شرح ابن عقيل

- عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل المزيد...
686 /
103

كذاك خلتنيه، و اتّصالا # أختار، غيرى اختار الانفصالا (1)

أشار فى هذين البيتين إلى المواضع التى يجوز أن يؤتى فيها بالضمير منفصلا مع إمكان أن يؤتى به متصلا.

فأشار بقوله: «سلنيه» إلى ما يتعدّى إلى مفعولين الثانى منها ليس خيرا فى الأصل، و هما ضميران، نحو: «الدّرهم سلنيه» فيجوز لك فى هاء «سلنيه» الاتصال نحو سلنيه، و الانفصال نحو سلنى إيّاه، و كذلك كل فعل أشبهه، نحو الدّرهم أعطيتكه، و أعطيتك إيّاه.

و ظاهر كلام المصنف أنه يجوز فى هذه المسألة الانفصال و الاتصال على السواء، و هو ظاهر كلام أكثر النحويين، و ظاهر كلام سيبويه أن الاتصال فيها واجب، و أن الانفصال مخصوص بالشعر.

و أشار بقوله: «فى كنته الخلف انتمى» إلى أنه إذا كان خبر «كان» و أخواتها ضميرا، فإنه يجوز اتصاله و انفصاله، و اختلف فى المختار منهما؛ فاختار المصنف

____________

ق-لها صلة ما «فى كنته» جار و مجرور متعلق بانتمى «الخلف» مبتدأ «انتمى» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخلف، و الجملة من انتمى و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ، و انتمى معناه انتسب، و المراد أن بين العلماء خلافا فى هذه المسألة، و أن هذا الخلاف معروف، و كل قول فيه معروف النسبة إلى قائله.

(1) «كذاك» الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و الكاف حرف خطاب «خلتنيه» قصد لفظه: مبتدأ مؤخر «و اتصالا» الواو عاطفة، اتصالا: مفعول مقدم لأختار «أختار» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا «غيرى غير:

مبتدأ، و غير مضاف و الياء التى للمتكلم مضاف إليه «اختار» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود لغيرى، و الجملة من اختار و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ «الانفصالا» مفعول به لاختار، و الألف للاطلاق.

104

الاتصال، نحو كنته، و اختار سيبويه الانفصال، نحو كنت إياه‏ (1) ، [تقول؛ الصّديق كنته، و كنت إيّاه‏].

و كذلك المختار عند المصنف الاتصال فى نحو «خلتنيه» (2) و هو: كلّ فعل تعدّى إلى مفعولين الثانى منهما خبر فى الأصل، و هما ضميران، و مذهب سيبويه أن المختار فى هذا أيضا الانفصال، نحو خلتنى إيّاه، و مذهب سيبويه أرجح؛ لأنه هو الكثير فى لسان العرب على ما حكاه سيبويه عنهم و هو المشافه لهم، قال الشاعر:

____________

(1) قد ورد الأمران كثيرا فى كلام العرب؛ فمن الانفصال قول عمر بن أبى ربيعة المخزومى:

لئن كان إيّاه لقد حال بعدنا # عن العهد، و الإنسان قد يتغيّر

و قول الآخر:

ليس إيّاى و إيّا # ك، و لا نخشى رقيبا

و من الاتصال قول أبى الأسود الدؤلى يخاطب غلاما له كان يشرب النبيذ فيضطرب شأنه و تسوء حاله:

فإن لا يكنها أو تكنه فإنّه # أخوها غذته أمّه بلبانها

و قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لعمر بن الخطاب فى شأن ابن الصياد: «إن يسكنه فلن تسلط عليه، و إلا يكنه فلا خير لك فى قتله» و منه الشاهد رقم 17 الآتى فى ص 109.

(2) قد ورد الأمران فى فصيح الكلام أيضا، فمن الاتصال قوله تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اَللََّهُ فِي مَنََامِكَ قَلِيلاً، وَ لَوْ أَرََاكَهُمْ كَثِيراً) و قول الشاعر:

بلّغت صنع امرى‏ء برّ إخالكه # إذ لم تزل لاكتساب الحمد معتذرا

و من الانفصال قول الشاعر:

أخى حسبتك إيّاه، و قد ملئت # أرجاء صدرك بالأضغان و الإحن‏

غ

105

(16) -

إذا قالت حذام فصدّقوها # فإنّ القول ما قالت حذام‏

***

____________

(16) -هذا البيت قيل إنه لديسم بن طارق أحد شعراء الجاهلية، و قد جرى مجرى المثل، و صار يضرب لكل من يعتد بكلامه، و يتمسك بمقاله، و لا يلتفت إلى ما يقول غيره، و فى هذا جاء به الشارح، و هو يريد أن سيبويه هو الرجل الذى يعتد بقوله، و يعتبر نقله؛ لأنه هو الذى شافه العرب، و عنهم أخذ، و من ألسنتهم استمد.

المفردات: «حذام» اسم امرأة، زعم بعض أرباب الحواشى أنها الزباء، و قال:

و قيل غيرها، و نقول: الذى عليه الأدباء أنها زرقاء اليمامة، و هى امرأة من بنات لقمان بن عاد، و كانت ملكة اليمامة، و اليمامة اسمها، فسميت البلد باسمها، زعموا أنها كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام، و هى التى يشير إليها النابغة الذبيانى فى قوله:

و احكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت # إلى حمام سراع وارد الثّمد

قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا # إلى حمامتنا أو نصفه فقد

الإعراب: «إذا» ظرف تضمن معنى الشرط «قالت» قال: فعل ماض، و التاء للتأنيث «حذام» فاعل قال، مبنى على الكسر فى محل رفع «فصدقوها» الفاء واقعة فى جواب إذا، و صدق: فعل أمر مبنى على حذف النون، و الواو فاعل، و ها: مفعول به «فإن» الفاء للعطف، و فيها معنى التعليل، و إن: حرف توكيد و نصب «القول» اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة «ما» اسم موصول خبر إن، مبنى، على السكون فى محل رفع «قالت» قال: فعل ماض، و التاء للتأنيث «حذام» فاعل قالت، و الجملة من الفعل و الفاعل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، و العائد محذوف، أى ما قالته حذام.

التمثيل به: قد جاء الشارح بهذا البيت و هو يزعم أن مذهب سيبويه أرجح مما ذهب إليه الناظم، و كأنه أراد أن يعرف الحق بأن يكون منسوبا إلى عالم جليل كسيبويه، و هى فكرة لا يجوز للعلماء أن يتمسكوا بها، ثم إن الأرجح فى المسألة ليس هو ما ذهب إليه سيبويه و الجمهور، بل الأرجح ما ذهب إليه ابن مالك، و الرمانى، و ابن الطراوة من أن الاتصال أرجح فى خبر كان و فى المفعول الثانى من معمولى ظن و أخواتها، و ذلك-

106

و قدّم الأخصّ فى اتّصال # و قدّمن ما شئت فى انفصال‏ (1)

ضمير المتكلم أخصّ من ضمير المخاطب، و ضمير المخاطب أخصّ من ضمير الغائب؛ فإن اجتمع ضميران منصوبان أحدهما أخصّ من الآخر؛ فإن كانا متصلين وجب تقديم الأخصّ منهما؛ فتقول: الدرهم أعطيتكه و أعطيتنيه، بتقديم الكاف و الياء على الهاء؛ لأنها أخصّ من الهاء؛ لأن الكاف للمخاطب، و الياء للمتكلم، و الهاء للغائب، و لا يجوز تقديم الغائب مع الاتّصال؛ فلا تقول:

أعطيتهوك، و لا أعطيتهونى، و أجازه قوم، و منه ما رواه ابن الأثير فى غريب الحديث من قول عثمان رضى اللّه عنه: «أراهمنى الباطل شيطانا» ؛ فإن فصل أحدهما كنت بالخيار؛ فإن شئت قدّمت الأخصّ، فقلت: الدرهم أعطيتك إياه، و أعطيتنى إياه، و إن شئت فدّمت غير الأخصّ، فقلت: أعطيته إيّاك،

____________

ق-من قبل أن الاتصال فى البابين أكثر ورودا عن العرب؛ و قد ورد الاتصال فى خبر «كان» فى الحديث الذى رويناه لك، و ورد الاتصال فى المفعول الثانى من باب ظن فى القرآن الكريم فيما قد تلونا من الآيات، و لم يرد فى القرآن الانفصال فى أحد البابين أصلا، و بحسبك أن يكون الاتصال هو الطريق الذى استعمله القرآن الكريم باطراد.

(1) «و قدم» الواو عاطفة، قدم: فعل أمر مبنى على السكون لا محل له من الإعراب، و حرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «الأخص» مفعول به لقدم «فى اتصال» جار و مجرور متعلق بقدم «و قد من» الواو عاطفة، قدم: فعل أمر، مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «ما» اسم موصول مفعول به لقدم المؤكد، مبنى على السكون فى محل نصب «شئت» فعل و فاعل، و جملتهما لا محل لها صلة ما الموصولة، و العائد محذوف، و التقدير: و قد من الذى شئنه «فى انفصال» جار و مجرور متعلق بقدمن.

107

و أعطيته إياى، و إليه أشار بقوله: «و قدّمن ما شئت فى انفصال» و هذا الذى ذكره ليس على إطلاقه، بل إنما يجوز تقديم غير الأخصّ فى الانفصال عند أمن اللّبس، فإن خيف لبس لم يجز؛ فإن قلت: زيد أعطيتك إيّاه‏ (1) ، لم يجز تقديم الغائب، فلا تقول: زيد أعطيته إياك؛ لأنه لا يعلم هل زيد مأخوذ أو آخذ.

***

و فى اتّحاد الرّتبة الزم فصلا # و قد يييح الغيب فيه وصلا (2)

إذا اجتمع ضميران، و كانا منصوبين، و اتّحدا فى الرّتية-كأن يكونا لمتكلمين، أو مخاطبين، أو غائبين-فإنه يلزم الفصل فى أحدهما؛ فتقول:

أعطيتنى إيّاى، و أعطيتك إيّاك، و أعطيته إيّاه، و لا يجوز اتصال الضميرين، فلا تقول: أعطيتنينى، و لا أعطيتكك، و لا أعطيتهوه؛ نعم إن كانا غائبين و اختلف لفظهما فقد يتصلان، نحو الزّيدان الدّرهم أعطيتهماه، و إليه أشار بقوله فى الكافية:

____________

(1) إنما يقع اللبس فيما إذا كان كل من المفعولين يصلح أن يكون فاعلا كما ترى فى مثال الشارح، أ لست ترى أن المخاطب و زيدا يصلح كل منهما أن يكون آخذا و يصلح أن يكون مأخوذا، أما نحو «الدرهم أعطيته إياك» أو «الدرهم أعطيتك إباه» فلا لبس لأن المخاطب آخذ تقدم أو تأخر، و الدرهم مأخوذ تقدم أو تأخر.

(2) «و فى اتحاد» الواو حرف عطف، و الجار و المجرور متعلق بالزم الآتى، و اتحاد مضاف و «الرتبة» مضاف إليه «الزم» فعل أمر مبنى على السكون لا محل له من الإعراب، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «فصلا» مفعول به لا لزم «و قد» الواو عاطفة، قد: حرف دال على التقليل «يبيح» فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة «الغيب» فاعل يبيح «فيه» جار و مجرور متعلق بيبييح «وصلا» مفعول به ليبيح.

108

تلزم نون الوقاية قبل ياء المتكلم فى الفعل‏

مع اختلاف ما، و نحو «ضمنت # إيّاهم الأرض» الضّرورة اقتضت‏

و ربما أثبت هذا البيت فى بعض نسخ الألفية، و ليس منها، و أشار بقوله:

«و نحو ضمنت-إلى آخر البيت» إلى أن الإتيان بالضمير منفصلا فى موضع يجب فيه اتّصاله ضرورة، كقوله:

بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت # إيّاهم الأرض فى دهر الدّهارير (1) [15]

و قد تقدم ذكر ذلك.

***

و قبل يا النّفس مع الفعل التزم # نون وقاية، و «ليسى» قد نظم‏ (2)

إذا اتصل بالفعل ياء المتكلم لحقته لزوما نون تسمى نون الوقاية، و سميت بذلك لأنها تقى الفعل من الكسر، و ذلك نحو «أكرمنى، و يكرمنى، و أكرمنى» و قد جاء حذفها مع «ليس» شذوذا، كما قال الشاعر:

____________

(1) مضى شرح هذا البيت قريبا (ص 101) فارجع إليه هناك، و هو الشاهد رقم 15

(2) «و قبل» الواو حرف عطف، قبل ظرف زمان متعلق بالتزم الآتى، و قبل مضاف و «يا» مضاف إليه، و يا مضاف و «النفس» مضاف إليه «مع» ظرف متعلق بمحذوف حال من يا النفس، و مع مضاف و «الفعل» مضاف إليه «التزم» فعل ماض مبنى للمجهول مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب، و سكن لأجل الوقف «نون» نائب فاعل لا لتزم مرفوع بالضمة، و نون مضاف و «قاية» مضاف إليه «و ليسى» الواو عاطفة، ليسى: قصد لفظه مبتدأ «قد» حرف تحقيق «نظم» فعل ماض مبنى للمجهول مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب. و سكنه لأجل الوقف، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ليسى، و الجملة من الفعل و نائب الفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ.

109

(17) -

عددت قومى كعديد الطّيس # إذ ذهب القوم الكرام ليسى‏

____________

(17) -هذا البيت نسبه جماعة من العلماء-و منهم ابن منظور فى لسان العرب (ط ى س) -لرؤبة بن العجاج، و ليس موجودا فى ديوان رجزه، و لكنه موجود فى زيادات الديوان.

اللغة: «كعديد» العديد كالعدد، يقال: هم عديد الثرى، أى عددهم مثل عدده، و «الطيس» -بفتح الطاء المهملة، و سكون الياء المثناة من تحت، و فى آخره سين مهملة-الرمل الكثير، و قال ابن منظور: «و اختلفوا فى تفسير الطيس، فقال بعضهم: كل من على ظهر الأرض من الأنام فهو من الطيس، و قال بعضهم: بل هو كل خلق كثير النسل نحو النمل و الذباب و الهوام، و قيل: يعنى الكثير من الرمل» اهـ «ليسى» أراد غيرى، استثنى نفسه من القوم الكرام الذين ذهبوا، هذا و يروى صدر الشاهد:

*عهدى بقومى كعديد الطّيس*

و هى الرواية الصحيحة المعنى.

المعنى: يفخر بقومه، و يتحسر على ذهابهم، فيقول: عهدى بقومى الكرام الكثيرين كثرة تشبه كثرة الرمل حاصل، و قد ذهبوا إلا إياى، فإننى بقيت بعدهم خلفا عنهم.

الإعراب: «عددت» فعل و فاعل «قومى» قوم: مفعول به، و قوم مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه «كعديد» جار و مجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف، و التقدير: عددتهم عدا مثل عديد، و عديد مضاف و «الطيس» مضاف إليه «إذ» ظرف دال على الزمان الماضى، متعلق بعددت «ذهب» فعل ماض «القوم» فاعله «الكرام» صفة له، و الجملة فى محل جر بإضافة الظرف إليها «ليسى» ليس: فعل ماض ناقص دال على الاستثناء، و اسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود على البعض المفهوم من القوم، و الياء خبره مبنى على السكون فى محل نصب.

الشاهد فيه: فى هذا البيت شاهدان، و كلاهما فى لفظ «ليسى» أما الأول فإنه أتى يخبره ضميرا متصلاء و لا يجوز عند جمهرة النحاة أن يكون إلا منفصلا، فكان يجب عليه-على مذهبهم هذا-أن يقول: ذهب القوم الكرام ليس إياى. و الثانى-و هو-

110

و اختلف فى أفعل التعجب: هل تلزمه نوز الوقاية أم لا؟فتقول: ما أفقرنى إلى عفو اللّه، و ما أفقرى إلى عفو اللّه، عند من لا يلتزمها فيه، و الصحيح أنها تلزم‏ (1) .

***

نون الوقاية قبل ياء المتكلم مع الحرف‏

«ليتنى» فشا، و «ليتى» ندرا # و مع «لعلّ» اعكس، و كن مخبّرا (2)

فى الباقيات، و اضطرارا خفّفا # منّى و عنّى بعض من قد سلفا (3)

____________

ق-الذى جاء الشارح بالبيت من أجله هنا-حيث حذف نون الوقاية من ليس مع اتصالها بياء المتكلم، و ذلك شاذ عند الجمهور الذين ذهبوا إلى أن «ليس» فعل، و انظر ما ذكرناه فى ص 104.

(1) الخلاف بين البصريين و الكوفيين فى اقتران نون الوقاية بأفعل فى التعجب مبنى على اختلافهم فى أنه هو اسم أو فعل، فقال الكوفيون: هو اسم، و على هذا لا تتصل به نون الوقاية؛ لأنها إنما تدخل على الأفعال لتقيها الكسر الذى ليس منها فى شى‏ء، و قال البصريون: هو فعل، و على هذا يجب اتصاله بنون الوقاية لتقيه الكسر.

(2) «و ليتنى» الواو عاطفة، ليتنى قصد لفظه: مبتدأ «فشا» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ليتنى، و الجملة من فشا و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ «و ليتى» قصد لفظه أيضا: مبتدأ «ندرا» فعل ماض، و الألف للاطلاق، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ليتى، و الجملة من ندر و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ «و مع» الواو عاطفة، مع: ظرف متعلق باعكس الآتى، و مع مضاف و «لعل» قصد لفظه: مضاف إليه «اعكس» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و مفعوله محذوف، و التقدير: و اعكس الحكم مع لعل «و كن» الواو عاطفة، كن: فعل أمر ناقص، و اسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «مخيرا» خبره.

(3) «فى الباقيات» جار و مجرور متعلق بمخير فى البيت السابق «و اضطرارا» الواو عاطفة، اضطرارا: مفعول لأجله «خففا» فعل ماض، و الألف للاطلاق «منى» قصد لفظه: مفعول به لخفف «و عنى» قصد لفظه أيضا: معطوف على منى-

111

ذكر فى هذين البيتين حكم نون الوقاية مع الحروف؛ فذكر «ليت» و أن نون الوقايه لا تحذف منها، إلا ندورا، كقوله:

(18) -

كمنية جابر إذ قال: ليتى # أصادفه و أتلف جلّ مالى‏

____________

ق- «بعض» فاعل خفف، و بعض مضاف، و «من» اسم موصول: مضاف إليه، مبنى على السكون فى محل جر «قد» حرف تحقيق «سلفا، فعل ماض، و الألف للاطلاق، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على من الموصولة، و الجملة من سلف و فاعله لا محل لها من الإعراب صلة الموصول الذى هو من.

(18) -هذا البيت لزيد الخير الطائى، و هو الذى سماه النبى صلّى اللّه عليه و سلّم بهذا الاسم، و كان اسمه فى الجاهلية قبل هذه التسمية زيد الخيل؛ لأنه كان فارسا.

اللغة: «المنية» بضم فسكون-اسم للشى‏ء الذى تتمناه، و هى أيضا اسم للتمنى، و المنية المشبهة بمنية جابر تقدم ذكرها فى بيت قبل بيت الشاهد، و ذلك فى قوله:

تمنّى مزيد زيدا فلاقى # أخاثقة إذا اختلف العوالى

كمنية جابر، إذ قال: ليتى # أصادفه و أفقد جلّ مالى

تلاقينا، فما كنّا سواء # و لكن خرّ عن حال لحال

و لو لا قوله: يا زيد قدنى؛ # لقد قامت نويرة بالمآلى

شككت ثيابه لمّا التقينا # بمطّرد المهزّة كالخلال‏

«مزيد» بفتح الميم و سكون الزاى: رجل من بنى أسد، و كان يتمنى لقاء زيد و يزعم أنه إلى لقيه نال منه، فلما تلاقيا طعنه زيد طعنة فولى هاربا «أخاثقة» أى صاحب وثوق فى نفسه و اصطبار على منازلة الأقران فى الحرب «العوالى» جمع عالية، و هى ما يلى موضع السنان من الرمح، و اختلافها: ذهابها فى جهة العدو و مجيئها عند الطعن «جابر» رجل من غطفان، كان يتمنى لقاء زيد، فلما تلاقيا قهره زيد و غلبه «و أتلف» يروى «و أفقد» .

الإعراب: «كمنية» جار و مجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف، و التقدير: تمنى مزيد تمنيا مشابها لمنية جابر، و منية مضاف و «جابر» مضاف إليه «إذ» ظرف للماضى من الزمان «قال» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا-

112

و الكثير فى لسان العرب ثبوتها، و به ورد القرآن، قال اللّه تعالى:

(يََا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ) .

و أما «لعلّ» فذكر أنها بعكس ليت؛ فالفصيح تجريدها من النون كقوله تعالى-حكاية عن فرعون- (لعلّى أبلع الأسباب) و يقلّ ثبوت النون، كقول الشاعر:

____________

ق-تقديره هو يعود إلى جابر، و الجملة فى محل جر بإضافه إذ إليها «ليتى» ليت: حرف تمن و نصب، و الياء اسمه، مبنى على السكون فى محل نصب «أصادف» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و الهاء مفعول به، و الجملة فى محل رفع خبر ليت «و أفقد» الواو حالية، و أفقد: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و الجملة فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، و تقديره: و أنا أفقد، و جملة المبتدأ و خبره فى محل نصب حال «جل» مفعول به لأفقد، و جل مضاف و مال من «مالى» مضاف إليه و مال مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه.

الشاهد فيه: قوله «ليتى» حيث حذف نون الوقاية من ليت الناصبة لياء المتكلم، و ظاهر كلام المصنف و الشارح أن هذا الحذف ليس بشاذ، و إنما هو نادر قليل، و هذا الكلام على هذا الوجه هو مذهب الفراء من النحاة؛ فإنه لا يلزم عنده أن تجى‏ء بنون الوقاية مع ليت، بل يجوز لك فى السعة أن تتركها، و إن كان الإتيان بها أولى، و عبارة سيبويه تفيد أن ترك النون ضرورة حيث قال: «و قد قالت الشعراء «ليتى» إذا اضطروا كانهم شبهوه بالاسم حيث قالوا: الضاربى» اهـ، و انظر شرح الشاهد (21) الآنى.

و مثل هذا الشاهد-فى حذف نون الوقاية مع ليت-قول ورقة بن نوفل الأسدى:

فيا ليتى إذا ما كان ذاكم # و لجت و كنت أوّلهم ولوجا

و قد جمع بين ذكر النون و تركها حارثة بن عبيد البكرى أحد المعمرين فى قوله:

ألا يا ليتنى أنضيت عمرى # و هل يجدى علىّ اليوم ليتى؟

113

(19) -

فقلت: أعيرانى القدوم؛ لعلّنى # أخطّ بها قبرا لأبيض ماجد

____________

(19) -هذا البيت من الشواهد التى لا يعرف قائلها.

اللغة: «أعيرانى» و يروى «أعيرونى» و كلاهما أمر من العارية، و هى أن تعطى غيرك ما بنتفع به مع بقاء عينه ثم يرده إليك «القدوم» -بفتح القاف و ضم الدال المخففة-الآلة التى ينجر بها الخشب «أخط بها» أى أنحت بها، و أصل الخط من قولهم: خط بأصبعه فى الرمل «قبرا» المراد به الجفن، أى القراب، و هو الجراب الذى يغمد فيه السيف «لأبيض ماجد» لسيف صقيل.

الإعراب: «فقلت» فعل و فاعل «أعيرانى» أعيرا: فعل أمر مبنى على حذف النون، و الألف ضمير الاثنين فاعل، و النون للوقاية، و الياء مفعول أول لأعيرا «القدوم» مفعول ثان لأعيرا «لعلنى» لعل: حرف تعليل و نصب، و النون للوقاية، و الياء اسمها «أخط» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و جملة المضارع و فاعله فى محل رفع خبر لعل «بها» جار و مجرور متعلق بأخط «قبرا» مفعول به لأخط «لأبيض» اللام حرف جر، و أبيض مجرور بها، و علامة جر، الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف، و المانع له من الصرف الوصفية و وزن الفعل، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف صفة لقبر «ماجد» صفة لأبيض، مجرور بالكسرة الظاهرة.

الشاهد فيه: قوله «لعلنى» حيث جاء بنون الوقاية مع لعل، و هو قليل.

و نظيره قول حاتم الطائى يخاطب امرأته، و كانت قد لامته على البذل و الجود:

أرينى جوادا مات هزلا لعلّنى # أرى ما ترين، أو بخيلا مخلّدا

و الكثير فى الاستعمال حذف النون مع «لعل» و هو الذى استعمله القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: (لَعَلِّي أَبْلُغُ اَلْأَسْبََابَ) و قوله سبحانه: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صََالِحاً) ، و منه قول الفرزدق:

و إنّى لراج نظرة قبل الّتى # لعلّى-و إن شطّت نواها-أزورها

و قول الآخر:

ولى نفس تنازعنى إذا ما # أقول لها: لعلّى أو عسانى‏

114

ثم ذكر أنك بالخيار فى الباقيات، أى: فى باقى أخوات ليت و لعلّ-و هى:

إنّ، و أنّ، و كأنّ، و لكنّ-فتقول: إنّى و إنّنى، و أنّى و أنّنى، و كأنّى و كأنّنى، و لكنّى و لكنّنى.

ثم ذكر أن «من، و عن» تلزمهما نون الوقاية؛ فتقول: منّى و عنّى- بالتشديد-و منهم من يحذف النون؛ فيقول: منى و عنى-بالتخفيف-و هو شاذ، قال الشاعر:

(20) -

أيّها السّائل عنهم و عنى # لست من قيس و لا قيس منى‏

***

____________

(20) -و هذا البيت أيضا من الشواهد المجهول قائلها، بل قال ابن الناظم: إنه من وضع النحويين، و قال ابن هشام عنه «و فى النفس من هذا البيت شى‏ء» و وجه تشكك هذين العالمين المحققين فى هذا البيت أنه قد اجتمع الحرفان «من» و «عن» و أتى بهما على لغة غير مشهورة من لغات العرب، و هذا يدل على قصد ذلك و تكلفه.

اللغة: «قيس» هو قيس عيلان أبو قبيلة من مضر، و اسمه الناس-بهمزة وصل و نون-ابن مضر بن نزار، و هو أخو إلياس-بياء مثناة تحتية-و قيس هنا غير منصرف للعلمية و التأنيث المعنوى؛ لأنه بمعنى القبيلة، و بعضهم يقول: قيس ابن عيلان.

الإعراب: «أيها» أى: منادى حذف منه ياء النداء، مبنى على الضم فى محل نصب، و ها للتنبيه «السائل» صفة لأى «عنهم» جار و مجرور متعلق بالسائل «و عنى» معطوف على عنهم «لست» ليس: فعل ماض ناقص، و التاء اسمها «من قيس» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر ليس «و لا» الواو عاطفة، و لا نافية «قيس» مبتدأ «منى» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و هذه الجملة معطوفة على جملة ليس و اسمها و خبرها.

الشاهد فيه: قوله «عنى» و «منى» حيث حذف نون الوقاية منهما شذوذا للضرورة.

115

نون الوقاية قبل ياء المتكلم مع لدن و قد

و فى لدنّى لدنى قلّ، و فى # قدنى و قطنى الحذف أيضا قد يفى‏ (1)

أشار بهذا إلى أن الفصيح فى «لدنّى» إثبات النون، كقوله تعالى: (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) و يقلّ حذفها، كقراءة من قرأ (مِنْ لَدُنِّي) بالتخفيف و الكثير فى «قد، و قط» ثبوت النون، نحو: قدنى و قطنى، و يقل الحذف نحو: قدى و قطى، أى حسبى، و قد اجتمع الحذف و الإثبات فى قوله:

(21) -

قدنى من نصر الخبيبين قدى # [ليس الإمام بالشّحيح الملحد]

***

____________

(1) «فى لدنى» جار و مجرور متعلق بقل «لدنى» قصد لفظه: مبتدأ «قل» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على لدنى المخففة، و الجملة من قل و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ «و فى قدنى» جار و مجرور متعلق بيفى الآتى «و قطنى» معطوف على قدنى «الحذف» مبتدأ «أيضا» مفعول مطلق لفعل محذوف «قد» حرف تقليل «يفى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الحذف، و الجملة من يفى و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ الدى هو «الحذف» و الجملة معطوفة على جملة المبتدأ و الخبر السابقة.

(21) -هذا البيت لأبى نخيلة حميد بن مالك الأرقط، أحد شعراء عصر بنى أمية، من أرجوزة له يمدح بها الحجاج بن يوسف الثقفى، و يعرض بعبد اللّه بن الزبير.

اللغة: أراد بالخبيبين عبد اللّه بن الزبير-و كنيته أبو خبيب-و مصعبا أخاه، و غلبه لشهرته، و يروى «الخبيبين» -بصيغة الجمع-يريد أبا خبيب و شيعته، و معنى «قدنى» حسبى و كفانى «ليس الإمام إلخ» أراد بهذه الجملة التعريض بعبد اللّه بن الزبير؛ لأنه كان قد نصب نفسه خليفة بعد موت معاوية بن يزيد، و كان-مع ذلك- مبخلا لا تبض يده بعطاء.

الإعراب: «قدنى» قد: اسم بمعنى حسب مبتدأ، مبنى على السكون فى محل رفع، و النون للوقاية، و قد مضاف و الياء التى للمتكلم مضاف إليه مبنى على السكون فى-

116

...

____________

ق-محل جر «من نصر» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و نصر مضاف و «الخبيبين» مضاف إليه «قدى» يجوز أن يكون قد هنا اسم فعل، و قد جعله ابن هشام اسم فعل مضارع بمعنى يكفينى، و جعله غيره اسم فعل ماض بمعنى كفانى، و جعله آخرون اسم فعل أمر بمعنى ليكفنى، و هذا رأى ضعيف جدا، و ياء المتكلم على هذه الآراء مفعول به، و يجوز أن يكون قد اسما بمعنى حسب مبتدأ، و ياء المتكلم مضاف إليه، و الخبر محذوف، و جملة المبتدأ و خبره مؤكدة لجملة المبتدأ و خبره السابقة «ليس» فعل ماض ناقص «الإمام» اسمها «بالشحيح» الباء حرف جر زائد، الشحيح: خبر ليس منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد «الملحد» صفة للشحيح.

الشاهد فيه: قوله «قدنى» و «قدى» حيث أثبت النون فى الأولى و حذفها من الثانية و قد اضطربت عبارات النحويين فى ذلك؛ فقال قوم: إن الحذف غير شاذ، و لكنه قليل، و تبعهم المصنف و الشارح، و قال سيبويه: «و قد يقولون فى الشعر قطى و قدى فأما الكلام فلا بد فيه من النون، و قد اضطر الشاعر فقال قدى شبهه بحسبى لأن المعنى واحد» اهـ. و قال الأعلم: «و إثباتها (النون) فى قد و قط هو المستعمل؛ لأنهما فى البناء و مضارعة الحروف بمنزلة من و عن، فتلزمهما النون المكسورة قبل الياء؛ لئلا يغير آخرهما عن السكون» اهـ و قال الجوهرى: «و أما قولهم قدك بمعنى حسب فهو اسم، و تقول: قدى، و قدنى أيضا بالنون على غير قياس؛ لأن هذه النون إنما تزاد فى الأفعال وقاية لها، مثل ضربنى و شتمنى» و قال ابن برى يرد على الجوهرى «و هم الجوهرى فى قوله إن النون فى قدنى زيدت على غير قياس» و جعل النون مخصوصا بالفعل لا غير، و ليس كذلك، و إنما تزاد وقاية لحركة أو سكون فى فعل أو حرف، كقولك فى من و عن إذا أضفتهما لنفسك: منى و عنى؛ فزدت نون الوقاية لتبقى نون من و عن على سكونها، و كذلك فى قد و قط، و تقول: قدنى و قطنى؛ فتزيد نون الوقاية لتبقى الدال و الطاء على سكونها، و كذلك زادوها فى ليت، فقالوا: ليتنى، لتبقى حركة التاء على حالها، و كذلك قالوا فى ضرب: ضربنى، لتبقى الباء على فتحها، و كذلك قالوا فى اضرب: اضربنى، أدخلوا نون الوقاية لتبقى الباء على سكونها» اهـ.

117

...

____________

قو لابن هشام ههنا كلام كثير و تفريعات طويلة لم يسبقه إليها أحد من قدامى العلماء و هى فى مغنى اللبيب، و قد عنينا بذكرها و الرد عليها فى حواشينا المستفيضة على شرح الأشمونى فارجع إليها هناك إن شئت (و انظر الأبيات التى أنشدناها فى شرح الشاهد رقم 18 ففيها شاهد لهذه المسألة، و هو رابع تلك الأبيات) .

هذا، و لم يتكلم المصنف و لا الشارح عن الاسم المعرب إذا أضيف لياء المتكلم.

و اعلم أن الأصل فى الاسم المعرب ألا تتصل به نون الوقاية، نحو ضاربى و مكرمى و قد ألحقت نون الوقاية باسم الفاعل المضاف إلى ياء المتكلم فى قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:

«فهل أنتم صادقونى» و فى قول الشاعر:

و ليس الموافعينى ليرفد خائبا # فإنّ له أضعاف ما كان أمّلا

و فى قول الآخر:

ألا فتى من بنى ذبيان يحملنى # و ليس حاملنى إلاّ ابن حمّال‏

و فى قول الآخر:

و ليس بمعيينى و فى النّاس ممتع # صديق إذا أعيا علىّ صديق‏

كما لحقت أفعل التفضيل فى قوله صلّى اللّه عليه و سلّم «غير الدحال أخوفنى عليكم» لمشابهة أفعل التفضيل لفعل التعجيب.

118

العلم‏ (1)

معنى العلم‏

اسم يعيّن المسمّى مطلقا # علمه: كجعفر، و خرنقا (2)

و قرن، و عدن، و لاحق، # و شذقم، و هيلة، و واشق‏ (3)

العلم هو: الاسم الذى يعين مسماه مطلقا، أى بلا قيد التكلم أو الخطاب أو الغيبة؛ فالاسم: جنس يشمل النكرة و المعرفة، و «يعين مسماه» : فصل أخرج النكرة، و «بلا قيد» أخرج بقية المعارف، كالمضمر؛ فإنه يعين مسماه بقيد التكلم كـ «أنا» أو الخطاب كـ «أنت» أو الغيبة كـ «هو» ، ثم مثّل الشيخ بأعلام الأناسىّ و غيرهم، تنبيها على أن مسمّيات الأعلام العقلاء و غيرهم من المألوفات؛ فجعفر: اسم رجل، و خرنق: اسم امرأة من شعراء العرب‏ (4) ،

____________

(1) هو فى اللغة مشترك لفظى بين معان، منها الجبل، قال اللّه تعالى: (وَ لَهُ اَلْجَوََارِ اَلْمُنْشَآتُ فِي اَلْبَحْرِ كَالْأَعْلاََمِ) أى كالجبال، و قالت الخنساء ترثى أخاها صخرا:

و إنّ صخرا لتأتمّ الهداة به # كأنه علم فى رأسه نار

و منها الراية التى تجعل شعارا للدولة أو الجند، و منها العلامة، و لعل المعنى الاصطلاحى مأخوذ من هذا الأخير، و أصل الترجمة «هذا باب العلم» فحذف المبتدأ، ثم الخبر، و أقام المضاف إليه مقامه، و ليس يخفى عليك إعرابه.

(2) «اسم» مبتدأ «يعين» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم «المسمى» مفعول به ليعين، و الجملة من يعين و فاعله و مفعوله فى محل رفع صفة لاسم «مطلقا» حال من الضمير المستتر فى يعين «علمه» علم: خبر المبتدأ، و علم مضاف و الضمير مضاف إليه، و يجوز العكس؛ فيكون «اسم يعين المسمى» خبرا مقدما، و «علمه» مبتدأ مؤخرا «كجعفر» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و تقدير الكلام: و ذلك كائن كقولك جعفر-إلخ.

(3) «و خرنقا، و قرن، و عدن، و لاحق، و شذقم، و هيلة، و واشق» كلهن معطوفات على جعفر.

(4) لعل الأولى-بل الأصوب-أن يقول «من شواعر العرب» .

119

و هى أخت طرفة بن العبد لأمّه، و قرن: اسم قبيلة، و عدن: اسم مكان، و لاحق: اسم فرس، و شذقم: اسم جمل، و هيلة: اسم شاة، و واشق:

اسم كلب.

***

ينقسم العلم إلى اسم و كنية و لقب‏

و اسما أتى، و كنية، و لقبا # و أخّرن ذا إن سواه صحبا (1)

ينقسم العلم إلى ثلاثة أقسام: إلى اسم، و كنية، و لقب، و المراد بالاسم هنا ما ليس بكنية و لا لقب، كزيد و عمرو، و بالكنية: ما كان فى أوله أب أو أمّ، كأبى عبد اللّه و أمّ الخير، و باللقب: ما أشعر بمدح كزين العابدين، أو ذمّ كأنف النّاقة.

و أشار بقوله «و أخّرن ذا-إلخ» إلى أن اللقب إذا صحب الاسم وجب تأخيره، كزيد أنف الناقة، و لا يجوز تقديمه على الاسم؛ فلا تقول: أنف الناقة زيد، إلا قليلا؛ و منه قوله:

____________

(1) «و اسما» حال من الضمير المستتر فى أنى «أتى» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى العلم «و كنية، و لقبا» معطوفان على قوله اسما «و أخرن» الواو حرف عطف، أخر: فعل أمر مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «ذا» مفعول به لأخر، و هو اسم إشارة مبنى على السكون فى محل نصب «إن» حرف شرط «سواه» سوى: مفعول به مقدم لصحب، و سوى مضاف، و ضمير الغائب العائد إلى اللقب مضاف إليه «صحبا» صحب: فعل ماض فعل الشرط، مبنى على الفتح فى محل جزم، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اللقب، و جواب الشرط محذوف، و التقدير: إن صحب اللقب سواه فأخره.

غ

120

(22) -

بأنّ ذا الكلب عمرا خيرهم حسبا # ببطن شريان يعوى حوله الذّيب‏

____________

(22) -البيت لجنوب أخت عمرو ذى الكلب بن العجلان أحد بنى كاهل، و هو من قصيدة لها ترثيه بها، و أولها:

كلّ امرى‏ء بمحال الدّهر مكذوب # و كلّ من غالب الأيّام مغلوب‏

اللغة: «محال الدهر» بكسر الميم، بزنه كتاب-كيده أو مكره، و قيل:

قوته و شدته «شريان» -بكسر أوله و سكون ثانيه-موضع بعينه، أو واد، أو هو شجر تعمل منه القسى «يعوى حوله الذيب» كناية عن موته، و الباء من قولها «بأن» متعلقة بأبلغ فى بيت قبل بيت الشاهد، و هو قوله:

أبلع هذيلا و أبلغ من يبلّغهم # عنّى حديثا، و بعض القول تكذيب‏

الاعراب: «بأن» الباء حرف جر، و أن: حرف توكيد و نصب «ذا» - بمعنى صاحب.. اسم أن، منصوب بالألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الستة، و ذا مضاف و «الكلب» مضاف إليه «عمرا» بدل من ذا «خيرهم» خير: صفة لعمرا، و خير مضاف و الضمير مضاف إليه «حسبا» تمييز «ببطن» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر أن، و بطن مضاف و «شريان» مضاف إليه «يعوى» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل «حوله» حول: ظرف متعلق بيعوى، و حول مضاف و ضمير الغائب العائد إلى عمرو مضاف إليه «الذيب» فاعل يعوى، و الجملة فى محل نصب حال من عمرو، و يجوز أن يكون قولها «ببطن» جارا و مجرورا متعلقا بمحذوف حال من عمرو، و تكون جملة «يعوى إلخ» فى محل رفع خبر أن، و أن و ما دخلت عليه فى تأويل مصدر مجرور بالباء، و الجار و المجرور متعلق بأبلغ فى البيت الذى أنشدناه.

الشاهد فيه: قولها «ذا الكلب عمرا» حيث قدمت اللقب-و هو قولها «ذا الكلب» -على الاسم-و هو قولها «عمرا» -و القياس أن يكون الاسم مقدما على اللقب، و لو جاءت بالكلام على ما يقتضيه القياس لقالت «بأن عمرا ذا الكلب» .

و إنما وجب فى القياس تقديم الاسم و تأخير اللقب لأن الاسم يدل على الذات وحدها و اللقب يدل عليها و على صفة مدح أو ذم كما هو معلوم، فلو جئت باللقب أولا لما كان-

121

و ظاهر كلام المصنف أنه يجب تأخير اللقب إذا صحت سواه، و يدخل تحت قوله «سواه» الاسم و الكنية، و هو إنما يجب تأخيره مع الاسم، فأما مع الكنية فأنت بالخيار (1) بين أن تقدّم الكنية على اللقب؛ فتقول: أبو عبد اللّه زين

____________

ق-لذكر الاسم بعده فائدة، بخلاف ذكر الاسم أولا؛ فإن الإتيان بعده باللقب يفيد هذه الزيادة.

و مثل هذا البيت فى تقديم اللقب على الاسم قول أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصارى الخزرجى:

أنا ابن مزيقيا عمرو، و جدّى # أبوه عامر ماء السماء

و الشاهد فى قوله «مزيقيا عمرو» فإن «مزيقيا» لقب، و «عمرو» اسم صاحب اللقب، و قد قدم هذا اللقب على الاسم كما ترى، أما قوله «عامر ماء السماء» فقد جاء على الأصل،

(1) هذا الذى ذكره الشارح هو ما ذكره كبار النحويين من جواز تقديم الكنية على اللقب أو تأخيرها عنه، و الذى نريد أن ننبه عليه أن الشارح و غيره-كصاحب التوضيح ابن هشام الأنصارى-ذكروا أن قول ابن مالك*و أخرن ذا إن سواه صحبا*موهم لخلاف المراد، معتمدين فى ذلك على مذهب جمهرة النحاة، لكن قال السيوطى فى همعه: إن كان (أى اللقب) مع الكنية فالذى ذكروه جواز تقدمه عليها، و تقدمها عليه، و مقتضى تعليل ابن مالك امتناع تقديمه عليها، و هو المختار، و هذا يفيد أن الذى يوهمه كلام المصنف مقصود له، و أن مذهبه وجوب تأخير اللقب على ما عداه، سواء أكان اسما أم كنية، و كنت قد كتبت على هامش نسختى تصحيحا لبيت المصنف هذا نصه: «و أخرن هذا إن اسما صحبا» ثم ظهر لى أنه لا يجوز تصحيح العبارة بشى‏ء مما ذكرناه و ذكره الشارح أو غيره، و عبارة ابن هشام فى أوضح المسالك تفيد أن هذه العبارة التى اعترضها الشارح قد وردت على وجه صحيح فى نظر الجمهور، قال ابن هشام: «و فى نسخة من الخلاصة ما يقتضى أن اللقب يجب تأخيره عن الكنية كأبى عبد اللّه أنف الناقة، و ليس كذلك» اهـ. و معنى ذلك أنه قد وردت فى النسخة المعتمدة عنده على الوجه الصحيح فى نظر الجمهور، و قد ذكر الشارح هنا نص هذه النسخة.

122

العابدين، و بين أن تقدم اللقب على الكنية؛ فتقول: زين العابدين أبو عبد اللّه؛ و يوجد فى بعض النسخ بدل قوله: *و أخّرن ذا إن سواه صحبا» *: * «و ذا اجعل آخرا إذا اسما صحبا» *و هو أحسن منه؛ لسلامته مما ورد على هذا؛ فإنه نصّ فى أنه إنما يجب تأخير اللقب إذا صحب الاسم، و مفهومه أنه لا يجب ذلك مع الكنية، و هو كذلك، كما تقدم، و لو قال: «و أخرن ذا إن سواها صحبا» لما ورد عليه شى‏ء؛ إذ يصير التقدير: و أخّر اللّقب إذا صحب سوى الكنية، و هو الاسم، فكأنه قال: و أخر اللقب إذا صحب الاسم.

***

و إن يكونا مفردين فأضف # حتما، و إلاّ اتبع الّذى ردف‏ (1)

إذا اجتمع الاسم و اللقب: فإما أن يكونا مفردين، أو مركبين، أو الاسم مركبا و اللقب مفردا، أو الاسم مفردا و اللقب مركبا.

____________

(1) «إن» حرف شرط «يكونا» فعل مضارع متصرف من كان الناقصة فعل الشرط مجزوم بإن، و علامة جزمه حذف النون، و الألف اسمها مبنى على السكون فى محل رفع «مفردين» خبر يكون منصوب بالياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها لأنه مثنى «فأضف» الفاء واقعة فى جواب الشرط، و أضف: فعل أمر مبنى على السكون، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الجملة فى محل جزم جواب الشرط «حتما» مفعول مطلق «و إلا» الواو عاطفة، إلا: هو عبارة عن حرفين أحدهما إن، و الآخر لا، فأدغمت النون فى اللام؛ و إن حرف شرط، و لا: نافية، و فعل الشرط محذوف يدل عليه الكلام السابق: أى و إن لم يكونا مفردين «أتبع» فعل أمر مبنى على السكون، و حرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الجملة فى محل جزم جواب الشرط، و حذف الفاء منها للضرورة؛ لأن جملة جواب الشرط إذا كانت طلبية وجب اقترانها بالفاء فكان عليه أن يقول:

و إلا فأتبع «الذى» اسم موصول مفعول به لأتبع، مبنى على السكون فى محل نصب «ردف» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذى، و جملة ردف و فاعله المستتر فيه لا محل لها من الإعراب صلة الموصول و هو «الذى» .

123

فإن كانا مفردين وجب عند البصريين الإضافة (1) ، نحو: هذا سعيد كرز، و رأيت سعيد كرز، و مررت بسعيد كرز؛ و أجاز الكوفيون الإتباع؛ فتقول: هذا سعيد كرز، و رأيت سعيدا كرزا، و مررت بسعيد كرز، و وافقهم المصنف على ذلك فى غير هذا الكتاب.

و إن لم يكونا مفردين-بأن كانا مركبين، نحو عبد اللّه أنف الناقة، أو مركّبا و مفردا، نحو عبد اللّه كرز، و سعيد أنف الناقة-وجب الإتباع؛ فتتبع الثانى الأول فى إعرابه، و يجوز القطع إلى الرفع أو النصب، نحو مررت بزيد أنف الناقة، و أنف الناقة؛ فالرفع على إضمار مبتدأ، و التقدير: هو أنف الناقة، و النصب على إضمار فعل، و التقدير: أعنى أنف الناقة؛ فيقطع مع المرفوع إلى النصب، و مع المنصوب إلى الرفع، و مع المجرور إلى النصب أو الرفع، نحو هذا زيد أنف الناقة، و رأيت زيدا أنف الناقة، و مررت بزيد أنف الناقة، و أنف الناقة.

***

____________

(1) وجوب الإضافة عندهم مشروط بما إذا لم يمنع منها مانع: كأن يكون الاسم مقترنا بأل، فإنه لا تجوز فيه الإضافة؛ فتقول: جاءنى الحارث كرز، بإتباع الثانى للأول بدلا أو عطف بيان؛ إذ لو أضفت الأول للثانى للزم على ذلك أن يكون المضاف مقرونا بأل و المضاف إليه خاليا منها و من الإضافة إلى المقترن بها، و ذلك لا يجوز عند جمهور النحاة.

قال أبو رجاء غفر اللّه تعالى له و لوالديه: بقى أن يقال: كيف أوجب البصريون هنا إضافة الاسم إلى اللقب إذا كانا مفردين و لا مانع. مع أن مذهبهم أنه لا يجوز أن يضاف اسم إلى ما اتحد به فى المعنى كما سيأتى فى باب الإضافة؟

و يمكن أن يجاب عن هذا بأن امتناع إضافة الاسم إلى ما اتحد به فى المعنى إنما هو فى الإضافة الحقيقية التى يعرف فيها المضاف بالمضاف إليه، و إضافة الاسم إلى اللقب من قبيل الإضافة اللفظية على ما اختاره الزمخشرى.

124

ينقسم العلم إلى منقول و مرتجل‏

و منه منقول: كفضل و أسد # و ذو ارتجال: كسعاد، و أدد (1)

و جملة، و ما بمزج ركّبا، # ذا إن بغير «ويه» تمّ أعربا (2)

و شاع فى الأعلام ذو الإضافه # كعبد شمس و أبى قحافه‏ (3)

____________

(1) «و منه» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «منقول» مبتدأ مؤخر «كفضل» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أى: و ذلك كائن كفضل «و أسد» معطوف على فضل «و ذو» الواو عاطفة، و ذو: معطوف على قوله منقول و ذو مضاف و «ارتجال» مضاف إليه «كسعاد» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف: أى و ذلك كائن كسعاد «و أدد» معطوف على سعاد.

(2) «و جملة» مبتدأ خبره محذوف، و تقديره: و منه جملة، و جملة المبتدأ و الخبر معطوفة بالواو على جملة «و منه منقول» ، «و ما» الواو عاطفة، و ما اسم موصول معطوف على جملة، مبنى على السكون فى محل رفع «بمزج» جار و مجرور متعلق بقوله ركب الآتى «ركبا» ركب: فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، و الألف للاطلاق، و الجملة من الفعل و نائب الفاعل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول «ذا» اسم إشارة مبتدأ، مبنى على السكون فى محل رفع «إن» حرف شرط «بغير» جار و مجرور متعلق بقوله تم الآتى، و غير مضاف و «ويه» قصد لفظه: مضاف إليه «تم» فعل ماض مبنى على الفتح فى محل جزم فعل الشرط «أعرب» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ذا، و الجملة من الفعل و نائب الفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ، و جواب الشرط محذوف يدل عليه خبر المبتدأ، و تقدير الكلام:

هذا أعرب، إن تم بغير لفظ ويه أعرب.

(3) «و شاع» فعل ماض «فى الأعلام» جار و مجرور متعلق بقوله شاع «ذو» فاعل شاع، و ذو مضاف، و «الإضافة» مضاف إليه «كعبد» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أى: و ذلك كائن كعبد، و عبد مضاف و «شمس» مضاف إليه «و أبى» الواو عاطفة، و أبى: معطوف على عبد، مجرور بالياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، و أبى مضاف «و قحافه» مضاف إليه.

125

ينقسم العلم إلى: مرتجل، و إلى منقول؛ فالمرتجل هو: ما لم يسبق له استعمال قبل العلمية فى غيرها، كسعاد، و أدد، و المنقول: ما سبق له استعمال فى غير العلمية، و النقل إما من صفة كحارث، أو من مصدر كفضل، أو من اسم جنس كأسد، و هذه تكون معربة، أو من جملة: كقام زيد، و زيد قائم‏ (1) ، و حكمها أنها تحكى؛ فتقول: جاءنى زيد قائم، و رأيت زيد قائم، و مررت بزيد قائم، و هذه من الأعلام المركبة.

و منها أيضا: ما ركب تركيب مزج، كبعلبكّ، و معدى كرب، و سيبويه.

و ذكر المصنف أن المركب تركيب مزج: إن ختم بغير «ويه» أعرب، و مفهومه أنه إن ختم بـ «ويه» لا يعرب، بل يبنى، و هو كما ذكره؛ فتقول:

جاءنى بعلبكّ، و رأيت بعلبكّ، و مررت ببعلبكّ؛ فتعربه إعراب ما لا ينصرف، و يجوز فيه أيضا البناء على الفتح؛ فتقول: جاءنى بعلبكّ، و رأيت بعلبكّ، و مررت ببعلبكّ، و يجوز[أيضا]أن يعرب أيضا إعراب المتضايفين؛ فتقول: جاءنى حضر موت، و رأيت حضر موت، و مررت بحضر موت.

و تقول‏[فيما ختم بويه‏]: جاءنى سيبويه، و رأيت سيبويه، و مررت بسيبويه؛ فثبنيه على الكسر، و أجاز بعضهم إعرابه إعراب ما لا ينصرف، نحو جاءنى سيبويه، و رأيت سيبويه، و مررت بسيبويه.

____________

(1) الذى سمع عن العرب هو النقل من الجمل الفعلية، فقد سموا «تأبط شرا» و سموا «شاب قرناها» و منه قول الشاعر و هو من شواهد سيبويه:

كذبتم و بيت اللّه لا تنكحونها # بنى شاب قرناها تصرّ و تحلب‏

و سموا «ذرى حبا» و يشكر، و يزيد، و تغلب، فأما الجملة الاسمية فلم يسموا بها، و إنما قاسها النحاة على الجملة الفعلية.

126

و منها: ما ركب تركيب إضافة: كعبد شمس، و أبى قحافة، و هو معرب؛ فتقول: جاءنى عبد شمس و أبو قحافة، و رأيت عبد شمس و أبا قحافة، و مررت بعبد شمس و أبى قحافة.

و نبّه بالمثالين على أن الجزء الأول؛ يكون معربا بالحركات، كـ «ـعبد» ، و بالحروف، كـ «ـأبى» ، و أن الجزء الثانى؛ يكون منصرفا، كـ «شمس» ، و غير منصرف، كـ «قحافة» .

***

ينقسم العلم إلى علم شخصى، و علم جنس‏

و وضعوا لبعض الأجناس علم # كعلم الأشخاص لفظا، و هو عمّ‏ (1)

من ذاك: أمّ عريط للعقرب، # و هكذا ثعالة للثّعلب‏ (2)

____________

(1) «و وضعوا» الواو عاطفة، و وضع: فعل ماض، و الواو ضمير الجماعة فاعل مبنى على السكون فى محل رفع «لبعض» جار و مجرور متعلق بوضعوا، و بعض مضاف، و «الأجناس» مضاف إليه «علم» مفعول به لوضعوا، و أصله منصوب منون فوقف عليه بالسكون على لغة ربيعة «كعلم» جار و مجرور متعلق بمحذوف صفة لعلم، و ليس حالا منه لأنه نكرة و صاحب الحال إنما يكون معرفة، و علم مضاف، و «الأشخاص» مضاف إليه «لفظا» تمييز لمعنى الكاف، أى: مثله من جهة اللفظ «و هو» ضمير منفصل مبتدأ «عم» يجوز أن يكون فعلا ماضيا، و فاعله ضمير مستتر فيه جوارا تقديره هو يعود إلى الضمير العائد إلى علم الجنس، و على هذا تكون الجملة من الفعل و الفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ، و يجوز أن يكون عم أفعل تفضيل و أصله أعم فسقطت همزته لكثرة الاستعمال كما سقطت من خبر و شر، و يكون أفعل التفضيل على غير بابه، و هو خبر عن الضمير الواقع مبتدأ.

(2) «من» حرف جر «ذاك» ذا: اسم إشارة مبنى على السكون فى محل جر بمن، و الكاف حرف خطاب، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «أم» مبتدأ مؤخر، و أم مضاف و «عريط» مضاف إليه «للعقرب» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن فى الخبر، و التقدير: أم عريط كائن من ذاك حال كونه علما للعقرب «و هكذا» الواو عاطفة، و ها: حرف تنبيه، و الكاف حرف جر، و ذا: اسم-

127

علم الجنس، و الفرق بينه و بين علم الشخص‏

و مثله برّة للمبرّه، # كذا فجار علم للفجره‏ (1)

العلم على قسمين: علم شخص، و علم جنس.

فعلم الشخص له حكمان: معنوىّ، و هو: أن يراد به واحد بعينه: كزيد، و أحمد، و لفظىّ، و هو صحة مجى‏ء الحال متأخرة عنه، نحو «جاءنى زيد ضاحكا» و منعه من الصّرف مع سبب آخر غير العلمية، نحو «هذا أحمد» و منع دخول الألف و اللام عليه؛ فلا تقول «جاء العمرو» (2) .

____________

ق-إشارة مبنى على السكون فى محل جر بالكاف، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «ثعالة» مبتدأ مؤخر «للثعلب» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير الخبر كما تقدم فيما قبله.

(1) «و مثله» الواو عاطفة، مثل: خبر مقدم، و مثل مضاف و الهاء ضمير غائب عائد على المذكور قبله من الأمثلة مضاف إليه، مبنى على الضم فى محل جر «برة» مبتدأ مؤخر «للمبرة» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن فى الخبر؛ لأنه فى تقدير مشتق «كذا» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «فجار» مبتدأ مؤخر، مبنى على الكسر فى محل رفع «علم» مبتدأ خبره محذوف «للفجرة» جار و مجرور متعلق بذلك الخبر المحذوف، و التقدير: فجار كذا علم موضوع للفجرة، و يجوز أن يكون قوله «للفجرة» جارا و مجرورا فى محل الوصف لعلم، و يجوز غير هذين الإعرابين لعلم أيضا، فتأمل.

(2) اعلم أن العلم بحسب الأصل لا تدخله الألف و اللام، و لا يضاف، و ذلك لأنه معرفة بالعلمية، و أل و الإضافة وسيلتان للتعريف، و لا يجوز أن يجتمع على الاسم الواحد معرفان، إلا أنه قد يحصل الاشتراك الاتفاقى فى الاسم العلم؛ فيكون لك صديقان اسم كل واحد منهما زيد أو عمرو، مثلا. و فى هذه الحالة يشبه العلم اسم الجنس؛ فتصل به أل، و تضيفه، كما تفعل ذلك برجل و غلام، و قد جاء ذلك عنهم؛ فمن دخول «أل» على علم الشخص قول أبى النجم العجلى:

باعد أمّ العمرو من أسيرها # حرّاس أبواب على قصورها

-

128

و علم الجنس كعلم الشخص فى حكمه‏[اللّفظىّ‏]؛ فتقول: «هذا أسامه مقبلا» فتمنعه من الصرف، و تأتى بالحال بعده، و لا تدخل عليه الألف و اللام؛ فلا تقول: «هذا الأسامة» (1) .

____________

ق-و قول الأخطل التغلبى:

و قد كان منهم حاجب و ابن أمّه # أبو جندل و الزّيد زيد المعارك‏

و فى هذا البيت اقتران العلم بأل، و إضافته.

و من مجى‏ء العلم مضافا قولهم: ربيعة الفرس، و أنمار الشاة، و مضر الحمراء؛ و قال رجل من طيى‏ء:

علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم # بأبيض ماضى الشّفرتين يمان‏

و قال ربيعة الرقى:

لشتّان ما بين اليزيدين فى النّدى # يزيد سليم و الأغرّ ابن حاتم‏

و قال الراجز يخاطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏

يا عمر الخير جزيت الجنّه # اكس بنيّاتى و أمّهنّه

*أقسمت باللّه لتفعلنّه*

و الشواهد على ذلك كثيرة، و انظر ص 87 السابقة.

(1) ذكر الشارح من أحكام العلم اللفظية ثلاثة أحكام يشترك فيها النوعان، و ترك ثلاثة أخرى:

(الأول) أنه يبتدأ به بلا احتياج إلى مسوغ، تقول: أسامة مقبل: و ثعالة هارب، كما تقول: على حاضر، و خالد مسافر.

(الثانى) أنه لا يضاف بحسب أصل وضعه؛ فلا يجوز أن تقول: أسامتنا؛ كما يمتنع أن تقول: محمدنا، فإن حصل فيه الاشتراك الاتفاقى صحت إضافته على ما علمت فى علم الشخص.

(الثالث) أنه لا ينعت بالنكرة؛ لأنه معرفة، و من شرط النعت أن يكون مثل المنعوت فى تعريفه أو تنكيره كما هو معلوم.

129

و حكم علم الجنس فى المعنى كحكم النكرة: من جهة أنه لا يخصّ واحدا بعينه، فكلّ أسد يصدق عليه أسامة، و كل عقرب يصدق عليها أمّ عريط، و كل ثعلب يصدق عليه ثعالة.

و علم الجنس: يكون للشخص، كما تقدم، و يكون للمعنى كما مثّل بقوله:

«برّة للمبرّة، و فجار للفجرة» .

***

130

اسم الإشارة

ما يشار به إلى المفرد مذكرا و مؤنثا

بذا لمفرد مذكّر أشر # بذى وذه تى تا على الأنثى اقتصر (1)

يشار إلى المفرد المذكّر بـ «ذا» و مذهب البصريين أن الألف من نفس الكلمة، و ذهب الكوفيون إلى أنها زائدة (2) .

____________

(1) «بذا» جار و مجرور متعلق بقوله «أشر» الآتى «لمفرد» جار و مجرور متعلق بأشر كذلك «مذكر» نعت لمفرد «أشر» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «بذى» جار و مجرور متعلق بقوله اقتصر الآتى «و ذه» الواو عاطفة، و ذه: معطوف على ذى «تى تا» معطوفان على ذى بإسقاط حرف العطف «على الأنثى» جار و مجرور متعلق بقوله اقتصر الآتى أيضا «اقتصر» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و جملة «اقتصر» معطوفة على جملة «أشر» بإسقاط العاطف.

(2) ههنا ثلاثة أمور؛ أولها: أن الشارح لم يذكر-تبعا للمصنف-فى هذا الكتاب من ألفاظ الإشارة إلى المفرد المذكر سوى «ذا» و قد ذكر العلماء أربعة ألفاظ أخرى: الأول «ذاء» بهمزة مكسورة بعد الألف، و الثانى «ذائه» بهاء مكسورة بعد الهمزة المكسورة، و الثالث «ذاؤه» بهمزة مضمومة و بعدها هاء مضمومة، الرابع «آلك» بهمزة ممدودة بعدها لام ثم كاف، و ممن ذكر ذلك الناظم فى كتابه التسهيل.

الأمر الثانى: أن «ذا» إشارة للمفرد، و هذا المفرد إما أن يكون مفردا حقيقة أو حكما؛ فالمفرد الحقيقى نحو: هذا زيد، و هذا خالد، و هذا الكتاب، و المفرد حكما نحو: هذا الرهط، و هذا الفريق، و منه قول اللّه تعالى: (عَوََانٌ بَيْنَ ذََلِكَ) أى بين المذكور من الفارض و البكر، و ربما استعمل «ذا» فى الإشارة إلى الجمع، كما فى قول لبيد بن ربيعة العامرى:

و لقد سئمت من الحياة و طولها # و سؤال هذا النّاس: كيف لبيد؟

الأمر الثالث: أن الأصل فى «ذا» أن يشار به إلى المذكر حقيقة، كما فى الأمثلة التى ذكرناها، و قد يشار به إلى المؤنث إذا نزل منزلة المذكر، كما فى قول اللّه تعالى: -

131

و يشار إلى المؤنثة بـ «ذى» ، و «ذه» بسكون الهاء، و «تى» ، و «تا» ، و «ذه» بكسر الهاء: باختلاس، و بإشباع، و «ته» بسكون الهاء، و بكسرها، باختلاس، و إشباع، و «ذات» .

***

ما يشار به إلى المثنى‏

و ذان تان للمثنّى المرتفع # و فى سواه ذين تين اذكر تطع‏ (1)

يشار إلى المثنى المذكر فى حالة الرفع بـ «ذان» و فى حالة النصب و الجر بـ «ذين» و إلى المؤنثتين بـ «تان» فى الرفع، و «تين» فى النصب و الجر.

***

و بأولى أشر لجمع مطلقا، # و المدّ أولى، و لدى البعد انطقا (2)

____________

ق- (فَلَمََّا رَأَى اَلشَّمْسَ بََازِغَةً قََالَ: هََذََا رَبِّي) أشار إلى الشمس-و هى مؤنثة بدليل قوله (بََازِغَةً) -بقوله: (هََذََا رَبِّي) لأنه نزلها منزلة المذكر، و يقال: بل لأنه أخبر عنها بمذكر، و يقال: بل لأن لغة إبراهيم-عليه السّلام!-الذى ذكر هذا الكلام على لسانه لا تفرق بين المذكر و المؤنث.

(1) «و ذان» الواو عاطفة، ذان: مبتدأ «تان» معطوف عله بإسقاط حرف العطف «للمثنى» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ «المرتفع» نعت للمثنى، و جملة المبتدأ و خبره معطوفة على ما قبلها «و فى سواه» الجار و المجرور متعلق بقوله «اذكر» الآتى، و سوى مضاف و الهاء ضمير الغائب العائد إلى المثنى المرتفع مضاف إليه، و قد أعمل الحرف فى «سوى» لأنها عنده متصرفة «ذين» مفعول به مقدم على عامله و هو قوله «اذكر» الآتى «تين» معطوف على ذين بإسقاط حرف العطف «اذكر» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و جملة «اذكر» معطوفة بالواو على ما قبلها.

(2) «و بأولى» الواو عاطفة، و الباء حرف جر، و «أولى» مجرور المحل بالباء، و الجار و المجرور متعلق بقوله «أشر» الآتى «أشر» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «لجمع» جار و مجرور متعلق بقوله «أشر» السابق «مطلقا» حال من قوله «جمع» «و المد» مبتدأ «أولى» خبره «ولدى» الواو-

132

بالكاف حرفا: دون لام، أو معه # و اللاّم-إن قدّمت ها-ممتنعه‏ (1)

يشار إلى الجمع-مذكرا كان أو مؤنثا-بـ «ـأولى» و لهذا قال المصنف:

«أشر لجمع مطلقا» ، و مقتضى هذا أنه يشار بها إلى العقلاء و غيرهم، و هو كذلك، و لكن الأكثر استعمالها فى العاقل، و من ورودها فى غير العاقل قوله:

(23) -

ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى # و العيش بعد أولئك الأيّام‏

____________

ق-عاطفة، لدى: ظرف بمعنى عند متعلق بقوله انطق الآتى، و لدى مضاف و «البعد» مضاف إليه «انطقا» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الألف للاطلاق، و يجوز أن تكون الألف مبدلة من نون التوكيد الخفيفة للوقف.

(1) «بالكاف» جار و مجرور متعلق بقوله انطق فى البيت السابق «حرفا» حال من «الكاف» «دون» ظرف متعلق بمحذوف حال ثان من «الكاف» و دون مضاف و «لام» مضاف إليه «أو» حرف عطف «معه» مع: ظرف معطوف على الظرف الواقع متعلقه حالا و هو دون، و مع مضاف و الهاء ضمير الغائب مضاف إليه «و اللام» مبتدأ «إن» حرف شرط «قدمت» قدم: فعل ماض مبنى على الفتح المقدر فى محل جزم على أنه فعل الشرط، و تاء المخاطب فاعله، و «ها» مفعول به لقدم «ممتنعه» خبر المبتدأ، و جواب الشرط محذوف دل عليه المبتدأ و خبره، و التقدير:

و اللام ممتنعة إن قدمت ها فاللام ممتنعة، و جملة الشرط و جوابه لا محل لها، لأنها معترصة بين المبتدأ و خبره.

(23) -البيت لجرير بن عطية بن الخطفى، من كلمة له يهجو فيها الفرزدق، و قبله -و هو المطلع-قوله:

سرت الهموم فبتن غير نيام # و أخو الهموم يروم كلّ مرام‏

اللغة: «ذم» فعل أمر من الذم، و يجوز لك فى الميم تحريكها بإحدى الحركات الثلاث: الكسر؛ لأنه الأصل فى التخلص من التقاء الساكنين؛ فهو مبنى على السكون و حرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، و الفتح للتخفيف؛ لأن الفتحة-

133

و فيها لغتان: المدّ، و هى لغة أهل الحجاز، و هى الواردة فى القرآن العزيز، و القصر، و هى لغة بنى تميم.

مراتب المشار إليه، و ما يستعمل لكل مرتبة

و أشار بقوله: «و لدى البعد انطقا بالكاف-إلى آخر البيت» إلى أن المشار إليه له رتبتان: القرب، و البعد؛ فجميع ما تقدم يشار به إلى القريب،

____________

ق-أخف الحركات، و هذه لغة بنى أسد، و الضم؛ لإتباع حركة الذال، و هذا الوجه أضعف الوجوه الثلاثة «المنازل» جمع منزل، أو منزلة، و هو محل النزول، و كونه ههنا جمع منزلة أولى؛ لأنه يقول فيما بعد «منزلة اللوى» -و اللوى-بكسر اللام مقصورا-موضع بعينه «العيش» أراد به الحياة.

المعنى: ذم كل موضع تنزل فيه بعد هذا الموضع الذى لقيت فيه أنواع المسرة، و ذم أيام الحياة التى تقضيها بعد هذه الأيام التى قضيتها هناك فى هناءة و غبطة.

الإعراب: «ذم» فعل أمر، مبنى على السكون لا محل له من الإعراب، و هو مفتوح الآخر للخفة أو مكسوره على الأصل فى التخلص من التقاء الساكنين أو مضمومه للاتباع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «المنازل» مفعول به لذم «بعد» ظرف متعلق بمحذوف حال من المنازل، و بعد مضاف و «منزلة» مضاف إليه، و منزلة مضاف، و «اللوى» مضاف إليه «و العيش» الواو عاطفة، العيش: معطوف على المنازل «بعد» ظرف متعلق بمحذوف حال من العيش، و بعد مضاف و أولاء من «أولائك» مضاف إليه، و الكاف حرف خطاب «الأيام» بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان عليه.

الشاهد فيه: قوله «أولئك» حيث أشار به إلى غير العقلاء، و هى «الأيام» و مثله فى ذلك قول اللّه تعالى: (إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤََادَ كُلُّ أُولََئِكَ كََانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) و قد ذكر ابن هشام عن ابن عطية أن الرواية الصحيحة فى بيت الشاهد*و العيش بعد أولئك الأقوام*و هذه هى رواية النقائض بين جرير و الفرزدق، و على ذلك لا يكون فى البيت شاهد؛ لأن الأقوام عقلاء، و الخطب فى ذلك سهل؛ لأن الآية الكريمة التى تلوناها كافية أعظم الكفاية للاستشهاد بها على جواز الإشارة بأولاء إلى الجمع من غير العقلاء

134

فإذا أريد الإشارة إلى البعيد أتى بالكاف وحدها؛ فتقول: «ذاك» أو الكاف و اللام نحو «ذلك» .

و هذه الكاف حرف خطاب؛ فلا موضع لها من الإعراب، و هذا لا خلاف فيه.

فإن تقدّم حرف التنبيه الذى هو «ها» على اسم الإشارة أتيت بالكاف وحدها؛ فتقول «هذاك» (1) و عليه قوله:

(24) -

رأيت بنى غبراء لا ينكروننى # و لا أهل هذاك الطّراف الممدّد

____________

(1) إذا كان اسم الإشارة لمثنى أو لجمع فإن ابن مالك يرى أنه لا يجوز أن يؤتى بالكاف مع حرف التنبيه حينئذ، و ذهب أبو حيان إلى أن ذلك قليل لا ممتنع، و مما ورد منه قول العرجى، و قيل: قائله كامل الثقفى:

ياما أميلح غزلانا شدنّ لنا # من هؤليّائكنّ الضّال و السّمر

الشاهد فيه هنا: قوله «هؤليائكن» فإنه تصغير «أولاء» الذى هو اسم إشارة إلى الجمع، و قد اتصلت به «ها» التنبيه فى أوله، و كاف الخطاب فى آخره.

(24) -هذا البيت لطرفة بن العبد البكرى، من معلقته المشهورة التى مطلعها:

لخولة أطلال ببرقة ثهمد # تلوح كباقى الوشم فى ظاهر اليد

و قبل بيت الشاهد قوله:

و ما زال تشرابى الخمور و لذّتى # و بيعى و إنفاقى طريفى و متلدى

إلى أن تحامتنى العشيرة كلّها # و أفردت إفراد البعير المعبّد

اللغة: «خولة» اسم امرأة «أطلال» جمع طلل، بزنة جبل و أجبال، و الطلل:

ما شخص و ظهر و ارتفع من آثار الديار كالأثافى «برقة» بضم فسكون-هى كل رابية فيها رمل و طين أو حجارة، و فى بلاد العرب نيف و مائة برقة عدها صاحب القاموس، -

135

و لا يجوز الإتيان بالكاف و اللام؛ فلا تقول «هذا لك» .

و ظاهر كلام المصنف أنه ليس للمشار إليه إلا رتبتان: قربى، و بعدى، كما قرّرناه؛ و الجمهور على أن له ثلاث مراتب: قربى، و وسطى، و بعدى؛ فيشار إلى من فى القربى بما ليس فيه كاف و لا لام: كذا، و ذى، و إلى من فى الوسطى بما فيه الكاف وحدها نحو ذاك، و إلى من فى البعدى بما فيه كاف و لام، نحو «ذلك» .

***

____________

ق-و ألف فيها غير واحد من علماء اللغة، و منها برقة ثهمد «تلوح» تظهر «الوشم» أن يغرز بالإبرة فى الجلد ثم يذر عليه الكحل أو دخان الشحم فيبقى سواده ظاهرا «البعير المعبد» الأجرب «بنى غبراء» الغبراء هى الأرض، سميت بهذا لغبرتها، و أراد ببنى الغبراء الفقراء الذين لصقوا بالأرض لشدة فقرهم، أو الأضياف، أو اللصوص «الطراف» بكسر الطاء بزنة الكتاب-البيت من الجلد، و أهل الطراف الممدد: الأغنياء.

المعنى: يريد أن جميع الناس-من غير تفرقة بين فقيرهم و غنيهم-يعرفونه، و لا ينكرون محله من الكرم و المواساة للفقراء و حسن العشرة و طيب الصحبة للأغنياء و كأنه يتألم من صنبع قومه معه.

الإعراب: «رأيت» فعل و فاعل «بنى» مفعول به، و بنى مضاف، و «غبراء» مضاف إليه، ثم إذا كانت رأى بصربة فجملة «لا ينكروننى» من الفعل و فاعله و مفعوله فى محل نصب حال من بنى غبراء، و إذا كانت رأى علمية-و هو أولى-فالجملة فى محل نصب مفعول ثان لرأى «و لا» الواو عاطفة، و لا: زائدة لتأكيد النفى «أهل» معطوف على الواو الذى هو ضمير الجماعة فى قوله «لا ينكروننى» و أهل مضاف و اسم الإشارة من «هذاك» مضاف إليه، و الكاف حرف خطاب «الطراف» بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان عليه «الممدد» نعت للطراف.

الشاهد فيه: قوله «هذاك» حيث جاء بها التنبيه مع الكاف وحدها، و لم يجى‏ء باللام، و لم يقع لى-مع طويل البحث و كثرة الممارسة-نظير لهذا البيت مما اجتمعت فيه «ها» التنبيه مع كاف الخطاب بينهما اسم إشارة للمفرد، و لعل العلماء الذين قرروا-

136

الإشارة إلى المكان‏

و بهنا أو ههنا أشر إلى # دانى المكان، و به الكاف صلا (1)

فى البعد، أو بثمّ فه، أو هنّا # أو بهنالك انطقن، أو هنّا (2)

يشار إلى المكان القريب بـ «هنا» و يتقدّمها هاء التنبيه؛ فيقال «ههنا» ؛ و يشار إلى البعيد على رأى المصنف بـ «هناك، و هنالك، و هنّا» بفتح الهاء و كسرها مع تشديد النون، و بـ «ثمّ» و «هنّت» ، و على مذهب غيره «هناك» للمتوسط، و ما بعده للبعيد.

***

____________

ق-هذه القواعد قد حفظوا من شواهد هذه المسألة ما لم يبلغنا، أو لعل قداماهم الذين شافهوا العرب قد سمعوا ممن يوثق بعربيته استعمال مثل ذلك فى أحاديثهم فى غير شذوذ و لا ضرورة تحوج إليه؛ فلهذا جعلوه قاعدة.

(1) «و بهنا» الواو عاطفة، بهنا: جار و مجرور متعلق بقوله «أشر» الآتى، «أو» حرف عطف «ههنا» معطوف على هنا «أشر» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «إلى» حرف جر يتعلق بأشر «دانى» مجرور بإلى، و علامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، و دانى مضاف و «المكان» مضاف إليه «و به» الواو عاطفة، به: جار و مجرور متعلق بقوله صلا الآتى «الكاف» مفعول به مقدم على عامله و هو صلا الآتى «صلا» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الألف للاطلاق، و يجوز أن تكون هذه الألف مبدلة من نون التوكيد الخفيفة للوقف.

(2) «فى البعد» جار و مجرور متعلق بقوله «صلا» فى البيت السابق «أو» حرف عطف معناه هنا التخيير «بثم» جار و مجرور متعلق بقوله «فه» الآتى «فه» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «أو» حرف عطف «هنا» معطوف على قوله «ثم» السابق «أو» حرف عطف «بهنالك» جار و مجرور متعلق بقوله انطق الآتى «انطقن» انطق: فعل أمر، مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و نون التوكيد الخفيفة حرف لا محل له من الإعراب «أو» حرف عطف «هنا» معطوف على قوله «هنالك»

137

الموصول‏

موصول الأسماء الّذى، الأنثى الّتى، # و اليا إذا ما ثنّيا لا تثبت‏ (1)

بل ما تليه أوله العلامه، # و النّون إن تشدد فلا ملامه‏ (2)

____________

(1) «موصول» مبتدأ أول، و موصول مضاف و «الأسماء» مضاف إليه «الذى» مبتدأ ثان، و خبر المبتدأ الثانى محذوف تقديره: منه، و الجملة من المبتدأ الثانى و خبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول «الأنثى» مبتدأ «التى» خبره، و الجملة معطوفة على الجملة الصغرى السابقة-و هى جملة المبتدأ الثانى و خبره-بحرف عطف مقدر، و الرابط للجملة المعطوفة بالمبتدأ الأول مقدر، و كان أصل الكلام: موصول الأسماء أنثاه التى، و يجوز أن يكون قوله «الأنثى» مبتدأ و خبره محذوف، و التقدير: كائنة منه، فيكون على هذا قوله «التى» بدلا من الأنثى «و اليا» مفعول مقدم لقوله «لا تثبت» الآتى «إذا» ظرف ضمن معنى الشرط «ما» زائدة «ثنيا» ثنى: فعل ماض مبنى للمجهول و ألف الاثنين نائب فاعل، و الجملة فى محل جر بإضافة «إذا» إليها، و هى جملة الشرط «لا» ناهية «تثبت» فعل مضارع مجزوم بلا، و علامة جزمه السكون، و حرك بالكسر لأجل الروى و الوزن، و جواب الشرط محذوف دل عليه الكلام، و التقدير: و لا تثبت الياء، إذا ثنيتهما-أى الذى و التى-فلا تثبتها.

(2) «بل» حرف عطف معناه الانتقال «ما» اسم موصول مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، و التقدير: بل أول-إلخ، فهو مبنى على السكون فى محل نصب «تليه» تلى: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقدير هى يعود إلى الياء، و الهاء ضمير الغائب العائد إلى ما مفعول به مبنى على الكسر فى محل نصب، و الجملة من الفعل و فاعله و مفعوله لا محل لها من الإعراب صلة الموصول «أوله» أول: فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت و الضمير الذى للغائب مفعول أول «العلامه» مفعول ثان لأول «و النون» مبتدأ «إن» شرطية «تشدد» فعل مضارع مبنى للمجهول فعل الشرط، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود على المبتدأ الذى هو النون «فلا» الفاء لربط الشرط-

138

و النّون من ذين و تين شدّدا # أيضا، و تعويض بذاك قصدا (1)

الموصول قسمان: اسمى، و حرفى‏

ينقسم الموصول إلى اسمى، و حرفى‏

و لم يذكر المصنف الموصولات الحرفية، و هى خمسة أحرف:

أحدها: «أن» المصدرية، و توصل بالفعل المتصرف: ماضيا، مثل «عجبت من أن قام زيد» و مضارعا، نحو «عجبت من أن يقوم زيد» و أمرا، نحو «أشرت إليه بأن قم» ، فإن وقع بعدها فعل غير متصرف-نحو قوله تعالى: (وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ) و قوله تعالى: (وَ أَنْ عَسى‏ََ أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) -فهى مخفّفة من الثقيلة.

و منها: «أنّ» و توصل باسمها و خبرها، نحو «عجبت من أنّ زيدا قائم» و منه قوله تعالى: (أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنََّا أَنْزَلْنََا) و أن المخففة كالمثقّلة، و توصل باسمها و خبرها، لكن اسمها يكون محذوفا، و اسم المثقّلة مذكورا.

و منها: «كى» و توصل بفعل مضارع فقط، مثل «جئت لكى تكرم زيدا» .

____________

ق-بالجواب، و لا: نافية للجنس «ملامه» اسم لا مبنى على الفتح فى محل نصب، و سكونه للوقف، و خبر «لا» محذوف، و تقديره: فلا ملامة عليك، مثلا، و الجملة من لا و اسمها و خبرها فى محل جزم جواب الشرط، و جملة الشرط و الجواب فى محل رفع خبر المبتدأ.

(1) «و النون» مبتدأ «من ذين» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه ضمير مستتر فى «شددا» الآتى «و تين» معطوف على «ذين» «شددا» شدد:

فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى النون، و الألف للاطلاق، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «أيضا» مفعول مطلق حذف فعله العامل فيه «و تعويض» مبتدأ «بذاك» جار و مجرور متعلق بقوله قصد الآتى «قصدا» قصد: فعل ماض مبنى للمجهول، و الألف للاطلاق، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى تعويض، و الجملة من قصد و نائب فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ الذى هو قوله تعويض.

139

و منها: «ما» و تكون مصدرية ظرفية، نحو «لا أصحبك ما دمت منطلقا» [أى: مدّة دوامك منطلقا]و غير ظرفية، نحو «عجبت ممّا ضربت زيدا» و توصل بالماضى، كما مثل، و بالمضارع، نحو «لا أصحبك ما يقوم زيد، و عجبت مما تضرب زيدا» و منه‏ (1) : (بِمََا نَسُوا يَوْمَ اَلْحِسََابِ) و بالجملة الاسمية، نحو «عجبت ممّا زيد قائم، و لا أصحبك ما زيد قائم» و هو قليل‏ (2) ، و أكثر ما توصل الظرفية المصدرية بالماضى أو بالمضارع المنفى بلم، نحو «لا أصحبك ما لم تضرب زيدا» و بقلّ وصلها-أعنى المصدرية- بالفعل المضارع الذى ليس منفيّا بلم، نحو «لا أصحبك ما يقوم زيد» و منه قوله:

(25) -

أطوّف ما أطوّف ثمّ آوى # إلى بيت قعيدته لكاع‏

____________

(1) أى من وصلها بالفعل، بقطع النظر عن كونه ماضيا أو مضارعا.

(2) اختلف النحويون فيما إذا وقع بعد «ما» هذه جملة اسمية مصدرة بحرف مصدرى نحو قولهم: لا أفعل ذلك ما أن فى السماء نجما، و لا أكلمه ما أن حراء مكانه فقال جمهور البصريين: أن و ما دخلت عليه فى تأويل مصدر مرفوع على أنه فاعل لفعل محذوف، و التقدير على هذا: لا أكلمه ما ثبت كون نجم فى السماء، و ما ثبت كون حراء مكانه، فهو حينئذ من باب وصل «ما» المصدرية بالجملة الفعلية الماضوية، و وجه ذلك عندهم أن الأكثر وصلها بالأفعال، و الحمل على الأكثر أولى، و ذهب الكوفيون إلى أن «أن» و ما دخلت عليه فى تأويل مصدر مرفوع أيضا، إلا أن هذا المصدر المرفوع مبتدأ خبره محذوف، و التقدير على هذا الوجه: لا أفعل كذا ما كون حراء فى مكانه ثابت، و ما كون نجم فى السماء موجود، فهو من باب وصل «ما» بالجملة الاسمية؛ لأن ذلك أقل تقديرا.

(25) -اشتهر أن هذا البيت للحطيئة-و اسمه جرول-بهجو امرأته، و هو بيت مفرد ليس له سابق أو لاحق، و قد نسبه ابن السكيت فى كتاب الألفاظ (ص 73 ط بيروت) -و تبعه الخطيب التبريزى فى تهذيبه-إلى أبى غريب النصرى.

اللغة: «أطوف» أى أكثر التجوال و التطواف و الدوران، و يروى «أطود» -

140

و منها: «لو» و توصل بالماضى، نحو «وددت لو قام زيد» و المضارع، نحو «وددت لو يقوم زيد» .

فقول المصنف «موصول الأسماء» احتراز من الموصول الحرفى-و هو

____________

ق-بالدال المهملة مكان الفاء-و المعنى واحد «آوى» مضارع أوى-من باب ضرب-إلى منزله؛ إذا رجع إليه و أقام به «قعيدته» قعيدة البيت: هى المرأة. و قيل لها ذلك لأنها تطيل القعود فيه «لكاع» يريد أنها متناهية فى الخبث.

المعنى: أنا أكثر دورانى و ارتيادى الأماكن عامة النهار فى طلب الرزق و تحصيل القوت، ثم أعود إلى بيتى لأقيم فيه، فلا تقع عينى فيه إلا على امرأة شديدة الخبث متناهية فى الدناءة و اللؤم.

الإعراب: «أطوف» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و «ما» مصدرية «أطوف» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا و «ما» مع ما دخلت عليه فى تأويل مصدر مفعول مطلق عامله قوله «أطوف» الأول «ثم» حرف عطف «آوى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا «إلى بيت» جار و مجرور متعلق بقوله «آوى» «قعيدته» قعيدة: مبتدأ، و قعيدة مضاف و الضمير مضاف إليه «لكاع» خبر المبتدأ، و الجملة من المبتدأ و خبره فى محل جر نعت لقوله «بيت» ، و هذا هو الظاهر، و أحسن من ذلك أن يكون خبر المبتدأ محذوفا، و يكون قوله «لكاع» منادى بحرف نداء محذوف، و جملة النداء فى محل نصب مفعول به للخبر، و تقدير الكلام على ذلك الوجه: قعيدته مقول لها: يالكاع.

الشاهد فيه: فى هذا البيت شاهدان للنحاة، أولهما فى قوله «ما أطوف» حيث أدخل «ما» المصدرية الظرفية على فعل مضارع غير منفى بلم، و هو الذى عناه الشارح من إتيانه بهذا البيت ههنا، و الشاهد الثانى يذكر فى أواخر باب النداء فى ذكر أسماء ملازمة النداء، و هو فى قوله «لكاع» حيث يدل ظاهره على أنه استعمله خبرا للمبتدأ فجاء به فى غير النداء ضرورة، و الشائع الكثير فى كلام العرب أن ما كان على زنة فعال-بفتح الفاء و العين-مما كان سبا للاناث لا يستعمل إلا منادى، فلا يؤثر فيه عامل غير حرف النداء، تقول: يا لكاع و يا دفار، و لا يجوز أن تقول: رأيت دفار، و لا أن تقول: مررت بدفار؛ و من أجل هذا يخرج قوله «لكاع» هنا على حذف خبر المبتدأ و جعل «لكاع» منادى بحرف نداء محذوف كما قلنا فى إعراب البيت.

141

«أن و أنّ و كى و ما و لو» -و علامته صحة وقوع المصدر موقعه، نحو «وددت لو تقوم» أى قيامك، و «عجبت ممّا تصنع، و جئت لكى أقرأ، و يعجبنى أنّك قائم، و أريد أن تقوم» و قد سبق ذكره.

و أما الموصول الاسمىّ فـ «ـالذى» للمفرد المذكر (1) ، و «التى» للمفردة المؤنّثة.

فإن ثنيت أسقطت الياء و أتيت مكانها: بالألف فى حالة الرفع، نحو «اللّذان، و اللّتان» و بالياء فى حالتى الجر و النصب؛ فتقول: «اللّذين، و الّلتين» .

و إن شئت شدّدت النون-عوضا عن الياء المحذوفة-فقلت: «اللذانّ و اللتانّ» و قد قرى‏ء: (وَ اَلَّذََانِ يَأْتِيََانِهََا مِنْكُمْ) و يجوز التشديد أيضا مع الياء-و هو مذهب الكوفيين-فتقول: «اللذينّ، و الّلتينّ» و قد قرى‏ء: (رَبَّنََا أَرِنَا اَلَّذَيْنِ) -بتشديد النون-

و هذا التشديد يجوز أيضا فى تثنية «ذا، و تا» اسمى الإشارة؛ فتقول:

«ذانّ، و تانّ» و كذلك مع الياء؛ فتقول: «ذينّ و تينّ» و هو مذهب الكوفيين-و المقصود بالتشديد أن يكون عوضا عن الألف المحذوفة كما تقدم فى «الذى، و التى» .

***

جمع الّذى الالى الّذين مطلقا # و بعضهم بالواو رفعا نطقا (2)

____________

(1) لا فرق بين أن يكون المفرد مفردا حقيقة، كما تقول: زيد الذى يزورنا رجل كريم، و أن يكون مفردا حكما كما تقول: الفريق الذى أكون فيه فريق مخلص نافع، كما أنه لا فرق بين أن يكون عاقلا كما مثلنا، و أن يكون غير عاقل كما تقول: اليوم الذى سافرت فيه كان يوما ممطرا.

(2) «جمع» مبتدأ، و جمع مضاف و «الذى» مضاف إليه «الأولى» خبر المبتدأ «الذين» معطوف على الخبر بتقدير حرف العطف «مطلقا» حال من الذين «و بعضهم» الواو عاطفة، بعض: مبتدأ، و بعض مضاف و الضمير العائد إلى العرب-

142

بالّلات و الّلاء-الّتى قد جمعا # و الّلاء كالّذين نزرا، وقعا (1)

يقال فى جمع المذكر «الألى» مطلقا: عاقلا كان، أو غيره، نحو «جاءنى الألى فعلوا» و قد يستعمل فى جمع المؤنث، و قد اجتمع الأمران فى قوله:

(26) -

و تبلى الألى يستلئمون على الألى # تراهنّ يوم الرّوع كالحدإ القبل‏

____________

ق-مضاف إليه «بالواو» جار و مجرور متعلق بقوله نطق الآتى «رفعا» يجوز أن يكون حالا، و أن يكون منصوبا بنزع الخافض، و أن يكون مفعولا لأجله «نطقا» نطق:

فعل ماض و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «بعضهم» و الألف للاطلاق، و الجملة من نطق و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ الذى هو بعضهم.

(1) «باللات» جار و مجرور متعلق بقوله جمع الآتى «و اللاء» معطوف على اللات «التى» مبتدأ «قد» حرف تحقيق «جمعا» جمع فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على التى، و الألف للاطلاق، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «و اللاء» الواو حرف عطف، اللاء: مبتدأ «كالذين» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه الضمير المستتر فى «وقع» الآتى «نزرا» حال ثانية من الضمير المستر فى وقع «وقعا» وقع: فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «اللاء» و الألف للاطلاق، و الجملة من وقع و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ الذى هو قوله اللاء.

(26) -هذا البيت من كلام أبى ذؤيب-خويلد-بن خالد الهذلى، و قبله:

و تلك خطوب قد تملّت شبابنا # قديما، فتبلينا المنون، و ما نبلى‏

اللغة: «خطوب» جمع خطب، و هو الأمر العظيم «تملت شبابنا» استمتعت بهم «نبلينا» تفنينا «المنون» المنية و الموت «يستلئمون» يلبسون اللأمة، و هى الدرع، و «يوم الروع» يوم الخوف و الفزع، و أراد به يوم الحرب «الحدأ» جمع حدأة، و هو طائر معروف، و وزنه عنبة و عنب، و أراد بها الخيل على التشبيه «القبل» جمع قبلاء، و هى التى فى عينها القبل-بفتح القاف و الباء جميعا-و هو الحور.

المعنى: إن حوادث الدهر و الزمان قد تمتعت بشبابنا قديما، فتبلينا المنون و ما نبليها، -

143

...

____________

ق-و تبلى من بيننا الدارعين و القاتلة فوق الخيول التى تراها يوم الحرب كالحدأ فى سرعتها و خفتها.

الإعراب: «و تبلى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود على المنون فى البيت الذى ذكرناه فى أول الكلام على البيت «الألى» مفعول به لتبلى «يستلئمون» فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، و واو الجماعة فاعله، و الجملة لا محل لها صلة الموصول، «على» حرف جر «الألى» اسم موصول مبنى على السكون فى محل جر بعلى، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه «الألى» الواقع مفعولا به لتبلى «تراهن» ترى: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الضمير البارز مفعول أول «يوم» ظرف زمان متعلق بقوله ترى، و بوم مضاف و «الروع» مضاف إليه «كالحدأ» جار و مجرور متعلق بترى، و هو المفعول الثانى «القبل» صفة للحدإ، و جملة ترى و فاعله و مفعوليه لا محل لها صلة الموصول‏

الشاهد فيه: قوله «الأولى يستلئمون» ، و قوله «الألى تراهن» حيث استعمل لفظ الأولى فى المرة الأولى فى جمع المذكر العاقل، ثم استعمله فى المرة الثانية فى جمع المؤنث غير العاقل؛ لأن المراد بالأولى تراهن إلخ الخيل كما بينا فى لغة البيت؛ و الدليل على أنه استعملها هذا الاستعمال ضمير جماعة الذكور فى «يستلئمون» و هو الواو، و ضمير جماعة الإناث فى «تراهن» و هو «هن» .

و من استعمال «الألى» فى جمع الإناث العاقلات قول مجنون بنى عامر:

محا حبّها حبّ الألى كنّ قبلها # و حلّت مكانا لم يكن حلّ من قبل‏

و قول الآخر:

فأمّا الألى يسكنّ غور تهامة # فكلّ فتاة تترك الحجل أقصما

و هذا البيت يقع فى بعض نسخ الشرح، و لا يقع فى أكثرها، و لهذا أثبتناه و لم تشرحه، و من استعماله فى الذكور العقلاء قول الشاعر:

فإنّ الألى بالطّفّ من آل هاشم # تآسوا فسنّوا للكرام التآسيا

و من استعماله فى الذكور غير العقلاء-و إن كان قد أعاد الضمير عليه كما يعيده على جمع المؤنثات-قول الأخر:

تهيّجنى للوصل أيّامنا الألى # مررن علينا و الزّمان وريق‏

144

فقال: «يستلئمون» ثم قال: «تراهنّ» .

و يقال للمذكر العاقل فى الجمع «الّذين» مطلقا-أى: رفعا، و نصبا، و جرا- فتقول: «جاءنى الّذين أكرموا زيدا، و رأيت الذين أكرموه، و مررت بالذين أكرموه» .

و بعض العرب يقول: «الّذون» فى الرفع، و «الّذين» فى النصب و الجر؛ و هم بنو هذيل، و منه قوله:

(27) -

نحن الذون صبّحوا الصّباحا # يوم النّخيل غارة ملحاحا

____________

(27) -اختلف فى نسبة هذا البيت إلى قائله اختلافا كثيرا، فنسبه أبو زيد (النوادر 47) إلى رجل جاهلى من بنى عقيل سماه أبا حرب الأعلم، و نسبه الصاغانى فى العباب إلى ليلى الأخيلية، و نسبه جماعة إلى رؤبة بن العجاج، و هو غير موجود فى ديوانه، و بعد الشاهد فى رواية أبى زيد:

نحن قتلنا الملك الجحجاحا # و لم ندع لسارح مراحا

إلا ديارا أو دما مفاحا # نحن بنو خويلد صراحا

*لا كذب اليوم و لا مزاحا*

اللغة: «نحن الذون» هكذا وقع فى رواية النحويين لهذا البيت، و الذى رواه الثقة أبو زيد فى نوادره «نحن الذين» على الوجه المشهور فى لغة عامة العرب، و قوله «صبحوا» معناه جاءوا بعددهم و عددهم فى وقت الصباح مباغتين للعدو، و على هذا يجرى قول اللّه تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ) «النخيل» -بضم النون و فتح الخاء-اسم مكان بعينه «غارة» اسم من الإغارة على العدو «ملحاحا» هو مأخوذ من قولهم «ألح المطر» إذا دام، و أراد أنها غارة شديدة تدوم طويلا «مفاحا» بضم الميم-مرافا حتى يسيل «صراحا» يريد أن نسبهم إليه صريج خالص لا شبهة فيه و لا ظنة و هو برنة غراب، و جعله العينى-و تبعه البغدادى-بكسر الصاد جمع صريح مثل كريم و كرام.

الإعراب: «نحن» ضمير منفصل مبتدأ «الذون» اسم موصول خبر. المبتدأ «صبحوا» فعل و فاعل، و الجملة لا محل لها من الإعراب صلة «الصباحا، يوم» ظرفان-

145

و يقال فى جمع المؤنث: «الّلات، و الّلاء» بحذف الياء؛ فتقول «جاءنى الّلات فعلن، و الّلاء فعلن» و يجوز إثبات الياء؛ فتقول «الّلاتى، و الّلائى»

و قد ورد «الّلاء» بمعنى الذين، قال الشاعر:

(28) -

فما آباؤنا بأمنّ منه # علينا الّلاء قد مهدوا الحجورا

[كما قد تجى‏ء «الأولى» بمعنى «الّلاء» كقوله:

فأمّا الأولى يسكنّ غور تهامة # فكلّ فتاة تترك الحجل أقصما]

***

____________

ق-يتعلقان بقوله «صبحوا» و يوم مضاف و «النخيل» مضاف إليه «غارة» مفعول لأجله، و يجوز أن يكون حالا بتأويل المشتق-أى مغيرين-و قوله «ملحاحا» نعت لغارة.

الشاهد فيه: قوله «الذون» حيث جاء به بالواو فى حالة الرفع، كما لو كان جمع مذكر سالما، و بعض العلماء قد اغتر بمجى‏ء «الذون» فى حالة الرفع و مجى‏ء «الذين» فى حالتى النصب و الجر؛ فزعم أن هذه الكلمة معربة، و أنها جمع مذكر سالم حقيقة، و ذلك بمعزل عن الصواب، و الصحيح أنه مبنى جى‏ء به على صورة المعرب، و الظاهر أنه مبنى على الواو و الياء.

(28) -البيت لرجل من بنى سليم، و لم يعينه أحد ممن اطلعنا على كلامهم من العلماء

اللغة: «أمن» أفعل تفضيل من قولهم: من عليه، إذا أنعم عليه «مهدوا» بفتح الهاء مخففه من قولك: مهدت الفراش مهدا، إذا بسطته و وطأته و هيأته، و من هنا سمى الفراش مهادا لوثارته، و قال اللّه تعالى: (فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) أى: يوطئون، و من ذلك تمهيد الأمور، أى تسويتها و إصلاحها «الحجور» جمع حجر-بفتح الحاء أو كسرها أو ضمها-و هو حضن الإنسان، و يقال: نشأ فلان فى حجر فلان- بكسر الحاء أو فتحها-يريدون فى حفظه و ستره و رعايته.

المعنى: ليس آباؤنا-و هم الذين أصلحوا شأننا، و مهدوا أمرنا، و جعلوا لنا حجورهم كالمهد-بأكبر نعمة علينا و فضلا من هذا الممدوح.

الإعراب: «ما» نافية بمعنى ليس «آباؤنا» آباء: اسم ما، و آباء مضاف و الضمير مضاف إليه «بأمن» الباء زائدة، و أمن: خبر ما «منه، علينا» كلاهما جار و مجرور متعلق بقوله أمن، و قوله «اللاء» اسم موصول صفة لآباء «قد» حرف تحقيق-

146

الموصول الاسمى العام‏

و من، و ما، و أل-تساوى ما ذكر # و هكذا «ذو» عند طيّى‏ء شهر (1)

و كالّتى-أيضا-لديهم ذات، # و موضع اللاّتى أتى ذوات‏ (2)

____________

ق- «مهدورا» مهد: فعل ماض، و واو الجماعة فاعله «الحجورا» مفعول به لمهد، و الألف للاطلاق، و جملة الفعل الماضى-الذى هو مهد-و فاعله و مفعوله لا محل لها صلة الموصول.

الشاهد فيه: قوله «اللاء» حيث أطلقه على جماعة الذكور؛ فجاء به وصفا لآباء.

و قد استعملوا «الألاء» اسما موصولا و أصله اسم إشارة، و أطلقوه على جمع الذكور كما فى قول خلف بن حازم:

إلى النّفر البيض الألاء كأنّهم # صفائح يوم الرّوع أخلصها الصّقل‏

و قول كثير بن عبد الرحمن المشهور بكثير عزة:

أبى اللّه للشّمّ الألاء كأنهم # سيوف اجاد القين يوما صقالها

(1) «و من» مبتدأ «و ما، و أل» معطوفان على من «تساوى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى الألفاظ الثلاثة من و ماوأل، و الجملة من تساوى و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ «ما» اسم موصول مفعول به لقوله «تساوى» و قوله «ذكر» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «ما» الواقع مفعولا به، و الجملة لا محل لها صلة الموصول «و هكذا» ها: حرف تنبيه، كذا: جار و مجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه الضمير فى قوله «شهر» الآتى «ذو» مبتدأ «عند» ظرف متعلق بقوله «شهر» الآتى، و عند مضاف و «طيى‏ء» مضاف إليه «شهر» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «ذو» و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ الذى هو ذو.

(2) «كالتى» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «أيضا» مفعول مطلق فعله محذوف «لديهم» لدى: ظرف متعلق بما تعلق به الجار و المجرور السابق، و لدى مضاف و الضمير مضاف إليه «ذات» مبتدأ مؤخر «و موضع» منصوب على الظرفية المكانية ناصبه قوله «أنى» الآتى، و موضع مضاف و «اللاتى» مضاف إليه «أنى ذوات» فعل ماض و فاعله.

147

أشار بقوله: «تساوى ما ذكر» إلى أنّ «من، و ما» و الألف و اللام، تكون بلفظ واحد: للمذكر، و المؤنث-[المفرد]و المثنى، و المجموع- فتقول: جاءنى من قام، و من قامت، و من قاما، و من قامتا، و من قاموا، و من قمن؛ و أعجبنى ما ركب، و ما ركبت، و ما ركبا، و ما ركبتا، و ما ركبوا، و ما ركبن؛ و جاءنى القائم، و القائمة، و القائمان، و القائمتان، و القائمون، و القائمات.

و أكثر ما تستعمل «ما» فى غير العاقل، و قد تستعمل فى العاقل‏ (1) ، و منه قوله تعالى: (فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ مَثْنى‏ََ) و قولهم: «سبحان ما سخّر كنّ لنا» و «سبحان ما يسبّح الرّعد بحمده» .

و «من» بالعكس؛ فأكثر ما تستعمل فى العاقل، و قد تستعمل فى غيره‏ (2) ،

____________

(1) تستعمل «ما» فى العاقل فى ثلاثة مواضع؛ الأول: أن يختلط العاقل مع غير العاقل نحو قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ) * فإن ما يتناول ما فيهما من إنس و ملك و جن و حيوان و جماد، بدليل قوله: (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) و الموضع الثانى: أن يكون أمره مبهما على المتكلم، كقولك-و قد رأيت شبحا من بعيد-: انظر ما ظهر لى، و ليس منه قوله تعالى: (إِذْ قََالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرََانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مََا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً) لأن إبهام ذكورته و أنوثته لا يخرجه عن العقل، بل استعمال «ما» هنا فى ما لا يعقل لأن الحمل ملحق بالجماد، و الموضع الثالث: أن يكون المراد صفات من يعقل، كقوله تعالى‏ (فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ) و هذا الموضع هو الذى ذكره الشارح بالمثال الأول من غير بيان.

(2) تستعمل «من» فى غير العاقل فى ثلاثة مواضع؛ الأول: أن يقترن غير العاقل مع من يعقل فى عموم فصل بمن الجارة، نحو قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ بَطْنِهِ، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ رِجْلَيْنِ، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ أَرْبَعٍ) و من المستعملة فيما لا يعقل مجاز مرسل علاقته المجاورة فى هذا الموضع، و الموضع الثانى:

أن يشبه غير العاقل بالعاقل فيستعار له لفظه، نحو قوله تعالى: (مَنْ لاََ يَسْتَجِيبُ لَهُ) و قول الشاعر

*أ سرب القطا هل من يعير جناحه*

و هو الذى استشهد به المؤلف-

148

كقوله تعالى: (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ أَرْبَعٍ، يَخْلُقُ اَللََّهُ مََا يَشََاءُ) و منه قول الشاعر:

(29) -

بكيت على سرب القطا إذ مررن بى # فقلت و مثلى بالبسكاء جدير:

أسرب القطا، هل من يعير جناحه # لعلّى إلى من قد هويت أطير؟

____________

ق-فيما يلى، و سنذكر معه نظائره، و استعمال من فيما لا يعقل حينئذ استعارة؛ لأن العلاقة المشابهة، و الموضع الثالث: أن يختلط من يعقل بما لا يعقل نحو قول اللّه تعالى: (وَ لِلََّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ) و استعمال من فيما لا يعقل-فى هذا الموضع- من باب التغليب، و اعلم أن الأصل تغليب من يعقل على ما لا يعقل، و قد يغلب ما لا يعقل على من يعقل؛ لنكتة، و هذه النكت تختلف باختلاف الأحوال و المقامات.

(29) -هذان البيتان للعباس بن الأحنف، أحد الشعراء المولدين، و قد جاء بهما الشارح تمثيلا لا استشهادا، كما يفعل المحقق الرضى ذلك كثيرا؛ يمثل بشعر المتنبى و البحترى و أبى تمام، و قيل: قائلهما مجنون ليلى، و هو ممن يستشهد بشعره، و قد وجدت بيت الشاهد ثابتا فى كل ديوان من الديوانين: ديوان المجنون، و ديوان العباس، و دلك من خلط الرواة.

اللغة: «السرب» جماعة الظباء و القطا و نحوهما، و «القطا» ضرب من الطير قريب الشبه من الحمام «جدير» لائق و حقيق «هويت» بكسر الواو-أى أحببت.

الإعراب: «بكيت» فعل و فاعل «على سرب» جار و مجرور متعلق ببكيت، و سرب مضاف و «القطا» مضاف إليه «إذ» ظرف زمان متعلق ببكيت مبنى على السكون فى محل نصب «مررن» فعل و فاعل، و الجملة فى محل جر بإضافة إذ إليها، أى بكيت وقت مرورهن بى «بى» جار و مجرور متعلق بمر «فقلت» فعل و فاعل «و مثلى» الواو للحال، مثل: مبتدأ، و مثل مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه «بالبكاء» جار و مجرور متعلق بقوله جدير الآتى «جدير» خبر المبتدأ «أسرب» الهمزة حرف نداء، و سرب: منادى منصوب بالفتحة الظاهرة، و سرب مضاف، و «القطا» مضاف إليه «هل» استفهامية «من» اسم موصول مبتدأ «يعير» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من، و الجملة من يعير و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ، هكذا قالوا، و عندى أن جملة «يعير جناحه» لا محل لها من الإعراب صلة الموصول الذى هو من، و أما خبر المبتدأ فمحذوف، و تقدير الكلام: هل الذى يعير جناحه-

149

و أما الألف و اللام فتكون للعاقل، و لغيره، نحو «جاءنى القائم، و المركوب» و اختلف فيها؛ فذهب قوم إلى أنها اسم موصول، و هو الصحيح، و قيل: إنها حرف موصول، و قيل: إنها حرف تعريف، و ليست من الموصولية فى شى‏ء.

و أما من و ما غير المصدرية فاسمان اتفاقا، و أما «ما» المصدرية فالصحيح أنها حرف، و ذهب الأخفش إلى أنها اسم.

و لغة طيى‏ء استعمال «ذو» موصولة، و تكون للعاقل، و لغيره، و أشهر لغاتهم فيها أنها تكون بلفظ واحد: للمذكر، و المؤنث، مفردا، و مثنى، و مجموعا (1) ؛

____________

ق-موجود «جناحه» جناح: مفعول به ليعير، و جناح مضاف و الضمير مضاف إليه «لعلى» لعل: حرف ترج و نصب، و الياء ضمير المتكلم اسمها «إلى» حرف جر «من» اسم موصول مبنى على السكون فى محل جر بإلى، و الجار و المجرور متعلق بقوله أطير الآتى «قد» حرف تحقيق «هويت» فعل ماض و فاعله، و الجملة لا محل لها صلة الموصول، و العائد محذوف، و التقدير: إلى الذى قد هويته «أطير» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و الجملة فى محل رفع خبر «لعل» .

الشاهد فيه: قوله «أسرب القطا» و قوله «من يعير جناحه» و النداء معناه طلب إقبال من تناديه عليك، و لا يتصور أن تطلب الإقبال إلا من العاقل الذى يفهم الطلب و يفهم الإقبال، أو الذى تجعله بمنزلة من يفهم الطلب و يفهم الإقبال، فلما تقدم بندائه استساغ أن يطلق عليه اللفظ الذى لا يستعمل إلا فى العقلاء بحسب وضعه، و قد تمادى فى معاملته معاملة ذوى العقل، فاستفهم منه طالبا أن يعيره جناحه، و الاستفهام و طلب الإعارة إنما يتصور توجيههما إلى العقلاء.

و مثل ذلك قول امرى‏ء القيس بن حجر الكندى:

ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالى # و هل يعمن من كان فى العصر الخالى‏

(1) لا فرق بين أن يكون ما استعمل فيه «ذو» الموصولة عاقلا أو غير عاقل؛ -

150

فتقول: «جاءنى ذو قام، و ذو قامت، و ذو قاما، و ذو قامتا، و ذو قاموا، و ذو قمن» ، و منهم من يقول فى المفرد المؤنث: «جاءنى ذات قامت» ، و فى جمع المؤنث: «جاءنى ذوات قمن» و هو المشار إليه بقوله: «و كالتى أيضا-البيت» و منهم من يثنّيها و يجمعها فيقول: «ذوا، و ذوو» فى الرفع و «ذوى، و ذوى» فى النصب و الجر، و «ذواتا» فى الرفع، و «ذواتى» فى الجر و النصب، و «ذوات» فى الجمع، و هى مبنية على الضم، و حكى الشيخ بهاء الدين ابن النحاس أن إعرابها كإعراب جمع المؤنث السالم.

و الأشهر فى «ذو» هذه-أعنى الموصولة-أن تكون مبنية، و منهم من يعربها: بالواو رفعا، و بالألف نصبا، و بالياء جرا؛ فيقول: «جاءنى ذو قام، و رأيت ذا قام، و مررت بذى قام» فتكون مثل «ذى» بمعنى صاحب، و قد روى قوله:

فإمّا كرام موسرون لقيتهم # فحسبى من ذى عندهم ما كفانيا[4] (1)

____________

ق-فمن استعمالها فى المفرد المذكر العاقل قول منظور بن سحيم الذى سيستشهد الشارح به، و قول قوال الطائى:

فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا: # هلمّ فإنّ المشرفىّ الفرائض‏

يريد فقولا لهذا المرء الذى جاء ساعيا

و من استعمالها فى المفرد المؤنث غير العاقل قول سنان بن الفحل الطائى:

فإنّ الماء ماء أبى و جدّى # و بئرى ذو حفرت و ذو طويت‏

يريد: و بئرى التى حفرتها و التى طويتها؛ لأن البئر مؤنثة بدون علامة تأنيث.

و من استعمالها فى المفرد المذكر غير العاقل قول قوال الطائى أيضا:

أظنّك دون المال ذو جئت طالبا # ستلقاك بيض للنّفوس قوابض‏

(1) قد مضى شرح هذا البيت فى باب «المعرب و المبنى» (ش رقم 4) شرحا-

151

بالياء على الإعراب، و بالواو على البناء.

و أما «ذات» فالفصيح فيها أن تكون مبنية على الضم رفعا و نصبا و جرا، مثل «ذوات» ، و منهم من يعربها إعراب مسلمات: فيرفعها بالضمة، و ينصبها و بجرها بالكسرة (1) .

***

و مثل ما «ذا» بعد ما استفهام # أو من، إذا لم تلغ فى الكلام‏ (2)

____________

ق-وافيا لا تحتاج معه إلى إعادة شى‏ء منه هنا، و قد ذكرنا هناك أن المؤلف سينشده مرة أخرى فى باب الموصول، و أنه سيذكر فيه روايتين، و قد بينا ثمة تخريج كل واحدة منهما، و وجه الاستدلال بهما.

(1) قال ابن منظور: «قال شمر: قال الفراء: سمعت أعرابيا يقول: بالفضل ذو فضلكم اللّه به، و الكرامة ذات أكرمكم اللّه بها؛ فيجعلون مكان الذى ذو، و مكان التى ذات، و يرفعون التاء على كل حال، و يخلطون فى الاثنين و الجمع، و ربما قالوا:

هذا ذو تعرف، و فى التثنية: هذان ذوا تعرف، و هاتان ذوا تعرف، و أنشد الفراء:

*و بئرى ذو حفرت و ذو طويت*

و منهم من يثنى، و يجمع، و يؤنث؛ فيقول:

هذان ذوا قالا، و هؤلاء ذوو قالوا، و هذه ذات قالت، و أنشد:

جمعتها من أينق موارق # ذوات ينهضن بغير سائق»

اهـ كلام ابن منظور، و هو فى الأصل كلام الفراء.

(2) «و مثل» خبر مقدم، و مثل مضاف و «ما» مضاف إليه «ذا» مبتدأ مؤخر «بعد» ظرف متعلق بمحذوف حال من ذا، و بعد مضاف و «ما» قصد لفظه:

مضاف إليه، و ما مضاف و «استفهام» مضاف إليه «أو» حرف عطف «من» معطوف على ما «إذا» ظرف تضمن معنى الشرط «لم» حرف نفى و جزم و قلب «تلغ» فعل مضارع مبنى للمجهول، مجزوم بحذف الألف و الفتحة قبلها دليل عليها، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى ذا، و الجملة فى محل جر-

152

يعنى أن «ذا» اختصّت من بين سائر أسماء الإشارة بأنها تستعمل موصولة، و تكون مثل «ما» فى أنها تستعمل بلفظ[واحد]: للمذكر، و المؤنث-مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا-فتقول: «من ذا عندك» و «ماذا عندك» سواء كان ما عنده مفردا مذكرا أو غيره.

و شرط استعمالها موصولة أن تكون مسبوقة بـ «ما» أو «من» الاستفهاميتين، نحو «من ذا جاءك، و ما ذا فعلت» فمن: اسم استفهام، و هو مبتدأ، و «ذا» موصولة بمعنى الذى، و هو خبر من، و «جاءك» صلة الموصول، و التقدير «من الذى جاءك» ؟و كذلك «ما» مبتدأ، و «ذا» موصول‏[بمعنى الذى‏]، و هو خبر ما، و «فعلت» صلته، و العائد محذوف، تقديره «ماذا فعلته» ؟أى: ما الذى فعلته.

و احترز بقوله: «إذا لم تلغ فى الكلام» من أن تجعل «ما» مع «ذا» أو «من» مع «ذا» كلمة واحدة للاستفهام، نحو «ماذا عندك؟» أى: أىّ شى‏ء عندك؟و كذلك «من ذا عندك؟» فماذا: مبتدأ، و «عندك» خبره [و كذلك: «من ذا» مبتدأ، و «عندك» خبره‏]فذا فى هذين الموضعين ملغاة؛ لأنها جزء كلمة؛ لأن المجموع استفهام.

***

كل الموصولات الاسميه تحتاج إلى صلة و عائد

و كلّها يلزم بعده صله # على ضمير لائق مشتمله‏ (2)

____________

ق-بإضافة إذا إليها، و هى فعل الشرط، و جواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام، و تقديره: ذا مثل ما حال كونها بعد ما أو من الاستفهاميتين، إذا لم تلغ فى الكلام فهى كذلك؛ و قوله «فى الكلام» جار و مجرور متعلق بقوله تلغ.

(2) «و كلها» الواو للاستئناف، كل: مبتدأ، و كل مضاف و الضمير مضاف إليه و مرجعه الموصولات الاسمية وحدها، خلافا لتعميم الشارح؛ لأنه نعت الصلة بكونها مشتملة على عائد، و هذا خاص بصلة الموصول الاسمى؛ و لأن المصنف لم يتعرض للموصول الحرفى هنا أصلا، بل خص كلامه بالاسمى، ألا ترى أنه بدأ الباب بقوله «موصول-