شرح ابن عقيل

- عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل المزيد...
686 /
253

اللّه» بخلاف «لعمرك» فإن المحذوف معه يتعين أن يكون خبرا؛ لأن لام الابتداء قد دخلت عليه، و حقّها الدخول على المبتدأ.

فإن لم يكن المبتدأ نصّا فى اليمين لم يجب حذف الخبر، نحو «عهد اللّه لأفعلنّ» التقدير «عهد اللّه علىّ» فعهد اللّه: مبتدأ، و علىّ: خبره، و لك إثباته و حذفه.

الموضع الثالث: أن يقع بعد المبتدأ واو هى نصّ فى المعية، نحو «كلّ رجل وضيعته» فكلّ: مبتدأ، و قوله «وضيعته» معطوف على كل، و الخبر محذوف، و التقدير «كلّ رجل وضيعته مقترنان» و يقدّر الخبر بعد واو المعية.

و قيل: لا يحتاج إلى تقدير الخبر؛ لأن معنى «كلّ رجل وضيعته» كل رجل مع ضيعته، و هذا كلام تامّ لا يحتاج إلى تقدير خبر، و اختار هذا المذهب ابن عصفور فى شرح الإيضاح.

فإن لم تكن الواو نصّا فى المعية لم يحذف الخبر وجوبا (1) ، نحو «زيد و عمرو قائمان» .

الموضع الرابع: أن يكون المبتدأ مصدرا، و بعده حال سدّ[ت‏]مسدّ الخبر، و هى لا تصلح أن تكون خبرا؛ فيحذف الخبر وجوبا؛ لسدّ الحال مسدّه، و ذلك نحو «ضربى العبد مسيئا» فضربى: مبتدأ، و العبد: معمول

____________

ق-المحذوف هو المبتدأ، و ذلك من وجهين؛ أولهما: أن المثال يكفى فيه صحة الاحتمال الذى جى‏ء به من أجله، و لم يقل أحد إنه يجب أن يتعين فيه الوجه الذى جى‏ء به له و ثانيهما: أن الغرض من كلامهم أنا إن جعلنا هذا المذكور مبتدأ كان خبره محذوفا وجوبا، أما حذفه فلكون ذلك المبتدأ نصا فى اليمين، و أما الوجوب فلأن جواب اليمين عوض عنه، و لا يجمع بين العوض و المعوض منه.

(1) بل إن دل عليه دليل جاز حذفه، و إلا وجب ذكره.

254

له، و مسيئا: حال سدّ[ت‏]مسدّ الخبر، و الخبر محذوف وجوبا، و التقدير «ضربى العبد إذا كان مسيئا» إذا أردت الاستقبال، و إن أردت المضىّ فالتقدير «ضربى العبد إذ كان مسيئا» فمسيئا: حال من الضمير المستتر فى «كان» المفسّر بالعبد[و «إذا كان» أو «إذ كان» ظرف زمان نائب عن الخبر].

و نبّه المصنف بقوله: «و قبل حال» على أن الخبر المحذوف مقدّر قبل الحال التى سدّت مسدّ الخبر كما تقدم تقريره.

و احترز بقوله: «لا يكون خبرا» عن الحال التى تصلح أن تكون خبرا عن المبتدأ المذكور، نحو ما حكى الأخفش-رحمه اللّه!-من قولهم «زيد قائما» فزيد: مبتدأ، و الخبر محذوف، و التقدير «ثبت قائما» و هذه الحال تصلح أن تكون خبرا؛ فتقول «زيد قائم» فلا يكون الخبر واجب الحذف، بخلاف «ضربى العبد مسيئا» فإن الحال فيه لا تصلح أن تكون خبرا عن المبتدأ الذى قبلها؛ فلا تقول: «ضربى العبد مسى‏ء لأن الضرب لا يوصف بأنه مسى‏ء.

و المضاف إلى هذا المصدر حكمه كحكم المصدر، نحو «أتمّ تبيينى الحقّ منوطا بالحكم» فأتمّ: مبتدأ، و تبيينى: مضاف إليه، و الحقّ: مفعول لتبيينى، و منوطا: حال سدّ[ت‏]مسدّ خبر أتم، و التقدير: «أتم تبيينى الحقّ إذا كان-أو إذ كان-منوطا بالحكم» .

*** و لم يذكر المصنف المواضع التى يحذف فيها المبتدأ، وجوبا، و قد عدّها فى غير هذا الكتاب أربعة (1) :

____________

(1) بقى عليه موضعان آخران مما يجب فيه حذف المبتدأ (الأول) مبتدأ الاسم-

255

الأول: النعت المقطوع إلى الرفع: فى مدح، نحو: «مررت بزيد الكريم» أو ذم، نحو: «مررت بزيد الخبيث» أو ترحّم، نحو:

«مررت بزيد المسكين» فالمبتدأ محذوف فى هذه المثل و نحوها وجوبا، و التقدير «هو الكريم، و هو الخبيث، و هو المسكين» .

الموضع الثانى: أن يكون الخبر مخصوص «نعم» أو «بئس» نحو: «نعم

____________

ق-المرفوع بعد «لا سيما» سواء كان هذا الاسم المرفوع بعدها نكرة كما فى قول امرى‏ء القيس بن حجر الكندى الذى أنشدناه فى مباحث العائد فى باب الموصول (ص 166) ، و هو:

ألا ربّ يوم صالح لك منهما # و لا سيّما يوم بدارة جلجل‏

أم كان معرفه كما فى قولك: أحب النابهين لا سيما على، فإن هذا الاسم المرفوع خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، و التقدير: و لا مثل الذى هو يوم بدارة جلجل، و لا مثل الذى هو على، و ليس يخفى عليك أن هذا إنما يجرى على تقدير رفع الاسم بعد «لا سيما» فأما على جره أو نصبه فلا (الثانى) بعد المصدر النائب عن فعله الذى بين فاعله أو مفعوله بحرف جر؛ فمثال ما بين حرف الجر فاعل المصدر قولك: سحقا لك. و تعسا لك، و بؤسا لك، التقدير: سحقت و تعست و بؤست. هذا الدعاء لك، فلك: جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، و لم يجعل هذا الجار و المجرور متعلقا بالمصدر لأن التعدى باللام إنما يكون إلى المفعول لا إلى الفاعل، و التزموا حذف المبتدأ ليتصل الفاعل بفعله، و مثال ما بين حرف الجر المفعول قولك: سقيا لك، و رعيا لك، و التقدير: اسق اللهم سقيا و ارع اللهم رعيا، هذا الدعاء لك يا زيد، مثلا، فلك: جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف وجوبا، و لم يجعل الجار و المجرور متعلقا بالمصدر فى هذا لئلا يلزم عليه وجود خطابين لاثنين مختلفين فى جملة واحدة، و لهذا لو كان المصدر نائبا عن فعل غير الأمر، أو كانت اللام جارة لغير ضمير المخاطب، نحو «شكرا لك» : أى شكرت لك شكرا، و نحو «سقيا لزيد» :

أى اسق اللهم زيدا-لم يمتنع جعل الجار و المجرور متعلقا بالمصدر، و يصير الكلام جملة واحدة حينئذ، و التزموا حذف المبتدأ فى هذا الموضع أيضا ليتصل العامل بمعموله.

256

الرّجل زيد، و بئس الرّجل عمرو» فزيد و عمرو: خبران لمبتدإ محذوف وجوبا، و التقدير «هو زيد» أى الممدوح زيد «و هو عمرو» أى المذموم عمرو.

الموضع الثالث: ما حكى الفارسىّ من كلامهم «فى ذمّتى لأفعلنّ» ففى ذمتى:

خبر لمبتدإ محذوف واجب الحذف، و التقدير «فى ذمّتى يمين» و كذلك ما أشبهه، و هو ما كان الخبر فيه صريحا فى القسم.

الموضع الرابع: أن يكون الخبر مصدرا نائبا مناب الفعل، نحو: «صبر جميل» التقدير «صبرى صبر جميل» فصبرى: مبتدأ، و صبر جميل: خبره، ثم حذف المبتدأ-الذى هو «صبرى» -وجوبا (1) .

***

قد يكون الخبر متعددا لمبتدأ واحد كان و أخواتها

و أخبروا باثنين أو بأكثرا # عن واحد كهم سراة شعرا (2)

____________

(1) و قد ورد من هذا قول اللّه تعالى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) * و قول الشاعر:

عجب لتلك قضيّة، و إقامتى # فيكم على تلك القضيّة أعجب‏

و قول الراجز:

شكا إلىّ جملى طول السّرى # صبر جميل فكلانا مبتلى‏

لكن كون هذا مما حذف فيه المبتدأ ليس بلازم، بل يجوز أن يكون مما حذف فيه الخبر، و كون الحذف واجبا ليس بلازم أيضا، فقد جوزوا أن يكون «عجب» مبتدأ و «لتلك» خبره.

(2) «و أخبروا» فعل ماض و فاعله «باثنين» جار و مجرور متعلق بأخبر «أو» حرف عطف «بأكثرا» جار و مجرور معطوف بأو على الجار و المجرور السابق «عن واحد» جار و مجرور متعلق بأخبر «كهم» الكاف جارة لقول محذوف، و هى و مجرورها تتعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و هم: مبتدأ «سراة» خبر أول-

257

اختلف النحويون فى جواز تعدّد خبر المبتدأ الواحد بغير حرف عطف، نحو:

«زيد قائم ضاحك» فذهب قوم-منهم المصنف-إلى جواز ذلك، سواء (1) كان الخبران فى معنى خبر واحد، نحو: «هذا حلو حامض» أى مزّ، أم لم يكونا كذلك، كالمثال الأول، و ذهب بعضهم إلى أنه لا يتعدّد الخبر إلا إذا كان الخبران فى معنى خبر واحد؛ فإن لم يكونا كذلك تعيّن العطف؛ فإن جاء من لسان العرب شى‏ء بغير عطف قدّر له مبتدأ آخر؛ كقوله تعالى:

(وَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلْوَدُودُ `ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ) و قول الشاعر:

(58) -

من يك ذا بتّ فهذا بتّى # مقيّظ مصيّف مشتّى‏

____________

ق- «شعرا» أصله شعراء فقصره للضرورة، و هو خبر ثان، و الجملة من المبتدأ و خبريه فى محل نصب مقول القول المقدر.

(1) الذى يستفاد من كلام الشارح-و هو تابع فيه للناظم فى شرح الكافية- أن تعدد الخبر على ضربين (الأول) تعدد فى اللفظ و المعنى جميعا، و ضابطه: أن يصح الإخبار بكل واحد منهما على انفراده، كالآية القرآنية التى تلاها، و كمثال النظم، و كالبيتين اللذين أنشدهما. و حكم هذا النوع-عند من أجاز التعدد-أنه يجوز فيه العطف و تركه، و إذا عطف أحدهما على الآخر جاز أن يكون العطف بالواو و غيرها، فأما عند من لم يجز التعدد فيجب أن يعطف أو يقدر لما عدا الأول مبتدآت (الثانى) التعدد فى اللفظ دون المعنى، و ضابطه: ألا يصح الإخبار بكل واحد منهما على انفراده، نحو قولهم: الرمان حلو حامض، و قولهم: فلان أعسر أيسر، أى يعمل بكلتا يديه، و لهذا النوع أحكام: منها أنه يمتنع عطف أحد الأخبار على غيره، و منها أنه لا يجوز توسط المبتدأ بينها، و منها أنه لا يجوز تقدم الأخبار كلها على المبتدأ؛ فلا بد فى المثالين من تقدم المبتدأ عليهما، و الإتيان بهما بغير عطف؛ لأنهما عند التحقيق كشى‏ء واحد؛ فكل منهما يشبه جزء الكلمة.

(58) -ينسب هذا البيت لرؤبة بن العجاج، و هو من شواهد سيبويه (ج 1 ص 258) و لم ينسبه و لا نسبه الأعلم، و روى ابن منظور هذا البيت فى اللسان أكثر من مرة و لم ينسبه فى إحداها، و قد روى بعد الشاهد فى أحد المواضع قوله: -

258

...

____________

ق-

*أخذته من نعجات ستّ*

و زاد على ذلك كله فى موضع آخر قوله:

*سود نعاج كنعاج الدّشت*

اللغة: «بت» قال ابن الأثير: البت الكساء الغليظ المربع، و قيل: طيلسان من خز، و جمعه بتوت، و قوله «مقيظ، مصيف، مشتى» أى: يكفينى للقيظ و هو زمان اشتداد الحر، و يكفينى للصيف، و للشتاء «الدشت» الصحراء، و أصله فارسى، و قد وقع فى شعر الأعشى ميمون بن قيس، و ذلك قوله:

قد علمت فارس و حمير # و الأعراب بالدّشت أيّكم نزلا

قال أهل اللغة: «و هو فارسى معرب، و يجوز أن يكون مما اتفقت فيه لغة العرب و لغة الفرس» .

المعنى: هذا البيت فى وصف كساء من صوف كما قال الجوهرى و غيره، و يريد الشاعر أن يقول: إذا كان لأحد من الناس كساء فإن لى كساء أكتفى به فى زمان حمارة القيظ و زمان الصيف و زمان الشتاء، يعنى أنه يكفيه الدهر كله، و أنه قد أخذ صوفه الذى نسج منه من نعجات ست سود كنعاج الصحراء.

الإعراب: «من» يجوز أن يكون اسما موصولا، و هو مبتدأ مبنى على السكون فى محل رفع، و يجوز أن تكون اسم شرط مبتدأ أيضا، و هو مبنى على السكون فى محل رفع أيضا «يك» فعل مضارع ناقص مجزوم بسكون النون المحذوفة للتخفيف، فإن قدرت «من» شرطية فهذا فعل الشرط، و اسم يك على الحالين ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «من» و لا إشكال فى جزمه حينئذ، و إن قدرتها موصولة فإنما جزم-كما أدخل الفاء فى «فهذابتى» لشبه الموصول بالشرط «ذا» خبريك، منصوب بالألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الستة، و ذا مضاف و «بت» مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، و الجملة من «يك» و اسمها و خبرها لا محل لها صلة الموصول إذا قدرت «من» موصولة «فهذا» الفاء واقعة فى جواب الشرط إذا قدرت «من» اسم شرط، و إن قدرتها موصولة فالفاء زائدة فى خبر المبتدأ لشبهه بالشرط فى عمومه، -

259

و قوله:

(59) -

ينام بإحدى مقلتيه، و يتّقى # بأخرى المنايا؛ فهو يقظان نائم‏

____________

ق-و ها: حرف تنبيه، و ذا: اسم إشارة مبتدأ «بتى» بت: خبر المبتدأ، و بت مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه «مقيظ، مصيف، مشتى» أخبار متعددة لمبتدأ واحد، و هو اسم الإشارة، و الجملة من المبتدأ و خبره فى محل رفع خبر المبتدأ الذى هو «من» إن قدرت «من» موصولة، و فى محل جزم جواب الشرط إن قدرتها شرطية، و جملة الشرط و جوابه جميعا فى محل رفع خبر المبتدأ على تقدير من شرطية.

الشاهد فيه: قوله «فهذا بتى، مقيظ، مصيف، مشتى» فإنها أخبار متعددة لمبتدأ واحد من غير عاطف، و لا يمكن أن يكون الثانى نعتا للأول؛ لاختلافهما تعريفا و تنكيرا، و تقدير كل واحد مما عدا الأول خبرا لمبتدأ محذوف خلاف الأصل؛ فلا يصار إليه.

(59) -البيت لحميد بن ثور الهلالى، من كلمة يصف فيها الذئب.

اللغة: «مقلتيه» عينيه «المنايا» جمع منية، و هى فى الأصل فعيلة بمعنى مفعول من منى اللّه الشى‏ء يمنيه-على وزن رمى يرمى-بمعنى قدره، و ذلك لأن المنية من مقدرات اللّه تعالى على عباده، و قوله «فهو يقظان نائم» هكذا وقع فى أكثر كتب النحاة، و الصواب فى إنشاد هذا البيت «فهو يقظان هاجع» ؛ لأنه من قصيدة عينية مشهورة لحميد بن ثور، و قبله قوله:

إذا خاف جورا من عدوّ رمت به # قصائبه و الجانب المتواسع

و إن بات وحشا ليلة لم يضق بها # ذراعا، و لم يصبح لها و هو خاشع‏

الإعراب: «ينام» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذئب «بإحدى» جار و مجرور متعلق بقوله ينام، و إحدى مضاف، و مقلتى من «مقلتيه» مضاف إليه، و مقلتى مضاف و الضمير مضاف إليه «و يتقى» الواو عاطفة، يتقى: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذئب، و الجملة معطوفة على جملة «ينام» السابقة «بأخرى» جار و مجرور متعلق بقوله يتقى «المنايا» مفعول به ليتقى «فهو» مبتدأ «يقظان» خبره «نائم» أو «هاجع» خبر بعد خبر. -

260

و زعم يعضهم أنه لا يتعدّد الخبر إلا إذا كان من جنس واحد، كأن يكون الخبران مثلا مفردين، نحو: «زيد قائم ضاحك» أو جملتين نحو: «زيد قام ضحك» فأما إذا كان أحدهما مفردا و الآخر جملة فلا يجوز ذلك؛ فلا تقول:

«زيد قائم ضحك» هكذا زعم هذا القائل، و يقع فى كلام المعريين للقرآن الكريم و غيره تجويز ذلك كثيرا، و منه قوله تعالى: (فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ََ) جوزوا كون «تسعى» خبرا ثانيا، و لا يتعين ذلك؛ لجواز كونه حالا (1) .

***

____________

ق-الشاهد فيه: قوله «فهو يقظان نائم» أو قوله «فهو يقظان هاجع» حيث أخبر عن مبتدأ واحد-و هو قوله «هو» -بخبرين و هما قوله «يقظان هاجع» أو قوله «يقظان نائم» من غير عطف الثانى منهما على الأول‏

و الشواهد على ذلك كثيرة فى كلام من يحتج بكلامه شعره و نثره؛ فلا معنى لجحده و نكرانه.

و مما استشهد به المجيز قوله تعالى: (كَلاََّ إِنَّهََا لَظى‏ََ `نَزََّاعَةً لِلشَّوى‏ََ) و قوله سبحانه فى قراءة ابن مسعود: (و هذا بعلى شيخ) و منه قول على بن أبى طالب أمير المؤمنين:

أنا الذى سمّتن أمّى حيدره # كليث غابات غليظ القصره

*أكيلكم بالسّيف كيل السّندره*

فإن قوله «أنا» مبتدأ، و الاسم الموصول بعده خبره، و يجوز أن يكون «كليث» جارا و مجرورا يتعلق بمحذوف خبر ثان، و قوله «أكيلكم» جملة فعلية فى محل رفع خبر ثالث، و هذا دليل لمن أجاز تعدد الخبر مع اختلاف الجنس، و هو ظاهر بعد ما بيناه.

(1) إذا لم تجعل جملة (تسعى) خبرا ثانيا كما يقول المعربون فهى فى محل رفع صفة لحية، و ليست فى محل نصب حالا من حية كما زعم الشارح، و ذلك لأن (حية) نكرة لا مسوغ لمجى‏ء الحال منها، و صاحب الحال لا يكون إلا معرفة أو نكرة معها مسوغ، اللهم إلا أن تتمحل للشارح فتزعم أن الجملة حال من الضمير الواقع مبتدأ على رأى سيبويه الذى يجيز مجى‏ء الحال من المبتدأ.

261

كان و أخواتها

عمل هذه الأفعال، و ألفاظها

ترفع كان المبتدا اسما، و الخبر # تنصبه، ككان سيّدا عمر (1)

ككان ظلّ بات أضحى أصبحا # أمسى و صار ليس، زال برحا (2)

فتى‏ء، و انفكّ، و هذى الأربعه # لشبه نفى، أو لنفى، متبعه‏ (3)

و مثل كان دام مسبوقا بـ «ما» # كأعط مادمت مصيبا درهما (4)

____________

(1) «ترفع» فعل مضارع «كان» قصد لفظه: فاعل ترفع «المبتدا» مفعول به لترفع «اسما» حال من قوله المبتدأ «و الخبر» الواو عاطفة، الخبر مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، و التقدير: و تنصب الخبر «تنصبه» تنصب: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود على «كان» ، و الضمير البارز المتصل مفعول به، و الجملة من تنصب و فاعله و مفعوله لا محل لها تفسيرية «ككان» الكاف جارة لقول محذوف، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، أى: و ذلك كائن كقولك، كان: فعل ماض ناقص «سيدا» خبر كان مقدم «عمر» اسمها مؤخر، مرفوع بالضمة الظاهرة، و سكن للوقف.

(2) «ككان» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و «كان» هنا قصد لفظه «ظل» قصد لفظه أيضا: مبتدأ مؤخر «بات، أضحى، أصبحا، أمسى، و صار ليس، زال، برحا» كلهن معطوفات على ظل بإسقاط حرف العطف مما عدا الخامس.

(3) «فتى‏ء، و انفك» معطوفان أيضا على «ظل» بإسقاط حرف العطف فى الأول «و هذى» الواو للاستئناف، ها: حرف تنبيه، مبنى على السكون لا محل له من الإعراب، و ذى: اسم إشارة مبتدأ «الأربعة» بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له، «لشبه» جار و مجرور متعلق بقوله «متبعة» الآتى، و شبه مضاف، و «نفى» مضاف إليه «أو» حرف عطف «لنفى» جار و مجرور معطوف على الجار و المجرور السابق «متبعه» خبر المبتدأ الذى هو اسم الإشارة.

(4) «و مثل» خبر مقدم، و مثل مضاف و «كان» قصد لفظه: مضاف إليه «دام» قصد لفظه أيضا: مبتدأ مؤخر «مسبوقا» حال من دام «بما» الباء حرف جر، و ما-

262

لما فرغ من الكلام على المبتدأ و الخبر شرع فى ذكر نواسخ الابتداء، و هى قسمان: أفعال، و حروف؛ فالأفعال: كان و أخواتها، و أفعال المقاربة، و ظنّ و أخواتها؛ و الحروف: ما و أخواتها، و لا التى لنفى الجنس، و إنّ و أخواتها.

هـ قف على اختلاف العلماء فى «ليس» أحرف هو أم فعل؟

فبدأ المصنف بذكر كان و أخواتها، و كلّها أفعال اتفاقا، إلا «ليس» ؛ فذهب الجمهور إلى أنها فعل، و ذهب الفارسىّ-فى أحد قوليه-و أبو بكر بن شقير -فى أحد قوليه-إلى أنها حرف‏ (1) .

____________

ق-قصد لفظه مجرور محلا بالباء، و الجار و المجرور متعلق بمسبوقا «كأعط» الكاف جارة لقول محذوف كما سبق مرارا، أعط: فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و مفعوله الأول محذوف، و التقدير «أعط المحتاج» مثلا «ما» مصدرية ظرفية «دمت» دام: فعل ماض ناقص، و التاء ضمير المخاطب اسم دام «مصيبا» خبر دام «درهما» مفعول ثان لأعط، و تلخيص البيت: و دام مثل كان -فى العمل الذى هو رفع الاسم و نصب الخبر-لكن فى حالة معينة، و هى حالة ما إذا سبقت دام بما المصدرية الظرفية الواقعة فى نحو قولك «أعط المحتاج درهما مادمت مصيبا» أى مدة دوامك مصيبا، و المراد مادمت تحب أن تكون مصيبا.

(1) أول من ذهب من النحاة إلى أن ليس حرف، هو ابن السراج و تابعه على ذلك أبو على الفارسى فى «الحلبيات» و أبو بكر بن شقير، و جماعة.

و استدلوا على ذلك بدليلين:

الدليل الأول، أن «ليس» أشبه الحرف من وجهين:

الوجه الأول: أنه يدل على معنى يدل عليه الحرف، و ذلك لأنه يدل على النفى الذى يدل عليه «ما» و غيرها من حروف النفى.

الوجه الثانى: أنه جامد لا يتصرف، كما أن الحرف جامد لا يتصرف.

و الدليل الثانى: أنه خالف سنن الأفعال عامة، و بيان ذلك أن الأفعال بوجه عام مشتقة من المصدر للدلالة على الحدث دائما و الزمان بحسب الصيغ المختلفة، و هذه الكلمة لا تدل على الحدث أصلا، و ما فيها من الدلالة على الزمان مخالف لما فى عامة الأفعال؛ فإن عامة الأفعال الماضية تدل على الزمان الذى انقضى، و هذه الكلمة تدل على نفى-

263

و هى ترفع المبتدأ، و تنصب خبره، و يسمى المرفوع بها اسما لها، و المنصوب بها خبرا لها.

بعض هذه الأفعال يعمل بلا شرط، و بعضها لا يعمل إلا بشرط

و هذه الأفعال قسمان: منها ما يعمل هذا العمل بلا شرط، و هى: كان، و ظل، و بات، و أضحى، و أصبح، و أمسى، و صار، و ليس، و منها ما لا يعمل هذا العمل إلا بشرط، و هو قسمان: أحدهما ما يشترط فى عمله أن يسبقه نفى لفظا أو تقديرا، أو شبه نفى، و هو أربعة: زال، و برح، و فتى، و انفكّ؛ فمثال النفى لفظا «ما زال زيد قائما» و مثاله تقديرا قوله تعالى: (قََالُوا تَاللََّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) أى: لا تفتؤ، و لا يحذف النافى معها قياسا إلا بعد القسم كالآية الكريمة، و قد شذّ الحذف بدون القسم، كقول الشاعر:

____________

ق-الحدث الذى دل عليه خبرها فى الزمان الحاضر، إلى أن تقوم قرينة تصرفه إلى الماضى أو المستقبل، فإذا قلت: «ليس خلق اللّه مثله» فليس أداة نفى، و اسمها ضمير شأن محذوف، و جملة الفعل الماضى-و هو خلق-و فاعله فى محل نصب خبرها. و فى هذا المثال قرينة-و هى كون الخبر ماضيا-على أن المراد نفى الخلق فى الماضى، و قوله تعالى: (أَلاََ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) يشتمل على قرينة تدل على أن المراد نفى صرفه عنهم فيما يستقبل من الزمان، و من أجل ذلك كله قالوا: هى حرف.

و يرد ذلك عليهم قبولها علامات الفعل، ألا ترى أن تاء التأنيث الساكنة تدخل عليها؛ فتقول: ليست هند مفلحة، و أن تاء الفاعل تدخل عليها؛ فتقول: لست، و لست، و لستما، و لستم، و لستن.

و أما عدم دلالتها على الحدث كسائر الأفعال فإنه منازع فيه؛ لأن المحققق الرضى ذهب إلى أن «ليس» دالة على حدث-و هو الانتفاء-و لئن سلمنا أنها لا تدل على حدث- كما هو الراجح، بل الصحيح عند الجمهور-فإنا نقول: إن عدم دلالتها على حدث- ليس هو بأصل الوضع، و لكنه طارى‏ء عليها و عارض لها بسبب دلالتها على النفى، و المعتبر إنما هو الدلالة بحسب الوضع و أصل اللغة، و هى من هذه الجهة داله عليه؛ فلا يضرها أن يطرأ عليها ذلك الطارى‏ء فيمنعها. -

264

(60) -

و أبرح ما أدام اللّه قومى # بحمد اللّه منتطقا مجيدا

____________

(60) -البيت لخداش بن زهير.

اللغة: «منتطقا» قد فسره الشارح العلامة تفسيرا، و يقال: جاء فلان منتطقا فرسه؛ إذا جنبه-أى جعله إلى جانبه و لم يركبه-و قال ابن فارس: هذا البيت يحتمل أنه أراد أنه لا يزال يجنب فرسا جوادا، و يحتمل أنه أراد أنه يقول قولا مستجاذا فى الثناء على قومه، أى: ناطقا «مجيدا» بضم الميم: يجرى على المعنيين اللذين ذكرناهما فى قوله «منتطقا» ، و هو وصف للفرس على الأول؛ و وصف لنفسه على الثانى.

المعنى: يريد أنه سيبقى مدى حياته فارسا، أو ناطقا بمآثر قومه، ذاكرا ممادحهم؛ لأنها كثيرة لا تفنى. و سيكون جيد الحديث عنهم، بارع الثناء عليهم؛ لأن صفاتهم الكريمة تنطق الألسنة بذكرهم.

الإعراب: «أبرح» فعل مضارع ناقص، و اسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا «ما» مصدرية ظرفية «أدام» فعل ماض «اللّه» فاعل أدام «قومى» قوم: مفعول به لأدام، و قوم مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه «بحمد» جار و مجرور متعلق بقوله «أبرح» أو هو متعلق بفعل محذوف، و التقدير «أحمد بحمد» و حمد مضاف، و «اللّه» مضاف إليه «منتطقا» اسم فاعل فعله انتطق، و هو خبر «أبرح» السابق، و فاعله ضمير مستتر فيه «مجيدا» مفعول به لمنتطق على المعنى الأول، و أصله صفة لموصوف محذوف، فلما حذف الموصوف أقيمت الصفة مقامه، و أصل الكلام: لا أبرح جانبا فرسا مجيدا، و هو خبر بعد خبر على المعنى الثانى، و كأنه قال: لا أبرح ناطقا بمحامد قومى مجيدا فى ذلك؛ لأن مآثر قومى تنطق الألسنة بجيد المدح.

الشاهد فيه: قوله «أبرح» حيث استعمله بدون نفى أو شبه نفى، مع كونه غير مسبوق بالقسم، قال ابن عصفور: و هذا البيت فيه خلاف بين النحويين، فمنهم من قال: إن أداة النفى مرادة، فكأنه قال «لا أبرح» و منهم من قال: إن «أبرح» غير منفى، لا فى اللفظ و لا فى التقدير، و المعنى عنده: أزول بحمد اللّه عن أن أكون منتطقا مجيدا، أى: صاحب نطاق و جواد-لأن قومى يكفوننى هذا؛ فعلى الوجه الأخير فى كلام ابن عصفور لا استشهاد فيه.

و مثل هذا البيت قول خليفة بن براز: -

265

أى: لا أبرح منتطقا مجيدا، أى: صاحب نطاق و جواد، ما أدام اللّه قومى، و عنى بذلك أنه لا يزال مستغنيا ما بقى له قومه، و هذا أحسن ما حمل عليه البيت.

و مثال شبه النفى-و المراد به النهى-كقولك: «لا تزل قائما» و منه قوله:

____________

61

-

صاح شمّر و لا تزل ذاكر المو # ت؛ فنسيانه ضلال مبين‏

و الدعاء، كقولك: «لا يزال اللّه محسنا إليك» ، و قول الشاعر:

____________

ق

تنفكّ تسمع ما حييت # بهالك حتّى تكونه‏

و اعلم أن شروط جواز حذف حرف النفى مطلقا ثلاثة:

الأول: أن يكون هذا الحرف «لا» دون سائر أخواته من حروف النفى.

الثانى: أن يكون المنفى به مضارعا كما فى الآية، و كما فى قول امرى‏ء القيس:

فقلت: يمين اللّه أبرح قاعدا # و لو قطعوا رأسى لديك و أوصالى‏

و قول عبد اللّه بن قيس الرقيات:

و اللّه أبرح فى مقدّمة # أهدى الجيوش علىّ شكّتيه

حتّى أفجّعهم بإخوتهم # و أسوق نسوتهم بنسوتيه‏

و قول عمر بن أبى ربيعة المخزومى:

تاللّه أنسى حبّها # حياتنا أو أقبرا

و قول نصيب من مرثية له فى أبى بكر بن عبد العزيز بن مروان:

تالّله أنسى مصيبتى أبدا # ما أسمعتنى حنينها الإبل‏

الثالث: أن يكون ذلك فى القسم كما فى الآية الكريمة من سورة يوسف، و بيت امرى‏ء القيس، و بيت عبد اللّه بن قيس الرقيات، و بيت عمر، و بيت نصيب، و شذ الحذف بدون القسم كما فى بيت خداش، و بيت خليفة بن براز.

(61) -البيت من الشواهد التى لا بعرف قائلها. -

266

____________

62

-

ألا يا اسلمى، يا دارمىّ، على البلى، # و لا زال منهلاّ بجرعائك القطر

____________

ق-المعنى: يا صاحبى اجتهد، و استعد للموت، و لا تنس ذكره؛ فإن نسيانه ضلال ظاهر.

الإعراب: «صاح» منادى حذفت منه ياء النداء، و هو مرخم ترخيما غير قياسى؛ لأنه نكرة، و القياس ألا برخم مما ليس آخره تاء إلا العلم «شمر» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «و لا» الواو عاطفة، لا: ناهية «تزل» فعل مضارع ناقص مجزوم بحرف النهى، و اسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «ذاكر» خبر تزل، و ذاكر مضاف، و «الموت» مضاف إليه «فنسيانه» الفاء حرف دال على التعليل، نسيان: مبتدأ، و نسيان مضاف و الهاء العائدة إلى الموت مضاف إليه «ضلال» خبر المبتدأ «مبين» نعت لضلال.

الشاهد فيه: قوله «و لا تزل ذاكر الموت» حيث أجرى فيه مضارع «زال» مجرى «كان» فى العمل؛ لكونها مسبوقة بحرف النهى، و النهى شبيه بالنفى.

(62) -البيت لذى الرمة غيلان بن عقبة يقوله فى صاحبته مية.

اللغة: «البلى» من بلى الثوب يبلى-على وزن رضى يرضى-أى: خلق ورث «منهلا» منسكبا منصبا «جرعائك» الجرعاء: رملة مستوية لا تنبت شيئا «القطر» المطر.

المعنى: يدعو لدار حبيبته بأن تدوم لها السلامة على مر الزمان من طوارق الحدثان و أن يدوم نزول الأمطار بساحتها، و كنى بنزول الأمطار عن الخصب و النماء بما يستتبع من رفاهية أهلها، و إقامتهم فى ربوعها، و عدم المهاجرة منها لانتجاع الغيث و الكلأ.

الإعراب: «ألا» أداة استفتاح و تنبيه «يا» حرف نداء، و المنادى محذوف، و التقدير «يادارمية» «اسلمى» فعل أمر مقصود منه الدعاء، و ياء المؤنثة المخاطبة فاعل «يادار» يا: حرف نداء، و دار: منادى منصوب بالفتحة الظاهرة، و دار مضاف، و «مى» مضاف إليه «على البلى» جار و مجرور متعلق باسلمى «و لا» الواو حرف عطف، لا: حرف دعاء «زال» فعل ماض ناقص «منهلا» خبر زال مقدم «بجرعائك» الجار و المجرور متعلق بقوله «منهلا» و جرعاء مضاف و ضمير المخاطبة مضاف إليه «القطر» اسم زال مؤخر. -

267

و هذا[هو]الذى أشار إليه المصنف بقوله: «و هذى الأربعة-إلى آخر البيت» .

القسم الثانى: ما يشترط فى عمله أن يسبقه «ما» المصدرية الظرفية، و هو «دام» كقولك: «أعط ما دمت مصيبا درهما» أى: أعط مدّة دوامك مصيبا درهما؛ و منه قوله تعالى: (وَ أَوْصََانِي بِالصَّلاََةِ وَ اَلزَّكََاةِ مََا دُمْتُ حَيًّا) أى: مدّة دوامى حيا.

____________

ق-الشاهد فيه: للنحاة فى هذا البيت شاهدان، الأول: فى قوله «يا اسلمى» حيث حذف المنادى قبل فعل الأمر فاتصل حرف النداء بالفعل لفظا، و لكن التقدير على دخول «يا» على المنادى المقدر، و لا يحسن فى مثل هذا البيت أن تجعل «يا» حرف تنبيه؛ لأن «ألا» السابقة عليها حرف تنبيه، و من قواعدهم المقررة أنه لا يتوالى حرفان بمعنى واحد لغير توكيد، و مثل هذا البيت فى ما ذكرنا قول الشماخ.

يقولون لى: يا احلف، و لست بحالف # أخادعهم عنها لكيما أنالها

فقد أراد: يقولون لى يا هذا احلف، و مثله قول الأخطل:

ألا يا اسلمى يا هند هند بنى بكر # و لا زال حيّانا عدى آخر الدهر

أراد: ألا يا هند اسلمى يا هند بنى بكر، و مثله قول الآخر:

ألا يا اسلمى ذات الدّماليج و العقد # و ذات الثّنايا الغرّ و الفاحم الجعد

أراد: ألا يا ذات الدماليج اسلمى ذات الدماليج-إلخ، و مثل الأمر الدعاء كما فى قول الفرزدق:

يا أرغم اللّه أنفا أنت حامله # يا ذا الخنى و مقال الزّور و الخطل‏

يريد: يا هذا أرغم اللّه أنفا-إلخ، و مثله قول الآخر:

يا لعنة اللّه و الأقوام كلّهم # و الصّالحين على سمعان من جار

فيمن رواه برفع «لعنة اللّه»

و الشاهد الثانى فى قوله «و لا زال إلخ» حيث أجرى «زال» مجرى «كان» فى رفعها الاسم و نصب الخبر، لتقدم «لا» الدعائية عليها، و الدعاء شبه النفى.

268

معانى هذه الألفاظ

و معنى ظلّ: اتّصاف المخبر عنه بالخبر نهارا، و معنى بات: اتّصافه به ليلا، و أضحى: اتصافه به فى الضّحى، و أصبح: اتّصافه به فى الصباح، و أمسى: اتّصافه به فى المساء، و معنى صار: التحوّل من صفة إلى‏[صفة]أخرى، و معنى ليس:

النفى، و هى عند الإطلاق لنفى الحال، نحو: «ليس زيد قائما» أى: الآن و عند التقييد بزمن على حسبه، نحو: «ليس زيد قائما غدا» و معنى ما زال و أخواتها: ملازمة الخبر المخبر عنه على حسب ما يقتضيه الحال نحو: «ما زال زيد ضاحكا، و ما زال عمرو أزرق العينين» و معنى دام: بقى و استمرّ.

***

غير الماضى منها يعمل عمل الماضى و بيان ما يتصرف منها و ما لا يتصرف‏

و غير ماض مثله قد عملا # إن كان غير الماض منه استعملا (1)

هذه الأفعال على قسمين‏ (2) : أحدهما ما يتصرّف، و هو ما عدا ليس و دام.

____________

(1) «و غير» مبتدأ، و غير مضاف، و «ماض» مضاف إليه «مثله» مثل:

حال مقدم على صاحبها، و صاحبها هو فاعل «عمل» الآتى، و مثل مضاف و الضمير مضاف إليه، و مثل من الألفاظ المتوغلة فى الإبهام فلا تفيدها الإضافة تعريفا؛ فلهذا وقعت حالا «قد» حرف تحقيق «عملا» عمل: فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى غير الماضى، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «إن» شرطية «كان» فعل ماض ناقص، فعل الشرط «غير» اسم كان، و غير مضاف، و «الماضى» مضاف إليه «منه» جار و مجرور متعلق باستعمل «استعملا» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى غير الماضى، و الجملة فى محل نصب خبر كان، و جواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام، و التقدير: إن كان غير الماضى مستعملا فإنه يعمل مشابها الماضى.

(2) هى على قسمين إجمالا، و لكنها على ثلاثة أقسام تفصيلا (الأول) ما لا يتصرف أصلا فلم بأت منه إلا الماضى، و هو نعلان: ليس، و دام، فإن قلت: فإنه قد سمع: يدوم، و دم، و دائم، و دوام، قلت: هذه تصرفات دام التامة التى ترفع فاعلا فقط، و الكلام-

269

و الثانى ما لا يتصرّف، و هو ليس و دام، فنبّه المصنف بهذا البيت على أن ما يتصرف من هذه الأفعال يعمل غير الماضى منه عمل الماضى، و ذلك هو المضارع، نحو: «يكون زيد قائما» قال اللّه تعالى: (وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) و الأمر، نحو: (كُونُوا قَوََّامِينَ بِالْقِسْطِ) و قال اللّه تعالى:

(قُلْ كُونُوا حِجََارَةً أَوْ حَدِيداً) ، و اسم الفاعل، نحو: «زيد كائن أخاك» و قال الشاعر:

____________

63

-

و ما كلّ من يبدى البشاشة كائنا # أخاك، إذا لم تلفه لك منجدا

____________

ق-إنما هو فى دام الناقصة التى ترفع الاسم و تنصب الخبر (الثانى) ما يتصرف تصرفا ناقصا، بأن يكون المستعمل منه الماضى و المضارع و اسم الفاعل، و هو أربعة أفعال: زال، و فتى‏ء، و برح، و انفك (الثالث) ما يتصرف تصرفا تاما بأن تجى‏ء منه أنواع الفعل الثلاثة:

الماضى، و المضارع، و الأمر، و يجى‏ء منه المصدر و اسم الفاعل، و هو الباقى، و قد اختلف النحاة فى مجى‏ء اسم المفعول من القسم الثالث؛ فمنعه قوم منهم أبو على الفارسى؛ فقد سأله تلميذه ابن جنى عن قول سيبويه «مكون فيه» فقال: ما كل داء يعالجه الطبيب!.

و أجازه غير أبى على، فاحفظ ذلك.

(63) -البيت من الشواهد التى لم نقف لها على نسبة إلى قائل معين.

اللغة: «يبدى» يظهر «البشاشة» طلاقة الوجه «تلفه» تجده «منجدا» مساعدا.

المعنى: ليس كل أحد يلقاك بوجه ضاحك أخاك الذى تركن إليه، و تعتمد فى حاجتك عليه، و لكن أخوك هو الذى تجده عونا لك عند الحاجة

الإعراب: «ما» نافية تعمل عمل ليس «كل» اسمها، و كل مضاف، و «من» اسم موصول مضاف إليه «يبدى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «من» و الجملة لا محل لها صلة الموصول «البشاشة» مفعول به ليبدى «كائنا» خبر ما النافية، و هو اسم فاعل متصرف من كان الناقصة، و اسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كل «أخاك» أخا: خبر كائن منصوب بالألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الستة، و أخا مضاف و الكاف مضاف إليه «إذا» ظرف تضمن معنى الشرط «لم» حرف نفى و جزم «تلفه» تلف: فعل مضارع مجزوم بلم، -

270

و المصدر كذلك، و اختلف الناس فى «كان» الناقصة: هل لها مصدر أم لا؟و الصحيح أن لها مصدرا، و منه قوله:

____________

64

-

ببذل و حلم ساد فى قومه الفتى # و كونك إيّاه عليك يسير

____________

ق-و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و الهاء مفعول أول لتلفى «لك» جار و مجرور متعلق بقوله منجدا الآتى «منجدا» مفعول ثان لتلفى، و قال العينى: هو حال و ذلك مبنى على أن «ظن» و أخواتها تنصب مفعولا واحدا، و هو رأى ضعيف لبعض النحاة.

الشاهد فيه: قوله «كائنا أخاك» فإن «كائنا» اسم فاعل من كان الناقصة و قد عمل عملها، فرفع اسما و نصب خبرا: أما الاسم فهو ضمير مستتر فيه، و أما الخبر فهو قوله «أخاك» على ما بيناه فى إعراب البيت.

(64) -و هذا البيت-أيضا-من الشواهد التى لم ينسبوها إلى قائل معين.

اللغة: «بذل» عطاء «ساد» من السيادة، و هى الرفعة و عظم الشأن.

المعنى: إن الرجل يسود فى قومه و ينبه ذكره فى عشيرته ببذل المال و الحلم، و هو يسير عليك إن أردت أن تكون ذلك الرجل.

الإعراب: «ببذل» جار و مجرور متعلق بساد، «و حلم» معطوف على بذل «ساد» فعل ماض «فى قومه» الجار و المجرور متعلق أيضا بساد، و قوم مضاف و الضمير مضاف إليه «الفتى» فاعل ساد «و كونك» كون: مبتدأ، و هو مصدر كان الناقصة؛ فمن حيث كونه مبتدأ يحتاج إلى خبر، و هو قوله «يسير» الآتى، و من حيث كونه مصدر كان الناقصة يحتاج إلى اسم و خبر؛ فأما اسمه فالكاف المتصلة به؛ فلهذه الكاف محلان أحدهما جر بالإضافة، و الثانى رفع على أنها الاسم، و أما خبرها فقوله «إيا» و قوله «عليك» جار و مجرور متعلق بيسير، و قوله «يسير» هو خبر المبتدأ، على ما تقدم ذكره.

الشاهد فيه: قوله «و كونك إياه» حيث استعمل مصدر كان الناقصة و أجراه مجراها فى رفع الاسم و نصب الخبر، و قد بينت لك اسمه و خبره فى إعراب البيت. -

271

و ما لا يتصرف منها-و هو دام، و ليس‏ (1) -و ما كان النفى أو شبهه شرطا فيه-و هو زال و أخواتها-لا يستعمل منه أمر و لا مصدر.

***

يجوز توسط خبر هذه الأفعال بينها و بين اسمها، خلافا لبعضهم فى ليس، و لابن معط فى دام‏

و فى جميعها توسّط الخبر # أجز، و كلّ سبقه دام حظر (2)

____________

ق-فهذا الشاهد يدل على شيئين: أولهما أن «كان» الناقصة قد جاء لها مصدر فى كلام العرب، فهو رد على من قال لا مصدر لها. و ثانيهما أن غير الماضى من هذه الأفعال-سواء أكان اسما، أم كان فعلا غير ماض-يعمل العمل الذى يعمله الفعل الماضى، و هو رفع الاسم و نصب الخبر.

(1) رجح العلامة الصبان أن الناقصة لها مصدر، و دليله على ذلك شيئان الأول أنها تستعمل البتة صلة لما المصدرية الظرفية، و وجه الاستدلال بهذا الوجه أن ما المصدرية مع صلتها تستوجب التقدير بمصدر، فاستعمالهم هذا الفعل بعد ما يشير إلى أنهم يعتقدون أن لها مصدرا، و الثانى أن العلماء جروا على تقدير ما دام فى نحو قوله تعالى: (مََا دُمْتُ حَيًّا) بقولهم: مدة دوامى حيا، و لو أننا التزمنا أن هذا مصدر لدام التامة، أو أن العلماء اخترعوا فى هذا التقدير مصدرا لم يرد عن العرب، لكنا بذلك جائرين مسيئين بمن قام على العربية و حفظها الظن كل الإساءة، فلزم أن يكون هذا المصدر مصدر الناقصة فتتم الدعوى.

(2) «و فى جميعها» الجار و المجرور متعلق بتوسط، و جميع مضاف، و ها مضاف إليه «توسط» مفعول به لأجز مقدم عليه، و توسط مضاف، و «الخبر» مضاف إليه «أجز» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «كل» مبتدأ «سبقه» سبق: مفعول به مقدم على عامله و هو حظر، و سبق مضاف و ضمير الغائب العائد إلى الخبر مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله «دام» قصد لفظه مفعول به لسبق «حظر» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كل، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ و هو كل.

272

مراده أن أخبار هذه الأفعال-إن لم يجب تقديمها على الاسم، و لا تأخيرها عنه-يجوز توسّطها بين الفعل و الاسم‏ (2) ؛ فمثال وجوب تقديمها على الاسم قولك: «كان فى الدّار صاحبها» ، فلا يجوز ههنا تقديم الاسم على الخبر، لئلا يعود الضمير عل متأخر لفظا و رتبة، و مثال وجوب تأخير الخبر عن الاسم

____________

(2) حاصل القول فى هذا الموضوع أن لخبر كان و أخواتها ستة أحوال:

الأول: وجوب التأخير، و ذلك فى مسألتين، إحداهما: أن يكون إعراب الاسم و الخبر جميعا غير ظاهر، نحو: كان صديقى عدوى، و ثانيتهما: أن يكون الخبر محصورا نحو قوله تعالى: (وَ مََا كََانَ صَلاََتُهُمْ عِنْدَ اَلْبَيْتِ إِلاََّ مُكََاءً وَ تَصْدِيَةً) و المكاء:

التصفير، و التصدية: التصفيق.

الثانى: وجوب التوسط بين العامل و اسمه، و ذلك فى نحو قولك: يعجبنى أن يكون فى الدار صاحبها؛ فلا يجوز فى هذا المثال تأخير الخبر عن الاسم؛ لئلا يلزم منه عود الضمير على متأخر لفظا و رتبة، كما لا يجوز أن يتقدم الخبر على أن المصدرية لئلا يلزم تقديم معمول الصلة على الموصول، فلم يبق إلا توسط هذا الخبر على ما ذكرنا.

الثالث: وجوب التقدم على الفعل و اسمه جميعا، و ذلك فيما إذا كان الخبر مما له الصدارة كاسم الاستفهام، نحو «أين كان زيد» ؟

الرابع: امتناع التأخر عن الاسم، مع جواز التوسط بين الفعل و اسمه أو التقدم عليهما، و ذلك فيما إذا كان الاسم متصلا بضمير يعود على بعض الخبر، و لم يكن ثمة مانع من التقدم على الفعل، نحو «كان فى الدار صاحبها، و كان غلام هند بعلها» يجوز أن تقول ذلك، و يجوز أن تقول: «فى الدار كان صاحبها، و غلام هند كان بعلها» - بنصب غلام-و لا يجوز فى المثالين التأخير عن الاسم.

الخامس: امتناع التقدم على الفعل و اسمه جميعا، مع جواز توسطه بينهما أو تأخره عنهما جميعا، نحو «هل كان زيد صديقك» ؟ففى هذا المثال يجوز هذا، و يجوز «هل كان صديقك زيد» و لا يجوز تقديم الخبر على هل؛ لأن لها صدر الكلام، و لا توسيطه بين هل و الفعل؛ لأن الفصل بينهما غير جائز.

السادس: جواز الأمور الثلاثة، نحو «كان محمد صديقك» يجوز فيه ذلك كما يجوز أن تقول: صديقك كان محمد، و أن تقول: كان صديقك محمد، بنصب الصديق.

273

قولك: «كان أخى رفيقى» فلا يجوز تقديم رفيقى-على أنه خبر-لأنه لا يعلم ذلك، لعدم ظهور الإعراب، و مثال ما توسّط فيه الخبر قولك: «كان قائما زيد» قال اللّه تعالى: (وَ كََانَ حَقًّا عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ) و كذلك سائر أفعال هذا الباب-من المتصرف، و غيره-يجوز توسّط أخبارها بالشرط المذكور، و نقل صاحب الإرشاد خلافا فى جواز تقديم خبر «ليس» على اسمها، و الصواب جوازه، قال الشاعر:

____________

65

-

سلى-إن جهلت-النّاس عنّا و عنهم # فليس سواء عالم و جهول‏

____________

(65) -البيت من قصيدة للسمو أل بن عادياء الغسانى، المضروب به المثل فى الوفاء و مطلع قصيدته التى منها بيت الشاهد قوله:

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه # فكلّ رداء يرتديه جميل

و إن هو لم يحمل على النّفس ضيمها # فليس إلى حسن الثّناء سبيل‏

اللغة: «يدنس» الدنس-بفتح الدال المهملة و النون-هو الوسخ و القذر، و الأصل فيه أن يكون فى الأمور الحسية، و المراد ههنا الدنس المعنوى «اللؤم» اسم جامع للخصال الدنيئة و مقابح الصفات «رداء» هو فى هذا الموضع مستعار للخصلة من الخصال: أى إذا نظف عرض المرء فلم يتصف بصفة من الصفات الدنيئة فإن له بعد ذلك أن يتصف بما يشاء، يريد أن له أن يختار من المكارم و خصال البر الخصلة التى يرغبها «ضيمها» الضيم: الظلم.

المعنى: يقول لمن يخاطبها: سلى الناس عنا و عمن تقارنينهم بنا-إن لم تكونى عالمة بحالنا، مدركة للفرق العظيم الذى بيننا و بينهم-لكى يتضح لك الحال، فإن العالم بحقيقة الأمر ليس كمن جهلها.

الإعراب: «سلى» فعل أمر، و ياء المخاطبة فاعله «إن» شرطية «جهلت» فعل ماض فعل الشرط، و تاء المخاطبة فاعل، و جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله «عنا» جار و مجرور متعلق بقوله سلى «و عنهم» جار و مجرور معطوف بالواو على الجار و المجرور قبله «فليس» الفاء حرف دال على التعليل، و ليس: فعل ماض ناقص «سواء» خبر ليس مقدم «عالم» اسم ليس مؤخر «و جهول» معطوف على عالم. -

274

و ذكر ابن معط أن خبر «دام» لا يتقدّم على اسمها؛ فلا تقول:

«لا أصاحبك» ما دام قائما زيد» و الصواب جوازه، قال الشاعر:

____________

66

-

لا طيب للعيش ما دامت منغّصة # لذّاته بادّكار الموت و الهرم‏

____________

ق-الشاهد فيه: قوله «فليس سواء عالم و جهول» حيث قدم خبر ليس و هو «سواء» على اسمها و هو «عالم» و ذلك جائز سائغ فى الشعر و غيره، خلافا لمن نقل المنع عنه صاحب الإرشاد.

(66) -البيت من الشواهد التى لم يعين أحد ممن اطلعنا على كلامه قائلها.

اللغة: «طيب» المراد به اللذة و ما ترتاح إليه النفس و تهفو نحوه «منغصة» اسم مفعول من التنغيص و هو التكدير «بادكار» تذكر، و أصله «اذتكار» فقلبت تاء الافتعال دالا، ثم قلبت الذال دالا، ثم أدغمت الدال فى الدال، و يجوز فيه «اذكار» بالذال المعجمة، على أن تقلب المهملة معجمة بعكس الأول ثم تدغم، و يجوز فيه بقاء كل من المعجمة و المهملة على حاله فتقول «اذدكار» و بالوجه الأول ورد قوله تعالى: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) * أصله مذتكر فقلبت التاء دالا ثم أدغمتا على ما ذكرناه أولا.

المعنى: لا يرتاح الإنسان إلى الحياة و لا يستطيب العيش مادام يتذكر الأيام التى تأتى عليه بأوجاعها و آلامها، و مادام لا ينسى أنه مقبل لا محالة على الشيخوخة و الموت و مفارقة أحبائه و ملاذه.

الإعراب: «لا» نافية للجنس «طيب» اسمها مبنى على الفتح فى محل نصب «للعيش» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لا، أو متعلق بطيب، و خبر لا حينئذ محذوف «ما» مصدرية ظرفية «دامت» دام: فعل ماض ناقص، و التاء تاء التأنيث «منغصة» خبر دام مقدم على اسمها «لذاته» لذات: اسم دام مؤخر، و لذات مضاف و الهاء العائدة إلى العيش مضاف إليه «بادكار» جار و مجرور متعلق بقوله منغصة، و ادكار مضاف، و «الموت» مضاف إليه «و الهرم» معطوف بالواو على الموت.

الشاهد فيه: قوله «ما دامت منغصة لذاته» حيث قدم خبر دام و هو قوله «منغصة» على اسمها و هو قوله «لذاته» .

275

تقديم الخبر على دام وحدها، أو عليها و على «ما» المصدرية الظرفية

و أشار بقوله: «و كلّ سبقه دام حظر» إلى أن كلّ العرب-أو كلّ النحاة- منع سبق خبر «دام» عليها، و هذا إن أراد به أنهم منعوا تقديم خبر دام على «ما» المتصلة بها، نحو: «لا أصحبك قائما ما دام زيد» فمسلّم، و إن أراد أنهم منعوا تقديمه على «دام وحدها، نحو «لا أصحبك ما قائما دام زيد» -و على ذلك حمله ولده فى شرحه-ففيه نظر، و الذى يظهر أنه لا يمتنع تقديم خبر

____________

ق-هذا توجيه كلام الشارح العلامة كغيره من النحاة، ردا على ابن معط. و فيه خلل من جهة أنه ترتب عليه الفصل بين «منغصة» و متعلقه و هو قوله «بادكار» بأجنبى عنهما و هو «لذاته» .

و فى البيت توجيه آخر، و هو أن يكون اسم «دام» ضميرا مستترا، و قوله «منغصة» خبرها، و قوله «لذاته» نائب فاعل لقوله «منغصة» ؛ لأنه اسم مفعول يعمل عمل الفعل المبنى للمجهول، و على هذا يخلو البيت من الشاهد؛ فلا يكون ردا على ابن معط و من يرى رأيه.

و من الشواهد التى يستدل بها للرد على ابن معط قول الشاعر:

ما دام حافظ سرّى من وثقت به # فهو الّذى لست عنه راغبا أبدا

فإن قوله «حافظ سرى» خبر دام، و قوله «من وثقت به» اسمها، و قد تقدم الخبر على الاسم، و لا يرد عليه الاعتراض الذى ورد على البيت الشاهد، و لكنه يحتمل التأويل، إذ يجوز أن يكون اسم دام ضميرا مستترا يعود إلى «من وثقت به» و يكون خبرها هو «حافظ سرى» ، و يكون قوله «من وثقت به» فاعلا بحافظ؛ لأنه اسم فاعل.

فإن قلت: فقد عاد الضمير على متأخر.

قلت: هو كذلك، و لكنه مغتفر ههنا؛ لأن الكلام على هذا يصير من باب الاشتغال لتقدم عاملين-و هما: دام، و حافظ سرى-و تأخر معمول واحد-و هو «من وثقت به» -فلما أعمل العامل الثانى أضمر فى الأول المرفوع، و هو جائز عند البصريين كما ستعرفه فى باب الاشتغال، إن شاء اللّه.

276

دام على دام وحدها؛ فتقول: «لا أصحبك ما قائما دام زيد» كما تقول:

«لا أصحبك ما زيدا كلّمت» .

***

تقديم الخبر على الفعل المنفى بما أو غيرها من أدوات النفى‏

كذاك سبق خبر ما النّافيه # فجى‏ء بها متلوّة، لا تاليه‏ (1)

يعنى أنه لا يجوز أن يتقدّم الخبر على ما النافية، و يدخل تحت هذا قسمان؛ أحدهما: ما كان النفى شرطا فى عمله، نحو «ما زال» و أخواتها؛ فلا تقول:

«قائما ما زال زيد» و أجاز ذلك ابن كيسان و النحاس، و الثانى: ما لم يكن النفى شرطا فى عمله، نحو «ما كان زيد قائما» فلا تقول: «قائما ما كان زيد» ، و أجازه بعضهم‏ (2) .

و مفهوم كلامه أنه إذا كان النفى بغير «ما» يجوز التقديم؛ فتقول: «قائما لم يزل زيد، و منطلقا لم يكن عمرو» و منعهما بعضهم‏ (3) .

____________

(1) «كذاك» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «سبق» مبتدأ مؤخر، و سبق مضاف، و «خبر» مضاف إليه، و هو من جهة أخرى فاعل لسبق «ما» مفعول به لسبق «النافية» صفة لما «فجى‏ء» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «بها» جار و مجرور متعلق بجى‏ء «متلوة» حال من الضمير المجرور محلا بالباء «لا» عاطفة «تالية» معطوف على متلوة.

(2) أصل هذا الخلاف مبنى على خلاف آخر، و هو: هل تستوجب «ما» النافية أن تكون فى صدر الكلام؟ذهب جمهور البصريين إلى أنها لا تستوجب التصدير، و على هذا أجازوا أن يتقدم خبر الناسخ المنفى بها عليها مطلقا، و وافقهم ابنا كيسان و النحاس على جواز تقديم خبر الناسخ عليها إذا كان من النواسخ التى يشترط فيها النفى؛ لأن نفيها حينئذ إيجاب فكأنه لم يكن، بخلاف النوع الثانى.

(3) ذكر ابن مالك فى شرح التسهيل أن الذى منع ذلك هو الفراء، و هذا النع مردود بقول الشاعر: -

277

و مفهوم كلامه أيضا جواز تقديم الخبر على الفعل وحده إذا كان النفى بما، نحو «ما قائما زال زيد» و «ما قائما كان زيد» و منعه بعضهم.

***

يختار امتناع تقديم الخبر على ليس‏

و منع سبق خبر ليس اصطفى، # و ذو تمام ما برفع يكتفى‏ (1)

و ما سواه ناقص، و النّقص فى # فتى‏ء ليس زال دائما قفى‏ (2)

اختلف النحويون فى جواز تقديم خبر «ليس» عليها؛ فذهب الكوفيون

____________

ق-

مه عاذلى فهائما لن أبرحا # بمثل أو أحسن من شمس الضّحى‏

و قال ابن مالك فى شرح الكافية الشافية: إن ذلك جائز عند الجميع.

(1) «و منع» مبتدأ، و منع مضاف، و «سبق» مضاف إليه، و سبق مضاف و «خبر» مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله «ليس» قصد لفظه: مفعول به لسبق «اصطفى» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى منع، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «و ذو» الواو للاستئناف، ذو: مبتدأ، و ذو مضاف و «تمام» مضاف إليه «ما» اسم موصول خبر المبتدأ «برفع» جار و مجرور متعلق بيكتفى الآتى «يكتفى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ما الموصولة، و جملة يكتفى و فاعله لا محل لها من الإعراب صلة الموصول.

(2) «و ما» اسم موصول مبتدأ «سواه» سوى: ظرف متعلق بمحذوف صلة ما، و سوى مضاف و الهاء مضاف إليه «ناقص» خبر المبتدأ «و النقص» مبتدأ «فى فتى‏ء» جار و مجرور متعلق بقوله «قفى» الآتى «ليس، زال» معطوفان على «فتى‏ء» بإسقاط حرف العطف «دائما» حال من الضمير المستتر فى قوله «قفى» الآتى «قفى» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على النقص، و الجملة من قفى و نائب فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ، و هو «النقص» .

و تقدير البيت: و ما سوى ذى التمام ناقص، و النقص قفى-أى اتبع-حال كونه مستمرا فى فتى‏ء و ليس و زال.

278

و المبرد و الزجاج و ابن السراج و أكثر المتأخرين-و منهم المصنف-إلى المنع، و ذهب أبو على‏[الفارسىّ‏]و ابن برهان إلى الجواز؛ فتقول: «قائما ليس زيد» و اختلف النقل عن سيبويه؛ فنسب قوم إليه الجواز، و قوم المنع، و لم يرد من لسان العرب تقدّم خبرها عليها، و إنما ورد من لسانهم ما ظاهره نقدّم معمول خبرها عليها، كقوله تعالى: (أَلاََ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) و بهذا استدلّ من أجاز تقديم خبرها عليها، و تقريره أن «يوم يأتيهم» معمول الخبر الذى هو «مصروفا» و قد تقدم على «ليس» قال: و لا يتقدّم المعمول إلا حيث يتقدّم العامل‏ (1) .

***

____________

(1) هذه القاعدة ليست مطردة تمام الاطراد، و إن كان العلماء قد اتخذوها دليلا فى كثير من المواطن، و جعلوها كالشى‏ء المسلم به الذى لا يتطرق إليه النقض؛ و نحن ندكر لك عدة مواضع أجازوا فيها تقديم المعمول، و لم يجيزوا فيها نقديم العامل:

الموضع الأول: إذا كان خبر المبتدأ فعلا، لم يجز البصريون تقديمه على المبتدأ؛ لئلا يلتبس المبتدأ بالفاعل، فلا يقولون «ضرب زيد» على أن يكون فى ضرب ضمير مستتر، و جملته خبر مقدم، لكن أجازوا تقديم معمول هذا الخبر على مبتدئه فى نحو «عمرو ضرب زيدا» . فيقولون «زيدا عمرو ضرب» .

الموضع الثانى: خبر إن-إذا لم يكن ظرفا أو جارا و مجرورا-لم يجيزوا تقديمه على اسمها؛ فلا يقولون: «إن جالس زيدا» ، و أجازوا تقديم معموله على الاسم، فيقولون: «إن عندك زيدا جالس» .

الموضع الثالث: الفعل المنفى بلم أو لن-نحو «لم أضرب، و لن أضرب» - لم يجيزوا تقديمه على النفى، و أجازوا تقديم معموله عليه، نحو «زيدا لن أضرب، و عمرا لم أصاحب» .

الموضع الرابع: الفعل الواقع بعد إما الشرطية، لم يجيزوا إيلاءه لإما، و أجازوا إيلاء معموله لها، نحو قوله تعالى: (فَأَمَّا اَلْيَتِيمَ فَلاََ تَقْهَرْ) . -

279

من أفعال هذا الباب ما لا يكون إلا ناقصا، و منها ما يكون تاما و يكون ناقصا

و قوله: «و ذو تمام-إلى آخره» معناه أن هذه الأفعال انقسمت إلى قسمين؛ أحدهما: ما يكون تاما و ناقصا، و الثانى ما لا يكون إلا ناقصا، و المراد بالتام: ما يكتفى بمرفوعه، و بالناقص: ما لا يكتفى بمرفوعه، بل يحتاج معه إلى منصوب.

و كلّ هذه الأفعال يجوز أن تستعمل تامّة، إلا «فتى‏ء» ، و «زال» التى مضارعها يزال، لا التى مضارعها يزول فإنها تامة، نحو «زالت الشمس» و «ليس» فإنها لا تستعمل إلا ناقصة.

و مثال التام قوله تعالى: (وَ إِنْ كََانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى‏ََ مَيْسَرَةٍ) أى: إن وجد ذو عسرة، و قوله تعالى: (خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ) * و قوله تعالى: (فَسُبْحََانَ اَللََّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ) .

***

لا يفصل بين العامل و اسمه بمعمول خبره، إلا إذا كان المعمول ظرفا أو مجرورا

و لا يلى العامل معمول الخبر # إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر (1)

____________

ق-و الغرض من القاعدة التى أصلها هذا المستند: أن الغالب و الكثير و الأصل هو ألا يتقدم المعمول إلا حيث يجوز أن يتقدم العامل فيه؛ فلا يضر أن يجوز تقديم المعمول فى بعض الأبواب لنكتة خاصة به حيث لا يتقدم عامله، و لكل موضع من المواضع الأربعة نكتة لا تتسع هذه العجالة لشرحها.

(1) «و لا» نافية «يلى» فعل مضارع «العامل» مفعول به ليلى مقدم على الفاعل «معمول» فاعل يلى، و معمول مضاف و «الخبر» مضاف إليه «إلا» أداة استثناء «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط «ظرفا» حال مقدم على صاحبه، و هو الضمير المستتر فى أتى «أتى» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «معمول الخبر» السابق «أو» حرف عطف «حرف» معطوف على قوله «ظرفا» و حرف مضاف و «جر» مضاف إليه، و جملة-

280

يعنى أنه لا يجوز أن يلى «كان» و أخواتها معمول خبرها الذى ليس بظرف و لا جار و مجرور، و هذا يشمل حالين:

إذا ورد فى كلام العرب ما ظاهره إبلاء العامل معمول خبره وجب تأويله‏

أحدهما: أن يتقدم معمول الخبر[وحده على الاسم‏]و يكون الخبر مؤخرا عن الاسم، نحو «كان طعامك زيد آكلا» و هذه ممتنعة عند البصريين، و أجازها الكوفيون.

الثانى: أن يتقدم المعمول و الخبر على الاسم، و يتقدم المعمول على الخبر، نحو «كان طعامك آكلا زيد» و هى ممتنعة عند سيبويه، و أجازها بعض البصريين.

و يخرج من كلامه أنه إذا تقدم الخبر و المعمول على الاسم، و قدّم الخبر على المعمول جازت المسألة؛ لأنه لم يل «كان» معمول خبرها؛ فتقول «كان آكلا طعامك زيد» و لا يمنعها البصريون.

فإن كان المعمول ظرفا أو جارا و مجرورا جاز إيلاؤه «كان» عند البصريين و الكوفيين، نحو «كان عندك زيد مقيما، و كان فيك زيد راغبا» .

***

و مضمر الشأن اسما انو إن وقع # موهم ما استبان أنّه امتنع‏ (1)

____________

ق- «أتى» و فاعله فى محل جر بإضافة إذا إليها، و هى فعل الشرط، و جواب الشرط محذوف يفصح عنه الكلام، و تقديره: فإنه يليه، و هذه الجملة كلها فى موضع الاستثناء من مستثنى منه محذوف، و هو عموم الأوقات، و كأنه قال: لا يلى معمول الخبر العامل فى وقت ما من الأوقات إلا فى وقت مجيئه ظرفا أو حرف جر.

(1) «مضمر» مفعول به مقدم على عامله و هو قوله «انو» الآتى، و مضمر مضاف و «الشأن» مضاف إليه «اسما» حال من مضمر «انو» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «إن» شرطية «وقع» فعل ماض فعل الشرط، -

281

يعنى أنه إذا ورد من لسان العرب ما ظاهره أنه ولى «كان» و أخواتها معمول خبرها فأوّله على أنّ فى «كان» ضميرا مستترا هو ضمير الشأن، و ذلك نحو قوله:

____________

67

-

قنافذ هدّاجون حول بيوتهم # بما كان إيّاهم عطيّه عوّدا

____________

ق-مبنى على الفتح فى محل جزم، و سكن للوقف «موهم» فاعل وقع، و موهم مضاف و «ما» اسم موصول مضاف إليه، مبنى على السكون فى محل جر «استبان» فعل ماض «أنه» أن: حرف توكيد و نصب، و الهاء ضمير الغائب اسمها مبنى على الضم فى محل نصب «امتنع» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، و الجملة من الفعل و الفاعل فى محل رفع خبر أن، و أن و معمولاها فى تأويل مصدر فاعل لاستبان، و تقديره: استبان امتناعه، و جملة «استبان» و فاعله لا محل لها من الإعراب صلة الموصول.

و تقدير البيت: و انو مضمر الشأن حال كونه اسما لكان إن وقع فى بعض الكلام ما يوهم الأمر الذى وضح امتناعه، و هو إيلاء كان معمول خبرها.

(67) -البيت للفرزدق، من كلمة يهجو فيها جريرا و عبد القيس، و هى من النقائض بين جرير و الفرزدق، و أولها قوله:

رأى عبد قيس خفقة شوّرت بها # يدا قابس ألوى بها ثمّ أخمدا

اللغة: «قنافذ» جمع قنفذ، و هو-بضمتين بينهما سكون، أو بضم القاف و سكون النون و فتح الفاء، و آخره ذال معجمة أو دال مهملة-حيوان يضرب به المثل فى السرى؛ فيقال: هو أسرى من القنفذ، و قالوا أيضا «أسرى من أنقد» و أنقد: اسم للقنفذ، و لا ينصرف و لا تدخله الألف و اللام، كقولهم للأسد: أسامة، و للذئب: ذؤالة، قاله الميدانى (1/239 الخيرية) ثم قال: «و القنفذ لا ينام الليل، بل يجول ليله أجمع» اهـ، و يقال فى مثل آخر «بات فلان بليل أنقد» و فى مثل آخر «اجعلوا ليلكم ليل أنقد» و ذكر مثله العسكرى فى جمهرة الأمثال (بهامش الميدانى 2/7) «هداجون» جمع هداج و هو صيغة مبالغة من الهدج أو الهدجان، و الهدجان -بفتحات-و مثله الهدج-بفتح فسكون-مشية الشيخ، أو مشية فيها-

282

...

____________

ق-ارتعاش، و باب فعله ضرب، و يروى «قنافذ دراجون» و الدراج: صيغة مبالغة أيضا من «درج الصبى و الشيخ» -من باب دخل-إذا سار سيرا متقارب الخطو «عطية» هو أبو جرير.

المعنى: يريد وصفهم بأنهم خونة فجار، يشبهون القنافذ حيث يسيرون بالليل طلبا للسرقة أو للدعارة و الفحشاء؛ و إتما السبب فى ذلك تعويد أبيهم إياهم ذلك.

الإعراب: «قنافذ» خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم قنافذ، و أصله هم كالقنافذ؛ فحذف حرف التشبيه مبالغة «هداجون» صفة لقنافذ، مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، و النون عوض عن التنوين فى الاسم المفرد «حول» ظرف مكان متعلق بهداجون، و حول مضاف، و بيوت من «بيوتهم» مضاف إليه، و بيوت مضاف و الضمير مضاف إليه «بما» الباء حرف جر، و ما: يحتمل أن تكون موصولا اسميا، و الأحسن أن تكون موصولا حرفيا «كان» فعل ماض ناقص «إياهم» إيا:

مفعول مقدم على عامله، و هو عود، و ستعرف ما فيه، و قوله «عطية» اسم كان «عودا» فعل ماض، مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب، و الألف للاطلاق، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على عطية، و جملة الفعل و الفاعل فى محل نصب خبر «كان» .

و هذا الإعراب إنما هو بحسب الظاهر، و هو الذى يعرب الكوفيون البيت عليه و يستدلون به، و هو إعراب غير مرضى عند جمهرة علماء النحو من البصريين، و ستعرف الإعراب المقبول عندهم عند بيان الاستشهاد بالبيت.

الشاهد فيه: قوله «بما كان إياهم عطية عودا» حيث إن ظاهره يوهم أن الشاعر قد قدم معمول خبر كان و هو «إياهم» على اسمها و هو «عطية» مع تأخير الخبر و هو جملة «عود» عن الاسم أيضا؛ فلزم أن يقع معمول الخبر بعد الفعل و يليه، هذا هو ظاهر البيت، و القول بجواز هذا الظاهر هو مذهب الكوفيين، و هم يعربون البيت على الوجه غير المرضى الذى ذكرناه فى الإعراب، و البصريون يأبون ذلك و يمنعون أن يكون «عطية» اسم كان، و لهم فى البيت ثلاثة توجهات:

أحدها: و هو الذى ذكره الشارح العلامة تبعا للمصنف، أن اسم كان ضمير الشأن و قوله «عطية» مبتدأ، و جملة «عودا» فى محل رفع خبر المبتدأ، و إياهم: -

283

فهذا ظاهره أنه مثل «كان طعامك زيد آكلا» و يتخرّج على أن فى «كان» ضميرا مستترا هو ضمير الشأن‏[و هو اسم كان‏].

____________

ق-مفعول به لعود، و جملة المبتدأ و خبره فى محل نصب خبر كان؛ فلم يتقدم معمول الخبر على الاسم لأن اسم كان مضمر يلى العامل.

و التوجيه الثانى: أن «كان» فى البيت زائدة، و «عطية عود» مبتدأ و خبر، و جملة المبتدأ و الخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، و هو «ما» ، أى بالذى عطية عودهموه.

و الثالث: أن اسم «كان» ضمير مستتر يعود على «ما» الموصولة، و جملة عطية عود من المبتدأ و الخبر فى محل نصب خبر كان، و جملة كان و معموليها لا محل لها من الإعراب صلة الموصول.

و العائد-على هذا التوجيه و الذى قبله-محذوف تقديره هنا: بما كان عطية عودهموه‏

و منهم من يقول: هذا البيت من الضرورات التى تباح للشاعر، و لا يجوز لأحد من المتكلمين أن يقيس فى كلامه عليها.

قال المحققون من العلماء: و القول بالضرورة متعين فى قول الشاعر، و لم نقف على اسمه:

باتت فؤادى ذات الخال سالبة # فالعيش إن حمّ لى عيش من العجب‏

فذات الخال: اسم بات، و سالبة: خبره، و فيه ضمير مستتر هو فاعله يعود على ذات الخال، و فؤادى: مفعول به مقدم على عامله الذى هو قوله سالبة، و زعموا أنه لا يمكن فى هذا البيت أن يجرى على إحدى التوجيهات السابقة، و مثله قول الآخر:

لئن كان سلمى الشّيب بالصّدّ مغريا # لقد هوّن السّلوان عنها التّحلّم‏

فالشيب: اسم كان، و مغريا خبره، و فيه ضمير مستتر يعود على الشيب هو فاعله و سلمى مفعول به لمغريا تقدم على اسم كان، و لا تتأتى فيه التوجيهات السابقة.

و من العلماء من خرج هذين البيتين تخريجا عجيبا؛ فزعم أن «فؤادى» منادى بحرف نداء محذوف، و كذلك «سلمى» و كأن الشاعر قد قال: باتت يا فؤادى ذات الخال سالبة إياك، و لئن كان يا سلمى الشيب مغريا إياك بالصد، و جملة النداء فى البيتين لا محل لها معترضة بين العامل و معموليه.

غ

284

و مما ظاهره أنه مثل «كان طعامك آكلا زيد» قوله:

____________

68

-

فأصبحوا و النّوى عالى معرّسهم # و ليس كلّ النّوى تلقى المساكين‏

____________

(68) -البيت لحميد الأرقط، و كان بخيلا، فنزل به أضياف، فقدم لهم تمرا، و البيت من شواهد كتاب سيبويه (ج 1 ص 35) و قبله قوله:

باتوا و جلّتنا الصّهباء بينهم # كأنّ أظفارهم فيها السّكاكين‏

اللغة: «جلتنا» بضم الجيم و تشديد اللام مفتوحة-و عاء يتخذ من الخوص يوضع فيه التمر يكنز فيه، و جمعه جلل-بوزن غرفة و غرف-و يجمع أيضا على جلال، و هى عربية معروفة «الصهباء» يريد أن لونها الصهبة، قال الأعلم فى شرح شواهد سيبويه: الجملة قفة التمر تتخذ من سعف النخل و ليفه؛ فلذلك وصفها بالصهبة، اهـ، «فأصبحوا» دخلوا فى الصباح «معرسهم» اسم مكان من «عرس بالمكان» -بتشديد الراء مفتوحة-أى نزل به ليلا.

المعنى: يصف أضيافا نزلوا به فقراهم تمرا؛ يقول: لما أصبحوا ظهر على مكان نزولهم نوى التمر كومة مرتفعة، مع أنهم لم يكونوا يرمون كل نواة يأكلون تمرتها؛ بل كانوا يلقون بعض النوى و يبلعون بعضا، إشارة إلى كثرة ما قدم لهم منه، و كثرة ما أكلوا، و وصفهم بالشره.

الإعراب: «فأصبحوا» فعل و فاعل «و» حالية «النوى» مبتدأ «عالى» خبره، و عالى مضاف و معرس من «معرسهم» مضاف إليه، و معرس مضاف و الضمير مضاف إليه، و الجملة من المبتدأ و الخبر فى محل نصب حال من الواو فى أصبحوا «ليس» فعل ماض ناقص، و اسمها ضمير الشأن «كل» مفعول به مقدم لقوله «تلقى» و كل مضاف، و «النوى» مضاف إليه «نلقى» فعل مضارع «المساكين» فاعل تلقى، و الجملة من الفعل و الفاعل فى محل نصب خبر ليس، و هذا الإعراب جار على الذى اختاره العلماء كما ستعرف.

الشاهد فيه: قوله «و ليس كل النوى تلقى المساكين» و لكى يتضح أمر الاستشهاد بهذا البيت تمام الاتضاح نبين لك أولا أنه يروى برفع كل و بنصبه، و يروى «يلقى المساكين» بياء المضارعة كما يروى «تلقى المساكين» بالتاء؛ فهذه أربع روايات. -

285

...

____________

ق-أما رواية رفع «كل» -سواء أكانت «و ليس كل النوى يلقى المساكين» أم كانت «و ليس كل النوى تلقى المساكين» -فليس فعل ماض ناقص، و كل: اسم ليس، و كل مضاف، و النوى: مضاف إليه، و يلقى أو تلقى: فعل مضارع، و المساكين: فاعله، و جملة الفعل و الفاعل فى محل نصب خبر ليس، و لا شاهد فى هذا البيت على هاتين الروايتين لما نحن فيه، و ليس فيه إيهام لأمر غير جائز، غير أن الكلام يحتاج إلى تقدير ضمير يربط جملة خبر ليس باسمها، و أصل الكلام: و ليس كل النوى يلقيه المساكين، أو تلقيه المساكين.

فإن قلت: كيف جاز أن يروى «تلقيه المساكين» بتأنيث الفعل مع أن فاعله مذكر، إذ المساكين جمع مسكين.

فالجواب عن ذلك: أن المساكين جمع تكسير، و جمع التكسير يجوز فى فعله التذكير و التأنيث بإجماع النحاة بصريهم و كوفيهم، سواء أكان مفرد جمع التكسير مذكرا أم كان مفرده مؤنثا، و من ورود فعله مؤنثا-مع أن مفرده مذكر-قول اللّه تعالى: (قََالَتِ اَلْأَعْرََابُ آمَنََّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وَ لََكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنََا) فإن مفرد الأعراب أعرابى.

و أما رواية نصب كل و الفعل «يلقى» بياء المضارعة، فليس: فعل ماض ناقص، و اسمها ضمير شأن محذوف، و كل مفعول مقدم ليلقى، و كل مضاف و النوى: مضاف إليه، و يلقى: فعل مضارع، و المساكين: فاعله، و الجملة من الفعل و الفاعل فى محل نصب خبر ليس، و لا يجوز فى البيت على هذه الرواية غير هذا الوجه من الإعراب، نعنى أنه لا يجوز أن يكون قوله المساكين اسم ليس مؤخرا، و يلقى فعلا مضارعا فاعله ضمير مستتر يعود إلى المساكين، و جملة يلقى و فاعله فى محل نصب خبر ليس تقدم على اسمها.

فإن قلت: فلم لا يجوز أن يكون المضارع مسندا إلى ضمير مستتر يعود إلى المساكين إذا روى البيت «و ليس كل النوى يلقى المساكين» بنصب كل؟

فالجواب أن ننبهك إلى أن الفعل المسند إلى ضمير يعود إلى جمع التكسير لا يجوز أن يكون كفعل الواحد المذكر، فأنت لا تقول: الأعراب قال، و لا تقول: المساكين يلقى، و إنما يجوز فيه حينئذ أن يكون ضمير الجماعة: فتقول: الأعراب قالوا، و تقول-

286

...

____________

قالمساكين يلقون، و يجوز فيه أن يكون مثل فعل الواحد المؤنث، فتقول: الأعراب قالت:

أو تقول: المساكين ألقت أو تلقى، و كذا إذا تقدم الفعل و أسند إلى ضمير جمع التكسير المؤخر عنه يجب أن تقول: يلقون المساكين، أو تقول: تلقون المساكين، أو يقول تلقى المساكين، فلما لم يقل شيئا من ذلك علمنا أنه أسنده إلى الاسم الظاهر بعده.

و أما رواية نصب «كل» و الفعل «تلقى» بالتاء الفوقية فالكوفيون يعربونها هكذا-كل: مفعول مقدم لتلقى، و كل مضاف و النوى: مضاف إليه، و تلقى: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المساكين، و الجملة من الفعل و فاعله المستتر فيه فى محل نصب خبر ليس تقدم على اسمه، و المساكين: اسم ليس تأخر عن خبره، و يستدل الكوفيون بهذا البيت-على هذا الإعراب-على أنه يجوز أن يقع بعد ليس و أخواتها معمول خبرها إذا كان خبرها مقدما على اسمها، كما فى البيت.

و البصريون يقولون: إن هذا الإعراب غير لازم فى هذا البيت، و على هذا لا يكون البيت دليلا على ما زعمتم، و الإعراب الذى نراه هو أن يكون ليس فعلا ناقصا، و اسمه ضمير شأن محذوف، و كل: مفعول مقدم لتلقى، و النوى: مضاف إليه، و تلقى فعل مضارع، و المساكين: فاعله، و الجملة من الفعل و الفاعل فى محل نصب خبر ليس، و التقدير: و ليس (هو: أى الحال و الشأن) كل النوى تلقى المساكين؛ فلم يقع بعد ليس معمول خبرها عند التحقيق، بل الواقع بعدها هو اسمها المحذوف و موضعه بعدها

و إذا علمت هذا فاعلم أن ابن الناظم قد استشهد بهذا البيت لمذهب الكوفيين على الوجه الذى ذكرناه عنهم من الإعراب؛ فأنكر العينى عليه ذلك، و قال: و هذا و هم منه؛ لأنه لو كان المساكين اسم ليس لقال «يلقون المساكين» كما تقول: قاموا الزيدون، على أن الجملة من الفعل و فاعله خبر مقدم، و الاسم بعدها مبتدأ مؤخر، و البيت لم يرو إلا «يلقى المساكين» بالياء التحتية. و اسم ليس فى هذا البيت ضمير الشأن عند الكوفيين و البصريين، اهـ كلامه بحروفه.

و العبد الضعيف-غفر اللّه له و لوالديه!-يرى أن فى كلام العينى هذا تحاملا على ابن الناظم لا يقره الإنصاف، و أن فيه خللا من عدة وجوه. -

287

-إذا قرى‏ء بالتاء المثناة من فوق-فيخرّج البيتان على إضمار الشأن:

و التقدير فى الأول «بما كان هو» أى: الشأن؛ فضمير الشأن اسم كان،

____________

ق-الأول: أن قوله «و البيت لم يرو إلا يلقى المساكين بالياء التحتية» غير صحيح؛ فقد علمت أنه يروى بالياء التحتية و التاء الفوقية، و هذه عبارة الشارح العلامة تنادى بأنه قد روى بالتاء، و أن الاستشهاد بالبيت لمذهب الكوفيين إنما يتجه على رواية التاء؛ فكان عليه أن يمسك عن تخطئته فى الرواية، لأن الرواية ترجع إلى الحفظ لا إلى العقل، و لا شك أنه اطلع على كلام شارحنا لأنه شرح شواهده.

الثانى: فى قوله «و لو كان المساكين اسم ليس لقال يلقون المساكين» ليس بصواب، إذ لا يلزم على كون المساكين اسم ليس أن يقول الشاعر: يلقون المساكين، بل يجوز له أن يقول ذلك، و أن يقول: تلقى المساكين، كما بينا لك، و قد قال العبارة الثانية على رواية الجماعة من أثبات العلماء.

الثالث: أن تنظيره بقوله «كما تقول قاموا الزيدون، على أن الجملة خبر مقدم و الاسم بعدها مبتدأ مؤخر» ليس تنظيرا صحيحا، لأن الاسم فى الكلام الذى نظر به جمع مذكر سالم، و مذهب البصريين أنه لا يجوز فى فعله إلا التذكير، فلم يتم له التنظير، و اللّه يغفر لنا و له!!

و من مجموع ما قدمنا ذكره من الكلام على هذا البيت تتبين لك خمسة أمور:

الأول: أن ثلاث روايات لا يجوز على كل رواية منها فى البيت إلا وجه واحد من وجوه الإعراب.

الثانى: أنه لا شاهد فى البيت لمذهب الكوفيين على كل رواية من هذه الروايات الثلاث.

الثالث: أن استشهاد الكوفيين بالبيت على ما ذهبوا إليه لا يجوز إلا على الرواية الرابعة، و هى «و ليس كل النوى تلقى المساكين» .

الرابع: أن البيت يحتمل على الرواية الرابعة وجها من الإعراب غير ما أعربه عليه الكوفيون.

الخامس: أن استدلال الكوفيين بالبيت لم يتم؛ لأن الدليل متى تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، و أنت خبير أن الاستدلال و الاستشهاد غير التمثيل.

288

و عطية: مبتدأ، و عوّد: خبره، و إياهم: مفعول عوّد، و الجملة من المبتدأ و خبره خبر كان؛ فلم يفصل بين «كان» و اسمها معمول الخبر؛ لأن اسمها مضمر قبل المعمول.

و التقدير فى البيت الثانى «و ليس هو» أى: الشأن؛ فضمير الشأن اسم ليس، و كلّ‏[النوى‏]منصوب بتلقى، و تلقى المساكين: فعل و فاعل‏[و المجموع‏] خير ليس، هذا بعض ما قيل فى البيتين.

***

تأتى «كان» زائدة، و بيان مواضع زيادتها، و شروطها

و قد تزاد كان فى حشو: كما # كان أصحّ علم من تقدّما (1)

كان على ثلاثة أقسام؛ أحدها: الناقصة، و الثانى: التامّة، و قد تقدم ذكرهما و الثالث: الزائدة، و هى المقصودة بهذا البيت، و قد ذكر ابن عصفور أنها تزاد بين الشيئين المتلازمين: كالمبتدأ و خبره، نحو «زيد كان قائم» و الفعل و مرفوعه؛ نحو «لم يوجد كان مثلك» و الصلة و الموصول، نحو «جاء الّذى كان أكرمته» و الصفة و الموصوف، «مررت برجل كان قائم» و هذا يفهم أيضا من إطلاق قول المصنف «و قد تزاد كان فى حشو» و إنما تنقاس زيادتها بين «ما»

____________

(1) «و قد» حرف تقليل «تزاد» فعل مضارع مبنى للمجهول «كان» قصد لفظه: نائب فاعل تزاد «فى حشو» جار و مجرور متعلق بتزاد «كما» الكاف جارة لقول محذوف «ما» تعجبية، و هى نكرة تامة مبتدأ، و سوغ الابتداء بها ما فيها من معنى التعجب «كان» زائدة «أصح» فعل ماض فعل تعجب، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود على ما التعجبية «علم» مفعول به لأصح، و الجملة من الفعل و الفاعل و المفعول فى محل رفع خبر المبتدأ، و علم مضاف و «من» اسم موصول مضاف إليه «تقدما» فعل ماض، و الألف للاطلاق، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الموصولة، و الجملة من تقدم و فاعله لا محل لها من الإعراب صلة الموصول.

289

و فعل التعجب، نحو «ما كان أصحّ علم من تقدّما (1) » و لا تزاد فى غيره إلا سماعا.

و قد سمعت زيادتها بين الفعل و مرفوعه، كقولهم‏ (2) : ولدت فاطمة بنت الخرشبّ الأنمارية الكملة من بنى عبس لم يوجد كان أفضل منهم.

و[قد]سمع أيضا زيادتها بين الصفة و الموصوف كقوله:

____________

69

-

فكيف إذا مررت بدار قوم # و جيران لنا كانوا كرام‏

____________

(1) مما ورد من زيادتها بين «ما» التعجبية و فعل التعجب قول الشاعر:

للّه درّ أنو شروان من رجل # ما كان أعرفه بالدّون و السّفل‏

و نظيره قول الحماسى (انظر شرح التبريزى 3/22 بتحقيقنا) :

أبا خالد ما كان أوهى مصيبة # أصابت معدّا يوم أصبحت ثاويا

و قول امرى‏ء القيس بن حجر الكندى (و هو الشاهد رقم 249 الآتى فى هذا الكتاب) :

أرى أمّ عمرو دمعها قد تحدّرا # بكاء على عمرو، و ما كان أصبرا

إذا قدرت الكلام و ما كان أصبرها، و قول عروة ابن أذينة:

ما كان أحسن فيك العيش مؤتنفا # غضّا، و أطيب فى آصالك الأصلا

(2) قائل هذا الكلام هو قيس بن غالب، فى فاطمة بنت الخرشب، من بنى أنمار ابن بغيض بن ريث بن غطفان، و أولادها هم: أنس الفوارس، و عمارة الوهاب، و قيس الحفاظ و ربيع الكامل، و أبوهم زياد العبسى، و كان كل واحد منهم نادرة أقرانه شجاعة و بسالة و رفعة شأن.

(69) -البيت للفرزدق، من قصيدة له يمدح فيها هشام بن عبد الملك -و قيل: يمدح سليمان بن عبد الملك-و قد أنشده سيبويه (ج 1 ص 189) ببعض تغيير.

الإعراب: «كيف» اسم استفهام أشرب معنى التعجب، و هو مبنى على الفتح فى-

290

...

____________

ق-محل نصب حال من فاعل هو ضمير مستتر فى فعل محذوف، و تقدير الكلام: كيف أكون، مثلا «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان «مررت» فعل و فاعل، و الجملة فى محل جر بإضافة «إذا» إليها «بدار» جار و مجرور متعلق بمررت، و دار مضاف و «قوم» مضاف إليه «و جيران» معطوف على دار قوم «لنا» جار و مجرور متعلق بمحذوف صفة لجيران «كانوا» زائدة-و ستعرف ما فيه- «كرام» صفة لجيران مجرور و علامة جره الكسرة الظاهرة فى آخره.

الشاهد فيه: قوله «و جيران لنا كانوا كرام» حيث زيدت «كانوا» بين الصفة و هى قوله «كرام» و الموصوف و هو قوله «جيران» .

هذا مقتضى كلام الشارح العلامة، و هو ما ذهب إليه إمام النحاة سيبويه، لكن قال ابن هشام فى توضيحه: إن شرط زيادة «كان» أن تكون وحدها؛ فلا تزاد مع اسمها، و أنكر زيادتها فى هذا البيت، و هو تابع فى هذا الكلام لأبى العباس محمد بن يزيد المبرد؛ فإنه منع زيادة كان فى هذا البيت، على زعمه أنها إنما تزاد مفردة لا اسم لها و لا خبر، و خرج هذا البيت على أن قوله «لنا» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر كان مقدم عليها، و الواو المتصلة بها اسمها، و غاية ما فى الباب أن الشاعر فصل بين الصفة و موصوفها بجملة كاملة من كان و اسمها و خبرها، و قدم خبر كان على اسمها، و تقدير الكلام-على هذا-و جيران كرام كانوا لنا.

و الذى ذهب إليه سيبويه أولى بالرعاية؛ لأن اتصالها باسمها لا يمنع من زيادتها، ألا ترى أنهم يلغون ظننت» متأخرة و متوسطة، و لا يمنعهم إسنادها إلى اسمها من إلغائها، ثم المصير إلى تقديم خبر «كان» عليها و الفصل بين الصفة و موصوفها عدول عما هو أصل إلى شى‏ء غيره.

قال سيبويه: «و قال الخليل: إن من أفضلهم كان زيدا، على إلغاء كان، و شبهه بقوله الشاعر:

*و جيران لنا كانوا كرام*» اه

و قال الأعلم: «الشاهد فيه إلغاء كان و زيادتها توكيدا و تبيينا لمعنى المضى، و التقدير و جيران لنا كرام كانوا كذلك» اهـ. -

291

و شذّ زيادتها بين حرف الجر و مجروره، كقوله:

____________

70

-

سراة بنى أبى بكر تسامى # على كان المسوّمة العراب‏

____________

ق-هذا، و من شواهد زيادة «كان» بين الصفة و موصوفها-من غير أن تكون متصلة باسمها-قول جابر الكلابى (و انظر معجم البلدان مادة كتيفة) :

و ماؤ كما العذب الّذى لو شربته # شفاء لنفس كان طال اعتلالها

فإن جملة «طال اعتلالها» فى محل جر صفة لنفس، و قد زاد بينهما «كان» .

(70) -أنشد الفراء هذا البيت، و لم ينسبه إلى قائل؛ و لم يعرف العلماء له قائلا، و يروى المصراع الأول منه:

*جياد بنى أبى بكر تسامى*

اللغة: «سراة» جمع سرى، و هو جمع عزيز؛ فإنه يندر جمع فعيل على فعلة، و الجياد: جمع جواد، و هو الفرس النفيس «تسامى» أصله تتسامى-بتاءين- فحذف إحداهما تخفيفا «المسومة» الخيل التى جعلت لها علامة ثم تركت فى المرعى «العراب» هى خلاف البراذين و البخاتى، و يروى:

*على كان المطهّمة الصّلاب*

و المطهمة: البارعة التامة فى كل شى‏ء، و الصلاب: جمع صلب، و هو القوى الشديد.

المعنى: من رواه «سراة بنى أبى بكر-إلخ» فمعناه: إن سادات بنى أبى بكر يركبون الخيول العربية التى جعلت لها علامة تتميز بها عما عداها من الخيول.

و من رواه «جياد بنى أبى بكر-إلخ» فمعناه: إن خيول بنى أبى بكر لتسمو قيمتها و يرتفع شأنها على جميع ما عداها من الخيول العربية، يريد أن جيادهم أفضل الجياد و أعلاها.

الإعراب: «جياد» مبتدأ، و جياد مضاف، و «بنى» مضاف إليه، و بنى مضاف و «أبى» مضاف إليه، و أبى مضاف، و «بكر» مضاف إليه «تسامى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى جياد، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «على» حرف جر «كان» زائدة «المسومة» مجرور بعلى «العراب» نعت للمسومة، و الجار و المجرور متعلق بقوله تسامى. -

292

و أكثر ما تزاد بلفظ الماضى، و قد شذّت زيادتها بلفظ المضارع فى قول أمّ عقيل بن أبى طالب:

____________

71

-

أنت تكون ماجد نبيل # إذا تهبّ شمأل بليل‏

***

____________

ق-الشاهد فيه: قوله «على كان المسومة» حيث زاد «كان» بين الجار و المجرور، و دليل زيادتها أن حذفها لا يخل بالمعنى.

(71) -البيت-كما قال الشارح-لأم عقيل بن أبى طالب، و هى فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، و هى زوج أبى طالب بن عبد المطلب عم النبى صلى اللّه عليه و سلم و أبى أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى اللّه عنه، تقوله و هى ترقص ابنها عقيلا، و يروى بيت الشاهد مع ما قبله هكذا:

إنّ عقيلا كاسمه عقيل # و بيبى الملفّف المحمول

أنت تكون السّيّد النّبيل # إذا تهبّ شمأل بليل

*يعطى رجال الحىّ أو ينيل*

اللغة: «ماجد» كريم «نبيل» فاضل شريف «تهب» مضارع هبت الريح هبوبا و هبيبا، إذا هاجت «شمأل» هى ريح تهب من ناحية القطب «بليل» رطبة ندية.

الإعراب: «أنت» ضمير منفصل مبتدأ «تكون» زائدة «ماجد» خبر المبتدأ «نبيل» صفة لماجد «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان «تهب» فعل مضارع «شمأل» فاعل تهب «بليل» نعت لشمأل، و الجملة من الفعل و الفاعل فى محل جر بإضافة «إذا» إليها، و جواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام، و التقدير:

إذا تهب شمأل بليل فأنت ماجد نبيل حينئذ.

الشاهد فيه: قولها «أنت تكون ماجد» حيث زادت المضارع من «كان» بين المبتدأ و خبره، و الثابت زيادته إنما هو الماضى دون المضارع؛ لأن الماضى لما كان مبنيا أشبه الحرف، و قد علمنا أن الحروف تقع زائدة، كالباء، و قد زيدت الباء فى المبتدأ فى نحو «بحسبك درهم» و زيدت فى خبر ليس فى نحو قوله تعالى‏ (أَ لَيْسَ اَللََّهُ) -

293

تحذف «كان» : إما وحدها، و إما مع اسمها، و إما مع خبرها

و يحذفونها و يبقون الخبر # و بعد إن و لو كثيرا ذا اشتهر (1)

تحذف «كان» مع اسمها و يبقى خبرها كثيرا بعد إن، كقوله:

____________

ق- (بِكََافٍ عَبْدَهُ) و نحو ذلك؛ فأما المضارع فهو معرب، فلم يشبه الحرف، بل أشبه الاسم؛ فتحصن بذلك عن أن يزاد، كما أن الأسماء لا تزاد إلا شذوذا، و هذا إيضاح كلام الشارح و تخريج كلامه و تعليله.

و القول بزيادة «تكون» شذوذا فى هذا البيت قول ابن الناظم و ابن هشام و تبعهما من جاء بعدهما من شراح الألفية، و هما تابعان فى ذلك لابن السيد و أبى البقاء.

و مما استدل به على زيادة «تكون» بلفظ المضارع قول حسان بن ثابت:

كأنه سبيئة من بيت رأس # يكون مزاجها عسل و ماء

روياه برفع «مزاجها عسل و ماء» على أنها جملة من مبتدأ و خبر فى محل رفع صفة لسبيئة و زعما أن «يكون» زائدة.

و الرد على ذلك أن الرواية بنصب «مزاجها» على أنه خبر يكون مقدما، و رفع «عسل و ماء» على أنه اسم يكون مؤخر، و لئن سلمنا رواية رفعهما فليس يلزم عليها زيادة يكون، بل هى عاملة، و اسمها ضمير شأن محذوف، و جملة المبتدأ و الخبر فى محل نصب خبرها.

و كذلك بيت الشاهد، ليست «تكون» فيه زائدة، بل هى عاملة، و اسمها ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و خبرها محذوف، و الجملة لا محل لها معترضة بين المبتدأ و خبره، و التقدير: أنت ماجد نبيل تكونه.

(1) «يحذفونها» فعل مضارع، و واو الجماعة فاعله، و ها العائد على كان مفعول به «و يبقون» الواو حرف عطف، يبقون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، و واو الجماعة فاعله «الخبر» مفعول به ليبقون «و بعد» ظرف متعلق بقوله اشتهر الآتى، و بعد مضاف و «إن» قصد لفظه مضاف إليه «و لو» معطوف على إن «كثيرا» حال من الضمير المستتر فى اشتهر «ذا» اسم إشارة مبتدأ «اشتهر» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى «ذا» الواقع مبتدأ، و الجملة من اشتهر و فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ.

294

____________

72

-

قد قيل ما قيل إن صدقا و إن كذبا # فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟

____________

(72) -البيت للنعمان بن المنذر ملك العرب فى الحيرة، من أبيات يقولها فى الربيع ابن زياد العبسى، و هو من شواهد سيبويه (1/131) و نسب فى الكتاب لشاعر يقوله للنعمان، و لم يتعرض الأعلم فى شرح شواهده إلى نسبته بشى‏ء، و المشهور ما ذكرنا أولا من أن قائله هو النعمان بن المنذر نفسه فى قصة مشهورة تذكر فى أخبار لبيد.

الإعراب: «قد» حرف تحقيق «قيل» فعل ماض مبنى للمجهول «ما» اسم موصول نائب فاعل «قيل» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «ما» و الجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول «إن» شرطية «صدقا» خبر لكان المحذوفة مع اسمها، و التقدير «إن كان المقول صدقا» «و إن كذبا» مثل قوله «إن صدقا» و كان المحذوفة فى الموضعين فعل الشرط، و جواب الشرط محذوف فى الموضعين لدلالة سابق الكلام عليه «فما» اسم الاستفهام مبتدأ «اعتذارك» اعتذار: خبر المبتدأ، و اعتذار مضاف و الكاف ضمير المخاطب مضاف إليه «من قول» جار و مجرور متعلق باعتذار «إذا» ظرف تضمن معنى الشرط «قيلا» فعل ماض مبنى للمجهول، و الألف للاطلاق، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى قول، و الجملة فى محل جر بإضافة إذا إليها، و جواب «إذا» محذوف يدل عليه سابق الكلام، و تقديره: إذا قيل قول فما اعتذارك منه.

الشاهد فيه: قوله «إن صدقا، و إن كذبا» حيث حذف «كان» مع اسمها و أبقى خبرها بعد «إن» الشرطية، و ذلك كثير شائع مستساغ، و مثله قول ليلى الأخيلة (انظره فى أمالى القالى 1/248 ثم انظر اعتراضا عليه فى التنبيه 88) :

لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف # إن ظالما-أبدا-و إن مظلوما

و قول النابغة الذبيانى:

حدبت علىّ بطون ضنّة كلّها # إن ظالما فيهم و إن مظلوما

و قول ابن همام السلولى:

و أحضرت عذرى عليه الشّهو # د إن عاذرا لى و إن تاركا

-

295

التقدير: «إن كان المقول صدقا، و إن كان المقول كذبا» و بعد لو (1) ، كقولك: «ائتنى بدابّة و لو حمارا» أى: «و لو كان الماتىّ به حمارا» .

و قد شذّ حذفها بعد لدن، كقوله:

____________

73

-

*من لد شولا فإلى إتلائها*

[التقدير: من لد أن كانت شولا].

***

____________

ق-و كذا يكثر حذفها مع اسمها بعد «لو» كما قرره الشارح العلامة، و عليه قول الشاعر:

لا يأمن الدهر ذو بغى و لو ملكا # جنوده ضاق عنها السّهل و الجبل‏

(1) و من ذلك ما ورد فى الحديث من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم «التمس و لو خاتما من حديد» التقدير: و لو كان ملتمسك خاتما من حديد، و البيت الذى أنشدناه فى آخر شرح الشاهد رقم 72.

(73) -هذا كلام تقوله العرب، و يجرى بينها مجرى المثل، و هو يوافق بيتا من مشطور الرجز، و هو من شواهد سيبويه (1/134) و لم يتعرض أحد من شراحه إلى نسبته لقائله بشى‏ء.

اللغة: «شولا» قيل: هو مصدر «شالت الناقة بذنبها» أى رفعته للضراب، و قيل: هو اسم جمع لشائلة-على غير قياس-و الشائلة: الناقة التى خف لبنها و ارتفع ضرعها «إتلائها» مصدر «أتلت الناقة» إذا تبعها ولدها،

الإعراب: «من لد» جار و مجرور متعلق بمحذوف، و التقدير: ربيتها من لد- مثلا «شولا» خبر لكان المحذوفة مع اسمها، و التقدير «من لد أن كانت الناقة شولا» «فإلى» الفاء حرف عطف، و إلى: حرف جر «إتلائها» إتلاء: مجرور بإلى، و إتلاء مضاف و ها مضاف إليه، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف معطوف بالفاء على متعلق الجار و المجرور الأول، و تقدير الكلام: رببت هذه الناقة من لد كانت شولا فاستمر ذلك إلى إتلائها. -

296

و بعد «أن» تعويض «ما» عنها ارتكب # كمثل «أمّا أنت برّا فاقترب» (1)

ذكر فى هذا البيت أن «كان» تحذف بعد «أن» المصدرية و يعوّض عنها «ما» و يبقى اسمها و خبرها، نحو «أمّا أنت برّا فاقترب» و الأصل «أن كنت برّا فاقترب» فحذفت «كان» فانفصل الضمير المتصل بها و هو التاء، فصار «أن أنت برّا» ثم أتى بـ «ما» عوضا عن «كان» ، فصار

____________

ق-الشاهد فيه: قوله «من لد شولا» حيث حذف «كان» و اسمها و أبقى خبرها و هو «شولا» بعد لد، و هذا شاذ؛ لأنه إنما يكثر هذا الحذف بعد «إن، و لو» كما سبق، هذا بيان كلام الشارح العلامة و أكثر النحويين، و هو المستفاد من ظاهر كلام سيبويه.

و فى الكلام توجيه آخر، و هو أن يكون قولهم «شولا» مفعولا مطلقا لفعل محذوف، و التقدير «من لد شالت الناقة شولا» و بعض النحويين يذكر فيه إعرابا ثالثا و هو أن يكون نصب «شولا» على التمييز أو التشبيه بالمفعول به، كما ينتصب لفظ «غدوة» بعد «لدن» و على هذين التوجيهين لا يكون فى الكلام شاهد لما نحن فيه، و راجع هذه المسألة و شرح هذا الشاهد فى شرحنا على شرح أبى الحسن الأشمونى فى (ج 1 ص 386 الشاهد رقم 206) تظفر ببحث ضاف واف.

(1) «و بعد» ظرف متعلق بقوله «ارتكب» الآتى، و بعد مضاف، و «أن» قصد لفظه: مضاف إليه «تعويض» مبتدأ، و تعويض مضاف، و «ما» قصد لفظه:

مضاف إليه «عنها» جار و مجرور متعلق بتعويض «ارتكب» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى تعويض، و الجملة من ارتكب و نائب فاعله فى محل رفع خبر المبتدأ، «كمثل» الكاف زائدة، مثل: خبر لمبتدأ محذوف «أما» هى أن المصدرية المدغمة فى ما الزائدة المعوض بها عن كان المحذوفة «أنت» اسم كان المحذوفة «برا» خبر كان المحذوفة «فاقترب» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت.

297

«أن ما أنت برّا» [ثم أدغمت النون فى الميم، فصار «أمّا أنت برّا» ]، و مثله قول الشاعر:

____________

74

-

أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر # فإنّ قومى لم تأكلهم الضّبع‏

____________

(74) -البيت للعباس بن مرداس يخاطب خفاف بن ندبة أبا خراشة، و هو من شواهد سيبويه (ج 1 ص 148) و خفاف-بزنة غراب-شاعر مشهور، و قارس مذكور، من فرسان قيس، و هو ابن عم صخر و معاوية و أحتهما الخنساء الشاعرة المشهورة، و ندبة-بضم النون أو فتحها-أمه، و اسم أبيه عمير.

اللغة: «ذا نفر» يريد ذا قوم تعتز بهم و جماعة تمتلئ بهم فخرا «الضبع» أصله الحيوان المعروف، ثم استعملوه فى السنة الشديدة المجدبة، قال حمزة الأصفهانى: إن الضبع إذا وقعت فى غنم عاثت، و لم تكتف من الفساد بما يكتفى به الذئب، و من إفسادها و إسرافها فيه استعارت العرب اسمها للسنة المجدبة، فقالوا: أكلتنا الضبع.

المعنى: يا أبا خراشة، إن كنت كثير القوم، و كنت تعتز بجماعتك فإن قومى موفورون كثير و العدد لم تأكلهم السنة الشديدة المجدبة، و لم يضعفهم الحرب و لم تنل منهم الأزمات‏

الإعراب: «أبا» منادى حذفت منه ياء النداء، و أبا مضاف، و «خراشة» مضاف إليه «أما» هى عبارة عن أن المصدرية المدغمة فى «ما» الزائدة النائبة عن «كان» المحذوفة «أنت» اسم لكان المحذوفة، «ذا» خبر كان المحذوفة، و ذا مضاف و «نفر» مضاف إليه «فإن» الفاء تعليلية، إن حرف توكيد و نصب «قومى» قوم اسم إن، و قوم مضاف و الياء ضمير المتكلم مضاف إليه «لم» حرف نفى و جزم و قلب «تأكلهم» تأكل: فعل مضارع مجزوم بلم و الضمير مفعول به لتأكل «الضبع» فاعل تأكل، و الجملة من الفعل و الفاعل فى محل رفع خبر «إن» .

الشاهد فيه: قوله «أما أنت ذا نفر» حيث حذف «كان» التى ترفع الاسم و تنصب الخبر، و عوض عنها ما» الزائدة و أدغمها فى نون أن المصدرية و أبقى اسم «كان» و هو الضمير البارز المنفصل، و خبرها و هو قوله «ذا نفر» . و أصل الكلام عند البصريين: فخرت على لأن كنت ذا نفر، فحذفت لام التعليل و متعلقها؛ فصار الكلام: أن كنت ذا نفر، ثم حذفت كان لكثرة الاستعمال قصدا إلى التخفيف، فانفصل الضمير الذى كان متصلا بكان لأنه لم يبق فى الكلام عامل يتصل به هذا الضمير-

298

فأن: مصدرية، و ما: زائدة عوضا عن «كان» ، و أنت: اسم كان المحذوفة، و ذا نفر: خبرها، و لا يجوز الجمع بين كان و ما؛ لكون «ما» عوضا عنها، و لا يجوز الجمع بين العوض و المعوّض، و أجاز ذلك المبرد، فيقول «أمّا كنت منطلقا انطلقت» (1) .

و لم يسمع من لسان العرب حذف «كان» و تعويض «ما» عنها و إبقاء اسمها و خبرها إلا إذا كان اسمها ضمير مخاطب كما مثّل به المصنف، و لم يسمع مع ضمير المتكلم، نحو «أمّا أنا منطلقا انطلقت» و الأصل «أن كنت منطلقا» و لا مع الظاهر، نحو «أما زيد ذاهبا انطلقت» و القياس جوازهما كما جاز مع المخاطب، و الأصل «أن كان زيد ذاهبا انطلقت» و قد مثّل سيبويه رحمه اللّه فى كتابه بـ «أمّا زيد ذاهبا» .

***

قد يخفف المضارع المجزوم من كان يحذف نونه، و شروط جواز ذلك الحروف المشبهة بليس‏

و من مضارع لكان منجزم # تحذف نون، و هو حذف ما التزم‏ (2)

____________

ق-ثم عوض من كان بما الزائدة؛ فالتقى حرفان متقاربان-و هما نون أن المصدرية و ميم ما الزائدة-فأدغمهما؛ فصار الكلام: أما أنت ذا نفر.

هذا، و قد روى ابن دريد و أبو حنيفة الدينورى فى مكان هذه العبارة «إما كنت ذا نفر و على روايتهما لا يكون فى البيت شاهد لما نحن فيه الآن.

و من شواهد المسألة قول الشاعر:

إمّا أقمت و أمّا أنت مرتحلا # فاللّه يكلأ ما تأتى و ما تذر

(1) ادعاء أنه لا يجوز الجمع بين العوض و المعوض منه لا يتم على الإطلاق، بل قد جمعوا بينهما فى بعض الأحايين؛ فهذا الحكم أغلبى، و لهذا أجاز المبرد أن يقال «إما كنت منطلقا انطلقت» .

(2) «و من مضارع» جار و مجرور متعلق بقوله «تحذف» الآتى «لكان» -

299

إذا جزم الفعل المضارع من «كان» قيل: لم يكن، و الأصل يكون، فحذف الجازم الضمة التى على النون، فالتقى ساكنان: الواو، و النون؛ فحذف الواو لالتقاء الساكنين؛ فصار اللفظ «لم يكن» و القياس يقتضى أن لا يحذف منه بعد ذلك شى‏ء آخر، لكنهم حذفوا النون بعد ذلك تخفيفا لكثرة الاستعمال‏ (1) ؛ فقالوا: «لم يك» و هو حذف جائز، لا لازم، و مذهب سيبويه و من تابعه أن هذه النون لا تحذف عند ملاقاة ساكن؛ فلا تقول:

«لم يك الرّجل قائما» و أجاز ذلك يونس، و قد قرى‏ء شاذّا (لم يك الّذين

____________

ق-جار و مجرور متعلق بمحذوف صفة لمضارع «منجزم» صفة ثانية لمضارع «تحذف» فعل مضارع مبنى للمجهول «نون» نائب فاعل تحذف «و هو» مبتدأ «حذف» خبر المبتدأ «ما» نافية «التزم» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حذف، و الجملة من التزم و نائب الفاعل فى محل رفع صفة لحذف، و تقدير البيت: و تحذف نون من مضارع منجزم آت من مصدر كان و هو حذف لم تلنزمه العرب، يريد أنه جائز لا واجب.

(1) قد جاء هذا الحذف كثيرا جدا فى كلام العرب نثره و نظمه؛ فمن أمثالهم «إن لم يك لحم فنفش» و النفش: الصوف، و يروى «إن لم يكن» و هذه الرواية تدل على أن الحذف جائز لا واجب، و من شواهد ذلك قول علقمة الفحل:

ذهبت من الهجران فى كلّ مذهب # و لم يك حقّا كلّ هذا التّجنّب‏

و قول عروة بن الورد العبسى:

و من يك مثلى ذا عيال و مقترا # يغرّر و يطرح نفسه كلّ مطرح‏

و قول مهلهل بن ربيعة يرثى أخاه كليب بن ربيعة:

فإن يك بالذّنائب طال ليلى # فقد أبكى من اللّيل القصير

و قول عميرة بن طارق اليربوعى:

و إن أك فى نجد-سقى اللّه أهله # بمنّانة منه!-فقلبى على قرب‏

و قول الحطيئة العبسى:

ألم أك جاركم و يكون بينى # و بينكم المودّة و الإخاء

300

كفروا) و أما إذا لاقت متحركا فلا يخلو: إما أن يكون ذلك المتحرك ضميرا متصلا، أولا، فإن كان ضميرا متصلا لم تحذف النون اتفاقا، كقوله صلّى اللّه عليه و سلم لعمر رضى اللّه عنه فى ابن صياد: «إن يكنه فلن تسلّط عليه، و إلا يكنه فلا خير لك فى قتله» (1) ، فلا يجوز حذف النون؛ فلا تقول:

«إن يكه، و إلاّ يكه» ، و إن كان غير[ضمير]متصل جاز الحذف و الإثبات، نحو «لم يكن زيد قائما، و لم يك زيد قائما» و ظاهر كلام المصنف أنه لا فرق فى ذلك بين «كان» الناقصة و التامة، و قد قرى‏ء: (و إن تك حسنة يضاعفها) برفع حسنة و حذف النون، و هذه هى التامة.

***

____________

(1) روى هذا الحديث بهذه الألفاظ الإمام مسلم بن الحجاج فى باب ذكر ابن صياد من كتاب الفتن و أشراط الساعة من صحيحه. و رواه الإمام البخارى فى باب كيف يعرض الإسلام على الصبى من كتاب الجهاد من صحيحه، و رواه الإمام أحمد بن حنبل فى مسنده (رقم 636) بلفظ «إن يكن هو، و إن لا يكن هو» .

301

فصل فى ما و لا و لات و إن المشبّهات بليس‏

الحرف الأول «ما» ، و شروط إعماله عمل ليس ستة

إعمال «ليس» أعملت «ما» دون «إن» # مع بقا النّفى، و ترتيب زكن‏ (1)

و سبق حرف جرّ أو ظرف كـ «ما # بى أنت معنيّا» أجاز العلما (2)

تقدّم فى أول باب «كان» و أخواتها أن نواسخ الابتداء تنقسم إلى أفعال

____________

(1) «إعمال» مفعول مطلق منصوب بقوله «أعملت» الآتى، و إعمال مضاف و «ليس» قصد لفظه: مضاف إليه «أعملت» أعمل: فعل ماض مبنى للمجهول، و التاء تاء التأنيث «ما» قصد لفظه: نائب فاعل أعملت «دون» ظرف متعلق بمحذوف حال من «ما» و دون مضاف، و قوله «إن» قصد لفظه: مضاف إليه «مع» ظرف متعلق بمحذوف حال من «ما» أيضا، و مع مضاف، و «بقا» مقصور من ممدود للضرورة: مضاف إليه، و بقا مضاف، و «النفى» مضاف إليه «و ترتيب» معطوف على «بقا» السابق «زكن» فعل ماض مبنى للمجهول. و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ترتيب، و الجملة من زكن و نائب فاعله فى محل جر صفة لترتيب، و حاصل البيت: أعملت ما النافية إعمال ليس، حال كونها غير مقترنة بإن الزائدة، و حال كون نفيها باقيا، و كون اسمها مقدما على خبرها.

(2) «و سبق» مفعول به مقدم على عامله و هو قوله «أجاز» الآتى، و سبق مضاف، و «حرف» مضاف إليه، و حرف مضاف، و «جر» مضاف إليه «أو ظرف» معطوف على حرف جر «كما» الكاف جارة لقول محذوف، ما: نافية حجازية «بى» جار و مجرور متعلق بقوله معنيا الآتى «أنت» اسم ما «معنيا» خبر ما منصوب بالفتحة الظاهرة «أجاز» فعل ماض «العلما» مقصور من ممدود ضرورة: فاعل أجاز.

و حاصل البيت: و أجاز النحاة العالمون بما يتكلم العرب به تقدم معمول الخبر على اسم ما، بشرط أن يكون ذلك المعمول جارا و مجرورا أو ظرفا؛ لأنه يتوسع فيهما ما لا يتوسع فى غيرهما، و ذلك نحو «ما بى أنت معنيا» أصله ما أنت معنيا بى، تقدم الجار و المجرور على الاسم مع بقاء الخبر مؤخرا عن الاسم، و معنى: هو الوصف من «عنى فلان بفلان» -بالبناء للمجهول-إذا اهتم بأمره.

302

و حروف، و سبق الكلام على «كان» و أخواتها، و هى من الأفعال الناسخة، و سيأتى الكلام على الباقى، و ذكر المصنف فى هذا الفصل من الحروف‏[الناسخة] قسما يعمل عمل «كان» و هو: ما، و لا، و لات، و إن.

أما «ما» فلغة بنى تميم أنها لا تعمل شيئا؛ فتقول: «ما زيد قائم» فزيد:

مرفوع بالابتداء، و قائم: خبره، و لا عمل لما فى شى‏ء منهما؛ و ذلك لأن «ما» حرف لا يختصّ؛ لدخوله على الاسم نحو: «ما زيد قائم» و على الفعل نحو:

«ما يقوم زيد» و ما لا يختص فحقه ألاّ يعمل، و لغة أهل الحجاز إعمالها كعمل «ليس» لشبهها بها فى أنها لنفى الحال عند الإطلاق؛ فيرفعون بها الاسم، و ينصبون بها الخبر، نحو: «ما زيد قائما» قال اللّه تعالى‏ (مََا هََذََا بَشَراً) و قال تعالى: (مََا هُنَّ أُمَّهََاتِهِمْ) و قال الشاعر:

____________

75

-

أبناؤها متكنّفون أباهم # حنقو الصّدور، و ما هم أولادها

____________

(75) -البيت من الشواهد التى لا يعرف قائلها؛ و قد أنشده أبو على و لم ينسبه، و قبله قوله:

و أنا النّذير بحرّة مسودّة # تصل الجيوش إليكم أقوادها

اللغة: «النذير» المعلم الذى يخوف القوم بما يدهمهم من عدو و نحوه «بحرة» أصله الأرض ذات الحجارة السود، و أراد منه هنا الكتيبة السوداء لكثرة ما تحمل من الحديد «أقوادها جمع قود، و هى الجماعة من الخيل «أبناؤها» أى أبناء هذه الكتيبة التى ينذرهم بها، و أراد رجالها، و أباهم: القائد «متكنفون» أى: قد احتاطوا به، و التفوا حوله، و يروى «متكنفو آبائهم» بالإضافة.

الإعراب: «أبناؤها» أبناء: مبتدأ، و أبناء مضاف و ضمير الغائبة العائد إلى الحرة مضاف إليه «متكنفون» خبر المبتدأ «أباهم» أبا: مفعول به لقوله «متكنفون» لأنه جمع اسم فاعل، و أبا مضاف و ضمير الغائبين مضاف إليه «حنقو» خبر ثان، و حنقو مضاف، و «الصدور» مضاف إليه «و ما» نافية حجازية «هم» اسم ما مبنى-