شرح ابن عقيل

- عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل المزيد...
686 /
203

فإن لم تكن هى المبتدأ فى المعنى فلا بدّ فيها من رابط يربطها بالمبتدأ (1) ، و هذا معنى قوله: «حاوية معنى الّذى سيقت له» و الرابط: (1) إما ضمير يرجع إلى المبتدأ، نحو «زيد قام أبوه» و قد يكون الضمير مقدّرا، نحو «السّمن منوان بدرهم» التقدير: منوان منه بدرهم (2) أو إشارة إلى المبتدأ،

____________

(1) يشترط فى الجملة التى تقع خبرا ثلاثة شروط؛ الأول: أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمبتدأ، و قد ذكر الشارح هذا الشرط، و فصل القول فيه، و الشرط الثانى: ألا تكون الجملة ندائية؛ فلا يجوز أن تقول: محمد يا أعدل الناس، على أن يكون محمد مبتدأ و تكون جملة «يا أعدل الناس» خبرا عن محمد، الشرط الثالث:

ألا تكون جملة الخبر مصدرة بأحد الحروف: لكن، و بل، و حتى.

و قد أجمع النحاة على ضرورة استكمال الخبر لهذه الشروط الثلاثة، و زاد ثعلب شرطا رابعا، و هو ألا تكون جملة الخبر قسمية، و زاد ابن الأنبارى خامسا و هو ألا تكون إنشائية، و الصحيح عند الجمهور صحة وقوع القسمية خبرا عن المبتدأ، كأن تقول: زيد و اللّه إن قصدته ليعطينك، كما أن الصحيح عند الجمهور جواز وقع الإنشائية خبرا عن المبتدأ، كأن تقول: زيد اضربه، و ذهب ابن السراج إلى أنه إن وقع خبر المبتدأ جملة طليبة فهو على تقدير قول؛ فالتقدير عنده فى المثال الذى ذكرناه: زيد مقول فيه اضربه، تشبيها للخبر بالنعت، و هو غير لازم عند الجمهور و فرقوا بين الخبر و النعت بأن النعت يقصد منه تمييز المنعوت و إيضاحه، فيجب أن يكون معلوما للمخاطب قبل التكلم، و الإنشاء لا يعلم إلا بالتكلم، و أما الخبر فإنه يقصد منه الحكم؛ فلا يلزم أن يكون معلوما من قبل، بل الأحسن أن يكون مجهولا قبل التكلم ليفيد المتكلم المخاطب ما لا يعرفه، و قد ورد الإخبار بالجملة الإنشائية فى قول العذرى (انظر شرح الشاهد رقم 30) .

و جدّ الفرزدق أتعس به # و دقّ خياشيمه الجندل‏

و كل النحاة أجاز رفع الاسم المشغول عنه قبل فعل الطلب، و أجاز جعل المخصوص بالمدح مبتدأ خبره جملة نعم و فاعلها، و هى إنشائية، و سيمثل المؤلف فى هذا الموضوع بمثال منه، فاحفظ ذلك كله، و كن منه على ثبت‏

204

كقوله تعالى: (وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ ذََلِكَ خَيْرٌ) (1) فى قراءة من رفع اللباس (3) أو تكرار المبتدأ بلفظه، و أكثر ما يكون فى مواضع التفخيم كقوله تعالى:

(اَلْحَاقَّةُ `مَا اَلْحَاقَّةُ) و (اَلْقََارِعَةُ `مَا اَلْقََارِعَةُ) ، و قد يستعمل فى غيرها، كقولك: «زيد ما زيد» (4) أو عموم يدخل تحته المبتدأ، نحو «زيد نعم الرّجل» .

و إن كانت الجملة الواقعة خبرا هى المبتدأ فى المعنى لم تحتج إلى رابط، و هذا معنى قوله: «و إن تكن-إلى آخر البيت» أى: و إن تكن الجملة إياه-أى المبتدأ-فى المعنى اكتفى بها عن الرابط، كقولك: «نطقى اللّه حسبى» ؛ فنطقى: مبتدأ[أوّل‏]، و الاسم الكريم: مبتدأ ثان، و حسبى:

خبر عن المبتدإ الثانى، و المبتدأ الثانى و خبره خبر عن المبتدإ الأول، و استغنى عن الرّابط؛ لأن قولك «اللّه حسبى» هو معنى «نطقى» و كذلك «قولى لا إله إلاّ اللّه» .

***

____________

(1) هذه الآية الكريمة أولها: (يََا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمْ لِبََاساً يُوََارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ ذََلِكَ خَيْرٌ) و قد قرى‏ء فيها فى السبعة بنصب «لباس التقوى» و برفعه، فأما قراءة النصب فعلى العطف على «لباسا بوارى» و لا كلام لنا فيها الآن، و أما قراءة الرفع فيجوز فيها عدة وجوه من الإعراب؛ الأول: أن يكون «لباس التقوى» مبتدأ أول، و «ذلك» مبتدأ ثانيا، و «خير» خبر المبتدأ الثانى، و جملة المبتدأ الثانى و خبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول، و هذا هو الوجه الذى خرج الشارح و غيره من النحاة الآية عليه، و الوجه الثانى: أن يكون «ذلك» بدلا من «لباس التقوى» ، و الثالث: أن يكون «ذلك» نعتا للباس التقوى على ما هو مذهب جماعة و «خير» خبر المبتدأ الذى هو «لباس التقوى» و على هذين لا شاهد فى الآية لما نحن بصدده فى هذا الباب.

205

الخبر المفرد على ضربين: جامد، و مشتق‏

و المفرد الجامد فارغ، و إن # يشتقّ فهو ذو ضمير مستكنّ‏ (1)

تقدم الكلام فى الخبر إذا كان جملة، و أما المفرد: فإما أن يكون جامدا، أو مشتقّا.

فإن كان جامدا فذكر المصنف أنه يكون فارغا من الضمير، نحو «زيد أخوك» و ذهب الكسائىّ و الرّمّانىّ و جماعة إلى أنه يتحمل الضمير، و التقدير عندهم: «زيد أخوك هو» و أما البصريون فقالوا: إما أن يكون الجامد متضمنا معنى المشتق، أو لا؛ فإن تضمّن معناه نحو «زيد أسد» -أى شجاع- تحمّل الضمير، و إن لم يتضمن معناه لم يتحمل الضمير كما مثّل.

و إن كان مشتقّا فذكر المصنف أنه يتحمل الضمير، نحو «زيد قائم» أى: هو، هذا إذا لم يرفع ظاهرا.

____________

(1) «و المفرد» مبتدأ «الجامد» نعت له «فارغ» خبر المبتدأ «و إن» شرطية «يشتق» فعل مضارع فعل الشرط مبنى للمجهول، مجزوم بإن الشرطية، و علامة جزمه السكون، و حرك بالفتح تخلصا من التقاء الساكنين و طلبا للخفة، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على قوله المفرد «فهو» الفاء واقعة فى جواب الشرط، و الضمير المنفصل مبتدأ «ذو» اسم بمعنى صاحب خبر المبتدأ و ذو مضاف و «ضمير» مضاف إليه «مستكن» نعت لضمير، و جملة المبتدأ و الخبر فى محل جزم جواب الشرط، و يجوز أن يكون قوله «المفرد» مبتدأ أول، و قوله «الجامد» مبتدأ ثانيا، و قوله «فارغ» خبر المبتدأ الثانى، و جملة المبتدأ الثانى و خبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول، و الرابط بين جملة الخبر و المبتدأ الأول محذوف، و تقدير الكلام على هذا: و المفرد الجامد منه فارغ، و الشاطبى يوجب هذا الوجه من الإعراب؛ لأن الضمير المستتر فى قوله «يشتق» فى الوجه الأول عاد على «المفرد» الموصوف بقوله «الجامد» بدون صفته، إذا لو عاد على الموصوف و صفته لكان المعنى:

إن يكن المفرد الجامد مشتقا، و هو كلام غير مستقيم، و زعم أن عود الضمير على الموصوف وحده-دون صفته-خطأ، و ليس كما زعم، لا جرم جوزنا الوجهين فى إعراب هذه العبارة.

206

و هذا الحكم إنما هو للمشتق الجارى مجرى الفعل: كاسم الفاعل، و اسم المفعول، و الصفة المشبّهة، و اسم التفضيل؛ فأما ما ليس جاريا مجرى الفعل من المشتقات فلا يتحمل ضميرا، و ذلك كأسماء الآلة، نحو «مفتاح» فإنه مشتق من «الفتح» و لا يتحمل ضميرا؛ فإذا قلت: «هذا مفتاح» لم يكن فيه ضمير، و كذلك ما كان على صيغة مفعل و قصد به الزمان أو المكان كـ «مرمى» فإنه مشتق من «الرّمى» و لا يتحمل ضميرا؛ فإذا قلت «هذا مرمى زيد» تريد مكان رميه أو زمان رميه كان الخبر مشتقّا و لا ضمير فيه.

و إنما يتحمل المشتق الجارى مجرى الفعل الضمير إذا لم يرفع ظاهرا؛ فإن رفعه لم يتحمل ضميرا، و ذلك نحو «زيد قائم غلاماه» فغلاماه: مرفوع بقائم؛ فلا يتحمل ضميرا.

و حاصل ما ذكر: أن الجامد يتحمل الضمير مطلقا عند الكوفيين، و لا يتحمل ضميرا عند البصريين، إلا إن أوّل بمشتق، و أن المشتق إنما يتحمل الضمير إذا لم يرفع ظاهرا و كان جاريا مجرى الفعل، نحو: «زيد منطلق» أى: هو، فإن لم يكن جاريا مجرى الفعل لم يتحمّل شيئا، نحو: «هذا مفتاح» ، و «هذا مرمى زيد» .

***

إذا جرى الخبر المشتق على غير مبتدئه برز معه ضميره وجوبا

و أبرزنه مطلقا حيث تلا # ما ليس معناه له محصّلا (1)

____________

(1) «و أبرزنه» الواو للاستئناف، أبرز: فعل أمر مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقدير أنت، و نون التوكيد حرف مبنى على السكون لا محل له من الإعراب، و الضمير المتصل البارز مفعول به لأبرز «مطلقا» حال من الضمير البارز، و معناه سواء أمنت اللبس أم لم تأمنه «حيث» -

207

إذا جرى الخبر المشتق على من هو له استتر الضمير فيه، نحو: «زيد قائم» أى هو، فلو أتيت بعد المشتق بـ «هو» و نحوه و أبرزته فقلت: «زيد قائم هو» فقد جوّز سيبويه فيه وجهين؛ أحدهما: أن يكون «هو» تأكيدا للضمير المستتر فى «قائم» و الثانى أن يكون فاعلا بـ «قائم» . هذا إذا جرى على من هو له.

فإن جرى على غير من هو له-و هو المراد بهذا البيت-وجب إبراز الضمير، سواء أمن اللبس، أو لم يؤمن؛ فمثال ما أمن فيه اللبس: «زيد هند ضاربها هو» و مثال ما لم يؤمن فيه الّلبس لو لا الضمير «زيد عمرو ضاربه هو» فيجب إبراز الضمير فى الموضعين عند البصريين، و هذا معنى قوله: «و أبرزنه مطلقا» أى سواء أمن اللبس، أو لم يؤمن.

و أما الكوفيون فقالوا: إن أمن اللبس جاز الأمران كالمثال الأول-و هو:

____________

ق-ظرف مكان متعلق بأبرز «تلا» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر المشتق، و الجملة من تلا و فاعله فى محل جر بإضافة حيث إليها «ما» اسم موصول مفعول به لتلا، مبنى على السكون فى محل نصب «ليس» فعل ماض ناقص «معناه» معنى: اسم ليس، و معنى مضاف و الضمير مضاف إليه «له» جار و مجرور متعلق بقوله «محصلا» الآتى «محصلا» خبر ليس، و الجملة من ليس و معموليها لا محل لها من الإعراب صلة الموصول الذى هو «ما» ، و تقدير البيت:

و أبرز ضمير الخبر المشتق مطلقا إن تلا الخبر مبتدأ ليس معنى ذلك الخبر محصلا لذلك المبتدأ، و قد عبر الناظم فى الكافية عن هذا المعنى بعبارة سالمة من هذا الاضطراب و القلق، و ذلك قوله:

و إن تلا غير الّذى تعلّقا # به فأبرز الضّمير مطلقا

فى المذهب الكوفىّ شرط ذاك أن # لا يؤمن الّلبس، و رأيهم حسن‏

و قد أشار الشارح إلى اختيار الناظم فى غير الألفية من كتبه لمذهب الكوفيين فى هذه المسألة، و أنت تراه يقول فى آخر هذين البيتين عن مذهب الكوفيين «و رأيهم حسن»

208

«زيد هند ضاربها هو» -فإن شئت أتيت بـ «هو» و إن شئت لم تأت به، و إن خيف اللبس وجب الإبراز كالمثال الثانى؛ فإنك لو لم تأت بالضمير فقلت:

«زيد عمرو ضاربه» لاحتمل أن يكون فاعل الضرب زيدا، و أن يكون عمرا، فلما أتيت بالضمير فقلت: «زيد عمرو ضاربه هو» تعين أن يكون «زيد» هو الفاعل.

و اختار المصنف فى هذا الكتاب مذهب البصريين، و لهذا قال: «و أبرزنه مطلقا» يعنى سواء خيف اللبس، أو لم يخف، و اختار فى غير هذا الكتاب مذهب الكوفيين، و قد ورد السماع بمذهبهم؛ فمن ذلك قول الشاعر:

(42) -

قومى ذرا المجد بانوها و قد علمت # بكنه ذلك عدنان و قحطان‏

التقدير: بانوها هم؛ فحذف الضمير لأمن اللبس.

***

____________

(42) -هذا الشاهد غير منسوب إلى قائل معين فيما بين أيدينا من المراجع.

اللغة: «ذرا» بضم الذال-جمع ذروة. و هى من كل شى‏ء أعلاه «المجد» الكرم «بانوها» جعله العينى فعلا ماضيا بمعنى زادوا عليها و تمييزوا، و يحتمل أن يكون جمع «بان» جمعا سالما مثل قاض و قاضون و غاز و غازون، و حذفت النون للاضافة كما حذفت النون فى قولك «قاضو المدينة و مفتوها» و هو عندنا أفضل مما ذهب إليه العينى «كنه» كنه كل شى‏ء: غايته، و نهايته، و حقيقته.

الإعراب: «قومى» قوم: مبتدأ أول، و قوم مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه «ذرا» مبتدأ ثان، و ذرا مضاف و «المجد» مضاف إليه «بانوها» بانو: خبر المبتدأ الثانى، و بانو مضاف و ضمير الغائبة العائد إلى ذرا المجد مضاف إليه، و جملة المبتدأ الثانى و خبره خبر المبتدأ الأول «و قد» الواو واو الحال، قد: حرف تحقيق «علمت» علم: فعل ماض، و التاء للتأنيث «بكنه» جار و مجرور متعلق بعلمت، -

209

يجى‏ء الخبر ظرفا أو جارا و مجرورا

و أخبروا بظرف أو بحرف جر # ناوين معنى «كائن» أو «استقر» (1)

____________

ق-و كنه مضاف و اسم الإشارة فى «ذلك» مضاف إليه، و اللام للبعد، و الكاف حرف خطاب «عدنان» فاعل علمت «و قحطان» معطوف عليه‏

الشاهد فيه: قوله «قومى ذرا المجد بانوها» حيث جاء بخبر المبتدأ مشتقا و لم يبرز الضمير، مع أن المشتق ليس وصفا لنفس مبتدئه فى المعنى، و لو أبرز الضمير لقال: «قومى ذر المجد بانوهاهم» و إنما لم يبرز الضمير ارتكانا على انسياق المعنى المقصود إلى ذهن السامع من غير تردد، فلا لبس فى الكلام بحيث يفهم منه معنى غير المعنى الذى يقصد إليه المتكلم، فإنه لا يمكن أن يتسرب إلى ذهنك أن «بانوها» هو فى المعنى وصف للمبتدأ الثانى الذى هو «ذرا المجد» لأن ذرا المجد مبنية و ليست بانية؛ و إنما البانى هو القوم.

و هذا الذى يدل عليه هذا البيت-من عدم وجوب إبراز الضمير إذا أمن الالتباس، و قصر وجوب إبرازه على حالة الالتباس-هو مذهب الكوفيين فى الخبر و الحال و النعت و الصلة، قالوا فى جميع هذه الأبواب: إذا كان واحد من هذه الأشياء جاريا على غير من هو له ينظر، فإذا كان يؤمن اللبس و يمكن تعين صاحبه من غير إبراز الضمير فلا يجب إبرازه، و إن كان لا يؤمن اللبس و احتمل عوده على من هو له و على غير من هو له وجب إبراز الضمير، و البيت حجة لهم فى ذلك.

و البصريون يوجبون إبراز الضمير بكل حال، و يرون مثل هذا البيت غير موافق للقياس الذى عليه أكثر كلام العرب، فهو عندهم شاذ.

و منهم من زعم أن «ذرا المجد» ليس مبتدأ ثانيا كما أعربه الكوفيون، بل هو مفعول به لوصف محذوف، و الوصف المذكور بعده بدل من الوصف المحذوف، و تقدير الكلام: قومى بانون ذرا المجد بانوها، فالخبر محذوف، و هو جار على من له، و فى هذا من التكلف ما ليس يخفى.

(1) «و أخبروا» الواو للاستئناف، و أخبروا: فعل و فاعل «بظرف» جار و مجرور متعلق بأخبروا «أو» عاطفة «بحرف» جار و مجرور معطوف على الجار و المجرور السابق، و حرف مضاف، و «جر» مضاف إليه «ناوين» حال من الواو-

210

تقدم أن الخبر يكون مفردا، و يكون جملة، و ذكر المصنف فى هذا البيت أنه يكون ظرفا أو[جارّا و]مجرورا (1) ، نحو: «زيد عندك» ، و «زيد فى الدّار» فكل منهما متعلّق بمحذوف واجب الحذف‏ (2) ، و أجاز قوم-منهم

____________

ق-فى قوله «أخبروا» منصوب بالياء نيابة عن الفتحة، و فاعله ضمير مستتر فيه «معنى» مفعول به لناوين، و معنى مضاف، و «كائن» مضاف إليه «أو» عاطفة «استقر» قصد لفظه، و هو معطوف على كائن.

(1) يشترط لصحة الإخبار بالظرف و الجار و المجرور: أن يكون كل واحد منهما تاما، و معنى التمام أن يفهم منه متعلقه المحذوف، و إنما يفهم متعلق كل واحد منهما منه فى حالتين:

أولاهما: أن يكون المتعلق عاما، نحو: زيد عندك، و زيد فى الدار.

و ثانيهما: أن يكون المتعلق خاصا و قد قامت القرينة الدالة عليه، كأن يقول لك قائل: زيد مسافر اليوم و عمرو غدا، فتقول له: بل عمرو اليوم و زيد غدا، و جعل ابن هشام فى المغنى من هذا الأخير قوله تعالى: (اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ اَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) أى الحر يقتل بالحر و العبد يقتل بالعبد.

(2) ههنا أمران؛ الأول: أن المتعلق يكون واجب الحذف إذا كان عاما، فأما إذا كان خاصا ففيه تفصيل، فإن قامت قرينة تدل عليه إذا حذف جاز حذفه و جاز ذكره، و إن لم تكن هناك قرينة ترشد إليه وجب ذكره، هذا مذهب الجمهور فى هذا الموضوع، و سنعود إليه فى شرح الشاهد رقم 43 الآتى قريبا.

الأمر الثانى: اعلم أنه قد اختلف النحاة فى الخبر: أهو متعلق الظرف و الجار و المجرور فقط، أم هو نفس الظرف و الجار و المجرور فقط، أم هو مجموع المتعلق و الظرف أو الجار و المجرور؟فذهب جمهور البصريين إلى أن الخبر هو المجموع؛ لتوقف الفائدة على كل واحد منهما، و الصحيح الذى ترجحه أن الخبر هو نفس المتعلق وحده، و أن الظرف أو الجار و المجرور قيد له، و يؤيد هذا أنهم أجمعوا على أن المتعلق إذا كان خاصا فهو الخبر وحده، سواء أكان مذكورا أم كان قد حذف لقرينة تدل عليه، و هذا الخلاف إنما هو فى المتعلق العام، فليكن مثل الخاص، طردا للباب على و تيرة واحدة.

211

المصنف-أن يكون ذلك المحذوف اسما أو فعلا نحو: «كائن» أو «استقرّ» فإن قدرت «كائنا» كان من قبيل الخبر بالمفرد، و إن قدرت «استقرّ» كان من قبيل الخبر بالجملة.

و اختلف النحويون فى هذا؛ فذهب الأخفش إلى أنه من قبيل الخبر بالمفرد، و أن كلا منهما متعلق بمحذوف، و ذلك المحذوف اسم فاعل، التقدير «زيد كائن عندك، أو مستقر عندك، أو فى الدار» و قد نسب هذا لسيبويه.

و قيل: إنهما من قبيل الجملة، و إن كلا منهما متعلق بمحذوف هو فعل، و التقدير «زيد استقرّ-أو يستقرّ-عندك، أو فى الدّار» و نسب هذا إلى جمهور البصريين، و إلى سيبويه أيضا.

و قيل: يجوز أن يجعلا من قبيل المفرد؛ فيكون المقدر مستقرا و نحوه، و أن يجعلا من قبيل الجملة؛ فيكون التقدير «استقرّ» و نحوه، و هذا ظاهر قول المصنف «ناوين معنى كائن أو استقر» .

و ذهب أبو بكر بن السّرّاج إلى أن كلاّ من الظرف و المجرور قسم برأسه، و ليس من قبيل المفرد و لا من قبيل الجملة، نقل عنه هذا المذهب تلميذه أبو على الفارسىّ فى الشيرازيات.

و الحقّ خلاف هذا المذهب، و أنه متعلق بمحذوف، و ذلك المحذوف واجب الحذف، و قد صرّح به شذوذا، كقوله:

(43) -

لك العزّ إن مولاك عزّ؛ و إن يهن # فأنت لدى بحبوحة الهون كائن‏

____________

(43) -هذا البيت من الشواهد التى لم يذكروها منسوبة إلى قائل معين.

اللغة: «مولاك» يطلق المولى على معان كثيرة، منها السيد، و العبد، و الحليف، و المعين، و الناصر، و ابن العم، و المحب، و الجار، و الصهر «يهن» يروى بالبناء-

212

...

____________

ق-للمجهول كما قاله العينى و تبعه عليه كثير من أرباب الحواشى، و لا مانع من بنائه للمعلوم بل هو الواضح عندنا؛ لأن الفعل الثلاثى لازم؛ فبناؤه للمفعول مع غير الظرف أو الجار و المجرور ممتنع، نعم يجوز أن يكون الفعل من أهنته أهينه، و على هذا يجى‏ء ما ذكره العينى، و لكنه ليس بمتعين، و لا هو مما يدعو إليه المعنى، بل الذى اخترناه أقرب؛ لمقابلته بقوله: «عز» الثلاثى اللازم، و قوله: «بحبوحة» هو بضم فسكون، و بحبوحة كل شى‏ء: وسطه «الهون» الذل و الهوان.

الإعراب: «لك» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «العز» مبتدأ مؤخر «إن» شرطية «مولاك» مولى: فاعل لفعل محذوف يقع فعل الشرط، يفسره المذكور بعده، و مولى مضاف و الكاف ضمير خطاب مضاف إليه «عز» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مولاك، و الجملة لا محل لها مفسرة، و جواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام، أى: إن عز مولاك فلك العز «و إن» الواو عاطفة، و إن: شرطية «يهن» فعل مضارع فعل الشرط محزوم و علامة مجزمه السكون، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مولاك «فأنت» الفاء واقعة فى جواب الشرط، أنت: ضمير منفصل مبتدأ «لدى» ظرف متعلق بكائن الآتى، و لدى مضاف و «بحبوحة» مضاف إليه، و بحبوحة مضاف و «الهون» مضاف إليه «كائن» خبر المبتدأ، و الجملة من المبتدأ و الخبر فى محل جزم جواب الشرط.

الشاهد فيه: قوله «كائن» حيث صرح به-و هو متعلق الظرف الواقع خبرا- شذوذا، و ذلك لأن الأصل عند الجمهور أن الخبر-إذا كان ظرفا أو جارا و مجرورا- أن يكون كل منهما متعلقا بكون عام، و أن يكون هذا الكون العام واجب الحذف، كما قرره الشارح العلامة، فإن كان متعلقهما كونا خاصا وجب ذكره، إلا أن نقوم قرينة تدل عليه إذا حذف، فإن قامت هذه القرينة جاز ذكره و حذفه، و ذهب ابن جنى إلى أنه مجوز ذكر هذا الكون العام لكون الذكر أصلا، و على هذا يكون ذكره فى هذا البيت و نحوه ليس شاذا، كذلك قالوا.

و الذى يتجه للعبد الضعيف-عفا اللّه تعالى عنه!-و ذكره كثير من أكابر-

213

و كما يجب حذف عامل الظرف و الجار و المجرور-إذا وقعا خبرا-كذلك يجب حذفه إذا وقعا صفة، نحو: «مررت برجل عندك، أو فى الدار» أو حالا، نحو: «مررت بزيد عندك، أو فى الدار» أو صلة، نحو: «جاء الذى عندك، أو فى الدار» لكن يجب فى الصّلة أن يكون المحذوف فعلا، التقدير: «جاء الذى استقرّ عندك، أو فى الدار» و أما الصفة و الحال فحكمهما حكم الخبر كما نقدم.

***

ظرف الزمان لا يقع خبرا عن اسم دال على جثة إلا إن أفاد

و لا يكون اسم زمان خبرا # عن جثّة، و إن يفد فأخبرا (1)

____________

ق-العلماء أن «كائنا، و استقر» قد يراد بهما مجرد الحصول و الوجود فيكون كل منهما كونا عاما واجب الحذف، و قد يراد بهما حصول مخصوص كالثبات و عدم قبول التحول و الانتقال و نحو ذلك فيكون كل منهما كونا خاصا، و حينئذ يجوز ذكره، و «ثابت» و «ثبت» بهذه المنزلة؛ فقد يراد بهما الوجود المطلق الذى هو ضد الانتقال فيكونان عامين، و قد يراد بهما القرار و عدم قابلية الحركة مثلا، و حينئذ يكونان خاصين، و بهذا يرد على ابن جنى ما ذهب إليه، و بهذا-أيضا-يتجه ذكر «كائن» فى هذا البيت و ذكر «مستقر» فى نحو قوله تعالى: (فَلَمََّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) ؛ لأن المعنى أنه لما رآه ثابتا كما لو كان موضعه بين يديه من أول الأمر.

(1) «و لا» الواو للاستئناف، و لا: نافية «يكون» فعل مضارع ناقص «اسم» هو اسم يكون، و اسم مضاف و «زمان» مضاف إليه «خبرا» خبر يكون «عن جثة» جار و مجرور متعلق بقوله خبرا، أو بمحذوف صفة لخبر «و إن» الواو للاستئناف. إن: شرطية «يفد» فعل مضارع فعل الشرط، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كون الخبر اسم زمان «فأخبرا» الفاء واقعة فى جواب الشرط، أخبر فعل أمر مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا للوقف، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الجملة من فعل الأمر و فاعله فى محل جزم جواب الشرط.

غ

214

ظرف المكان يقع خبرا عن الجثة، نحو: «زيد عندك» و عن المعنى نحو:

«القتال عندك» و أما ظرف الزمان فيقع خبرا عن المعنى منصوبا أو مجرورا بفى، نحو: «القتال يوم الجمعة، أو فى يوم الجمعة» و لا يقع خبرا عن الجثّة، قال المصنف: إلا إذا أفاد نحو «الليلة الهلال، و الرّطب شهرى ربيع» فإن لم يفد لم يقع خبرا عن الجثة، نحو: «زيد اليوم» و إلى هذا ذهب قوم منهم المصنف، و ذهب غير هؤلاء إلى المنع مطلقا؛ فإن جاء شى‏ء من ذلك يؤوّل، نحو قولهم: اللّيلة الهلال، و الرّطب شهرى ربيع، التقدير: طلوع الهلال الليلة، و وجود الرّطب شهرى ربيع؛ هذا مذهب جمهور البصريين، و ذهب قوم-منهم المصنف-إلى جواز ذلك من غير شذوذ[لكن‏] بشرط أن يفيد (1) ، كقولك: «نحن فى يوم طيّب، و فى شهر كذا» ،

____________

(1) هنا أمران يحسن بنا أن نبينهما لك تبيينا واضحا، الأول: أن الاسم الذى يقع مبتدأ، إما أن يكون اسم معنى كالقتل و الأكل و النوم، و إما أن يكون اسم جثة، و المراد بها الجسم على أى وضع كان، كزيد و الشمس و الهلال و الورد، و الظرف الذى يصح أن يقع خبرا؛ إما أن يكون اسم زمان كيوم و زمان و شهر و دهر، و إما أن يكون اسم مكان نحو عند ولدى و أمام و خلف، و الغالب أن الإخبار باسم المكان يفيد سواء أكان المخبر عنه اسم جثة أم كان المخبر عنه اسم معنى، و الغالب أن الإخبار باسم الزمان يفيد إذا كان المخبر عنه اسم معنى، فلما كان الغالب فى هذه الأحوال الثلاثة حصول الفائدة أجاز الجمهور الإخبار بظرف المكان مطلقا و بظرف الزمان عن اسم المعنى بدون شرط إعطاء للجميع حكم الأغلب الأكثر، و من أجل أن الإخبار بالظرف المكانى مطلقا و بالزمان عن اسم المعنى مفيد غالبا لا دائما، و معنى هذا أن حصول الفائدة ليس بواجب فى الإخبار حينئذ، من أجل ذلك استظهر جماعة من المحققين أنه لا يجوز الإخبار إلا إذا حصلت الفائدة به فعلا؛ فلو لم تحصل الفائدة من الإخبار باسم الزمان عن المعنى نحو «القتال زمانا» أو لم تحصل من الإخبار باسم المكان نحو «زيد مكانا» و نحو «القتال مكانا» لم يجز الإخبار، و إذن فالمدار عند هذا الفريق على حصول الفائدة فى الجميع؛ و الغالب أن الإخبار باسم الزمان عن الجثة لا يفيد. و هذا هو السر فى تخصيص الجمهور هذه الحالة بالنص عليها. -

215

و إلى هذا أشار بقوله: «و إن يفد فأخبرا» فإن لم يفد امتنع، نحو: «زيد يوم الجمعة» .

***

لا تقع النكرة مبتدأ إلا بمسوغ‏

و لا يجوز الابتدا بالنّكره # ما لم تفد: كعند زيد نمره‏ (1)

و هل فتى فيكم؟فما خلّ لنا، # و رجل من الكرام عندنا (2)

____________

ق-الأمر الثانى: أن الفائدة من الإخبار باسم الزمان عن اسم الجثة تحصل بأحد أمور ثلاثة؛ أولها: أن يتخصص اسم الزمان بوصف أو بإضافة، و يكون مع ذلك مجرورا بفى، نحو قولك: «نحن فى يوم قائظ، و نحن فى زمن كله خير و بركة» و لا يجوز فى هذا إلا الجر بفى، فلا يجوز أن تنصب الظرف و لو أن نصبه على تقدير فى، و ثانيها أن يكون الكلام على تقدير مضاف هو اسم معنى، نحو قولهم: الليلة الهلال فإن تقديره الليلة طلوع الهلال، و نحو قول امرى‏ء القيس بن حجر الكندى بعد مقتل أبيه: اليوم خمر، و غدا أمر؛ فإن التقدير عند النحاة فى هذا المثل: اليوم شرب خمر، و ثالثها:

أن يكون اسم الجثة مما يشبه اسم المعنى فى حصوله وقتا بعد وقت، نحو قولهم: الرطب شهرى ربيع، و الورد أيار، و نحو قولنا: القطن سبتمبر، و يجوز فى هذا النوع أن تجره بفى، فتقول: الرطب فى شهرى ربيع، و الورد فى أيار-و هو شهر من الشهور الرومية يكون زمن الربيع.

(1) «لا» نافية «يجوز» فعل مضارع «الابتدا» فاعل يجوز «بالنكرة» جار و مجرور متعلق بالابتدا «ما» مصدرية ظرفية «لم» حرف نفى و جزم و قلب «تفد» فعل مضارع مجزوم بلم، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود على النكرة «كعند» الكاف جارة لقول محذوف، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و عند ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، و عند مضاف و «زيد» مضاف إليه «نمرة» مبتدأ مؤخر، و جملة المبتدأ و خبره فى محل نصب مقول القول المحذوف، و تقدير الكلام: و ذلك كائن كقولك عند زيد نمرة.

(2) «هل» حرف استفهام «فتى» مبتدأ «فيكم» جار و مجرور متعلق-

216

و رغبة فى الخير خير، و عمل # برّ يزين، و ليقس ما لم يقل‏ (1)

الأصل فى المبتدأ أن يكون معرفة (2) و قد يكون نكرة، لكن بشرط أن تفيد، و تحصل الفائدة بأحد أمور ذكر المصنف منها ستة:

أحدها: أن يتقدم الخبر عليها، و هو ظرف أو جار و مجرور (3) ، نحو: «فى

____________

ق-بمحذوف خبر المبتدأ «فما» نافية «خل» مبتدأ «لنا» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر «و رجل» مبتدأ «من الكرام» جار و مجرور متعلق بمحذوف نعت لرجل «عندنا» عند: ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و عند مضاف و الضمير مضاف إليه.

(1) «رغبة» مبتدأ «فى الخير» جار و مجرور متعلق به «خير» خبر المبتدأ «و عمل» مبتدأ، و عمل مضاف و «بر» مضاف إليه «يزين» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على عمل، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «و ليقس» الواو عاطفة أو للاستئناف، و اللام لام الأمر، يقس: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، و هو مبنى للمجهول «ما» اسم موصول نائب فاعل يقس «لم» حرف نفى و جزم و قلب «يقل» فعل مضارع مبنى للمجهول مجزوم بلم، و نائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «ما» و الجملة من الفعل المبنى للمجهول و نائب فاعله لا محل لها من الإعراب صلة.

(2) المبتدأ محكوم عليه، و الخبر حكم، و الأصل فى المبتدأ أن يتقدم على الخبر، و الحكم على المجهول لا يفيد، لأن ذكر المجهول أول الأمر يورث السامع حيرة؛ فتبعثه على عدم الإصغاء إلى حكمه، و من أجل هذا وجب أن يكون المبتدأ معرفة حتى يكون معينا، أو نكرة مخصوصة. و لم يجب فى الفاعل أن يكون معرفة و لا نكرة مخصصة؛ لأن حكمه-و هو المعبر عنه بالفعل-متقدم عليه البتة؛ فيتقرر الحكم أولا فى ذهن السامع، ثم يطلب له محكوما عليه أيا كان، و من هنا تعرف الفرق بين المبتدأ و الفاعل، مع أن كل واحد منهما محكوم عليه، و كل واحد منهما معه حكمه، و من هنا تعرف أيضا السر فى جواز أن يكون المبتدأ نكرة إذا تقدم الخبر عليه.

(3) مثل الظرف و الجار و المجرور الجملة، نحو قولك: قصدك غلامه رجل، فرجل مبتدأ مؤخر، و جملة «قصدك غلامه» من الفعل و فاعله فى محل رفع خبر مقدم، لسوغ للابتداء بالنكرة، هو تقديم خبرها و هو جملة، و اعلم أنه لا بد-مع تقديم-

217

الدّار رجل» ، و «عند زيد نمرة» (1) ؛ فإن تقدم و هو غير ظرف و لا جار و مجرور لم يجز، نحو: «قائم رجل» .

الثانى: أن يتقدم على النكرة استفهام‏ (2) ، نحو: «هل فتى فيكم» .

الثالث: أن يتقدم عليها نفى‏ (3) ، نحو: «ما خلّ لنا» .

____________

ق-الخبر و كونه أحد الثلاثة: الجملة، و الظرف، و الجار و المجرور-من أن يكون مختصا، و ذلك بأن يكون المجرور أو ما أضيف الظرف إليه و المسند إليه فى الجملة مما يجوز الإخبار عنه، فلو قلت: فى دار رجل رجل، أو قلت عند رجل رجل، أو قلت ولد له ولد رجل-لم يصح.

(1) النمرة-بفتح النون و كسر الميم-كساء مخطط تلبسه الأعراب، و جمعه نمار.

(2) اشترط جماعة من النحويين-منهم ابن الحاجب-لجواز الابتداء بالنكرة بعد الاستفهام شرطين، الأول: أن يكون حرف الاستفهام الهمزة، و الثانى: أن يكون بعده «أم» نحو أن تقول: أرجل عندك أم امرأة؟و هذا الاشتراط غير صحيح؛ فلهذا بادر الناظم و الشارح بإظهار خلافه بالمثال الذى ذكراه، فإن قلت: فلماذا كان تقدم الاستفهام على النكرة مسوغا للابتداء بها؟فالجواب: أن نذكرك بأن الاستفهام إما إنكارى و إما حقيقى، أما الاستفهام الإنكارى فهو بمعنى حرف النفى، و تقدم حرف النفى على النكرة يجعلها عامة، و عموم النكرة عند التحقيق هو المسوغ للابتداء بها، إذ الممنوع إنما هو الحكم على فرد مبهم غير معين، فأما الحكم على جميع الأفراد فلا مانع منه، و أما الاستفهام الحقيقى فوجه تسويغه أن المقصود به السؤال عن فرد غير معين بطلب بالسؤال تعيينه، و هذا الفرد غير المعين شائع فى جميع الأفراد، فكأن السؤال فى الحقيقة عن الأفراد كلهم، فأشبه العموم، فالمسوغ إما العموم الحقيقى و إما العموم الشبيه به.

(3) قد عرفت مما ذكرناه فى وجه تسويغ الاستفهام الابتداء بالنكرة أن الأصل فيه هو النفى؛ لأن النفى هو الذى يجعل النكرة عامة متناولة جميع الأفراد، و حمل الاستفهام الإنكارى عليه لأنه بمعناه، و حمل الاستفهام الحقيقى عليه لأنه شبيه بما هو بمعنى النفى، فالوجه فى النفى هو صيرورة النكرة عامة.

218

الرابع: أن توصف‏ (1) ، نحو: «رجل من الكرام عندنا» .

الخامس: أن تكون عاملة (2) ، نحو: «رغبة فى الخير خير» .

السادس: أن تكون مضافة، نحو: «عمل برّ يزين» .

هذا ما ذكره المصنف فى هذا الكتاب، و قد أنهاها غير المصنف إلى نيّف و ثلاثين موضعا[و أكثر من ذلك‏ (3) ]، فذكر[هذه‏]السّتّة المذكورة.

____________

(1) يشترط فى الوصف الذى يسوغ الابتداء بالنكرة أن يكون مخصصا للنكرة فإن لم يكن الوصف مخصصا للنكرة-نحو أن تقول: رجل من الناس عندنا-لم يصح الابتداء بالنكرة، و الوصف على ثلاثة أنواع؛ النوع الأول: الوصف اللفظى، كمثال الناظم و الشارح، و النوع الثانى: الوصف التقديرى، و هو الذى يكون محذوفا من الكلام لكنه على تقدير ذكره فى الكلام، كقوله تعالى‏ (وَ طََائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) فإن تقدير الكلام: و طائفة من غيركم، بدليل ما قبله، و هو قوله تعالى‏ (يَغْشى‏ََ طََائِفَةً مِنْكُمْ) و النوع الثالث: الوصف المعنوى، و ضابطه ألا يكون مذكورا فى الكلام و لا محذوفا على نية الذكر، و لكن صيغة النكرة تدل عليه. و لذلك موضعان؛ الموضع الأول: أن تكون النكرة على صيغة التصغير، نحو قولك: رجيل عندنا، فإن المعنى رحل صغير عندنا، و الموضع الثانى: أن تكون النكرة دالة على التعجب، نحو «ما» التعجبية فى قولك: ما أحسن زيدا، فإن الذى سوغ الابتداء بما التعجبية و هى نكرة كون المعنى: شى‏ء عظيم حسن زيدا؛ فهذا الأمر الواحد-و هو كون النكرة موصوفة- يشتمل على أربعة أنواع.

(2) قد تكون النكرة عاملة الرفع، نحو قولك: ضرب الزيدان حسن-بتنوين ضرب؛ لأنه مصدر-و هو مبتدأ، و الزيدان: فاعل المصدر، و حسن: خبر المبتدأ، و قد تكون عاملة النصب كما فى مثال الناظم و الشارح؛ فإن الجار و المجرور فى محل نصب على أنه مفعول به للمصدر، و قد تكون عاملة الجر، كما فى قوله عليه الصلاة و السّلام «خمس صلوات كتبهن اللّه فى اليوم و الليلة» و من هذا تعلم أن ذكر الأمر الخامس يغنى عن ذكر السادس؛ لأن السادس نوع منه.

(3) قد علمت أن بعض الأمور الستة يتنوع كل واحد منها إلى أنواع، فالذين-

219

و السابع: أن تكون شرطا، نحو: «من يقم أقم معه» .

الثامن: أن تكون جوابا، نحو أن يقال: من عندك؟فتقول: «رجل» ، التقدير «رجل عندى» .

التاسع: أن تكون عامّة، نحو: «كلّ يموت» .

العاشر: أن يقصد بها التّنويع، كقوله:

(44) -

فأقبلت زحفا على الرّكبتين # فثوب لبست، و ثوب أجرّ

[فقوله «ثوب» مبتدأ، و «لبست» خبره، و كذلك «ثوب أجرّ» ].

____________

ق-عدوا أمورا كثيرة لم يكتفوا بذكر جنس يندرج تحته الأنواع المتعددة، و إنما فصلوها تفصيلا لئلا يحوجوا المبتدى‏ء إلى إجهاد ذهنه، و سترى فى بعض ما يذكره الشارح زيادة على الناظم أنه مندرج تحت ما ذكره كالسابع و التاسع و الثانى عشر و الرابع عشر و سنبين ذلك.

(44) -هذا البيت من قصيدة لامرى‏ء القيس أثبتها له أبو عمرو الشيبانى، و المفضل الضبى، و غيرهما، و أول هذه القصيدة قوله:

لا، و أبيك ابنة العامر # ىّ لا يدّعى القوم أنّى أفرّ

و زعم الأصمعى-فى روايته عن أبى عمرو بن العلاء-أن القصيدة لرجل من أولاد النمر بن قاسط يقال له ربيعة بن جشم، و أولها عنده:

أحار ابن عمرو كأنّى خمر # و يعدو على المرء ما يأتمر

و يروى صدر البيت الشاهد هكذا:

*فلمّا دنوت تسدّيتها*

اللغة: «تسديتها» تخطيت إليها، أو علوتها، و الباقى ظاهر المعنى، و يروى «فثوب نسيت» .

الإعراب: «فأقبلت» الفاء عاطفة، أقبلت: فعل ماض مبنى على فتح مقدر و فاعل «زحفا» يجوز أن يكون مصدرا فى تأويل اسم الفاعل فيكون حالا من التاء فى «أقبلت» و يجوز بقاؤه على مصدريته فهو مفعول مطلق لفعل محذوف، -

220

الحادى عشر: أن تكون دعاء، نحو: (سَلاََمٌ عَلى‏ََ إِلْ‏يََاسِينَ) .

الثانى عشر: أن يكون فيها معنى التعجب‏ (1) ، نحو: «ما أحسن زيدا!» .

____________

ق-تقديره: أزحف زحفا «على الركبتين» جار و مجرور متعلق بقوله «زحفا» «فثوب» مبتدأ «نسيت» أو «لبست» فعل و فاعل، و الجملة فى محل رفع خبر، و الرابط ضمير محذوف، و التقدير نسيته، أو لبسته «و ثوب» الواو عاطفة، ثوب:

مبتدأ «أجر» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و الجملة فى محل رفع خبر، و الرابط ضمير منصوب محذوف، و التقدير: أجره، و الجملة من المبتدأ و خبزه معطوفة بالواو على الجملة السابقة.

الشاهد فيه: قوله «ثوب» فى الموضعين، حيث وقع كل منهما مبتدأ-مع كونه نكرة-لأنه قصد التنويع، إذ جعل أثوابه أنواعا، فمنها نوع أذهله حبها عنه فنسيه، و منها نوع قصد أن يجره على آثار سيرهما ليعفيها حتى لا يعرفهما أحد، و هذا توجيه ما ذهب إليه العلامة الشارح.

و فى البيت توجيهان آخران ذكرهما ابن هشام و أصلهما للأعلم، أحدهما: أن جملتى «نسيت، و أجر» ليستاخرين، بل هما نعتان للمبتدأين، و خبراهما محذوفان، و التقدير: فمن أثوابى ثوب منسى و ثوب مجرور، و التوجيه الثانى: أن الجملتين خبران و لكن هناك نعتان محذوفان، و التقدير: فثوب لى نسيته و ثوب لى أجره، و على هذين التوجيهين فالمسوغ للابتداء بالنكرة كونها موصوفة، و فى البيت رواية أخرى، و هى*فثوبا نسيت و ثوبا أجر*بالنصب فيهما، على أن كلا منهما مفعول للفعل الذى بعده، و لا شاهد فى البيت على هذه الرواية، و يرجح هذه الرواية على رواية الرفع أنها لا تحوج إلى تقدير محذوف، و أن حذف الضمير المنصوب العائد على المبتدأ من جملة الخبر مما لا يجيزه جماعة من النحاة منهم سيبويه إلا لضرورة الشعر.

(1) قد عرفت أن هذا الموضع و الذى بعده داخلان فى الموضع الرابع؛ لأننا بينا لك أن الوصف إما لفظى و إما تقديرى، و التقديرى: أعم من أن يكون المحذوف هو الوصف أو الموصوف، و مثل هذا يقال فى الموضع الرابع عشر، و كذلك فى الموضع الخامس عشر على ثانى الاحتمالين، و كان على الشارح ألا يذكر هذه المواضع، تيسيرا للأمر على الناشئين، و قد سار ابن هشام فى أوضحه على ذلك‏

غ

221

الثالث عشر: أن تكون خلفا من موصوف، نحو: «مؤمن خير من كافر» .

الرابع عشر: أن تكون مصغّرة، نحو: «رجيل عندنا» ؛ لأن التصغير فيه فائدة معنى الوصف، تقديره «رجل حقير عندنا» .

الخامس عشر: أن تكون فى معنى المحصور، نحو: «شرّ أهرّ ذا ناب، و شى‏ء جاء بك» التقدير «ما أهرّ ذا ناب إلاّ شرّ، و ما جاء بك إلا شى‏ء» على أحد القولين، و القول الثانى‏[أن التقدير] «شرّ عظيم أهرّ ذا ناب، و شى‏ء عظيم جاء بك» ؛ فيكون داخلا فى قسم ما جاز الابتداء به لكونه موصوفا؛ لأن الوصف أعمّ من أن يكون ظاهرا أو مقدرا، و هو ها هنا مقدّر.

السادس عشر: أن يقع قبلها واو الحال، كقوله:

(45) -

سرينا و نجم قد أضاء؛ فمذ بدا # محيّاك أخفى ضوؤه كلّ شارق‏

____________

(45) -هذا البيت من الشواهد التى لا يعرف قائلها.

اللغة: «سرينا» من السرى-بضم السين-و هو السير ليلا «أضاء» أنار «بدا» ظهر «محياك» وجهك.

المعنى: شبه الممدوح بالبدر تشبيها ضمنيا. و لم يكتف بذلك حنى جعل ضوء وجهه أشد من نور البدر و غيره من الكواكب المشرقة.

الإعراب: «سرينا» فعل و فاعل «و نجم» الواو للحال، نجم: مبتدأ «قد» حرف تحقيق «أضاء» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نجم، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «فمذ» اسم دال على الزمان فى محل رفع مبتدأ «بدا» فعل ماض «محياك» محيا: فاعل بدا، و محيا مضاف و ضمير المخاطب مضاف إليه، و الجملة فى محل جر بإضافة مذ إليها، و قيل: مذ مضاف إلى زمن محذوف، و الزمن مضاف إلى الجملة «أخفى» فعل ماض «ضوؤه» ضوء: فاعل أخفى، و ضوء مضاف و الضمير مضاف إليه «كل» مفعول به لأخفى، و كل مضاف و «شارق» مضاف إليه، و الجملة من الفعل-الذى هو أخفى-و الفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ و هو مذ.

الشاهد فيه: قوله «و نجم قد أضاء» حيث أتى بنجم مبتدأ-مع كونه نكرة--

222

السابع عشر: أن تكون معطوفة على معرفة، نحو: «زيد و رجل قائمان» .

الثامن عشر: أن تكون معطوفة على وصف، نحو: «تميمىّ و رجل فى الدّار» .

التاسع عشر: أن يعطف عليها موصوف، نحو: «رجل و امرأة طويلة فى الدّار» .

العشرون: أن تكون مبهمة، كقول امرى‏ء القيس:

(46) -

مرسّعة بين أرساغه # به عسم ييتغى أرنبا

____________

ق-لسبقه بواو الحال، و الذى نريد أن ننبهك إليه هاهنا أن المدار فى التسويغ على وقوع النكرة فى صدر الجملة الحالية، سواء أكانت مسبوقة بواو الحال كهذا الشاهد، أم لم تكن مسبوقة به، كقول شاعر الحماسة (انظر شرح التبريزى 4/130 بتحقيقنا) :

تركت ضأنى تودّ الذّئب راعيها # و أنّها لا ترانى آخر الأبد

الذّئب يطرقها فى الدّهر واحدة # و كلّ يوم ترانى مدية بيدى‏

الشاهد فيهما قوله «مدية» فإنه مبتدأ مع كونه نكرة، و سوغ الابتداء به وقوعه فى صدر جملة الحال؛ لأن جملة «مدية بيدى» فى محل نصب حال من ياء المتكلم فى قوله «ترانى» .

و يجوز أن يكون مثل بيت الشاهد قول الشاعر:

عندى اصطبار، و شكوى عند فاتنتى # فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا؟

فإن الواو فى قوله «و شكوى عند فاتنتى» يجوز أن تكون واو الحال، و شكوى مبتدأ و هو نكرة، و عند ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، فإذا أعربناه على هذا الوجه كان مثل بيت الشاهد تماما.

(46) -اتفق الرواة على أن هذا البيت لشاعر اسمه امرؤ القيس، كما قاله الشارح العلامة، لكن اختلفوا فيما وراء ذلك؛ فقيل: لامرى‏ء القيس بن حجر الكندى الشاعر المشهور، و قال أبو القاسم الكندى: ليس ذلك بصحيح، بل هو لامرى‏ء القيس-

223

...

____________

ق-ابن مالك الحميرى، لكن الثابت فى نسخة ديوان امرى‏ء القيس بن حجر الكندى- برواية أبى عبيدة و الأصمعى و أبى حاتم و الزيادى، و فيما رواه الأعلم الشنتمرى من القصائد المختارة-نسبة هذا البيت لامرى‏ء القيس بن حجر الكندى، و قال السيد المرتضى فى شرح القاموس، نقلا عن العباب، ما نصه: «هو لامرى‏ء القيس بن مالك الحميرى، كما قاله الآمدى، و لبس لابن حجر كما وقع فى دواوين شعره، و هو موجود فى أشعار حمير» اهـ، و مهما يكن من شى‏ء فقد روى الرواة قبل بيت الشاهد قوله:

أ يا هند لا تنكحى بوهة # عليه عقيقته أحسبا

اللغة: «بوهة» هو بضم الباء-الرجل الضعيف الطائش، و قيل: هو الأحمق «عقيقته» العقيقة الشعر الذى يولد به الطفل «أحسبا» الأحسب من الرجال:

الرجل الذى ابيضت جلدته. و قال القتيبى: أراد بقوله «عليه عقيقته» أنه لا يتنظف، و قال أبو على: معناه أنه لم يعق عنه فى صغره فما زال حنى كبر و شابت معه عقيقته «مرسعة» هى التميمة يعلقها مخافة العطب على طرف الساعد فيما بين الكوع و الكرسوع، و قيل: هى مثل المعاذة، و كان الرجل من جهلة العرب يشد فى يده أو رجله حرزا لدفع العين أو مخافة أن يموت أو يصيبه بلاء «بين أرساغه» الأرساغ جمع رسغ-بوزن قفل-يعنى أنه يجعلها فى هذا المكان، و يروى «بين أرباقه» و الأرباق: جمع ربق-بكسر فسكون-و هو الحبل فيه عدة عرى، و معناه أنه يجعل تميمته فى حبال «عسم» اعوجاج فى الرسغ و يبس «أرنبا» حيوان معروف، و إنما طلب الأرنب دون الظباء و نحوها لما كانت تزعمه العرب من أن الجن تجتنبها؛ فمن اتخذ كعبها تميمة لم يقربه جن، و لم يؤذه سحر، كذا كانوا يزعمون و أراد أنه جبان شديد الخوف‏

المعنى: يخاطب هندا أخته-فيما ذكر الرواة-و يقول لها: لا تتزوجى رجلا من جهلة العرب: يضع التمائم، و يقعد عن الخروج للحروب، و فى رسغه اعوجاج و يبس، لا يبحث إلا عن الأرانب ليتخذ كعوبها تمائم جبنا و فرقا.

الإعراب: «مرسعة» مبتدأ «بين» ظرف منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و بين مضاف و أرساغ من «أرساغه» مضاف إليه، و أرساغ مضاف و الضمير مضاف إليه، و جملة المبتدأ و خبره فى محل نصب نعت لبوهة فى البيت السابق، -

224

الحادى و العشرون: أن تقع بعد «لو لا» ، كقوله:

(47) -

لو لا اصطبار لأودى كلّ ذى مقة # لمّا استقلّت مطاياهنّ للظّعن‏

____________

ق-و الرابط بين جملة الصفة و الموصوف هو الضمير المجرور محلا بالإضافة فى قوله أرساغه «به» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «عسم» مبتدأ مؤخر، و الجملة من المبتدأ و خبره فى محل نصب صفة ثانية لبوهة «يبتغى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى بوهة، و جملة الفعل و فاعله فى محل نصب صفة لبوهة أيضا «أرنبا» مفعول به ليبتغى، فقد وصف البوهة فى هذين البيتين بخمس صفات: الأولى قوله «عليه عقيقه» و الثانية قوله «أحسبا» و الثالثة جملة «مرسعة بين أرساغه» ، و الرابعة جملة «به عسم» ، و الخامسة جملة «يبتغى أرنبا» .

الشاهد فيه: قوله «مرسعة» فإنها نكرة وقعت مبتدأ، و قد سوغ الابتداء بها إبهامها، و معنى ذلك أن المتكلم قصد الإبهام بهذه النكرة، و لم يكن له غرض فى البيان و التعيين أو نقليل الشيوع، و أنت خبير بأن الإبهام قد يكون من مقاصد البلغاء ألا ترى أنه لا يريد مرسعة دون مرسعة، و هذا معنى قصد الإبهام الذى ذكره الشارح.

و اعلم أن الاستشهاد بهذا البيت لا يتم إلا على رواية مرسعة بتشديد السين مفتوحة، و برفعها و تفسيرها بما ذكرنا، و قد رويت بتشديد السين مكسورة، و معناها الرجل الذى فسد موق عينه، و على هذا تروى بالرفع و النصب؛ فرفعها على أنها خبر مبتدأ محذوف، و التقدير: هو مرسعة، أى البوهة السابق مرسعة، و نصبها على أنها صفة لبوهة فى البيت السابق من باب الوصف بالمفرد، و لا شاهد فى البيت لما نحن فيه الآن على إحدى هاتين الروايتين.

(47) -لم ينسبوا هذا الشاهد إلى قائل معين.

اللغة: «أودى» فعل لازم معناه هلك «مقة» حب، و فعله و مقه يمقه مقة- كوعده يعده عدة-و التا، فى مقة عوض عن فاء الكلمة-و هى الواو-كعدة وزنة و نحوهما «استقلت» نهضت و همت بالمسير «الظعن» الرحيل و السفر، و هو بفتح العين هنا.

المعنى. يقول: إنه صبر على سفر أحبابه، و تجلد حين اعتزموا الرحيل، و لو لا ذلك الصبر الذى أبداه و تمسك به لظهر منه ما يهلك بسببه كل من بحبه و يعطف عليه. -

225

الثانى و العشرون: أن تقع بعد فاء الجزاء، كقولهم: «إن ذهب عير فعير فى الرّباط» (1) .

الثالث و العشرون: أن تدخل على النكرة لام الابتداء، نحو «لرجل قائم» .

____________

ق-الإعراب: «لو لا» حرف يدل على امتناع الجواب لوجود الشرط «اصطبار» مبتدأ، و الخبر محذوف وجوبا تقديره: موجود. و قوله «لأودى» اللام واقعة فى جواب لو لا، و أودى: فعل ماض «كل» فاعل أودى، و كل مضاف، و «ذى» مضاف إليه، و ذى مضاف و «مقة» مضاف إليه «لما» ظرف بمعنى حين مبنى على السكون فى محل نصب متعلق بقوله أودى «استقلت» استقل: فعل ماض، و التاء للتأنيث «مطاياهن» مطايا: فاعل استقل، و مطايا مضاف و الضمير مضاف إليه، و الجملة فى محل جر بإضافة لما إليها «للظعن» جار و مجرور متعلق باستقلت.

الشاهد فيه: قوله «اصطبار» فإنه مبتدأ-مع كونه نكرة-و المسوغ لوقوعه مبتدأ وقوعه بعد «لو لا» .

و إنما كان وقوع النكرة بعد «لو لا» مسوغا للابتداء بها لأن «لو لا» تستدعى جوابا يكون معلقا على جملة الشرط التى يقع المبتدأ فيها نكرة؛ فيكون ذلك سببا فى تقليل شيوع هذه النكرة.

(1) هذا من أمثال العرب، و العير-بفتح فسكون-هو الحمار، و الرباط-بزنة كتاب-ما تشد به الدابة، و يقال: قطع الظبى رباطه، و يريدون قطع حبالته يضرب للرضا بالحاضر و عدم الأسف على الغائب، و الاستشهاد به فى قوله «فعير» حيث وقع مبتدأ-مع كونه نكرة-لكونه واقعا بعد الفاء الواقعة فى جواب الشرط، و انظر هذا المثل فى مجمع الأمثال للميدانى (1/21 طبع بولاق، رقم 82 فى 1/25 بتحقيقنا) و انظره فى جمهرة الأمثال لأبى هلال العسكرى (1/81 بهامش مجمع الأمثال طبع الخيرية) و رواه هناك «إن هلك عير فعير فى الرباط» و قال بعد روايته:

يضرب مثلا للشى‏ء يقدر على العوض منه فيستخف بفقده، و نحو هذا المثل فى المعنى قول كثير عزة:

هل وصل عزّة إلاّ وصل غانية # فى وصل غانية من وصلها بدل‏

226

الرابع و العشرون: أن تكون بعد «كم» الخبرية، نحو قوله:

(48) -

كم عمّة لك يا جرير و خالة # فدعاء قد حلبت علىّ عشارى‏

____________

(48) -البيت للفرزدق بهجو جريرا، و قبله قوله:

كم من أب لى يا جرير كأنّه # قمر المجرّة أو سراج نهار

ورث المكارم كابرا عن كابر # ضخم الدّسيعة كلّ يوم فخار

اللغة: «المجرة» باب السماء، و قيل: هى الطريق التى تسير منها الكواكب «الدسيعة» الجفنة، أو المائدة الكبيرة، و ضخامتها: كناية عن الكرم، لأن ذلك يدل على كثرة الأكلة الذين يلتفون حولها «فدعاء» هى المرأة التى اعوجت إصبعها من كثرة حلبها، و يقال: الفدعاء هى التى أصاب رجلها الفدع من كثرة مشيها وراء الإبل، و الفدع: زيغ فى القدم بينها و بين الساق، و قال ابن فارس: الفدع اعوجاج فى المفاصل كأنها قد زالت عن أماكنها «عشارى» العشار: جمع عشراء-بضم العين المهملة و فتح الشين-و هى الناقة التى أتى عليها من وضعها عشرة أشهر، و فى التنزيل الكريم: (وَ إِذَا اَلْعِشََارُ عُطِّلَتْ) .

الإعراب: «كم» يجوز أن تكون استفهامية، و أن تكون خبرية «عمة» يجوز فيها و فى «خالة» المعطوفة عليها الحركات الثلاث: أما الجر فعلى أن «كم» خبرية فى محل رفع مبتدأ، و خبره جملة «حلبت» و عمة: تمييز لها، و تمييز كم الخبرية مجرور كما هو معلوم، و خالة: معطوف عليها، و أما النصب فعلى أن «كم» استفهامية فى محل رفع مبتدأ، و خبره جملة «حلبت» أيضا، و عمة: تمييز لها؛ و تمييز كم الاستفهامية منصوب كما هو معلوم، و خالة معطوف عليها، و أما الرفع فعلى أن كم خبرية أو استفهامية فى محل نصب ظرف متعلق بحلبت أو مفعول مطلق عامله «حلبت» الآتى، و على هذين يكون قوله «عمة» مبتدأ، و قوله «لك» جار و مجرور متعلق بمحذوف نعت له، و جملة «قد حلبت» فى محل رفع خبره، و تمييز «كم» على هذا الوجه محذوف، و هى-على ما عرفت-يجوز أن تكون خبرية فيقدر تمييزها مجرورا، و يجوز أن تكون استفهامية فيقدر تمييزها منصوبا، و «فدعاء» صفة لخالة، و قد حذف صفة لعمة ممائلة لها كما حذف صفة لخالة ممائلة لصفة عمة، و أصل الكلام قبل الحذفين «كم عمة لك فدعاء، و كم خالة لك فدعاء» فحذف من الأول كلمة فدعاء و أثبتها فى الثانى، و حذف من الثانى كلمة-

227

و قد أنهى بعض المتأخرين ذلك إلى نيّف و ثلاثين موضعا، و ما لم أذكره منها أسقطته؛ لرجوعه إلى ما ذكرته؛ أو لأنه ليس بصحيح.

***

الأصل فى الخبر أن يتأخر عن المبتدأ، و قد يتقدم عليه‏

و الأصل فى الأخبار أن تؤخّرا # و جوّزوا التّقديم إذ لا ضررا (1)

الأصل تقديم المبتدأ و تأخير الخبر، و ذلك لأن الخبر وصف فى المعنى للمبتدأ، فاستحقّ التأخير كالوصف، و يجوز تقديمه إذا لم بحصل بذلك لبس أو نحوه، على ما سيبيّن؛ فتقول «قائم زيد، و قائم أبوه زيد، و أبوه منطلق زيد، و فى الدّار زيد، و عندك عمرو» و قد وقع فى كلام بعضهم أن مذهب

____________

ق-لك و أثبتها فى الأول، فحذف من كل مثل الذى أثبته فى الآخر، و هذا ضرب من البديع يسميه أهل البلاغة «الاحتباك» .

الشاهد فيه: قوله «عمة» على رواية الرفع حيث وقعت مبتدأ-مع كونها نكرة- لوقوعها بعد «كم» الخبرية، كذا قال الشارح العلامة، و أنت خبير بعد ما ذكرناه لك فى الإعراب أن «عمة» على أى الوجوه موصوفة بمتعلق الجار و المجرور و هو قوله «لك» و بفدعاء المحذوف الذى يرشد إليه وصف خالة به، و على هذا لا يكون المسوغ فى هذا البيت وقوع النكرة بعد «كم» الخيرية، و إنما هو وصف النكرة، و بحثت عن شاهد فيه الابتداء بالنكرة بعد كم الخبرية، و لا مسوغ فيه سوى ذلك، فلم أوفق للعثور عليه.

(1) «و الأصل» مبتدأ «فى الأخبار» جار و مجرور متعلق به «أن» مصدرية «تؤخرا» فعل مضارع مبنى للمجهول منصوب بأن، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى الأخبار، و الألف للاطلاق، و «أن» و ما دخلت عليه فى تأويل مصدر خبر المبتدأ «و جوزوا» فعل و فاعل «التقديم» مفعول به لجوزوا «إذ» ظرف زمان متعلق بجوزوا «لا» نافية للجنس «ضررا» اسم لا، مبنى على الفتح فى محل نصب، و الألف للاطلاق، و خبر لا محذوف، أى: لا ضرر موجود. و الجملة من لا و اسمها و خبرها فى محل جر بإضافة إذ إليها.

غ

228

هـ قف على خلاف الكوفيين فى جواز تقديم خبر المبتدأ و سندهم فى ذلك‏

الكوفيين منع تقدّم الخبر الجائز التأخير[عند البصريين‏]و فيه نظر (1) ؛ فإن بعضهم نقل الإجماع-من البصريين، و الكوفيين-على جواز «فى داره زيد» فنقل المنع عن الكوفيين مطلقا ليس بصحيح، هكذا قال بعضهم، و فيه بحث‏ (1) ، نعم منع الكوفيون التقديم فى مثل «زيد قائم، و زيد قام أبوه،

____________

(1) فى كلام الشارح فى هذا الموضوع قلق و ركاكة لا تكاد تتبين منهما غرضه واضحا فهو أو لا ينقل عن بعضهم أنه ذكر أن الكوفيين لم يجوزوا تقديم الخبر على المبتدأ.

ثم يعترض على هذا النقل بقوله «و فيه نظر» و ينقل عن بعض آخر أن الكوفيين يجوزون عبارة ظاهر أمرها أنها من باب تقديم الخبر، فيكون كلام الناقل الأول على إطلاقه باطلا، و كان ينبغى-على ذلك-تخصيصه بما عدا هذه الصورة.

ثم يعترض على النقل الثانى بقوله: «و فيه بحث» ، و ظاهر المعنى من ذلك أن هذه العبارة التى ظنها ناقل المثال الثانى من باب تقديم الخبر ليست منه على وجه الجزم و القطع؛ لأنه يجوز فيها أن يكون «زيد» من قوله «فى داره زيد» فاعلا بالجار و المجرور، و لو لم يعتمد على نفى أو استفهام؛ لأن الاعتماد ليس شرطا عند الكوفيين؛ فيكون تجويز الكوفيين هذه العبارة ليس دليلا على أنهم يجوزون تقديم الخبر فى صورة من الصور؛ فقد رجع الشارح على أول كلامه بالنقض، هذا من حيث تعبيره.

فأما من حيث الموضوع فى ذاته، فقد ذكر أبو البركات بن الأنبارى فى كتابه «الإنصاف، فى مسائل الخلاف» (ص 46 طبعة ثالثة بتحقيقنا) أن علماء الكوفة برون أنه لا يجوز أن يتقدم الخبر على المبتدأ، مفردا كان أو جملة، و عقد فى ذلك مسألة خاصة، و على هذا لا يجوز أن يكون قولك «فى الدار زيد» من باب تقديم الخبر على المبتدأ عندهم.

فإن قلت: فهذا الخبر جار و مجرور، و الذى نقلته عنهم عدم تجويز التقديم إذا كان الخبر مفردا أو جملة.

فالجواب أن الجار و المجرور-عند الجمهور، خلافا لابن السراج الذى جعله قسما برأسه-لا بخلو حاله من أن يكون فى تقدير المفرد، أو فى تقدير الجملة، و أيضا فقد عللوا عدم تجويز التقديم بأن الخبر اشتمل على ضمير يعود على المبتدأ؛ فلو قدمناه لتقدم الضمير على مرجعه، و ذلك لا يجوز عندهم، و هذه الغلة نفسها موجودة فى الجار و المجرور سواء أقدرت متعلقه اسما مشتقا أم قدرته فعلا.

229

و زيد أبوه منطلق» و الحقّ الجواز؛ إذ لا مانع من ذلك، و إليه أشار بقوله «و جوّزوا التقديم إذ لا ضررا» فتقول: «قائم زيد» و منه قولهم: «مشنوء من يشنؤك» فمن: مبتدأ و مشنوء: خبر مقدم، و «قام أبوه زيد» و منه قوله:

(49) -

قد ثكلت أمّه من كنت واحده # و بات منتشبا فى برثن الأسد

فـ «من كنت واحده» مبتدأ مؤخر، و «قد ثكلت أمّه» : خبر مقدم، و «أبوه منطلق زيد» ؛ و منه قوله:

____________

(49) -البيت لشاعر سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حسان بن ثابت الأنصارى‏

اللغة: «ثكلت أمه» هو من الثكل، و هو فقد المرأة ولدها «منتشبا» عالقا داخلا «برثن الأسد» مخلبه، و جمعه براثن، مثل برقع و براقع، و البراثن للسباع بمنزلة الأصابع للانسان، و قال ابن الأعرابى: البرثن: الكف بكمالها مع الأصابع.

الإعراب: «قد» حرف تحقيق «ثكلت» ثكل: فعل ماض، و التاء تاء التأنيث «أمه» أم: فاعل ثكلت، و أم مضاف و الضمير مضاف إليه، و الجملة من الفعل و فاعله فى محل رفع خبر مقدم «من» اسم موصول مبتدأ مؤخر «كنت» كان فعل ماض ناقص، و التاء ضمير المخاطب اسمه مبنى على الفتح فى محل رفع «واحده» واحد خبر كان، و واحد مضاف، و الضمير مضاف إليه، و الجملة من «كان» و اسمها و خبرها لا محل لها صلة الموصول الذى هو من «وبات» الواو عاطفة، بات: فعل ماض ناقص، و اسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من «منتشبا» خبر بات «فى برثن» جار و مجرور متعلق بمنتشب، و برئن مضاف و «الأسد» مضاف إليه.

الشاهد فيه: قوله «قد ثكلت أمه من كنت واحده» حيث قدم الخبر، و هو جملة «ثكلت أمه» على المبتدأ و هو «من كنت واحده» و فى جملة الخبر المتقدم ضمير يعود على المبتدأ المتأخر، و سهل ذلك أن المبتدأ-و إن وقع متأخرا-بمنزلة المتقدم فى اللفظ؛ فإن رتبته التقدم على الخبر كما ترى فى بيت الناظم و فى مطلع شرح المؤلف لهذا الموضوع.

230

(50) -

إلى ملك ما أمّه من محارب # أبوه، و لا كانت كليب تصاهره‏

فـ «أبوه» : مبتدأ[مؤخّر]، و «ما أمّه من محارب» : خبر مقدم.

____________

(50) -هذا البيت من كلمة للفرزدق يمدح بها الوليد بن عبد الملك بن مروان.

اللغة: «محارب» ورد فى عدة قبائل: أحدها من قريش، و هو محارب بن فهر ابن مالك بن النضر، و الثانى من قيس عيلان، و هو محارب بن خصفة بن قيس عيلان، و الثالث من عبد القيس، و هو محارب بن عمر بن وديعة بن لكير بن أفصى بن عبد القيس «كليب» بزنة التصغير-اسم ورد فى عدة قبائل أيضا: أحدها فى خزاعة، و هو كليب بن حبشية بن سلول، و الثانى فى تغلب بن وائل، و هو كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير، و الثالث فى تميم، و هو كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك، و الرابع فى النخع، و هو كليب بن ربيعة بن خزيمة بن معد بن مالك بن النخع، و الخامس فى هوازن، و هو كليب بن ربيعة بن صعصعة.

الإعراب: «إلى ملك» جار و مجرور متعلق بقوله «أسوق مطيتى» فى بيت سابق على بيت الشاهد، و هو قوله:

رأونى، فنادونى، أسوق مطيّتى # بأصوات هلاّل صعاب جرائره‏

«ما» نافية تعمل عمل ليس «أمه» أم: اسم ما، و أم مضاف و الضمير مضاف إليه «من محارب» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر «ما» و جملة «ما» و معموليها فى محل رفع خبر مقدم «أبوه» أبو: مبتدأ مؤخر، و أبو مضاف و الضمير مضاف إليه و جملة المبتدأ و خبره فى محل جر صفة لملك «و لا» الواو عاطفة، لا نافية «كانت» كان: فعل ماض ناقص، و التاء تاء التأنيث «كليب» اسم كان «تصاهره» تصاهر:

فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى كليب، و الضمير البارز مفعول به، و الجملة من الفعل و الفاعل و المفعول فى محل نصب خبر «كان» و جملة كان و اسمها و خبرها فى محل جر معطوفة على جملة الصفة.

الشاهد فيه: فى هذا البيت شاهد للنحاة و شاهد لعلماء البلاغة، فأما النحاة فيستشهدون به على تقديم الخبر-و هو جملة «ما أمه من محارب» على المبتدأ-و هو قوله «أبوه» - و التقدير: إلى ملك أبوه ليست أمه من محارب، و أما علماء البلاغة فيذكرونه شاهدا على-

231

و نقل الشريف أبو السعادات هبة اللّه بن الشّجرى الإجماع من البصريين و الكوفيين على جواز تقديم الخبر إذا كان جملة، و ليس بصحيح، و قد قدمنا نقل الخلاف فى ذلك عن الكوفيين.

***

المواضع التى يجب فيها تأخير الخبر

فامنعه حين يستوى الجزآن: # عرفا، و نكرا، عادمى بيان‏ (1)

كذا إذا ما الفعل كان الخبرا، # أو قصد استعماله منحصرا (2)

____________

ق-التعقيد اللفظى الذى سببه التقديم و التأخير، و مثله فى ذلك قول الفرزدق أيضا يمدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومى و هو خال هشام بن عبد الملك بن مروان:

و ما مثله فى النّاس إلاّ مملّكا # أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه‏

التقدير: و ما مثله فى الناس حى يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه.

(1) «فامنعه» امنع: فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الضمير البارز-العائد على تقديم الخبر-مفعول به لا منع «حين» ظرف زمان متعلق بامنع «يستوى» فعل مضارع «الجزآن» فاعل يستوى، و الجملة من الفعل و الفاعل فى محل جر بإضافة «حين» إليها «عرفا» تمييز «و نكرا» معطوف عليه «عادمى» حال من «الجزآن» و عادمى مضاف و «بيان» مضاف إليه، و التقدير: فامنع تقديم الخبر فى وقت استواء جزءى الجملة-و هما المبتدأ و الخبر-من جهة التعريف و التنكير، بأن يكونا معرفتين أو نكرتين كل منهما صالحة للابتداء بها، حال كونهما عادمى بيان، أى لا قرينة معهما تعين المبتدأ منهما من الخبر.

(2) «كذا» جار و مجرور متعلق بامنع «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط «ما» زائدة «الفعل» اسم لكان محذوفة تفسرها المذكورة بعدها. و الخبر محذوف أيضا، و الجملة من كان المحذوفة و اسمها و خبرها فى محل جر بإضافة إذا إليها «كان» فعل ماض ناقص، و اسمها ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل «الخبرا» الخبر: خبر «كان» و الألف للاطلاق، و الجملة لا محل-

232

أو كان مسندا: لذى لام ابتدا، # أو لازم الصّدر، كمن لى منجدا (1)

ينقسم الخبر-بالنظر إلى تقديمه على المبتدأ أو تأخيره عنه-ثلاثة أقسام:

قسم يجوز فيه التقديم و التأخير، و قد سبق ذكره، و قسم يجب فيه تأخير الخبر، و قسم يجب فيه تقديم الخبر.

فأشار بهذه الأبيات إلى الخبر الواجب التأخير، فذكر منه خمسة مواضع:

الأول: أن يكون كلّ من المبتدأ و الخبر معرفة أو نكرة صالحة لجعلها مبتدأ، و لا مبيّن للمبتدأ من الخبر، نحو «زيد أخوك، و أفضل من زيد أفضل من عمرو» و لا يجوز تقديم الخبر فى هذا و نحوه؛ لأنك لو قدّمته فقلت «أخوك زيد، و أفضل من عمرو أفضل من زيد» لكل المقدّم مبتدأ (2) ، و أنت

____________

ق-لها مفسرة «أو» عاطفة «قصد» فعل ماض مبنى للمجهول «استعماله» استعمال:

نائب فاعل قصد، و استعمال مضاف و الضمير مضاف إليه «منحصرا» حال من المضاف إليه لأن المضاف عامل فيه.

(1) «أو» عاطفة «كان» فعل ماض ناقص، و اسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر «مسندا» خبر كان «لذى» جار و مجرور متعلق بمسند، و ذى مضاف، و «لام» مضاف إليه، و لام مضاف، و «ابتدا» مضاف إليه «أو» عاطفة «لازم» معطوف على ذى، و لازم مضاف، و «الصدر» مضاف إليه «كمن» الكاف جارة لقول محذوف كما تقدم مرارا «من» اسم استفهام مبتدأ «لى» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ «منجدا» حال من الضمير المستتر فى الخبر الذى هو الجار و المجرور، و ذلك الضمير عائد على المبتدأ الذى هو اسم الاستفهام.

(2) إذا كانت الجملة مكونة من مبتدأ و خبر، و كانا جميعا معرفتين؛ فللنحاة فى إعرابها أربعة أقوال، أولها: أن المقدم مبتدأ و المؤخر خبر، سواء أكانا متساويين فى درجة التعريف أم كانا متفاوتين، و هذا هو الظاهر من عبارة الناظم و الشارح؛ و ثانيها أنه يجوز جعل كل واحد منهما مبتدأ، لصحة الابتداء بكل واحد منهما؛ و الثالث: أنه إن كان أحدهما مشتقا و الآخر جامدا فالمشتق هو الخبر، سواء أتقدم أم تأخر، و إلا-

233

تريد أن يكون خبرا، من غير دليل يدلّ عليه؛ فإن وجد دليل يدلّ على أن المتقدم خبر جاز، كقولك «أبو يوسف أبو حنيفة» فيجوز تقدم الخبر-و هو أبو حنيفة-لأنه معلوم أن المراد تشبيه أبى يوسف بأبى حنيفة، لا تشييه أبى حنيفة بأبى يوسف، و منه قوله:

(51) -

بنونا بنو أبنائنا، و بناتنا # بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد

____________

ق-بأن كانا جامدين، أو كان كلاهما مشتقا-فالمقدم مبتدأ؛ و الرابع: أن المبتدأ هو الأعرف عند المخاطب سواء أتقدم أم تأخر، فإن تساويا عنده فالمقدم هو المبتدأ.

(51) -نسب جماعة هذا البيت للفرزدق، و قال قوم: لا يعلم قائله، مع شهرته فى كتب النحاة و أهل المعانى و الفرضيين.

الإعراب: «بنونا» بنو: خبر مقدم، و بنو مضاف و الضمير مضاف إليه «بنو» مبتدأ مؤخر، و بنو مضاف و أبناء من «أبنائنا» مضاف إليه، و أبناء مضاف و الضمير مضاف إليه «و بناتنا» الواو عاطفة، بنات: مبتدأ أول، و بنات مضاف و الضمير مضاف إليه «بنوهن» بنو: مبتدأ ثان، و بنو مضاف و الضمير مضاف إليه «أبناء» خبر المبتدأ الثانى، و جملة المبتدأ الثانى و خبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول، و أبناء مضاف و «الرجال» مضاف إليه «الأباعد» صفة للرجال.

الشاهد فيه: قوله «بنونا بنو أبنائنا» حيث قدم الخبر و هو «بنونا» على المبتدأ و هو «بنو أبنائنا» مع استواء المبتدأ و الخبر فى التعريف؛ فإن كلا منهما مضاف إلى ضمير المتكلم-و إنما ساغ ذلك لوجود قرينة معنوية تعين المبتدأ منهما؛ فإنك قد عرفت أن الخبر هو محط الفائدة؛ فما يكون فيه أساس التشبيه-و هو الذى تذكر الجملة لأجله-فهو الخبر.

و بعد، فقد قال ابن هشام يعترض على ابن الناظم استشهاده بهذا البيت: «قد يقال إن هذا البيت لا تقديم فيه و لا تأخير، و إنه جاء على التشبيه المقلوب، كقول ذى الرمة:

*و رمل كأوراك العذارى قطعته*

-

234

فقوله «بنونا» خبر مقدم، و «بنو أبنائنا» مبتدأ مؤخر، لأن المراد الحكم على بنى أبنائهم بأنهم كبنيهم، و ليس المراد الحكم على بنيهم بأنهم كبنى أبنائهم.

و الثانى: أن يكون الخبر فعلا رافعا لضمير المبتدأ مستترا، نحو «زيد قام» فقام و فاعله المقدر (1) : خبر عن زيد، و لا يجوز التقديم؛ فلا يقال «قام زيد» على أن يكون «زيد» مبتدأ مؤخرا، و الفعل خبرا مقدما، بل يكون «زيد» فاعلا لقام؛ فلا يكون من باب المبتدأ و الخبر، بل من باب الفعل و الفاعل؛ فلو كان الفعل رافعا لظاهر-نحو «زيد قام أبوه» -جاز التقديم؛ فتقول

____________

ق-فكان ينبغى أن يستشهد بما أنشده فى شرح التسهيل من قول حسان بن ثابت:

قبيلة ألأم الأحياء أكرمها # و أغدر النّاس بالجيران وافيها

إذ المراد الإخبار عن أكرمها بأنه ألأم الأحياء، و عن وافيها بأنه أغدر الناس، لا العكس» اهـ كلام ابن هشام.

و الجواب عنه من وجهين؛ أحدهما: أن التشبيه المقلوب من الأمور النادرة، و الحمل على ما يندر وقوعه لمجرد الاحتمال مما لا يجوز أن يصار إليه، و إلا فإن كل كلام يمكن تطريق احتمالات بعيدة إليه؛ فلا تكون ثمة طمأنينة على إفادة غرض المتكلم بالعبارة، و ثانيهما: أن ما ذكره فى بيت حسان من أن الغرض الإخبار عن أكرم هذه القبيلة بأنه ألأم الأحياء و عن أو فى هذه القبيلة بأنه أغدر الأحياء، هذا نفسه يجرى فى بيت الشاهد فيقال: إن غرض المتكلم الإخبار عن أبناء أبنائهم بأنهم يشبهون أبناءهم، و ليس الغرض أن يخبر عن بنيهم بأنهم يشبهون بنى أبنائهم، فلما صح أن يكون غرض المتكلم معينا للمبتدأ صح الاستشهاد ببيت الشاهد.

و مثل بيت الشاهد قول الكميت بن زيد الأسدى:

كلام النّبيّين الهداة كلامنا # و أفعال أهل الجاهليّة نفعل‏

فإن الغرض تشبيه كلامهم بكلام النبيين الهداة، لا العكس.

(1) أراد بالمقدر ههنا المستتر فيه.

غ

235

«قام أبوه زيد» ، و قد تقدم ذكر الخلاف فى ذلك‏ (1) ، و كذلك يجوز التقديم إذا رفع الفعل ضميرا بارزا، نحو «الزّيدان قاما» فيجوز أن تقدّم الخبر فتقول «قاما الزّيدان» و يكون «الزيدان» مبتدأ مؤخرا، و «قاما» خبرا مقدما، و منع ذلك قوم.

و إذا عرفت هذا فقول المصنف: «كذا إذا ما الفعل كان الخبر» يقتضى [وجوب‏]تأخير الخبر الفعلى مطلقا، و ليس كذلك، بل إنما يجب تأخيره إذا رفع ضميرا للمبتدأ مستترا، كما تقدم.

الثالث: أن يكون الخبر محصورا بإنّما، نحو «إنّما زيد قائم» أو بإلا، نحو «ما زيد إلا قائم» و هو المراد بقوله «أو قصد استعماله منحصرا» ؛ فلا يجوز تقديم «قائم» على «زيد» فى المثالين، و قد جاء التقديم مع «إلا» شذوذا، كقول الشاعر:

(52) -

فيا ربّ هل إلاّ بك النّصر يرتجى # عليهم؟و هل إلاّ عليك المعوّل؟

____________

(1) يريد خلاف البصريين و الكوفيين، حيث جوز البصريون التقديم. و منعه الكوفيون (و اقرأ الهامشة رقم 1 فى ص 228) .

(52) -البيت للكميت بن زيد الأسدى، و هو الشاعر المقدم، العالم بلغات العرب، الخبير بأيامها، و أحد شعراء مضر المتعصبين على القحطانية، و البيت من قصيدة له من قصائد تسمى الهاشميات قالها فى مدح بنى هاشم، و أولها قوله:

ألا هل عم فى رأيه متأمّل؟ # و هل مدبر بعد الإساءة مقبل؟

اللغة: «عم» العمى ذهاب البصر من العينين جميعا، و لا يقال عمى إلا على ذلك، و يقال لمن ضل عنه وجه الصواب: هو أعمى، و عم، و المرأة عمياء و عمية «مدبر» هو فى الأصل من ولاك قفاه، و يراد منه الذى يعرض عنك و لا يباليك «المعول» تقول: عولت على فلان؛ إذا جعلته سندك الذى تلجأ إليه، و جعلت أمورك كلها بين يديه، و المعول ههنا مصدر ميمى بمعنى التعويل. -

236

الأصل «و هل المعوّل إلا عليك» فقدّم الخبر.

الرابع: أن يكون خبرا لمبتدإ قد دخلت عليه لام الابتداء، نحو «لزيد قائم» و هو المشار إليه بقوله: «أو كان مسندا لذى لام ابتدا» فلا يجوز تقديم الخبر

____________

ق-الإعراب: «يا رب» يا: حرف نداء، رب: منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اكتفاء بكسر ما قبلها «هل» حرف استفهام إنكارى دال على النفى «إلا» أداة استثناء ملغاة «بك» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «النصر» مبتدأ مؤخر «يرتجى» فعل مضارع مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «النصر» و يجوز أن يكون «بك» متعلقا بقوله يرتجى، و جملة يرتجى مع نائب فاعله المستتر فيه فى محل رفع خبر «عليهم» جار و مجرور متعلق فى المعنى بالنصر و لكن الصناعة تأباه؛ لما يلزم عليه من الفصل بين العامل و معموله بأجنبى، لهذا يجعل متعلقا بيرتجى «و هل» حرف استفهام تضمن معنى النفى «إلا» أداة استثناء ملغاة «عليك» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «المعول» مبتدأ مؤخر.

الشاهد فيه: قوله «بك النصر» و «عليك المعول» حيث قدم الخبر المحصور بإلا فى الموضعين شذوذا، و قد كان من حقه أن يقول: هل يرتجى النصر إلا بك، و هل المعول إلا عليك، و أنت خبير بأن الاستشهاد بقوله: «بك النصر» لا يتم إلا على اعتبار أن الجار و المجرور خبر مقدم، و النصر مبتدأ مؤخر، فأما على اعتبار أن الخبر هو جملة «يرتجى» فلا شاهد فى الجملة الأولى من البيت لما نحن فيه، و يكون الشاهد فى الجملة الثانية وحدها. و عبارة الشارح تفيد ذلك، فإنه ترك ذكر الاستشهاد بالجملة الأولى لاحتمالها وجها آخر، و قد علمت أن الدليل إذا احتمل وجها آخر سقط الاستدلال به، و الحكم بشذوذ هذا التقديم إطلاقا-كما ذكره الشارح-هو رأى جماعة النحاة؛ فأما علماء البلاغة فيقولون: إن كانت أداة القصر هى «إنما» لم يسغ تقديم الخبر إذا كان مقصورا عليه، و إن كانت أداة القصر «إلا» فإن قدمت الخبر و قدمت معه إلا كما فى هذه العبارة صح التقديم؛ لأن المعنى المقصود لا يضيع؛ إذ تقديم «إلا» معه يبين المراد.

237

على اللام؛ فلا تقول: «قائم لزيد» لأن لام الابتداء لها صدر الكلام، و قد جاء التقديم شذوذا، كقول الشاعر:

(53) -

خالى لأنت، و من جرير خاله # ينل العلاء و يكرم الأخوالا

فـ «لانت» مبتدأ[مؤخر]و «خالى» خبر مقدم.

____________

(53) -البيت من الشواهد التى لم يعرف قائلها.

اللغة: «جرير» يروى فى مكانه «تميم» ، و يروى أيضا عويف «العلاء» بفتح العين المهملة ممدودا-الشرف و الرفعة، و قيل: هو مصدر على فى المكان يعلى، مثل رضى يرضى، و أما فى المرتبة فيقال: علا يعلو، مثل سما يسمو سموا.

الإعراب: «خالى لأنت» يجوز فيه إعرابان أحدهما أن يكون «خال» مبتدأ، و هو مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه، و اللام للابتداء، و «أنت» خبر المبتدأ، و فيه -على هذا الوجه من الإعراب-شذوذ من حيث دخول اللام على الخبر، مع أنها خاصة بالدخول على المبتدأ، و ثانيهما أن يكون «خالى» خبرا مقدما، و «لأنت» مبتدأ مؤخرا، و هذا الوجه هو الذى قصد الشارح الاستشهاد بالبيت من أجله، و ليس شاذا من الجهة التى ذكرناها أولا، و إن كان فيه الشذوذ الذى ذكره الشارح، و سنبينه عند الكلام على الاستشهاد «و من» الواو للاستئناف، من: اسم موصول مبتدأ «جرير» مبتدأ «خاله» خال: خبر المبتدأ الذى هو جرير، و خال مضاف و الضمير مضاف إليه، و الجملة من جرير و خبره لا محل لها صلة الموصول «ينل» فعل مضارع جزم تشبيها للموصول بالشرط، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من «العلاء» مفعول به لينل، و جملة الفعل و الفاعل و المفعول فى محل رفع خبر المبتدأ، و هو من «و يكرم» الواو عاطفة، يكرم: فعل مضارع معطوف على «ينل» و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من «الأخوالا» قال العينى: هو مفعول به، و هو بعيد كل البعد، و لا يسوغ إلا على أن يكون يكرم مضارع أكرم مبنيا للمجهول، و الأولى أن يكون قوله: «يكرم» مضارع كرم و يكون قوله «الأخوالا» تمييزا: إما على مذهب الكوفيين الذين يجوزون دخول «أل» المعرفة على التمييز، و إما على أن تكون أل زائدة على ما قاله البصريون فى قول الشاعر:

*و طبت النّفس يا قيس عن عمرو*

-

238

الخامس: أن يكون المبتدأ له صدر الكلام: كأسماء الاستفهام، نحو «من لى منجدا؟» فمن: مبتدأ، ولى: خبر، و منجدا: حال، و لا يجوز تقديم الخبر على «من» ؛ فلا تقول «لى من‏[منجدا]» .

***

____________

ق-الشاهد فيه: فى هذا البيت ثلاثة شواهد للنحاة:

الأول: فى قوله «ينل العلاء» فإن هذا فعل مضارع لم يسبقه ناصب و لا جازم، و قد كان من حقه أن يجى‏ء به الشاعر مرفوعا فيقول «ينال العلاء» و لكنه جاء به مجزوما؛ فحذف عين الفعل كما يحذفها فى «لم يخف» و نحوه، و الحامل له على الجزم تشبيه الموصول بالشرط كما شبهه الشاعر به حيث يقول:

كذاك الّذى يبغى على النّاس ظالما # تصبه على رغم عواقب ما صنع‏

و ليس لك أن تزعم أن من فى قوله «من جرير خاله» شرطية؛ فلذلك جزم المضارع فى جوابها؛ لأن ذلك يستدعى أن تجعل جملة «جرير خاله» شرطا، و هو غير جائز عند أحد من النحاة؛ لأن جملة الشرط لا تكون اسمية أصلا (و انظر-مع ذلك-شرح الشاهد رقم 58 الآتى) .

و الشاهد الثانى: فى قوله «و يكرم الأخوالا» فإنه تمييز، و قد جاء به معرفة، و هذا يدل للكوفيين الذين يرون جواز مجى‏ء التمييز معرفة، و البصريون يقولون:

ال فى هذا زائدة لا معرفة،

و الشاهد الثالث: -و هو الذى من أجله أنشد الشارح هذا البيت هنا-فى قوله «خالى لأنت» حيث قدم الخبر مع أن المبتدأ متصل بلام الابتداء، شذوذا، و فى البيت توجيهات أخرى أشرنا إلى أحدها فى الإعراب، و الثانى: أنه أراد «لخالى أنت» فأخر اللام إلى الخبر ضرورة، و الثالث: أن يكون أصل الكلام «خالى لهو أنت» فخالى: مبتدأ أول، و الضمير مبتدأ ثان، و أنت: خبر الثانى، فحذفت الضمير، فاتصلت اللام بخبره مع أنها لا تزال فى صدر ما ذكر من جملتها.

و مثل هذا البيت فى هذين التوجيهين قول الراجز:

أمّ الحليس لعجوز شهربه # ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه‏

239

المواضع التى يجب فيها تقديم الخبر

و نحو عندى درهم، ولى وطر، # ملتزم فيه تقدّم الخبر (1)

كذا إذا عاد عليه مضمر # ممّا به عنه مبينا يخبر (2)

كذا إذا يستوجب التّصدبرا # : كأين من علمته نصيرا (3)

____________

(1) «و نحو» مبتدأ «عندى» عند: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، و عند مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه «درهم» مبتدأ مؤخر «ولى» الواو عاطفة، لى:

جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «وطر» مبتدأ مؤخر «ملتزم» اسم مفعول:

خبر المبتدأ الذى هو قوله «نحو» فى أول البيت «فيه» جار و مجرور متعلق بملتزم «تقدم» نائب فاعل لقوله «ملتزم» و تقدم مضاف و «الخبر» مضاف إليه.

(2) «كذا» جار و مجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف يدل عليه ما قبله، أى: يلتزم تقدم الخبر التزاما كذا الالتزام «إذا» ظرف للمستقبل من الزمان، تضمن معنى الشرط «عاد» فعل ماض «عليه» جار و مجرور متعلق بعاد «مضمر» فاعل عاد «مما» جار و مجرور متعلق بعاد أيضا، و ما اسم موصول «به، عنه» متعلقان بيخبر الآتى «مبينا» حال من المجرور فى «به» «يخبر» فعل مضارع مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه، و الجملة لا محل لها صلة «ما» و جملة «عاد عليه مضمر» فى محل جر بإضافة إذا إليها، و هى شرط إذا، و جوابها محذوف يدل عليه سابق الكلام، و تقدير البيت: يلتزم تقدم الخبر التزاما كذلك الالتزام السابق إذا عاد على الخبر ضمير من المبتدأ الذى يخبر بذلك الخبر عنه حال كونه مبينا-أى مفسرا-لذلك الضمير.

قال ابن غازى: و هذا البيت مع تعقده و تشتيت ضمائره كان يغنى عنه و عما بعده أن يقول:

كذا إذا عاد عليه مضمر # من مبتدا، و ما له التّصدّر

(3) «كذا» جار و مجرور متعلق بمحذوف مثل سابقه فى أول البيت السابق «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان «يستوجب» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر «التصديرا» مفعول به ليستوجب، و الجملة فى محل جر بإضافة «إذا» إليها «كأين» الكاف جارة لقول محذوف، أين: اسم استفهام مبنى على الفتح فى محل رفع خبر مقدم «من» اسم موصول مبنى على السكون فى محل رفع مبتدأ مؤخر «علمته» فعل و فاعل و مفعول أول «نصيرا» مفعول ثان لعلم، و الجملة لا محل لها صلة.

240

و خبر المحصور قدّم أبدا # : كما لنا إلاّ اتّباع أحمدا (1)

أشار فى هذه الأبيات إلى القسم الثالث، و هو وجوب تقديم الخبر؛ فذكر أنه يجب فى أربعة مواضع:

الأول: أن يكون المبتدأ نكرة ليس لها مسوّغ إلا تقدّم الخبر، و الخبر ظرف أو جار و مجرور، نحو «عندك رجل، و فى الدار امرأة» ؛ فيجب تقديم الخبر هنا؛ فلا تقول: «رجل عندك» ، و لا «امرأة فى الدّار» و أجمع النحاة و العرب على منع ذلك، و إلى هذا أشار بقوله: «و نحو عندى درهم، ولى وطر- البيت» ؛ فإن كان للنكرة مسوّغ جاز الأمران، نحو «رجل ظريف عندى» ، و «عندى رجل ظريف» .

الثانى: أن يشتمل المبتدأ على ضمير يعود على شى‏ء فى الخبر، نحو «فى الدّار صاحبها» فصاحبها: مبتدأ، و الضمير المتصل به راجع إلى الدار، و هو جزء من الخبر؛ فلا يجوز تأخير الخبر، نحو «صاحبها فى الدّار» ؛ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا و رتبة.

و هذا مراد المصنف بقوله: «كذا إذا عاد عليه مضمر-البيت» أى:

كذلك يجب تقديم الخبر إذا عاد عليه مضمر مما يخبر بالخبر عنه، و هو المبتدأ، فكأنه قال: يجب تقديم الخبر إذا عاد عليه ضمير من المبتدأ، و هذه عبارة ابن عصفور فى بعض كتبه، و ليست بصحيحة؛ لأن الضمير فى قولك «فى الدّار

____________

(1) «و خبر» مفعول مقدم لقدم الآتى، و خبر مضاف و «المحصور» مضاف إليه «قدم» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «أبدا» منصوب على الظرفية متعلق بقدم «كما» الكاف جارة لقول محذوف، و «ما» نافية «لنا» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «إلا» أداة استثناء ملغاة «اتباع» مبتدأ مؤخر، و اتباع مضاف و «أحمدا» مضاف إليه، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية و وزن الفعل، و الألف للاطلاق.

241

صاحبها» إنما هو عائد على جزء من الخبر، لا على الخبر؛ فينبغى أن تقدر مضافا محذوفا فى قول المصنف «عاد عليه» التقدير «كذا إذا عاد على ملابسه» ثم حذف المضاف-الذى هو ملابس-و أقيم المضاف إليه-و هو الهاء- مقامه؛ فصار اللفظ «كذا إذا عاد عليه» .

و مثل قولك «فى الدار صاحبها» قولهم: «على التّمرة مثلها زبدا» و قوله:

(54) -

أهابك إجلالا، ما بك قدرة # علىّ، و لكن مل‏ء عين حبيبها

____________

(54) -هذا البيت قد نسبه قوم-منهم أبو عبيد البكرى فى شرحه على الأمالى (ص 401) -لنصيب بن رياح الأكبر، و نسبه آخرون-و منهم ابن نباتة المصرى فى كتابه «سرح العيون» (ص 191 بولاق) إلى مجنون بنى عامر من أبيات أولها قوله:

و ناديت يا ربّاه أوّل سؤلتى # لنفسى ليلى، ثمّ أنت حسيبها

دعا المحرمون اللّه يستغفرونه # بمكة يوما أن تمحّى ذنوبها

اللغة: «أهابك» من الهيبة، و هى المخافة «إجلالا» إعظاما لقدرك.

المعنى: إنى لأهابك و أخافك، لا لاقتدارك على، و لكن إعظاما لقدرك؛ لأن العين تمتلى‏ء بمن تحبه فتحصل المهابة، و هو معنى أكثر الشعراء منه، انظر إلى قول بن الدمينة:

و إنّى لأستحييك حتّى كأنما # علىّ بظهر الغيب منك رقيب‏

الإعراب: «أهابك» أهاب: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و الضمير البارز المتصل مفعول به، مبنى على الكسر فى محل نصب «إجلالا» مفعول لأجله «و ما» الواو واو الحال، و ما: نافية «بك» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «قدرة» مبتدأ مؤخر «على» جار و مجرور متعلق بقدرة، أو بمحذوف نعت لقدرة «و لكن» حرف استدراك «مل‏ء» خبر مقدم، و مل‏ء مضاف و «عين» مضاف إليه «حبيبها» حبيب: مبتدأ مؤخر، و حبيب مضاف و الضمير مضاف إليه. -

242

فحبيبها: مبتدأ[مؤخّر]و مل‏ء عين: خبر مقدم، و لا يجوز تأخيره؛ لأن الضمير المتصل بالمبتدأ-و هو «ها» -عائد على «عين» و هو متصل بالخبر؛ فلو قلت «حبيبها مل‏ء عين» عاد الضمير على متأخر لفظا و رتبة.

و قد جرى الخلاف فى جواز «ضرب غلامه زيدا (1) » مع أن الضمير فيه عائد على متأخر لفظا و رتبة، و لم يجر خلاف-فيما أعلم-فى منع «صاحبها فى الدّار» فما الفرق بينهما؟و هو ظاهر، فليتأمل، و الفرق‏[بينهما]أن ما عاد عليه الضمير و ما اتصل به الضمير اشتركا فى العامل فى مسألة «ضرب غلامه زيدا» بخلاف مسألة «فى الدار صاحبها» فإن العامل فيما اتصل به الضمير و ما عاد عليه الضمير مختلف‏ (2) .

____________

ق-الشاهد فيه: قوله «مل‏ء عين حبيبها» فإنه قدم الخبر-و هو قوله «مل‏ء عين» - على المبتدأ-و هو قوله «حبيبها» -لاتصال المبتدأ بضمير يعود على ملابس الخبر، و هو المضاف إليه، فلو قدمت المبتدأ-مع أنك تعلم أن رتبة الخبر التأخير-لعاد الضمير الذى اتصل بالمبتدأ على متأخر لفظا و رتبة، و ذلك لا يجوز، لكنك بتقديمك الخبر قد رجعت الضمير على متقدم لفظا و إن كانت رتبته التأخير، و هذا جائز، و لا إشكال فيه.

(1) مثل ذلك المثال: كل كلام اتصل فيه ضمير بالفاعل المتقدم، و هذا الضمير عائد على المفعول المتأخر، نحو مثال ابن مالك فى باب الفاعل من الألفية «زان نوره الشجر» و نحو قول الشاعر:

جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر # و حسن فعل كما يجزى سنمّار

و نحو قول الشاعر الآخر:

كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد # و رقّى نداه ذا النّدى فى ذرى المجد

و سيأتى بيان ذلك و إبضاحه فى باب الفاعل.

(2) و أيضا فإن المفعول قد تقدم على الفاعل كثيرا فى سعة الكلام، حتى ليظن أن رتبه قد صارت التقدم، بخلاف الخبر، فإنه-و إن تقدم على المبتدأ أحيانا-لا يتصور أحد أن رتبته التقدم؛ لكونه حكما، و الحكم فى مرتبة التأخر عن المحكوم عليه البتة، -

243

الثالث: أن يكون الخبر له صدر الكلام، و هو المراد بقوله: «كذا إذا يستوجب التصديرا» نحو «أين زيد» ؟فزيد: مبتدأ[مؤخر]، و أين: خبر مقدم، و لا يؤخّر؛ فلا تقول: «زيد أين» ؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، و كذلك «أين من علمته نصيرا» ؟فأين: خبر مقدم، و من: مبتدأ مؤخر، و «علمته نصيرا» صلة من.

الرابع: أن يكون المبتدأ محصورا، نحو «إنما فى الدّار زيد، و ما فى الدّار إلا زيد» و مثله «ما لنا إلاّ اتّباع أحمد» .

***

يجوز حذف المبتدأ أو الخبر، إن دل على المحذوف دليل‏

و حذف ما يعلم جائز، كما # تقول «زيد» بعد «من عندكما» (1)

____________

ق-و أيضا فإن الفاعل و الفعل المتعدى جميعا يشعران بالمفعول؛ فكان المفعول كالمتقدم، بخلاف الخبر المتصل بمبتدئه ضمير يعود على ملابسه، فإن المبتدأ إن أشعر بالخبر لم يشعر بما يلابس الخبر الذى هو مرجع الضمير.

(1) «و حذف» مبتدأ، و حذف مضاف، و «ما» اسم موصول مضاف إليه، مبنى على السكون فى محل جر «يعلم» فعل مضارع مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، و الجملة من الفعل المبنى للمجهول و نائب فاعله لا محل لها صلة الموصول الذى هو ما «جائز» خبر المبتدأ «كما» الكاف جارة، و ما مصدرية «تقول» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و ما مع مدخولها فى تأويل مصدر مجرور بالكاف، أى: كقولك، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أى و ذلك كائن كقولك، و «زيد» مبتدأ، و خبره محذوف، و التقدير: زيد عندنا «بعد» منصوب على الظرفية متعلق بتقول «من» اسم استفهام مبتدأ «عندكما» عند: ظرف متعلق بمحذوف خبر عن اسم الاستفهام، و عند مضاف و الضمير الذى للمخاطب مضاف إليه، و الميم حرف عماد، و الألف حرف دال على التثنية، و الجملة فى محل جر بإضافة بعد إليها.

244

و فى جواب «كيف زيد» قل «دنف» # فزيد استغنى عنه إذ عرف‏ (1)

يحذف كلّ من المبتدأ و الخبر إذا دلّ عليه دليل: جوازا، أو وجوبا، فذكر فى هذين البيتين الحذف جوازا؛ فمثال حذف الخبر أن يقال: «من عندكما» ؟فتقول: «زيد» التقدير «زيد عندنا» و مثله-فى رأى- «خرجت فإذا السّبع» التقدير (2) «فإذا السبع حاضر» قال الشاعر:

(55) -

نحن بما عندنا، و أنت بما # عندك راض، و الرّأى مختلف‏

التقدير «نحن بما عندنا راضون» .

____________

(1) «و فى جواب» جار و مجرور متعلق بقل «كيف» اسم استفهام خبر مقدم «زيد» مبتدأ مؤخر، و جملة المبتدأ و الخبر مقصود لفظها فهى فى محل جر بإضافة «جواب» إليها «قل» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «دنف» خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: زيد دنف «فزيد» الفاء للتعليل، زيد: مبتدأ «استغنى» فعل ماض مبنى للمجهول «عنه» نائب فاعل لاستغنى، و الجملة من الفعل و نائب الفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ «إذ» ظرف متعلق باستغنى، أو حرف دال على التعليل «عرف» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى زيد المستغنى عنه فى الجواب، و الجملة فى محل جر بإضافة إذ إليها.

(2) «إذا» فى هذا المثال و نحوه تسمى «إذا الفجائية» و للعلماء فيها خلاف: أ هى حرف أم ظرف؟و الذين قالوا هى ظرف اختلفوا: أ هى ظرف زمان أم ظرف مكان؟ فمن قال هى ظرف جعلها خبرا مقدما، و جعل الاسم المرفوع بعدها مبتدأ مؤخرا، و كأن القائل قد قال-على تقدير أنها ظرف زمان-خرجت ففى وقت خروجى الأسد، أو قال-على تقدير أنها ظرف مكان-خرجت ففى مكان خروجى الأسد، و لا حذف على هذا الوجه بشقيه، و من قال: هى حرف جعل الاسم المرفوع بعدها مبتدأ خبره محذوف، و التقدير: خرجت فإذا الأسد موجود، أو حاضر، أو نحو ذلك. و هذا الوجه هو الذى عناه الشارح بقوله: «فى رأى» .

(55) -هذا البيت نسبه ابن هشام اللخمى و ابن برى إلى عمرو بن امرى‏ء القيس-

245

...

____________

ق-الأنصارى، و نسبه غيرهما-و منهم العباسى فى معاهد التنصيص (ص 99 بولاق) -إلى قيس بن الخطيم أحد فحول الشعراء فى الجاهلية، و هو الصواب، و هو من قصيدة له، أولها قوله:

ردّ الخليط الجمال فانصرفوا # ماذا عليهم لو أنّهم وقفوا؟

و قيس بن الخطيم-بالخاء المعجمة-هو صاحب القصيدة التى أولها قوله:

أتعرف رسما كاطّراد المذاهب # لعمرة وحشا غير موقف راكب؟

اللغة: «الرأى» أراد به هنا الاعتقاد، و أصل جمعه أرآء، مثل سيف و أسياف و ثوب و أثواب، و قد نقلوا العين قبل الفاء، فقالوا: آراء، كما قالوا فى جمع بئر آبار و فى جمع رئم آرام، و وزن آراء و آبار و آرام أعفال.

الإعراب: «نحن» ضمير منفصل مبتدأ، مبنى على الضم فى محل رفع، و خبره محذوف دل عليه ما بعده، و التقدير: نحن راضون «بما» جار و مجرور متعلق بذلك الخبر المحذوف «عندنا» عند: ظرف متعلق بمحذوف صلة «ما» المجرورة محلا بالباء، و عند مضاف و الضمير مضاف إليه «و أنت» مبتدأ «بما» جار و مجرور متعلق بقوله «راض» الآتى «عندك» عند: ظرف متعلق بمحذوف صلة «ما» المجرورة محلا بالباء، و عند مضاف و ضمير المخاطب مضاف إليه «راض» خبر المبتدأ الذى هو «أنت» و «الرأى مختلف» مبتدأ و خبره.

الشاهد فيه: قوله «نحن بما عندنا» حيث حذف الخبر-احترازا عن العبث و قصدا للاختصار مع ضيق المقام-من قوله «نحن يما عندنا» و الذى جعل حذفه سائغا سهلا دلالة خبر المبتدأ الثانى عليه.

و اعلم أولا أن الحذف من الأول لدلالة الثانى عليه شاذ، و الأصل الغالب هو الحذف من الثانى لدلالة الأول عليه.

و اعلم ثانيا أن بعض العلماء أراد أن يجعل هذا البيت جاريا على الأصل المذكور؛ فزعم أن «راض» فى الشطر الثانى من البيت ليس خبرا عن «أنت» بل هو خبر عن «نحن» الذى فى أول البيت، و ذلك بناء على أن «نحن» للمتكلم المعظم نفسه. -

246

و مثال حذف المبتدأ أن يقال: «كيف زيد» ؟فتقول «صحيح» أى:

«هو صحيح» .

و إن شئت صرّحت بكل واحد منهما فقلت: «زيد عندنا، و هو صحيح» .

و مثله قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صََالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَ مَنْ أَسََاءَ فَعَلَيْهََا) * أى:

«من عمل صالحا فعمله لنفسه، و من أساء فإساءته عليها» .

قيل: و قد يحذف الجزآن-أعنى المبتدأ و الخبر-للدلالة عليهما، كقوله تعالى: (وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ مِنْ نِسََائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ، وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ) أى: «فعدّتهنّ ثلاثة أشهر» فحذف المبتدأ و الخبر -و هو «فعدتهن ثلاثة أشهر» -لدلالة ما قبله عليه، و إنما حذفا لوقوعهما موقع مفرد، و الظاهر أن المحذوف مفرد، و التقدير: «و اللائى لم يحضن كذلك» و قوله: (وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ) معطوف على‏ (وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ) و الأولى أن يمثّل بنحو قولك: «نعم» فى جواب «أزيد قائم» ؟إذ التقدير «نعم زيد قائم» .

***

و بعد لو لا غالبا حذف الخبر # حتم، و فى نصّ يمين ذا استقر (1)

____________

ق-و هذا كلام غير سديد، لأن نحن-و إن كانت كما زعم المتمحل للمتكلم المعظم لنفسه فمعناها حينئذ مفرد-تجب فيها المطابقة بالنظر إلى لفظها؛ فيخبر عنها بالجمع، كما فى قوله تعالى: (وَ نَحْنُ اَلْوََارِثُونَ) و ما أشبهه.

(1) «بعد» ظرف متعلق بقوله حتم الآتى، و بعد مضاف، و «لو لا» مضاف إليه، مقصود لفظه «غالبا» منصوب على نزع الخافض «حذف» مبتدأ، و حذف مضاف و «الخبر» مضاف إليه «حتم» خبر المبتدأ «و فى نص» الواو عاطفة، فى نص: جار و مجرور متعلق باستقر الآتى، و نص مضاف و «يمين» مضاف إليه «ذا» اسم إشارة، -

247

و بعد واو عيّنت مفهوم مع # كمثل «كلّ صانع و ما صنع» (1)

و قبل حال لا يكون خبرا # عن الّذى خبره قد أضمرا (2)

كضربى العبد مسيئا، و أتمّ # تبينى الحقّ منوطا بالحكم‏ (3)

____________

ق-مبتدأ «استقر» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم الإشارة، و الجملة من استقر و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ، و تقدير البيت: و حذف الخبر حتم بعد لو لا فى غالب أحوالها، و هذا الحكم قد استقر فى نص يمين: أى إذا كان المبتدأ يستعمل فى اليمين نصا، بحيث لا يستعمل فى غيره إلا مع قرينة.

(1) «و بعد» الواو عاطفة، بعد ظرف متعلق باستقر فى البيت السابق، و بعد مضاف و «واو» مضاف إليه «عينت» عين: فعل ماض، و التاء تاء التأنيث، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى واو، و الجملة من عين و فاعله فى محل جر صفة لواو «مفهوم» مفعول به لعين، و مفهوم مضاف، و «مع» مضاف إليه، مقصود لفظه «كمثل» الكاف زائدة، مثل: خبر لمبتدأ محذوف، أى: و ذلك مثل «كل» مبتدأ، و كل مضاف و «صانع» مضاف إليه «و» عاطفة «ما» يجوز أن تكون موصولا اسميا معطوفا على كل، و يجوز أن تكون حرفا مصدريا هى و مدخولها فى تأويل مصدر معطوف على كل، و جملة «صنع» و فاعله المستتر فيه على الوجه الأول لا محل لها صلة الموصول، و خبر المبتدأ محذوف وجوبا.

(2) «و قبل» الواو عاطفة، و قبل: ظرف متعلق باستقر فى البيت الأول، و قبل مضاف و «حال» مضاف إليه «لا» نافية «يكون» فعل مضارع ناقص، و اسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حال «خبرا» خبر كان، و الجملة من يكون و اسمه و خبره فى محل جر صفة لحال «عن الذى» جار و مجرور متعلق بخبر «خبره» خبر: مبتدأ، و خبر مضاف و الضمير البارز المتصل مضاف إليه «قد» حرف تحقيق «أضمرا» أضمر: فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى خبر، و الألف للاطلاق، و الجملة من أضمر و نائب الفاعل فى محل رفع خبر، و جملة المبتدأ و الخبر لا محل لها صلة الذى.

(3) «كضربى» الكاف جارة لقول محذوف، ضرب: مبتدأ، و ضرب مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه، و هى فاعل المصدر «العبد» مفعول المصدر «مسيئا» حال من فاعل كان المحذوفة العائد على العبد، و خبر المبتدأ جملة محذوفة، و التقدير: إذا كان-

248

حاصل ما فى هذه الأبيات أن الخبر يجب حذفه فى أربعة مواضع:

الأول: أن يكون خبرا لمبتدأ بعد «لو لا» ، نحو «لو لا زيد لأتيتك» التقدير «لو لا زيد موجود لأتيتك» و احترز بقوله «غالبا» عما ورد ذكره فيه شذوذا، كقوله:

المواضع التى يجب فيها حذف الخبر

(56) -

لو لا أبوك و لو لا قبله عمر # ألقت إليك معدّ بالمقاليد

فـ «ـعمر» مبتدأ، و «قبله» خبر.

____________

ق- (أى وجد، هو: أى العبد) مسيئا «و أتم» الواو عاطفة، أتم: مبتدأ، و أتم مضاف و تبيين من «تبيينى» مضاف إليه، و تبيين مضاف، و ياء المتكلم مضاف إليه، و هى فاعل له «الحق» مفعول به لتبيين «منوطا» حال من فاعل كان المحذوفة العائد على الحق، على غرار ما قدرناه فى العبارة الأولى «بالحكم» جار و مجرور متعلق بقوله منوطا. و التقدير: أتم تبيينى الحق إذا كان (أى وجد، هو: أى الحق) حال كونه منوطا بالحكم.

(56) -البيت لأبى عطاء السندى-و اسمه مرزوق (و قيل: أفلح) بن يسار- مولى بنى أسد، و هو من مخضرمى الدولتين الأموية و العباسية، من كلمة يمدح فيها ابن يزيد بن عمر بن هبيرة، و انظر قصة ذلك فى الأغانى (16/84 بولاق) و قبل البيت المستشهد به قوله:

أمّا أبوك فعين الجود نعرفه # و أنت أشبه خلق اللّه بالجود

و يروى صدر البيت «لو لا يزيد و لو لا-إلخ» و يزيد أبو الممدوح، و بعد لشاهد قوله:

ما ينبت العود إلاّ فى أرومته # و لا يكون الجنى إلاّ من العود

اللغة: «معد» هو أبو العرب، و هو معد بن عدنان، و كان سيبويه يقول: إن الميم من أصل الكلمة؛ لقولهم «تمعدد» بمعنى اتصل بمعد بنسب أو حلف أو جوار، أو بمعنى قوى و كمل، قال الراجز:

ربّيته حتّى إذا تمعددا # كان جزائى بالعصا أن أجلدا

لقلة تمفعل فى الكلام، و لكن العلماء خالفوه فى ذلك؛ و ذهبوا إلى أن الميم فى-

249

...

____________

ق-معد زائد بدليل إدغام الدال فى الدال، و التزموا أن يكون تمعدد على زنة تمفعل مع قلته، و انظر الجزء الثانى من كتابنا دروس التصريف «المقاليد» : هو جمع لا مفرد له من لفظه، و قبل: مفرده إقليد-على غير قياس-و هو المفتاح، و قد كنى الشاعر بإلقاء المقاليد عن الخضوع و الطاعة و امتثال أمر الممدوح.

المعنى: يقول: أنت خليق بأن يخضع لك بنو معد كلهم؛ لكفايتك و عظم قدرك.

و إنما تأخر خضوعهم لك لوجود أبيك و وجود جدك من قبل أبيك.

الإعراب: «لو لا» حرف يدل على امتناع الثانى لوجود الأول، مبنى على السكون لا محل له من الإعراب «أبوك» أبو: مبتدأ، و أبو مضاف و الكاف مضاف إليه، و الخبر محذوف وجوبا «و لو لا» الواو عاطفة كالأول، لو لا: حرف امتناع لوجود «قبله» قبل: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، و قبل مضاف و الضمير البارز مضاف إليه «عمر» مبتدأ مؤخر «ألقت» ألقى: فعل ماض، و التاء تاء التأنيث «إليك» جار و مجرور متعلق بألقت «معد» فاعل ألقت، و الجملة من الفعل الماضى و فاعله لا محل لها جواب لو لا «بالمقاليد» جار و مجرور متعلق بألقت.

الشاهد فيه: قوله «و لو لا قبله عمر» حيث ذكر فيه خبر المبتدأ و هو قوله «قبله» -مع كون ذلك المبتدأ واقعا بعد لو لا التى يجب حذف خبر المبتدأ الواقع بعدها لأنه قد عوض عنه بجملة الجواب، و لا يجمع فى الكلام بين العوض و المعوض عنه.

و فى البيت توجيه آخر، و هو أن «قبله» ظرف متعلق بمحذوف حال، و الخبر محذوف، و على هذا تكون القاعدة مستمرة، و لا شاهد فى البيت لما أتى به الشارح من أجله. و مثله فى كل ذلك قول الزبير بن العوام رضى اللّه عنه:

و لو لا بنوها حولها لخبطتها # كخبطة عصفور و لم أتلعثم‏

فإن «لو لا» حرف امتناع لوجود، و «بنوها» مبتدأ مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لكونه جمع مذكر سالما، و الضمير البارز مضاف إليه، و «حول» ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و حول مضاف و الضمير البارز مضاف إليه، و على هذا يكون فيه شاهد لما جاء الشارح ببيت أبى عطاء من أجله، و يجوز أن يكون «حول» متعلقا بالخبر المحذوف على رأى الجمهور، و على ذلك لا يكون شاهدا لما ذكره الشارح.

250

و هذا الذى ذكره المصنف فى هذا الكتاب-من أن الحذف بعد «لو لا» واجب إلا قليلا-هو طريقة لبعض النحويين، و الطريقة الثانية: أن الحذف واجب [دائما (1) ]و أن ما ورد من ذلك بغير حذف فى الظاهر مؤوّل، و الطريقة الثالثة أن الخبر: إما أن يكون كونا مطلقا، أو كونا مقيّدا؛ فإن كان كونا مطلقا وجب حذفه، نحو: «لو لا زيد لكان كذا» أى: لو لا زيد موجود، و إن كان كونا مقيّدا؛ فإما أن يدلّ عليه دليل، أو لا، فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره، نحو: «لو لا زيد محسن إلىّ ما أتيت» و إن دلّ عليه‏[دليل‏]جاز إثباته و حذفه، نحو أن يقال: هل زيد محسن إليك؟فتقول: «لو لا زيد لهلكت» أى: «لو لا زيد محسن إلىّ» ، فإن شئت حذفت الخبر، و إن شئت أثبتّه، و منه قول أبى العلاء المعرّىّ،

____________

(1) ههنا شيآن نحب أن ننبهك إليهما، الأول أن الطريقة الثانية من الطرق الثلاث التى ذكرها الشارح هى طريقة جمهور النحاة، و الفرق بينها و بين الطريقة الأولى أن أهل الطريقة الأولى يقولون: إن ذكر الخبر عندهم بعد «لو لا» قليل، و ليس شاذا، و ذلك بخلاف طريقة الجمهور، فإن ذكر الخير عندهم بعد «لو لا» إن كان صادرا عمن لا يستشهد بكلامه كما فى بيت المعرى الآتى فهو لحن، و إن كان صادرا عمن يستشهد بكلامه فإن أمكن تأويله كالشاهد 56 و ما أنشدناه معه فهو مؤول، و إن لم يمكن تأويله فهو شاذ، و لا شك أن القليل غير الشاذ.

و الأمر الثانى: أن الشارح قد حمل كلام الناظم على الطريقة الأولى، و ذلك مخالف لما حمله من عداه من الشروح فإنهم جميعا حملوا كلام الناظم على الحالة الثالثه، بدليل أنه اختارها فى غير هذا الكتاب، و هو الذى أشرنا إليه عند إعراب البيت، و تلخيصه أن تحمل قوله «غالبا» على حالات «لو لا» و ذلك لأن لو لا إما أن يليها كون عام و هو أغلب الأمر فيها، و إما أن يليها كون خاص و هو قليل، ثم تحمل قوله «حتم» على الحكم النحوى، و كأنه قد قال: إن كان خبر المبتدأ الواقع بعد لو لا كونا عاما و هو الغالب فإنه لا يجوز ذكر ذلك الخبر، و هذا هو-كما ذكرنا-الطريقة الثالثة، فتدبر.

251

(57) -

يذيب الرّعب منه كلّ عضب # فلو لا الغمد يمسكه لسالا

____________

(57) -البيت لأبى العلاء المعرى أحمد بن عبد اللّه بن سليمان، نادرة الزمان، و أوحد الدهر حفظا و ذكاء و صفاء نفس، و هو من شعراء العصر الثانى من الدولة العباسية؛ فلا يحتج بشعره على قواعد النحو و التصريف، و الشارح إنما جاء به للتمثيل، لا للاحتجاج و الاستشهاد به.

اللغة: «يذيب» من الإذابة، و هى إسالة الحديد و نحوه من الجامدات «الرعب» الفزع و الخوف «عضب» هو السيف القاطع «الغمد» قراب السيف و حفنه.

الإعراب: «يذيب» فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة «الرعب» فاعل يذيب «منه» جار و مجرور متعلق بقوله يذيب «كل» مفعول به ليذيب، و كل مضاف و «عضب» مضاف إليه «فلو لا» حرف امتناع لوجود «الغمد» مبتدأ «يمسكه» يمسك: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الغمد، و الهاء-التى هى ضمير الغائب العائد إلى السيف-مفعول به، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ، و ستعرف ما فى هذا الإعراب من المقال و توجيهه فى بيان الاستشهاد «لسالا» اللام واقعة فى جواب «لو لا» و سال: فعل ماض، و الألف للاطلاق، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى السيف، و جملة سال و فاعله لا محل لها من الإعراب جواب لو لا.

التمثيل به: فى قوله «فلو لا الغمد يمسكه» حيث ذكر خبر المبتدأ الواقع بعد لو لا- و هو جملة «يمسك» و فاعله و مفعوله-لأن ذلك الخبر كون خاص قد دل عليه الدليل و خبر المبتدأ الواقع بعد لو لا يجوز ذكره كما يجوز حذفه إذا كان كونا خاصا و قد دل عليه الدليل عند قوم، كما ذكره الشارح العلامة، و الجمهور على أن الحذف واجب، و ذلك بناء منهم على ما اختاروه من أن خبر المبتدأ الواقع بعد «لو لا» لا يكون إلا كونا عاما، و حينئذ لا يقال إما أن يدل عليه دليل أولا، و عندهم أن بيت المعرى هذا لحن لذكر الخبر بعد لو لا

و فى البيت توجيه آخر يصح على مذهب الجمهور، و هو أن «يمسك» فى تأويل-

252

و قد اختار المصنف هذه الطريقة فى غير هذا الكتاب.

الموضع الثانى: أن يكون المبتدأ نصّا فى اليمين‏ (1) ، نحو: «لعمرك لأفعلنّ» التقدير «لعمرك قسمى» فعمرك: مبتدأ، و قسمى: خبره، و لا يجوز التصريح به.

قيل: و مثله «يمين اللّه لأفعلنّ» التقدير «يمين اللّه قسمى» و هذا لا يتعين أن يكون المحذوف فيه خبرا (2) ؛ لجواز كونه مبتدأ، و التقدير «قسمى يمين

____________

ق-مصدر بدل اشتمال من الغمد، و أصله «أن يمسكه» فلما حذف «أن» ارتفع الفعل، كقولهم «تسمع بالمعيدى خير من أن تراه» فيمن رواه برفع «تسمع» من غير «أن» .

و حاصل القول فى هذه المسألة أن النحاة اختلفوا؛ هل يكون خبر المبتدأ الواقع بعد لو لا كونا خاصا أولا؟فقال الجمهور: لا يكون كونا خاصا ألبتة، بل يجب كونه كونا عاما و يجب مع ذلك حذفه، فإن جاء الخبر كونا خاصا فى كلام ما فهو لحن أو مؤول، و قال غيرهم؛ يجوز أن يكون الخبر بعد لو لا كونا خاصا، لكن الأكثر أن يكون كونا عاما، فإن كان الخبر كونا عاما وجب حذفه كما يقول الجمهور، و إن كان الخبر كونا خاصا: فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره، و إن دل عليه دليل جاز ذكره و جاز حذفه؛ فلخبر المبتدأ الواقع بعد لو لا حالة واحدة عند الجمهور، و هى وجوب الحذف، و ثلاثة أحوال عند غيرهم، و هى: وجوب الحذف، و وجوب الذكر، و جواز الأمرين، و قد قدمنا لك أن الواجب حمل كلام الناظم على هذا؛ لأنه صرح باختياره فى غير هذا الكتاب، و قد ذكر الشارح نفسه أن هذا هو اختيار المصنف.

(1) المراد بكون المبتدأ نصا فى اليمين: أن يغلب استعماله فيه، حتى لا يستعمل فى غيره إلا مع قرينة، و مقابل هذا ما ليس نصا فى اليمين-و هو: الذى يكثر استعماله فى غير القسم حتى لا يفهم منه القسم إلا بقرينة ذكر المقسم عليه، ألا ترى أن «عهد اللّه» قد كثر استعماله فى غير القسم-نحو قوله تعالى: (وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللََّهِ) و قولهم: عهد اللّه يجب الوفاء به، و يفهم منه القسم إذا قلت: عهد لأفعلن كذا؛ لذكرك المقسم عليه.

(2) إن كان من غرض الشارح الاعتراض على الذين ذكروا هذا المثال لحذف الخبر وجوبا لكون المبتدأ نصا فى اليمين فلا محل لاعتراضه عليهم بأن ذلك يحتمل أن يكون-