شرح ابن عقيل

- عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل المزيد...
686 /
153

الموصولات كلها-حرفية كانت، أو اسمية-يلزم أن يقع بعدها صلة تبين معناها.

و يشترط فى صلة الموصول الاسمىّ أن تشتمل على ضمير لائق بالموصول: إن كان مفردا فمفرد، و إن كان مذكرا فمذكر، و إن كان غيرهما فغيرهما، نحو «جاءنى الّذى ضربته» و كذلك المثنى و المجموع، نحو «جاءنى اللّذان ضربتهما، و الّذين ضربتهم» و كذلك المؤنث، تقول: «جاءت الّتى ضربتها، و اللّتان ضربتهما، و اللاّتى ضربتهنّ» .

و قد يكون الموصول لفظه مفردا مذكرا و معناه مثنى أو مجموعا أو غيرهما، و ذلك نحو «من، و ما» إذا قصدت بهما غير المفرد المذكر؛ فيجوز حينئذ مراعاة اللفظ، و مراعاة المعنى؛ فتقول: «أعجبنى من قام، و من قامت، و من قاما، و من قامتا، و من قاموا، و من قمن» على حسب ما يعنى بهما.

***

لا تكون صلة الموصول إلا جملة أو شبهها

و جملة أو شبهها الّذى وصل # به، كمن عندى الّذى ابنه كفل‏ (1)

____________

ق-الاسماء» ؟و «يلزم» فعل مضارع «بعده» بعد: ظرف متعلق بقوله يلزم، و بعد مضاف و الضمير العائد على كل مضاف إليه «صلة» فاعل يلزم «على ضمير» جار و مجرور متعلق بقوله «مشتملة» الآتى «لائق» نعت لضمير «مشتملة» نعت لصلة.

(1) «و جملة» خبر مقدم «أو شبهها» أو: حرف عطف، شبه: معطوف على جملة، و شبه مضاف و الضمير مضاف إليه «الذى» اسم موصول مبتدأ مؤخر «وصل» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على قوله «كلها» فى البيت السابق «به» جار و مجرور متعلق بقوله «وصل» و تقدير الكلام على هذا الوجه: و الذى وصل به كل واحد من الموصولات السابق ذكرها جملة أو شبه جملة، و قيل: قوله «جملة» مبتدأ، و قوله «الذى» خبره، و نائب فاعل وصل ليس ضميرا مستترا، بل هو الضمير المجرور بالباء فى قوله «به» و ليس هذا-

154

صلة الموصول لا تكون إلا جملة أو شبه جملة، و نعنى بشبه الجملة الظرف و الجارّ و المجرور، و هذا فى غير صلة الألف و الّلام، و سيأتى حكمها.

شروط الجملة التى تقع صلة

و يشترط فى الجملة الموصول بها ثلاثة شروط؛ أحدها: أن تكون خبرية (1) ، الثانى: كونها خالية من معنى التعجب‏ (2) ، الثالث: كونها غير مفتقرة إلى كلام

____________

ق-الإعراب بجيد «كمن» الكاف جارة لمحذوف تقديره: كقولك، و من اسم موصول مبتدأ «عندى» عند: ظرف متعلق بفعل محذوف تقع جملته صلة، و عند مضاف و الضمير مضاف إليه «الذى» خبر المبتدأ «ابنه» ابن: مبتدأ، و ابن مضاف و الضمير مضاف إليه «كفل» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «ابن» و الجملة من الفعل و نائب الفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ الذى هو قوله ابنه، و الجملة من المبتدأ و خبره لا محل لها من الإعراب صلة الذى.

(1) ذهب الكسائى إلى أنه يجوز أن تكون صلة الموصول جملة إنشائية، و استدل على ذلك بالسماع؛ فمن ذلك قول الفرزدق:

و إنّى لراج نظرة قبل الّتى # لعلّى-و إن شطّت نواها-أزورها

و قول جميل بن معمر العذرى المعروف بجميل بثينة:

و ما ذا عسى الواشون أن يتحدّثوا # سوى أن يقولوا إنّنى لك عاشق‏

و زعم الكسائى أن جملة «لعلى أزورها» من لعل و اسمها و خبرها صلة التى، كما زعم أن «ما» فى قول جميل «و ما ذا» اسم استفهام مبتدأ، و «ذا» اسم موصول خبره، و جملة عسى و اسمها و خبرها صلة.

و الجواب أن صلة التى فى البيت الأول محذوفة، و التقدير: قبل التى أقول فيها لعلى إلخ، و ما ذا كلها فى البيت الثانى اسم استفهام مبتدأ، و ليس ثمة اسم موصول أصلا.

(2) اختلف العلماء فى جملة التعجب: أخبرية هى أم إنشائية؟فذهب قوم إلى أنها جملة إنشائية، و هؤلاء جميعا قالوا: لا يجوز أن يوصل بها الاسم الموصول؛ و ذهب فريق إلى أنها خبرية، و قد اختلف هذا الفريق فى جواز وصل الموصول بها؛ فقال ابن خروف: يجوز، و قال الجمهور: لا يجوز؛ لأن التعجب، إنما يتكلم به عند-

155

قبلها، و احترز بـ «الخبرية» من غيرها، و هى الطّلبية و الإنشائية؛ فلا يجوز «جاءنى الّذى اضربه» خلافا للكسائى، و لا «جاءنى الّذى ليته قائم» خلافا لهشام، و احترز بـ «خالية من معنى التعجب» من جملة التعجب؛ فلا يجوز «جاءنى الّذى ما أحسنه» و إن قلنا إنها خبرية، و احترز «بغير مفتقرة إلى كلام قبلها» من نحو: «جاءنى الّذى لكنّه قائم» ؛ فإن هذه الجملة تستدعى سبق جملة أخرى، نحو: «ما قعد زيد لكنّه قائم» .

ما يشترط فى شبه الجملة الذى يقع صلة

و يشترط فى الظرف و الجار و المجرور أن يكونا تامّين، و المعنىّ بالتامّ: أن يكون فى الوصل به فائدة، نحو: «جاء الّذى عندك، و الّذى فى الدّار» و العامل فيهما فعل محذوف وجوبا، و التقدير: «جاء الّذى استقرّ عندك» أو «الّذى استقرّ فى الدّار» فإن لم يكونا تامّين لم يجز الوصل بهما؛ فلا تقول «جاء الّذى بك» و لا «جاء الّذى اليوم» .

***

و صفة صريحة صلة أل # و كونها بمعرب الأفعال قلّ‏ (1)

____________

ق-خفاء سبب ما يتعجب منه؛ فإن ظهر السبب بطل العجب، و لا شك أن المقصود بالصلة إيضاح الموصول و بيانه، و كيف يمكن الإيضاح و البيان بما هو غير ظاهر فى نفسه؟فلما تنافيا لم يصح ربط أحدهما بالآخر، و يؤيد هذا التفصيل قول الشارح فيما بعد: «فلا يجوز جاءنى الذى ما أحسنه و إن قلنا إنها خبرية» فإن معنى هذه العبارة: لا يجوز أن تكون جملة التعجب صلة إن قلنا إنها إنشائية و إن قلنا إنها خبرية؛ فلا تلتفت لما قاله الكاتبون فى هذا المقام مما يخالف هذا التحقيق.

(1) «و صفة» الواو للاستئناف، صفة: خبر مقدم «صريحة» نعت لصفة «صلة» مبتدأ مؤخر، و صلة مضاف و «أل» مضاف إليه «و كونها» كون: مبتدأ، و هو من جهة الابتداء يحتاج إلى خبر، و من جهة كونه مصدرا لكان الناقصة يحتاج إلى اسم و خبر، فالضمير المتصل به اسمه، و «بمعرب» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبره من-

156

الألف و اللام لا توصل إلا بالصفة الصريحة، قال المصنف فى بعض كتبه:

و أعنى بالصفه الصريحة اسم الفاعل نحو: «الضارب» و اسم المفعول نحو:

«المضروب» و الصفة المشبهة نحو: «الحسن الوجه» فخرج نحو: «القرشىّ، و الأفضل» و فى كون الألف و اللام الداخلتين على الصفة المشبهة موصولة خلاف، و قد اضطرب اختيار الشيخ أبى الحسن بن عصفور فى هذه المسألة؛ فمرة قال: إنها موصولة، و مرة منع ذلك‏ (1) .

و قد شذّ وصل الألف و اللام بالفعل المضارع، و إليه أشار بقوله: «و كونها بمعرب الأفعال قلّ» و منه قوله:

____________

ق-حيث النقصان، و معرب مضاف، و «الأفعال» مضاف إليه «قل» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كونه الواقع مبتدأ، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ.

(1) للعلماء خلاف طويل فى جواز وصل أل بالصفة المشبهة؛ فجمهورهم على أن الصفة المشبهة لا تكون صلة لأل؛ فأل الداخلة على الصفة المشبهة عند هؤلاء معرفة لا موصولة، و السر فى ذلك أن الأصل فى الصلات للأفعال، و الصفة المشبهة بعيدة الشبه بالفعل من حيث المعنى، و ذلك لأن الفعل يدل على الحدوث، و الصفة المشبهة لا تدل عليه، و إنما تدل على اللزوم، و يؤيد هذا أنهم اشترطوا فى اسم الفاعل و اسم المفعول و أمثلة المبالغة التى تقع صلة لأل أن يكون كل واحد منها دالا على الحدوث، و لو دل أحدها على اللزوم لم يصح أن يكون صلة لأل، بل تكون أل الداخلة عليه معرفة، و ذلك كالمؤمن و الفاسق و الكافر و المنافق، و ذهب قوم إلى أنه يجوز أن تكون الصفة المشبهة صلة لأل؛ لأنها أشبهت الفعل من حيث العمل-و إن خالفته فى المعنى-، أفلست ترى أنها ترفع الضمير المستتر، و الضمير البارز، و الاسم الظاهر، كما يرفعها الفعل جميعا؟و أجمعوا على أن أفعل التفضيل لا يكون صلة لأل؛ لأنه لم يشبه الفعل لا من حيث المعنى و لا من حيث العمل؛ أما عدم مشابهته الفعل من حيث المعنى فلأنه يدل على الاشتراك مع الزيادة و الفعل يدل على الحدوث، و أما عدم شبهه بالفعل من حيث العمل فلأن الفعل يرفع الضمير المستتر و البارز، و يرفع الاسم الظاهر، أما أفعل التفضيل فلا يرفع باطراد إلا الضمير المستتر، و يرفع الاسم الظاهر فى مسألة واحدة هى المعروفة بمسألة الكحل.

غ

157

(30) -

ما أنت بالحكم التّرضى حكومته # و لا الأصيل و لا ذى الرّأى و الجدل‏

____________

(30) -هذا البيت للفرزدق، من أبيات له يهجو بها رجلا من بنى عذرة، و كان هذا الرجل العذرى قد دخل على عبد الملك بن مروان يمدحه، و كان جرير و الفرزدق و الأخطل عنده، و الرجل لا يعرفهم، فعرفه بهم عبد الملك؛ فعاعتم العذرى أن قال:

فحيّا الإله أبا حزرة # و أرغم أنفك يا أخطل

و جدّ الفرزدق أتعس به # و دقّ خياشيمه الجندل‏

و «أبو حزرة» : كنبة جرير، و «أرغم أنفك» : يدعو عليه بالذل و المهانة حتى يلصق أنفه بالرغام-و هو التراب-و «الجد» الحظ و البخت، و فى قوله «وجد الفرزدق أتعس به» دليل على أنه يجوز أن يقع خبر المبتدأ جملة إنشائية، و هو مذهب الجمهور، و خالف فيه ابن الأنبارى، و سنذكر فى ذلك بحثا فى باب المبتدأ و الخبر فأجابه الفرزدق ببيتين ثانيهما بيت الشاهد، و الذى قبله قوله:

يا أرغم اللّه أنفا أنت حامله # يا ذا الخنى و مقال الزّور و الخطل‏

اللغة: «الخنى» -بزنة الفتى-هو الفحش، و «الخطل» -بفتح الخاء المعجمة و الطاء المهملة-هو المنطق الفاسد المضطرب، و التفحش فيه «الحكم» -بالتحريك-الذى يحكمه الخصمان كى يقضى بينهما، و يفصل فى خصومتهما «الأصيل» ذو الحسب، و «الجدل» شدة الخصومة.

المعنى: يقول: لست أيها الرجل بالذى يرضاه الناس للفصل فى أقضيتهم، و لا أنت بذى حسب رفيع، و لا أنت بصاحب عقل و تدبير سديد، و لا أنت بصاحب جدل، فكيف نرضاك حكما؟!.

الإعراب: «ما» نافية، تعمل عمل ليس «أنت» اسمها «بالحكم» الباء زائدة الحكم: خبر ما النافية «الترضى» أل: موصول اسمى نعت للحكم، مبنى على السكون فى محل جر «ترضى» فعل مضارع مبنى للمجهول «حكومته» حكومة: نائب فاعل لترضى، و حكومة مضاف و الضمير مضاف إليه، و الجملة لا محل لها صلة الموصول «و لا» الواو حرف عطف، لا: زائدة لتأكيد النفى «الأصيل» معطوف على الحكم «و لا» -

158

و هذا عند جمهور البصريين مخصوص بالشعر، و زعم المصنف-فى غير هذا الكتاب-أنه لا يختص به، بل يجوز فى الاختيار، و قد جاء وصلها بالجملة الاسمية، و بالظرف شذوذا؛ فمن الأول قوله:

(31) -

من القوم الرّسول اللّه منهم # لهم دانت رقاب بنى معدّ

____________

ق-مثل السابق «ذى» معطوف على الحكم أيضا، و ذى مضاف و «الرأى» مضاف إليه. «و الجدل» معطوف على الرأى.

الشاهد فيه: قوله «الترضى حكومته» حيث أنى بصلة «أل» جملة فعلية فعلها مضارع، و مثله قول ذى الخرق الطهوى:

يقول الخنى، و أبغض العجم ناطقا # إلى ربّنا صوت الحمار اليجدّع

فيستخرج اليربوع من نافقائه # و من جحره بالشيخة اليتقصّع‏

(31) -هذا البيت من الشواهد التى لا يعرف قائلها، قال العينى: «أنشده ابن مالك للاحتجاج به، و لم يعزه إلى قائله» اهـ، و روى البغدادى ببتا يشبه أن يكون هذا البيت، و لم يعزه أيضا إلى قائل، و هو:

بل القوم الرّسول اللّه فيهم # هم أهل الحكومة من قصىّ‏

اللغة: «دانت» ذلت، و خضعت، و انقادت «معد» هو ابن عدنان، و بنو قصى هم قريش، و بنو هاشم قوم النبى صلّى اللّه عليه و سلّم منهم‏

الإعراب: «من القوم الرسول اللّه» : الجار و المجرور متعلق بمحذوف يجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، و يكون تقدير الكلام: هو من القوم إلخ، و الألف و اللام فى كلمة «الرسول» موصول بمعنى الذين صفة للقوم مبنى على السكون فى محل جر، و رسول مبتدأ، و رسول مضاف و لفظ الجلالة مضاف إليه «منهم» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و جملة المبتدأ و خبره لا محل لها صلة أل الموصولة «لهم» جار و مجرور متعلق بقوله دانت الآتى «دانت» دان: فعل ماض، و التاء تاء التأنيث «رقاب» فاعل دان، و رقاب مضاف و «بنى» مضاف إليه، و بنى مضاف و «معد» مضاف إليه. -

159

...

____________

ق-الشاهد فيه: قوله «الرسول اللّه منهم» حيث وصل أل بالجملة الاسمية، و هى جملة المبتدأ و الخبر، و ذلك شاذ.

و من العلماء من يجيب عن هذا الشاهد و نحوه بأن «أل» إنما هى هنا بعض كلمة.

و أصلها «الذين» فحذف ما عدا الألف و اللام، قال هؤلاء: ليس حذف بعض الكلمة و إبقاء بعضها بعجب فى العربية، و هذا لبيد بن ربيعة العامرى يقول:

*درس المنا بمتالع فأبان*

أراد «المنازل» فحذف حرفين لغير ترخيم. و هذا رؤبة يقول:

*أوالفا مكة من ورق الحمى*

أراد «الحمام» فحذف الميم ثم قلب فتحة الميم كسرة و الألف ياء، و قد قال الشاعر، و هو أقرب شى‏ء إلى ما نحن بصدده:

و إنّ الّذى حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد

أراد «و إن الذين» بدليل ضمير جماعة الذكور فى قوله «دماؤهم» و قوله فيما بعد «هم القوم» و عليه خرجوا قول اللّه تعالى: (وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خََاضُوا) أى كالذين خاضوا- و فى الآية تخريجان آخران؛ أحدهما: أن الذى موصول حرفى كما، أى و خضتم كخوضهم، و ثانيهما: أن الذى موصول اسمى صفة لموصوف محذوف، و العائد إليه من الصلة محذوف أى: و خضتم كالخوض الذى خاضوه-قالوا: و ربما حذف الشاعر الكلمة كلها؛ فلم يبق منها إلا حرفا واحدا، و من ذلك قول الشاعر:

نادوهم: أن ألجموا، ألاتا، # قالوا جميعا كلّهم: ألافا

فإن هذا الراجز أراد فى الشطر الأول «ألا تركبون» فحذف و لم يبق إلا التاء، و حذف من الثانى الذى هو الجواب فلم يبق إلا حرف العطف، و أصله «ألا فاركبوا» .

و بعض العلماء يجعل الحروف التى تفتتح بها بعض سور القرآن-نحو ألم، حم، ص- من هذا القبيل؛ فيقولون: ألم أصله: أنا اللّه أعلم، أو ما أشبه ذلك، و انظر مع هذا ما ذكرناه فى شرح الشاهد رقم 316 الآتى فى باب الترخيم.

قلت: و هذا الذى ذهبوا إليه ليس إلا قياما من ورطة للوقوع فى ورطة أخرى أشد-

160

و من الثانى قوله:

«أى» الموصولة، و متى تبنى؟ و متى تعرب؟

(32) -

من لا يزال شاكرا على المعه # فهو حر بعيشة ذات سعه‏

***

____________

قمنها و أنكى؛ فهو تخلص من ضرورة إلى ضرورة أصعب منها مخلصا و أعسر نجاء.

و لا يشك أحد أن هذا الحذف بجميع أنواعه التى ذكروها من الضرورات التى لا بسوغ القياس عليها، و لذلك استبعد كثير تخريج الآية الكريمة التى تلوناها أولا على هذا الوجه كما استبعد كثيرون تخريجها على أن «الذى» موصول حرفى.

(32) -و هذا البيت-أيضا-من الشواهد التى لم ينسبوها إلى قائل معين.

اللغة: «المعه» يريد الذى معه «حر» حقيق، و جدير، و لائق، و مستحق «سعة» بفتح السين، و قد تكسر-اتساع و رفاهية و رغد.

المعنى: من كان دائم الشكر للّه تعالى على ما هو فيه من خبر فإنه يستحق الزيادة و رغد العيش، و هو مأخوذ من قوله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) .

الإعراب: «من» اسم موصول مبتدأ «لا يزال» فعل مضارع ناقص، و اسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على المبتدأ «شاكرا» خبر لا يزال، و الجملة من يزال و اسمه و خبره لا محل لها من الإعراب صلة الموصول «على» حرف جر «المعه» هو عبارة عن «أل» الموصولة بمعنى الذى، و هى مجرورة المحل بعلى، و الجار و المجرور متعلق بشاكر، و مع: ظرف متعلق بمحذوف واقع صلة لأل، و مع مضاف و الضمير مضاف إليه «فهو حر» الفاء زائدة، و «هو» ضمير منفصل مبتدأ، و «حر» خبره، و الجملة منهما فى محل رفع خبر المبتدأ، و هو «من» فى أول البيت، و دخلت الفاء على جملة الخبر لشبه المبتدأ بالشرط «بعيشة» جار و مجرور متعلق بقوله «حر» الرافع خبرا لهو «ذات» صفة لعيشة، و ذات مضاف و «سعة» مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، و لكنه سكنه للوقف.

الشاهد فيه: قوله «المعه» حيث جاء بصلة «أل» ظرفا، و هو شاذ على خلاف القياس.

و مثل هذا البيت-فى وصل أل بالظرف شذوذا-قول الآخر: -

161

أىّ كما، و أعربت ما لم تضف # و صدر وصلها ضمير انحذف‏ (1)

يعنى أن «أيا» مثل «ما» فى أنها تكون بلفظ واحد: للمذكر، و المؤنث- مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا-نحو: «يعجبنى أيّهم هو قائم» .

ثم إن «أيا» لها أربعة أحوال؛ أحدها: أن تضاف و يذكر صدر صلتها، نحو: «يعجبنى أيّهم هو قائم» الثانى: أن لا تضاف و لا يذكر صدر صلتها، نحو: «يعجبنى أىّ قائم» الثالث: أن لا تضاف و يذكر صدر صلتها، نحو:

«يعجبنى أىّ هو قائم» و فى هذه الأحوال الثلاثة تكون معربة بالحركات الثلاث، نحو: «يعجبنى أيّهم هو قائم، و رأيت أيّهم هو قائم، و مررت بأيّهم هو قائم» و كذلك: «أىّ قائم، و أيّا قائم، و أىّ قائم» و كذا، «أىّ

____________

ق-

و غيّرنى ما غال قيسا و مالكا # و عمرا و حجرا بالمشقّر ألمعا

يريد: الذين معه، فاستعمل أل موصولة بمعنى الذين، و هو أمر لا شى‏ء فيه، و أنى بصلتها ظرفا، و هو شاذ؛ فإن أل بجميع ضروبها و أنواعها مختصة بالأسماء؛ و قال الكسائى فى هذا البيت: إن الشاعر يريد «معا» فزاد أل‏

(1) «أى» مبتدأ «كما» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر «و أعربت» الواو عاطفة، أعرب: فعل ماض مبنى للمجهول، و التاء تاء التأنيث، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود على «أى» «ما» مصدرية ظرفية «لم» حرف نفى و جزم «تضف» فعل مضارع مبنى للمجهول مجزوم بلم، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود على «أى» «و صدر» الواو واو الحال، صدر: مبتدأ، و صدر مضاف و وصل من «وصلها» مضاف إليه، و وصل مضاف و الضمير مضاف إليه «ضمير» خبر المبتدأ و الجملة من المبتدأ و الخبر فى محل نصب حال صاحبه الضمير المستتر فى تضف العائد على أى «انحذف» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «ضمير» و التقدير: أى مثل ما-فى كونها موصولا صالحا لكل واحد من المفرد و المثنى و الجمع مذكرا كان أو مؤنثا-و أعربت هذه الكلمة مدة عدم إضافتها فى حال كون صدر صلتها ضميرا محذوفا.

162

هو قائم، و أيا هو قائم، و أىّ هو قائم» الرابع، أن تضاف و يحذف صدر الصلة، نحو: «يعجبنى أيّهم قائم» ففى هذه الحالة تبنى على الضم؛ فتقول: «يعجبنى أيّهم قائم، و رأيت أيّهم قائم، و مررت يأيّهم قائم» و عليه قوله تعالى: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى اَلرَّحْمََنِ عِتِيًّا) و قول الشاعر:

(33) -

إذا ما لقيت بنى مالك # فسلّم على أيّهم أفضل‏

____________

(33) -هذا البيت ينسب لغسان بن وعلة أحد الشعراء المخضرمين من بنى مرة بن عباد، و أنشده أبو عمرو الشيبانى فى كتاب الحروف، و ابن الأنبارى فى كتاب الإنصاف، و قال قبل إنشاده: «حكى أبو عمرو الشيبانى عن غسان-و هو أحد من تؤخذ عنهم اللغة من العرب-أنه أنشد» و ذكر البيت.

الإعراب: «إذا» ظرف تضمن معنى الشرط «ما» زائدة «لقيت» فعل و فاعل، و الجملة فى محل جر بإضافة «إذا» إليها، و هى جملة الشرط «بنى» مفعول به للقى، و بنى مضاف و «مالك» مضاف إليه «فسلم» الفاء داخلة فى جواب الشرط، و سلم: فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «على» حرف جر «أيهم» يروى بضم «أى» و بجره، و هو اسم موصول على الحالين؛ فعلى الضم هو مبنى، و هو الأكثر فى مثل هذه الحالة، و على الجر هو معرب بالكسرة الظاهرة، و على الحالين هو مضاف و الضمير مضاف إليه «أفضل» خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: هو أفضل، و الجملة من المبتدأ و خبره لا محل لها صلة الموصول الذى هو أى.

الشاهد فيه: قوله «أيهم أفضل» حيث أتى بأى مبنيا على الضم-على الرواية المشهورة الكثيرة الدوران على ألسنة الرواة-لكونه مضافا، و قد حذف صدر صلته و هو المبتدأ الذى قدرناه فى إعراب البيت، و هذا هو مذهب سيبويه و جماعة من البصريين فى هذه الكلمة: يذهبون إلى أنها تأتى موصولة، و تكون مبنية إذا اجتمع فيها أمران؛ أحدهما أن تكون مضافة لفظا، و الثانى: أن يكون صدر صلتها محذوفا؛ فإذا لم تكن مضافة أصلا، أو كانت مضافة لكن ذكر صدر صلتها؛ فإنها تكون معربة، و ذهب الخليل بن أحمد و يونس بن حبيب-و هما شيخان من شيوخ سيبويه-إلى أن-

163

و هذا مستفاد من قوله: «و أعربت ما لم تضف-إلى آخر البيت» أى: و أعربت أىّ إذا لم تضف فى حالة حذف صدر الصلة؛ فدخل فى هذه الأحوال الثلاثة السابقة، و هى ما إذا أضيفت و ذكر صدر الصلة، أو لم تضف و لم يذكر صدر الصلة، أو لم تضف و ذكر صدر الصلة، و خرج الحالة الرابعة، و هى: ما إذا أضيفت و حذف صدر الصلة، فإنها لا تعرب حينئذ.

***

بعض العرب يعرب «أيا» الموصولة فى كل حال‏

و بعضهم أعرب مطلقا، و فى # ذا الحذف أيّا غير أىّ يقتفى‏ (1)

إن يستطل وصل، و إن لم يستطل # فالحذف نزر، و أبوا أن يختزل‏ (2)

____________

ق-أيا لا تجى‏ء موصولة، بل هى إما شرطية و إما استفهامية، لا تخرج عن هذين الوجهين، و ذهب جماعة من الكوفيين إلى أنها قد تأنى موصولة، و لكنها معربة فى جميع الأحوال؛ أضيفت أو لم تضف، حذف صدر صلتها أو ذكر.

(1) «و بعضهم» الواو للاستئناف، بعض: مبتدأ، و بعض مضاف و الضمير مضاف إليه «أعرب» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى بعض، و الجملة من أعرب و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ الذى هو بعضهم «مطلقا» حال من مفعول به لأعرب محذوف، و التقدير: و بعضهم أعرب أيا مطلقا «و فى ذا» جار و مجرور متعلق بقوله «يقتفى» الآتى «الحذف» بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له «أيا» مفعول به لقوله «يقتفى» الآتى «غير» مبتدأ، و غير مضاف و «أى» مضاف إليه «يقتفى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على المبتدأ، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ، و معنى الكلام: و بعض النحاة حكم بإعراب أى الموصولة فى جميع الأحوال، و غير أى يقتفى و يتبع أيا فى جواز حذف صدر الصلة، إذا كانت الصلة طويلة.

(2) «إن» شرطية «يستطل» فعل مضارع مبنى للمجهول فعل الشرط «وصل» نائب فاعل ليستطل، و جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، و تقديره: إن يستطل-

164

إن صلح الباقى لوصل مكمل # و الحذف عندهم كثير منجلى‏ (1)

فى عائد متّصل إن انتصب # بفعل، أو وصف: كمن نرجو يهب‏ (2)

يعنى أن بعض العرب أعرب «أيا» مطلقا، أى: و إن أضيفت و حذف

____________

ق-وصل فغير أى يقتفى أيا «و إن» الواو عاطفة، إن شرطية «لم» حرف نفى و جزم و قلب «يستطل» فعل مضارع مبنى للمجهول مجزوم بلم، و جملته فعل الشرط، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى «وصل» «فالحذف» الفاء واقعة فى جواب الشرط، و الحذف: مبتدأ «نزر» خبره، و الجملة فى محل جزم جواب الشرط «و أبوا» فعل و فاعل «أن» مصدرية «يختزل» فعل مضارع مبنى للمجهول منصوب بأن، و سكن للوقف، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى «وصل» و المراد أنهم امتنعوا عن تجويز الحذف، و أن و ما دخلت عليه فى تأويل مصدر مفعول به لأبوا.

(1) «إن» شرطية «صلح» فعل ماض فعل الشرط مبنى على الفتح فى محل جزم، و جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، و التقدير: إن صلح الباقى بعد الحذف للوصل فقد أبوا الحذف «الباقى» فاعل صلح «لوصل» جار و مجرور متعلق بصلح «مكمل» نعت لوصل «و الحذف» مبتدأ «عندهم» عند: ظرف متعلق بالحذف أو بكثير أو بمنجلى، و عند مضاف و الضمير العائد إلى العرب أو النحاة مضاف إليه «كثير» خبر المبتدأ «منجلى» خبر ثان، أو نعت للخبر.

(2) «فى عائد» جار و مجرور متعلق بكثير أو بمنجل فى البيت السابق «متصل» نعت لعائد «إن» شرطية «انتصب» فعل ماض فعل الشرط مبنى على الفتح فى محل جزم، و سكن للوقف، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يرجع إلى عائد «بفعل» جار و مجرور متعلق بانتصب «أو وصف» معطوف على فعل «كمن» الكاف جارة، و مجرورها محذوف، و من: اسم موصول مبتدأ «نرجو» فعل مضارع، مرفوع بضمة مقدرة على الواو، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن، و مفعوله محذوف، و هو العائد، و التقدير كمن نرجوه، و الجملة لا محل لها صلة «يهب» فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب و الجازم، و علامة رفعه الضمة الظاهرة، و سكن للوقف، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «من» و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ.

165

صدر صلتها؛ فيقول: «يعجبنى أيّهم قائم، و رأيت أيّهم قائم، و مررت بأيّهم قائم» و قد قرى‏ء (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) بالنصب، و روى*فسلم على أيّهم أفضل*[33]بالجر.

***

تفصيل الموضع الذى يحذف فيه العائد على الموصول إذا كان مرفوعا

و أشار بقوله: «و فى ذا الحذف-إلى آخره» إلى المواضع التى يحذف فيها العائد على الموصول، و هو: إما أن يكون مرفوعا، أو غيره؛ فإن كان مرفوعا لم يحذف، إلا إذا كان مبتدأ و خبره مفرد[نحو (وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمََاءِ إِلََهٌ) و أيّهم أشدّ]؛ فلا تقول: «جاءنى اللّذان قام» و لا «اللذان ضرب» ؛ لرفع الأول بالفاعليّة و الثانى بالنيابة، بل يقال: «قاما، و ضربا» و أما المبتدأ فيحذف مع «أى» و إن لم تطل الصلة، كما تقدم من قولك: «يعجبنى أيّهم قائم» و نحوه، و لا يحذف صدر الصلة مع غير «أى» إلا إذا طالت الصلة، نحو «جاء الذى هو ضارب زيدا» فيجوز حذف «هو» فتقول «جاء الذى ضارب زيدا» و منه قولهم «ما أنا بالذى قائل لك سوءا» التقدير «بالذى هو قائل لك سوءا» فإن لم تطل الصلة فالحذف قليل، و أجازه الكوفيون قياسا، نحو «جاء الذى قائم» التقدير «جاء الذى هو قائم» و منه قوله تعالى:

(تَمََاماً عَلَى اَلَّذِي أَحْسَنَ) فى قراءة الرفع، و التقدير «هو أحسن» (1) .

____________

(1) ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز حذف العائد المرفوع بالابتداء مطلقا، أى سواء أكان الموصول أيا أم غيره، و سواء أطالت الصلة أم لم تطل، و ذهب البصريون إلى جواز حذف هذا العائد إذا كان الموصول أيا مطلقا، فإن كان الموصول غير أى لم يجيزوا الحذف إلا بشرط طول الصلة؛ فالخلاف بين الفريقين منحصر فيما إذا لم تطل الصلة و كان الموصول غير أى، فأما الكوفيون فاستدلوا بالسماع؛ فمن ذلك قراءة يحيى بن يعمر:

(تَمََاماً عَلَى اَلَّذِي أَحْسَنَ) قالوا: التقدير على الذى هو أحسن، و من ذلك قراءة مالك ابن دينار و ابن السماك: (إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا) قالوا:

التقدير: مثلا الذى هو بعوضة فما فوقها، و من ذلك قول الشاعر: -

166

و قد جوزوا فى «لا سيّما زيد» إذا رفع زيد: أن تكون «ما» موصولة، و زيد: خبرا لمبتدأ محذوف، و التقدير «لاسىّ الذى هو زيد» فحذف العائد الذى هو المبتدأ-و هو قولك هو-وجوبا؛ فهذا موضع حذف فيه صدر الصلة مع غير «أى» وجوبا و لم تطل الصلة، و هو مقيس و ليس بشاذ (1) .

هـ قف على ما يجوز من وجوه الإعراب فى الاسم الواقع بعد «لا سيما»

____________

ق-

لا تنو إلاّ الّذى خير؛ فما شقيت # إلاّ نفوس الألى للشّرّ ناوونا

قالوا: التقدير لا تنو إلا الذى هو خير، و من ذلك قول الآخر:

من يعن بالحمد لم ينطق بما سفه # و لا يحد عن سبيل المجد و الكرم‏

قالوا: تقدير هذا البيت: من يعن بالحمد لم ينطق بالذى هو سفه، و من ذلك قول عدى بن زيد العبادى:

لم أر مثل الفتيان فى غبن # الأيّام يدرون ما عواقبها

قالوا: ما موصولة، و التقدير: يدرون الذى هو عواقبها.

و بعض هذه الشواهد يحتمل وجوها من الإعراب غير الذى ذكروه، فمن ذلك أن «ما» فى الآية الثانية يجوز أن تكون زائدة، و بعوضة خبر مبتدأ محذوف، و من ذلك أن «ما» فى بيت عدى بن زيد يحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ، و ما بعدها خبر، و الجملة فى محل نصب مفعول به ليدرون، و قد علق عنها لأنها مصدرة بالاستفهام، و الكلام يطول إذا نحن تعرضنا لكل واحد من هذه الشواهد، فلنجتزى‏ء لك بالإشارة.

(1) الاسم الواقع بعد «لا سيما» إما معرفة، كأن يقال لك: أكرم العلماء لا سيما الصالح منهم، و إما نكرة، كما فى قول امرى‏ء القيس:

ألا ربّ يوم صالح لك منهما # و لا سيّما يوم بدارة جلجل‏

فإن كان الاسم الواقع بعد «لا سيما» نكرة جاز فيه ثلاثة أوجه: الجر، و هو أعلاها، و الرفع و هو أقل من الجر، و النصب، و هو أقل الأوجه الثلاثة.

فأما الجر فتخريجه على وجهين؛ أحدهما: أن تكون «لا» نافية للجنس و «سى» اسمها منصوب بالفتحة الظاهرة، و «ما» زائدة، و سى مضاف، و «يوم» مضاف-

167

...

____________

ق-إليه، و خبر لا محذوف، و التقدير: و لا مثل يوم بدارة جلحل موجود، و الوجه الثانى أن تكون «لا» نافية للجنس أيضا، و «سى» اسمها منصوب بالفتحة الظاهر. و هو مضاف و «ما» نكرة غير موصوفة مضاف إليه مبنى على السكون فى محل جر، و «يوم» بدل من ما.

و أما الرفع فتخريجه على وجهين أيضا، أحدهما: أن تكون «لا» نافية للجنس أيضا و «سى» اسمها، و «ما» نكرة موصوفة مبنى على السكون فى محل جر بإضافة «سى» إليها، و «يوم» خبر مبتدأ حذوف، و التقدير: هو يوم، و خبر لا محذوف، و كأنك قلت: و لا مثل شى‏ء عظيم هو يوم بدارة جلجل موجود، و الوجه الثانى، أن تكون «لا» نافية للجنس أيضا، و «سى» اسمها، و «ما» موصول اسمى بمعنى الذى مبنى على السكون فى محل جر بإضافة «سى» إليه، و «يوم» خبر مبتدأ محذوف، و التقدير هو يوم، و الجملة من المبتدأ و الخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول؛ و خبر «لا» محذوف، و كأنك قلت: و لا مثل الذى هو يوم بدارة جلجل موجود. و هذا الوجه هو الذى أشار إليه الشارح.

و أما النصب فتخريجه على وجهين أيضا، أحدهما: أن تكون «ما» نكرة غير موصوفة و هو مبنى على السكون فى محل جر بإضافة «سى» إليها، و «يوما» مفعول به لفعل محذوف، و كأنك قلت: و لا مثل شى‏ء أعنى يوما بدارة جلجل، و ثانيهما: أن تكون «ما» أيضا نكرة غير موصوفة و هو مبنى على السكون فى محل جر بالإضافة، و «يوما» تمييز لها

و إن كان الاسم الواقع بعدها معرفة كالمثال الذى ذكرناه فقد أجمعوا على أنه يجوز فيه الجر و الرفع، و اختلفوا فى جواز النصب؛ فمن جعله بإضمار فعل أجاز كما أجاز فى النكرة، و من جعل النصب على التمييز و قال إن التمييز لا يكون إلا نكرة منع النصب فى المعرفة؛ لأنه لا يجوز عنده أن تكون تمييزا، و من جعل نصبه على التمييز و جوز أن يكون التمييز معرفة كما هو مذهب جماعة الكوفيين جوز نصب المعرفة بعد «سيما» .

و الحاصل أن نصب المعرفة بعد «لا سيما» لا يمتنع إلا بشرطين: التزام كون المنصوب تمييزا، و التزام كون التمييز نكرة.

168

و أشار بقوله «و أبوا أن يختزل*إن صلح الباقى لوصل مكمل» إلى أن شرط حذف صدر الصلة أن لا يكون ما بعده صالحا لأن يكون صلة، كما إذا وقع بعده جملة، نحو «جاء الذى هو أبوه منطلق» ، أو «هو ينطلق» أو ظرف، أو جار و مجرور، تامّان، نحو «جاء الّذى هو عندك» أو «هو فى الدّار» ؛ فإنه لا يجوز فى هذه المواضع حذف صدر الصّلة؛ فلا تقول «جاء الّذى أبوه منطلق» تعنى «الذى هو أبوه منطلق» ؛ لأن الكلام يتمّ دونه، فلا يدرى أحذف منه شى‏ء أم لا؟و كذا بقية الأمثلة المذكورة، و لا فرق فى ذلك بين «أى» و غيرها؛ فلا تقول فى «يعجبنى أيّهم هو يقوم» : «يعجبنى أيّهم يقوم» لأنه لا يعلم الحذف، و لا يختص هذا الحكم بالضمير إذا كان مبتدأ، بل الضابط أنه متى احتمل الكلام الحذف و عدمه لم يجز حذف العائد، و ذلك كما إذا كان فى الصلة ضمير-غير ذلك الضمير المحذوف-صالح لعوده على الموصول، نحو «جاء الذى ضربته فى داره» ؛ فلا يجوز حذف الهاء من ضربته؛ فلا تقول: «جاء الذى ضربت فى داره» لأنه لا يعلم المحذوف.

و بهذا يظهر لك ما فى كلام المصنف من الإيهام؛ فإنه لم يبيّن أنه متى صلح ما بعد الضمير لأن يكون صلة لا يحذف، سواء أكان الضمير مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا، و سواء أكان الموصول أيّا أم غيرها، بل ربما يشعر ظاهر كلامه بأن الحكم مخصوص بالضمير المرفوع، و بغير أى من الموصولات؛ لأن كلامه فى ذلك، و الأمر ليس كذلك، بل لا يحذّف مع «أى» و لا مع غيرها متى صلح ما بعدها لأن يكون صلة كما تقدم، نحو «جاء الذى هو أبوه منطلق، و يعجبنى أيّهم هو أبوه منطلق» و كذلك المنصوب و المجرور، نحو «جاءنى الذى ضربته فى داره، و مررت بالذى مررت به فى داره» ، و «يعجبنى أيّهم ضربته فى داره، و مررت بأبيهم مررت به فى داره» .

***

169

و أشار بقوله: «و الحذف عندهم كثير منجلى-إلى آخره» إلى العائد لمنصوب.

و شرط جواز حذفه أن يكون: متصلا، منصوبا، بفعل تام أو بوصف، نحو «جاء الّذى ضربته، و الّذى أنا معطيكه درهم» .

فيجوز حذف الهاء من «ضربته» فتقول «جاء الذى ضربت» و منه قوله تعالى: (ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) و قوله تعالى: (أَ هََذَا اَلَّذِي بَعَثَ اَللََّهُ رَسُولاً) التقدير «خلقته، و بعثه» (1) .

و كذلك يجوز حذف الهاء من «معطيكه» ؛ فتقول «الذى أنا معطيك درهم» و منه قوله:

الكلام على حذف العائد المنصوب‏

(34) -

ما اللّه موليك فضل فاحمدنه به # فما لدى غيره نفع و لا ضرر

تقديره: الذى اللّه موليكه فضل، فحذفت الهاء.

____________

(1) لم يذكر الشارح شيئا من الشواهد من الشعر العربى على جواز حذف العائد المنصوب بالفعل المتصرف، بل اكتفى بذكر الآيتين الكريمتين؛ لأن مجيئه فى القرآن دليل على كثرة استعماله فى الفصيح، و من ذلك قول عروة بن حزام:

و ما هو إلاّ أن أراها فجاءة # فأبهت حتّى ما أكاد أجيب

و أصرف عن جهى الّذى كنت أرتئى # و أنسى الّذى أعددت حين أجيب‏

أراد أن يقول: أصرف عن وجهى الذى كنت أرتئيه، و أنسى الذى أعددته، فحذف العائد المنصوب بأرتئى و بأعددت، و كل منهما فعل تام متصرف:

(34) -هذا البيت من الشواهد التى ذكروها و لم ينسبوها إلى قائل معين.

اللغة: «موليك» اسم فاعل من أولاه النعمة، إذا أعطاه إياها «فضل» إحسان.

المعنى: الذى يمنحك اللّه من النعم فضل منه عليك، و منة جاءتك من عنده من غير-

170

...

____________

ق-أن تستوجب عليه سبحانه شيئا من ذلك؛ فاحمد ربك عليه، و اعلم أنه هو الذى ينفعك و يضرك، و أن غيره لا يملك لك شيئا من نفع أو ضر.

الإعراب: «ما» اسم موصول مبتدأ «اللّه» مبتدأ «موليك» مولى: خبر عن لفظ الجلالة، و له فاعل مستتر فيه عائد على الاسم الكريم، و الكاف ضمير المخاطب مبنى على الفتح فى محل جر بالإضافة، و هو المفعول الأول، و له مفعول ثان محذوف و هو العائد على الموصول، و التقدير: موليكه، و الجملة من المبتدأ و الخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول «خير» خبر عن «ما» الموصولة «فاحمدنه» الفاء عاطفة، احمد: فعل أمر.

و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و النون نون التوكيد، و الضمير البارز المتصل مفعول به «به» جار و مجرور متعلق باحمد «فما» الفاء للتعليل، و ما: نافية تعمل عمل ليس «لدى» ظرف متعلق بمحذوف خبر «ما» مقدم على اسمها، و جاز تقديمه لأنه ظرف يتوسع فيه، و لدى مضاف و غير من «غيره» مضاف إليه، و غير مضاف و ضمير الغائب العائد على اللّه مضاف إليه «نفع» اسم «ما» مؤخر «و لا» الواو عاطفة. و لا: نافية «ضرر» معطوف على نفع، و يجوز أن تكون «ما» نافية مهملة، و «لدى» متعلق بمحذوف خبر مقدم، و «نفع» مبتدأ مؤخر.

الشاهد فيه: قوله: «ما اللّه موليك» حيث حذف الضمير العائد على الاسم الموصول لأنه منصوب بوصف، و هذا الوصف اسم فاعل، و أصل الكلام: ما اللّه موليكه، أى: بالشى‏ء الذى اللّه تعالى معطيكه هو فضل و إحسان منه عليك.

و اعلم أنه يشترط فى حذف العائد المنصوب بالوصف ألا يكون هذا الوصف صلة لأل فإن كان الوصف صلة لأل كان الحذف شاذا، كما فى قول الشاعر:

ما المستفزّ الهوى محمود عاقبة # و لو أتيح له صفو بلا كدر

كان ينبغى أن يقول: ما المستفزه الهوى محمود عاقبة، فحذف الضمير المنصوب مع ان ناصبه صلة لأل، و مثله قول الآخر:

فى المعقب البغى أهل البغى ما # ينهى امرأ حازما أن يسأما

أراد أن يقول: فى المعقبه البغى، فلم يتسع له.

و إنما يمتنع حذف المنصوب بصلة أل إذا كان هذا المنصوب عائدا على أل نفسها؛ لأنه هو الذى يدل على اسمية أل، فإذا حذف زال الدليل على ذلك.

غ

171

و كلام المصنف يقتضى أنه كثير، و ليس كذلك؛ بل الكثير حذفه من الفعل المذكور، و أما[مع‏]الوصف فالحذف منه قليل.

فإن كان الضمير منفصلا (1) لم يجز الحذف، نحو «جاء الذى إيّاه ضربت» فلا يجوز حذف «إياه» و كذلك يمتنع الحذف إن كان متصلا منصوبا بغير فعل أو وصف-و هو الحرف--نحو «جاء الذى إنّه منطلق» فلا يجوز حذف

____________

(1) الذى لا يجوز حذفه هو الضمير الواجب الانفصال، فأما الضمير الجائز الانفصال فيجوز حذفه، و إنما يكون الضمير واجب الانفصال إذا كان مقدما على عامله كما فى المثال الذى ذكره الشارح، أو كان مقصورا عليه كقولك: جاء الذى ما ضربت إلا إياه، و السر فى عدم جواز حذفه حينئذ أن غرض المتكلم يفوت بسبب حذفه، ألا ترى أنك إذا قلت «جاء الذى إياه ضربت» كان المعنى: جاء الذى ضربته و لم أضرب سواه، فإذا قلت «جاء الذى ضربت» صار غير دال على أنك لم تضرب سواه، و كذلك الحال فى قولك «جاء الذى ما ضربت إلا إياه» فإنه بدل على أنك قد ضربت هذا الجائى و لم تضرب غيره، فإذا قلت: «جاء الذى ما ضربت» دل الكلام على أنك لم تضرب هذا الجائى فحسب.

فأما المنفصل جوازا فيجوز حذفه، و الدليل على ذلك قول الشاعر:

*ما اللّه موليك فضل فاحمدنه به*

فإن التقدير يجوز أن يكون «ما اللّه موليكه» و يجوز أن يكون «ما اللّه موليك إياه» و قد عرفت فيما سبق (فى مباحث الضمير) السر فى جواز الوجهين، و مما يدل على جواز حذف الجائز الانفصال قول اللّه تعالى: (فََاكِهِينَ بِمََا آتََاهُمْ رَبُّهُمْ) فإنه يجوز أن يكون التقدير «بالذى آتاهموه ربهم» و أن يكون التقدير «بالذى آتاهم إياه ربهم» و الثانى أولى؛ فيحمل عليه تقدير الآية الكريمة، و كذلك قول اللّه تعالى: (وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ) * فإنه يجوز أن يكون التقدير «و من الذى رزقناهموه» كما يجوز أن يكون التقدير «و من الذى رزقناهم إياه» .

172

الهاء (1) ، و كذلك يمتنع الحذف إذا كان منصوبا[متصلا]بفعل ناقص، نحو «جاء الذى كانه زيد» .

***

الكلام على حذف العائد المخفوض و شروطه‏

كذاك حذف ما بوصف خفضا # كأنت قاض بعد أمر من قضى‏ (2)

كذا الّذى جرّ بما الموصول جر # كـ «مرّ بالّذى مررت فهو بر» (3)

____________

(1) إنما قال الشارح «فلا يجوز حذف الهاء» إشارة إلى أن الممنوع هو حذف الضمير المنصوب بالحرف مع إبقاء الحرف، فأما إذا حذفت الضمير و الحرف الناصب له جميعا فإنه لا يمتنع، و من ذلك قول اللّه سبحانه و تعالى: (أَيْنَ شُرَكََائِيَ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) * هذا إذا قدرت أصل الكلام: أَيْنَ شُرَكََائِيَ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ* أنهم شركائى، على حد قول كثير:

و قد زعمت أنّى تغيّرت بعدها # و من ذا الّذى يا عزّ لا يتغيّر؟

فإن قدرت الأصل «الذين كنتم تزعمونهم شركائى» لم يكن من هذا النوع.

(2) «كذاك» الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و الكاف حرف خطاب «حذف» مبتدأ مؤخر، و حذف مضاف و «ما» اسم موصول مضاف إليه مبنى على السكون فى محل جر «بوصف» جار و مجرور متعلق بقوله «خفض» الآتى «خفضا» خفض: فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه فيه جوازا تقديره هو يعود على «ما» و الجملة لا محل لها من الإعراب صلة «كأنت» الكاف جارة لقول محذوف، أى كقولك، أنت: مبتدأ «قاض» خبر المبتدأ «بعد» ظرف متعلق بمحذوف نعت للقول الذى قدرناه مجرورا بالكاف، و بعد مضاف و «أر» مضاف إليه «من قضى» جار و مجرور متعلق بمحذوف نعت لأمر، أى: بعد فعل أمر مشتق من مادة قضى، يشر إلى قوله تعالى: (فَاقْضِ مََا أَنْتَ قََاضٍ) كما قال الشارح.

(3) «كذا» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «الذى» اسم موصول مبتدأ مؤخر «جر» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «الذى» و الجملة لا محل لها صلة «بما» جار و مجرور متعلق-

173

لما فرغ من الكلام على الضمير المرفوع و المنصوب شرع فى الكلام على المجرور، و هو إما أن يكون مجرورا بالإضافة، أو بالحرف.

فإن كان مجرورا بالإضافة لم يحذف، إلا إذا كان مجرورا بإضافة اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، نحو «جاء الذى أنا ضاربه: الآن، أو غدا» ؛ فتقول: جاء الذى أنا ضارب، بحذف الهاء.

و إن كان مجرورا بغير ذلك لم يحذف، نحو «جاء الذى أنا غلامه، أو أنا مضروبه، أو أنا ضاربه أمس» و أشار بقوله: «كأنت قاض» إلى قوله تعالى:

(فَاقْضِ مََا أَنْتَ قََاضٍ) التقدير «ما أنت قاضيه» فحذفت الهاء، و كأنّ المصنف استغنى بالمثال عن أن يقيّد الوصف بكونه اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال.

و إن كان مجرورا بحرف فلا يحذف إلا إن دخل على الموصول حرف مثله:

لفظا و معنى، و اتفق العامل فيهما مادة، نحو: «مررت بالذى مررت به، أو أنت مارّ به» فيجوز حذف الهاء؛ فتقول: «مررت بالذى مررت» قال اللّه تعالى: (وَ يَشْرَبُ مِمََّا تَشْرَبُونَ) أى: منه، و تقول: «مررت بالذى أنت مارّ» أى به، و منه قوله:

____________

ق-بالفعل الذى قبله «الموصول» مفعول مقدم لجر الآتى «جر» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «ما» و الجملة لا محل لها صلة «كمر» الكاف جارة لقول محذوف، و هى و مجرورها يتعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أى: و ذلك كائن كقولك، مر: فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «بالذى» جار و مجرور متعلق بمر السابق «مررت» فعل و فاعل. و الجملة لا محل لها صلة، و العائد محذوف تقديره «به» و قوله: «فهو بر» الفاء واقعة فى جواب شرط محذوف، و هو: ضمير منفصل مبتدأ، بر: خبر المبتدأ. و جملة المبتدأ و خبره فى محل جزم جواب ذلك الشرط المحذوف.

174

(35) -

و قد كنت تخفى حبّ سمراء حقبة # فبح لان منها بالّذى أنت بائح‏

أى: أنت بائح به.

____________

(35) -هذا البيت لعنترة بن شداد العبسى، الشاعر المشهور و الفارس المذكور، من كلمة مطلعها:

طربت و هاجتك الظّباء السّوانح # غداة غدت منها سنيح و بارح

تغالت بى الأشواق حتّى كأنّما # بزندين فى جو فى من الوجد قادح‏

اللغة: «طربت» الطرب: خفة تعتريك من سرور أو حزن «هاجتك» أثارت همك، و بعثت شوقك «الظباء» جمع ظبى «السوانح» جمع سانح، و هو ما أتاك عن يمينك فولاك مياسره من ظبى أو طير أو غيرهما، و يقال له: سنيح «بارح» هو ضد السانح، و هو ما أتاك عن يسارك فولاك ميامنه «قادح» اسم فاعل من قدح الزند قدحا، إذا ضربه لتخرج منه النار «حقبة» -بكسر فسكون-فى الأصل تطلق على ثمانين عاما، و قد أراد بها المدة الطويلة «فبح» أمر من «باح بالأمر يبوح به» :

أى أعلنه و أظهره «لان» أى الآن، فحذف همزة الوصل و الهمزة التى بعدم اللام، ثم فتح اللام لمناسبة الألف، و قيل: بل هى لغة فى الآن، و مثله قول جرير بن عطية:

ألان و قد نزعت إلى نمير # فهذا حين صرت لهم عذابا

و قول الآخر:

ألا يا هند هند بنى عمير # أرثّ لان وصلك أم جديد؟

و قول أشجع السلمى:

ألان استرحنا و استراحت ركابنا # و أمسك من يجدى و من كان يجتدى‏

و روى الأعلم بيت الشاهد:

تعزّيت عن ذكرى سميّة حقبة # فبح عنك منها بالذى أنت بائح‏

و أنشده الأخفش كما فى الشرح، و هو كذلك فى المشهور من شعر عنترة.

الإعراب: «قد» حرف تحقيق «كنت» كان: فعل ماض ناقص، و تاء-

175

فإن اختلف الحرفان لم يجز الحذف، نحو: «مررت بالّذى غضبت عليه» فلا يجوز حذف «عليه» و كذلك «مررت بالذى مررت به على زيد» فلا يجوز حذف «به» منه؛ لاختلاف معنى الحرفين؛ لأن الباء الداخلة على الموصول للالصاق، و الداخلة على الضمير للسببية، و إن اختلف العاملان لم يجز الحذف أيضا، نحو: «مررت بالّذى فرحت به» فلا يجوز حذف «به» .

و هذا كله هو المشار إليه بقوله: «كذا الذى جرّ بما الموصول جرّ» أى كذلك يحذف الضمير الذى جرّ بمثل ما جرّ الموصول به‏ (1) ، نحو: «مررت

____________

ق-المخاطب اسمه مبنى على الفتح فى محل رفع «تخفى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الجملة من تخفى و فاعله خبر «كان» فى محل نصب «حب» مفعول به لتخفى، و حب مضاف و «سمراء» مضاف إليه «حقبة» ظرف زمان متعلق بتخفى «فبح» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «لان» ظرف زمان متعلق ببح «بالذى» جار و مجرور متعلق ببح أيضا «أنت بائح» مبتدأ و خبر، و الجملة منهما لا محل لها صلة الموصول المجرور محلا بالباء، و العائد محذوف، و تقدير الكلام: فبح الآن بالذى أنت بائح به.

الشاهد فيه: قوله «بالذى أنت بائح» حيث استساغ الشاعر حذف العائد المجرور على الموصول من جملة الصلة؛ لكونه مجرورا بمثل الحرف الذى جر الموصول-و هو الباء-و العامل فى الموصول متحد مع العامل فى العائد مادة: الأول «بح» و الثانى «بائح» و معنى: لأنهما جميعا من البوح بمعنى الإظهار و الإعلان.

(1) و مثله أن يكون الموصول وصفا لاسم، و قد جر هذا الموصوف بحرف مثل الذى مع العائد، و منه قول كعب بن زهير:

إن تعن نفسك بالأمر الّذى عنيت # نفوس قوم سموا تظفر بما ظفروا

لا تركننّ إلى الأمر الّذى ركنت # أبناء يعصر حين اضطرّها القدر

-

176

بالّذى مررت فهو بر» أى: «بالذى مررت به» فاستغنى بالمثال عن ذكر بقية الشروط التى سبق ذكرها.

***

____________

ق-ففى كل بيت من هذين البيتين شاهد لما ذكرناه.

أما البيت الأول فإن الشاهد فيه قوله «بالأمر الذى عنيت» فإن التقدير فيه:

بالأمر الذى عنيت به، فحذف المجرور ثم الجار؛ لكون الموصوف بالموصول مجرورا بمثل الذى جر ذلك العائد.

و أما البيت الثانى فالشاهد فيه قوله «إلى الأمر الذى ركنت» فإن تقدير الكلام:

إلى الأمر الذى ركنت إليه، فحذف المجرور، ثم حذف الجار؛ لكون الموصوف- و هو الأمر-مجرورا بحرف مماثل للحرف الذى جر به ذلك العائد.

***

177

المعرّف بأداة التّعريف‏

حرف التعريف هو «أل» برمتها، أو اللام وحدها؟

أل حرف تعريف، أو اللاّم فقط، # فنمط عرّفت قل فيه: «النّمط» (1)

اختلف النحويون فى حرف التعريف فى «الرجل» و نحوه؛ فقال الخليل المعرّف هو «أل» ، و قال سيبويه: هو اللام وحدها؛ فالهمزة عند الخليل همزة قطع، و عند سيبويه همزة وصل اجتلبت للنطق بالساكن‏ (2) .

____________

(1) «أل» مبتدأ «حرف» خبر المبتدأ، و حرف مضاف و «تعريف» مضاف إليه «أو» عاطفة «اللام» مبتدأ، و خبره محذوف يدل عليه ما قبله، و التقدير: أو اللام حرف تعريف «فقط» الفاء حرف زائد لتزيين اللفظ، و قط: اسم بمعنى حسب -أى كاف-حال من «اللام» و تقدير الكلام: أو اللام حال كونه كافيك، أو الفاء داخلة فى جواب شرط محذوف و «قط» على هذا إما اسم فعل أمر بمعنى انته! و تقدير الكلام «إذا عرفت ذلك فانته» و إما اسم بمعنى كاف خبر لمبتدأ محذوف، أى إذا عرفت ذلك فهو كافيك، و قوله «نمط» مبتدأ «عرفت» فعل و فاعل، و الجملة فى محل رفع نعت لنمط «قل» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «فيه» جار و مجرور متعلق بقل «النمط» مفعول به لقل؛ لأنه مقصود لفظه، و قيل: إن «عرفت» فعل شرط حذفت أداته، و جملة «قل» جواب الشرط حذفت منه الفاء، و التقدير: نمط إن عرفته فقل فيه النمط، أى إن أردت تعريفه، و جملة الشرط و جوابه-على هذا-خبر المبتدأ، و هو تكلف لا داعى له.

(2) ذهب الخليل إلى أن أداة التعريف هى «أل» برمتها، و أن الهمزة همزة أصلية، و أنها همزة قطع؛ بدليل أنها مفتوحة؛ إذ لو كانت همزة وصل لكسرت؛ لأن الأصل فى همزة الوصل الكسر، و لا تفتح أو تضم إلا لعارض، و ليس هنا عارض يقتضى ضمها أو فتحها؛ و بقى عليه أن يجيب عما دعا إلى جعلها فى الاستعمال همزة وصل، -

178

و الألف و اللام المعرّفة تكون للعهد، كقولك: «لقيت رجلا فأكرمت الرّجل» و قوله تعالى: (كَمََا أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ رَسُولاً، `فَعَصى‏ََ فِرْعَوْنُ اَلرَّسُولَ) و لاستغراق الجنس، نحو: (إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ) و علامتها أن يصلح موضعها «كلّ» و لتعريف الحقيقة، نحو: «الرّجل خير من المرأة» أى: هذه الحقيقة خير من هذه الحقيقة.

و «النمط» ضرب من البسط، و الجمع أنماط-مثل سبب و أسباب-و النّمط -أيضا-الجماعة من الناس الذين أمرهم واحد، كذا فاله الجوهرى.

***

و قد تزاد لازما: كالّلات، # و الآن، و الّذين، ثمّ الّلات‏ (1)

و لاضطرار: كبنات الأوبر # كذا، «و طبت النّفس يا قيس» السّرى‏ (2)

____________

ق-و الجواب عنده أنها إنما صارت همزة وصل فى الاستعمال؛ لقصد التخفيف الذى اقتضاه كثرة استعمال هذا اللفظ. و ذهب سيبويه رحمه اللّه إلى أن أداة التعريف هى اللام وحدها، و أن الهمزة زائدة، و أنها همزة وصل أتى بها توصلا إلى النطق بالساكن، فإن قيل: فلماذا أتى بالهمزة ليتوصل بها إلى النطق بالساكن و لم تتحرك اللام؟أجيب عن ذلك بأنها لو حركت لكانت إما أن تحرك بالكسر فتلتبس بلام الجر، أو بالفتح فتلتبس بلام الابتداء، أو بالضم فتكون مما لا نظير له فى العربية؛ فلأجل ذلك عدل عن تحريك اللام، و أبقيت على أصل وضعها. و جى‏ء بهمزة الوصل قبلها.

(1) «قد» حرف تقليل «تزاد» فعل مضارع مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى «أل» «لازما» حال من مصدر الفعل السابق، و تقديره: تزاد حال كون الزيد لازما، و قيل: هو مفعول مطلق؛ و هو وصف لمصدر محذوف: أى زيدا لازما، و أنكر هذا ابن هشام على المعربين «كاللات» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: و ذلك كائن كاللات «و الآن، و الذين، ثم اللات» معطوفات على اللات.

(2) «لاضطرار» جار و مجرور متعلق بتزاد «كبنات» الكاف جارة لقول-

179

ذكر المصنف فى هذين البيتين أن الألف و اللام تأتى زائدة، و هى-فى زيادتها-على قسمين: لازمة، و غير لازمة.

ثم مثّل الزائدة اللازمة بـ «اللات» (1) و هو اسم صنم كان بمكة، و بـ «الآن» و هو ظرف زمان مبنى على الفتح‏ (2) ، و اختلف فى الألف و اللام الداخلة عليه؛

____________

ق-محذوف، و هى و مجرورها يتعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أى: و ذلك كائن كقولك إلخ، و بنات مضاف و «الأوبر» مضاف إليه «كذا» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ من مادة القول محذوف أيضا «طبت» فعل و فاعل «النفس» تمييز «يا» حرف نداء «قيس» منادى مبنى على الضم فى محل نصب «السرى» نعت له، و تقدير الكلام: و قولك: «طبت النفس يا قيس» كذلك.

(1) مثل اللات كل علم قارنت «أل» وضعه لمعناه العلمى، سواء أكان مرتجلا أم كان منقولا؛ فمثال المرتجل من الأعلام التى فيها «أل» و قد قارنت وضعه:

السموأل، و هو اسم شاعر جاهلى مشهور يضرب به المثل فى الوفاء، و مثال المنقول من الأعلام التى فيها «أل» و قد قارنت وضعه للعلمية أيضا: العزى، و هو فى الأصل مؤنث الأعز وصف من العزة، ثم سمى به صنم أو شجرة كانت غطفان تعبدها، و منه اللات؛ و هو فى الأصل اسم فاعل من لت السويق يلته؛ ثم سمى به صنم؛ و أصله بتشديد التاء؛ فلما سمى به خففت تاؤه؛ لأن الأعلام كثيرا ما يغير فيها، و منه «اليسع» فإن أصله فعل مضارع ماضيه وسع ثم سمى به.

(2) أكثر النحاة على أن «الآن» مبنى على الفتح؛ ثم اختلفوا فى سبب بنائه؟ فذهب قوم إلى أن علة بنائه تضمنه معنى «أل» الحضورية؛ و هذا الرأى هو الذى نقله الشارح عن المصنف و جماعة؛ و هؤلاء يقولون: إن «أل» الموجودة فيه زائدة؛ و بناؤه لتضمنه معنى «أل» أخرى غير موجودة؛ و نظير ذلك بناء «الأمس» فى قول نصيب بن رباح:

و إنّى وقفت اليوم و الأمس قبله # ببابك حتّى كادت الشّمس تغرب‏

فإنهم جعلوا بناءه فى هذا و ما أشبهه لتضمنه معنى «أل» غير الموجودة فيه، و هذا-

180

فذهب قوم إلى أنها لتعريف الحضور كما فى قولك: «مررت بهذا الرّجل» ؛ لأن قولك: «الآن «بمعنى هذا الوقت، و على هذا لا تكون زائدة، و ذهب قوم-منهم المصنف-إلى أنها زائدة، و هو مبنىّ لتضمنه معنى الحرف، و هو لام الحضور.

و مثّل-أيضا-بـ «الذين» ، و «اللاّت» و المراد بهما ما دخل عليه «أل» من الموصولات، و هو مبنى على أنّ تعريف الموصول بالصّلة؛ فتكون الألف و اللام زائدة، و هو مذهب قوم، و اختاره المصنف، و ذهب قوم إلى أن تعريف الموصول بـ «أل» إن كانت فيه نحو: «الذى» فإن لم تكن فيه فبنيّتها نحو: «من، و ما» إلا «أيّا» فإنها تتعرف بالإضافة؛ فعلى هذا المذهب لا تكون الألف و اللام زائدة، و أما حذفها فى قراءة من قرأ: (صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فلا يدلّ على أنها زائدة؛ إذ يحتمل أن تكون حذفت شذوذا و إن كانت معرّفة، كما حذفت من قولهم: «سلام عليكم» من غير تنوين- يريدون «السّلام عليكم» .

و أما الزائدة غير اللازمة فهى الداخلة-اضطرارا-على العلم، كقولهم فى «بنات أوبر» علم لضرب من الكمأة «بنات الأوبر» و منه قوله:

____________

ق-عجيب منهم؛ لأنهم ألغوا الموجود، و اعتبروا المعدوم، و قال قوم: بنى «الآن» لضمنه معنى الإشارة؛ فإنه بمعنى هذا الوقت، و هذا قول الزجاج، و قيل: بنى «الآن» لشبهه بالحرف شبها جموديا، ألا ترى أنه لا يثنى و لا يجمع و لا يصغر؟بخلاف غيره من أسماء الزمان كحين و وقت و زمن و ساعة؛ و من الناس من يقول: الآن اسم إشارة إلى الزمان، كما أن هنا اسم إشارة إلى المكان؛ فبناؤه على هذا لتضمنه معنى كان حقه أن يؤدى بالحرف، و من النحاة من ذهب إلى أنه معرب، و أنه ملازم للنصب على الظرفية و قد يخرج عنها إلى الجر بمن، فيقال: سأحالفك من الآن، بالجر، و يقول صاحب النكت: «و هذا قول لا يمكن القدح فيه، و هو الراجح عندى، و القول ببنائه لا توجد له علة صحيحة» اهـ.

181

(36) -

و لقد جنيتك أكمؤا و عساقلا # و لقد نهيتك عن بنات الأوبر

____________

(36) -هذا البيت من الشواهد التى لم يعرفوا لها قائلا، و ممن استشهد به أبو زيد فى النوادر.

اللغة: «جنيتك» معناه جنيت لك؛ و مثله-فى حذف اللام و إيصال الفعل إلى ما كان مجرورا-قوله تعالى: (وَ إِذََا كََالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) و (يَبْغُونَهََا عِوَجاً) * و (وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنََاهُ مَنََازِلَ) «أكمؤا» جمع كم‏ء-بزنة فلس-و يجمع الكم‏ء على كمأة، أيضا، فيكون المفرد خاليا من التاء و هى فى جمعه، على عكس تمرة و تمر، و هذا من نوادر اللغة، «و عساقلا» جمع عسقول-بزنة عصفور-و هو نوع من الكمأة، و كان أصله عساقيل، فحذفت الياء كما حذفت فى قوله تعالى: (وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ) فإنه جمع مفتاح، و كان قياسه مفاتيح، فحذفت الياء، و يقال: المفاتح جمع مفتح، و ليس جمع مفتاح، فلا حذف، و كذا يقال: العساقل جمع عسقل -بزنة منبر-و «بنات الأوبر» كمأة صغار مزغبة كلون التراب، و قال أبو حنيفة الدينورى: بنات أوبر كمأة كأمثال الحصى صغار، و هى رديئة الطعم.

الإعراب: «و لقد» الواو للقسم، و اللام للتأكيد، و قد: حرف تحقيق «جنيتك» فعل و فاعل و مفعول أول «أكمؤا» مفعول ثان «و عساقلا» معطوف على قوله أكمؤا «و لقد» الواو عاطفة، و اللام موطئة للقسم، و «قد» حرف تحقيق «نهيتك» فعل و فاعل و مفعول «عن» حرف جر «بنات» مجرور بعن، و بنات مضاف و «الأوبر» مضاف إليه.

الشاهد فيه: قوله «بنات الأوبر» حيث زاد «أل» فى العلم مضطرا؛ لأن «بنات أوبر» علم على نوع من الكمأة ردى‏ء، و العلم لا تدخله «أل» ، فرارا من اجتماع معرفين، و هما حينئذ العلمية و أل، فزادها هنا ضرورة، قال الأصمعى: «و أما قول الشاعر:

*و لقد نهيتك عن بنات الأوبر*

فإنه زاد الألف و اللام للضرورة، و كقول الراجز:

باعد أمّ العمرو من أسيرها # حرّاس أبواب لدى قصورها

-

182

و الأصل «بنات أوبر» فزيدت الألف و اللام، و زعم المبرّد أن «بنات أوبر» ليس بعلم؛ فالألف و اللام-عنده-غير زائدة.

و منه الداخلة اضطرارا على التمييز، كقوله:

(37) -

رأيتك لمّا أن عرفت وجوهنا # صددت، و طبت النّفس يا قيس عن عمرو

____________

ق- (و قد سبق لنا ذكر هذا البيت فى باب العلم، و نسبناه هناك لأبى النجم العجلى) و قول آخر:

يا ليت أمّ العمرو كانت صاحبى # مكان من أشتى على الرّكائب‏

قال: و قد يجوز أن أوبر نكرة فعرفه باللام، كما حكى سيبويه أن عرسا من ابن عرس قد نكره بعضهم فقال: هذا ابن عرس مقبل» اهـ كلام الأصمعى.

(37) -البيت لرشيد بن شهاب اليشكرى، و زعم التوزى-نقلا عن بعضهم- أنه مصنوع لا يحتج به، و ليس كذلك؛ لأن العلماء عرفوا قائله و نسبوه إليه.

اللغة: «رأيتك» الخطاب لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد اليشكرى، و هو المذكور فى آخر البيت «وجوهنا» أراد بالوجوه ذواتهم، و يروى «لما أن عرفت جلادنا» أى: ثباتنا فى الحرب و شدة وقع سيوفنا «صددت» أعرضت و نأيت «طبت النفس» يريد أنك رضيت «عمرو» كان صديقا حميما لقيس، و كان قوم الشاعر قد قتلوه.

المعنى: يندد بقيس؛ لأنه فر عن صديقه لما رأى وقع أسيافهم، و رضى من الغنيمة بالإياب؛ فلم يدافع عنه، و لم يتقدم للأخذ بثأرء بعد أن قتل.

الإعراب: «رأيتك» فعل و فاعل و مفعول، و ليس بحاجة لمفعول ثان؛ لأن «رأى» هنا بصرية «لما» ظرفية بمعنى حين تتعلق برأى «أن» زائدة «عرفت» فعل و فاعل «وجوهنا» وجوه: مفعول به لعرف، و وجوه مضاف و الضمير مضاف إليه «صددت» فعل و فاعل، و هو جواب «لما» و «طبت» فعل و فاعل، و الجملة معطوفة على جملة صددت «النفس» تمييز نسبة «يا قيس» يا: حرف نداء، و «قيس» منادى، و جمله النداء لا محل لها معترضة بين العامل و معموله «عن عمرو» جار و مجرور متعلق بصددت، أو بطبت على أنه ضمنه معنى تسليت. -

183

و الأصل «و طبت نفسا» فزاد الألف و اللام، و هذا بناء على أن التمييز لا يكون إلا نكرة، و هو مذهب البصريين، و ذهب الكوفيون إلى جواز كونه معرفة؛ فالألف و اللام عندهم غير زائدة.

و إلى هذين البيتين اللذين أنشدناهما أشار المصنف بقوله: «كبنات الأوبر» ، و قوله: «و طبت النفس يا قيس السرى» .

***

تدخل «أل» على بعض الأعلام للمح الأصل‏

و بعض الاعلام عليه دخلا # للمح ما قد كان عنه نقلا (1)

____________

ق-الشاهد فيه: قوله «طبت النفس» حيث أدخل الألف و اللام على التمييز-الذى يجب له التنكير-ضرورة، و ذلك فى اعتبار البصريين، و قد ذكر الشارح أن الكوفيين لا يوجبون تنكير التمييز، بل يجوز عندهم أن يكون معرفة و أن يكون نكرة؛ و على ذلك لا تكون «أل» زائدة، بل تكون معرفة.

و من العلماء من قال: «النفس» مفعول به لصددت، و تمييز طبت محذوف، و التقدير على هذا: صددت النفس و طبت نفسا يا قيس عن عمرو، و على هذا لا يكون فى البيت شاهد، و لكن فى هذا التقدير من التكلف ما لا يخفى.

(1) «و بعض» مبتدأ، و بعض مضاف و «الأعلام» مضاف إليه «عليه» جار و مجرور متعلق بدخل الآتى «دخلا» دخل فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على أل، و الألف للاطلاق، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «للمح» جار و مجرور متعلق بدخل، و لمح مضاف و «ما» اسم موصول مضاف إليه «قد» حرف تحقيق «كان» فعل ماض، و اسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على بعض الأعلام «عنه» جار و مجرور متعلق بقوله نقل الآتى «نقلا» نقل: فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على بعض الأعلام، و الألف للاطلاق، و الجملة فى محل نصب خبر كان، و الجملة من كان و معموليها لا محل لها صلة الموصول.

184

قد يصير الاسم المقترن بأل أو المضاف علما بالغلبة

كالفضل، و الحارث، و النّعمان؛ # فذكر ذا و حذفه سيّان‏ (1)

ذكر المصنف-فيما تقدم-أن الألف و اللام تكون معرّفة، و تكون زائدة، و قد تقدم الكلام عليهما، ثم ذكر فى هذين البيتين أنها تكون للمح الصّفة، و المراد بها الداخلة على ما سمّى به من الأعلام المنقولة، مما يصلح دخول «أل» عليه، كقولك فى «حسن» : «الحسن» و أكثر ما تدخل على المنقول من صفة، كقولك فى «حارث» : «الحارث» و قد تدخل على المنقول من مصدر، كقولك فى «فضل» : «الفضل» و على المنقول من اسم جنس غير مصدر، كقولك فى «نعمان» : «النّعمان» و هو فى الأصل من أسماء الدم‏ (2) ؛ فيجوز دخول «أل» فى هذه الثلاثة نظرا إلى الأصل، و حذفها نظرا إلى الحال.

و أشار بقوله «للمح ما قد كان عنه نقلا» إلى أن فائدة دخول الألف و اللام الدلالة على الالتفات إلى ما نقلت عنه من صفة، أو ما فى معناها.

____________

(1) «كالفضل» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أى: و ذلك كائن كالفضل «و الحارث و النعمان» معطوفان على الفضل «فذكر» مبتدأ، و ذكر مضاف و «ذا» اسم إشارة مضاف إليه «و حذفه» الواو حرف عطف، حذف:

معطوف على المبتدأ، و حذف مضاف و الضمير مضاف إليه «سيان» خبر المبتدأ و ما عطف عليه، مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، و النون عوض عن التنوين فى الاسم المفرد:

(2) هنا شيئان: الأول أن الذى تلمحه حين تدخل «أل» على نعمان هو وصف الحمرة التى يدل عليها لفظه بحسب الأصل الأول التزاما؛ لأن الحمره لازمة للدم.

و الثانى: أن الناظم فى كتاب التسهيل جعل «نعمان» من أمثلة العلم الذى قارنت أل» وضعه كاللات و العزى و السموأل، و هذه لازمة، بدليل قوله هناك «و قد تزاد لازما» و هنا مثل به لما زيدت عليه «أل» بعد وضعه للمح الأصل، و هذه لبست بلازمة على ما قال «فذكر ذا و حذفه سيان» و الخطب فى هذا سهل؛ لأنه يحمل على أن العرب سمت «النعمان» أحيانا مقرونا بأل؛ فيكون من النوع الأول، و سمت أحيانا أخرى «نعمان» بدون أل؛ فيكون من النوع الثانى.

185

و حاصله: أنك إذا أردت بالمنقول من صفة و نحوه أنه إنما سمى به تفاؤلا بمعناه أتيت بالألف و اللام للدلالة على ذلك، كقولك: «الحارث» نظرا إلى أنه إنما سمى به للتفاؤل، و هو أنه يعيش و يحرث، و كذا كلّ ما دل على معنى و نحوهما يوصف به فى الجملة، كفضل و نحوه، و إن لم تنظر إلى هذا و نظرت إلى كونه علما لم تدخل الألف و اللام، بل تقول: فضل، و حارث، و نعمان؛ فدخول الألف و اللام أفاد معنى لا يستفاد بدونهما؛ فليستا بزائدتين، خلافا لمن زعم ذلك، و كذلك أيضا ليس حذفهما و إثباتهما على السواء كما هو ظاهر كلام المصنف، بل الحذف و الإثبات ينزّل على الحالتين اللتين سبق ذكرهما، و هو أنه إذا لمح الأصل جى‏ء بالألف و اللام، و إن لم يلمح لم يؤت بهما.

***

و قد يصير علما بالغلبه # مضاف أو مصحوب أل كالعقبه‏ (1)

و حذف أل ذى-إن تناد أو تضف- # أوجب، و فى غيرهما قد تنحذف‏ (2)

____________

(1) «و قد» الواو للاستئناف، قد: حرف تقليل «يصير» فعل مضارع ناقص «علما» خبر يصير مقدم على اسمه «بالغلبه» جار و مجرور متعلق بيصير «مضاف» اسم يصير مؤخر عن خبره «أو مصحوب» أو: حرف عطف، مصحوب معطوف على مضاف، و مصحوب مضاف، و «أل» قصد لفظه: مضاف إليه «كالعقبة» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و تقدير الكلام: و ذلك كائن كالعقبة.

(2) «و حذف» الواو للاستئناف، حذف: مفعول به مقدم على عامله و هو «أوجب» الآتى، و حذف مضاف، و «أل» قصد لفظه: مضاف إليه «ذى» اسم إشارة نعت لال «إن» شرطية «تناد» فعل مضارع فعل الشرط، مجزوم بحذف الياء، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «أو» عاطفة «تضف» معطوف على «تناد» مجروم-

186

من أقسام الألف و اللام أنها تكون للغلبة، نحو: «المدينة» ، و «الكتاب» ؛ فإنّ حقهما الصّدق على كل مدينة و كل كتاب، لكن غلبت «المدينة» على مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم، و «الكتاب» على كتاب سيبويه رحمه اللّه تعالى، حتى إنهما إذا أطلقا لم يتبادر إلى الفهم غيرهما.

و حكم هذه الألف و اللام أنها لا تحذف إلا فى النداء أو الإضافة، نحو «يا صعق» فى الصّعق‏ (1) ، و «هذه مدينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم» .

و قد تحذف فى غيرهما شذوذا، سمع من كلامهم: «هذا عيّوق طالعا» (2) ، و الأصل العيّوق‏ (2) ، و هو اسم نجم.

و قد يكون العلم بالغلبة أيضا مضافا: كابن عمر، و ابن عبّاس، و ابن مسعود؛

____________

ق-بالسكون، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «أوجب» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقدير أنت، و جواب الشرط محذوف لدلالة هذا عليه، أو جملة أوجب و فاعله فى محل جزم جواب الشرط، و حذف الفاء منها-مع أنها جملة طلبية -ضرورة «و فى» الواو حرف عطف، فى: حرف جر «غيرهما» غير: مجرور بفى، و غير مضاف و الضمير-الذى يعود على النداء و الإضافة-مضاف إليه، و الجار و المجرور متعلق بتنحذف الآتى «قد» حرف تقليل «تنحذف» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود على «أل» و تقدير البيت: إن تناد أو تضف فأوجب حذف أل هذه، و قد تنحذف أل فى غير النداء و الإضافة.

(1) الصعق-فى أصل اللغة-اسم يطلق على كل من رمى بصاعقة، ثم اختص بعد ذلك بخويلد بن نفيل، و كان من شأنه أنه كان يطعم الناس بتهامة، فعصفت الريح التراب فى جفانه، فسبها، فرمى بصاعقة، فقال الناس عنه: ألصعق.

(2) العيوق-فى أصل الوضع-كلمة على زنة فيعول من قولهم: عاق فلان فلانا يعوقه، إذا حال بينه و بين غرضه، و معناه عائق، و هو بهذا صالح للاطلاق على كل معوق لغيره، و خصوا به نجما كبيرا قريبا من نجم الثريا و نجم الدبران، زعموا أنهم سموه بذلك لأن الدبران يطلب الثريا و العيوق يخول بينه و بين إدراكها.

187

فإنه غلب على العبادلة (1) دون غيرهم من أولادهم، و إن كان حقّه الصّدق عليهم، لكن غلب على هؤلاء، حتى إنه إذا أطلق «ابن عمر» لا يفهم منه غير عبد اللّه، و كذا «ابن عباس» و «ابن مسعود» رضى اللّه عنهم أجمعين؛ و هذه الإضافة لا تفارقه، لا فى نداء، و لا فى غيره، نحو: «يا ابن عمر» .

***

____________

(1) العبادلة: جمع عبدل، بزنة جعفر، و عبدل يحتمل أمرين: أولهما أن يكون أصله «عبد» فزيدت لام فى آخره، كما زيدت فى «زيد» حتى صار زيدلا، و الثانى أن يكونوا قد نحتوه من «عبد اللّه» فاللام هى لام لفظ الجلالة، و النحت باب واسع؛ فقد قالوا: عبشم، من عبد شمس، و عبدر، من عبد الدار، و مرقس، من امرى‏ء القيس، و قالوا: حمدلة، من الحمد للّه، و سبحلة، من سبحان اللّه، و جعفده، من قولهم: جعلت فداءك، و طلبقة، من قولهم: أطال اللّه بقاءك-و أشباه لهذا كثيرة.

و قال الشاعر، و ينسب لعمر بن أبى ربيعة؛ فجاء بالفعل و اسم فاعله على طريق النحت:

لقد بسملت ليلى غداة لقيتها # فيا حبّذا ذاك الحبيب المبسمل‏

و لكثرة ما ورد من هذا النحو نرى أنه يجوز لك أن تقيس عليه؛ فتقول «مشأل مشألة» إذا قال: ما شاء اللّه، و تقول «سبحر سبحرة» إذا قال: سبحان ربى، و تقول «نعمص نعمصة» إذا قال: نعم صباحك، و تقول «نعمس نعمسة» إذا قال: نعم مساؤك، و هكذا؛ و قدامى العلماء يرون باب النحت مقصورا على ما سمع منه عن العرب و هو من تحجير الواسع؛ فتدبر هذا، و لا تكن أسير القليد، و انظر القسم الأول من كتابنا دروس التصريف (ص 22 طبعة ثانية)

188

الابتداء

المبتدأ قسمان: مبتدأ له خبر، و مبتدأ له مرفوع أغنى عن الخبر

مبتدأ زيد، و عاذر خبر، # إن قلت «زيد عاذر من اعتذر» (1)

و أوّل مبتدأ، و الثّانى # فاعل اغنى فى «أسار ذان» (2)

و قس، و كاستفهام النّفى، و قد # يجوز نحو «فائز أولو الرّشد» (3)

____________

(1) «مبتدأ» خبر مقدم «زيد» مبتدأ مؤخر «و عاذر» الواو عاطفة، و عاذر مبتدأ «خبر» خبر المبتدأ «إن» شرطية «قلت» قال: فعل ماض فعل الشرط، و تاء المخاطب فاعل «زيد» مبتدأ «عاذر» خبره، و فاعله-من جهة كونه اسم قاعل-ضمير مستتر فيه، و الجملة من المبتدأ و الخبر مقول القول «من» اسم موصول مفعول به لعاذر «اعتذر» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من، و الجملة لا محل لها صلة الموصول، و جواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام و تقدير الكلام: إن قلت زيد عاذر من اعتذر فزيد مبتدأ و عاذر خبره.

(2) «و أول» مبتدأ «مبتدأ» خبره «و الثانى» مبتدأ «فاعل» خبر «أغنى» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقدير هو يعود إلى فاعل، و الجملة فى محل رفع صفة لفاعل «فى» حرف جر، و مجروره قول محذوف «أسار» الهمزة للاستفهام، و سار: مبتدأ، و «ذان» فاعل سد مسد الخبر، و الجملة من المبتدأ و فاعله مقول القول المحذوف، و تقدير الكلام: و أول اللفظين مبتدأ و ثانيهما فاعل أغنى عن الخبر فى قولك: أسار ذان.

(3) «و قس» الواو عاطفة، قس: فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و مفعوله و متعلقه محذوفان، و التقدير: و قس على ذلك ما أشبهه «و كاستفهام» الواو حرف عطف، و الكاف حرف جر، و استفهام: مجرور بها، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «النفى» مبتدأ مؤخر «و قد» الواو حرف، قد حرف تقليل «يجوز» فعل مضارع «نحو» فاعل يجوز «فائز» مبتدأ «أولو» فاعل بفائز سد مسد الخبر، و أولو مضاف و «الرشد» مضاف إليه، و الجملة من المبتدأ و فاعله المغنى عن الخبر مقول قول محذوف، و التقدير: و قد يجوز نحو قولك فائز أولو الرشد، و المراد بنحو هذا المثال: كل وصف وقع بعده مرفوع يستغنى به و لم تتقدمه أداة استفهام و لا أداة نفى.

189

ذكر المصنف أن المبتدأ على قسمين: مبتدأ له خبر، و مبتدأ له فاعل سدّ مسدّ الخبر؛ فمثال الأوّل «زيد عاذر من اعتذر» و المراد به: ما لم يكن المبتدأ فيه وصفا مشتملا على ما يذكر فى القسم الثانى؛ فزيد: مبتدأ، و عاذر: خبره، و من اعتذر: مفعول لعاذر، و مثال الثانى «أسار ذان» فالهمزة: للاستفهام، و سار: مبتدأ، و ذان: فاعل سدّ مسدّ الخبر، و يقاس على هذا ما كان مثله، و هو: كل وصف اعتمد على استفهام، أو نفى-نحو: أقائم الزّيدان، و ما قائم الزّيدان-فإن لم يعتمد الوصف لم يكن مبتدأ، و هذا مذهب البصريين إلا الأخفش-و رفع‏ (1) فاعلا ظاهرا، كما مثل، أو ضميرا منفصلا، نحو:

«أقائم أنتما» و تم الكلام به‏ (1) ؛ فإن لم يتم به‏[الكلام‏]لم يكن مبتدأ، نحو: «أقائم أبواه زيد» فزيد: مبتدأ مؤخر، و قائم: خبر مقدم، و أبواه:

فاعل بقائم، و لا يجوز أن يكون «قائم» مبتدأ؛ لأنه لا يستغنى بفاعله حينئذ؛ إذ لا يقال «أقائم أبواه» فيتمّ الكلام، و كذلك لا يجوز أن يكون الوصف مبتدأ إذا رفع ضميرا مستترا؛ فلا يقال فى «ما زيد قائم و لا قاعد» : إن «قاعدا» مبتدأ، و الضمير المستتر فيه فاعل أغنى عن الخبر؛ لأنه ليس بمنفصل، على أن فى المسأله خلافا (2) ، و لا فرق بين أن يكون الاستفهام بالحرف، كما مثل،

____________

(1) «و رفع» هذا الفعل معطوف بالواو على «اعتمد» فى قوله «و هو كل وصف اعتمد على استفهام أو نفى» و كذلك قوله «و تم الكلام به» و يتحصل من ذلك أنه قد اشترط فى الوصف الذى يرفع فاعلا بغنى عن الخبر ثلاثة شروط، أولها:

أن يكون معتمدا على استفهام أو نفى-عند البصريين-و الثانى أن يكون مرفوعه اسما ظاهرا أو ضميرا منفصلا، و فى الضمير المنفصل خلاف سنذكره، و الثالث أن يتم الكلام بمرفوعه المذكور.

(2) سنبسط القول فى هذه المسألة قريبا (انظر ص 192 من هذا الجزء) .

190

أو بالاسم كقولك: كيف جالس العمران‏ (1) ؟و كذلك لا فرق بين أن يكون النفى بالحرف، كما مثّل، أو بالفعل كقولك: «ليس قائم الزّيدان» فليس:

فعل ماض‏[ناقص‏]، و قائم: اسمه، و الزيدان: فاعل سدّ مسدّ خبر ليس، و تقول: غير قائم الزّيدان» فغير: مبتدأ، و قائم: مخفوض بالإضافة، و الزيدان: فاعل بقائم سدّ مسدّ خبر غير؛ لأن المعنى ما قائم الزّيدان، فعومل «غير قائم» معاملة «ما قائم» و منه قوله:

(38) -

غير لاه عداك؛ فاطّرح اللّهو، # و لا تغترر بعارض سلم‏

____________

(1) «كيف» اسم استفهام مبنى على الفتح فى محل نصب حال من «العمران» الآتى و «جالس» مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، و «العمران» فاعل يجالس أغنى عن الخبر، مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى.

(38) -لم أقف لهذا الشاهد على نسبة إلى قائل معين.

اللغة: «لاه» اسم فاعل مأخوذ من مصدر لها يلهو، و ذلك إذا ترك و سلا و روح عن نفسه بما لا تقتضيه الحكمة، و لكن المراد هنا لازم ذلك، و هو الغفلة «اطرح» -بتشديد الطاء-أى-اترك «سلم» بكسر السين أو فنحها-أى صلح و موادعة، و إضافة عارض إليه من إضافة الصفة للموصوف.

المعنى: إن أعداءك ليسوا غافلين عنك، بل يتربصون بك الدوائر؛ فلا تركن إلى الغفلة، و لا تغتر بما يبدو لك منهم من المهادنة و ترك القتال؛ فإنهم يأخذون فى الأهبة و الاستعداد.

الإعراب: «غير» مبتدأ، و غير مضاف و «لاه» مضاف إليه «عداك» عدى:

فاعل لاه سد مسد خبر غير؛ لأن المضاف و المضاف إليه كالشى‏ء الواحد، و عدى مضاف و ضمير المخاطب مضاف إليه «فاطرح» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «اللهو» مفعول به لا طرح «و لا» الواو عاطفة، لا: ناهية «تغترر» -

191

فغير: مبتدأ، و لاه: مخفوض بالإضافة، و عداك: فاعل بلاه سدّ مسدّ خبر غير، و مثله قوله:

(39) -

غير مأسوف على زمن # ينقضى بالهمّ و الحزن‏

____________

ق-فعل مضارع مجزوم بلا الناهية و علامة جزمه السكون، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «بعارض» جار و مجرور متعلتى بتغترر، و عارض مضاف، و «سلم» مضاف إليه.

الشاهد فيه: قوله «غير لاه عداك» حيث استغنى بفاعل «لاه» عن خبر المبتدأ و هو غير؛ لأن المبتدأ المضاف لاسم الفاعل دال على النفى؛ فكأنه «ما» فى قولك «ما قائم محمد» فالوصف مخفوض لفظا بإضافة المبتدأ إليه و هو فى قوة المرفوع بالابتداء و للكلام بقية نأتى فى شرح الشاهد التالى لهذا الشاهد.

(39) -البيت لأبى نواس-الحسن بن هانى بن عبد الأول، الحكمى-و هو ليس ممن يستشهد بكلامه، و إنما أورده الشارح مثالا للمسألة، و لهذا قال «و مثله قوله» و بعد هذا البيت بيت آخر، و هو:

إنّما يرجو الحياة فتى # عاش فى أمن من المحن‏

اللغة: «مأسوف» اسم مفعول من الأسف، و هو أشد الحزن، و فعله من باب فرح، و زعم ابن الخشاب أنه مصدر جاء على صيغة اسم المفعول مثل الميسور، و المعسور، و المجلود، و المحلوف، بمعنى اليسر و العسر و الجلد و الحلف، ثم أريد به اسم الفاعل، و ستعرف فى بيان الاستشهاد ما ألجأه إلى هذا التكلف و وجه الرد عليه.

المعنى: إنه لا ينبغى لعاقل أن يأسف على زمن ليس فيه إلا هموم تتلوها هموم، و أحزان تأتى من ورائها أحزان، بل يجب عليه أن يستقبل الزمان بغير مبالاة و لا اكتراث.

الإعراب: «غير» مبتدأ، و غير مضاف «مأسوف» مضاف إليه «على زمن» جار و مجرور متعلق بمأسوف، على أنه نائب فاعل سد مسد خبر المبتدأ «ينقضى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «زمن» و الجملة من ينقضى و فاعله فى محل جر صفة لزمن «بالهم» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر فى ينقضى «و الحزن» الواو حرف عطف، الحزن: معطوف على الهم. -

192

فغير: مبتدأ، و مأسوف: مخفوض بالإضافة، و على زمن: جار و مجرور فى موضع رفع بمأسوف لنيابته مناب الفاعل، و قد سدّ مسدّ خبر غير.

و قد سأل أبو الفتح بن جنى ولده عن إعراب هذا البيت؛ فارتبك فى إعرابه.

و مذهب البصريين-إلا الأخفش-أن هذا الوصف لا يكون مبتدأ إلا إذا اعتمد على نفى أو استفهام‏ (1) ، و ذهب الأخفش و الكوفيون إلى عدم اشتراط

____________

ق-التمثيل به: فى قوله «غير مأسوف على زمن» حيث أجرى قوله «على زمن» النائب عن الفاعل مجرى الزيدين فى قولك «ما مضروب الزيدان» فى أن كل واحد منهما سد مسد الخبر؛ لأن المتضايفين بمنزلة الاسم الواحد، فحيث كان نائب الفاعل يسد مع أحدهما مسد الخبر فإنه يسد مع الآخر أيضا، و كأنه قال «ما مأسوف على زمن» على ما بيناه فى الشاهد السابق.

هذا أحد توجيهات ثلاثة فى ذلك و نحوه، و إليه ذهب ابن الشجرى فى أماليه.

و التوجيه الثانى لابن جنى و ابن الحاجب، و حاصله أن قوله «غير» خبر مقدم، و أصل الكلام: «زمن ينقضى بالهم غير مأسوف عليه» و هو توجيه ليس بشى‏ء؟لما يلزم عليه من التكلفات البعيدة؛ لأن العبارة الواردة فى البيت لا تصير إلى هذا إلا بتكلف كثير.

و التوجيه الثالث لابن الخشاب، و حاصله أن قوله «غير» خبر لمبتدأ محذوف تقديره «أنا غير-إلخ» و قوله «مأسوف» ليس اسم مفعول، بل هو مصدر مثل «الميسور و المعسور، و المجلود، و المحلوف» و أراد به هنا اسم الفاعل، فكأنه قال «أنا غير آسف-إلخ» و انظر ما فيه من التكلف و المشقة و الجهد.

و مثل هذا البيت و الشاهد السابق قول المتنبى يمدح بدر بن عمار:

ليس بالمنكر أن برّزت سبقا # غير مدفوع عن السّبق العراب‏

(1) مذهب جماعة من النحاة أنه يجب أن يكون الفاعل الذى يرفعه الوصف المعتمد اسما ظاهرا، و لا يجوز أن يكون ضميرا منفصلا، فإن سمع ما ظاهره ذلك فهو محمول على أن الوصف خبر مقدم و الضمير مبتدأ مؤخر، و عند هؤلاء أنك إذا قلت «أمسافر-

193

ذلك؛ فأجازوا «قائم الزّيدان» فقائم: مبتدأ، و الزيدان: فاعل سدّ مسدّ الخبر.

____________

قأنت» صح هذا الكلام عربية، و لكن يجب أن يكون «مسافر» خبرا مقدما، و «أنت» مبتدأ مؤخرا، و الجمهور على أنه يجوز أن يكون الفاعل المغنى عن الخبر ضميرا بارزا كما يكون اسما ظاهرا، و لا محل لإنكار ذلك عليهم بعد وروده فى الشعر العربى الصحيح، و فى القرآن الكريم عبارات لا يجوز فيها عربية أن تحمل على ما ذكروا من التقديم و التأخير؛ فمن ذلك قوله تعالى: (أَ رََاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يََا إِبْرََاهِيمُ) إذ لو جعلت «راغب» خبرا مقدما و «أنت» مبتدأ مؤخرا للزم عليه الفصل بين «راغب» و ما يتعلق به و هو قوله «عن آلهتى» بأجنبى و هو أنت؛ لأن المبتدأ بالنسبة للخبر أجنبى منه، إذ لا عمل للخبر فيه على الصحيح، و لا يلزم شى‏ء من ذلك إذا جعلت «أنت» فاعلا؛ لأن الفاعل بالنظر إلى العامل فيه ليس أجنبيا منه و نظير الآية الكريمة فى هذا و عدم صحة التخريج على التقديم و التأخير قول الشاعر «فخير نحن» فى الشاهد رقم 40 الآتى.

و من ذلك أيضا قول الشاعر:

أمنجز أنتم وعدا وثقت به # أم اقتفيتم جميعا نهج عرقوب؟

و مثله قول الآخر:

خليلىّ ما واف بعهدى أنتما # إذا لم تكونا لى على من أقاطع‏

و قول الآخر:

فما باسط لخيرا و لا دافع أذى # عن النّاس إلاّ أنتم آل دارم‏

و لا يجوز فى بيت من هذه الأبيات الثلاثة أن تجعل الوصف خبرا مقدما و المرفوع بعده مبتدأ مؤخرا، كما لا يجوز ذلك فى الشاهد الآتى على ما ستعرفه، لأنه يلزم على ذلك أن يفوت التطابق بين المبتدأ و خبره، و هو شرط لا بد منه، فإن الوصف مفرد و الضمير البارز للمثنى أو للمجموع، أما جعل الضمير فاعلا فلا محظور فيه، لأن الفاعل يجب إفراد عامله.

194

و إلى هذا أشار المصنف بقوله: «و قد يجوز نحو: فائر أولو الرّشد» أى:

و قد يجوز استعمال هذا الوصف مبتدأ من غير أن يسبقه نفى أو استفهام.

و زعم المصنف أن سيبويه يجيز ذلك على ضعف، و مما ورد منه قوله:

(40) -

فخير نحن عند النّاس منكم # إذا الدّاعى المثوّب قال: يالا

____________

(40) -هذا البيت لزهير بن مسعود الضبى.

اللغة: «الناس» هكذا هو بالنون فى كافة النسخ، و يروى «البأس» بالباء و الهمزة و هو أنسب بعجز البيت «المثوب» من التثويب، و أصله: أن يجى‏ء الرجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليرى و يشتهر، ثم سمى الدعاء نثوييا لدلك «قال يالا، أى:

قال يا لفلان، فحذف فلانا و أبقى اللام، و انظر ص 159 السابقة.

الإعراب: «فخير» مبتدأ «نحن» فاعل سد مسد الخبر «عند» ظرف متعلق بخير، و عند مضاف و «و الناس» أو «البأس» مضاف إليه «منكم» جار و مجرور متعلق بخير أيضا «إذا» ظرف للمستقبل من الزمان «الداعى» فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور، و التقدير: إذا قال الداعى، و الجملة من الفعل المحذوف و فاعله فى محل جر بإضافة إذا إليها «المثوب» نعت للداعى «قال» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الداعى، و الجملة من قال المذكور و فاعله لا محل لها من الإعراب مفسرة «يالا» مقول القول، و هو على ما عرفت من أن أصله يا لفلان.

الشاهد فيه: فى البيت شاهدان لهذه المسألة، و كلاهما فى قوله «فخير نحن» ، أما الأول فإن «نحن» فاعل سد مسد الخبر، و لم يتقدم على الوصف-و هو «خير» -نفى و لا استفهام و زعم جماعة من النحاة-منهم أبو على و ابن خروف-أنه لا شاهد فى هذا البيت، لأن قوله «خير» خبر لمبتدأ محذوف، تقديره «نحن خير-إلخ» و قوله «نحن» المذكور فى البيت تأكيد للضمير المستتر فى خير، و انظر كيف يلجأ إلى تقدير شى‏ء و فى الكلام ما يغنى عنه؟و أما الشاهد الثانى فإن «نحن» الذى وقع فاعلا أغنى عن الخبر هو ضمير منفصل؛ فهو دليل للجمهور على صحة ما ذهبوا إليه من جواز كون فاعل الوصف المغنى عن الخبر ضميرا منفصلا، و لا يجوز فى هذا البيت أن يكون قوله «نحن» مبتدأ مؤخرا و يكون «خير» خبرا مقدما؛ إذ يلزم على ذلك الفصل بين «خير» و ما يتعلق به- و هو قوله «عند الناس» و قوله «منكم» -بأجنبى، على ما قررناه فى قوله تعالى: -

195

فخير: مبتدأ، و نحن: فاعل سدّ مسدّ الخبر، و لم يسبق «خير» نفى و لا استفهام، و جعل من هذا قوله:

(41) -

خبير بنو لهب؛ فلا تك ملغيا # مقالة لهبىّ إذا الطّير مرّت‏

فخبير: مبتدأ، و بنو لهب: فاعل سدّ مسدّ الخبر.

***

____________

ق- (أَ رََاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي) (فى ص 193) ؛ فهذا البيت يتم به استدلال الكوفيين على جواز جعل الوصف مبتدأ و إن لم يعتمد على نفى أو استفهام، و يتم به استدلال الجمهور على جواز أن يكون مرفوع الوصف المغنى عن خبره ضميرا بارزا.

(41) -هذا البيت ينسب إلى رجل طائى، و لم يعين أحد اسمه فيما بين أيدينا من المراجع.

اللغة: «خبير» من الخبرة، و هى العلم بالشى‏ء «بنو لهب» جماعة من بنى نصر ابن الأزد، يقال: إنهم أزجر قوم، و فيهم يقول كثير بن عبد الرحمن المعروف بكثيره عزة.

تيمّمت لهبا أبتغى العلم عندهم # و قد صار علم العائفين إلى لهب‏

المعنى: إن بنى لهب عالمون بالزجر و العيافة؛ فإذا قال أحدهم كلاما فاستمع إليه، و لا تلغ ما يذكره لك إذا زجر أو عاف حين تمر الطير عليه.

الإعراب: «خبير» مبتدأ، و الذى سوغ الابتداء به-مع كونه نكرة- أنه عامل فيما بعده «بنو» فاعل بخبير سد مسد الخبر، و بنو مضاف، و «لهب» مضاف إليه «فلا» الفاء عاطفة، لا: ناهية «تك» فعل مضارع ناقص مجزوم بلا، و علامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف؛ و اسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «ملغيا» خبرتك، و هو اسم فاعل فيحتاج إلى فاعل، و فاعله ضمير مستتر فيه «مقالة» مفعول به لملغ، و مقالة مضاف و «لهبى» مضاف إليه «إذا» ظرف للمستقبل من الزمان و يجوز أن يكون مضمنا معنى الشرط «الطير» فاعل بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، و التقدير: إذا مرت الطير، و الجملة من الفعل المحذوف و فاعله فى محل جر-

196

أحوال المبتدأ ذى المرفوع مع مرفوعه، و ما يجوز من وجوه الإعراب فى كل حال‏

و الثّان مبتدا، و ذا الوصف خبر # إن فى سوى الإفراد طبقا استقرّ (1)

____________

ق-بإضافة «إذا» إليها، و هى جملة الشرط، و جواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام، و التقدير: إذا مرت الطير فلاتك ملغيا.. إلخ «مرت» مر: فعل ماض، و التاء التأنيث، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود على «الطير» و الجملة من مرت المذكور و فاعله لا محل لها من الإعراب مفسرة.

الشاهد فيه: قوله «خبير بنو لهب» حيث استغنى بفاعل خبير عن الخبر، مع أنه لم يتقدم على الوصف نفى و لا استفهام، هذا توجيه الكوفيين و الأخفش للبيت، و من ثم لم يشترطوا تقدم النفى أو نحوه على الوصف استنادا إلى هذا البيت و نحوه.

و يرى البصريون-ما عدا الأخفش-أن قوله «خبير» خبر مقدم، و قوله «بنو» مبتدأ مؤخر، و هذا هو الراجح الذى نصره العلماء كافة، فإذا زعم أحد أنه يلزم على هذا محظور-و إيضاحه أن شرط المبتدأ و الخبر أن يكونا متطابقين: إفرادا و تثنية و جمعا، و هنا لا تطابق بينهما لأن «خبير» مفرد، و «بنو لهب» جمع؛ فلزم على توجيه البصريين الإخبار عن الجمع بالمفرد-فالجواب على هذا أيسر مما تظن؛ فإن «خبير» فى هذا البيت يستوى فيه المذكر و المؤنث و المفرد و المثنى و الجمع؛ بسبب كونه على زنة المصدر مثل الذميل و الصهيل، و المصدر يخبر به عن الواحد و المثنى و الجمع بلفظ واحد، تقول: محمد عدل، و المحدان عدل، و المحمدون عدل، و من عادة العرب أن يعطوا الشى‏ء الذى يشبه شيئا حكم ذلك الشى‏ء؛ تحقيقا لمقتضى المشابهة، و قد وردت صيغة فعيل مخبرا بها عن الجماعة، و الدليل على أنه كما ذكرناه وروده خبرا ظاهرا عن الجمع فى نحو قوله تعالى: (وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بَعْدَ ذََلِكَ ظَهِيرٌ) و قول الشاعر:

*هنّ صديق للّذى لم يشب*

(1) «و الثان» مبتدأ «مبتدأ» خبر «و ذا» الواو عاطفة، ذا اسم إشارة مبتدأ «الوصف» بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة «خبر» خبر المبتدأ الذى هو اسم الإشارة «إن» شرطية «فى سوى» جار و مجرور متعلق باستقر الآتى، و سوى مضاف، و «الإفراد» مضاف إليه «طبقا» حال من الضمير المستتر فى «استقر» الآتى و قيل: هو تمييز محول عن الفاعل «استقر» فعل ماض فعل الشرط، و فاعله ضمير-

197

الوصف مع الفاعل: إما أن يتطابقا إفرادا أو تثنبة أو جمعا، أو لا يتطابقا، و هو قسمان: ممنوع، و جائز.

فإن تطابقا إفرادا-نحو «أقائم زيد» -جاز فيه وجهان‏ (1) ؛ أحدهما: أن

____________

ق-مستتر فيه جوازا تقديره هو، و جواب الشرط محذوف، و تقدير الكلام «إن فى سوى الإفراد طبقا استقر فالثان مبتدأ-إلخ» .

(1) ههنا ثلاثة أمور نحب أن ننبهك إليها، الأول: أنه لا ينحصر جواز الوجهين فى أن يتطابق الوصف و المرفوع إفرادا، بل مثله ما إذا كان الوصف مما يستوى فيه المفرد و المثنى و الجمع و كان المرفوع بعده واحدا منها، نحو أ قتيل زيد، و نحو أ جريح الزيدان، و نحو أ صديق المحمدون؟و قد اختلفت كلمة العلماء فيما إذا كان الوصف جمع تكسير و المرفوع بعده مثنى أو مجموعا؛ فذكر قوم أنه يجوز فيه الوجهان أيضا، و ذلك نحو: أقيام أخواك؟و نحو أقيام إخوتك؟و على هذا تكون الصور التى يجوز فيها الأمران ست صور: أن يتطابق الوصف و المرفوع إفرادا، و أن يكون الوصف مما يستوى فيه المفرد و غيره و المرفوع مفردا، أو مثنى، أو مجموعا، و أن يكون الوصف جمع تكسير و المرفوع مثنى، أو جمعا، و ذهب قوم منهم الشاطبى إلى أنه يجب فى الصورتين الأخيرتين كون الوصف خبرا مقدما.

و الأمر الثانى: أنه مع جواز الوجهين فيما ذكرنا من هذه الصور فإن جعل الوصف مبتدأ و المرفوع بعده قاعلا أغنى عن الخبر أرجح من جعل الوصف خبرا مقدما، و ذلك لأن جعله خبرا مقدما فيه الحمل على شى‏ء مختلف فيه؛ إذ الكوفيون لا يجوزون تقديم الخبر على المبتدأ أصلا، و مع هذا فالتقديم و التأخير خلاف الأصل عند البصريين.

و الأمر الثالث: أن محل جواز الوجهين فيما إذا لم يمنع من أحدهما مانع، فإذا منع من أحدهما مانع تعين الآخر؛ ففى قوله تعالى‏ (أَ رََاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي) و فى قولك «أحاضر اليوم أختك» يمتنع جعل الوصف خبرا مقدما، أما فى الآية فقد ذكر الشارح وجه ذلك فيها، و إن يكن قد ذكره بعبارة يدل ظاهرها على أنه مرجح لا موجب، و أما المثال فلأنه يلزم على جعل الوصف خبرا مقدما الإخبار بالمذكر عن المؤنث، و هو لا يجوز أصلا، و الفصل بين الفاعل و العامل فيه يجوز ترك علامة التأنيث من العامل إذا كان الفاعل مؤنثا، و فى قولك «أفى داره أبوك» يمتنع جعل «أبوك» -

198

يكون الوصف مبتدأ، و ما بعده فاعل سدّ مسدّ الخبر، و الثانى: أن يكون ما بعده مبتدأ مؤخرا، و يكون الوصف خبرا مقدما، و منه قوله تعالى‏ (1) : (أَ رََاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يََا إِبْرََاهِيمُ) فيجوز أن يكون «أراغب» مبتدأ، و «أنت» فاعل سدّ مسدّ الخبر، و يحتمل أن يكون «أنت» مبتدأ مؤخرا، و «أراغب» خبرا مقدما.

و الأول-فى هذه الآية-أولى؛ لأن قوله: «عن آلهتى» معمول لـ «راغب» ؛ فلا يلزم فى الوجه الأول الفصل بين العامل و المعمول بأجنبى؛ لأن «أنت» على هذا التقدير فاعل لـ «راغب» ؛ فليس بأجنبى منه، و أما على الوجه الثانى فيلزم‏[فيه‏]الفصل بين العامل و المعمول بأجنبى؛ لأن «أنت» أجنبى من «راغب» على هذا التقدير؛ لأنه مبتدأ؛ فليس لـ «راغب» عمل فيه؛ لأنه خبر، و الخبر لا يعمل فى المبتدأ على الصحيح.

و إن تطابقا تثنية نحو «أقائمان الزيدان» أو جمعا نحو «أقائمون الزيدون» فما بعد الوصف مبتدأ، و الوصف خبر مقدم، و هذا معنى قول المصنف: «و الثّان مبتدا و ذا الوصف خبر-إلى آخر البيت» أى: و الثانى-و هو ما بعد الوصف-مبتدأ، و الوصف خبر عنه مقدّم عليه، إن تطابقا فى غير الإفراد

____________

ق-فاعلا؛ لأنه يلزم عليه عود الضمير من «فى داره» على المتأخر لفظا و رتبة، و هو ممتنع.

(1) قد عرفت (ص 193 و 195) أن هذه الآية الكريمة لا يجوز فيها إلا وجه واحد؛ لأن فيها ما يمنع من تجويز الوجه الثانى، و على هذا فمراد الشارح أنه مما يجوز فيه الوجهان فى حد ذاته مع قطع النظر عن المانع العارض الذى يمنع أحدهما؛ فإذا نظرنا إلى ذلك المانع لم يجز إلا وجه واحد، و من هنا تعلم أن قول الشارح فيما بعد «و الأول فى هذه الآية أولى» ليس دقيقا، و الصواب أن يقول «و الأول فى هذه الآية واجب لا يجوز غيره» .

199

-و هو التثنية و الجمع-هذا على المشهور من لغة العرب، و يجوز على لغة «أكلونى البراغيث» أن يكون الوصف مبتدأ، و ما بعده فاعل أغنى عن الخبر.

و إن لم يتطابقا-و هو قسمان: ممتنع، و جائز، كما تقدم-فمثال الممتنع «أقائمان زيد» و «أقائمون زيد» فهذا التركيب غير صحيح، و مثال الجائز «أقائم الزيدان» و «أقائم الزيدون» و حينئذ يتعين أن يكون الوصف مبتدأ، و ما بعده فاعل سدّ مسدّ الخبر (1) .

***

____________

(1) أحب أن أجلى لك حقيقة هذه المسألة، و أبين لك عللها و أسبابها بيانا لا يبقى معه لبس عليك فى صورة من صورها، و ذلك البيان يحتاج إلى شرح أمرين، الأول: لم جاز فى الوصف الذى يقع بعده مرفوع أن يكون الوصف مبتدأ، و المرفوع بعده فاعلا، و أن يكون الوصف خبرا مقدما و المرفوع مبتدأ مؤخرا؛ و الثانى: على أى شى‏ء يستند تعين أحد هذين الوجهين و امتناع الآخر منهما؟.

أما عن الأمر الأول فنقول لك: إن اسم الفاعل و اسم المفعول و نحوهما من الأوصاف قد أشبهت الفعل نوع شبه من حيث المعنى؛ لدلالتها على الحدث الذى يدل عليه الفعل، و هى فى طبيعتها أسماء تقبل علامات الاسم، فتردد أمرها بين أن تعامل معاملة الأسماء بالنظر إلى لفظها و بين أن تعامل معاملة الأفعال فتسند إلى ما بعدها بالنظر إلى دلالتها على معنى الفعل، ثم ترجح ثانى هذين الوجهين بسبب دخول حرف النفى أو حرف الاستفهام عليها، و ذلك لأن الأصل فى النفى و فى الاستفهام أن يكونا متوجهين إلى اوصاف الذوات. لا إلى الذوات أنفسها، لأن الذوات يقل أن تكون مجهولة، و الموضوع للدلالة على أوصاف الذوات و أحوالها هو الفعل، لا جرم كان الأصل فى النفى و الاستفهام أن يكونا عن الفعل و ما هو فى معناه، و من هنا تفهم السر فى اشتراط البصريين-فى جعل الوصف مبتدأ و المرفوع بعده فاعلا أغنى عن الخبر-تقدم النفى و الاستفهام عليه.

و أما عن الأمر الثانى فإنا نقرر لك أن النحاة بنوا تجويز الوجهين و تعين أحدهما و امتناعه جميعا على أصول مقررة ثابتة، فبعضها يرجع إلى حكم الفاعل و رافعه، و بعضها يرجع إلى حكم المبتدأ و خبره، و بعضها إلى حكم عام للعامل و المعمول. -

غ

200

الرافع للمبتدأ، و للخبر، و اختلاف العلماء فى ذلك‏

و رفعوا مبتدأ بالابتدا # كذاك رفع خبر بالمبتدا (1)

مذهب سيبويه و جمهور البصريين أن المبتدأ مرفوع بالابتداء، و أن الخبر مرفوع بالمبتدأ.

____________

ق-فالفاعل يجب أن يكون عامله مجردا من علامة التثنية و الجمع على أفصح اللغتين؛ فمتى كان الوصف مثنى أو مجموعا لم يجز أن يكون المرفوع بعده فاعلا فى الفصحى.

و المبتدأ مع خبره تجب مطابقتهما فى الإفراد و التثنية و الجمع؛ فمتى كان الوصف مفردا و المرفوع بعده مثنى أو مجموعا لم يجز أن تجعل الوصف خبرا و المرفوع بعده مبتدأ.

و إذا كان الوصف مفردا و المرفوع بعده مفردا كذلك فقد اجتمع شرط الفاعل مع رافعه و شرط المبتدأ مع خبره؛ فيجوز الوجهان.

ثم إن كان الوصف مفردا مذكرا و المرفوع مفردا مؤنثا فإذا لم يكن بينهما فاصل امتنع الكلام؛ لأن مطابقة المبتدأ و خبره و الفاعل و رافعه فى التأنيث واجبة حينئذ، و إن كان بينهما فاصل صح جعل المرفوع فاعلا و لم يصح جعله مبتدأ، فإن وجوب المطابقة بين المبتدأ و الخبر لا تزول بالفصل بينهما، و صح جعل المرفوع فاعلا؛ لأن الفصل يبيح فوات المطابقة فى التأنيث بين الفاعل المؤنث الحقيقى التأنيث و رافعه.

و إن كان الوصف و المرفوع مفردين مذكرين و قد وقع بعدهما معمول للوصف جاز أن يكون المرفوع فاعلا و لم يجز أن يكون مبتدأ، إذ يترتب على جعله مبتدأ أن يفصل بين العامل و المعمول بأجنبى.

و إذا كان الوصف مثنى أو مجموعا و المرفوع مفرد لم يصح الكلام بتة، لا على اللغة الفصحى، و لا على غير اللغة الفصحى من لغات العرب، لأن شرط المبتدأ و الخبر- و هو التطابق-غير موجود، و شرط الفاعل و عامله-و هو تجرد العامل من علامة التثنبة و الجمع-غير موجود، و غير الفصحى لا تلحقها مع الفاعل المفرد.

(1) «و رفعوا» الواو للاستئناف، رفعوا: فعل و فاعل «مبتدأ» مفعول به رفعوا «بالابتدا» جار و مجرور متعلق برفعوا «كذاك» الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و الكاف حرف خطاب «رفع» مبتدأ مؤخر، و رفع مضاف و «خبر» مضاف إليه «بالمبتدا» جار و مجرور متعلق برفع.

201

فالعامل فى المبتدأ معنوىّ-و هو كون الاسم مجرّدا عن العوامل اللفظية غير الزائدة، و ما أشبهها-و احترز بغير الزائدة من مثل «بحسبك درهم» فيحسبك: مبتدأ، و هو مجرد عن العوامل اللفظية غير الزائدة، و لم يتجرد عن الزائدة؛ فإن الباء الداخلة عليه زائدة؛ و احترز «بشبهها» من مثل «ربّ رجل قائم» فرجل: مبتدأ، و قائم: خبره؛ و يدلّ على ذلك رفع المعطوف عليه، نحو «ربّ رجل قائم و امرأة» .

و العامل فى الخبر لفظى، و هو المبتدأ، و هذا هو مذهب سيبويه رحمه اللّه!.

و ذهب قوم إلى أن العامل فى المبتدأ و الخبر الابتداء؛ فالعامل فيهما معنوىّ.

و قيل: المبتدأ مرفوع بالابتداء، و الخبر مرفوع بالابتداء و المبتدإ.

و قيل: ترافعا، و معناه أنّ الخبر رفع المبتدأ، و أن المبتدأ رفع الخبر.

و أعدل هذه المذاهب مذهب سيبويه‏[و هو الأول‏]، و هذا الخلاف [مما]لا طائل فيه.

***

تعريف الخبر

و الخبر: الجزء المتمّ الفائده، # كاللّه برّ، و الأيادى شاهده‏ (1)

عرّف المصنف الخبر بأنه الجزء المكمل للفائدة، و يرد عليه الفاعل، نحو «قام زيد» فإنه يصدق على زيد أنه الجزء المتمّ للفائدة، و قيل فى تعريفه:

إنه الجزء المنتظم منه مع المبتدأ جملة، و لا يرد الفاعل على هذا التعريف؛ لأنه لا ينتظم منه مع المبتدأ جملة، بل ينتظم منه مع الفعل جملة، و خلاصة هذا أنه

____________

(1) «و الخبر» الواو للاستئناف، الخبر: مبتدأ «الجزء» خبر المبتدأ «المتم» نعت له، و المتم مضاف و «الفائده» مضاف إليه «كاللّه» الكاف جارة لقول محذوف، و لفظ الجلالة مبتدأ «بر» خبر المبتدأ «و الأيادى شاهده» الواو عاطفة، و ما بعدها مبتدأ و خبر، و الجملة معطوفة بالواو على الجمله السابقة.

202

عرّف الخبر بما يوجد فيه و فى غيره، و التعريف ينبغى أن يكون مختصّا بالمعرّف دون غيره.

***

الخبر يكون مفردا، و يكون جملة، و الجملة على ضربين‏

و مفردا يأتى، و يأتى جمله # حاوية معنى الّذى سيقت له‏ (1)

و إن تكن إيّاه معنى اكتفى # بها: كنطقى اللّه حسبى و كفى‏ (2)

ينقسم الخبر إلى: مفرد، و جملة، و سيأتى الكلام على المفرد.

فأمّا الجملة فإما أن تكون هى المبتدأ فى المعنى أو لا.

____________

(1) «و مفردا» حال من الضمير فى «يأتى» الأول «يأتى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الخبر «و يأتى» الواو عاطفة، و يأتى فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الخبر أيضا، و الجملة معطوفة على جملة «يأتى» و فاعله السابقة «جملة» حال من الضمير المستتر فى «يأتى» الثانى منصوب بالفتحة الظاهرة، و سكن لأجل الوقف «حاوية» نعت لجملة، و فيه ضمير مستتر هو فاعل «معنى» مفعول به لحاوية. و معنى مضاف و «الذى» مضاف إليه «سيقت» سيق: فعل ماض مبنى للمجهول، و التاء للتأنيث. و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقدير هى يعود إلى جملة، و الجملة من سيق و نائب فاعله لا محل لها صلة الموصول «له» جار و مجرور متعلق بسيق.

(2) «و إن» شرطية «تكن» فعل مضارع ناقص فعل الشرط، و اسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود على قوله جملة «إياه» خبر تكن «معنى» منصوب بنزع الخافض أو تمييز «اكتفى» فعل ماض مبنى على الفتح المقدر على الألف فى محل جزم جواب الشرط، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر «بها» جار و مجرور متعلق باكتفى «كنطقى» الكاف جارة لقول محذوف، نطق: مبتدأ أول، و نطق مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه «اللّه» مبتدأ ثان «و حسبى» خبر المبتدأ الثانى و مضاف إليه، و جملة المبتدأ الثانى و خبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول «و كفى» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، و أصله و كفى به، فحذف حرف الجر، فاتصل الضمير و استتر.