معالم المدرستين - ج2

- السيد مرتضى العسكري المزيد...
393 /
53

أثال‏ (1) ، و شاعره الأخطل‏ (2) من نصارى عصره، و من المعلوم أنّ هؤلاء عند ما شكلوا البلاط الأموي لم يتركوا أفكارهم المسيحيّة و أعرافهم خلفهم، بل حملوها معهم إلى بلاط الخلافة الأمويّة. أضف إلى هذا أنّ عاصمة معاوية الشام كانت قبل ذلك عاصمة لنصارى الروم البيزنطيين، و كانت ذات حضارة عريقة. هذا ما كان من أمر المحيط الّذي انتقل إليه معاوية.

أمّا معاوية نفسه، فكان قد نشأ في وسط أغلظ الجاهليات القبلية الّتي حاربت الإسلام و أعرافه حتى أخضعها الإسلام بقوة السيف. نشأ فيها حتّى صلب عوده، و انتقل على كبر سنّه من مكة بعد فتحها إلى المدينة، و من الجاهلية إلى الإسلام‏ (3) ، و لم

____________

(1) ابن أثال، لما أراد معاوية أن يبايع لابنه يزيد بولاية العهد من بعده، رأى ميل أهل الشام إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. فأمر طبيبه ابن أثال أن يسمّه، و وعده أن يضع عنه الخراج لمدة سنة و يوليه على خراج حمص، ففعل، و برّ معاوية بوعده، فقتله خالد بن عبد الرحمن أو ابن أخيه المهاجر. الأغاني 15/12-13، و تاريخ الطبري 2/82-83، و ابن الاثير 3/378. و قال اليعقوبي في ج 2/223 من تاريخه: استعمل معاوية ابن أثال النصراني على خراج حمص و لم يستعمل النصارى أحد من الخلفاء قبله... الحديث.

(2) أبو مالك غياث بن غوث الأخطل من نصارى تغلب. ولد في أوائل خلافة عمر، و توفي سنة 95 ه.

ذكر الجاحظ في سبب تقربه للأمويين، أن معاوية أراد أن يهجو الانصار لأنّ أكثرهم كانوا أصحاب علي بن أبي طالب، و لا يرون رأي معاوية في الخلافة. فطلب ابنه يزيد من كعب ابن جعيل أن يهجوهم فأبى ذلك و قال: و لكني أدلّك على غلام منّا نصراني كأنّ لسانه لسان ثور لا يبالي أن يهجوهم فدلّه على الأخطل، البيان و التبيين ج 1/86.

و في الأغاني 13/142 عن كعب بن جعيل، قال: إنّ يزيد بن معاوية قال له: إن ابن حسان قد فضح عبد الرحمن بن الحكم و فضحنا-كانت له قصة مع زوجة ابن الحكم-فاهج الأنصار، فقال له: أ رادي أنت في الشرك؟أ أهجو قوما نصروا رسول اللّه و آووه؟و لكني أدلك على غلام منا نصراني.. الحديث و في رواية أخرى بعدها: أن معاوية دسّ إلى كعب و أمر بهجائهم فدلّه على الأخطل... فهجاهم و كان في شعره:

ذهبت قريش بالمكارم و العلى # و اللؤم تحت عمائم الأنصار

و روي أن الأنصار استعدوا على الأخطل معاوية فقال: لكم لسانه إلا أن يكون ابني قد أجاره و دسّ إلى يزيد من وقته: «إنّي قد قلت للقوم كيت و كيت فأجره... » الأغاني 13/147.

و في ج 8/299 قالوا فيه: «نصراني كافر يهجو المسلمين و كان يجي‏ء و عليه جبّة خزو حرز خز في عنقه سلسلة ذهب فيها صليب ذهب تنفض لحيته خمرا حتى يدخل على عبد الملك بن مروان بغير إذن.

و كذلك أنشد شعرا بباب مسجد الكوفة ج 8/321.

و كان ينادم يزيد و يسكر معه ج 16/68، و خرج مع يزيد عام حج به. الأغانى ج 8/301.

(3) راجع باب مع معاوية من كتاب «أحاديث أم المؤمنين عائشة» .

54

يمكث في المجتمع الإسلامي الناشئ إلاّ وقتا قصيرا لا يكفي ليتطبع فيه بالطبع الإسلامي الجديد عليه و يتمرّن عليه ليستطيع أن يؤثّر على ذلك المجتمع ذي الحضارة الرومية الّذي امتدّت حضارته إلى آماد بعيدة في الدهر، بل هو الّذي تأثّر به.

و كان معاوية يبعد من ذلك المجتمع من كان يعترض سبيله من صحابة تطبعوا بالطابع الإسلامي الأصيل نظراء أبي ذرّ و أبي الدرداء و قرّاء أهل الكوفة (1) .

كلّ تكلم كانت عوامل أدّت إلى صبغ مدرسة الخلفاء منذ عصر معاوية بطابع ثقافة أهل الكتاب، و لم تدرس تلك العوامل حتّى اليوم دراسة موضوعية ليعرف مدى أثرها على تلكم المدرسة.

و كان معاوية بالإضافة إلى ما ذكرنا متطبعا بالطابع الجاهليّ ملتزما بأعرافه من التعصّب القبلي، و إحياء آثاره‏ (2) ، و كانت له مع ذلك أهداف اخرى من قبيل توريث السلطة في عقبه، و كسر شوكة المعارضين له من المحافظين الذي يشهرون في وجهه سلاح سيرة الرسول، و كان لا بدّ له في علاج كلّ ذلك-للوصول إلى أغراضه الجاهلية و أهدافه الخاصّة-أن يصنع شيئا، فاستمدّ في هذا السبيل من بعض بقايا

____________

(1) راجع «أحاديث أم المؤمنين عائشة» فصل (مع معاوية) ص 237، و شرح النهج للمعتزلي ط. مصر الأولى 1/159-160.

(2) في الأغاني ط. دار الكتب 2/241-251.

عند ما كان مروان واليا لمعاوية على المدينة، حدّ عبد الرحمن بن أرطاة على شرب الخمر. و كان في الجاهلية حليف حرب جد معاوية، فكتب إليه معاوية أما بعد فإنّك جلدت حليف حرب أمام الناس ثمانين جلدة، و لو كان حليف أبيك الحكم لما فضحته. أما و اللّه إمّا ان تفسد حدّك و تعلن خطأك و ترد اعتباره، أو أن ابطل حدّك و آمره بجلدك ثمانين قصاصا... ففعل مروان ما أمره معاوية، الحديث.

و من ذلك أيضا إلحاقه زيادا بنسب أبيه وفقا للأعراف الجاهلية، و خلافا للأحكام الإسلامية، و الّتي تنصّ على أن الولد للفراش و للعاهر الحجر. راجع أحاديث أمّ المؤمنين عائشة و فصل استلحاق زياد من عبد اللّه ابن سبأ ج 1.

و روى ابن عبد ربّه في العقد الفريد ج 3/413 أنّ معاوية دعا الأحنف بن قيس و سمرة بن جندب فقال: «انّي رأيت هذه الحمراء (لقب يطلق على غير العرب) قد كثرت، و أراها قد طعنت على السلف و كأنّي أنظر إلى وثبة منهم على العرب و السلطان، فقد رأيت أن أقتل شطرا و أدع شطرا لإقامة السوق و عمارة الطريق... » .

فخالفه الأحنف و ردّ عليه، و قال سمرة «اجعلها إلي أيّها الأمير فأنا أتولى ذلك منهم و أبلغ إلى ما تريد منه» و أخيرا عدل معاوية عن رأيه في قتلهم.

55

الصحابة ممن كان في دينه رقّة، و في نفسه ضعف من أمثال عمرو بن العاص، و سمرة ابن جندب‏ (1) ، و أبي هريرة. فاستجابوا له و وضعوا له من الحديث ما يساعده، ثمّ رووه عن رسول اللّه (ص) .

مثال ذلك ما رواه المدائني في كتاب الأحداث قال:

(كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة أن برئت الذّمة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب و أهل بيته.

و كتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبّيه و أهل ولايته و الّذين يروون فضائله و مناقبه فأدنوا مجالسهم، و قرّبوهم و أكرموهم و اكتبوا إليّ بكلّ ما يروى كلّ رجل منهم و اسمه و اسم أبيه و عشيرته. ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه لما كان يبعث إليهم معاوية من الصلات و الكساء و الحباء و القطائع و يفيضه في العرب منهم و الموالي؛ فكثر ذلك في كلّ مصر، و تنافسوا في المنازل و الدنيا، فليس يجي‏ء أحد مردود من الناس عاملا من عمّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه و قرّبه و شفّعه. فلبثوا بذلك حينا.

ثمّ كتب إلى عماله: إنّ الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كلّ مصر و في كلّ وجه و ناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة و الخلفاء الأولين و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ و تأتوني بمناقض له في الصحابة؛ فإنّ هذا أحبّ إليّ، و أقرّ لعيني، و أدحض لحجّة أبي تراب و شيعته، و أشدّ عليهم من مناقب عثمان و فضله.

فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها. و جدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، و ألقي إلى معلمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير

____________

(1) سمرة بن جندب بن هلال الفزاري. قدمت به أمّه المدينة بعد موت ابيه، فتزوجها شيبان بن ثعلبة الأنصاري. و حالف سمرة الانصار قال رسول اللّه لبعض أصحابه و فيهم سمرة: آخركم موتا في النار. فكان سمرة آخرهم موتا. مات سنة 59 في البصرة. ترجمته بأسد الغابة و النبلاء، أخرج له جميع أصحاب الصحاح.

و أخباره مع معاوية و ما وضع له من حديث و عدد من قتل في إمارته في كتاب: «أحاديث أم المؤمنين عائشة» ص 297-298.

56

الواسع حتّى رووه و تعلّموه كما يتعلّمون القرآن و حتّى علّموه بناتهم و نساءهم و خدمهم و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء اللّه) .

(... فظهر حديث كثير موضوع، و بهتان منتشر، و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة، و كان أعظم الناس في ذلك بليّة القرّاء المراءون و المستضعفون الذين يظهرون الخشوع و النسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم و يقرّبوا مجالسهم و يصيبوا به الأموال و الضياع و المنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار و الأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب و البهتان، فقبلوها و رووها و هم يظنّون أنّها حقّ و لو علموا أنّها باطلة لما رووها و لا تديّنوا بها» (1) .

و قد سمّى ابن أبي الحديد قوما من الصحابة و التابعين ممّن وضعهم معاوية لرواية الأخبار (2) ، و أخرجنا بعضها في كتابنا: (أحاديث أم المؤمنين عائشة) (3) .

و قد سمّوا كلّ تلكم الاحاديث الموضوعة بسنة النبيّ و الويل لمن أنكرها و لم يؤمن بها و لم يصدّقها (4) .

على عهد عمر بن عبد العزيز:

لما ولي عمر بن عبد العزيز الأموي‏ (5) أمر برفع الحظر عن كتابة سنّة الرسول (ص) ، و كتب إلى أهل المدينة «أن انظروا حديث رسول اللّه (ص) فاكتبوه فإنّي خفت دروس العلم و ذهاب أهله» .

____________

(1) ابن أبي الحديد في شرح «من كلام له (ع) و قد سأله سائل عن أحاديث البدع» رقم/203 ج 3/15-16، و أحمد أمين في فجر الإسلام 275.

(2) في شرح: و من كلام له (ع) لأصحابه «اما انه سيظهر عليكم بعدي رجل» ج 1/358.

(3) و في كتاب أحاديث أمّ المؤمنين فصل نتائج البحث من باب مع معاوية ص 295-297.

(4) روى الخطيب في ج 14/7 من تاريخ بغداد، أنّه ذكر عند الرشيد و عنده رجل من وجوه قريش حديث أبي هريرة «أن موسى لقي آدم فقال: أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنة. » فقال القرشى: أين لقي آدم موسى قال: فغضب الرشيد و قال: النطع و السيف زنديق و اللّه يطعن في حديث رسول اللّه، فما زال الراوي -أبو معاوية-يسكنه و يقول: كانت منه بادرة و لم يفهم يا أمير المؤمنين، حتّى سكّنه.

(5) أبو حفص عمر بن عبد العزيز. ولي الخلافة سنة 99 فرفع اللعن عن الإمام علي، و أرجع فدكا إلى ورثة الزهراء، و أمر بكتابة الحديث و له حسنات أخرى. توفي سنة 101 ه. راجع ترجمته بتاريخ الخلفاء للسيوطي، و تقريب‏

57

و كان ابن شهاب الزهري أوّل من دوّن الحديث على رأس المائة بأمر عمر ابن عبد العزيز (1) .

غير أنّه لم يتم الأمر لوفاة عمر بن عبد العزيز بالسمّ عام (101 هـ) ، و فقد ما كان دوّن في عصره. فقد روى ابن حجر في ترجمة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (ت 117 ه) ما موجزه:

كتب إليه عمر بن عبد العزيز، أن يكتب له العلم. و قال ابنه بعد وفاته:

ضاعت تلك الكتب‏ (2) .

و كذلك لم يبق ما دون غيره من العلم، حتى ولي أبو جعفر المنصور و حرض العلماء على التدوين، قال الذهبي في ذكر حوادث سنة 143:

و في هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث و الفقه و التفسير فصنف ابن جريج التصانيف بمكة؛ و صنف سعيد بن أبي عروبة؛ و حماد بن سلمة و غيرهما بالبصرة؛ و صنف الأوزاعي بالشام؛ و صنف مالك الموطأ بالمدينة و صنف ابن اسحاق المغازي؛ و صنف معمر باليمن؛ و صنف أبو حنيفة و غيره الفقه و الرأي بالكوفة، و صنف سفيان الثوري كتاب الجامع؛ ثم بعد يسير صنف هشيم كتبه؛ و صنف الليث بمصر و ابن لهيعة ثمّ ابن المبارك و أبو يوسف و ابن وهب‏ (3) . و كثر تدوين العلم و تبويبه و دونت كتب العربية و اللغة و التاريخ و أيام الناس. و قبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون

____________

قالتهذيب لابن حجر و في شأن أمره بكتابة الحديث راجع مقدمة الدارمي ص 126. و طبقات ابن سعد ط بيروت (7/447) و مصنف عبد الرزاق ط. الهند عام 1970 (9/337) و أخبار اصبهان لأبي نعيم (1/312) و تدريب الراوي للسيوطي ص 90.

(1) فتح الباري (1/218) باب كتابة العلم.

(2) راجع تهذيب 12/39.

(3) ابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكّي، سمع جمعا من العلماء. يقال إنّه أوّل من‏

58

عن حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. فسهل و للّه

____________

قصنف الكتب و كان أحمد بن حنبل يقول: كان ابن حريج من أوعية العلم. توفي سنة 151.

تذكرة الحفاظ 1/160. و ابن خلكان 1/286. و تاريخ بغداد 10/400. و دول الإسلام للذهبي 1/79.

و حماد بن سلمة بن دينار البصري الرّبعي بالولاء، أبو سلمة، مفتي البصرة، و أحد رجال الحديث.

و هو أوّل من صنّف التصانيف المرضية. (ت: 167 ه) .

تهذيب التهذيب 2/11. و ميزان الاعتدال 1/277. و حلية الأولياء 6/249. و الأعلام للزركلي.

و الأوزاعي: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد كيكرم إمام أهل الشام، و لم يكن بالشام علم منه، و كان يسكن بيروت، و كانت وفاته 157. و الأوزاعي نسبة إلى أوزاع بطن من همدان ينسب إليه الأوزاعي المذكور لا القرية الواقعة بدمشق خارج باب الفراديس.

الفهرست لابن إسحاق النديم 1/227. و الوفيات 1/275. و حلية الأولياء 6/135. و تهذيب الأسماء و اللغات، القسم الأول من الجزء الأول ص 298 و معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي بالولاء، أبو عروة، فقيه، حافظ للحديث، من أهل البصرة.

ولد و اشتهر فيها و سكن اليمن. و هو عند مؤرخي رجال الحديث أوّل من صنف باليمن.

(ت: 153 ه) .

تذكرة الحفاظ 1/178. و تهذيب التهذيب 10/243. و ميزان الاعتدال 3/188.

و سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد اللّه، و صفوه بأنّه أمير المؤمنين في الحديث. ولد و نشأ في الكوفة. له من الكتب: الجامع الكبير (ت: 161 ه) .

تهذيب التهذيب 4/111-115. و ابن سعد 6/257. و ابن النديم 1/225. و دول الإسلام 1/84. و حلية الأولياء 6/356. و ابن خلكان 1/210.

و الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بالولاء. أبو الحارث، إمام أهل مصر في عصره حديثا و فقها.

كان كبير الديار المصرية و رئيسها. و أمير من بها في عصره، بحيث أنّ القاضي و النائب من تحت أمره و مشورته. أصله من خراسان وفاته في القاهرة و له تصانيف. (ت: 175 ه) .

تذكرة الحفاظ 1/207. و تهذيب التهذيب 8/459. و وفيات الأعيان 1/428.

و ابن لهيعة: كسفينة، أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن لهيعة الحضرمي المصري، كان كثير الرواية في الحديث و الأخبار، تولى قضاء مصر بأمر المنصور الدوانيقي سنة 155 و صرف عن القضاء سنة 164 و حديثه مذكور في صحيحي الترمذي و أبي داود و غيرهما، توفى بمصر سنة 174 ه.

ميزان الاعتدال 2/64. و وفيات الأعيان 1/249.

59

الحمد تناول العلم و أخذ الحفظ يتناقص فللّه الأمر كلّه‏ (1) .

و نقل الخبر عنه السيوطي في تاريخ الخلفاء ص 261.

و ورد في موسوعة الفقه الإسلامي:

و لمّا حجّ المنصور سنة 143 رغب إلى مالك في تأليف (الموطّأ) كما رغّب هو و ولاته العلماء في التدوين.

و قد دوّن ابن جريج، و ابن عروبة، و ابن عيينة و غيرهم، و دوّن سائر فقهاء الأمصار و أصحابهم‏ (2) .

قال المؤلف: و لا يناقض ما أوردناه هنا ما نقلوا عن وجود مدوّنات حديثية لبعضهم قبل هذا العصر مثل ما قالوا: أنّه كان للصحابي عبد اللّه بن عمرو بن العاص الصحيفة الصادقة، و كذلك قالوا: كان للتابعي الزهري أحاديث مدوّنة. فإنّ أمثال ذينك المدوّنتين بلغ أسماؤها إلى العلماء في عصر تدوين الحديث فحسب.

ثمّ تسابق المحدّثون بمدرسة الخلفاء بعد ذلك-و على عهد المنصور العباسي-في تدوين ما بقي في ذاكرتهم من سنّة الرسول (ص) ، و دوّنوا معها كذلك ما روي عندهم

____________

قو ابن المبارك: أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن المبارك المروزي العالم الزاهد العارف المحدث، كان من تابعي التابعين. و روي عن أبي اسامة، قال: ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس.

تاريخ بغداد 10/152. و الكنى و الألقاب 1/401.

و عبد اللّه بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء، المصري أبو محمّد، فقيه من الأئمة، من أصحاب مالك. جمع بين الفقه و الحديث. له كتب منها: الجامع.

تذكرة الحفاظ 1/279. و وفيات الأعيان 1/249.

و سبق ذكر تراجم الآخرين.

(1) راجع تاريخ الإسلام للذهبي 6/6.

(2) إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلاميّة في القاهرة ط. سنة 1386 ه 1/47.

60

تأييدا لاجتهادات الخلفاء في مقابل سنّة الرسول (ص) -كما سندرسها في البحوث الآتية إن شاء اللّه تعالى-و دوّنوا معها أيضا أحيانا أحاديث إسرائيليّة ممّا درسناها في البحثين الحادي عشر و الثاني عشر من سلسلة بحوث (أثر الأئمة في إحياء السّنّة) و مارسوا في عصور التأليف-أيضا-أنواعا من الكتمان لسنة الرسول (ص) درسنا عشرة منها في بحث الوصيّة من الجزء الأوّل من هذا الكتاب. و سيأتي ذكر تقويمهم للموسوعات الحديثية بآخر الجزء الثالث، إن شاء اللّه تعالى.

و قد وجدت الأحاديث المتناقضة بعد وضع الحديث على عهد معاوية تأييدا لسياسة الخلفاء، كالآتي بيانه.

كيف وجد الحديثان المتناقضان‏

لعل من الأحاديث التي رويت على عهد معاوية و سجّلت في عداد أحاديث الرسول (ص) و اعتبرت من سنته، هي الأحاديث الآتية:

في صحيح مسلم و سنن الدارمي و مسند أحمد و اللفظ للأوّل، أنّ رسول اللّه (ص) قال:

«لا تكتبوا عنّي، و من كتب عنّي غير القرآن فليمحه» (1) .

و في رواية: «إنّهم استأذنوا النبيّ (ص) في أن يكتبوا عنه فلم يأذن لهم» (2) .

و في مسند أحمد و سنن أبي داود عن زيد بن ثابت و اللفظ للأوّل:

إنّ رسول اللّه (ص) نهى أن نكتب شيئا من حديثه فمحاه‏ (3) .

و في مسند أحمد، عن أبي هريرة قال: كنّا قعودا نكتب ما نسمع من النبيّ (ص) فخرج علينا فقال: ما هذا تكتبون؟ فقلنا: ما نسمع منك.

فقال: أ كتاب مع كتاب اللّه؟

____________

(1) صحيح مسلم 4/97-كتاب الزهد، باب التثبت في الحديث و حكم كتابة العلم ح 72. و سنن الدارمي 1/119 المقدمة باب 42، و مسند أحمد 3/12 و 39 و 56.

(2) سنن الدارمي المقدمة باب 1/119.

(3) مسند أحمد 5/182، و سنن أبي داود كتاب العلم 3/319.

61

فقلنا: ما نسمع.

فقال: اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه. أ كتاب غير كتاب اللّه؟امحضوا كتاب اللّه.

فقال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد، ثم أحرقناه بالنار (1)

إن صحّت هذه الأحاديث فما على المسلمين إلاّ أن يجمعوا جميع مصادر الدراسات الإسلامية و الّتي حوت أحاديث الرسول، أو كان فيها شي‏ء من حديثه مثل الصحاح و السنن و المسانيد و السير و التفاسير و يحرقوها أو يلقوها في البحر!!! و بناء على ذلك لست أدري ما ذا يبقى من شرائع الإسلام إذا ألقينا بجميع مصادر سنّة الرسول في البحر؟لا. لم يتفوه رسول اللّه (ص) بتلك الأحاديث، و إنما قال في خطبته بمنى في حجّة الوداع:

«نضّر اللّه عبدا سمع مقالتي فوعاها و بلغها من لم يسمعها، فكم من حامل فقه إلى من هو أفقه منه» الحديث‏ (2) .

و في حديث آخر «فربّ حامل فقه غير فقيه، و ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (2) .

و في رواية أخرى قال رسول اللّه: «نضّر اللّه امرأ سمع منّا حديثا فأدّاه كما يسمع، فربّ مبلغ أوعى من سامع» (2) . و في أخرى قال النبيّ (ص) :

ليبلّغ الشاهد الغائب، فإنّ الشاهد عسى أن يبلّغ من هو أوعى له منه‏ (5) .

و قال (ص) :

«اللّهمّ ارحم خلفائي!اللّهمّ ارحم خلفائي!اللّهمّ ارحم خلفائي!قيل له يا رسول اللّه من خلفاؤك؟قال: الّذين يأتون بعدي يروون حديثي و سنّتي» (6) .

____________

(1) مسند أحمد 3/12-13.

(2) راجع مصادره فيما سبق، باب تعريف مصطلح الفقه، و بدائع المتن ج 1/14.

(5) صحيح البخاري ج 1/24، ط بولاق، كتاب العلم باب قول النبي: ربّ مبلّغ... ، و في كنز العمال ط/102/133، ح 1126، سنن ابن ماجة ج 1/85، ح 233، بحار الأنوار ج 2/152، ح 42.

(6) في مصادر مدرسة أهل البيت معاني الأخبار ص 374-375، عيون الأخبار، ط. النجف الأشرف 2/36، من لا يحضره الفقيه، تحقيق علي اكبر غفاري 4/420، بحار الأنوار 2/145، ح 7.

62

و في باب كتابة العلم من البخاري: ان رجلا من أهل اليمن سمع حديث رسول اللّه فقال: أكتب لي يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لأبي فلان‏ (1) .

و روي أن رجلا من الأنصار كان يجلس إلى النبيّ فيسمع من الحديث فيعجبه و لا يحفظه فشكا ذلك إلى النبيّ (ص) فقال له رسول اللّه (ص) : «استعن بيمينك» و أومأ بيده أي خطّ (2) .

و عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول اللّه أكتب كلّ ما أسمع منك؟قال: «نعم» قلت: في الرضا و الغضب؟قال: (نعم فإنّي لا أقول في ذلك كله إلاّ حقّا) .

و في رواية إنّي أسمع منك أشياء فأكتبها؟قال: نعم‏ (3) .

و عن عبد اللّه بن عمرو قال: كنت أكتب كل شي‏ء أسمعه من رسول اللّه (ص) أريد حفظه فنهتني قريش و قالوا: تكتب كل شي‏ء سمعته من رسول اللّه (ص) و رسول اللّه (ص) بشر يتكلم في الغضب و الرضا، فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول اللّه فأومأ باصبعه إلى فيه و قال: اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ‏ (4) .

و في رواية أخرى بعد هذا: انّه أتى رسول اللّه (ص) فقال: يا رسول اللّه (ص) إني أروي من حديثك فأردت أن أستعين بكتاب يدي مع قلبي إن رأيت ذلك، فقال

____________

قو في مصادر مدرسة الخلفاء: المحدث الفاصل للرامهرمزي، باب فضل الناقل عن رسول اللّه ص 163، و قواعد التحديث للقاسمي، باب فضل راوي الحديث ط 2 ص 48، شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي، باب كون أصحاب الحديث خلفاء الرسول ص 30، جامع بيان العلم لابن عبد البر ج 1/55، أخبار اصبهان لأبي نعيم ج 1/81، الفتح الكبير للسيوطي، عن أبي سعيد ج 1/233، كنز العمال للمتقي، كتاب العلم باب آداب العلم، فصل رواية الحديث و آداب الكتابة، عن علي (ع) و ابن عباس ط 2 ج 10/128 و 133 ح 1086 و 1127 و ج 10/181، ح 1407، و الالماع للقاضي عياض، باب شرف علم الحديث و شرف اهله، ص 11.

(1) صحيح البخاري ج 1/22. و أبو فلان هو أبو شاة كما في الترمذي ج 10/135.

(2) سنن الترمذي، كتاب العلم باب: ما جاء في الرخصة فيه ج 10/134.

(3) مسند أحمد ج 2/207. و 215.

(4) ذكرنا مصادره في أوائل باب موقف المدرستين من نشر حديث الرسول في القرن الأوّل.

63

رسول اللّه (ص) : «إن كان حديثي ثمّ استعن بيدك مع قلبك» (1) .

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، قال:

قلت: يا رسول اللّه إنّا نسمع منك أحاديث لا نحفظها، أ فلا نكتبها؟قال: بلى، فاكتبوها (2) .

إذا، كان الرسول (ص) قد أمر و حثّ على تدوين أحاديثه و نشرها كما قرأناها في الأحاديث الصحيحة الأخيرة، إذا فكيف رويت عنه الأحاديث السابقة الّتي كانت تقول: إن الرسول نهى عن كتابة حديثه! الجواب: انّا رأينا أنّ قريشا أي المهاجرين من الأصحاب كانت تمنع من كتابة حديث رسول اللّه في حياته، و أنّها هي التي منعت من كتابة وصية الرسول قبيل وفاته، و بعد وفاته-على-أيضا-رأينا الخليفة القرشي الثاني يمنع بشدة عن كتابة حديث الرسول، و يحرق ما كتب منها، و يمنع من نشر حديث الرسول، و يسجن في المدينة من خالف من الصحابة. و على نهجه سار الخليفة القرشي الثالث عثمان، و كان من الطبيعي أن يسير في ركاب السلطة جمع من الصحابة.

و رأينا في الجانب الآخر في الصحابة من يخالف هذا الاتجاه، و ينشر أحاديث الرسول و يناله الإرهاق و الشدّة مثل الصحابي أبي ذرّ. و سيأتي في البحوث الآتية بهذا الكتاب-إن شاء اللّه تعالى-أنّ الإمام عليّا (ع) كان مشجعا لهذا الاتجاه، و كان من الطبيعي تشجيعه لنشر حديث الرسول على عهد خلافته، و لما استشهد في محرابه و ولي معاوية الحكم لم يكن من الهيّن على معاوية بعد ذلك أن يمنع كتابة حديث الرسول ما لا يريد نشره، و كان لا بدّ له من مؤيّد على هذا الاتجاه، فرويت أحاديث «منع الرسول من كتابة الحديث» في هذا العصر، و أنتج كلّ ذلك أن نجد في أحاديث الرسول هذا التناقض:

أحاديث تروى عن رسول اللّه أنّه قال: «اكتبوا حديثي» .

____________

(1) سنن الدارمي المقدمة، باب رخص في كتابة العلم 1/125-126.

(2) مسند أحمد 2/215.

64

و أحاديث تروى أنّه قال: «لا تكتبوا حديثي» .

و هكذا وجدت الأحاديث المتناقضة في الأحاديث المروية عن رسول اللّه (ص) .

و على هذا، متى ما وجدنا الأحاديث متعارضة، ينبغي أن نترك ما يوافق اتجاه السلطة الحاكمة مدى العصور.

و لا يفوتنا أخيرا أن نقول: إنّ المنع كان بقصد منع نشر فضائل الإمام عليّ (ع) على المسلمين، خاصّة على عهد معاوية الذي كان يأمر بلعن الإمام في خطب الجمعة على منابر المسلمين، كما مرّ بنا في الجزء الأول، فصل: كتمان فضائل الإمام عليّ، و نشر سبّه و لعنه.

أشرنا في ما سبق إلى جانب ممّا اقتضته سياسة الحكم لدى معاوية، و هو صرف الناس عن مدرسة أهل البيت و توجيههم نحو مدرسة الخلفاء، و أضف إلى ذلك أن معاوية كان بحاجة إلى تغيير رؤية المسلمين لإمامهم أكثر فأكثر. فإن رؤية المسلمين للحاكم الإسلامي الأوّل رسول اللّه (ص) ، و أنّه مثال للكمال الإنساني، و أنّه لا تصدر منه المعاصي، و لا ينساق وراء هوى نفسه.

هذه الرؤية كانت تمنع غير المنحرفين من أفراد الأمّة من الانسياق وراء معاوية، و من قبول يزيد (المخمور المعلن بالفسق) لولاية العهد، و من هنا كان معاوية بحاجة إلى تغيير رؤية المسلمين إلى مثلهم الأعلى رسول اللّه (ص) ، و لهذا ظهرت أحاديث تري رسول اللّه (ص) في مستوى يزيد و معاوية في الانحراف وراء هوى نفسه، و قد رويت تلك الأحاديث عن بعض أمهات المؤمنين و بعض صحابة رسول اللّه (ص) (1) .

و كان-أيضا-في الأحاديث الإسرائيلية عن الأنبياء السابقين و الّتي كان ينشرها علماء أهل الكتاب بين المسلمين إسنادا و تأييدا لما تتطلبه سياسة معاوية في

____________

(1) راجع بحث منشأ الخلاف حول صفات رسول اللّه (ص) من (بحوث تمهيدية) في الجزء الأوّل من هذا الكتاب، لترى كيف رسمت مدرسة الخلفاء صورة خاتم الأنبياء فإنا نرى أنها وضعت في عصر معاوية و لحسابه.

65

هذا الجانب، و زاد في الطين بلّة المنع من كتابة حديث الرسول و الاعتماد على ذاكرة الرواة في ما يحدّثون. و لهذا اختلط الحابل بالنابل، و امتزجت الإسرائيليات بالمروي من أحاديث الرسول.

و هكذا تشكل الفكر الإسلامي في مدرسة الخلفاء بطابعه الخاص به على عهد معاوية و كما أراده معاوية، و أصبح هذا الفكر الخاص بمدرسة الخلفاء هو الإسلام الرسمي منذ عهد معاوية، و أصبح ما يخالفه مرفوضا و منبوذا. و بقي الإسلام الرسمي أو الفكر الإسلامى الّذي رسمه معاوية كما أراده على ذلك الشكل و المحتوى حتّى اليوم بعد أن وضع استشهاد الحسين سبط رسول اللّه و أهل بيته حدّا للانحراف بعد معاوية، و كشف عن واقع الخليفة يزيد، و جرّد مقام الخلافة من هالة القداسة التي كانت تتبرقع بها، فأصبحت السلطة في جانب، و التمثيل الديني في جانب آخر.

كان هذا موقف مدرسة الخلفاء من حديث الرسول (ص) و سندرس موقف مدرسة أهل البيت من حديث الرسول بعد الانتهاء من بحث موقف المدرستين من الفقه و الاجتهاد في ما يأتي من أبواب هذا الكتاب-إن شاء اللّه تعالى-.

عود على بدء

كان استمرار النهي عن نشر سنّة الرسول (ص) بمدرسة الخلفاء عن كتابتها؛ إلى أوّل القرن الثاني الهجري؛ من أهم الأسباب الّتي أدّت بهم إلى فتح باب الاجتهاد في الأحكام، و العمل فيها بآراء المجتهدين، و أحيانا في مقابل سنّة الرسول (ص) كما سندرسه في الفصل الآتي إن شاء اللّه تعالى.

66

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

67

الفصل الثالث موقف المدرستين من الفقه و الاجتهاد

1- تطور مدلول الاجتهاد بمدرسة الخلفاء 2- تسمية الاجتهاد 3- مجتهد و مدرسة الخلفاء في القرن الأول و موارد اجتهادهم المجتهدون من الخلفاء و الصحابة و التابعين 4- شرح موارد اجتهاد المذكورين أ- موارد اجتهاد الرسول (ص) ب- موارد اجتهاد الخليفتين أبي بكر و عمر 5-اجتهاد الخليفتين أبي بكر و عمر في الخمس خاصّة 6-اجتهاد الخليفة عمر في المتعتين خاصّة 7-الاجتهاد في القرن الثاني فما بعد حقيقته، تطوره، أدلّة صحّة العمل به‏

68

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

69

إنّ الفقه و الاجتهاد قد اختلط أحدهما بالآخر في المجتمع الإسلامي و امتزجا أخيرا و لا يتيسر الفصل بينهما، دون ما دراسة مستفيضة. و سنبدأ بدراسة الاجتهاد في مدرسة الخلفاء، ثم نشير إلى موقف مدرسة أهل البيت من الفقه و الاجتهاد في آخر الباب، إن شاء اللّه تعالى.

-1- تطور مدلول الاجتهاد بمدرسة الخلفاء

إن مصطلح الاجتهاد و المجتهد متأخر عن عصر الصحابة و التابعين بدهر، إذ كان الصحابة و التابعون يسمّون تغيير الأحكام من قبلهم بالتأويل مثل ما ورد في خبر قتل خالد بن الوليد عامل رسول اللّه مالك بن نويرة، فإنّ خالدا اعتذر عن فعله و قال للخليفة أبي بكر: «يا خليفة رسول اللّه!إنّي تأوّلت و أصبت و أخطأت» .

و قال أبو بكر في جواب عمر حين قال: إنّ خالدا زنى فارجمه: «ما كنت أرجمه فإنه تأوّل فأخطأ» (1) .

و مثل ما ورد في رواية الزهري عن عروة عن عائشة: «انّ الصلاة أوّل ما فرضت ركعتين فأقرّت الصلاة في السفر و أتمّت صلاة الحضر. » قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ في السفر؟قال: إنّها تأوّلت كما تأوّل عثمان. (2) .

____________

(1) راجع موارد اجتهاد أبي بكر في ما يأتي.

(2) صحيح مسلم، باب صلاة المسافرين و قصرها ح 3، و البخاري 1/134 باب تقصير الصلاة و قد حذف «في السفر» من لفظ الحديث حفظا لكرامة أم المؤمنين.

70

و قال ابن حزم في الفصل: و عمّار (رض) قتله أبو الغادية. شه د- أي عمّار-بيعة الرضوان فهو من شهداء اللّه له بأنّه علم ما في قلبه و أنزل السكينة عليه، و رضي عنه، فأبو الغادية متأوّل مجتهد مخطئ باغ عليه مأجور أجرا واحدا و ليس هذا كقتلة عثمان (رض) لأنّهم لا مجال لهم للاجتهاد في قتله‏ (1) .

و قال ابن حجر في ترجمة أبي الغادية: و الظّنّ بالصحابة في كلّ تلك الحروب، أنّهم كانوا فيها متأوّلين و للمجتهد المخطئ أجر. و إذا ثبت هذا في حقّ آحاد الناس فثبوته للصحابة بالطريق الأولى‏ (2) .

و قال ابن حزم في المحلّى، و ابن التركماني في الجوهر النقي: و لا خلاف بين أحد من الأمّة في أنّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليّا إلاّ متأوّلا مجتهدا مقدّرا أنّه على صواب و في ذلك يقول عمران بن حطّان:

يا ضربة من تقي ما أراد بها # إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره يوما فأحسبه # أوفى البريّة عند اللّه ميزانا

(3)

و قال الشيخ عبد اللطيف في هامش الصواعق: و جميع الصحابة ممّن كان على عهد عليّ إمّا مقاتل معه أو عليه أو معتزل عن المعسكرين متأوّل لا يخرج بما وقع عنه عن العدالة (4) .

و قال ابن كثير في حقّ يزيد: و حملوا ما صدر منه من سوء التصرّفات على أنّه تأوّل فأخطأ، و قالوا: إنّه مع ذلك كان إماما فاسقا لا يعزل... و لا يجوز الخروج عليه، و أمّا ما ذكر أن يزيد لمّا بلغه خبر أهل المدينة و ما جرى عليهم عند الحرّة، فرح بذلك فرحا شديدا، فإنّه يرى أنّه الإمام و قد خرجوا عن طاعته، و أمّروا عليهم غيره، فله قتالهم حتّى يرجعوا إلى الطاعة، و لزوم الجماعة (5) .

في الخبر الأوّل سمّى كلّ من الصحابى: خالد بن الوليد و الخليفة الصحابي أبو بكر: قتل مالك و نكاح زوجته بالتأوّل.

____________

(1) الفصل 4/161.

(2) الإصابة 4/151.

(3) المحلى لابن حزم 10/484، و الجوهر النقي لابن التركماني الحنفي (ت 750 ه) بذيل سنن البيهقي 8/58 و 59.

(4) بهامش الصواعق ص 209.

(5) تاريخ ابن كثير 8/223، أوردتها باختصار.

71

و في الخبر الثاني سمّى التابعي عروة بن الزبير إتمام عائشة الصلاة في السفر خلافا لما ترويه، تأوّلا، مثل فعل عثمان.

و بعد ذلك بدهر نجد ابن حزم المتوفي 456 ه يصف أبا الغادية في قتله عمار ابن ياسر متأوّلا مجتهدا مأجورا أجرا واحدا.

و نجده هو و ابن التركماني الحنفي المتوفّى (750 ه) يصفان ابن ملجم في قتله الإمام عليا متأوّلا مجتهدا.

و نجد ابن حجر المتوفى (852 ه) يصف الصحابة في كلّ تلك الحروب متأوّلين و للمجتهد المخطئ أجر!.

هكذا سمّي العمل بالرأي أوّلا بالتأويل، و أخيرا بالاجتهاد، ثمّ اتبع علماء مدرسة الخلفاء الصحابة و الخلفاء في ذلك و فتحوا لانفسهم باب هذا الاجتهاد أي العمل بالرأ ي- غير أنهم اكتشفوا للعمل بالرأي قواعد، و وضعوا له أسماء، و عقدوا له أبوابا في علم الأصول، و سمّوا أيضا رجوعهم إلى تلك القواعد التي وضعوها، و استخراجهم الأحكام بموجبها «الاجتهاد» ، و سمّوا من يقوم بذلك «المجتهد» . بينما المصطلح الشرعي لعلم الدين هو «الفقه» و لعالمه «الفقيه» ، و على هذا فينبغي البحث في ما يأتي في ثلاثة أمور:

1- التسمية.

2- المجتهدون في القرن الأوّل و موارد اجتهادهم.

3- الاجتهاد في القرن الثاني فما بعد، و استنباط الأحكام من عمل الصحابة.

72
-2- تسمية الاجتهاد
التأويل لغة و شرعا

قال أبو العبّاس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (ت 291 ه) : «التأويل، و المعنى، و التفسير، بمعنى» (1) .

و قال الجوهري (ت 396 ه) : «التأويل، تفسير ما يؤول إليه الشي‏ء و قد أوّلته، و تأوّلته تأوّلا، بمعنى» (2) .

و قال الراغب (ت 502 هـ) : «التأويل من الأول أي الرجوع إلى الأصل، و منه الموئل للموضع الّذي يرجع إليه، و معنى التأويل في اللغة، ردّ الشي‏ء إلى الغاية المرادة منه، و قد ورد في القرآن الكريم بهذا المعنى في:

1- وَ مََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللََّهُ وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ آل عمران/7.

2- هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ الأعراف/53 أي بيانه الذي هو غايته‏ (3) .

و استعمل التأويل في الكتاب و السنة في تعبير الرؤيا، كما ورد في قصّة يوسف

____________

(1) مادة «أوّل» في لسان العرب.

(2) مادة «أوّل» في الصحاح.

(3) مادة «أوّل» في مفردات الراغب. و قد أو جزت ما نقلت عنه، و راجع البخاري، كتاب الأذان، باب 139 و تفسير سورة 110، و صحيح مسلم، كتاب الصلاة، ح 217، و سنن ابن ماجة، كتاب الإقامة، الباب 20.

73

نَبِّئْنََا بِتَأْوِيلِهِ يوسف/36 و في تعبير الرسول (ص) في غزوة أحد: «فأوّلت أنّ الدرع المدينة» (1) .

كان هذا معنى التأويل في اللغة و تلك أمثلة من موارد استعماله، و استعار الصحابة و التابعون لفظ التأويل و أرادوا به تغيير الأحكام، و من ثمّ أصبح للتأويل في عرف مدرسة الخلفاء معنى جديد.

قال ابن الأثير: التأويل من آل الشي‏ء يؤول إلى كذا، أي رجع و صار إليه، و المراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن موضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ (2) .

هكذا غيّروا مدلول اللفظ، و انتشر هذا التغيير في كتب الحديث، فقد قال البخاري في كتاب الأدب من صحيحه: «باب من أكفر أخاه من غير تأويل فهو كما قال» . و «باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأوّلا و جاهلا» (3) .

و في شرح «باب ما جاء في المتأوّلين» من فتح الباري: و الحاصل أنّ من أكفر المسلم، نظر، فإن كان بغير تأويل، استحقّ الذمّ، و ربما كان هو الكافر، و إن كان بتأويل، نظر، إن كان غير سائغ استحقّ الذمّ و لا يصل إلى الكفر بل يبيّن له وجه خطئه و يزجر بما يليق به، و لا يلتحق بالأوّل عند الجمهور و إن كان-تكفيره-بتأويل سائغ لم يستحقّ الذمّ، بل تقام عليه الحجّة حتّى يرجع إلى الصواب.

قال العلماء: كلّ متأوّل معذور بتأويله، ليس بآثم إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، و كان له وجه في العلم‏ (4) .

هكذا طوّروا مدلول التأويل، و أخيرا سمّوا موارد التأويل في عرفهم بالاجتهاد.

و سندرس في ما يأتي، المجتهدين في العصر الأوّل و موارد اجتهادهم.

____________

(1) سنن الدارمي 2/129، و راجع في موطأ مالك كتاب اللبس باب ما جاء في الانتعال ح 16، و الدارمي كتاب الرؤيا الباب 13.

(2) نهاية اللغة مادة «أول» .

(3) صحيح البخاري بمتن فتح الباري 13/129-30.

(4) فتح الباري (15/333) . لست أدري ما ذا يقولون في تكفير الخوارج عامّة المسلمين، بلى إنّهم لا يعذرونهم و يسمّونهم المارقين عن الإسلام، عدا ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين، فهو متأوّل معذور!!!

74
-3- مجتهد و مدرسة الخلفاء في القرن الأوّل و موارد اجتهادهم‏
أ-خاتم الأنبياء و سيّد الرسل (ص)

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في مقام الاعتذار عن تخلّف الخليفتين أبي بكر و عمر عن جيش اسامة: «إنّه-أي الرسول (ع) -كان يبعث السرايا عن اجتهاد لا عن وحي يحرم مخالفته» (1) . ثم أطال الحديث عن اجتهاد الرسول في هذه القضيّة.

و يأتي في باب اجتهاد الخليفة عمر مورد آخر ممّا وصفوا فيه حكم الرسول بالاجتهاد. كما نعرض أدلّتهم على اجتهاد الرسول بشي‏ء من التفصيل مع بيان رأينا حولها في ما يأتي من هذه البحوث-إن شاء اللّه تعالى-، لهذا كلّه صدّرنا أسماء المجتهدين عندهم باسم النبيّ الأكرم (ص) ، خلافا لما عليه المذهب الإماميّ الذي ينفي الاجتهاد عنه بتاتا.

ب-الخليفة الأوّل أبو بكر (رض)

أجاب القوشجي في شرح التجريد على اعتراض الطوسي على الخليفة أبي بكر من أنّه «أحرق الفجاءة السلمي، و لم يعرف الكلالة، و ميراث الجدّة» .

قال: «إحراقه الفجاءة بالنّار من غلطة في اجتهاده فكم مثله للمجتهدين، و أمّا مسألة الكلالة و الجدّة فليس بدعا من المجتهدين إذ يبحثون عن مدارك الأحكام

____________

(1) في شرح «و من كتاب له إلى أهل مصر مع مالك» من شرح نهج البلاغة ج 4/178 ط. مصطفى البابي بمصر سنة 1329 ه تأليف عز الدين عبد الحميد بن محمّد بن محمّد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني المعتزلي الأديب المؤرخ (586-655 ه) ببغداد.

75

و يسألون من أحاط بها... » (1) .

و قال في جواب اعتراضه على أبي بكر بأنّه لم يحدّ خالدا و لا اقتصّ منه: «تزوّج امرأته في دار الحرب لأنّه من مسائل المجتهدين» .

قال: «و إنكار عمر عليه لا يدلّ على قدحه في إمامة أبي بكر و لا على قصده إلى القدح فيها، بل أنكر عليه كما ينكر بعض المجتهدين على بعض» (2) .

ج-الصحابي المجتهد خالد بن الوليد

قال ابن كثير: «و استمرّ أبو بكر بخالد على الإمرة و إن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة و أخطأ» (3) .

د-الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض)

نقل ابن أبي الحديد في الخامس ممّا انتقد عليه: «إنّه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز حتّى إنّه كان يعطي عائشة و حفصة عشرة آلاف درهم كلّ سنة و منع أهل البيت خمسهم... » .

و ذكر في الجواب عن هذا: «إنّ بيت المال إنّما يراد لوضع الأموال في حقوقها ثمّ و إلى المتولّي للأمر الاجتهاد في الكثرة و القلّة فأمّا أمر الخمس فمن باب الاجتهاد... » .

و قال: «فلم يخرج عمر بما حكم عن طريقة الاجتهاد و من قدح في ذلك فإنّما يقدح في الاجتهاد الّذي هو طريقة الصحابة» (4) .

____________

(1) قاله الخواجة نصير الدين محمد بن محمد بن الطوسي الجهرودي (ت 672 ه) في كتابه تجريد الكلام في شرح عقائد الإسلام. راجع الذريعة 3/351.

و شرح التجريد لعلاء الدين علي بن محمد، لقب أبوه بالقوشجي لأنه كان حافظ البازي لملك ما وراء النهر.

شارك علاء الدين في بناء مرصد سمرقند، و سافر إلى تبريز و منها إلى القسطنطينية للإصلاح بين سلطانها العثماني و سلطان تبريز حسن الطويل فأكرمه السلطان العثماني، محمد و ولاه على مدرسة آيا صوفيا و توفي بها سنة 897 ه. راجع ترجمته بهدية العارفين 1/736، و الكنى و الألقاب 3/77.

(2) هذه أقوال القوشجي في شرح التجريد ط. تبريز عام 1301 ه ص 407 و قد تكرر هذا الرقم في هذه الطبعة، و راجع شرح النهج 4/183 في الطعن السادس.

(3) ابن كثير في تاريخه 6/323.

(4) شرح النهج ج 2/153 في ذيل شرح «و من كلام له (ع) للّه بلاد فلان» و قال أيضا في ج 3/180 في جواب هذا النقد: «أدّى إليه اجتهاده» .

76

و نقل عن ابن الجوزي أنّه قال في الخمس: «إنّها مسألة اجتهاديّة» (1) .

و نقل في السابع مما انتقد عليه قولهم: «أنّه كان يتلوّن في الأحكام حتّى روي أنّه قضى في الجدّ بسبعين، و روى بمائة قضيّة، و أنّه كان يفضّل في العطاء و قد سوّى اللّه تعالى بين الجميع و أنّه قال في الأحكام من جهة الرأي و[الحدس‏ (2) ]و الظنّ» .

و ذكر في الجواب أنّهم قالوا: «مسائل الاجتهاد يسوغ فيها الاختلاف و الرجوع عن رأي إلى رأي بحسب الأمارات و غالب الظنّ» .

و قال: «إنّما الكلام في أصل القياس و الاجتهاد فإذا ثبت خرج ذلك أن يكون طعنا» (3) .

و قال القوشجي في جواب نقد الطوسي عليه: «انّه أعطى أزواج النّبيّ، و أفرض، و منع فاطمة و أهل البيت من خمسهم، و قضى في الجدّ بمائة قضيّة و فضّل في القسمة و العطاء و لم يكن ذلك في زمن النبيّ» .

قال القوشجي: «و أجيب عن الوجوه الأربعة بأنّ ذلك ليس ممّا يوجب قدحا فيه فإنّه من مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهاديّة» (4) .

يقصد أنّ مخالفة الخليفة عمر بن الخطّاب (رض) لرسول اللّه (ص) في هذه الأحكام هي من باب مخالفة مجتهد و هو عمر، لمجتهد و هو رسول اللّه، و لا قدح فيه عليه!!! (5)

هـ-الخليفة الثالث عثمان بن عفان‏

قال القوشجي في جواب ما انتقد عليه من إسقاطه القود عن عبيد اللّه بن عمر:

«إنّه اجتهد و رأى أنّه لا يلزمه حكم هذا القتل، لأنّه وقع قبل عقد الإمامة له» (6) .

و أجاب ابن تيميّة عنه بأنّها «مسألة اجتهادية» (7) .

____________

(1) المصدر السابق ص 154.

(2) في الأصل (الحدث) و هو تصحيف.

(3) المصدر السابق ص 165.

(4) شرح التجريد ص 408.

(5) يا ناعي الإسلام قم فانعه!

(6) شرح التجريد ص 409، و راجع شرح النهج ج 1/243.

(7) في منهاج السنة ج 3/203 تأليف أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد اللّه بن أبي القاسم بن تيمية الحرّانى الدمشقي الحنبلي مؤسس المدرسة السلفية. أفتى علماء عصره بفساد عقيدته فحبسه الوالي حتى توفي بسجن دمشق (661-728 ه) . ترجمته في تاريخ ابن كثير 14/135.

77

و نقل المعتزلي في جوابهم على ما انتقد من ردّ الحكم أنّهم قالوا: «إنّ الرسول لو لم يأذن في ردّه لجاز أن يردّه إذا أدّاه اجتهاده إلى ذلك لأنّ الأحوال تتغيّر» (1) .

و قال ابن تيميّة-أيضا-: «هو أمر اجتهادي» .

و قال في جواب ما انتقد عليه ممّا وقع بينه و بين ابن مسعود: «إذا كان كل واحد منهما مجتهدا في ما قاله أثابه اللّه على حسناته و غفر له سيّئاته» .

و قال: «قد يكون الإمام مجتهدا في العقوبة مثابا عليها و أولئك مجتهدون في ما فعلوه لا يأثمون به، بل يثابون عليه لاجتهادهم مثل شهادة أبي بكرة على المغيرة، فإنّ أبا بكرة رجل صالح من خيار المسلمين قد كان محتسبا في شهادته معتقدا أنّه يثاب على ذلك. (2) فلا يمتنع أن يكون ما جرى من عثمان في تأديب ابن مسعود و عمّار من هذا الباب. و إذا كان المقتتلون قد يكون كلّ منهم مجتهدا مغفورا له خطؤه‏ (3) ، فالمختصمون أولى بذلك» (4) .

و أجاب عما اورد عليه في زيادة الأذان الثالث يوم الجمعة، أنّها من مسائل الاجتهاد. (5)

و قال ابن حجر الهيتمي في صواعقه: «و أمّا ابن مسعود، فكان ينقم على عثمان كثيرا فظهرت المصلحة في عزله‏ (6) . على أنّ المجتهد لا يعترض عليه في اموره الاجتهادية، لكن أولئك الملاعين المعترضين لا فهم لهم بل و لا عقل» (7) .

و قال: «إنّ حبسه لعطاء ابن مسعود و هجره له فلما بلغه عنه ممّا يوجب ذلك لا سيّما و كلّ منهما مجتهد فلا يعترض بما فعله أحدهما مع الآخر» (8) .

____________

(1) بشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1/233.

(2) لست أدري ما ذا يقول في المغيرة و في ما شهد الشهود الأربعة عليه بأنّه جلس بين رجلي أم جميل، و هل يراه مجتهدا مثابا على فعله لأنّه من صحابة رسول اللّه (ص) !؟

(3) حتّى في ما إذا كان اجتهاده مخالفا لنصوص الكتاب و السنة؟!

(4) منهاج السنة ج 3/193، و كلّ ما أورد ابن تيمية هنا من أمثلة اجتهاد الصحابة دفاعا عن عثمان، هي من قبيل المصادرة بالمطلوب.

(5) المصدر السابق ج 3/204.

(6) مصلحة من؟مصلحة ابن مسعود أم المسلمين أم بني أمية؟!

(7) الصواعق المحرقة لابن حجر شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر المصري الهيتمي الأنصاري 909-974 ه، ط. تصحيح الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف مكتبة القاهرة بمصر سنة 1375 ه، ص 111.

(8) المصدر السابق ص: 112.

78

و أجاب على ما اعترض عليه من إتمامه الصلاة بمنى عند ما حجّ بالناس: «أنّ هذه، مسألة اجتهاديّة فالاعتراض بها جهل و قبح و غباوة ظاهرة إذ أكثر العلماء على أنّ القصر جائز لا واجب» (1) .

و-المجتهدة أمّ المؤمنين عائشة (رض)

قال ابن تيميّة في جوابه على اعتراض العلاّمة (2) عليها: «و أمّا قوله و خالفت أمر اللّه في قوله تعالى‏ «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لاََ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجََاهِلِيَّةِ اَلْأُولى‏ََ» ، فهي رضي اللّه عنها لم تتبرّج تبرّج الجاهليّة الأولى و الأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة... » «و إذا كان سفرهنّ لمصلحة جائزا لعائشة، اعتقدت أنّ ذلك السفر مصلحة للمسلمين فتأوّلت في هذا» .

«و المجتهد المخطئ مغفور له خطأه» .

«فالمغفرة لعائشة لكونها لم تقرّ في بيتها إذ كانت مجتهدة أولى» .

«و بهذا يجاب عن خروج عائشة-رضي اللّه عنها-و إذا كان المجتهد مخطئا فالخطأ مغفور بالكتاب و السّنّة» (3) .

و قال القرطبي في الاعتذار عنها «مجتهدة، مصيبة، مثابة في ما تأوّلت، مأجورة في ما فعلت، إذ كلّ مجتهد في الأحكام مصيب» (4) .

ز-الفقيه المجتهد الذي لا يبارى و الحبر الذي لا يجارى‏ (5) معاوية بن أبي سفيان‏
ح-وزيره عمرو بن العاص‏

قال ابن حزم في فصله ما موجزه: «انّ معاوية و من معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجرا واحدا» (6) .

____________

(1) المصدر السابق ص 113.

(2) العلامة أبو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (647-726 ه) من مؤلفاته منهاج الكرامة و هو الذي ردّ عليه ابن تيمية و سمّاه بمنهاج السنّة و رجعنا في بحثنا هذا إلى ط. الأميرية بمصر عام 1322 ه.

(3) منهاج السنة لابن تيمية ج 3/190.

(4) تفسير القرطبي ج 14/182 بتفسير الآية «و لا تبرّجن» .

(5) هكذا وصفه ابن حجر الهيتمي في تطهير لسانه ص 22.

(6) الفصل في الملل و الأهواء و النحل، تصنيف أبي محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت/456 ه) ط، مصر أحمد ناجي الجمالي و محمد أمين الخانجي سنة 1321 ه، و بهامشه الملل و النحل للشهرستاني. راجع الفصل 4/161.

79

و قال: «معاوية رحمه اللّه مخطئ مأجور مرّة لأنّه مجتهد» (1) .

و ذكر مرّة أخرى معاوية و عمرو بن العاص و قال: «إنّما اجتهدوا في مسائل دماء كالتي اجتهد فيها المفتون، و في المفتين من يرى قتل الساحر و فيهم من لا يراه فأيّ فرق بين هذه الاجتهادات و اجتهاد معاوية و عمرو و غيرهما لو لا الجهل و العمى و التخليط بغير علم» (2) .

و اعتذر ابن تيميّة-أيضا-لمعاوية في ما فعل بأنّه مجتهد و قال: «إنّه كعلىّ بن أبي طالب في ذلك» (3) .

و قال ابن كثير: «معاوية مجتهد مأجور إن شاء اللّه» (4) .

و قال بعد إيراده قصة التحكيم بين عمرو و أبي موسى: «فأقرّ-أى أقرّ عمرو بن العاص-معاوية لما رأى ذلك من المصلحة، و الاجتهاد يخطئ و يصيب» (5) .

قال ابن حجر الهيتميّ في صواعقه: «و من اعتقاد أهل السنّة و الجماعة -أيضا-أنّ معاوية (رض) لم يكن في أيّام عليّ خليفة، و إنّما كان من الملوك و غاية اجتهاده أنّه كان له أجر واحد على اجتهاده و أمّا عليّ فكان له أجران أجر على اجتهاده و أجر على إصابته... » (6) .

و قال ابن حجر-أيضا-في كتابه تطهير الجنان و اللسان عن الخطور و التفوّه بثلب سيّدنا معاوية بن أبي سفيان: «كان معاوية مأجورا على اجتهاده للحديث أنّ المجتهد إذا اجتهد فاصاب فله اجران و ان اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، و معاوية مجتهد بلا شكّ فإذا أخطأ في تلك الاجتهادات كان مثابا و كان غير نقص فيه» (7) ، ثمّ عقد فصلا طويلا في إثبات اجتهاد معاوية (8) .

و نقل في تأويل معنى الباغي في صواعقه و قال: «و في الأنوار من كتب أئمتنا

____________

(1) الفصل لابن حزم 4/89.

(2) الفصل لابن حزم 4/160.

(3) راجع منهاج السنة ج 3/261 و 275-266 و 284 و 288-298.

(4) بتاريخ ابن كثير ج 7/279.

(5) تاريخ ابن كثير ج 7/283.

(6) الصواعق المحرقة لابن حجر ص 216.

(7) تطهير الجنان لابن حجر ص 15.

(8) المصدر السابق ص 19-22.

80

المتأخرين، و الباغون ليسوا بفسقة و لا كفرة، و لكنهم مخطئون في ما يفعلون و يذهبون إليه و لا يجوز الطعن في معاوية لأنّه من كبار الصحابة» (1) .

و قال الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف في تعليقه على تطهير الجنان بعد ما نقل عن كتاب دراسات اللبيب: «أنّه أنكر كثير من الصحابة على معاوية في محدثاته» :

«و ذكر من ذلك وقائع و فتاوى كثيرة مرجعها ما يقع لكلّ المجتهدين من الاختلاف في الرأي أو عدم العلم بالنصّ و مثلها وقع من الصحابة و غيرهم فلا تنزل بمعاوية عن صفّ المجتهدين» (2) .

ط-المجتهد أبو الغادية قاتل عمّار

قال ابن حزم في الفصل: «و عمّار (رض) قتله أبو الغادية يسار بن سبع السلمي، شهد بيعة الرضوان: فهو من شهداء اللّه له بأنّه علم ما في قلبه و أنزل السكينة عليه و رضي عنه، فأبو الغادية (رض) متأوّل مجتهد مخطئ باغ عليه، مأجور أجرا واحدا و ليس هذا كقتلة عثمان (رض) لأنّهم لا مجال لهم للاجتهاد في قتله... » (3) .

و كذلك قال ابن حجر بترجمته من الإصابة و عدّة من الصحابة المجتهدين كما سيأتي.

ي-مجتهدون بالجملة

قال ابن تيمية في جواب قول العلاّمة: «أمّا المطاعن في الجماعة فقد نقل الجمهور منها أشياء كثيرة حتى صنّف الكلبي‏ (4) في مثالب الصحابة و لم يذكر فيه منقصة واحدة لأهل البيت» .

____________

(1) الصواعق المحرقة لابن حجر ص 221.

(2) الشيخ عبد الوهاب كان مدرسا بكلية الشريعة في القاهرة و نقلا تعليقه على ص 18 من تطهير ابن حجر و قد نقل ما أورده عن الدراسة الثانية من كتاب دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب للمعين بن الأمين.

(3) الفصل لابن حزم 4/161.

(4) و يقصد بالكلبي أبا المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي؛ قال الذهبي في العبر 1/346: و تصانيفه تزيد على مائة و خمسين أثبت أسماء 141، منها أحمد زكي في ثبت مصنفاته بملحق الأصنام، و ورد ذكر كثير مما لم يذكره احمد زكي بترجمته من رجال النجاشي، وصفه علماء أهل السنة بالرفض و الغلو في التشيع توفي سنة 204 أو 206 ه راجع ترجمته بطبقات الحفاظ و أنساب السمعاني.

81

قال ابن تيمية في جواب هذا القول: «و أكثر هذه الامور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوبا، و تجعلها من موارد الاجتهاد الّتي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران، و إن أخطأ فله أجر و عامّة المنقول عن الخلفاء الراشدين، من هذا الباب» .

ثم أطال الحديث حول ذلك في الصفحات 19-30 من الجزء الثالث من منهاجه، ثم أجاب بعدها عن كثير ممّا أورده العلامة على الكبراء النابهين بأنها من موارد الاجتهاد (1) .

و قال ابن حجر في ترجمة أبي الغادية من الإصابة: «و الظن بالصحابة في كلّ تلك الحروب أنّهم كانوا فيها متأوّلين، و للمجتهد المخطئ أجر، و إذا ثبت هذا في حقّ آحاد الناس فثبوته للصحابة بالطريق الأولى» (2) .

و قال الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف في هامش الصواعق: «و جميع الصحابة ممّن كان على عهد عليّ، إمّا مقاتل معه، أو عليه، أو معتزل عن المعسكرين فلم يقاتله، و امتنع عن قتاله جماعة منهم: أصحاب ابن مسعود و سعد بن أبي وقّاص و اعتزل الفريقين حذيفة و ابن مسلمة و أبو ذر و عمران بن حصين و أبو موسى الأشعري و الجميع مجتهد متأوّل لا يخرج بما وقع عنه عن العدالة» (3) .

هكذا أجمع أتباع مدرسة الخلفاء منذ القرن الثاني الهجري حتّى اليوم-أوائل القرن الخامس عشر-على أنّ الصحابة كلّهم مجتهدون، و أنّ اللّه سبحانه يثيبهم على كلّ ما فعلوا من خصومات و إراقة دماء، لم يقتصر على رفع القلم عنهم، بل يثيبهم على سيّئاتهم.

و على ما يزعمون!ما أعدله من حاكم ديّان حين يجازينا بسيئاتنا سيّئات و يجازيهم بها حسنات!!! أجمعوا على هذا القول في حقّ الصحابة حتّى عصر معاوية، و قال بعضهم: إنّ ذلك

____________

(1) منهاج السنة ج 3/19.

(2) الإصابة بتراجم حرف الغين المعجمة من الكنى 4/151.

(3) بهامش الصواعق ص 209، و أكّد ذلك في فصل عدالة الصحابة من كتابه المختصر.

لم نعرف من هم أصحاب ابن مسعود الذين هم اعتزلوا الفتنة كما أن حذيفة لم يكن يوم ذاك في المدينة، و إنما كان في المدائن، و توفي فيها و أوصى بمتابعة الإمام. و أبو ذر أعلن بالإنكار على إحداث الحكام حتّى نفى من بلد إلى بلد، و أخيرا قضى نحبه طريدا في الربذة في خلافة عثمان سنة 32 ه، و ابن أبي وقاص ندم على تخلفه عن الإمام، و أبو موسى كان هواه مع مخالفي الإمام. و عمران بن حصين كان قد توفي قبل ذلك.

82

يجري حتّى عصر يزيد كما قاله ابن خلدون عمن كان يوم ذاك قال: إنّ منهم من رأى الإنكار على يزيد و منهم من رأى محاربته ثمّ قال: «و هذا كان شأن جمهور المسلمين و الكلّ مجتهدون و لا ينكر على أحد من الفريقين، فمقاصدهم في البرّ و تحرّي الحقّ معروفة، وفّقنا اللّه للاقتداء بهم» (1) .

لست أدري إن كان كلّ هؤلاء مجتهدين لإدراكهم صحبة الرسول، فما بال قتلة عثمان و لم لم يعدّوا من المجتهدين!قال ابن حزم بعد ما سبق ذكره في باب اجتهاد أبي الغادية قاتل عمّار:

«و ليس هذا كقتلة عثمان (رض) لأنّه لا مجال للاجتهاد في قتله، لأنّه لم يقتل أحدا و لا حارب و لا قاتل و لا دافع و لا زنى بعد إحصان و لا ارتدّ فيسوّغ المحاربة تأويل، بل هم فسّاق محاربون سافكون دما حراما عمدا بلا تأويل على سبيل الظلم و العدوان فهم فساق ملعونون» (2) .

و قال ابن حجر الهيتمي: «انّ الّذي ذهب إليه كثيرون من العلماء أنّ قتلة عثمان لم يكونوا بغاة، و إنّما كانوا ظلمة و عتاة لعدم الاعتداد بشبههم، و لأنّهم أصرّوا على الباطل بعد كشف الشبهة و إيضاح الحقّ لهم، و ليس كلّ من انتحل شبهة يصير بها مجتهدا لأنّ الشبهة تعرض للقاصر عن درجة الاجتهاد» (3) .

لست أدري إذا كيف أصبح قاتل الإمام عليّ مجتهدا متأوّلا و قد ضربه بالسيف في الصلاة و في محراب مسجد الكوفة كما يأتي التصريح به في ما يأتي:

ك-المجتهد المتأول عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي‏

قال ابن حزم في المحلّى، و ابن التركماني في الجوهر النقي، و اللفظ للأوّل:

«لا خلاف بين أحد من الأمّة في أنّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليّا إلاّ متأوّلا مجتهدا مقدّرا أنّه على صواب، و في ذلك يقول عمران بن حطّان شاعر الصفرية:

يا ضربة من تقيّ ما أراد بها # إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره يوما فأحسبه # أوفى البريّة عند اللّه ميزانا

(4)

____________

(1) مقدمة ابن خلدون ط. دار الكتاب اللبناني سنة 1956 م ص 380، و هو أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون (732-808 ه) دفن بمقابر الصوفية بمصر و يقصد بمن حاربه ابن الزبير بمكة و أهل المدينة بواقعة الحرة.

(2) الفصل لابن حزم ج 4/161.

(3) الصواعق المحرقة لابن حجر، ص 215.

(4) ابن حزم في المحلى ج 10/484 و ابن التركماني في الجوهر النقي بذيل سنن البيهقى 8/58 و 59، و الجوهر

83

لست ادري كيف أصبح عبد الرحمن بن ملجم مجتهدا، و لم يكن من الصحابة! و لست أدري كيف أصبح يزيد-أيضا-مجتهدا كما يأتي التصريح به، و لم يكن من الصحابة!

ل-الخليفة الإمام يزيد بن معاوية

قال أبو الخير الشافعي في حقّ يزيد: «ذاك إمام مجتهد» (1) .

و قال ابن كثير بعد ما نقل عن أبي الفرج‏ (2) تجويز لعنه: «و منع من ذلك آخرون و صنفوا في ذلك أيضا لئلا يجعل لعنه وسيلة إلى‏[لعن‏ (3) ]أبيه أو أحد من الصحابة، و حملوا ما صدر منه من سوء التصرّفات على أنّه تأوّل فأخطأ و قالوا: إنه مع ذلك كان إماما فاسقا، و الإمام إذا فسق لا يعزل بمجرّد فسقه على أصحّ قولي العلماء، بل و لا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة و وقوع الهرج و سفك الدم الحرام... و أمّا ما ذكره بعض الناس من أنّ يزيد لمّا بلغه خبر أهل المدينة و ما جرى عليهم عند الحرّة من مسلم بن عقبة (4) و جيشه فرح بذلك فرحا شديدا، فإنّه يرى أنّه الإمام و قد خرجوا عن طاعته، و أمّروا عليهم غيره فله قتالهم حتّى يرجعوا إلى الطاعة و لزوم الجماعة» (5) .

و نقل ابن حجر في الصواعق عن الغزالي و المتولّي القول بأنّه: «لا يجوز لعن يزيد و لا تكفيره، فإنّه من جملة المؤمنين. و أمره إلى مشيئة اللّه إن شاء عذّبه و إن شاء عفا عنه» (6)

____________

قالنفي تأليف الشيخ علاء الدين علي بن عثمان المعروف بابن التركماني الحنفي (ت 750 ه) قال في مقدمته:

«هذه فوائد علّقتها على السنن الكبيرة... » و السنن لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 ه) ، قال حاجي خليفة في كشف الظنون: «لم يؤلف في الإسلام مثله» راجع كشف الظنون 2/1007.

(1) بتاريخ ابن كثير 13/9، و أبو الخير هو أحمد بن إسماعيل بن يوسف الشافعي الأشعري المفسر كان يعظ بالمدرسة النظامية ببغداد (ت 590 ه) .

(2) أبو الفرج ابن الجوزي عبد الرحمن بن علي بن محمد البكري الحنبلي الواعظ المحدث المفسر، له كتاب الردّ على عبد المغيث بن زهير الحنبلي الذي ألف كتابا في فضائل يزيد توفي ببغداد سنة 597 ه.

(3) يقتضيه السياق و لم يكن في الأصل.

(4) مسلم بن عقبة قائد جيش يزيد في واقعة الحرة بمدينة الرسول (ص) .

(5) بتاريخ ابن كثير 8/223-224.

(6) في الصواعق المحرقة لابن حجر، ص 221.

و المتولي: ابو سعيد عبد الرحمن بن أبي محمد، مأمون بن علي المتولي، الأصولي، الفقيه الشافعي النيسابوري تولى التدريس بالنظامية ببغداد (ت 478 ه) . الكني و الألقاب 3/119 و راجع إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت: 505 ه) 3/125.

84
-4- شرح موارد اجتهاد المذكورين‏
أ-رسول اللّه (ص)

كان رسول اللّه (ص) أوّل من وصف في مدرسة الخلفاء بالاجتهاد كما مرّ قولهم في قصّة بعث أسامة «انّه كان يبعث السرايا عن اجتهاد» فما هي قصّة بعث أسامة و كيف كان تخلّف الخليفتين عنه؟ في طبقات ابن سعد و أنساب الأشراف و عيون الأثر و غيرها و اللفظ للأوّل:

«لمّا كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدي عشرة من مهاجر رسول اللّه أمر رسول اللّه (ص) الناس بالتهيّؤ لغزو الروم، فلمّا كان من الغد دعا اسامة بن زيد فقال:

«سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك هذا الجيش... » فلمّا كان يوم الأربعاء بدئ برسول اللّه (ص) فحمّ و صدع، فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءه بيده... فخرج بلوائه معقودا و عسكر بالجرف‏ (1) فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأوّلين و الأنصار إلاّ انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر الصدّيق و عمر بن الخطّاب، و أبو عبيدة بن الجرّاح، و سعيد بن زيد و... فتكلّم قوم، و قالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين!فغضب رسول اللّه غضبا شديدا، فخرج و قد عصّب على رأسه عصابة و عليه قطيفة، فصعد المنبر و قال:

«ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة، و لقد طعنتم في إمارتي أباه قبله، و أيم اللّه إنّه كان للإمارة لخليقا، و إنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة» .

____________

(1) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام. معجم البلدان.

85

ثمّ نزل و جاء المسلمون الّذين يخرجون مع أسامة يودّعونه و يمضون إلى المعسكر بالجرف، و ثقل رسول اللّه (ص) فجعل يقول: «انفذوا بعث أسامة» فلمّا كان يوم الأحد اشتدّ برسول اللّه وجعه فدخل أسامة من معسكره و النبيّ مغمور (1) فطأطأ أسامة فقبّله، و رسول اللّه لا يتكلّم، و رجع أسامة إلى معسكره، ثمّ دخل يوم الاثنين و أصبح رسول اللّه (ص) مفيقا فقال له: «اغد على بركة اللّه» فودّعه أسامة و خرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمّه أمّ أيمن قد جاء يقول «إنّ رسول اللّه يموت» فأقبل و أقبل معه عمرو أبو عبيدة فانتهوا الى رسول اللّه (ص) و هو يموت فتوفي حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل» (2) .

و في شرح النهج: فلمّا أفاق رسول اللّه (ص) سأل عن أسامة و البعث فأخبر أنّهم يتجهزون فجعل يقول: «أنفذوا بعث أسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه» فكرّر ذلك.

فخرج اسامة و اللواء على رأسه و الصحابة بين يديه حتّى إذا كان بالجرف نزل و معه أبو بكر و عمرو أكثر المهاجرين، و من الأنصار اسيد بن حضير و بشير بن سعد و غيرهم من الوجوه، فجاءهم رسول أمّ أيمن يقول... الحديث‏ (3) .

هذا ما كان من أمر بعث أسامة في حياة الرسول و روى عروة عن أمره بعد وفاة الرسول و قال: «لما فرغوا من البيعة و اطمأنّ الناس قال أبو بكر لأسامة: امض لوجهك الذي بعثك له رسول اللّه (ص) » (4) .

فذهب اسامة بجيشه و تخلّف عنه الخليفتان أبو بكر و عمر لانشغالهما بإدارة شئون الخلافة.

و كان الخليفة عمر يقول لاسامة:

____________

(1) مغمور: يغمى عليه.

(2) طبقات ابن سعد ط. داري صادر و بيروت عام 1376 ه 2/190-192 في ذكر سرية أسامة، و عيون الأثر كذلك 2/281 و ممن نص على أن أبا بكر و عمر كانا في بعث أسامة. كل من صاحب الكنز، ط. الأولى 5/312، و منتخبه بهامش مسند أحمد 4/180 عن عروة، و بترجمة أسامة من أنساب الأشراف 1/474 عن ابن عباس، و بترجمة أسامة أيضا من طبقات ابن سعد 4/66 عن ابن عمر، و بترجمته في تهذيب ابن عساكر و لفظه «استعمله على جيش فيه أبو بكر و عمر» ، و بتاريخ اليعقوبي ط. بيروت 2/74 في ذكر وفاة الرسول و ابن الأثير في تاريخه 2/123.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 2/21.

(4) تاريخ ابن عساكر 1/433.

86

مات رسول اللّه (ص) و أنت عليّ أمير، و حتّى أن ولى الخلافة كان إذا رأى أسامة (رض) قال: (السلام عليك ايها الأمير!) فيقول اسامة: غفر اللّه لك يا أمير المؤمنين تقول لي هذا!فيقول: لا أزال أدعوك ما عشت، الأمير، مات رسول اللّه (ص) و أنت عليّ امير (1) .

و قد انتقدوا الخليفتين على تخلّفهما عن بعث اسامة، فكان في ما اعتذروا عنهما ما مرّ من قولهم أنّه كان يبعث السرايا عن اجتهاد (2) و على هذا فيجوز مخالفة أوامر الرسول في السرايا باجتهاد من الصحابة المجتهدين‏ (3) .

ب-اجتهاد أبي بكر

أمّا موارد اجتهاد أبي بكر فمنها قصّة إحراقه الفجاءة السلمي كما رواها الطبري و ابن الأثير و ابن كثير و اللفظ للأوّل قال: قدم على أبي بكر رجل من بني سليم اسمه الفجاءة و هو بجير بن أياس بن عبد اللّه بن عبد ياليل بن عميرة بن خفاف‏ (4) ، فقال لأبي بكر: إنّي مسلم و قد أردت جهاد من ارتد من الكفّار فاحملني و أعنّي، فحمله أبو بكر على ظهر و أعطاه سلاحا فخرج يستعرض الناس المسلم و المرتدّ يأخذ أموالهم و يصيب من امتنع منهم و معه رجل من بني الشّريد يقال له نجبة بن أبي الميثاء، فلمّا بلغ أبا بكر خبره كتب إلى طريفة بن حاجر (5)

أنّ عدو اللّه الفجاءة أتاني يزعم أنّه مسلم و يسألني أن أقويه على من ارتد عن الإسلام فحملته و سلّحته، ثم انتهى إليّ من يقين الخبر أنّ عدوّ اللّه قد استعرض الناس المسلم و المرتدّ، يأخذ أموالهم، و يقتل من خالفه منهم، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتّى تقتله، أو تأخذه فتأتيني به. فسار إليه طريفة بن حاجر. فلمّا التقى الناس كانت بينهم الرمي بالنبل فقتل نجبة بن أبي الميثاء بسهم رمي به فلمّا رأى فجاءة من المسلمين الجدّ قال لطريفة: و اللّه ما أنت بأولى منّي أنت أمير لأبي بكر و أنا أميره، فقال له طريفة: إن كنت صادقا فضع

____________

(1) راجع سرية اسامة في السيرة الحلبية ص 237.

(2) راجع شرح النهج لابن ابي الحديد ج 4/173-178.

(3) و يرد نظير ذلك في مخالفتهم لنصوص أخرى وردت عن رسول اللّه راجع شرح ابن أبي الحديد للخطبة 3 الشقشقية 1/53.

(4) في جمهرة انساب ابن حزم ص 261 بباب ذكر نسب بنو سليم بن منصور «الفجاءة و هو بجير بن أياس بن عبد اللّه بن عبد ياليل بن سلمة بن عميرة بن خفاف المرتد أحرقه أبو بكر (رض) بالنار» .

(5) طريفة أبان بن سلمة بن حاجر السلمي، ترجمته في الإصابة 2/215.

87

السلاح و انطلق معي إلى أبي بكر، فخرج معه فلمّا قدما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجر فقال: اخرج به إلى هذا البقيع فحرّقه فيه بالنار فخرج به طريفة إلى المصلّى فأوقد له نارا فقذفه فيها.

و في رواية قبلها عند الطبري: «فأوقد له نارا في مصلّى المدينة على حطب كثير، ثمّ رمى به فيها مقموطا» .

و في لفظ ابن كثير: «فجمعت يداه إلى قفاه و ألقي في النار فحرّقه و هو مقموط» (1) .

و ندم أبو بكر على فعله ذلك و قال في مرض موته:

«ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهنّ، وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شي‏ء و إن كانوا قد غلّقوه على حرب، و وددت أنّي لم أحرق الفجاءة السلمي و أنّي كنت قتلته تسريحا أو خلّيته نجيحا، و وددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين. يريد عمر و أبا عبيدة» (2) .

و اعترض على أبي بكر في ذلك لأنّ حكم مفسد كالفجاءة جاء في القرآن الكريم مصرّحا به في سورة المائدة الآية 33: إِنَّمََا جَزََاءُ اَلَّذِينَ يُحََارِبُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاََفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ. ذََلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيََا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذََابٌ عَظِيمٌ» .

و وردت روايات عن رسول اللّه في النهي عن الإحراق كما في صحيح البخاري و مسند أحمد قوله (ص) (3) : «لا يعذّب بالنار إلاّ ربّ النار» ، و «انّ النار لا يعذّب بها إلاّ اللّه» ، و «لا يعذّب بالنار إلاّ ربّها» .

و ورد قوله: «من بدّل دينه فاقتلوه» (4) ، و قوله «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه إلاّ بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان فإنّه يرجم، و رجل

____________

(1) تاريخ الطبري ط. مصر الأولى 3/234-235، و ابن الأثير 2/146، و ابن كثير 9/319 في ذكرهم حوادث السنة الحادية عشرة.

(2) الطبري 4/52 في ذكر حوادث السنة الثالثة عشرة، و راجع بقية مصادره في فصل التحصن بدار فاطمة من عبد اللّه بن سبأ، 1/106.

(3) صحيح البخاري 2/115 باب لا يعذب بعذاب اللّه من كتاب الجهاد، و مسند أحمد 2/207 و 3/494، و سنن أبي داود كتاب الجهاد، باب في كراهية حرق العدو بالنّار، ح 2673، 2675، ج 3/55، 56، و كتاب الأدب باب في قتل الذرّح 5268، ج 4/367-368، و البيهقي 9/71 و 72.

(4) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، و سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب الحكم في من ارتدّ.

88

يخرج محاربا للّه و رسوله فإنّه يقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسا فيقتل بها» (1) .

و اعتذر العلماء عن مخالفته للنصوص الصريحة في هذه القضيّة بقولهم: «إحراقه فجاءة السلمي من غلطة في اجتهاده فكم مثله للمجتهدين» (2) .

و منها فتواه في مسألة الكلالة، و الكلالة: الميت الّذي لا ولد له في ورثته و لا والد و ورثته أيضا يقال لهم: الكلالة (3) .

و قد ورد في القرآن الكريم في سورة النساء الآية 12: وَ إِنْ كََانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاََلَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وََاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ فَإِنْ كََانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذََلِكَ فَهُمْ شُرَكََاءُ فِي اَلثُّلُثِ (4) .

و في الآية 176: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاََلَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهََا نِصْفُ مََا تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُهََا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهََا وَلَدٌ، فَإِنْ كََانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا اَلثُّلُثََانِ مِمََّا تَرَكَ وَ إِنْ كََانُوا إِخْوَةً رِجََالاً وَ نِسََاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ. يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (5) .

و قد سئل أبو بكر (رض) عنها فقال: إنّي سأقول فيها برأيي فإن يك صوابا فمن اللّه، و إن يك خطأ فمنّي و من الشيطان و اللّه و رسوله بريئان منه. أراه ما خلا الولد و الوالد فلما استخلف عمر (رض) قال إنّي لأستحيي اللّه إن أرد شيئا قاله أبو بكر (6) .

و قال مرّة: الكلالة من لا ولد له‏ (7) .

و منها جوابه عن إرث الجدّة، كما في موطّأ إمام المالكية، و سنن الدارمي، و سنن أبي داود، و سنن ابن ماجة و غيرها و اللفظ للأوّل قال: جاءت الجدّة إلى أبي بكر الصدّيق تسأله ميراثها فقال لها أبو بكر: ما لك في كتاب اللّه شي‏ء، و ما علمت لك في سنّة رسول اللّه شيئا فارجعي حتّى أسأل النّاس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول اللّه (ص) أعطاها السدس فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟فقام محمّد بن مسلمة الأنصاري

____________

(1) سنن البيهقي 9/71.

(2) راجع مصدره في ص 67 من هذا الكتاب.

(3) راجع تفسير الكلالة بمفردات الراغب.

(4) قصد بالكلالة هنا الأخ و الأخت من الأمّ إجماعا و نصّا. راجع تفسير الآية في التفاسير.

(5) و أريد بأخ الميت و إخوته من كانوا من الأبوين أو من الأب حسب.

(6) سنن الدارمي 2/365، و أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية 1/28، و السنن الكبرى للبيهقي 6/223.

(7) تفسير القرطبي 5/77.

89

فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصدّيق... الحديث‏ (1) .

و في ترجمة عبد الرحمن بن سهل من الاستيعاب و أسد الغابة و الإصابة و في موطأ مالك ما موجزه قالوا: «أتته جدّتان أمّ الأمّ و أمّ الأب فأعطى الميراث أمّ الأمّ دون أمّ الأب. فقال عبد الرحمن بن سهل أخو بني حارثة: يا خليفة رسول اللّه!لقد أعطيت الّتي لو أنّها ماتت لم يرثها فجعله أبو بكر بينهما يعني السدس» (2) .

و منها قصّة مقتل مالك بن نويرة و تزويج امرأته في ليلة مقتله، و مالك بن نويرة التميمي اليربوعي، يكنّى أبا حنظلة و يلقّب الجفول‏ (3) كان شاعرا شريفا فارسا من فرسان بنى يربوع في الجاهلية و أشرافهم فلمّا أسلم استعمله النبيّ (ص) على صدقات قومه فلمّا توفّي النبيّ أمسك الصدقة و فرّقها في قومه و قال في ذلك:

فقلت خذوا أموالكم غير خائف # و لا ناظر في ما يجي‏ء من الغد

فإن قام بالدين المخوّف قائم # أطعنا و قلنا الدين دين محمّد

(4)

و في الطبري عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: لما نزل خالد بالبطاح‏ (5) بعث ضرار بن الأزور (6) في سرية و فيهم أبو قتادة (7) فداهموا قوم مالك ليلا.

و كان أبو قتادة يحدّث: «أنّهم غشوا القوم و راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح، قال:

____________

(1) موطأ مالك 2/54، و سنن الدارمي 2/359، و ابي داود 2/38، و ابن ماجة ص 910 و بداية المجتهد 2/278.

(2) الاستيعاب بهامش الإصابة 2/411، و أسد الغابة 3/299، و الإصابة 2/394، و بداية المجتهد 2/379، و موطأ مالك 2/54.

(3) الجفول: الريح التي تجفل السحاب و جفل الشعر جفولا صار شعثا و تنصب.

(4) معجم الشعراء للمرزباني ص 260، و ترجمته بالإصابة 3/336.

(5) البطاح: ماء في ديار أسد بن خزيمة-معجم البلدان.

(6) ضرار بن الأزور أبو الأزّور الأسدي كان شاعرا فارسا شجاعا بترجمته في الإصابة 2/200-201.

بعثه خالد في سرية فأغاروا على حي من بني أسد، فاخذوا امرأة جميلة فسأل ضرار أصحابه أن يهبوها له ففعلوا فوطئها ثم ندم فذكر ذلك لخالد فقال: قد طيبتها لك فقال: لا حتّى تكتب إلى عمر، فكتب ارضخه بالحجارة فجاء الكتاب و قد مات فقال خالد ما كان اللّه ليخزي ضرارا. و قيل إنه ممن شرب الخمر مع أبي جندل... الحديث.

(7) أبو قتادة الحارث الأنصاري الخزرجي السلمي شهد أحدا و ما بعدها كان يقال له فارس رسول اللّه، و شهد مع علي مشاهده كلّها، اختلفوا في وفاته بالكوفة سنة 38 أو 40 أو بالمدينة سنة 54، ترجمته بالاستيعاب 1/110-111 و بهامش الإصابة 4/160-161، و الإصابة 4/157-158.

90

فقلنا: إنّا المسلمون! فقالوا: و نحن المسلمون! قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح.

قال: فوضعوها، ثمّ صلّينا و صلّوا (1) .

و في شرح ابن أبي الحديد: «فلمّا وضعوا السلاح ربطوا اسارى فأتوا بهم خالدا» .

و في الإصابة: «انّ خالدا رأى امرأة مالك و كانت فائقة في الجمال فقال مالك بعد ذلك لامرأته: «قتلتينى» يعنى سأقتل من أجلك» (2) .

و في تاريخ اليعقوبي: «فلمّا رآها أعجبته، فقال: و اللّه ما نلت ما في مثابتك حتّى أقتلك» (3) .

و في كنز العمّال: «انّ خالد بن الوليد ادّعى أنّ مالك بن نويرة ارتدّ بكلام بلغه عنه، فأنكر مالك ذلك، و قال: أنا على الإسلام ما غيّرت و لا بدّلت، و شهد له أبو قتادة و عبد اللّه بن عمر، فقدّمه خالد و أمر ضرار بن الأزور الأسدي فضرب عنقه، و قبض خالد امرأته أمّ تميم فتزوّجها» (4) .

و في وفيات الأعيان و فوات الوفيات و تاريخ أبي الفداء و ابن شحنة و اللفظ للأوّل: «كان عبد اللّه بن عمرو أبو قتادة الأنصاري حاضرين، فكلّما خالدا في أمره فكره كلامهما. فقال مالك: يا خالد!ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الّذي يحكم فينا فإنّك بعثت إليه غيرنا ممّن جرمه أكبر من جرمنا.

فقال خالد: لا أقالني اللّه ان أقلتك، و تقدّم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه.

فالتفت مالك إلى زوجته و قال لخالد: هذه الّتي قتلتني، و كانت في غاية الجمال.

فقال له خالد: بل اللّه قتلك برجوعك عن الإسلام.

____________

(1) الطبري ط. أوروبا 1/1927-1928.

(2) الإصابة 3/337.

(3) تاريخ اليعقوبي 2/131.

(4) كنز العمال ط. الأولى ج 3/132.

91

فقال مالك: أنا على الإسلام.

فقال خالد: يا ضرار!اضرب عنقه.

فضرب عنقه و جعل رأسه أثفية لقدر و كان من أكثر الناس شعرا» (1) .

و تزوّج خالد بامرأة مالك أمّ تميم بنت المنهال في تلك الليلة (2) .

فقال في ذلك أبو زهير السعدي:

ألا قل لحيّ أوطئوا بالسنابك # تطاول هذا الليل من بعد مالك

قضى خالد بغيا عليه لعرسه # و كان له فيها هوى قبل ذلك

فأمضى هواه خالد غير عاطف # عنان الهوى عنها و لا متمالك

و أصبح ذا أهل و أصبح مالك # إلى غير أهل هالكا في الهوالك‏

(3)

و مرّ المنهال على أشلاء مالك بن نويرة هو و رجل من قومه حين قتله خالد، فأخرج من خريطته ثوبا فكفّنه فيه و دفنه‏ (4) .

و في تاريخ اليعقوبي: «فلحق أبو قتادة بأبي بكر فأخبره الخبر و حلف أن لا يسير تحت لواء خالد لأنّه قتل مالكا مسلما» .

و برواية عبد الرحمن بن أبي بكر في الطبري: «و كان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة، و كان قد عاهد اللّه أن لا يشهد مع خالد حربا أبدا» .

و في تاريخ اليعقوبي، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر:

يا خليفة رسول اللّه!إنّ خالدا قتل رجلا مسلما و تزوّج امرأته من يومها، فكتب أبو بكر إلى خالد فأشخصه، فقال: يا خليفة رسول اللّه إنّي تأوّلت‏ (5) و أصبت

____________

(1) بترجمة وثيمة من وفيات الأعيان لابن خلكان 5/66، و فوات الوفيات 2/627 كلاهما نقلا الخبر عن ردة ابن وثيمة و الواقدي، و بتاريخ أبي الفداء ص 158، و تاريخ ابن شحنة بهامش تاريخ الكامل 11/114.

(2) تاريخ اليعقوبي 2/110.

(3) في الوفيات 5/67، و الفوات 2/626-627، و أبي الفداء 158، و ابن شحنة 11/114 بهامش ابن الاثير.

(4) بترجمة المنهال من الإصابة 3/478، و الخريطة كالحقيبة وعاء من جلد و غيره يجمع على ما فيه.

(5) تاريخ اليعقوبي 1/132 و المراد من التأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل كما ورد في ذيل حديث أم المؤمنين عائشة في صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 1/478، كتاب صلاة المسافر، الحديث رقم: 3، حديث قال الزهري فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ يعني الصلاة، قال: تأولت كما تأوّل عثمان، أراد بتأويل عثمان أنه أتمّ الصلاة بمكة.

92

و أخطأت.

و في وفيات الأعيان و تاريخ أبي الفداء و كنز العمّال و غيرها (1) و اللفظ للأوّل:

«لمّا بلغ ذلك أبا بكر و عمر قال عمر لأبي بكر: إنّ خالدا قد زنى فارجمه. قال: ما كنت أرجمه فإنّه تأوّل فأخطأ. قال: فاعزله. قال: ما كنت أغمد سيفا سلّه اللّه.

و في رواية الطبري عن عبد الرحمن بن أبي بكر: «فلمّا بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر و قال:

عدوّ اللّه عدا على امرئ مسلم فقتله ثمّ نزا على امرأته. و أقبل خالد بن الوليد قافلا حتّى دخل المسجد و عليه قباء له عليه صدأ الحديد معتجرا بعمامة (2) له قد غرز في عمامته أسهما، فلمّا أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ثم قال أ رياء!قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته و اللّه لأرجمنّك بأحجارك، و لا يكلّمه خالد بن الوليد و لا يظنّ إلاّ أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه حتّى دخل على أبي بكر، فلمّا أن دخل عليه أخبره الخبر و اعتذر إليه فعذره أبو بكر و تجاوز عمّا كان في حربه تلك.

قال: فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر و عمر جالس في المسجد، فقال:

«هلم إليّ يا ابن أمّ شملة» قال: فعرف عمر أنّ أبا بكر قد رضي اللّه عنه فلم يكلّمه و دخل بيته.

و في وفيات الأعيان و تاريخ اليعقوبي: و كان أخوه متمّم بن نويرة أبو نهشل شاعرا فرثى أخاه بمراثي كثيرة، و لحق بالمدينة إلى أبي بكر، و صلّى خلفه صلاة الصبح، فلمّا فرغ أبو بكر من صلاته قام متمّم فوقف بحذائه و اتّكأ على سية قوسه ثمّ أنشد:

نعم القتيل إذا الرياح تناوحت # خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور

أ دعوته باللّه ثمّ غدرته # لو هو دعاك بذمّة لم يغدر

و أومأ إلى أبي بكر (رض) فقال أبو بكر: و اللّه ما دعوته و لا غدرته... الحديث.

هذه قصّة مقتل مالك و تزوّج خالد بامرأته في يوم مقتله، تأوّل خالد في مسلم صلّى فأسره، ثمّ تأوّل فيه فقتله، ثمّ تأوّل في زوجته فتزوّجها يوم مقتله، ثمّ تأوّل أبو بكر فأسقط عنه القود و تأوّل فأسقط عنه الحدّ، اجتهد الصحابيان فأخطئا و لكلّ

____________

(1) كنز العمال ط. الاولى ج 3/132 الحديث 228 و بقية المصادر مرّ تعيين صفحاتها.

(2) اعتجر: لف عمامته دون التلحّي‏

93

منهما أجر على كلّ خطأ، و للصحابي عمر أجران حيث اجتهد و رأى رجم خالد و أصاب، أمّا مالك ابن نويرة الصحابي العامل لرسول اللّه فلا أجر له على أسره، و لا أجر له في قتله لأنّه اسر و قتل من قبل خالد بن الوليد القائد الكبير!!!

ج-شرح الأمور الّتي ذكروها في باب اجتهاد الخليفة عمر منها أنّه أفرض و فضل في العطاء

قال الطبري في باب «حمله الدرّة و تدوينه الدواوين من سيرة عمر في ذكر حوادث سنة ثلاث و عشرين من تاريخه: «هو أوّل من دوّن للناس في الإسلام الدّواوين، و كتب الناس على قبائلهم و فرض لهم العطاء» .

و قال بعده: «إن عمر بن الخطّاب (رض) استشار المسلمين في تدوين الدواوين فقال له علي ابن أبي طالب، تقسّم كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال فلا تمسك منه شيئا، و قال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس، و إن لم يحصوا حتّى تعرف من أخذ ممّن لم يأخذ، خشيت أن ينتشر الأمر. فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديوانا، و جنّدوا جندا، فدوّن ديوانا و جنّد جندا، فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي طالب، و مخرمة بن نوفل، و جبير بن مطعم و كانوا من نساب قريش فقال: اكتبوا الناس على منازلهم... » الحديث‏ (1) .

و ذكر ابن الجوزي في أخبار عمر و سيرته تفصيل فرضه العطاء، و تفضيل بعضهم على بعض. قال:

«فرض للعبّاس بن عبد المطلب اثني عشر ألف درهم.

و لكل واحدة من زوجات الرسول عشرة آلاف درهم، و فضّل عليهنّ عائشة بألفين، ثمّ فرض للمهاجرين الذين شهدوا بدرا لكلّ واحد خمسة آلاف و لمن شهدها من الأنصار أربعة آلاف.

و قيل: فرض لكلّ من شهد بدرا خمسة آلاف من جميع القبائل.

____________

(1) بتاريخ الطبري 2/22-23، و فتوح البلدان ص 549. تراجم المذكورين في الخبر: لم أجد في كتب التراجم و الرجال، الوليد بن هشام بن المغيرة و لعله الوليد بن الوليد بن المغيرة. راجع ترجمته بأسد الغابة 5/92، و أنساب قريش ص 322، و عقيل بن أبي طالب توفي في خلافة معاوية ترجمته بأسد الغابة 3/412.

و مخرمة بن نوفل القرشي الزهري ترجمته بأسد الغابة 4/337 و جبير بن مطعم القرشي النوفلي توفي بعد الخمسين للهجرة، أسد الغابة 1/271.

94

ثمّ فرض لمن شهد أحدا فما بعدها إلى الحديبية أربعة آلاف.

ثمّ فرض لكل من شهد المشاهد بعد الحديبية ثلاثة آلاف.

ثمّ فرض لكلّ من شهد المشاهد بعد وفاة رسول اللّه (ص) ألفين، و ألفا و خمسمائة، و ألفا واحدا، إلى مائتين.

قال: و مات عمر على ذلك.

قال: و جعل نساء أهل بدر على خمسمائة، و نساء من بعد بدر إلى الحديبية على أربعمائة، و نساء من بعد ذلك على ثلاثمائة، و جعل نساء أهل القادسية على مائتين مائتين ثمّ سوّى بين النساء بعد ذلك‏ (1) .

و تختلف رواية اليعقوبي عن هذه الرواية و فيها: «و لأهل مكّة من كبار قريش مثل أبي سفيان بن حرب و معاوية بن أبي سفيان خمسة آلاف» (2) .

هكذا فضّل بعضهم على بعض في العطاء حتّى بلغ العطاء لبعضهم ستين مرّة أكثر من الآخرين مثل عطاء أمّ المؤمنين عائشة الاثني عشر ألفا بالنسبة للمائتين (عطاء قسم من النساء المسلمات) و بذلك أوجد النظام الطبقي داخل المجتمع الإسلامي خلافا لسنّة الرسول فاجتمعت الثروة في جانب و بان الإعسار في الجانب الآخر، و تكوّنت طبقة مترفة تتقاعس عن العمل، و يبدو أن الخليفة أدرك خطورة الأمر في آخر حياته فقد روى الطبري انه قال:

«لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسّمتها على فقراء المهاجرين» (3) .

و في ما تمنّى-أيضا-فضل فقراء المهاجرين على فقراء الأنصار و فقراء سائر المسلمين! (4)

و من أوضار تقسيم بيت المال على صورة عطاء سنويّ أنّ المسلمين أصبحوا بعد ذلك تحت ضغط الولاة و كان الولاة يقطعون عطاء من خالفهم، و يزيدون في عطاء من

____________

(1) روى عنه ابن أبي الحديد في الطعن الخامس بشرح «للّه بلاد فلان... » من شرح النهج 3/154، و ورد هذا أيضا في باب ذكر العطاء في خلافة عمر من فتوح البلدان ص 550-565.

(2) بتاريخ اليعقوبي 2/153.

(3) تاريخ الطبري 5/33 في ذكر سيرة عمر باب جمله الدرة.

(4) و لست أدري ما معنى أخذه أموال الناس في غير ما فرض اللّه، لو فعل ذلك.

95

وافقهم مثل ما وقع في زمان الخليفة عثمان، و ما وقع من زياد و ابنه عبيد اللّه زمن ولايتهما على الكوفة (1) .

____________

(1) راجع فصل عصر الصهرين و سيرة عثمان و معاوية من «احاديث أم المؤمنين عائشة» .

و زياد كانت أمه سمية جارية للحرث بن كلدة الطبيب الثقفي و من البغايا ذوات الرايات بالطائف، و تسكن حارة البغايا خارجا عن الحضر. و تؤدي الضريبة للحرث و كان قد زوجها من غلام رومي له اسمه عبيد و في أحد أسفار أبي سفيان للطائف طلب من أبي مريم الخمار بغيا، فقدّم له سمية فعلقت بزياد و وضعته على فراش عبيد في السنة الأولى من الهجرة و كان ينسب إليه ثمّ أصبح كاتبا لأبي موسى في البصرة، ثمّ واليا على الري و هناك ألحقه معاوية بأبي سفيان و قيل له زياد بن أبي سفيان و من تحرج من ذلك على عهد بني أميّة قال له: زياد ابن أبيه، ولاّه معاوية البصرة و الكوفة، و لما أبى أن يأخذ البيعة ليزيد... توفي فجأة بالكوفة سنة 53 ه. راجع «أحاديث أم المؤمنين عائشة» ص 255-261.

و ابنه عبيد اللّه أمّه أمة اسمها مرجانة، ولد بالبصرة سنة 28 ه، ولاه معاوية خراسان بعد أبيه سنة 53 ه ثمّ البصرة سنة 55 ه، و ضم له يزيد الكوفة سنة 60 ه ليقاتل الحسين (ع) فقتل الحسين و أهل بيته سنة 61 ه، و قتله إبراهيم بن الأشتر قائد جيش المختار بخازر سنة 76 ه. راجع فهرست الطبري ص 366

96
-5- اجتهاد الخليفتين أبي بكر و عمر في الخمس‏

و من موارد اجتهاد الخليفتين أبي بكر و عمر؛ منعهما أهل البيت خمسهم-كما ذكروا-و خاصّة حقّ ابنة الرسول فاطمة (ع) . و لا بدّ لنا في معرفة كيفية اجتهادهما في هذا المورد أن ندرس:

أوّلا: الزكاة و الصدقة و الفي‏ء و الصفيّ و الأنفال و الغنيمة و الخمس لغة و شرعا.

ثانيا: شأن الخمس و حقّ ابنة الرسول (ع) في عصر الرسول (ص) ليتيسّر لنا بعد ذلك درس اجتهاد الخليفتين في الخمس و في حقّ ابنة الرسول (ع) خاصة، فنقول:

1 و 2-الزكاة و الصدقة:

الزكاة في اللغة: الطهارة و النماء و البركة و المدح‏ (1) مثل قوله تعالى: أَيُّهََا أَزْكى‏ََ طَعََاماً (2) أي أطهر، و ما روي عن الإمام الباقر (ع) أنّه قال «زكاة الأرض يبسها» (3) أي طهارتها يبسها. و قول الإمام علي (ع) : «العلم يزكو على الإنفاق» (4) أي ينمو، و قولهم: «زكا الزرع» (5) إذا حصل منه نموّ و بركة، و قوله تعالى: اَلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ (6) أي يمدحونها.

____________

(1) راجع مادة «زكا» من نهاية اللغة لابن الأثير.

(2) الكهف/19.

(3) بمادة «زكا» من نهاية اللغة.

(4) نهج البلاغة، كتاب الحكم، العدد 147.

(5) بمادة «زكا» من مفردات الراغب.

(6) النساء/49.

97

و في الشرع: ما يخرجه الإنسان من حقّ اللّه تعالى إلى مستحقّيه، و تسميته بذلك لما يكون فيها رجاء البركة أو لتزكية النفس أي تنميتها بالخيرات و البركات أولهما جميعا فإنّ الخيرين موجودان فيها (1) .

و زكّى أدّى زكاة ماله.

هذا ملخّص ما ذكره أهل اللغة في بيان معنى الزكاة (2) .

أمّا الصدقة فقد قال الراغب في مفرداته: «الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة لكنّ الصدقة تقال في الأصل للمتطوع به، و الزكاة للواجب» (3) .

و قال الطبرسي في مجمع البيان: «الفرق بين الصدقة و الزكاة أنّ الزكاة لا تكون إلاّ فرضا، و الصدقة قد تكون فرضا و قد تكون نفلا» (4) .

و من ثمّ نرى أنّ الزكاة لوحظ فيها معنى الوجوب و قصد منها حقّ اللّه في المال، كما لوحظ في الصدقة التطوّع أي اعطاء المال قربة إلى اللّه تعالى و قد تلحظ فيها الرحمة على المعطى له مثل قول إخوة يوسف له: «و تصدّق علينا» (5) .

و بما أنّ الزكاة لوحظ فيها الوجوب أي حقّ اللّه في المال نرى أنّها تشمل أنواع الصدقات الواجبة و الخمس الواجب و غيرهما من كلّ ما كتب اللّه على الانسان في المال.

و يشهد لهذا ما ورد في كتاب رسول اللّه (ص) لملوك حمير: «و آتيتم الزكاة من المغانم خمس اللّه و سهم النبيّ و صفيّه و ما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة» (6) .

فإن لفظ «من» بعد الزكاة لبيان أنواع الزكاة المذكورة بعدها و هي:

أ- من المغانم خمس اللّه.

____________

(1) راجع مادة «زكا» من مفردات الراغب.

(2) راجعنا في هذا و ما يأتي بترجمة المصطلحات الآتية الراغب في مفرداته، و ابن الأثير في نهاية اللغة، و ابن منظور في لسان العرب، و القاموس و شرحه مضافا إلى تفاسير القرآن مثل تفسير الطبري و الطبرسي و غيرهما.

(3) بمادة «صدق» .

(4) مجمع البيان ج 1/384 بتفسير الآية 272 من سورة البقرة.

(5) يوسف/88.

(6) يأتي ذكر مصادر الكتاب في ما بعد إن شاء اللّه.

98

ب- سهم النبي و صفيه.

ج- ما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة. أى القسم الواجب من الصدقة.

*** و هكذا جعل الصدقة الواجبة قسما واحدا من أقسام الزكاة. و قد حصر اللّه الصدقة بالمواضع الثمانية المذكورة في قوله تعالى: إِنَّمَا اَلصَّدَقََاتُ لِلْفُقَرََاءِ وَ اَلْمَسََاكِينِ وَ اَلْعََامِلِينَ عَلَيْهََا وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي اَلرِّقََابِ وَ اَلْغََارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (1) و لم يحضر الزكاة بمورد ما، بل قرنها بالصلاة في خمس و عشرين آية من كتابه الكريم (2) و كلّما قرنت الزكاة بالصلاة في كلام اللّه و كلام رسوله قصد منها مطلق حقّ اللّه في المال و الّذي منه: حقّه في ما بلغ النصاب من النقدين و الأنعام و الغلاّت أي الصدقات الواجبة، و منه حقّه في المغانم أي الخمس، و حقّة في غيرهما.

و إذا قرنت في كلامهما بالخمس، قصد منها الصدقات الواجبة خاصّة. و كذلك إذا أضيفت في الكلام إلى أحد موارد أصناف الصدقة مثل «زكاة الغنم» أو «زكاة النقدين» قصد منها عند ذاك أيضا صدقاتها الواجبة. و يسمّى العامل على الصدقة في الحديث و السيرة بالمصدّق‏ (3) و لا يقال «المزكّي» و يقال لمعطي الصدقة: «المتصدق» (4)

و لا يقال المزكّي أو المتزكّي و «الصدقة» هي الّتي حرّمت على بني هاشم‏ (5) و ليست الزكاة، و لم ينتبه مسلم إلى هذا و كتب في صحيحه «باب تحريم الزكاة على رسول اللّه (ص) و على آله... » (6) و أورد في الباب ثمانية أحاديث تنصّ على حرمة الصدقة عليهم و ليست الزكاة كما قال، و على هذا فكلّ ما ورد في القرآن الكريم من أمثال قوله تعالى‏ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ (7) ، فهو أوّلا أمر باقامة كلّ ما يسمّى صلاة سواء

____________

(1) التوبة 60.

(2) راجع مادة «الزكاة» من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.

(3) راجع مادة «صدق» بمفردات الراغب و نهاية اللغة و لسان العرب.

(4) قال اللّه تعالى‏ إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقََاتِ الحديد 18 و قال‏ وَ اَلْمُتَصَدِّقِينَ وَ اَلْمُتَصَدِّقََاتِ الأحزاب 35، و راجع أبواب الزكاة في صحيح مسلم 3/172، و سنن أبي داود 1/202، و الترمذي 3/172.

و لا يعبأ بما ورد عند بعض المتأخرين مثل المتقي في كنز العمال.

(5) يأتي تفصيله في ما بعد إن شاء اللّه.

(6) صحيح مسلم 3/117.

(7) راجع مادة «الزكاة» في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.

99

اليوميّة منها أو صلاة الآيات أو غيرهما. و ثانيا أمر بأداء حقّ اللّه في المال سواء حقّه في موارد الصدقة الواجبة، أو حقّه في موارد الخمس أو في غيرهما.

و كذلك المقصود في ما روي عن رسول اللّه أنّه قال: «إذا أدّيت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك» (1) أي أنك إذا أدّيت حق اللّه في مالك أي جميع حقوق اللّه في المال فقد قضيت ما عليك، و كذلك ما روي عنه انه قال «من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتّى يحول الحول» (2) أي لا حقّ للّه في ماله. و ورد في أحاديث أئمة أهل البيت: (و حقّ في الأموال الزكاة) (3) . و لعلّ سبب خفاء ذلك على الناس، أنّ الخلفاء لمّا أسقطوا الخمس بعد رسول اللّه و لم يبق مصداق للزكاة في ما يعمل به غير الصدقات، نسي الخمس تدرّجا، و لم يتبادر إلى الذهن من الزكاة في العصور الأخيرة غير الصدقات!

3-الفي‏ء:

الفي‏ء في اللغة: الرجوع و منه ما يقال الفي‏ء لرجوع الظلّ بعد زوال الشمس.

و في الشرع كما في لسان العرب: «ما حصل من أموال الكفّار من غير حرب» و «ما ردّ اللّه تعالى على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال، إمّا بأن يجلوا عن أوطانهم و يخلّوها للمسلمين أو يصالحوا على جزية يفتدون بها من سفك دمائهم فهذا المال هو الفي‏ء في كتاب اللّه» (4) .

و قوله تعالى في سورة الحشر: مََا أَفََاءَ اَللََّهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ََ فَلِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ الآية 7.

هذه الآية و سورة الحشر كلّها، نزلت في قصّة بني النضير. و ذلك أنّ يهود بني النضير، نقضت عهدها مع رسول اللّه، و أرادت أن تغدر به و تقتله بإلقاء صخرة عليه حين ذهب مع عشرة من أصحابه إليهم، فأخبره الوحي بما بيّتوا من نيّة الغدر فخرج مسرعا كانّه يريد حاجة، و مضى إلى المدينة فلمّا أبطأ لحق به أصحابه فبعث النّبيّ إليهم يخبرهم بغدرهم و يأمرهم بالجلاء فأبوا و تحصنوا 15 يوما ثمّ نزلوا على أنّ لهم ما

____________

(1) سنن الترمذي 3/97 باب ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك.

(2) سنن الترمذي 3/125 باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول.

(3) الكافي 2/19 و 20، و تفسير العياشي 1/252، و البحار 68/337 و 389.

(4) بمادة الفي‏ء.

100

حملت الإبل غير الحلقة أي السلاح فخرجوا على ستمائة بعير و ذهبوا إلى خيبر و غيرها فجعل اللّه ما خلّفوه من سلاح كثير و أراض و نخيل لرسول اللّه، فقال عمر: ألا تخمّس ما أصبت؟ (أي تأخذ خمسة و تقسم الباقى على المسلمين) فقال رسول اللّه (ص) : لا أجعل شيئا جعله اللّه لي دون المسلمين بقوله: «ما أفاء اللّه على رسوله» الآية كهيئة ما وقع فيه السهمان للمسلمين.

و قال الواقدي و غيره:

إنّما كان ينفق على أهله من بني النضير، كانت له خالصة، فأعطى من أعطى منها و حبس ما حبس، و استعمل على أموال بني النضير مولاه أبا رافع‏ (1) .

4-الصفي:

الصفيّ و يجمع على الصفايا كان يقال في العصر الجاهلي، لما يأخذه الرئيس من المال المسلوب من العدى قبل القسمة. و في الشرع الإسلامي، لما كان لرسول اللّه خالصا دون المسلمين من مال منقول و غير منقول من أراض و عقار، غير سهمه في الخمس‏ (2) ، يستفاد ما ذكرناه مما ننقله في ما يأتي:

روى أبو داود بسننه‏ (3) عن الخليفة عمر أنّه قال:

ا- كانت لرسول اللّه ثلاث صفايا: بنو النضير و خيبر و فدك... الحديث.

ب- و في حديث آخر له:

إنّ اللّه خصّ رسول اللّه (ص) بخاصّة لم يخصّ بها أحدا من الناس، فقال‏ فَمََا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لاََ رِكََابٍ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (4) و كان اللّه أفاء على رسوله بني النضير... الحديث.

____________

(1) كلما أوردناه في قصة بني النضير فمن مغازي الواقدي ص 363-378، و كذلك قال المقريزي في إمتاع الأسماع ص 178-182 غير أنه أوردها بإيجاز، و راجع تفسير الآية بتفسير الطبري.

و أبو رافع اسمه إبراهيم أو صالح. قيل كان عبدا قبطيا للعباس فوهبه للنبي فاعتقه و زوّجه مولاته سلمى، أسلم بمكة و شهد أحدا و ما بعدها و كان ابنه رافع كاتبا لعلي (ع) ، توفي في خلافة عثمان أو بعده. اسد الغابة 1/41 و 77.

(2) نهاية اللغة لابن الأثير.

(3) سنن أبي داود، باب: في صفايا رسول اللّه من كتاب الخراج 3/141 و الأموال لأبي عبيد ص 9.

(4) الحشر/6.

101

ج- و قال في حديث آخر بعد أن ذكر الآية الآنفة: «هذه لرسول اللّه خاصّة قرى عربية فدك و كذا و كذا» .

و روى أبو داود عن الزهري أنّه قال:

صالح النبيّ أهل فدك و قرى و هو محاصر قوما آخرين فأرسلوا إليه بالصلح، قال: «فما أوجفتم عليه من خيل و لا ركاب» يقول، بغير قتال، قال: و كانت بنو النضير للنبيّ خالصا لم يفتحها عنوة «افتتحوها على صلح» و يثبت ممّا ذكرنا أنّ البحاثة ابن الأثير لم يصب في قوله بمادّة «صفا» من نهاية اللغة حين قال: الصفي ما كان يأخذه رئيس الجيش و يختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة و يقال له الصفيّة و الجمع الصفايا، و منه حديث عائشة: كانت صفيّة (رض) من الصفيّ، يعني صفيّة بنت حييّ كانت ممّن اصطفاه النبيّ (ص) من غنيمة خيبر و قد تكرّر ذكره في الحديث.

أي ذكر الصفيّ و الصفايا.

و قال: «و في حديث عليّ و العبّاس انّهما دخلا على عمر (رض) و هما يختصمان في الصوافي الّتي أفاء اللّه على رسوله (ص) من أموال بني النضير، الصوافي:

الأملاك و الأراضي الّتي جلا عنها أهلها أو ماتوا و لا وارث لها واحدها صافية، قال الأزهري: يقال للضياع الّتي يستخلصها السلطان لخاصّته: الصوافي» .

و أخذ من الأزهري و ابن الأثير من جاء بعدهما من اللغويّين مثل ابن منظور بمادّة «صفا» من لسان العرب.

و خلاصة قولهم: إنّ الصفيّ و يجمع على الصفايا يقال: لما يصطفيه الرئيس من غنائم الحرب غير المنقولة. و الصافية و تجمع على الصوافي لما يستخلصها السلطان من أراض و ضياع. و ليست أدري كيف يصحّ ذلك و قد رأينا الخليفة عمر يسمي فدك و خيبر و قرى عربية اخرى بصفايا رسول اللّه.

و وجدنا أبا داود (1) المتوفّى سنة (275 ه) يعقد بابا في سننه باسم «باب صفايا رسول اللّه» يذكر شأن تلك القرى الّتي وردت في حديث عمر و غير عمر.

____________

(1) أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب كتاب السنن، قال: كتبت عن رسول اللّه خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني السنن، جمعت فيه أربعة آلاف و ثمانمائة حديث ذكرت الصحيح و ما يشبهه و يقاربه، سكن البصرة و توفي بها. و راجع تفسير الخبر في تفسير الآية في الدرّ المنثور.

102

و رأينا التقسيم المذكور قد استفيد من الأزهري‏ (1) المتوفّى سنة (370 هـ) أي بعد ما يقارب قرنا من أبي داود، و لعلّه أخذه من المتعارف في عصره و ليس من قبله، و خاصّة من القرامطة الذين عاشرهم دهرا و هو في اسرهم و استفاد من محاوراتهم كثيرا.

و خلاصة القول:

إنّ الصفايا و مفردها الصفيّ كانت تطلق حتّى عصر أبي داود على كلّ ما كان خالصا لرسول اللّه من أموال و ضياع و عقار.

5-الأنفال:

الأنفال جمع النفل و النفل في اللغة: العطية و الهبة، و النفل بالسكون: الزيادة على الواجب و نفّله نفلا و تنفيلا و نفله و أنفله إيّاه أعطاه نفلا أي زيادة، و منه: نفله سلب القتيل، و نوافل الصلاة (2) .

و استعمل لفظ الأنفال في الشرع الإسلامي لأوّل مرة بسورة الأنفال في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ... الآية. و شأن هذه السورة أن المسلمين خاضوا أوّل معركة حربية تحت لواء قائدهم الأعظم رسول اللّه (ص) في غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، و لمّا انتهت المعركة بفوزهم الساحق على قريش اختلفوا في ما ظفروا به من جهة العدى و رجعوا إلى رسول اللّه (ص) في ذلك فنزلت الآيات الكريمة من أوّل سورة الأنفال:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَصْلِحُوا ذََاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ الآيات.

في سيرة ابن هشام و الطبري و سنن أبي داود (3) و غيرها و اللفظ للأوّل: «انّ

____________

(1) الأزهري أبو منصور محمد بن احمد بن الأزهر الهروي الشافعي اللغوي، أسرته القرامطة فبقي معهم دهرا طويلا يسكن البادية، فاستفاد من محاوراتهم ألفاظا جمة. من تصانيفه التهذيب و لعله استفاد ما ذكره في تعريف «الصوافي» من محاورات القرامطة في ما يخص الغزو و السلب و النهب. و على هذا فليس تعريفه هذا تعريف مصطلح شرعي ليفسر بموجبه ما ورد في الحديث الشريف.

(2) راجع مادة (نفل) من معاجم اللغة خاصة لسان العرب.

(3) سنن أبي داود 3/9 باب في النفل من كتاب الجهاد.