللغة؛ فمن ذلك ما جاء فى حديث وائل بن حجر «و وقعتا ركبتاه قبل أن تقعا كفاه» و قوله «يخرجن العواتق و ذوات الخدود» و قوله «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل و ملائكة بالنهار» و سنتكلم على هذا الحديث الأخير بعد هذا كلاما خاصا (انظر الهامشة 1 فى ص 473) ؛ لأن ابن مالك يسمى هذه اللغة «لغة يتعاقبون فيكم ملائكة» .

473

إنما يكون قليلا إذا جعلت الفعل مسندا إلى الظاهر الذى بعده، و أما إذا جعلته مسندا إلى المتصل به-من الألف، و الواو، و النون-و جعلت الظاهر مبتدأ، أو بدلا من الضمير؛ فلا يكون ذلك قليلا، و هذه اللغة القليلة هى التى يعبر عنها النحويون بلغة «أكلونى البراغيث» ، و يعبّر عنها المصنف فى كتبه بلغة «يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل و ملائكة بالنّهار» (1) ، فـ «البراغيث» فاعل «أكلونى» و «ملائكة» فاعل «يتعاقبون» هكذا زعم المصنف.

***

إذا دل دليل على الفعل جاز حذفه‏

و يرفع الفاعل فعل أضمرا # كمثل «زيد» فى جواب «من قرا» ؟ (2)

____________

(1) قد استشهد ابن مالك على هذه اللغة بهذا الحديث، و ذلك على اعتبار أن الواو فى «يتعاقبون» علامة جمع الذكور، و «ملائكة» و هو الفاعل مذكور بعد الفعل المتصل بالواو، و قد تكلم على هذا الاستدلال قوم، من المؤلفين، و قالوا: إن هذه الجملة قطعة من حديث مطول، و قد روى هذه القطعة مالك رضى اللّه عنه فى الموطأ، و أصله «إن للّه ملائكة يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل، و ملائكة بالنهار» فإذا نظرت إلى الحديث المطول كانت الواو فى «يتعاقبون» ليست علامة على جمع الذكور، و لكنها ضمير جماعة الذكور، و هى فاعل، و جملة الفعل و فاعله صفة لملائكة الوافع اسم إن، و «ملائكة» المرفوع بعده ليس فاعلا، و لكنه من جملة مستأنفة القصد منها تفصيل ما أجمل أولا، فهو خبر مبتدأ محذوف، و لورود هذا الكلام على هذا الاستدلال تجد الشارح يقول فى آخر تقريره: «هكذا زعم المصنف» يريد أن يبرأ من تبعته، و لقائل أن يقول: إن الاستدلال بالقطعة التى رواها مالك بن أنس فى الموطأ، بدون التفات إلى الحديث المطول المروى فى رواية أخرى.

(2) «و يرفع» فعل مضارع «الفاعل» مفعول به ليرفع «فعل» فاعل يرفع «أضمرا» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فعل، و الجملة من أضمر و نائب فاعله فى محل رفع صفة لفعل «كمثل» الكاف-

474

إذا دلّ دليل على الفعل جاز حذفه، و إبقاء فاعله، كما إذا قيل لك:

«من قرأ» ؟فتقول: «زيد» التقدير: «قرأ زيد» و قد يحذف الفعل وجوبا، كقوله تعالى: (وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجََارَكَ) فـ «أحد» فاعل بفعل محذوف وجوبا، و التقدير «و إن استجارك‏[أحد استجارك‏]» ، و كذلك كل اسم مرفوع وقع بعد «إن» أو «إذا» فإنه مرفوع بفعل محذوف وجوبا، و مثال ذلك فى «إذا» قوله تعالى: (إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ) فـ «السماء» فاعل بفعل محذوف، و التقدير «إذا انشقّت السّماء انشقّت» و هذا مذهب جمهور النحويين‏ (1) ، و سيأتى الكلام على هذه المسألة فى باب الاشتغال، إن شاء اللّه تعالى.

***

____________

ق-زائدة، مثل: خبر لمبتدأ محذوف «زيد» فاعل بفعل محذوف، و التقدير: قرأ زيد «فى جواب» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال من زيد «من» اسم استفهام مبتدأ «قرا» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الاستفهامية الواقعة مبتدأ، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ.

(1) خلاصة القول فى هذه المسألة أن فيها ثلاثة مذاهب:

أولها: مذهب جمهور البصريين، و حاصله أن الاسم المرفوع بعد إن و إذا الشرطيتين فاعل بفعل محذوف وجوبا يفسره الفعل المذكور بعده، و هو الذى قرره الشارح.

و المذهب الثانى: مذهب جمهور النحاة الكوفيين، و حاصله أن هذا الاسم المرفوع بعد إن و إذا الشرطيتين فاعل بنفس الفعل المذكور بعده، و ليس فى الكلام محذوف يفسره.

المذهب الثالث: مذهب أبى الحسن الأخفش، و حاصله أن الاسم المرفوع بعد إن و إذا الشرطيتين مبتدأ، و أن الفعل المذكور بعده مسند إلى ضمير عائد على ذلك الاسم، و الجملة من ذلك الفعل و فاعله المضمر فيه فى محل رفع خبر المبتدأ، فلا حذف و لا تقديم و لا تأخير. -

475

يؤنث الفعل إذا كان الفاعل مؤنثا

و تاء تأنيث تلى الماضى، إذا # كان لأنثى، كـ «أبت هند الأذى» (1)

____________

ق-فأما سبب هذا الاختلاف فيرجع إلى أمرين:

الأمر الأول: هل يجوز أن تقع الجملة الاسمية بعد أدوات الشرط؛ فالجمهور من الكوفيين و البصريين على أنه لا يجوز ذلك، و لو وقع فى الكلام ما ظاهره ذلك فهو مؤول بتقدير الفعل متصلا بالأداة، غير أن البصريين قالوا: الفعل المقدر اتصاله بالأداة، فعل محذوف يرشد إليه الفعل المذكور، و أما الكوفيون فقالوا: الفعل المقدر اتصاله بالأداة هو نفس الفعل المذكور بعد الاسم. و ذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنه يجوز فى إن و إذا خاصة-من دون سائر أدوات الشرط-أن تقع بعدهما الجمل الاسمية، و على هذا لسنا فى حاجة إلى تقدير محذوف، و لا إلى جعل الكلام على التقديم و التأخير.

و الأمر الثانى: هل يجوز أن يتقدم الفاعل على فعله؟فذهب الكوفيون إلى جواز ذلك؛ و لهذا جعلوا الاسم المرفوع بعد الأداتين فاعلا بذلك الفعل المتأخر، و ذهب جمهور البصريين إلى أن الفاعل لا يجوز أن يتقدم على رافعه-فعلا كان هذا الرافع أو غير فعل-فلهذا اضطروا إلى تقدير فعل محذوف يفسره الفعل المذكور ليرتفع به ذلك الاسم.

و قد نسب جماعة من متأخرى المؤلفين-كالعلامة الصبان-مذهب الأخفش إلى الكوفيين. و الصواب ما قدمنا ذكره‏

و بعد، فانظر ما يأتى لنا تحقيقه فى شرح الشاهد 157

(1) «و تاء» مبتدأ، و تاء مضاف، و «تأنيث» مضاف إليه «تلى» فعل مضارع، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى تاء تأنيث، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «الماضى» مفعول به لتلى «إذا» ظرف تضمن معنى الشرط «كان» فعل ماض، و اسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الماضى، و خبره محذوف «لأنثى» جار و مجرور متعلق بخبر «كان» المحذوف، أى إذا كان مسندا لأنثى «كأبت هند الأذى» الكاف جارة لقول محذوف، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف: أى و ذلك كاتن كقولك؛ و ما بعد الكاف فعل و فاعل و مفعول به، و الجملة فى محل نصب بذلك المقول المحذوف.

476

إذا أسند الفعل الماضى إلى مؤنّث لحقته تاء ساكنة تدلّ على كون الفاعل مؤنثا، و لا فرق فى ذلك بين الحقيقىّ و المجازىّ، نحو «قامت هند، و طلعت الشمس» ، لكن لها حالتان: حالة لزوم، و حالة جواز، و سيأتى الكلام على ذلك.

***

يجب تأنيث الفعل فى موضعين‏

و إنّما تلزم فعل مضمر # متّصل، أو مفهم ذات حر (1)

تلزم تاء التأنيث الساكنة الفعل الماضى فى موضعين:

أحدهما: أن يسند الفعل إلى ضمير مؤنث متصل، و لا فرق فى ذلك بين المؤنث الحقيقىّ و المجازىّ؛ فتقول: «هند قامت، و الشّمس طلعت» ، و لا تقول: «قام» و لا «طلع» فإن كان الضمير منفصلا لم يؤت بالتاء، نحو «هند ما قام الاّ هى» .

الثانى: أن يكون الفاعل ظاهرا حقيقى التأنيث، نحو «قامت هند» و هو المراد بقوله «أو مفهم ذات حر» و أصل حر حرح، فحذفت لام الكلمة.

و فهم من كلامه أن التاء لا تلزم فى غير هذين الموضعين؛ فلا تلزم فى المؤنث

____________

(1) «و إنما» حرف دال على الحصر «تلزم» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود على تاء التأنيث «فعل» مفعول به لتلزم، و فعل مضاف، و «مضمر» مضاف إليه «متصل» نعت لمضمر «أو مفهم» معطوف على مضمر، و فاعل مفهم ضمير مستتر فيه؛ لأنه اسم فاعل «ذات» مفعول به لمفهم، و ذات مضاف، و «حر» مضاف إليه.

477

المجازىّ الظاهر؛ فتقول: «طلع الشمس، و طلعت الشمس» و لا فى الجمع، على ما سيأتى تفصيله.

***

الفصل بين الفعل و فاعله المؤنث‏

و قد يبيح الفصل ترك التّاء، فى # نحو «أتى القاضى بنت الواقف» (1)

إذا فصل بين الفعل و فاعله المؤنث الحقيقى بغير «إلا» جاز إثبات التاء و حذفها، و الأجود الإثبات؛ فتقول: «أتى القاضى بنت الواقف» و الأجود «أتت» و تقول: «قام اليوم هند» و الأجود «قامت» .

***

و الحذف مع فصل بإلاّ فضّلا، # كـ «ما زكا إلاّ فتاة ابن العلا» (2)

و إذا فصل بين الفعل و الفاعل المؤنث بـ «إلاّ» لم يجز إثبات التاء عند الجمهور؛ فتقول: «ما قام إلاّ هند، و ما طلع إلا الشّمس» و لا يجوز

____________

(1) «و قد» حرف تقليل «يبيح» فعل مضارع «الفصل» فاعل يبيح «ترك» مفعول به ليبيح، و ترك مضاف، و «التاء» مضاف إليه «فى نحو» جار و مجرور متعلق بيبيح «أتى» فعل ماض «القاضى» مفعول به مقدم على الفاعل «بنت» فاعل أتى مؤخر عن المفعول، و بنت مضاف، «الواقف» مضاف إليه، و جملة الفعل و فاعله و مفعوله فى محل جر بإضافة نحو إليها.

(2) «و الحذف» مبتدأ «مع» ظرف متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر فى «فضلا» الآتى، و مع مضاف، و «فصل» مضاف إليه «بإلا» جار و مجرور متعلق بفصل «فضلا» فضل: فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الحذف، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «كما» الكاف جارة لقول محذوف، و ما: نافية «ره» فعل ماض «إلا» أداة استثناء ملغاة «فتاة» فاعل زكا و فتاة مضاف و «ابن» مضاف إليه. و ابن مضاف، و «العلا» مضاف إليه.

478

«ما قامت إلاّ هند» ، و لا «ما طلعت إلاّ الشّمس» ، و قد جاء فى الشعر كقوله:

____________

145

-

*و ما بقيت إلاّ الضّلوع الجراشع*

____________

(145) -هذا عجز بيت لذى الرمة-غيلان بن عقبة-و صدره:

*طوى النّحز و الأجراز ما فى غروضها*

و هذا البيت من قصيدة له طويلة، أولها قوله:

أ منزلتى مىّ، سلام عليكما! # هل الأزمن الّلائى مضين رواجع؟

و هل يرجع التّسليم أو يكشف العمى # ثلاث الأثافى و الدّيار البلاقع؟

اللغة: «النحز» -بفتح فسكون-الدفع، و النخس، و السوق الشديد «و الأجراز» جمع: جرز-بزنة سبب أو عنق-و هى الأرض اليابسة لا نبات فيها «غروضها» جمع غرض-بفتح أوله-و هو للرحل بمنزلة الحزام للسرج، و البطان للقتب، و أراد هنا ما تحته، و هو بطن الناقة و ما حوله، بعلاقة المجاورة «الجراشع» جمع جرشع- بزنة قنفذ-و هو المنتفخ.

المعنى: يصف ناقته بالكلال و الضمور و الهزال مما أصابها من توالى السوق، و السير فى الأرض الصلبة، حتى دق ما تحت غرضها، و لم يبق إلا ضلوعها المنتفخة، فكأنه يقول: أصاب هذه الناقة الضمور و الهزال و الطوى بسبب شيئين: أولهما استحثائى لها على السير بدفعها و تخسها، و الثانى أنها تركض فى أرض يابسة صلبة ليس بها نبات، و هى مما يشق السير فيه.

الإعراب: «طوى» فعل ماض «النحز» فاعل «و الأجراز» معطوف على الفاعل «ما» اسم موصول: مبنى على السكون فى محل نصب مفعول به لطوى «فى غروضها» الجار و المجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، و غروض مضاف، و ها:

ضمير عائد إلى الناقة مضاف إليه «فما» نافية «بقيت» بقى: فعل ماض، و التاء للتأنيث «إلا» أداة استثناء ملغاة «الضلوع» فاعل بقيت «الجراشع» صفة للضلوع.

الشاهد فيه: قوله «فما بقيت إلا الضلوع» حيث أدخل تاء التأنيث على الفعل؛ -

479

فقول المصنف: «إن الحذف مفضّل على الإثبات» يشعر بأن الإثبات -أيضا-جائز، و ليس كذلك‏ (1) ؛ لأنه إن أراد به أنه مفضّل عليه باعتبار أنه ثابت فى النثر و النظم، و أن الإثبات إنما جاء فى الشعر؛ فصحيح، و إن أراد أن الحذف أكثر من الإثبات فغير صحيح؛ لأن الإثبات قليل جدا.

***

قد تحذف تاء التأنيث من الفعل المسند لفاعل مؤنث من غير فصل بينهما

و لحذف قد يأتى بلا فصل، و مع # ضمير ذى المجاز فى شعر وقع‏ (2)

____________

ق-لأن فاعله مؤنث، مع كونه قد فصل بين الفعل و الفاعل بإلا، و ذلك-عند الجمهور- مما لا يجوز فى غير الشعر. و مثل هذا الشاهد قول الراجز:

ما برئت من ريبة و ذمّ # فى حربنا إلا بنات العمّ‏

(1) إن الذى ذكره الشارح تجن على الناظم، و إلزام له بمذهب معين قد لا يكون ذهب إليه فى هذا الكتاب، و ذلك بأن هذه المسألة خلافية بين علماء النحو، فمنهم من ذهب إلى أن لحاق تاء التأنيث و عدم لحاقها جائزان إذا فصل بين الفعل و فاعله المؤنث بإلا، و مع جواز الأمرين حذف التاء أفضل. و هذا هو الذى يصح أن يحمل عليه كلام الناظم؛ لأنه صريح الدلالة عليه. و من العلماء من ذهب إلى أن حذف التاء فى هذه الحالة أمر واجب لا يجوز العدول عنه إلا فى ضرورة الشعر؛ من أجل أن الفاعل على التحقيق ليس هو الاسم الواقع بعد إلا، و لكنه اسم مذكر محذوف، و هو المستثنى منه؛ فإذا قلت «لم يزرنى إلا هند» فإن أصل الكلام: لم يزرنى أحد إلا هند، و أنت لو صرحت بهذا المحذوف على هذا التقدير لم يكن لك إلا حذف التاء؛ لأن الفاعل مذكر، و هذا هو الذى يريد الشارح أن يلزم به الناظم؛ لأنه مذهب الجمهور، و هو إلزام ما لا يلزم، على أن لنا فى هذا التعليل و فى ترتيب الحكم عليه كلاما لا تتسع له هذه العجالة.

(2) «و الحذف» مبتدأ، و جملة «قد يأتى» و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ «بلا فصل» جار و مجرور متعلق بيأتى «و مع» الواو عاطفة أو للاستئناف، مع ظرف متعلق بوقع الآتى، و مع مضاف، و «ضمه» مضاف إليه. و ضمير مضاف و «ذى» بمعنى صاحب: مضاف إليه، و ذى مضاف و «المجاز» مضاف إليه «فى شعر» جار و مجرور متعلق بوقع الآتى «وقع» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود-

480

قد تحذف التاء من الفعل المسند إلى مؤنث حقيقى من غير فصل، و هو قليل جدا، حكى سيبويه: «قال فلانة» ، و قد تحذف التاء من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث المجازىّ، و هو مخصوص بالشعر، كقوله:

____________

146

-

فلا مزنة و دقت و دقها # و لا أرض أبقل إبقالها

***

____________

ق-إلى الحذف، و تقدير البيت: و حذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى مؤنث قد يجى‏ء فى كلام العرب من غير فصل بين الفعل و فاعله، و قد وقع ذلك الحذف فى الشعر مع كون الفاعل ضميرا عائدا إلى مؤنث مجازى التأنيث.

(146) -البيت لعامر بن جوين الطائى، كما نسب فى كتاب سيبويه (1-240) و فى شرح شواهده للأعلم الشنتمرى.

اللغة: «المزنة» السحابة المثقلة بالماء «الودق» المطر، و فى القرآن الكريم (فترى الودق يخرج من خلاله) «أبقل» أنبت البقل، و هو النبات.

الإعراب: «فلا» نافية تعمل عمل ليس «مزنة» اسمها، و جملة «ودقت» و فاعله المستتر العائد إلى مزنة فى محل نصب خبر لا «ودقها» ودق: منصوب على المفعولية المطلقة، و ودق مضاف و ها: مضاف إليه «و لا» الواو عاطفة لجملة على جملة، و لا: نافية للجنس تعمل عمل إن «أرض» اسم لا، و جملة «أبقل» و فاعله المستتر فيه فى محل رفع خبرها «إبقالها» إبقال: مفعول مطلق، و إبقال مضاف و ضمير الغائبة فى محل جر مضاف إليه.

الشاهد فيه: قوله «و لا أرض أبقل» حيث حذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث، و هذا الفعل هو «أبقل» و هو مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الأرض، و هى مؤنثة مجازية التأنيث، و يروى:

*و لا أرض أبقلت أبقالها*

بنقل حركة الهمزة من «إبقالها» إلى التاء فى «أبقلت» و حينئذ لا شاهد فيه.

و مثل هذا البيت قول الأعشى ميمون بن قيس:

فإمّا ترينى ولى لمّة # فإنّ الحوادث أودى بها-

481

و التّاء مع جمع-سوى السّالم من # مذكّر-كالتّاء مع إحدى اللبن‏ (1)

و الحذف فى «نعم الفتاة» استحسنوا # لأنّ قصد الجنس فيه بيّن‏ (2)

____________

ق-و محل الاستشهاد منه قوله «أودى بها» حيث لم يلحق تاء التأنيث بالفعل الذى هو قوله «أودى» مع كونه مسندا إلى ضمير مستتر عائد إلى اسم مؤنث و هو الحوادث الذى هو جمع حادثة، و قد عرفت أن الفعل إذا أسند إلى ضمير راجع إلى مؤنث وجب تأنيثه، سواء أكان مرجعه حقيقى التأنيث، أم كان مرجع الضمير مجازى التأنيث، و ترك التاء حينئذ مما لا يجوز ارتكابه إلا فى ضرورة الشعر، فلما اضطر الشاعر فى بيت الشاهد و فيما أنشدناه من قول الأعشى-على الرواية المشهورة-حذف علامة التأنيث من الفعل.

(1) «و التاء» مبتدأ «مع» ظرف متعلق بمحذوف حال منه، أو من الضمير المستتر فى خبره، و مع مضاف، و «جمع» مضاف إليه «سوى» نعت لجمع، و سوى مضاف و «السالم» مضاف إليه «من مذكر» جار و مجرور متعلق بالسالم «كالتاء» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ «مع» ظرف متعلق بمحذوف حال من التاء المجرور بالكاف، و مع مضاف و «إحدى» مضاف إليه، و إحدى مضاف و «اللبن» مضاف إليه.

(2) «و الحذف» بالنصب: مفعول مقدم لاستحسنوا «فى نعم الفتاة» جار و مجرور بقصد اللفظ متعلق بالحذف أو باستحسنوا «استحسنوا» فعل و فاعل «لأن» اللام حرف جر، أن: حرف توكيد و نصب «قصد» اسم أن. و قصد مضاف و «الجنس» مضاف إليه «فيه» جار و مجرور متعلق بقوله بين الآتى «بين» خبر «أن» و أن مع ما دخلت عليه فى تأويل مصدر مجرور باللام، و الجار و المجرور متعلق بقوله استحسنوا، و تقدير الكلام: استحسنوا الحذف فى «نعم الفتاة» لظهور قصد الجنس فيه، و يجوز أن يكون الحذف بالرفع مبتدأ، و جملة «استحسنوا» خبره، و الرابط محذوف، و التقدير: الحذف استحسنوه إلخ، و هذا الوجه ضعيف؛ لاحتياجه إلى التقدير، و سيبويه يأبى مثله.

482

هـ إسناد الفعل إلى ما يدل على جمع‏

إذا أسند الفعل إلى جمع: فإما أن يكون جمع سلامة لمذكر، أولا؛ فإن كان جمع سلامة لمذكر لم يجز اقتران الفعل بالتاء؛ فتقول: «قام الزيدون» ، و لا يجوز «قامت الزيدون» (1) ، و إن لم يكن جمع سلامة لمذكر-بأن كان

____________

(1) الأشياء التى تدل على معنى الجمع ستة أشياء، الأول: اسم الجمع نحو قوم و رهط و نسوة، و الثانى: اسم الجنس الجمعى نحو روم و زنج و كلم، و الثالث: جمع التكسير لمذكر نحو رجال و زيود، و الرابع: جمع التكسير لمؤنث نحو هنود و ضوارب، و الخامس: جمع المذكر السالم نحو ازيدين و المؤمنين و البنين، و السادس: جمع المؤنث السالم نحو الهندات و المؤمنات و البنات، و للعلماء فى الفعل المسند إلى هذه الأشياء ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: مذهب جمهور الكوفيين، و هو أنه يجوز فى كل فعل أسند إلى شى‏ء من هذه الأشياء الستة أن يؤتى به مؤنثا و أن يؤتى به مذكرا، و السر فى هذا أن كل واحد من الأشياء الستة يجوز أن يؤول بالجمع فيكون مذكر المعنى، فيؤتى بفعله خاليا من علامة التأنيث، و أن يؤول بالجماعة فيكون مؤنث المعنى، فيؤتى بفعله مقترنا بعلامة التأنيث؛ فنقول على هذا: جاء القوم، و جاءت القوم، و فى الكتاب العزيز (و قال نسوة فى المدينة) و تقول: زحف الروم، و زحفت الروم، و فى الكتاب الكريم: (غُلِبَتِ اَلرُّومُ) و تقول. جاء الرجال، و جاءت الرجال. و تقول: جاء الهنود، و جاءت الهنود، و تقول جاء الزينبات، و جاءت الزينبات، و فى التنزيل.

(إِذََا جََاءَكَ اَلْمُؤْمِنََاتُ) و قال عبدة بن الطييب من قصيدة له:

فبكى بناتى شجوهنّ و زوجتى # و الظّاعنون إلىّ، ثمّ تصدّعوا

و تقول: جاء الزيدون، و جاءت الزيدون، و فى التنزيل. (آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل) و قال قريط بن أنيف أحد شعراء الحماسة:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلى # بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا

و المذهب الثانى: مذهب أبى على الفارسى، و خلاصته أنه يجوز الوجهان فى جميع هذه الأنواع، إلا نوعا واحدا، و هو جمع المذكر السالم؛ فإنه لا يجوز فى الفعل الذى يسند إليه إلا التذكير، و أنت لو تأملت فى كلام الناظم لوجدته بحسب ظاهره مطابقا لهذا المذهب، لأنه لم يستثن إلا السالم من جمع المذكر. -

483

جمع تكسير لمذكر كالرّجال، أو لمؤنث كالهنود، أو جمع سلامة لمؤنث كالهندات-جاز إثبات التاء و حذفها؛ فتقول: «قام الرجال، و قامت الرجال، و قام الهنود، و قامت الهنود، و قام الهندات، و قامت الهندات» ؛ فإثبات التاء لتأوّله بالجماعة، و حذفها لتأوّله بالجمع.

و أشار بقوله: «كالتاء مع إحدى اللّبن» إلى أن التاء مع جمع التكسير، و جمع السلامة لمؤنث، كالتاء مع‏[الظاهر]المجازىّ التأنيث كلبنة؛ فكما تقول:

«كسرت اللّبنة، و كسر اللّبنة» تقول: «قام الرجال، و قامت الرجال» و كذلك باقى ما تقدم.

و أشار بقوله: «و الحذف فى نعم الفتاة-إلى آخر البيت» إلى أنه يجوز فى «نعم» و أخواتها-إذا كان فاعلها مؤنثا-إثبات التاء و حذفها، و إن كان مفردا مؤنثا حقيقيّا؛ فتقول: «نعم المرأة هند، و نعمت المرأة هند» و إنما جاز ذلك لأن فاعلها مقصود به استغراق الجنس، فعومل معاملة جمع التكسير فى جواز إثبات التاء و حذفها، لشبهه به فى أن المقصود به متعدّد،

____________

ق-و المذهب الثالث: مذهب جمهور البصريين، و خلاصته أنه يجوز الوجهان فى أربعة أنواع، و هى: اسم الجمع، و اسم الجنس الجمعى، و جمع التكسير لمذكر، و جمع التكسير لمؤنث؛ و أما جمع المذكر السالم فلا يجوز فى فعله إلا التذكير، و أما جمع المؤنث السالم فلا يجوز فى فعله إلا التأنيث، و قد حاول جماعة من الشراح كالأشمونى أن يحملوا كلام الناظم عليه؛ فزعموا أن الكلام على نية حذف الواو و المعطوف بها، و أن أصل الكلام «سوى السّالم من جمع مذكر و من جمع مؤنث» و لكن شارحنا رحمه اللّه لم يتكلف هذا التكلف؛ لأنه رأى أن لظاهر الكلام محملا حسنا، و هو أن يوافق مذهب أبى على الفارسى، فاحفظ هذا التحقيق و احرص عليه؛ فإنه نفيس دقيق قلما تعثر عليه مشروحا مستدلا له فى يسر و سهولة.

484

و معنى قوله «استحسنوا» أن الحذف فى هذا و نحوه حسن، و لكن الإثبات أحسن منه.

***

الأصل فى الفاعل أن يلى الفعل و يعقبه المفعول، و قد يخالف ذلك الأصل‏

و الأصل فى الفاعل أن يتّصلا # و الأصل فى المفعول أن ينفصلا (1)

و قد يجاء بخلاف الأصل، # و قد يجى المفعول قبل الفعل‏ (2)

الأصل أن يلى الفاعل الفعل من غير أن يفصل بينه و بين الفعل فاصل؛ لأنه كالجزء منه، و لذلك يسكّن له آخر الفعل: إن كان ضمير متكلم، أو مخاطب، نحو «ضربت، و ضربت» ، و إنما سكنوه كراهة توالى أربع متحركات، و هم إنما يكرهون ذلك فى الكلمة الواحدة؛ فدلّ ذلك على أن الفاعل مع فعله كالكلمة الواحدة.

و الأصل فى المفعول أن ينفصل من الفعل: بأن يتأخر عن الفاعل، و يجوز تقديمه على الفاعل إن خلا مما سيذكره؛ فتقول «ضرب زيدا عمرو» ، و هذا معنى قوله: «و قد يجاء بخلاف الأصل» .

____________

(1) «و الأصل» مبتدأ «فى الفاعل» جار و مجرور متعلق بالأصل «أن» مصدرية «يتصلا» فعل مضارع منصوب بأن، و الألف للاطلاق، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الفاعل، و «أن» و منصوبها فى تأويل مصدر مرفوع خبر المبتدأ «و الأصل فى المفعول أن ينفصلا» مثل الشطر السابق تماما، و تقدير الكلام: و الأصل فى الفاعل اتصاله بالفعل، و الأصل فى المفعول انفصاله من الفعل بالفاعل.

(2) «و قد» حرف تقليل «يجاء» فعل مضارع مبنى للمجهول «بخلاف» جار و مجرور فى موضع نائب فاعل ليجاء، و خلاف مضاف، و «الأصل» مضاف إليه «و قد» حرف تقليل «يجى» فعل مضارع «المفعول» فاعل يجى «قبل» ظرف متعلق بمحذوف حال من المفعول، و قبل مضاف، و «الفعل» مضاف إليه.

485

و أشار بقوله: «و قد يجى المفعول قبل الفعل» إلى أن المفعول قد يتقدم على الفعل، و تحت هذا قسمان:

أحدهما: ما يجب تقديمه، و ذلك‏ (1) كما إذا كان المفعول اسم شرط، نحو «أيّا تضرب‏[أضرب‏]» أو اسم استفهام، نحو «أىّ رجل ضربت؟» أو ضميرا منفصلا لو تأخر لزم اتّصاله، نحو (إِيََّاكَ نَعْبُدُ) فلو أخّر المفعول لزم الاتصال، و كان يقال: «نعبدك» فيجب التقديم، بخلاف قولك «الدّرهم إياه أعطيتك» فإنه لا يجب تقديم «إياه» لأنك لو أخرته لجاز اتصاله و انفصاله، على ما تقدم فى باب المضمرات؛ فكنت تقول: «الدّرهم أعطيتكه، و أعطيتك إياه» .

____________

(1) يجب تقديم المفعول به على الفعل العامل فيه فى ثلاثة مواضع، و قد ذكر الشارح موضعين منها من غير ضبط.

الموضع الأول: أن يكون المفعول واحدا من الأشياء التى يجب لها التصدر، و ذلك بأن يكون اسم شرط أو اسم استفهام، أو يكون المفعول «كم» الخبرية، نحو: كم عبيد ملكت، أو مضافا إلى واحد مما ذكر، نحو غلام من تضرب أضرب، و نحو غلام من ضربت؟و نحو مال كم رجل غصبت.

الموضع الثانى: أن يكون المفعول ضميرا منفصلا فى غير باب «سلنيه» و «خلتنيه» اللذين يجوز فيهما الفصل و الوصل مع التأخر، نحو قوله تعالى: (إِيََّاكَ نَعْبُدُ، وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ) .

الموضع الثالث: أن يكون العامل فى المفعول واقعا فى جواب «أما» و ليس معنا ما يفصل بين «أما» و الفعل من معمولاته سوى هذا المفعول، سواء أكانت «أما» مذكورة فى الكلام نحو قوله تعالى: (فَأَمَّا اَلْيَتِيمَ فَلاََ تَقْهَرْ، `وَ أَمَّا اَلسََّائِلَ فَلاََ تَنْهَرْ» أم كانت مقدرة نحو قوله سبحانه‏ (وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ) فإن وجد ما يكون فاصلا بين «أما» و الفعل سوى المفعول لم يجب تقديم المفعول على الفعل، نحو قولك: أما اليوم فأد واجبك، و السر فى ذلك أن «أما» يجب أن يفصل بينها و بين الفاء بمفرد؛ فلا يجوز أن تقع الفاء بعدها مباشرة، و لا أن يفصل بينها و بين الفاء بجملة، كما سيأتى بيانه فى بابها.

غ

486

و الثانى: ما يجوز تقديمه و تأخيره، نحو «ضرب زيد عمرا» ؛ فتقول:

«عمرا ضرب زيد» (1) .

***

قد يجب تأخير المفعول و تقديم الفاعل عليه‏

و أخّر المفعول إن لبس حذر، # أو أضمر الفاعل غير منحصر (2)

____________

(1) بقيت صورة أخرى، و هى أنه قد يجب تأخير المفعول عن الفعل، و ذلك فى خمسة مواضع:

الأول: أن يكون المفعول مصدرا مؤولا من أن المؤكدة و معموليها، مخففة كانت «أن» أو مشددة، نحو قولك: عرفت أنك فاضل، و نحو قوله تعالى‏ «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ» إلا أن تتقدم عليه «أما» نحو قولك: أما أنك فاضل فعرفت.

الموضع الثانى: أن يكون الفعل العامل فيه فعل تعجب، نحو قولك: ما أحسن زيدا، و ما أكرم خالدا.

الموضع الثالث: أن يكون الفعل العامل فيه صلة لحرف مصدرى ناصب-و ذلك أن وكى-نحو قولك: يعجبنى أن تضرب زيدا، و نحو قولك: جئت كى أضرب زيدا فإن كان الحرف المصدرى غير ناصب لم يجب تأخير المفعول عن العامل فيه، نحو قولك:

وددت لو تضرب زيدا، يجوز أن تقول: وددت لو زيدا تضرب، و نحو قولك يعجبنى ما تضرب زيدا، فيجوز أن تقول: يعجبنى ما زيدا تضرب.

الموضع الرابع: أن يكون الفعل العامل فيه مجزما بجازم ما، و ذلك كقولك لم تضرب زيدا؛ لا يجوز أن تقول: لم زيدا تضرب، فإن قدمت المفعول على الجازم- فقلت زيدا لم تضرب-جاز

الموضع الخامس: أن يكون الفعل العامل منصوبا بلن عند الجمهور أو بإذن عند غير الكسائى، نحو قولك: لن أضرب زيدا، و نحو قولك: إذن أكرم المجتهد؛ فلا يجوز أن تقول. لن زيدا أضرب: كما لا يجوز عند الجمهور أن تقول: إذن المجتهد أكرم، و أجاز الكسائى أن تقول: إذا المجتهد أكرم.

(2) «و أخر» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «المفعول» -

487

يجب تقديم الفاعل على المفعول، إذا خيف التباس أحدهما بالآخر، كما إذا خفى الإعراب فيهما، و لم توجد قرينة تبيّن الفاعل من المفعول، و ذلك نحو «ضرب موسى عيسى» فيجب كون «موسى» فاعلا، و «عيسى» مفعولا، و هذا مذهب الجمهور؛ و أجاز بعضهم تقديم المفعول فى هذا و نحوه، قال: لأن العرب لها غرض فى الالتباس كما لها غرض فى التبيين‏ (1) .

____________

ق-مفعول به لأخر «إن» شرطية «لبس» نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده «حذر» فعل ماض مبنى للمجهول و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى لبس، و الجملة من حذر المذكور و نائب فاعله لا محل لها تفسيرية «أو» عاطفة «أضمر» فعل ماض مبنى للمجهول «الفاعل» نائب فاعل أضمر «غير» حال من قوله الفاعل، و غير مضاف، و «منحصر» مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، و سكن لأجل الوقف.

(1) الذى ذكر ذلك هو ابن الحاج، و قد أخطأ الجادة؛ فإن العرب لا يمكن أن يكون من أغراضها الإلباس؛ إذ من شأن الإلباس أن يفهم السامع غير ما يريد المتكلم و لم توضع اللغة إلا للافهام، و ما ذكره ابن الحاج لتدعيم حجته مما جاء عن العرب كله ليس من الإلباس فى شى‏ء، و إنما هو من باب الإجمال، فلما التبس عليه الفرق بين الإلباس و الإجمال لم يفرق بين حكمهما، و الفرق بينهما أن الإجمال هو احتمال اللفظ لمعنيين أو أكثر من غير أن يسبق أحد المعنيين إلى ذهن السامع، ألا ترى أنك لو سمعت كلمة «عمير» -بزنة التصغير-لاحتمل عندك أن يكون تصغير عمر كما يحتمل أن يكون تصغير عمرو، بدون أن يكون أحدهما أسبق إلى ذهنك من الآخر، فأما الإلباس فهو احتمال اللفظ لمعنيين أو أكثر مع تبادر غير المقصود منهما إلى ذهن السامع، و ذلك كما فى المثال الذى ذكره الشارح، ألا ترى أنك لو قلت «ضرب موسى عيسى» لاحتمل هذا الكلام أن يكون موسى مضروبا و لكنه يسبق إلى ذهنك أنه ضارب، بسبب أن الأصل أن يكون الفاعل و اليا لفعله، و لا يمكن أن يكون هذا من مقاصد البلغاء، فافهم ذلك و تدبره.

488

فإذا وجدت قرينة تبيّن الفاعل من المفعول جاز تقديم المفعول و تأخيره؛ فتقول: «أكل موسى الكمّثرى، و أكل الكمّثرى موسى‏ (1) » و هذا معنى قوله: «و أخّر المفعول إن لبس حذر» .

و معنى قوله: «أو أضمر الفاعل غير منحصر» أنه يجب-أيضا-تقديم الفاعل و تأخير المفعول إذا كان الفاعل ضميرا غير محصور، نحو «ضربت زيدا» فإن كان ضميرا محصورا وجب تأخيره، نحو «ما ضرب زيدا إلاّ أنا» (2)

***

و ما بإلاّ أو بإنّما انحصر # أخّر، و قد يسبق إن قصد ظهر (3)

____________

(1) قد تكون القرينة الدالة على الفاعل معنوية، و قد تكون لفظية، فالقرينة المعنوية كما فى مثال الشارح، و قولك: أرضعت الصغرى الكبرى؛ إذ لا يجوز أن يكون الإرضاع قد حصل من الصغرى للكبرى، كما لا يجوز أن يكون موسى مأكولا و الكمثرى هى الآكل، و القرينة اللفظية ثلاثة أنواع؛ الأول: أن يكون لأحدهما تابع ظاهر الإعراب كقولك: ضرب موسى الظريف عيسى، فإن «الظريف» تابع لموسى فلو رفع كان موسى مرفوعا، و لو نصب كان موسى منصوبا كذلك، الثانى: أن يتصل بالسابق منهما ضمير يعود على المتأخر نحو قولك: ضرب فتاه موسى؛ فهنا يتعين أن يكون «فتاه» مفعولا؛ إذ لو جعلته فاعلا لعاد الضمير على متأخر لفظا و رتبة و هو لا يجوز، بخلاف ما لو جعلته مفعولا فإن الضمير حينئذ عائد على متأخر لفظا متقدم رتبة و هو جائز الثالث: أن يكون أحدهما مؤنثا و قد اتصلت بالفعل علامة التأنيث، و ذلك كقولك:

ضربت موسى سلمى؛ فإن اقتران التاء بالفعل دال على أن الفاعل مؤنث؛ فتأخره حينئذ عن المفعول لا يضر.

(2) و من ذلك قول عمرو بن معديكرب و أنشدناه فى مباحث الضمير.

قد علمت سلمى و جاراتها # ما قطّر الفارس إلاّ أنا

(3) «و ما» اسم موصول: مفعول مقدم لأخر «بإلا» جار و مجرور متعلق-

489

يقول: إذا انحصر الفاعل أو المفعول بـ «إلاّ» أو بـ «إنّما» وجب تأخيره، و قد يتقدم المحصور من الفاعل أو المفعول على غير المحصور، إذا ظهر المحصور من غيره، و ذلك كما إذا كان الحصر بـ «إلاّ» فأما إذا كان الحصر بـ «إنّما» فإنه لا يجوز تقديم المحصور؛ إذ لا يظهر كونه محصورا إلا بتأخيره، بخلاف المحصور بـ «إلاّ» فإنه يعرف بكونه واقعا بعد «إلا» ؛ فلا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر.

فمثال الفاعل المحصور بـ «إنما» قولك: «إنما ضرب عمرا زيد» و مثال المفعول المحصور بإنّما «إنما ضرب زيد عمرا» و مثال الفاعل المحصور بـ «إلاّ» «ما ضرب عمرا إلا زيد» و مثال المفعول المحصور بإلاّ «ما ضرب زيد إلا عمرا» و مثال تقدم الفاعل المحصور بـ «إلاّ» قولك: «ما ضرب إلا عمرو زيدا» و منه قوله:

____________

147

-

فلم يدر إلاّ اللّه ما هيّجت لنا # عشيّة آناء الدّيار و شامها

____________

ق-بانحصر الآتى «أو» عاطفة «بإنما» جار و مجرور معطوف على «بإلا» «انحصر» فعل ماض و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، و الجملة من الفعل و فاعله لا محل لها صلة ما الموصولة «أخر» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «و قد» حرف دال على التقليل «يسبق» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ما «إن» شرطية «قصد» فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، و التقدير: إن ظهر قصد «ظهر» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى قصد، و الجملة من ظهر المذكور و فاعله لا محل لها تفسيرية.

(147) -هذا البيت من الشواهد التى لم ينسبها أحد ممن احتج به من أئمة النحو، و هو من شواهد سيبويه (1-270) و قد عثرت بعد طويل البحث على أنه من قصيدة طويلة لذى الرمه غيلان بن عقبة، و أولها قوله: -

490

____________

ق-

مررنا على دار لميّة مرّة # و جاراتها، قد كاد يعفو مقامها

و بعده بيت الشاهد، ثم بعده قوله:

و قد زوّدت مىّ على النّأى قلبه # علاقات حاجات طويل سقامها

فأصبحت كالهيماء: لا الماء مبرد # صداها، و لا يقضى عليها هيامها

اللغة: «آناء» من الناس من يرويه بهمزة ممدودة كآبار و آرام؛ و منهم من يرويه بهمزة فى أوله غير ممدودة و همزة بعد النون ممدودة بوزن أعمال؛ و قد جعله العينى جمع نأى-بفتح النون-و معناه البعد، و عندى أنه جمع نؤى-بزنة قفل أو صرد أو ذئب أو كلب-و هو الحفيرة تحفر حول الخباء لتمنع عنه المطر. و يجوز أن تكون الهمزة فى أوله ممدودة على أنه قدم الهمزة التى هى العين على النون فاجتمع فى الجمع همزتان متجاورتان و ثانيتهما ساكنة فقلبها ألفا من جنس حركة الأولى كما فعلوا بآبار و آرام جمع بئرورئم. كما يجوز أن تكون المدة فى الهمزة الثانية على الأصل. و قد جعله الشيخ خالد بكسر الهمزة الأولى على أنه مصدر بزنة الإبعاد و معناه، و هو بعيد فلا تلتفت إليه «و شامها» ضبطه غير واحد بكسر الواو بزنة جبال على أنه جمع و شم، و هو ما تجعله المرأة على ذراعها و نحوه: تغرز ذراعها بالإيرة ثم تحشوه بدخان الشحم.

و ليس ذلك بصواب أصلا. و قد تحرف الكلام عليهم فانطلقوا يخرجونه و يتمحلون له و الواو مفتوحة، و هى واو العطف، و الشام: جمع شامة، و هى العلامة، و شام:

معطوف إما على آناء و إما على عشية على ما سنبينه لك فى الإعراب. هذا، و رواية الديوان هكذا:

فلم يدر إلاّ اللّه ما هيّجت لنا # أهلّة آناء الدّيار و شامها

المعنى: لا يعلم إلا اللّه تعالى مقدار ما هيجته فينا من كوامن الشوق هذه العشية التى قضياها بجوار آثار دار المحبوبة. و علامات هذه الدار،

الإعراب: «فلم» الفاء حرف عطف، لم: حرف نفى و جزم و قلب «يدر» فعل مضارع مجزوم بلم و علامة جزمه حذف الياء «إلا» أداة استثناء ملغاة «اللّه» فاعل يدرى «ما» اسم موصول مفعول به ليدرى، و جملة «هيجت» مع فاعله الآتى لا محل لها صلة-

491

و مثال تقديم المفعول المحصور بإلاّ قولك: «ما ضرب إلاّ عمرا زيد» ، و منه قوله:

____________

148

-

تزوّدت من ليلى بتكليم ساعة # فما زاد إلاّ ضعف ما بى كلامها

____________

ق-الموصول «لنا» جار و مجرور متعلق بهيجت «عشية» يجوز أن يكون فاعل لهيجت، و عيشة مضاف و «آناء» مضاف إليه، و آناء مضاف، و «الديار» مضاف إليه «و شامها» الواو حرف عطف، و شام: معطوف على عشية إن جعلته فاعل هيجت، و شام مضاف و ضمير الغائبة العائد على الديار مضاف إليه، و لا تلتفت لغير هذا من أعاريب، و يجوز نصب عشية على الظرفية، و يكون «آناء» فاعلا لهيجت، و يكون قد حذف تنوين عشية للضرورة أو ألقى حركة الهمزة من آناء على تنوين عشية ثم حذف الهمزة، و يكون «شامها» معطوفا على آناء الديار.

الشاهد فيه: قوله «فلم يدر إلا اللّه ما-إلخ» حيث قدم الفاعل المحصور بإلا، على المفعول، و قد ذهب الكسائى إلى تجويز ذلك استشهادا بمثل هذا البيت، و الجمهور على أنه ممنوع، و عندهم أن «ما» اسم موصول مفعول به لفعل محذوف. و التقدير:

فلم يدر إلا اللّه، درى ما هيجت لنا، و سيذكر ذلك الشارح.

(148) -نسب كثير من العلماء هذا البيت لمجنون بنى عامر قيس بن الملوح، و لم أعثر عليه فى ديوانه، و لعل السر فى نسبتهم البيت له ذكر «ليلى» فيه.

الإعراب: «تزودت» فعل ماض و فاعل «من ليلى، بتكليم» متعلقان بتزود و تكليم مضاف، و «ساعة» مضاف إليه «فما» نافية «زاد» فعل ماض «إلا» أداة استثناء ملغاة «ضعف» مفعول به لزاد، و ضعف مضاف و «ما» اسم موصول مضاف إليه «بى» جار و مجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول «كلامها» كلام: فاعل زاد، و كلام مضاف، و ضمير الغائبة العائد الى ليلى مضاف إليه.

الشاهد فيه: قوله «فما زاد إلا ضعف ما بى كلامها» حيث قدم المفعول به، و هو قوله «ضعف» على الفاعل، و هو قوله «كلامها» مع كون المفعول منحصرا «بإلا» و هذا جائز عند الكسائى و أكثر البصريين، و بقية البصريين يتأولون ذلك البيت-

492

هذا معنى كلام المصنف، و اعلم أن المحصور بـ «إنّما» لا خلاف فى أنه لا يجوز تقديمه، و أما المحصور بإلا ففيه ثلاثة مذاهب:

أحدها-و هو مذهب أكثر البصريين، و الفراء، و ابن الأنبارى-أنه لا يخلو: إما أن يكون المحصور بها فاعلا، أو مفعولا، فإن كان فاعلا امتنع تقديمه؛ فلا يجوز «ما ضرب إلا زيد عمرا» فأما قوله: *فلم يدر إلا اللّه ما هيّجت لنا (1) *[147]فأوّل على أن «ما هيجت» مفعول بفعل محذوف، و التقدير:

«درى ما هيّجت لنا» فلم يتقدم الفاعل المحصور على المفعول؛ لأن هذا ليس مفعولا للفعل المذكور، و إن كان المحصور مفعولا جاز تقديمه؛ نحو «ما ضرب إلا عمرا زيد»

الثانى-و هو مذهب الكسائى-أنه يجوز تقديم المحصور بـ «إلاّ» : فاعلا كان، أو مفعولا.

الثالث-و هو مذهب بعض البصريين، و اختاره الجزولىّ، و الشّلوبين- أنه لا يجوز تقديم المحصور بـ «إلاّ» : فاعلا كان، أو مفعولا.

***

المفعول المتصل بضمير الفاعل، و الفاعل المتصل بضمير المفعول النائب عن الفاعل‏

و شاع نحو «خاف ربّه عمر» # و شذّ نحو «زان نوره الشّجر» (2)

____________

ق-و نحوه بأن فى «زاد» ضميرا مستترا يعود على تكليم ساعة، و هو فاعله، و قوله «كلامها» فاعل بفعل محذوف، و التقدير: زاده كلامها، و هو تأويل مستبعد؛ و لا مقتضى له.

(1) قدمنا ذكر الكلام على هذا الشاهد، و هو الشاهد رقم 147.

(2) «و شاع» فعل ماض «نحو» فاعل شاع «خاف» فعل ماض «ربه» رب: منصوب على التعظيم، و رب مضاف و ضمير الغائب العائد إلى عمر المتأخر لفظا مضاف إليه «عمر» فاعل خاف، و الجملة من خاف و فاعله و مفعوله فى محل جر بإضافة نحو إليها «و شذ» فعل ماض «نحو» فاعل شذ «زان» فعل ماض «نوره» نور: فاعل زان، و نور مضاف، و ضمير الغائب العائد إلى الشجر المتأخر لفظا و رتبة مضاف إليه «الشجر» مفعول به لزان، و جملة زان و فاعله و مفعوله فى محل جر بإضافة-

493

أى: شاع فى لسان العرب تقديم المفعول المشتمل على ضمير يرجع إلى الفاعل المتأخر (1) ، و ذلك نحو «خاف ربّه عمر» فـ «ربّه» مفعول، و قد اشتمل على ضمير يرجع إلى «عمر» و هو الفاعل، و إنما جاز ذلك-و إن كان فيه عود الضمير على متأخر لفظا-لأن الفاعل منوىّ التقديم على المفعول؛ لأن الأصل فى الفاعل أن يتصل بالفعل؛ فهو متقدم رتبة، و إن تأخّر لفظا.

فلو اشتمل المفعول على ضمير يرجع إلى ما اتّصل بالفاعل، فهل يجوز تقديم المفعول على الفاعل؟فى ذلك خلاف، و ذلك نحو «ضرب غلامها جار هند» فمن أجازها-و هو الصحيح-وجّه الجواز بأنه لما عاد الضمير على ما اتصل بما رتبته التقديم كان كعوده على ما رتبته التقديم؛ لأن المتصل بالمتقدم متقدم.

و قوله: «و شذ-إلى آخره» أى شذّ عود الضمير من الفاعل المتقدم على المفعول المتأخر، و ذلك نحو «زان نوره الشّجر» فالهاء المتصلة بنور-الذى هو الفاعل-عائدة على «الشجر» و هو المفعول، و إنما شذ ذلك لأن فيه عود الضمير على متأخر لفظا و رتبة؛ لأن «الشجر» مفعول، و هو متأخّر لفظا، و الأصل فيه أن ينفصل عن الفعل؛ فهو متأخر رتبة، و هذه المسألة ممنوعة عند جمهور النحويين و ما ورد من ذلك تأوّلوه، و أجازها أبو عبد اللّه الطّوال من الكوفيين، و أبو الفتح بن جنى، و تابعهما المصنف‏ (2) ، و مما ورد من ذلك قوله:

____________

ق-نحو إليها، و المراد بنحو «خاف ربه عمر» : كل كلام اتصل فيه ضمير الفاعل المتأخر بالمفعول المتقدم، و المراد بنحو «زان نوره الشجر» : كل كلام اتصل فيه ضمير المفعول المتأخر بالفاعل المتقدم.

(1) من ذلك قول الأعشى ميمون:

كناطح صخرة يوما ليوهنها # فلم يضرها، و أوهى قرنه الوعل‏

(2) ذهب إلى هذا الأخفش أيضا، و ابن حتى تابع فيه له. و قد أيدهما فى ذلك-

494

____________

149

-

لمّا رأى طالبوه مصعبا ذعروا # و كاد، لو ساعد المقدور، ينتصر

____________

ق-المحقق الرضى، قال: و الأولى تجويز ما ذهبا إليه، و لكن على قلة، و ليس للبصرية منعه مع قولهم فى باب التنازع بما قالوا، اهـ، و هو يشير إلى رأى البصريين فى التنازع من تجويزهم إعمال العامل الثانى المتأخر فى لفظ المعمول، و إعمال المتقدم من العاملين فى ضميره؛ إذ فيه عود الضمير على المتأخر.

(149) -البيت لأحد أصحاب مصعب بن الزبير-رضى اللّه عنهما!-يرثيه.

اللغة: «طالبوه» الذين قصدوا قتاله «ذعروا» أخذهم الخوف «كاد ينتصر» لأن خوفهم منه أعظم وسيلة لانتصاره عليهم، و هو مأخوذ من قوله صلّى اللّه عليه و سلّم «نصرت بالرعب» .

الإعراب: «لما» ظرف بمعنى حين مبنى على السكون فى محل نصب بذعر الآتى «رأى» فعل ماض «طالبوه» طالبو: فاعل رأى، و طالبو مضاف و الضمير العائد إلى مصعب مضاف إليه، و الجملة من رأى و فاعله فى محل جر بإضافة لما الظرفية إليها «مصعبا» مفعول به لرأى «ذعروا» فعل ماض مبنى للمجهول و نائب فاعل «و كاد» فعل ماض ناقص، و اسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مصعب «لو» شرطية غير جازمة «ساعد المقدور» فعل و فاعل، و هو شرط لو «ينتصر» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مصعب، و الجملة من ينتصر و فاعله فى محل نصب خبر «كاد» و جواب لو محذوف يدل عليه خبر كاد، و جملة الشرط و الجواب لا محل لها اعتراضية بين كاد و اسمها و بين خبرها.

الشاهد فيه: قوله «رأى طالبوه مصعبا» حيث أخر المفعول عن الفاعل، مع أن مع الفاعل ضميرا يعود على المفعول؛ فعاد الضمير على متأخر لفظا و رتبة.

و من شواهد هذه المسألة-مما لم يذكره الشارح-قول الشاعر:

لمّا عصى أصحابه مصعبا # أدّى إليه الكيل صاعا بصاع‏

و قول الآخر:

ألا ليت شعرى هل يلومنّ قومه # زهيرا على ما جرّ من كلّ جانب‏

-

495

و قوله:

____________

150

-

كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد # و رقى نداه ذا النّدى فى ذرى المجد

____________

ق-و سننشد فى شرح الشاهد رقم 153 الآتى بعض شواهد لهذه المسألة، و نذكر لك ما نرجحه من أقوال العلماء.

(150) -البيت من الشواهد التى لا يعلم قائلها.

اللغة: «كسا» فعل يتعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ و الخبر، تقول:

كسوت محمدا جبة، كما تقول: ألبست عليا قميصا «حلمه» الحلم: الأناة و العقل، و هو أيضا تأخير العقوبة و عدم المعاجلة فيها «سؤدد» هو السيادة «ورقى» بتضعيف القاف-أصل معناه جعله يرقى: أى يصعد، و المرقاة: السلم الذى به تصعد من أسفل إلى أعلى، و المراد رفعه و أعلى منزلته من بين نظرائه «الندى» المراد به الجود و الكرم «ذرى» بضم الذال-جمع ذروة، و هى أعلى الشى‏ء.

الإعراب: «كسا» فعل ماض «حلمه» حلم: فاعل كسا، و حلم مضاف و الضمير مضاف إليه «ذا الحلم» ذا: مفعول أول لكسا، و ذا مضاف و الحلم مضاف إليه «أثواب سؤدد» أثواب: مفعول ثان لكسا، و أثواب مضاف و سؤدد مضاف إليه «ورقى» فعل ماض «نداه» فاعل و مضاف إليه «ذا الندى» مفعول به و مضاف إليه «فى ذرى» جار و مجرور متعلق برقى. و ذرى مضاف، و «المجد» مضاف إليه.

الشاهد فيه: قوله «كسا حلمه ذا الحلم، و رقى نداء ذا الندى» فإن المفعول فيهما متأخر عن الفاعل مع أن مع الفاعل ضميرا يعود على المفعول؛ فيكون فيه إعادة الضمير على متأخر فى اللفظ و الرتبة جميعا، و ذلك لا يجوز عند جمهور البصريين، خلافا لابن جنى-تبعا للأخفش-و للرضى، و ابن مالك فى بعض كتبه‏

كذا قالوا. و نحن نرى أنه لا يبعد-فى هذا البيت-أن يكون الضمير فى «حلمه، و نداه» عائدا على ممدوح ذكر فى أبيات تقدمت البيت الشاهد؛ فيكون المعنى أن حلم هذا الممدوح هو الذى أثر فيمن تراهم من أصحاب الحلم؛ إذ ائتسوا به و جعلوه قدوة لهم، و استمر تأثيره فيهم حتى بلغوا الغاية من هذه الصفة، و أن ندى هذا الممدوح أثر كذلك فيمن تراهم من أصحاب الجود؛ فافهم و أنصف.

496

و قوله:

____________

151

-

و لو أنّ مجدا أخلد الدّهر واحدا # من النّاس أبقى مجده الدّهر مطعما

و قوله.

____________

152

-

جزى ربّه عنّى عدىّ بن حاتم # جزاء الكلاب العاويات و قد فعل‏

____________

(151) -البيت لشاعر الأنصار سيدنا حسان بن ثابت، يرثى مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصى، أحد أجواد مكة، و أول هذه القصيدة قوله:

أ عين ألا ابكى سيّد النّاس، و اسفحى # بدمع، فإن أنزفته فاسكبى الدّما

اللغة: «أ عين» أراد يا عينى، فحذف ياء المتكلم اكتفاء بالكسرة التى قبلها «اسفحى» أسيلى و صبى «أنزفته» أنفدت دمعك فلم يبق منه شى‏ء «أخلد» كتب له الخلود، و دوام البقاء.

المعنى: يريد أنه لا بقاء لأحد فى هذه الحياة مهما يكن نافعا لمجموع البشر.

الإعراب: «لو» شرطية غير جازمة «أن» حرف توكيد و نصب «مجدا» اسم أن، و جملة «أخلد» مع فاعله المستتر فيه فى محل رفع خبر أن. و أن مع دخلت عليه فى تأويل مصدر مرفوع على أنه فاعل لفعل محذوف، و التقدير: لو ثبت إخلاد محد صاحبه، و هذا الفعل هو فعل الشرط «الدهر» منصوب على الظرفية الزمانية، و عامله أخلد «واحدا» مفعول به لأخلد «من الناس» جار و مجرور متعلق بمحذوف صفة لواحد «أبقى» فعل ماض «مجده» مجد: فاعل أبقى، و مجد مضاف و ضمير الغائب العائد إلى مطعم المتأخر مضاف إليه، و الجملة من أبقى و فاعله و مفعوله لا محل لها من الإعراب جواب «لو» «مطعما» مفعول به لأبقى.

الشاهد فيه: قوله «أبقى مجده مطعما» حيث أخر المفعول-و هو قوله مطعما-عن الفاعل، و هو قوله «مجده» مع أن الفاعل مضاف إلى ضمير يعود على المفعول، فيقتضى أن يرجع الضمير إلى متأخر لفظا و رتبة.

(152) -البيت لأبى الأسود الدؤلى، يهجو عدى بن حاتم الطائى، و قد نسبه ابن-

497

و قوله:

____________

153

-

جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر # و حسن فعل كما يجزى سنمّار

____________

ق-جنى إلى النابغة الذبيانى، و هو انتقال ذهن من أبى الفتح، و سببه أن للنابغة الذبيانى قصيدة على هذا الروى.

اللغة: «جزاء الكلاب العاويات» هذا مصدر تشبيهى، و المعنى: جزاه اللّه جزاء مثل جزاء الكلاب العاويات، و يروى «الكلاب العاديات» -بالدال بدال الواو-و هو جمع عاد، و العادى: اسم فاعل من عدا يعدو، إذا ظلم و تجاوز قدره «و قد فعل» يريد أنه تعالى استجاب فيه دعاءه، و حقق فيه رجاءه.

المعنى؛ يدعو على عدى بن حاتم بأن يجزيه اللّه جزاء الكلاب، و هو أن يطرده الناس و ينبذوه و يقذفوه بالأحجار، ثم يقول: إنه سبحانه قد استجاب دعاءه عليه.

الإعراب: «جزى» فعل ماض «ربه» فاعل، و مضاف إليه «عنى» جار و مجرور متعلق بجزى «عدى» مفعول به لجزى «ابن» صفة لعدى، و ابن مضاف و «حاتم» مضاف إليه «جزاء» مفعول مطلق مبين لنوع عامله و هو جزى، و جزاء مضاف، و «الكلاب» مضاف إليه «العاويات» صفة للكلاب «و قد» الواو للحال، قد: حرف تحقيق «فعل» فعل ماض مبنى على الفتح لا محل له، و سكن لأجل الوقف، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ربه، و الجملة فى محل نصب حال.

الشاهد فيه: قوله «جزى ربه.. عدى» حيث أخر المفعول، و هو قوله «عدى» و قدم الفاعل، و هو قوله «ربه» ، مع اتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول.

(153) -نسبوا هذا البيت لسليط بن سعد، و لم أقف له على سابق أو لا حق.

اللغة: «أبا الغيلان» كنية لرجل لم أقف على تعريف له «سنمار» بكسر السين و النون بعدهما ميم مشددة-اسم رجل رومى، يقال: إنه الذى بنى الخورنق-و هو القصر الذى كان بظاهر الكوفة-للنعمان بن امرى‏ء القيس ملك الحيرة، و إنه لما فرغ من بنائه ألقاه النعمان من أعلى القصر؛ لئلا يعمل مثله لغيره، فخر ميتا، و قد ضربت به العرب المثل فى سوء المكافأة، يقولون: «جزانى جزاء سنمار» قال الشاعر (انظر المثل رقم 828 فى مجمع الأمثال 1/159 بتحقيقنا) :

جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا # جزاء سنمّار، و ما كان ذانب‏

-

498

فلو كان الضمير المتصل‏[بالفاعل‏]المتقدم عائدا على ما اتّصل بالمفعول المتأخر امتنعت المسالة، و ذلك نحو «ضرب بعلها صاحب هند» ، و قد نقل بعضهم فى هذه المسألة أيضا خلافا، و الحقّ فيها المنع.

***

____________

ق-الإعراب: «جزى» فعل ماض «بنوه» فاعل، و مضاف إليه «أبا الغيلان» مفعول به و مضاف إليه «عن كبر» جار و مجرور متعلق بجزى «و حسن فعل» الواو عاطفة، و حسن: معطوف على كبر، و حسن مضاف و فعل مضاف إليه «كما» الكاف للتشبيه، و ما: مصدرية «يجزى» فعل مضارع مبنى للمجهول «سنمار» نائب فاعل يجزى، و «ما» و مدخولها فى تأويل مصدر مجرور بالكاف، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا مطلقا مبينا لنوع «جزى» ، و تقدير الكلام: جزى بنوه أبا الغيلان جزاء مشابها لجزاء سنمار.

الشاهد فيه: قوله «جزى بنوه أبا الغيلان» حيث أخر المفعول، و هو قوله «أبا الغيلان» عن الفاعل، و هو قوله «بنوه» ، مع أن الفاعل متصل بضمير عائد على المفعول.

هذا، و من شواهد هذه المسألة مما لم ينشده الشارح-زيادة على ما ذكرناه فى شرح الشاهد رقم 149-قول الشاعر:

و ما نفعت أعماله المرء راجيا # جزاء عليها من سوى من له الأمر

حيث قدم الفاعل-و هو قوله «أعماله» -على المفعول-و هو قوله «المرء» مع أنه قد اتصل بالفاعل ضمير يعود إلى المفعول؛ فجملة ما أنشده الشارح و أنشدناه لهذه المسألة ثمانية شواهد.

و لكثرة شواهد هذه المسألة نرى أن ما ذهب إليه الأخفش-و تابعه عليه أبو الفتح ابن جنى، و الإمام عبد القاهر الجرجانى، و أبو عبد اللّه الطوال، و ابن مالك، و المحقق الرضى-من جواز تقديم الفاعل المتصل بضمير يعود إلى المفعول، هو القول الخليق بأن تأخذ به و تعتمد عليه، و نرى أن الإنصاف و اتباع الدليل يوجبان علينا أن نوافق هؤلاء الأئمة على ما ذهبوا إليه و إن كان الجمهور على خلافه؛ لأن التمسك بالتعليل مع وجود النص على خلافه مما لا يجوز، و أحكام العربية يقضى فيها على وفق ما ورد عن أهلها.

499

النّائب عن الفاعل‏

إذا حذف الفاعل قام المفعول مقامه، و أخذ أحكامه‏

ينوب مفعول به عن فاعل # فيما له، كنيل خير نائل‏ (1)

يحذف الفاعل و يقام المفعول به مقامه، فيعطى ما كان للفاعل: من لزوم الرفع، و وجوب التأخّر عن رافعه، و عدم جواز حذفه‏ (2) ، و ذلك نحو «نيل خير نائل»

____________

(1) «ينوب» فعل مضارع «مفعول» فاعل ينوب «به» جار و مجرور متعلق بمفعول «عن فاعل» جار و مجرور متعلق بينوب أيضا «فيما» مثله، و ما اسم موصول «له» جار و مجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول «كنيل» الكاف جارة لقول محذوف، نيل: فعل ماض مبنى للمجهول «خير نائل» نائب فاعل، و مضاف إليه.

(2) الأغراض التى تدعو المتكلم إلى حذف الفاعل كثيرة جدا، و لكنها-على كثرتها-لا تخلو من أن سببها إما أن يكون شيئا لفظيا أو معنويا.

فأما الأسباب اللفظية فكثيرة: منها القصد إلى الإيجاز فى العبارة نحو قوله تعالى:

(فَعََاقِبُوا بِمِثْلِ مََا عُوقِبْتُمْ بِهِ) و منها المحافظة على السجع فى الكلام المنثور نحو قولهم:

من طابت سريرته حمدت سيرته؛ إذ لو قيل «حمد الناس سيرته» لاختلف إعراب الفاصلتين، و منها المحافظة على الوزن فى الكلام المنظوم، كما فى قول الأعشى ميمون ابن قيس:

علّقتها عرضا، و علّقت رجلا # غيرى، و علّق أخرى غيرها الرّجل‏

فأنت ترى الأعشى قد بنى «علق» فى هذا البيت ثلاث مرات للمجهول؛ لأنه لو ذكر الفاعل فى كل مرة منها أو فى بعضها لما استقام له وزن البيت، و التعليق ههنا:

المحبة، و عرضا: أى من غير قصد منى، و لكن عرضت لى فهويتها.

و أما الأسباب المعنوية فكثيرة: منها كون الفاعل معلوما للمخاطب حتى لا يحتاج إلى ذكره له، و ذلك نحو قوله تعالى: (خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ مِنْ عَجَلٍ) و منها كونه مجهولا للمتكلم فهو لا يستطيع تعيينه للمخاطب و ليس فى ذكره بوصف مفهوم من الفعل فائدة و ذلك كما تقول: سرق متاعى؛ لأنك لا تعرف ذات السارق، و ليس فى قولك «سرق اللص متاعى» فائدة زائدة فى الإفهام على قولك «سرق متاعى» و منها رغبة المتكلم-

500

تغيير صورة الفعل عند إسناده للمفعول‏

فخير نائل: مفعول قائم مقام الفاعل، و الأصل: «نال زيد خير نائل» فحذف الفاعل-و هو «زيد» -و أقيم المفعول به مقامه-و هو «خير نائل» - و لا يجوز تقديمه؛ فلا تقول: «خير نائل نيل» على أن يكون مفعولا مقدما، بل على أن يكون مبتدأ، و خبره الجملة التى بعده-و هى «نيل» ، و المفعول القائم مقام الفاعل ضمير مستتر-و التقدير: «[نيل‏]هو» ، و كذلك لا يجوز حذف «خير نائل» فتقول: «نيل» .

***

فأوّل الفعل اضممن، و المتّصل # بالآخر اكسر فى مضى كوصل‏ (1)

____________

ق-فى الإبهام على السامع، كقولك: تصدق بألف دينار، و منها رغبة المتكلم فى إظهار تعظيمه للفاعل: بصون اسمه عن أن يجرى على لسانه، أو بصونه عن أن يقترن بالمفعول به فى الذكر، كقولك: خلق الخنزير، و منها رغبة المتكلم فى إظهار تحقير الفاعل بصون لسانه عن أن يجرى بذكره، و منها خوف المتكلم من الفاعل فيعرض عن ذكره لئلا يناله منه مكروه، و منها خوف المتكلم على الفاعل فيعرض عن اسمه لئلا يمسه أحد بمكروه.

(1) «فأول» مفعول مقدم، و العامل فيه «اضممن» الآتى، و أول مضاف و «الفعل» مضاف إليه «اضممن» اضمم: فعل أمر، مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و نون التوكيد حرف لا محل له من الإعراب، و الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «و المتصل» الواو حرف عطف، المتصل: مفعول مقدم، و العامل فيه «اكسر» الآتى «بالآخر» جار و مجرور متعلق بالمتصل «اكسر» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «فى مضى» جار و مجرور يتعلق باكسر أو بمحذوف حال «كوصل» الكاف جارة لقول محذوف، و الجار و المجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: و ذلك كائن كقولك-إلخ، و وصل: فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، و الجملة مقول القول المحذوف.

501

و اجعله من مضارع منفتحا # كينتجى المقول فيه: ينتحى‏ (1)

يضمّ أوّل الفعل الذى لم يسمّ فاعله مطلقا، أى: سواء كان ماضيا، أو مضارعا و يكسر ما قبل آخر الماضى، و يفتح ما قبل آخر المضارع.

و مثال ذلك فى الماضى قولك فى وصل: «وصل» و فى المضارع قولك فى «ينتحى» : «ينتحى» .

***

و الثّانى التّالى تا المطاوعه # كالأوّل اجعله بلا منازعه‏ (2)

و ثالث الّذى بهمز الوصل # كالأوّل اجعلنّه كاستحلى‏ (3)

____________

(1) «و اجعله» اجعل: فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الهاء مفعول أول «من مضارع» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال من الهاء «منفتحا» مفعول ثان لا جعل «كينتحى» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف «المقول» نعت لينتحى الذى قصد لفظه «فيه» جار و مجرور متعلق بالمقول «ينتحى» قصد لفظه:

محكى بالقول، فهو نائب فاعل للمقول.

(2) «و الثانى» مفعول أول لفعل محذوف يفسره ما بعده، و التقدير: و اجعل الثانى «التالى» نعت للثانى «تا» قصر للضرورة مفعول به للتالى، و فاعله ضمير مستتر فيه، و تا مضاف، و «المطاوعة» مضاف إليه «كالأول» جار و مجرور فى موضع المفعول الثانى لا جعل الآتى «اجعله» اجعل: فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الهاء مفعول أول «بلا منازعة» الباء حرف جر، و لا: اسم بمعنى غير مجرور محلا بالباء، و قد ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، و الجار و المجرور متعلق باجعل، و لا مضاف، و منازعة: مضاف إليه، مجرور بالكسرة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية، و سكن لأجل الوقف.

(3) «و ثالث» مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، و ثالث مضاف و «الذى» مضاف إليه «بهمز» جار و مجرور متعلق بمحذوف صلة الذى، و همز مضاف، -

502

إذا كان الفعل المبنىّ للمفعول مفتتحا بتاء المطاوعة ضمّ أوله و ثانيه، و ذلك كقولك فى «تدحرج» : «تدحرج» و فى «تكسّر» ؛ «تكسّر» و فى «تغافل» : «تغوفل» .

و إن كان مفتتحا بهمزة وصل ضمّ أوله و ثالثه، ذلك كقولك فى «استحلى» :

«استحلى» و فى «اقتدر» : «اقتدر» و فى «انطلق» : «انطلق» .

***

لك فى الفعل الأجوف الثلاثى إذا أسند إلى المفعول ثلاثة أوجه‏

و اكسر أواشمم فاثلاثىّ أعل # عينا، و ضمّ جا كـ «بوع» فاحتمل‏ (1)

إذا كان الفعل المبنىّ للمفعول ثلاثيا معتلّ العين سمع فى فائه ثلاثة أوجه:

(1) إخلاص الكسر، نحو «قيل، و بيع» و منه قوله:

____________

154

-

حيكت على نيرين إذ تحاك # تختبط الشّوك و لا تشاك‏

____________

ق- «الوصل» مضاف إليه «كالأول» جار و مجرور فى موضع المفعول الثانى لا جعل مقدما عليه «اجعلنه» اجعل: فعل أمر، و النون للتوكيد، و الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الهاء مفعول أول «كاستحلى» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف على النحو الذى سبق مرارا.

(1) «و اكسر» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «أو اشمم» مثله، و الجملة معطوفة على الجملة السابقة «فا» مفعول به تنازعه العاملان، و فا مضاف، و «ثلاثى» مضاف إليه «أعل» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ثلاثى، و الجملة فى محل جر نعت لثلاثى «عينا» تمييز «و ضم» مبتدأ «جا» أصله جاء، و قصره للضرورة: فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ضم، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «كبوع» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال «فاحتمل» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «ضم» .

(154) -البيت لراجز لم يعينوه.

اللغة: «حيكت» نسجت، و تقول: حاك الثوب محوكه حوكا و حياكة «نيرين» -