معالم المدرستين - ج2

- السيد مرتضى العسكري المزيد...
393 /
103

رسول اللّه (ص) أمر بما في العسكر ممّا جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، و قال الّذين كانوا يقاتلون العدوّ و يطلبونه: و اللّه لو لا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتّى أصبتم ما أصبتم، و قال الذين كانوا يحرسون رسول اللّه (ص) مخافة أن يخالف إليه العدوّ: و اللّه ما أنتم بأحقّ به منّا، لقد رأينا أن نقتل العدوّ إذ منحنا اللّه أكتافهم، و لقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، و لكنا خفنا على رسول اللّه (ص) كرّة العدوّ، فقمنا دونه، فما أنتم بأحقّ به منّا.

و روى ابن هشام-أيضا-عن عبادة بن الصامت أنّه قال عن سورة الأنفال:

«فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل و ساءت فيه أخلاقنا، فنزعه اللّه من أيدينا فجعله إلى رسول اللّه (ص) فقسّمه بين المسلمين على السواء» .

و روى عن أبي أسيد الساعدي قال: أصبت سيف بني عائذ المخزوميين و يسمّى المرزبان يوم بدر فلمّا أمر رسول اللّه (ص) الناس أن يردّوا ما في أيديهم من النفل أقبلت حتّى ألقيته في النفل.

قال ابن هشام: ثمّ أقبل رسول اللّه (ص) قافلا إلى المدينة و معه الأسارى من المشركين حتّى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب، فقسّم هنا لك النفل الذي أفاء اللّه على المسلمين من المشركين على السواء (1) .

نفهم من كلّ ما سبق أن اللّه سبحانه حين استعمل لفظة الأنفال في الآية الكريمة قصد منها معناها اللغوي و هو الهبة و العطيّة، أي أنّ ما استوليتم عليها من أموال العدى ليس من باب السلب و النهب وفق قواعد الجاهلية لتتملكوه، بل هو عطاء من اللّه، ثمّ هو للّه و لرسوله و عليكم أن تردّوه إلى رسوله ليعمل فيه وفق رأيه.

و من هنا نعرف المناسبة في ما استعملت فيه لفظة الأنفال بأحاديث أئمة أهل

____________

(1) سيرة ابن هشام 2/283-286، و في طبعة أخرى 2/296 و تفسير الآية بتفسير الطبري و غيره.

و عبادة بن الصامت: أبو الوليد الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة الأولى و الثانية و مشاهد رسول اللّه كلّها، و كان أحد نقباء الأنصار و ممن حفظ القرآن على عهد النبي، توفي سنة 34 أو 45 بالرملة أو بيت المقدس، ترجمته بأسد الغابة 3/107.

و أبو أسيد مالك بن ربيعة الأنصاري الخزرجي، شهد بدرا و ما بعدها، اختلف في وفاته أ كانت في ستين أو خمس و ستين للهجرة، ترجمته بأسد الغابة 4/279.

و بنو عائذ بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم من قريش، نسبهم في: نسب قريش لمصعب الزبيري ص 299.

و مضيق الصفراء بوادي الصفراء بينه و بين بدر مرحلة. معجم البلدان.

104

البيت، و اريد بها: «كلّ ما اخذ من دار الحرب بغير قتال، و كلّ أرض انجلى عنها أهلها بغير قتال، و على قطائع الملوك إذا كانت في أيديهم من غير غصب، و الآجام و بطون الأودية و الأرضون الموات و ما شابهها» (1) فإنّها جميعا عطاء من اللّه، و هبة لرسوله ثمّ للأئمة من بعده. و بهذا الاستعمال الأخير أصبحت الأنفال في العرف الإسلامي لدى مدرسة أئمّة أهل البيت اسما لما ذكرناه بين القوسين آنفا.

6-الغنيمة و المغنم:

انّ الغنيمة و المغنم قد تطوّر مدلولاهما بعد العصر الجاهلي مرّتين: مرّة في التشريع الإسلامى، و اخرى لدى المتشرّعة (أي بين المسلمين) حتى أصبح أخيرا مدلولاهما عندهم مساوقين للسلب و النهب و الحرب. و بيان ذلك أنّ العرب كانت تقول:

سلبه سلبا إذا أخذ سلبه و سلب الرجل ثيابه، و ما يأخذه القرن من قرنه ممّا يكون عليه و معه من لباس و سلاح و دابة و غيرها، و الجمع أسلاب.

و تقول: حربه حربا، إذا سلبه كلّ ماله و تركه بلا شي‏ء، و حرب الرجل ماله سلبه فهو محروب و حريب و الجمع حربى و حرباء، و حريبته ماله الّذي سلب منه، و أخذت حريبته أى ماله الّذي يعيش به، و أحربه: دلّه على ما يسلبه من عدوّه.

و تقول: نهبه و نهبه إذا أخذ ماله قهرا، و النهب و النهبى و النهيبى: أخذ المال قهرا و الجمع نهاب و نهوب، و النهب أيضا ضرب من الغارة و السلب، و أنهب عرضه و ماله أباحه لمن شاء.

هكذا فسّرت الألفاظ الآنفة في معاجم اللغة (2) و استعملت في تلكم المعاني أيضا في السيرة و الحديث و من قبل الصحابة كما يأتي في ما يلي:

في الحديث:

«من قتل قتيلا فله سلبه» (3) .

____________

(1) راجع البحار للمجلسي، باب الأنفال من كتاب الخمس ج 96/204-214 ط. الجديدة.

(2) مثل الصحاح للجوهري، و نهاية اللغة لابن الأثير، و لسان العرب لابن منظور. و القاموس و شرحه.

(3) سنن الدارمي 2/229 باب من قتل قتيلا فله سلبه من كتاب السير، و مسند أحمد 5/295 و 306 و 12، و راجع سنن أبي داود، كتاب الجهاد ج 2/3، و سنن أبي داود أيضا باب في السلب يعطى القاتل من كتاب الجهاد 2/13.

105

و في قول رسول اللّه للمغنّي الّذي استجازه ان يغنّي في المدينة «و أحللت سلبك نهبة لفتيان أهل المدينة» (1) .

و في السيرة:

لمّا أعطى رسول اللّه (ص) في غزوة حنين كلا من أبي سفيان بن حرب و صفوان بن امية و عيينة بن حصن و الأقرع بن حابس مائة من الإبل و أعطى عباس بن مرداس دونهم قال عباس بن مرداس.

أ تجعل نهبي و نهب العبيـ # د بين عيينة و الأقرع‏

الأبيات‏ (2) .

و قالت قريش في قصّة بدر: «اخرجوا إلى حرائبكم» (3) .

و في حديث رسول اللّه: «فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين» (4) .

و في حديث عمر: «إيّاكم و الدّين فانّ أوّله همّ و آخره حرب» (5) .

و في تاريخ عصر الصحابة: قال معاوية في وصيّته لسفيان بن عوف الغامدي لما بعثه لغزو بلاد المسلمين خارج بلاد الشام: «فاقتل من لقيته ممّن ليس هو على رأيك، و أحرب كل ما مررت به من القرى، و أحرب الأموال فإنّ حرب الأموال شبيه بالقتل و هو أوجع للقلب» (6) ، يقصد اسلب جميع أموالهم.

____________

(1) سنن ابن ماجة كتاب الحدود، الحديث 2613.

(2) صحيح مسلم 3/108 باب اعطاء المؤلفة قلوبهم من كتاب الزكاة و في الاغاني بترجمة عباس بن مرداس 14/290 و ترجمته بأسد الغابة، و العبيد اسم لفرسه و غزوة حنين كانت في السنة الثامنة و بعد فتح مكة، و ابو سفيان بن حرب حارب رسول اللّه في احد و الخندق و في غيرهما. و أظهر الاسلام بعد الفتح و توفي سنة 31 ه.

و صفوان بن امية القرشي الجمحي توفي بمكة في عصر عثمان أو معاوية.

و عيينة بن حصن الفزاري قيل ان الخليفة عمر قتله، و قيل مات في عصر عثمان.

و الأقرع بن حابس التميمي اصيب بالجوزجان مع الجيش الغازي بلاد خراسان.

اعطى النبي هؤلاء في حنين سهم المؤلفة قلوبهم فاعترض عليه ابن مرداس و قال دفعت سهمى و سهم فرسي العبيد الى عيينة و الاقرع.

(3) بمادة «حرب» من نهاية اللغة لابن الاثير، و حرائب جمع حريبة.

(4) مسند أحمد 4/328، و البخارى 3/31 و اللفظ للاول و محروبين: مسلوبي المال.

(5) موطأ مالك 2/236 باب جامع القضاء و كراهيته من كتاب الوصية و آخره حرب: أي ذهاب المال.

(6) أورد هذا إبراهيم بن محمد الثقفي ت 280 ه في كتابه الغارات حسب رواية ابن أبي الحديد عنه في‏

106

و في الحديث: إنّ أصحاب النبيّ أصابوا غنما فانتهبوها فطبخوها فقال النبيّ (ص) : «انّ النهبى أو النهبة لا تصلح» فأكفئوا القدور (1) .

و في غزاة كابل أصاب الناس غنما فانتهبوها فأمر عبد الرحمن مناديا ينادي:

إنّي سمعت رسول اللّه يقول: «من انتهب نهبة فليس منّا» فردّوا هذا الغنم فردّوها فقسّمها بالسوية (2) .

كانت هذه معاني السلب و النهب و الحرب، أمّا الغنيمة و المغنم فقد قال الراغب و الأزهري في مادّة غنم: «الغنم معروف... و الغنم إصابته و الظفر به، ثم استعمل في كلّ مظفور به من جهة العدى و غيرهم، قال تعالى: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَكُلُوا مِمََّا غَنِمْتُمْ حَلاََلاً طَيِّباً و المغنم ما يغنم و جمعه مغانم قال تعالى:

فَعِنْدَ اَللََّهِ مَغََانِمُ كَثِيرَةٌ انتهى‏ (3) .

و في لسان العرب و تهذيب اللغة للأزهري و نهاية اللغة، و في معجم ألفاظ القرآن الكريم: «الغنم: الظفر بالغنم، ثم استعمل في كلّ ما يظفر به من جهة العدو و غيرهم.

غنم كسمع غنما و الغنم ما يغنم و جمعه مغانم.

«الغنم: الفوز بالشي‏ء من غير مشقّة» .

«و غنم الشي‏ء: فاز به. و الاغتنام انتهاز الغنم» . (4) .

و فيه و في نهاية اللغة لابن الأثير بنفس المادّة: في الحديث «الرّهن لمن رهنه، له غنمه و عليه غرمه» غنمه: زيادته و نماؤه و فاضل قيمته. انتهي.

____________

قشرح النهج ج 2/58-90 تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، و الغامدي توفي بأرض الروم بعد الخمسين من الهجرة أميرا على الصائفة من قبل معاوية. راجع «أحاديث أم المؤمنين عائشة» ص 242

(1) مسند أحمد 5/367، و سنن ابن ماجة كتاب الفتن الحديث 3938 و اللفظ للأوّل.

(2) مسند أحمد 5/62 و 63، و عبد الرحمن بن سمرة القرشي توفي بالبصرة سنة خمسين أو إحدى و خمسين ترجمته بأسد الغابة 3/297.

(3) مفردات القرآن للراغب الاصبهاني بمادة «غنم» و الآية الاولى بسورة الأنفال 41 و الثانية الآية 69 منها و الثالثة الآية 94 من سورة النساء، و تهذيب اللغة للأزهري (ت 370 ه) ج 8/149، و معجم ألفاظ القرآن 2/293.

(4) مادة «غنم» بنهاية اللغة لابن الأثير 3/173، و لسان العرب ج 12/445 و تهذيب اللغة للأزهري، (ت 370 ه) ، و معجم مقاييس اللغة لابن فارس (ت 395 ه) ج 4/397، و تفسير الفخر الرازي ج 15/166.

107

و في صحاح الجوهري: «المغنم و الغنيمة بمعنى» (1) .

و ورد في الحديث من هذه المادّة و اريد به الفوز بالشي‏ء في باب ما يقال عند إخراج الزكاة من سنن ابن ماجة عن رسول اللّه (ص) : «اللّهم اجعلها مغنما و لا تجعلها مغرما» (2) .

و في مسند أحمد عن رسول اللّه (ص) : «غنيمة مجالس الذكر الجنّة» (3) .

و في وصف شهر رمضان: «هو غنم للمؤمن» (4) . إلى غير هذه الموارد من الحديث. و ورد في كتاب اللّه تعالى: فَعِنْدَ اَللََّهِ مَغََانِمُ كَثِيرَةٌ (5) .

و يتلخص ما سبق:

إنّ العرب كانت تقول في الجاهلية و الإسلام: سلبه إذا أخذ ما مع المسلوب و ما عليه من ثياب و سلاح و دابّة، و تقول: حربه إذا أخذ كلّ ماله، و كانت النهيبة و النهبى عندهم تساوق الغنيمة و المغنم في عصرنا.

و وجدنا غنم الشي‏ء غنما عندهم بمعنى فاز به بلا مشقة، و الاغتنام: انتهاز الغنم، و المغنم: ما يغنم و جمعه مغانم. و في الحديث: «له غنمه» أي نماؤه و فاضل قيمته، و في وصف شهر رمضان: «هو غنم للمؤمن» ، و في الدعاء عند أداء الزكاة: «اللهمّ اجعلها مغنما» و «غنيمة مجالس الذكر الجنة» .

و قالوا: الغنم في الأصل: الظفر بالغنم ثمّ استعمل في كلّ ما ظفر به من جهة العدى و غيرهم. و أرى شمول الغنم لما ظفر به من جهة العدى و غيرهم صار في العصر الإسلامي لا قبله.

و ذلك لأنّ المسلمين خاضوا أوّل معركة حربية تحت لواء رسول اللّه (ص) في بدر و تنازعوا في الأسلاب بعد انتصارهم و سلب اللّه عنهم ملكية ما استولوا عليه من أموال العدى و جعله للّه و لرسوله و سمّاه بالأنفال، و بعد نزول هذا الحكم في سورة الأنفال، كان الغزاة في جميع الغزوات يأتون بكلّ ما ظفروا به إلى القائد ليتصرف فيه كما يراه،

____________

(1) بمادة «غنم» من صحاح اللغة للجوهري، ص 1999.

(2) سنن ابن ماجة كتاب الزكاة، الحديث 1797.

(3) مسند أحمد 2/177.

(4) مسند أحمد 2/330 و 374 و 524.

(5) النساء/94.

108

و لم يكن لأحد منهم أن ينهب شيئا جهارا أو يغلّه سرا فقد حرّم رسول اللّه الانتهاب كما رواه ابن ماجة و أحمد و اللفظ للأوّل، قال: قال رسول اللّه: «ان النهبة لا تحلّ» .

و قال: «من انتهب نهبة فليس منا» (1) .

و في صحيح البخاري و مسند أحمد عن عبادة قال: بايعنا النبيّ على أن لا نتهب‏ (2) .

و في صحيح البخاري عن رسول اللّه (ص) : «لا ينتهب نهبة ذات شرف و هو مؤمن» (3) .

و في سنن أبي داود باب النهي عن النهبى عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول اللّه في سفرنا فاصاب الناس حاجة شديدة و جهدوا و أصابوا غنما فانتهبوا، فإنّ قدورنا لتغلي إذ جاء رسول اللّه يمشي على قوسه، فأكفأ قدورنا بقوسه ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: «ان النهبة ليست بأحلّ من الميتة» (4) .

و حرّم اللّه و رسوله الإغلال قال اللّه سبحانه: وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمََا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ (5) .

و في حديث رسول اللّه (ص) : «لا نهب و لا إغلال و لا إسلال و من يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة» (6) . الإغلال: السرقة الخفيّة و الإسلال: السرقة.

في هذا الحديث ذكر النهب و الإغلال في عداد السرقة.

و في حديث آخر قال: «أدّوا الخيط و المخيط فما فوق ذلك فما دون ذلك، فانّ الغلول عار على أهله يوم القيامة و شنار و عار» (7) .

قال ابن الأثير: الغلول: الخيانة في المغنم، و السرقة من الغنيمة قبل القسمة، و الشنار أقبح العيب.

____________

(1) الحديثان في كتاب الفتن من سنن ابن ماجة، باب النهي عن النبي ص 1299، و الحديث الأوّل بمسند أحمد 4/194، و الثاني في مسنده 3/140 و 197 و 312 و 323 و 380 و 395 و 4/439 و 443 و 446 و 5/62.

(2) صحيح البخاري 2/49 كتاب المظالم، باب النّهي بغير إذن صاحبه، و مسند أحمد 5/321 او عبادة سبقت ترجمته.

(3) صحيح البخاري 3/214 كتاب الأشربة، و راجع 2/48.

(4) سنن أبي داود كتاب الجهاد، باب في النهي عن النهبى، 3/66.

(5) آل عمران/161.

(6) سنن الدارمي 2/230.

(7) سنن الدارمي 2/230 باب «ما جاء أنه قال أدّوا الخيط و المخيط» من كتاب السير.

109

و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص: كان رسول اللّه إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه و يقسّمه فجاء رجل من ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول اللّه هذا ما كنّا أصبنا من الغنيمة، فقال. «أسمعت بلالا نادى ثلاثا» قال: نعم، قال: «ما منعك أن تجي‏ء به؟» فاعتذر، فقال: «كن أنت تجي‏ء به يوم القيامة فلن أقبله منك» (1) .

و في باب الغلول من كتاب الجهاد بسنن ابن ماجة: توفي رجل من أشجع بخيبر فقال النبيّ: «صلّوا على صاحبكم» فأنكر الناس ذلك و تغيّرت له وجوههم فلمّا رأى ذلك قال: «إنّ صاحبكم قد غلّ» (2) .

و في باب «ما جاء في الغلول من الشدّة» من كتاب السير بسنن الدارمي عن عمر بن الخطاب قال: «قتل نفر يوم خيبر فقالوا: فلان شهيد حتى ذكروا رجلا فقالوا:

فلان شهيد، فقال رسول اللّه: «كلاّ إنّي رأيته في النّار في عباءة أو في بردة غلّها» (3) .

و في باب الغلول من كتاب الجهاد بسنن ابن ماجة: كان على ثقل النبيّ رجل يقال له كركرة فمات فقال النبيّ: «... و هو في النار» فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كسا أو عباءة قد غلّها (4) .

و في صحيحي البخاري و مسلم و سنن أبي داود بلفظ آخر و في آخر الحديث:

فجاء رجل-حين سمع ذلك-بشراك أو بشراكين، فقال رسول اللّه (ص) «شراك أو شراكان من نار» (5) .

و إذا كان الإسلام قد منع أفراد الجيش من النه ب- أى استملاك المال المظفور به من جهة العدى جهارا-حتّى أنّ الرسول أكفأ قدور الجائعين الّذين كانوا قد نهبوا الأغنام و أرمل لحومها. و نهى عن الاستيلاء عليه سرّا و سمّاه الغلول أي الخيانة و قال

____________

(1) بسنن أبي داود 2/13 باب تعظيم الغلول من كتاب الجهاد، و في الكتاب باب في عقوبة الغال ذكر فيه أنهم كانوا يحرقون متاع الغال و فيه باب من كتم غالاّ فهو مثله.

(2) بسنن ابن ماجة ص 950.

(3) بسنن الدارمي 2/230.

(4) بسنن ابن ماجة ص 950.

(5) تمام الحديث في صحيح البخاري 3/37 باب غزوة خيبر، و صحيح مسلم 1/75 بكتاب الإيمان، و سنن أبي داود 2/13 من كتاب الجهاد، و راجع باب تحريم الغلول من كتاب الإمارة بصحيح مسلم 6/10.

110

الرّسول: «أدّوا الخيط و المخيط فما فوق ذلك فما دون ذلك» و لم يصلّ على من غلّ و لم يسمّ القتيل الّذي غلّ عباءة بشهيد، و بذلك سلب الإسلام عن أفراد الجيش الغازي ملكيّة المال المظفور به من جهة العدى مهما كان، و لو كان شراك نعل، و كيفما كان، سرّا أو جهارا، و سمّاه القرآن أنفالا، و جعله للّه و لرسوله و ليتصرف فيه رسول اللّه كيفما يرى، فما ذا فعل رسول اللّه بالمال المظفور به من جهة العدى.

أعطى الرسول في غزواته للراجل ما رأى أن يعطيه و للفارس كذلك‏ (1) ، سواء أ كانا ممّن استولى على المظفور به أو لم يكونا منهم، و رضخ للمرأة (2) .

و أكثر من ذلك أنّه أعطي لمن لم يشهد الغزاة بالمرّة، مثل ما فعل مع عثمان في غزاة بدر، و مع أصحاب جعفر في غزاة خيبر، كما في صحيح البخاري و مسندي الطيالسي و أحمد و طبقات ابن سعد: أنّ رسول اللّه خلّف عثمان في غزاة بدر على زوجته ابنة رسول اللّه و كانت مريضة، و أسهم له في ما أصابوا كواحد ممّن حضر الغزوة (3) .

و في الصفحة نفسها من صحيح البخاري عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النبيّ (ص) و نحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه في بضع و خمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة فألقتنا إلى النجاشي بالحبشة، و وافقنا جعفر بن أبي طالب و أصحابه، فأقمنا معه حتّى قدمنا جميعا فوافقنا النبيّ (ص) حين افتتح خيبر، فأسهم لنا أصحاب سفينتنا مع جعفر و أصحابه و قسّم لهم معهم‏ (4) .

و كذلك اعطى النبيّ المؤلفة قلوبهم في حنين-كما مر ذكره-أضعاف سهم المؤمن المجاهد.

هكذا سلب الإسلام ملكيّة المال المظفور به من جهة العدى ممّن ظفر به و جعله للّه و لرسوله فتصرّف فيه الرسول و قسّمه حسب ما رآه، و صحّ بهذا الاعتبار أنّ

____________

(1) في صحيح البخاري 3/36 «باب غزوة خيبر» أنه قسم للفارس سهمين و للراجل سهما.

(2) رضخ له: أعطاه عطاء غير كثير.

(3) صحيح البخاري 2/131 باب إذا بعث الإمام رسولا إلى حاجة أو أمر بالمقام هل يسهم له من كتاب الجهاد و السير، و بمسند الطيالسي الحديث 1985 و مسند أحمد 1/68 و 75 و ج 2/101 و 102، و طبقات ابن سعد 3/56، و بداية المجتهد 1/410-412 في الفصل الثاني من كتاب الجهاد.

(4) أوردنا الحديث من البخاري باختصار.

111

نقول: إنّ الّذي أصابه سهم من المظفور به سواء من حضر الغزوة أو من لم يحضرها، ظفر به بلا مشقّة لأنّه ظفر به من يد رسول اللّه و ليس من الغزو، و صحّ بهذا الاعتبار أن نحسب المظفور به من نوع «الغنيمة و المغنم» بعد ما كانت الغنيمة و المغنم لدى العرب تدلاّن على ما ظفر به بلا مشقّة من غير جهة العدى، و كان للذي ظفر به من جهة العدى تسميات أخرى ذكرناها في ما سبق. و بهذا الاعتبار نزلت آية وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ في هذه الغزوة بعد نزول آية الأنفال بصدر السورة، أو نزلت في غزوة أحد، و أصبح للغنيمة بعد نزول هذه الآية معنيان:

1-معنى لغوي: و هو الفوز بالشي‏ء بلا مشقّة، و ليس من ضمنه المظفور به من جهة العدى، فان له تسميات خاصّة و هي: السلب و النهب و الحرب.

2-معنى شرعي: و هو «ما ظفر به من جهة العدى و غيرهم» . كما فسّره الراغب، و هكذا جعل الإسلام أسلاب الحرب من مصاديق المغنم بعد أن لم تكن من مصاديقه.

و وجدنا الغنيمة و المغنم مستعملين في الحديث و السيرة، في معناهما اللغويّ تارة، كما يستعمل اللفظ في معناه الحقيقي دون ما حاجة إلى قرينة كما مرّ بنا سابقا.

و تارة في معناهما الشرعي مع وجود قرينة في الكلام، أو في حال التخاطب تدلّ على المعنى الشرعي المقصود.

هكذا استعمل اللفظان في المعنيين حتّى عصر انتشار الفتوح على عهد الخليفة عمر فما بعد حيث كثر استعمال مشتقات مادة «غنم» في ما ظفر به من جهة العدى خاصّة مع وجود قرائن حالية أو مقالية تدلّ على هذا القصد. و عند ما جاء اللغويون بعد ذلك، و استقرءوا موارد استعمال مادّة «غنم» لدى العرب في عصرهم فما فوق، وجدوها مستعملة كما يلي:

أ- في الفوز بالشي‏ء بلا مشقة، في العصر الجاهلي و صدر الإسلام لدى العرب عامّة.

ب- في الفوز بالشي‏ء من جهة العدى و غيرهم، بعد نزول آية الخمس لدى المسلمين خاصّة منذ عصر الرسول حتى عصر الصحابة.

ج- في ما ظفر به من جهة العدى خاصّة، في عصر الفتوح مع قرائن لم ينتبه إليها، ثمّ استعملت متدرّجا إلى عصر اللغويين بلا قرينة في المجتمع الإسلامي خاصّة

112

و عند ما قام روّاد اللغة بتدوينها لم يتنبّهوا إلى تطوّر مدلول مادّة «غنم» كما ذكرنا، و أنتج ذلك أنّ بعضهم لاحظ استعمالها في المدينة بعد تشريع الخمس مثل الراغب فقال:

«استعمل في كلّ مظفور به من جهة العدى و غيرهم» .

و لاحظ ابن منظور و غيره تارة استعمالها في العصر الجاهلي، و قالوا: «غنم الشي‏ء: فاز به، و الاغتنام: انتهاز الغنم.. » .

و تارة استعمالها في عصر الفتوح مع قرينة خفيت عليهم و بعدها بلا قرينة، فقالوا: «الغنيمة ما اصيب من أموال أهل الحرب» .

و تردّد صاحب القاموس في «الغنم» هل هو بمعنى الفوز و الفي‏ء (1) كليهما أي أنّه مشترك بين المعنيين، أو أنّ الغنيمة بمعنى الفي‏ء و سائر مشتقات المادة بمعنى الفوز بالشي‏ء (2) .

هكذا خلطوا في تفسير مادّة «غنم» ، و الصواب أن نلاحظ تطوّر مدلول المادّة كما ذكرنا و نقول: إنّ مادّة «غنم» كانت:

أ- في العصر الجاهلي و صدر الإسلام، في اللغة: حقيقة في الفوز بالشي‏ء بلا مشقّة.

ب- بعد نزول آية الخمس في الشرع: حقيقة في ما ظفر به من جهة العدى و غيرهم، إلى جنب حقيقتها اللغوية فإنّها لم تكن منسيّة يوم ذاك.

ج- في عصر تدوين اللغة فما بعد: حقيقة عند المتشرّعة-أي المسلمين-في ما ظفر به من جهة العدى خاصّة، و ذلك أيضا إلى جنب حقيقتها اللغويّة.

و على هذا فإنّا إذا وجدنا إحدى مشتقات هذه المادّة مستعملة في الكلام حتّى صدر الإسلام، ينبغي أن نحملها على معناها اللغوي خاصّة أي «الفوز بالشي‏ء بلا مشقة» و في غير ما ظفر به من جهة العدى.

و إذا وجدناها مستعملة بعد تشريع الخمس عند المسلمين أو في التشريع الاسلامي، فامّا ان تحمل على معناها اللغويّ المذكور و إما على معناها الشرعي: «الظفر بالشي‏ء من جهة العدى و غيرهم» فإنّها مشتركة بينهما.

و إذا وجدناها مستعملة عندهم في عصر تدوين اللغة فما بعد، فالأرجح حملها

____________

(1) فسر صاحب القاموس الفي‏ء في مادة (الفي‏ء) بالغنيمة.

(2) بمادة «غنم» من القاموس.

113

على المشهور منها يوم ذاك عندهم، أعني الظفر بمال العدى خاصّة.

و يتضح ممّا ذكرنا أنّا إذا وجدنا إحدى مشتقات هذه المادّة مستعملة في الحديث و غيره بعد تشريع الخمس منذ عصر الرسول و حتّى عصر الصحابة، فلا بدّ أن نحملها على أحد معنيين إمّا اللغويّ «الفوز بالشي‏ء بلا مشقة» ، و إمّا الشرعي «الظفر بالشي‏ء من جهة العدى و غيرهم» فينبغي و الحالة هذه أن نبحث عند ذاك عن قرينة تدلّ على المقصود.

و في استقرائنا لموارد استعمال هذه الكلمة في ذلك العصر غالبا ما وجدناها مصحوبة بقرينة حاليّة أو مقاليّة تدلّ على المعنى الشرعي، مع وجود موارد كثيرة استعملت فيها في معناها اللغوي دون ما قرينة.

7-الخمس‏

الخمس في اللغة: أخذ واحد من خمسة، و خمست القوم: أخذت خمس أموالهم.

أمّا معناه الشرعي فينبغي لدركه أن نرجع أوّلا إلى عرف العرب في العصر الجاهلي لمعرفة نظامهم الاجتماعي يوم ذاك في هذا الخصوص، ثمّ نعود إلى التشريع الإسلامي لندرس الخمس فيه، و ندرس أمره بعد ذلك لدى المسلمين بالتفصيل إن شاء اللّه تعالى. فإلى دراستهما في ما يلي:

أولا: في العصر الجاهلي‏

كان الرئيس عند العرب يأخذ في الجاهليّة ربع الغنيمة، و يقال: ربع القوم يربعهم ربعا أي أخذ ربع أموالهم، و ربع الجيش أي أخذ منهم ربع الغنيمة، و يقال للربع الّذي يأخذه الرئيس: المرباع. و في الحديث، قال الرسول لعديّ بن حاتم قبل أن يسلم: «انّك لتأكل المرباع و هو لا يحلّ في دينك» (1) . و قال الشاعر:

لك المرباع منها و الصفايا # و حكمك و النشيطة و الفضول‏

الصفايا ما يصطفيه الرئيس، و النشيطة ما أصاب من الغنيمة قبل أن تصير

____________

(1) بمادة ربع من القاموس و اللسان و تاج العروس و نهاية اللغة لابن الأثير و في صحاح الجوهري بعضه، و سيرة ابن هشام 4/249.

114

إلى مجتمع الحيّ، و الفضول ما عجز ان يقسّم لقلّته فخصّ به الرئيس‏ (1) .

و في النهاية: «إن فلانا قد ارتبع أمر القوم، أي انتظر أن يؤمّر عليهم، و هو على رباعة قومه أي هو سيّدهم» .

و في مادة «خمس» من النهاية: و منه حديث عديّ بن حاتم «ربعت في الجاهلية و خمست في الإسلام» أي قدت الجيش في الحالين، لأنّ الأمير في الجاهلية كان يأخذ ربع الغنيمة و جاء الإسلام فجعله الخمس و جعل له مصاريف. انتهي‏ (2) .

ثانيا: في العصر الإسلامي‏

هذا ما كان في الجاهليّة، أمّا في الإسلام فقد فرض الخمس في التشريع الإسلامي، و ذكر في الكتاب و السنة كما يلي:

أ-الخمس في كتاب اللّه:

قال اللّه سبحانه: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللََّهِ وَ مََا أَنْزَلْنََا عَلى‏ََ عَبْدِنََا يَوْمَ اَلْفُرْقََانِ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ، وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ الأنفال/41.

هذه الآية و إن كانت قد نزلت في مورد خاصّ، و لكنّها أعلنت حكما عامّا و هو وجوب أداء الخمس من أيّ شي‏ء غنموا-أي فازوا به-لأهل الخمس. و لو كانت الآية تقصد وجوب أداء الخمس ممّا غنموا في الحرب خاصّة، لكان ينبغي أن يقول عزّ اسمه: و اعلموا أنّ ما غنمتم في الحرب، أو انّما غنمتم من العدى لا أن يقول:

ان ما غنمتم من شي‏ء.

في هذا التشريع: جعل الإسلام سهم الرئاسة الخمس بدل الربع في الجاهلية، و قلّل مقداره، و كثّر أصحابه فجعله سهما للّه، و سهما للرسول، و سهما لذوي قربى الرسول، و ثلاثة أسهم لليتامى و المساكين و ابن السبيل من فقراء أقرباء الرسول، و جعل الخمس لازما لكلّ ما غنموا من شي‏ء عامّة و لم يخصّصه بما غنموا في الحرب،

____________

(1) في نهاية اللغة 2/62.

(2) في نهاية اللغة 1/321، و مسند أحمد 4/257 و عدي: أبو طريف، أسلم سنة 9 ه و شهد فتح العراق و الجمل و صفين و نهروان مع الإمام، و فقئت عينه بصفين. روى عنه المحدثون 66 حديثا. توفي بالكوفة سنة 68 ه. ترجمته بالاستيعاب و أسد الغابة و التقريب.

115

و سمّاه الخمس مقابل المرباع في الجاهلية.

و لمّا كان مفهوم الزكاة مساوقا لحقّ اللّه في المال-كما أشرنا إليه في ما سبق- فحيث ما ورد في القرآن الكريم حثّ على أداء الزكاة في ما ينوف على ثلاثين آية (1) ، فهو حثّ على أداء الصدقات الواجبة و الخمس المفروض في كلّ ما غنمه الإنسان، و قد شرح اللّه حقّه في المال في آيتين: آية الصدقة و آية الخمس.

كان هذا ما استفدناه من كتاب اللّه في شأن الخمس.

ب-الخمس في السنّة:

أمر الرسول بإخراج الخمس من غنائم الحرب و من غير غنائم الحرب مثل الركاز كما روى ذلك كلّ من ابن عباس، و أبي هريرة، و جابر، و عبادة بن الصامت، و أنس بن مالك كما يلي:

في مسند أحمد و سنن ابن ماجة-و اللفظ للأوّل-عن ابن عباس قال: «قضى رسول اللّه (ص) في الركاز الخمس» (2) .

و في صحيحي مسلم و البخاري، و سنن أبي داود، و الترمذي، و ابن ماجة، و موطّأ مالك، و مسند أحمد و اللفظ للأوّل: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (ص) :

«العجماء جرحها جبار، و المعدن جبار، و في الركاز الخمس» و في بعض الروايات عند أحمد: البهيمة عقلها جبار (3) .

شرح هذا الحديث أبو يوسف في كتاب الخراج و قال: كان أهل الجاهلية إذا عطب الرجل في قليب جعلوا القليب عقله، و إذا قتلته دابّة جعلوها عقله، و إذا قتلته

____________

(1) راجع مادة «الزكاة» في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.

(2) مسند أحمد 1/314، و سنن ابن ماجة ص 839.

(3) صحيح مسلم 5/127 باب (جرح العجماء و المعدن و البئر جبار) أي هدر من كتاب الحدود بشرح النووي 11/225، و صحيح البخاري 1/182 باب «في الركاز الخمس» ، و 2/34 باب «من حفر بئرا في ملك لم يضمن» من كتاب المساقاة و سنن أبي داود 2/254 باب «من قتل عميا بين قوم» من كتاب الحدود، و باب «ما جاء في الركاز» ، 2/70، و سنن الترمذي 3/138 باب «ما جاء في العجماء جرحها جبار و في الركاز الخمس للّه، و سنن ابن ماجة ص 803 باب من «أصاب ركازا» من كتاب اللقطة، و موطأ مالك ج 1/244 باب «زكاة الشركاء» . و مسند أحمد ج 2/228 و 239 و 254 و 274 و 285 و 319 و 382 و 386 و 406 و 411 و 415 و 454 و 456 و 467 و 475 و 482 و 493 و 499 و 501 و 507، و الأموال لأبي عبيد ص 336.

116

معدن جعلوه عقله، فسأل سائل رسول اللّه (ص) عن ذلك فقال: «العجماء جبار، و المعدن جبار، و البئر جبار، و في الركاز الخمس» فقيل له: ما الركاز يا رسول اللّه؟ فقال: «الذهب و الفضّة الّذي خلقه اللّه في الارض يوم خلقت» (1) انتهى.

و في مسند أحمد عن الشعبي عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه (ص) :

«السائمة جبار، و الجبّ جبار، و المعدن جبار، و في الركاز الخمس» قال الشعبي:

الركاز الكنز العادي‏ (2) .

و في مسند أحمد عن عبادة بن الصامت قال: من قضاء رسول اللّه (ص) أنّ المعدن جبار، و البئر جبار، و العجماء جرحها جبار، و العجماء البهيمة من الأنعام و غيرها. و الجبار هو الهدر الّذي لا يغرّم و قضى في الركاز الخمس‏ (3) .

و في مسند أحمد عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول اللّه (ص) إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حاجته فتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت عليه تبرا فأخذها فأتى بها النبي (ص) فأخبره بذلك، قال: «زنها» فوزنها فاذا مائتا درهم فقال النبي: «هذا ركاز و فيه الخمس» (4) .

و في مسند أحمد: ان رجلا من مزينة سأل رسول اللّه مسائل جاء فيها: فالكنز نجده في الخرب و الآرام؟فقال رسول اللّه (ص) : «فيه و في الركاز الخمس» (5) .

____________

(1) أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم الانصاري ولد بالكوفة 113 ه و تتلمذ على أبي حنيفة و هو اوّل من وضع الكتب على رأي أبي حنيفة و ولي القضاء ببغداد أيام المهدي و الهادي و الرشيد، و توفي سنة 182 هو نقلنا عن كتاب خراجه ط. القاهرة 1346 ه ص 26 و قد وضعه لخليفة عصره الرشيد. و عطب: اي هلك. و القليب:

البئر لم تطو. و العقل: الدية.

(2) مسند أحمد 3/335 و 336 و 356 و 353-354، و مجمع الزوائد 3/78 باب «في الركاز و المعادن» و أبو عمرو عامر بن شراحيل الكوفي الشعبي. نسبة إلى شعب بطن من همدان. روى عن خمسين و مائة من أصحاب رسول اللّه. توفي بالكوفة سنة 104 ه، أنساب السمعاني ص 336.

(3) مسند أحمد 5/326.

(4) مسند أحمد 3/128، و مجمع الزوائد 3/77 باب «في الركاز و المعادن» ، و مغازي الواقدي ص 682.

(5) مسند أحمد 2/186 و 202 و 207، و في سنن الترمذي 1/219 باب اللقطة من كتاب الزكاة مع إختلاف في اللفظ. و الأموال لأبي عبيد ص 337.

و أشار إلى هذه الأحاديث الترمذي في باب: (ما جاء في العجماء جرحها جبار، و في الركاز الخمس) قال:

«و في الباب عن أنس بن مالك و عبد اللّه بن عمرو و عبادة بن الصامت و عمرو بن عوف المزني و جابر» .

117

و في مادّة «سيب» من نهاية اللغة و لسان العرب و تاج العروس و في نهاية الإرب و العقد الفريد و أسد الغابة و اللفظ للأوّل: «و في كتابه-أي كتاب رسول اللّه-لوائل بن حجر: «و في السيوب الخمس» السيوب: الركاز» .

و ذكر انهم قالوا: «السيوب عروق الذهب و الفضة تسيب في المعدن أي تتكون فيه و تظهر» «و السيوب جمع سيب يريد به-أي يريد النبيّ بالسي ب- المال المدفون في الجاهلية أو المعدن لأنّه من فضل اللّه تعالى و عطائه لمن أصابه» .

و تفصيل كتاب رسول اللّه هذا في نهاية الارب للقلقشندي‏ (1) .

{h9~{h9تفسير ألفاظ الأحاديث: h9}~h9}

في سنن الترمذي‏ (2) : العجماء: الدابّة المنفلتة من صاحبها فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها و المعدن: جبار، يقول: إذا احتفر الرجل معدنا فوقع فيها إنسان فلا غرم عليه، و كذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، و في الركاز الخمس. و الركاز، ما وجد من دفن أهل الجاهلية، فمن وجد ركازا أدّى منه الخمس إلى السلطان و ما بقي له، انتهى.

و في نهاية اللغة لابن الأثير بمادة «ارم» : الآرام، الأعلام و هي حجارة تجمع و تنصب في المفازة يهتدى بها، واحدها ارم كعنب، و كان من عادة الجاهلية أنّهم إذا وجدوا شيئا في طريقهم لا يمكنهم استصحابه تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه.

و في لسان العرب و غيره من معاجم اللغة: ركزه يركزه: إذا دفنه. و الركاز:

قطع ذهب و فضّة تخرج من الارض أو المعدن واحده الركزة كانّه ركز في الأرض.

و في نهاية اللغة: و الركزة: القطعة من جواهر الأرض المركوزة فيها، و جمع الركزة الركاز.

____________

(1) نهاية الارب ص 221 يرويه عن كتاب الشفاء للقاضي عياض، و العقد الفريد 2/48 في الوفود، و بترجمة الضحاك من أسد الغابة 3/38 و اشار الى الكتاب صاحبا الاستيعاب و أسد الغابة بترجمة وائل.

و وائل بن حجر كان أبوه من أقيال اليمن وفد إلى النبي (ص) و كتب له عهدا حاء فيه ما أوردناه في المتن، بعث الرسول (ص) معه معاوية بن أبي سفيان فقال له معاوية: أردفني فقال: لست من أرداف الملوك، توفي وائل في خلافة معاوية، ترجمته بالإصابة 3/592.

(2) سنن الترمذي 6/145-146 باب «ما جاء في العجماء جرحها جبار» .

118

{h9~{h9خلاصة الروايات السابقة: h9}~h9}

خلاصة ما يستفاد من الروايات السابقة، أن رسول اللّه (ص) أمر بدفع الخمس من كلّ ما يستخرج من الأرض من ذهب و فضة سواء كان كنزا أو معدنا و كلاهما ليسا من غنائم الحرب، كما زعموا أنّها-اى غنائم الحر ب- هي المقصود من «غنمتم» ، في الآية الكريمة، و انما تدل تلكم الأحاديث على ما برهنّا عليه أن ما «غنمتم» قصد به في التشريع الاسلامى «ما ظفر به من جهة العدى و غيرهم» فثبت من جميع ما سبق أنّ الخمس لا يخصّ غنائم الحرب وحدها في الإسلام، و كذلك استفاد الفقهاء من تلكم الروايات مثل القاضي أبي يوسف في كتاب الخراج‏ (1) ، فإنّه استنبط من الروايات حكم وجوب أداء الخمس من غير غنائم الحرب.

قال أبو يوسف: في كل ما أصيب من المعادن-من قليل أو كثير-الخمس، و لو أن رجلا اصاب في معدن أقلّ من وزن مائتى درهم فضة او اقلّ من وزن عشرين ذهبا، فإنّ فيه الخمس. ليس هذا موضع الزكاة (2) ، إنّما هو على موضع الغنائم، و ليس في تراب ذلك شي‏ء إنّما الخمس في الذهب الخالص، و الفضّة الخالصة، و الحديد، و النحاس و الرصاص، و لا يحسب لمن استخرج ذلك من نفقته عليه شي‏ء، قد تكون النفقة تستغرق ذلك كلّه، فلا يجب إذن فيه خمس عليه، و فيه الخمس حين يفرغ من تصفيته قليلا كان أو كثيرا، و لا يحسب له من نفقته شي‏ء من ذلك، و ما استخرج من المعادن سوى ذلك من الحجارة-مثل الياقوت و الفيروزج و الكحل و الزئبق و الكبريت و المغرة- فلا خمس في شي‏ء (3) من ذلك إنما ذلك كلّه بمنزلة الطين و التراب.

قال: و لو انّ الّذي أصاب شيئا من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو النحاس، كان عليه دين فادح لم يبطل ذلك الخمس عنه. ألا ترى لو أن جندا من الأجناد، أصابوا غنيمة من أهل الحرب، خمست و لم ينظر أ عليهم دين أم لا. و لو كان عليهم دين، لم يمنع ذلك من الخمس.

قال: و أمّا الركاز فهو الذهب و الفضّة الّذي خلقه اللّه عزّ و جلّ في الأرض يوم خلقت، فيه أيضا الخمس، فمن أصاب كنزا عاديا في غير ملك أحد فيه ذهب أو فضة

____________

(1) الخراج ص 25-27.

(2) قصد بالزكاة هنا ما يقابل الخمس أي الصدقة.

(3) هذا يخالف عموم آية الخمس و يخالف ما في فقه أئمة اهل البيت عليهم السلام.

119

أو جوهر أو ثياب، فإن في ذلك الخمس و أربعة أخماسه للذي أصابه، و هو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمس و ما بقي فلهم.

قال: و لو أن حربيا وجد في دار الإسلام ركازا، و كان قد دخل بأمان نزع ذلك كلّه منه، و لا يكون له منه شي‏ء. و إن كان ذميّا أخذ منه الخمس، كما يؤخذ من المسلم، و سلم له أربعة أخماسه. و كذلك المكاتب: يجد ركازا في دار الإسلام فهو له بعد الخمس...

و قال-أيضا-في «فصل ما يخرج من البحر» : مخاطبا للخليفة هارون الرشيد:

«و سألت يا أمير المؤمنين عمّا يخرج من البحر فإنّ في ما يخرج من البحر من حلية و العنبر الخمس» (1) .

استعرضنا في ما سبق روايات رسول اللّه الّتي أمرت بدفع الخمس عن أشياء غير غنائم الحرب، و كذلك ما استفادوه من تلك الروايات، و في ما يلي نستعرض كتب الرسول (ص) و عهوده الّتي ورد فيها أمر بدفع الخمس.

الخمس في كتب الرسول (ص) و عهوده:

أ- في صحيحي البخاري و مسلم و سنن النسائي و مسند أحمد و اللفظ للأوّل:

أنّ وفد عبد القيس لمّا قالوا لرسول اللّه (ص) : «إنّ بيننا و بينك المشركين من مضر، و إنّا لا نصل إليك إلاّ في أشهر حرم، فمرنا بجمل من الأمر إن عملنا به دخلنا الجنّة و ندعو إليه من وراءنا» .

قال: «آمركم بأربع و أنهاكم عن أربع؛ آمركم بالإيمان باللّه، و هل تدرون ما الإيمان باللّه، شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، و اقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و تعطوا الخمس من المغنم... » الحديث‏ (2) .

____________

(1) الخراج ص 83. و نقل أبو عبيد في كتاب الأموال ص 345-348 قولين فيه: أ-أن فيه الزكاة.

ب-أن فيه الخمس.

(2) بصحيح البخاري 4/205 باب «و اللّه خلقكم و ما تعلمون» من كتاب التوحيد، و ج 1/13 و 19 مننه، و ج 3/53، و في صحيح مسلم 1/35 و 36 باب الأمر بالإيمان عن ابن عباس و غيره، و سنن النسائي 2/333، و مسند أحمد 3/318 و ج 5/136، و عبد القيس قبيلة من ربيعة كانت مواطنهم بتهامة، ثم انتقلوا الى البحرين و قدم وفدهم على الرسول في السنة التاسعة، و لفظه في ص 12 من الأموال لأبي عبيد: «و أن تؤدّوا خمس ما غنمتم» .

120

إن الرسول (ص) لمّا أمر وفد عبد القيس أن يعطوا الخمس من المغنم، لم يطلب اخراج خمس غنائم الحرب من قوم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الاشهر الحرم خوفا من المشركين من مضر، و إنّما قصد من المغنم معناه الحقيقي في لغة العرب و هو:

الفوز بالشي‏ء بلا مشقة، كما سبق تفسيره، أي: أن يعطوا خمس ما يربحون، أو لا أقلّ من انّه قصد معناه الحقيقي في الشرع و هو: «ما ظفر به من جهة العدى و غيرهم» .

و كذلك الأمر في ما ورد في كتب عهوده للوافدين إليه من القبائل العربية و في ما كتب لرسله إليهم، و ولاته عليهم مثل ما ورد في فتوح البلاذري، قال:

«لمّا بلغ أهل اليمن ظهور رسول اللّه و علوّ حقّه، أتته وفودهم، فكتب لهم كتابا بإقرارهم على ما أسلموا عليه من أموالهم و أراضيهم و ركازهم، فأسلموا، و وجّه إليهم رسله و عمّاله لتعريفهم شرائع الاسلام و سننه و قبض صدقاتهم و جزى رءوس من أقام على النصرانيّة و اليهودية و المجوسيّة» .

ثمّ ذكر هو و ابن هشام و الطبري و ابن كثير و اللفظ للبلاذري قال: كتب لعمرو ابن حزم حين بعثه إلى اليمن:

ب- «بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا بيان من اللّه و رسوله، يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) عهد من محمّد النبي رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن.

أمره بتقوى اللّه في أمره كلّه، و أن يأخذ من المغانم خمس اللّه، و ما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقى البعل و سقت السماء، و نصف العشر ممّا سقى الغرب» (2) .

البعل: ما سقي بعروقه، و الغرب: الدلو العظيمة.

ج- و مثل ما كتب لسعد هذيم من قضاعة، و إلى جذام كتابا واحدا يعلّمهم فرائض الصدقة و يأمرهم أن يدفعوا الصدقة و الخمس إلى رسوليه أبيّ و عنبسة أو من

____________

(1) سورة المائدة، الآية 1.

(2) فتوح البلدان 1/82 باب «اليمن» ، و سيرة ابن هشام 4/265-266، و الطبري 1/1727- 1729، و تاريخ ابن كثير 5/76، و كتاب الخراج لأبي يوسف ص 85 و اللفظ للأوّل. و هناك رواية أخرى أوردها الحاكم في المستدرك 1/395 و 396، و في كنز العمال 5/517.

و عمرو بن حزم أنصاري خزرجي شهد الخندق و ما بعدها، توفي سنة احدى او ثلاث او أربع و خمسين ه بالمدينة. اسد الغابة 4/99.

121

أرسلاه» (1) .

إن الرسول (ص) حين طلب من قبيلتي سعد و جذام أن تدفعا الصدقة و الخمس إلى رسوليه أو لمن يرسلاه إليه، لم يكن يطلب منهما خمس غنائم حرب خاضتاها مع الكفّار، و إنّما قصد ما استحق عليهما من الصدقة و خمس أرباحهما.

د- و كذلك ما كتب لمالك بن أحمر الجذامي، و لمن تبعه من المسلمين أمانا لهم ما أقاموا الصلاة و اتّبعوا المسلمين و جانبوا المشركين و أدّوا الخمس من المغنم و سهم الغارمين و سهم كذا و كذا، الكتاب‏ (2) .

هـ- و ما كتب للفجيع و من تبعه: «من محمّد النبيّ للفجيع و من تبعه و أسلم و أقام الصلاة و آتى الزكاة[و أطاع‏] (3) اللّه و رسوله، و أعطى من المغانم خمس اللّه، و نصر النبيّ و أصحابه، و أشهد على إسلامه، و فارق المشركين فإنّه آمن بأمان اللّه و أمان محمّد» (4) .

و- و ما كتب للأسبذيين:

«من محمّد النبيّ رسول اللّه لعباد اللّه الأسبذيّين ملوك عمان، من منهم بالبحرين أنّهم إن آمنوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أطاعوا اللّه و رسوله، و أعطوا حقّ النبيّ، و نسكوا نسك المسلمين فإنّهم آمنون و إنّ لهم ما أسلموا عليه، غير أنّ مال بيت النار ثنيا للّه و لرسوله، و أن عشور التمر صدقة و نصف عشور الحبّ، و أن للمسلمين

____________

(1) طبقات ابن سعد 1/270، و جذام: حي كبير من القحطانية، نسبهم بجمهرة ابن حزم ص 420- 421، و سعد هذيم من بطون قضاعة ينسبون الى قحطان، نسبهم بجمهرة ابن حزم ص 447 أما أبيّ و عنبسة ففي الصحابة عدد بهذين الاسمين، و لم يميز ابن سعد رسولي النبيّ بكنية أو لقب أو نسب لنعرفهما.

(2) بترجمة مالك من اسد الغابة 4/271، و الاصابة 3/7593، و لسان الميزان 3/20، و في الأخير ورد اسمه مبارك بدلا من مالك.

و مالك بن أحمر من جذام بن عدي، بطن من كهلان و كانت مساكنهم بين مدين إلى تبوك و لما أسلم مالك سأل الرسول أن يكتب له كتابا يدعو قومه إلى الإسلام، فكتب له في رقعة آدم عرضها أربعة أصابع و طولها قدر شبر.

(3) هكذا في أسد الغابة و رجح عندنا هذا على ما في طبقات ابن سعد: «و أعطى» .

(4) بطبقات ابن سعد 1/304-305، و أسد الغابة 4/175، و الإصابة 4/الترجمة 6960 و اللفظ للأول في ذكر وفد بني البكاء و هم بطن من بني عامر من العدنانية و الفجيع بن عبد اللّه البكائي. ترجمته في أسد الغابة و الإصابة و ذكرا وفادته إلى الرسول أيضا بترجمة بشر بن معاوية بن ثور البكائي. الإصابة 1/160.

122

نصرهم و نصحهم و أن لهم أرحاؤهم يطحنون بها ما شاءوا» (1) .

إنّ المقصود من حقّ النبيّ في هذا الكتاب هو الخمس وحده أو الخمس و الصفيّ معا، و قد سبق شرح الصفي.

ز- و كذلك المقصود من «حظ اللّه و حظّ الرسول» هو الخمس في ما كتب «لمن أسلم من حدس و لخم» و أقام الصلاة و أعطى الزكاة و أعطى حظّ اللّه و حظّ الرسول، و فارق المشركين فإنّه آمن بذمّة اللّه و ذمّة محمّد، و من رجع عن دينه فإنّ ذمّة اللّه و ذمّة رسوله منه بريئة... » (2) الكتاب.

ح- و في ما كتب لجنادة الأزدي و قومه و من تبعه: «ما أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أطاعوا اللّه و رسوله و أعطوا من المغانم خمس اللّه و سهم النبيّ و فارقوا المشركين فإنّ لهم ذمّة اللّه و ذمّة محمّد بن عبد اللّه» (3) .

ط- و في ما كتب لبني معاوية بن جرول الطائيين: «لمن أسلم منهم و أقام الصلاة و آتى الزكاة و أطاع اللّه و رسوله و أعطى من المغانم خمس اللّه و سهم النبيّ و فارق المشركين و أشهد على إسلامه أنّه آمن بأمان اللّه و رسوله و أنّ لهم ما أسلموا عليه» (4) .

و كتاب آخر لبني جوين الطائيين، أو أنّه رواية اخرى للكتاب الأوّل مع

____________

(1) مجموعة الوثائق السياسة لمحمد حميد اللّه نقلا عن الأموال لأبي عبيد ص 52، و صبح الأعشى للقلقشندي 6/380.

و الأسبذي نسبة إلى قرية بهجر كان يقال لها: الأسبذ، و ما قيل: إنّه نسبة إلى الأسبذيين الذين كانوا يعبدون الخيل لا يتفق و ما ورد في كتاب الرسول «لعباد اللّه الاسبذيين» فإنّ الرسول قد نسبهم إلى عبودية اللّه و هذا ينافي أن ينسبهم بعده إلى عبادة الخيل. راجع فتوح البلدان ص 95.

(2) طبقات ابن سعد 1/266. و حدس بن أريش بطن عظيم من لخم من القحطانية، و نسبهم بجمهرة ابن حزم ص 423.

(3) طبقات ابن سعد 1/270 باب ذكر بعثة رسول اللّه (ص) بكتبه، و في ترجمة جنادة بأسد الغابة 1/300 و راجع كنز العمال ط. الأولى ج 5/320.

و ذكروا لجنادة الأزدي أربع تراجم: 1-لجنادة بن أبي أميّة. 2-لجنادة بن مالك 3-لجنادة الأزدي، و هذا لم يذكروا اسم أبيه 4-جنادة غير منسوب، و أوردوا هذا الخبر بترجمة الأخير و لعل الأربعة شخص واحد. راجع أسد الغابة 1/298-300.

(4) طبقات ابن سعد 1/269.

123

اختلاف يسير في اللفظ (1) .

ي- و في ما كتب لجهينة بن زيد: «إنّ لكم بطون الأرض و سهولها و تلاع الأودية و ظهورها، على أن ترعوا نباتها و تشربوا ماءها، على أن تؤدّوا الخمس. و في التيعة و الصريمة، شاتان إذا اجتمعتا، فإن فرقتا فشاة شاة، ليس على أهل المثير صدقة... » (2) .

قال ابن الأثير في نهاية اللغة: «التيعة: اسم لأدنى ما يجب فيه الزكاة» . و «الصريمة: القطيع من الإبل و الغنم» .

و قال: «المراد بها-أي بالصريمة-في الحديث في مائة و إحدى و عشرين شاة إلى المائتين، إذا اجتمعت ففيها شاتان و إن كانت لرجلين و فرّق بينهما ففي كلّ واحدة منهما شاة» انتهى.

و أهل المثير: أهل بقر الحرث الذي يثير الأرض و ليس عليهم فيه صدقة.

ك- و قد ورد في بعض كتب الرسول (ص) ذكر «الصفي» بعد لفظ سهم النبيّ مثل ما ورد في كتابه لملوك حمير الآتي: «أمّا بعد، فانّ اللّه هداكم بهدايته إن أصلحتم و أطعتم اللّه و رسوله و أقمتم الصلاة و آتيتم الزكاة من المغانم، خمس اللّه و سهم النبيّ و صفيه و ما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة... » الكتاب‏ (3) .

____________

(1) طبقات ابن سعد 1/269.

و جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طي، نسبهم بجمهرة ابن حزم ص 400-401.

(2) روى هذا الكتاب محمد حميد اللّه في مجموعة الوثائق السياسية ص 142 رقم 157 عن جمع الجوامع للسيوطي.

و أورد بمادة «صرم» قسما من الكتاب كل من ابن الأثير في نهاية اللغة و ابن منظور في لسان العرب.

و جهينة بن زيد من قضاعة من القحطانية، نسبهم بجمهرة ابن حزم ص 444-446، و ذكرت المصادر الثلاثة الآنفة انّ الرسول كتب الكتاب مع عمرو بن مرة الجهني ثم الغطفاني و كنيته أبو مريم. وفد إلى النبيّ و شهد أكثر غزواته، و سكن الشام و أدرك حكومة معاوية أسد الغابة 4/130، و في الإصابة 3/16: انّه رجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا و وفدوا إلى رسول اللّه، و أنه توفي في خلافة معاوية.

(3) فتح البلدان 1/85، و في سيرة ابن هشام 4/258-259 بلفظ آخر، و كذلك في مستدرك الحاكم 1/395، و راجع تهذيب تاريخ ابن عساكر 6/273-274، و كنز العمال ط. الأولى 6/165، و ص 13 من الأموال لأبي عبيد.

124

ل- و ما ورد في كتابه لبني ثعلبة بن عامر: «من أسلم منهم و أقام الصلاة و آتى الزكاة و خمس المغنم و سهم النبيّ و الصفي فهو آمن بأمان اللّه» الكتاب‏ (1) .

م- و ما ورد في كتابه لبني زهير العكليين: «... إنّكم إن شهدتم أن لا إله إلاّ اللّه و أن محمّدا رسول اللّه و أقمتم الصلاة و آتيتم الزكاة و أدّيتم الخمس من المغنم و سهم النبي و سهم الصفي. أنتم آمنون بأمان اللّه و رسوله» ، الكتاب‏ (2) .

ن- و ما ورد في كتابه لبعض أفخاذ جهينة: «من أسلم منهم و أقام الصلاة و آتى الزكاة و أطاع اللّه و رسوله و أعطى من الغنائم الخمس و سهم النبي الصفي» (3) .

إنّ الصفي في هذه الكتب و يجمع على الصفايا، هو كل ما كانت خالصة لرسول اللّه من اموال و ضياع و عقار بالإضافة إلى سهمه من الخمس كما شرحناه سابقا.

و عدا ما أوردنا في ما سبق ورد ذكر الخمس أيضا في كتابين آخرين نسبا إلى رسول اللّه لم نعتمدهما لما ورد في الأوّل أنّه كتبه لعبد يغوث من بلحارث‏ (4) .

____________

قو حمير بطن عظيم من القحطانية من بني سبأ بن يشجب، سكنوا اليمن قبل الإسلام. ترجمتهم بجمهرة ابن حزم ص 432-438، و فدوا إلى النبي في السنة التاسعة للهجرة، و الكتاب إلى الحارث بن عبد كلال و النعمان من ملوك حمير.

(1) ورد الكتاب بترجمة صيفي بن عامر من الإصابة 2/189 الترجمة 4111، و أشار إليه بترجمته في كلّ من الاستيعاب بهامش الإصابة 2/186، و أسد الغابة 3/34 و وصفه ابن الأثير بسيد بني ثعلبة و بنو ثعلبة بن عامر بطن من بكر بن وائل من العدنانية و نسبهم بجمهرة ابن حزم ص 316 و ذكرت وفادة لبني ثعلبة على رسول اللّه في السنة الثامنة و لست أدري أ كان صيفي هذا فيهم أم لا؟راجع طبقات ابن سعد 1/298، و عيون الأثر 2/248.

(2) سنن ابي داود 2/55 باب ما جاء في سهم الصفي من كتاب الخراج، و طبعة دار إحياء السنة النبوية (د. ت) 3/153-154. و سنن النسائي 2/179، و طبقات ابن سعد 1/279، و مسند أحمد 5/77 و 78 و 363، و أسد الغابة 5/4 و 389، و الاستيعاب و اللفظ للأوّل، و في بعض الروايات: «أعطيتم من المغانم الخمس» و ص 13 من الأموال لأبي عبيد. و زهير بن أقيش في تاج العروس 4/280 حي من عكل، كتب لهم رسول اللّه، و في جمهرة ابن حزم ص 480: «بنو عكل بن عوف بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر» .

(3) طبقات ابن سعد 1/271.

(4) ذكره ابن سعد في الطبقات 1/268.

125

و لم يكن الرسول (ص) يكتب «لعبد يغوث» و يغوث اسم صنم، بل كان يغيّر أسماء كهذا مثل عبد العزّى الّذي بدّ له بعبد الرحمن، و عبد الحجر (1) . و عبد عمرو الأصمّ الّذي بدلهما بعبد اللّه‏ (2) .

و الكتاب الثاني قيل، إنّه كتبه لنهشل بن مالك الوائلي‏ (3) و قد بدأه فيه بلفظ «باسمك اللّهم» بدلا من بسم اللّه الرحمن الرحيم الّذي كان الرسول يبدأ به كتبه.

في ما مرّ من كتب و عهود عند ما كتب الرسول (ص) لسعد هذيم «أن يدفعوا الصدقة و الخمس إلى رسوليه أو من يرسلاه» لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم حرب اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحقّ في أموالهم من خمس و صدقة.

و كذلك في ما كتب لجهينة أن يشربوا ماء الأرض، و يرعوا أكلاءها على أن يؤدّوا الخمس و الصدقة، لم يشترط لدفع الخمس خوض الحرب و اكتساب الغنائم، بل جعل دفع الخمس و الصدقة شرطا للانتفاع من مرافق الأرض، أي علمهم الحكم الإسلامي في ما يكسبون.

و كذلك عند ما علّم وفد عبد القيس أن يدفعوا الخمس من المغنم ضمن تعليمهم جملا من الأمر أن عملوا بها دخلوا الجنّة لم يطلب منهم و هم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم خوفا من المشركين أن يدفعوا إليه خمس غنائم حرب يخوضونها ضد المشركين و ينتصرون فيها، بل طلب منهم دفع خمس أرباحهم.

و كذلك في ما كتب من عهد لعامله عمرو بن حزم أن يأخذ الصدقات و الخمس من قبائل اليمن، لم يعهد إليه أن يأخذ خمس غنائم حرب اشتركت القبائل فيها.

و كذلك في ما كتب لتلك القبائل أو غيرها أن يدفعوا الخمس، و ما كتب لغير عمرو بن حزم من عمّاله أن يأخذوا الخمس من القبائل.

____________

(1) راجع ترجمتهما بأسد الغابة.

(2) راجع طبقات ابن سعد 1/305.

(3) طبقات ابن سعد 1/248.

126

إنّ شأن الخمس في كل تلك الكتب و العهود شأن الصدقة فيها و هما حقّ اللّه في أموالهم حسبما فرضه اللّه فيها.

و يؤكّد ما ذكرناه من أنّ الخمس فيها ليس خمس غنائم الحرب و يوضحه انّ حكم الحرب في الاسلام يخالف ما كان عليه لدى القبائل العربية قبل الاسلام في ان يكون لكلّ مجموعة أو فرد الاختيار في الاغارة على غير أفراد القبيلة و غير حلفائها لنهب أموالهم كيف ما اتّفق، و أنّه عند ذاك يملك كلّ فرد ما نهب و سلب و حرب، و ما عليه سوى دفع المرباع للرئيس، ليس الأمر هكذا في الاسلام ليصحّ للنبيّ أن يطالبهم بالخمس بدل الربع في ما يثيرون من حرب على غيرهم لا، ليس لفرد مسلم في الاسلام و لا لجماعة اسلامية فيه أن يعلن الحرب على غير المسلم من تلقاء نفسه و يسلب و ينهب كما يشاء و يقدر!و انّما الحاكم الاسلامي هو الّذي يقدّر ذلك و يقرّر وفق قوانين الشرع الإسلامي، و الفرد المسلم ينفّذ قراره، ثم إنّ الحاكم الإسلامي-بعد ذلك-أو نائبه هما اللّذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب، و لا يملك أحد الغزاة عدا سلب القتيل شيئا مما سلب، و إنّما يأتي كلّ غاز بما سلب إليهما، و إلاّ عدّ من الغلول العار على أهله، و شنار و نار يوم القيامة.

و الحاكم الإسلامي هو الّذي يعيّن-بعد إخراج الخمس-للراجل سهمه و للفارس سهمه، و يرضخ للمرأة، و قد يشرك الغائب عن الحرب في الغنيمة و يعطي للمؤلفة قلوبهم أضعاف سهم المؤمن المجاهد.

و إذا كان إعلان الحرب و إخراج خمس غنائم الحرب على عهد النبيّ من شئون النبيّ في هذه الأمّة فما ذا يعني طلبه الخمس من الناس و تأكيده ذلك في كتاب بعد كتاب و عهد بعد عهد إن لم يكن الخمس في تلك الكتب و العهود مثل الصدقة مما يجب في أموال المخاطبين و ليس خاصّا بغنائم الحرب.

و على هذا فلا بدّ إذا من حمل لفظ الغنائم و المغنم في تلك الكتب و العهود على معناهما اللغوي: «الفوز بالشي‏ء بلا مشقّة» ، أو معناهما الشرعي: «ما ظفر به من جهة العدى و غيره» . ـ

127

أضف الى هذا ما ذكرناه بتفسير الغنيمة في أوّل البحث من أنّ الغنيمة أصبحت حقيقة في غنائم الحرب في المجتمع الإسلامي بعد تدوين اللغة لا قبله. و لا يصحّ مع هذا، حمل ما ورد في حديث الرسول على ما تعارف عليه الناس قرابة قرنين بعده، و أمّا ما ورد في بعض تلك الكتب و العهود بلفظ «حظّ اللّه و حظّ الرسول» ، أو «حقّ النبي» ، أو «سهم النبيّ» و ما شابهها، فإن تفسيرها في الآية الكريمة وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ... و في السنّة النبوية الّتي تبين هذه الآية و تشرحها حيث تعيّنان سهم اللّه و سهم النبيّ في «المغنم» و هو الخمس و هو أيضا حقّهما و حظهما.

و بعد ما ثبت ممّا أوردناه في ما سبق أن النبيّ كان يأخذ الخمس من غنائم الحرب و من غير غنائم الحرب، و يطلب ممّن أسلم أن يؤدي الخمس من كلّ ما غنم عدا ما فرض فيه الصدقة، بعد هذا نبحث في ما يلي عن مواضع الخمس.

مواضع الخمس في الكتاب و السنة:

{h9~{h9في القرآن الكريم: h9}~h9}

نصّت آية الخمس على أنّ الخمس للّه و لرسوله و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل.

فمن هم (ذي القربى) في الآية؟و من هم من ذكروا بعده؟ {h10~{h10أ-ذو القربى‏h10}~h10}

إنّ شأن ذي القربى، و القربى، و اولي القربى، في الكلام شأن الوالدين فيه فكما أنّ «الوالدين» أين ما ورد في الكلام قصد منه والدا المذكورين قبله ظاهرا أو مضمرا أو مقدّرا، كذلك القربى و أولوه و ذووه فمثال المذكور منها ظاهرا قبله في القرآن الكريم قوله تعالى: مََا كََانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كََانُوا أُولِي قُرْبى‏ََ التوبة/113.

فالمراد من «اولي قربى» هنا أولو القربى النبيّ و المؤمنين المذكورين ظاهرا قبل «أولي القربى» .

128

و مثال المذكور مضمرا قوله تعالى: وَ إِذََا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كََانَ ذََا قُرْبى‏ََ الأنعام/152، و المراد من ذي القربى هنا قربى مرجع الضمير في «قلتم» و «اعدلوا» .

و مثال المذكور مقدّرا قوله تعالى: وَ إِذََا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى‏ََ النّساء 8. و المراد قربى الميّت المقدّر ذكره في ما سبق من الآية، و كذلك شأن سائر ما ورد فيه ذكر ذي القربى و اولي القربى في القرآن الكريم.

و قد جمع اللّه في الذكر بين الوالدين و ذي القربى في مكانين منهما، قال سبحانه:

وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً وَ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ البقرة/83، وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً وَ بِذِي اَلْقُرْبى‏ََ النساء/36.

في الآية الأولى قصد والدا بني إسرائيل و ذوو قرباهم و المذكورين ظاهرا قبلهما، و في الآية الثانية قصد والدا مرجع الضمير و ذووه في «و اعبدوا» و «و لا تشركوا» و هم المؤمنون من هذه الأمّة.

و إذا ثبت هذا فنقول: لمّا قال اللّه سبحانه في آية الخمس: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ... فلا بدّ أن يكون المراد من «ذي القربى» هنا ذا قربى الرسول المذكور قبله بلا فاصلة بينهما، و إن لم يكن هذا فذا قربى من قصد اللّه في هذا المكان!؟ و كذلك المقصود من ذي القربى في قوله تعالى: مََا أَفََاءَ اَللََّهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ََ فَلِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ... (1) هم قربى الرسول و هو الاسم الظاهر المذكور قبله.

و كذلك المقصود من القربى في قوله تعالى‏ قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ (2) هم قربى ضمير فاعل «أسألكم» و هو الرسول‏ (3) .

____________

(1) سورة الحشر/7.

(2) سورة الشورى/23.

(3) قد يرى العلماء من بعدنا في بحثنا هذا عن ذي القربى و نظائرها توضيحا للواضحات التي لا ينبغي صرف الوقت في شرحها و لا يعلمون ما وجدنا في عصرنا و في أقوال نابتة عصرنا من انحراف بعيد عن فهم مصطلحات الاسلام و عقائده و أحكامه فالجأنا ذلك الى امثال هذا الشرح و البسط.

129

{h10~{h10ب-اليتيم‏h10}~h10}

اليتيم هو الّذي مات أبوه و هو صغير قبل البلوغ.

{h10~{h10ج-المسكين‏h10}~h10}

المسكين هو المحتاج الذي تسكنه الحاجة عمّا ينهض به الغنيّ.

{h10~{h10د-ابن السبيل‏h10}~h10}

ابن السبيل هو المسافر المنقطع به في سفره‏ (1) .

و يدلّ سياق آية الخمس على أنّ المقصود يتامى أقرباء الرسول و مساكينهم و أبناء سبيلهم. و أنّ شأن هذه الألفاظ في الآية، شأن «ذي القربى» المذكور قبلها.

ثمّ إنّ اللّه تعالى قد جعل للمسكين و ابن السبيل-من غير بني هاشم-سهما في الصدقات عند ما عيّن مورد الصدقة في قوله تعالى: إِنَّمَا اَلصَّدَقََاتُ لِلْفُقَرََاءِ وَ اَلْمَسََاكِينِ... وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ... التوبة/60.

و من كان منهما من بني هاشم فقد حرمت عليه الصدقة و أبدله اللّه عنها سهما في الخمس.

{h9~{h9مواضع الخمس في السنّة و لدى المسلمين: h9}~h9}

كان يقسّم، -الخمس-على ستّة: للّه و للرسول سهمان و سهم لا قاربه حتّى قبض‏ (2) .

و عن أبي العالية الرياحي: كان رسول اللّه يؤتى بالغنيمة فيقسّمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفّه فيجعله للكعبة و هو سهم اللّه، ثمّ يقسّم ما بقى على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول و سهم لذي القربى و سهم لليتامى و سهم للمساكين و سهم لابن السبيل.

____________

(1) راجع تفسير آية الخمس بمجمع البيان و مادة «سبل» من مفردات الراغب.

(2) تفسير النيشابوري بهامش الطبري ج 10/4.

130

قال: و الذي جعله للكعبة هو سهم اللّه‏ (1) .

تصرّح هاتان الروايتان أنّ الخمس كان يقسّم ستة أسهم و هذا هو الصواب لموافقته لنصّ آية الخمس. و ما في رواية أبي العالية بأنّ الرسول كان يجعل سهم اللّه للكعبة، لعلّه وقع ذلك مرّة واحدة، و أرى الصواب في ذلك ما رواه عطاء بن أبي رباح قال: «خمس اللّه و خمس رسوله واحد و كان رسول اللّه يحمل منه و يعطي منه و يضعه حيث شاء و يصنع به ما شاء» (2) .

و مثلها ما رواه ابن جريج قال: «... أربعة أخماس لمن حضر البأس و الخمس الباقي للّه و لرسوله خمسه يضعه حيث شاء و خمس لذوي القربى-الحديث» (3) .

الصواب في رواية أبي العالية و ابن جريج ما ورد فيهما أنّ أمر سهم اللّه و سهم رسوله من الخمس كان إلى رسول اللّه (ص) يحمل منهما و يعطي منهما و يضعهما حيث شاء و يصنع بهما ما شاء. أمّا ما يفهم من الروايتين أنّ «سهم اللّه و سهم الرسول واحد» فإنّه يخالف ظاهر آية الخمس حيث قسم اللّه فيها الخمس إلى ستة أسهم، إلاّ إذا قصدوا أنّ أمر السهمين واحد و لم يقصدوا أن السهمين سهم واحد.

و كذلك لا يستقيم ما رواه قتادة إذ قال: كان نبيّ اللّه إذا غنم غنيمة جعلت أخماسا فكان خمس للّه و لرسوله و يقسّم المسلمون ما بقي و كان الخمس الذي جعل للّه و لرسوله، لرسوله و لذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل. فكان هذا الخمس خمسة أخماس، خمس للّه و لرسوله. الحديث‏ (4) .

____________

(1) الأموال لابي عبيد ص 325 و ص 14 و تفسير الطبري ج 10/4، و أحكام القرآن للجصاص ج 3/60، و في ص 61 منه بإيجاز، و اللفظ للأوّل.

و أبو العالية الرياحي هو رفيع بن مهران مات سنة تسعين أو بعدها، أخرج حديثه أصحاب الصحاح.

تهذيب التهذيب 1/252.

(2) الأموال لأبي عبيد ص 14.

و عطاء ابن أبي رباح و اسم أبي رباح أسلم المكي مولى قريش، أخرج حديثه أصحاب الصحاح. مات سنة 114 ه، تهذيب التهذيب 2/22.

(3) تفسير الطبري ج 10/5 بسندين.

و ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي مولى بني أميّة، أخرج حديثه أصحاب الصحاح. توفي سنة 150 ه أو بعدها. تهذيب التهذيب 1/520.

(4) تفسير الطبري ج 10/4.

131

و يظهر من رواية ابن عباس في تفسير الطبري أنّ جعل السهمين سهما واحدا كان بعد النبي قال: «جعل سهم اللّه و سهم الرسول واحدا، و لذي القربى فجعل هذان السهمان في الخيل و السلاح» (1) .

و روى الطبر ي- أيضا-عن مجاهد أنّه قال: كان آل محمّد (ص) لا تحلّ لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس‏ (2) .

و قال: قد علم اللّه أنّ في بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة (3) .

و قال: هؤلاء قرابة رسول اللّه (ص) الذين لا تحلّ لهم الصدقة (4) .

و قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أ ما قرأت في الأنفال: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ الآية.

قال: نعم، قال: فإنّكم لأنتم هم؟ قال: نعم‏ (5) .

كان هذا تفسير لفظ «ذي القربى» الوارد في آية الخمس و غيرها. أمّا اليتامى و المساكين، فقد قال النيسابوري في تفسير الآية: روي عن علي بن الحسين (ع) أنّه قيل له: إنّ اللّه تعالى قال: وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ . فقال: ايتامنا و مساكيننا (6) .

و روى الطبري عن منهال بن عمرو قال سألت عبد اللّه بن محمّد بن علي، (7)

____________

قو قتادة بن دعامة الدوسي أبو الخطاب البصري، أخرج حديثه أصحاب الصحاح مات سنة بضع عشرة و مائة. تهذيب التهذيب 2/123.

(1) تفسير الطبري ج 10/6.

(2) تفسير الطبري ج 10/5.

(3) تفسير الطبري ج 10/5.

(4) تفسير الطبري ج 10/5.

(5) تفسير الطبري ج 10/5.

(6) تفسير النيسابوري بهامش الطبري، و تفسير الطبري ج 10/7.

و الإمام علي بن الحسين زين العابدين توفي سنة 94 ه، أخرج حديثه اصحاب الصحاح تهذيب التهذيب 2/34.

(7) و المنهال بن عمرو الأسدي-مولاهم-الكوفي من الطبقة الخامسة، أخرج حديثه أصحاب الصحاح عدا مسلم. تهذيب التهذيب 2/278.

و عبد اللّه بن محمد بن علي بن أبي طالب توفي في الشام سنة 199 ه، أخرج حديثه أصحاب الصحاح.

تهذيب التهذيب 2/448.

132

و علي بن الحسين عن الخمس فقالا: هو لنا.

فقلت لعلي: إنّ اللّه يقول: وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ .

فقالا: يتامانا و مساكيننا (1) .

إلى هنا اعتمدنا كتب الحديث و السيرة و التفسير لدى مدرسة الخلفاء في ما أوردناه من أمر الخمس، و في ما يلي مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت.

مواضع الخمس لدى مدرسة اهل البيت:

تواترت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّ الخمس يقسّم على ستّة أسهم: سهم منه للّه، و سهم منه لرسوله، و سهم لذي القربى، و سهم ذي القربى في عصر الرسول لأهل البيت خاصّة و من بعده لهم، ثمّ لسائر الأئمة الاثني عشر من أهل البيت، و أنّ السهام الثلاثة للّه و لرسوله و لذي القربي للعنوان، و أنّ سهم اللّه لرسوله يضعه حيث يشاء، و ما كان للنبيّ من سهمه و سهم اللّه يكون من بعده للإمام القائم مقامه، فنصف الخمس في هذه العصور كملا لإمام العصر، سهمان له بالوراثة و سهم مقسوم له من اللّه تعالى و هو سهم ذي القربى، و أنّ هذه الأسهم الثلاثة لإمام العصر من حيث إمامته، و الأسهم الثلاثة الأخرى سهم لأيتام بني هاشم و سهم لمساكينهم و سهم لأبناء سبيلهم، و هؤلاء هم قرابة النبيّ الّذين ذكرهم اللّه في قوله‏ وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ .

و هم بنو عبد المطّلب، الذكر منهم و الانثى، و هم غير أهل بيت النبيّ. و ملاك الاستحقاق في الطوائف الثلاث امران:

أ- قرابتهم من رسول اللّه.

ب- افتقارهم إلى الخمس في مئونتهم، خلافا لأصحاب السهام الثلاثة الاول الّذين كانوا يستحقّونها بالعنوان.

و يقسّم نصف الخمس على الطوائف الثلاث من بني هاشم على الكفاف و السعة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شي‏ء فللوالي. و إن عجز أو نقص عن استغنائهم فإنّ على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، و إنّما صار عليه أن

____________

(1) الطبري ج 10/7.

133

يموّلهم لأنّ له ما فضل عنهم.

و يعتبر في الطوائف الثلاث انتسابهم إلى عبد المطّلب بالابوّة، فلو انتسبوا بالامّ خاصّة لم يعطوا من الخمس شيئا و تحلّ لهم الصدقات لأنّ اللّه يقول: اُدْعُوهُمْ لِآبََائِهِمْ .

و روي عن الإمام الصادق: أن المطّلبي يشارك الهاشمي في سهام الخمس ففي الحديث المرويّ عنه: «لو كان العدل ما احتاج هاشميّ و لا مطّلبي إلى صدقة، أنّ اللّه عزّ و جلّ جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم، ثمّ قال: إنّ الرجل إذا لم يجد شيئا حلّت له الميتة، و الصدقة لا تحلّ لأحد منهم إلاّ ألاّ يجد شيئا و يكون ممّن حلّت له الميتة» .

و إنّ ما قبضه واحد من افراد الطوائف الثلاث من باب الخمس و تملّكه، يصح بعد وفاته كغيره ممّا تركه ينتقل إلى وارثه، و كذلك ما كان قد قبضه النبيّ أو الإمام الماضي من الأسهم الثلاثة و تملّكه ينتقل بعد وفاته إلى وارثه على حسب ما تقتضيه آية المواريث لا آية الخمس‏ (1) .

رواية واحدة تبين موضع الخمس في عصر الرسول:

في سنن أبي داود و مسند أحمد و تفسير الطبري و سنن النسائي و صحيح البخاري، و اللفظ للأوّل في باب مواضع قسم الخمس و سهم ذي القربى من كتاب الخراج، عن جبير بن مطعم، قال:

لمّا كان يوم خيبر وضع رسول اللّه (ص) سهم ذي القربى في بني هاشم و بني المطلب، و ترك بني نوفل و بني عبد شمس فانطلقت أنا و عثمان بن عفّان حتى أتينا النبي (ص) فقلنا: يا رسول اللّه!هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الّذي وضعك اللّه به منهم، فما بال إخوان بني المطلب أعطيتهم و تركتنا و قرابتنا واحدة، فقال رسول اللّه (ص) :

«أنا و بني المطّلب لا نفترق-و في رواية النسائي: إن بني المطلب لم يفارقوني-في جاهلية و لا إسلام و إنّما نحن و هم شي‏ء واحد» و شبّك بين أصابعه‏ (2) .

____________

(1) رجعت في هذا البحث الى مصباح الفقيه للهمداني، كتاب الخمس ص 144-150، و أوجزت متون الأحاديث التي استشهد بها و أوردته هنا بالإضافة إلى رجوعي إلى الموسوعات الحديثية الأخرى.

(2) رواه أبو داود في سننه ج 2/50، و الطبري في تفسيره 10/50، و أحمد في مسنده 4/81، و يختلف‏

134

و في رواية أخرى بمسند أحمد انّ ذلك كان في غزوة حنين‏ (1) .

و في رواية ثالثة بسنن أبي داود و سنن النسائي و مسند أحمد لم تعيّن فيها الغزوة (2) .

و سبب قول عثمان و جبير لرسول اللّه ما قالا، و جوابه ايّاهما بما مرّ، ان عبد مناف ولد بنين أربعة:

أ- هاشم و اسمه عمرو.

ب- المطّلب.

ج- عبد شمس.

د- نوفل‏ (3) .

و اجمعت بنو هاشم و بنو المطلب على نصرة رسول اللّه، و حاربتهم قريش جميعا و كتبت عليهم صحيفة بمقاطعتهم، فدخلوا جميعا شعب أبي طالب و مكثوا فيه سنيّ المقاطعة خلافا لبني عبد شمس و بني نوفل الذين شاركوا قريشا في أمرهم، و في ذلك يقول ابن أبي الحديد:

و كان ممّا بطّأ ببني نوفل عن الاسلام ابطاء اخوتهم من بني عبد شمس، فلم يصحب النبي منهم أحد، و لا شهد مشاهده الكريمة خلافا لبني المطلب، فقد حثهم على الإسلام فضل محبتهم لبني هاشم لأنّ امر النبي كان بينا، و إنّما كان يمنع عنه الحسد و البغض، و من لم يكن فيه هذه العلة؛ لم يكن له دون الإسلام مانع و شهد بدرا من بني المطلب بنو الحارث بن المطّلب كلّهم: عبيدة و طفيل و حصين، و مسطح بن اثاثة بن عباد بن المطلّب، و قال أبو طالب لمطعم بن عدى بن نوفل في أمر النبي لمّا تمالأت عليه قريش:

____________

قلفظهم عن لفظ البخاري في صحيحه 3/36 باب غزوة خيبر، و عن لفظ النسائي في سننه 2/178، و باب قسمة الخمس من كتاب الجهاد في سنن ابن ماجة ص 961 و الواقدي، في مغازيه ص 696، و فيه: إنّ ذلك كان بإشارة جبرئيل، و أبي عبيد في الأموال ص 331.

و جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف و أم أمه أم حبيب بنت العاص بن أميّة و كان أبوه أحد من قام بنقض صحيفة المقاطعة. أسلم بعد الحديبية أو بعد الفتح. أسد الغابة 1/281.

(1) مسند أحمد 4/85.

(2) سنن أبي داود 2/51-52، و سنن النسائي، 2/178، و مسند أحمد 4/83.

(3) راجع الجمهرة لابن حزم ص 14.

135

جزى اللّه عنّا عبد شمس و نوفلا # جزاء مسي‏ء عاجلا غير آجل‏

الأبيات-انتهى‏ (1) .

ذكر الراوي في هذا الحديث و هو جبير بن مطعم أنّ الرسول (ص) وضع «سهم ذي القربى» في بني هاشم و بني المطلب، و نحن نرى انّ الذي شاهده الراوي في هذا الخبر، هو أنّ الرسول دفع إلى هؤلاء من سهام الخمس و لم يدفع منها إلى بني أميّة و بني نوفل.

أمّا تشخيص السهم الذي دفع الرسول منه إلى هؤلاء، فهذا ما ذكره الراوي من عند نفسه و لم يرو أنّ الرسول قال ذلك. و من الجائز أنّ الرسول قد أعطى بعض أولئك من سهم اللّه و سهم رسوله، فانّ الرسول كان يضعها حيث يشاء كما سبق ذكره، و أنّه أعطى بعضهم من سهم المساكين فإنّ الصدقة كانت محرّمة على فقرائهم كما يأتي بيانه في ما يلي.

تحريم الصدقة على الرسول و ذوي قرباه‏

إنّ الاحاديث في ذلك كثيرة، منها ما رواه مسلم في صحيحه: أنّ النبيّ (ص) كان إذا أتي بطعام سأل عنه فإن قيل هدية أكل منها و إن قيل صدقة لم يأكل منها (2) .

و منها ما رواه مسلم و البخاري في صحيحيهما، و أبو داود و الدارمي في السنن:

____________

(1) أوردناه باختصار من شرح النهج 3/486، و عبيدة «عبيد في المتن محرف» و طفيل و حصين أمهم سخيلة بنت خزاعي الثقفي، أسلم عبيدة قبل دخول النبي دار الأرقم، و كان أسن من النبيّ بعشر سنين و هاجر مع أخوته و ابن عمهم مسطح إلى المدينة في وقت واحد. و في ربيع الأوّل من السنة الأولى للهجرة، عقد له رسول اللّه أول لواء عقد و بعثه في ستين راكبا من المهاجرين فالتقوا بالمشركين و رئيسهم أبو سفيان بثنية المرة. و بارز عبيدة عتبة الأموي ببدر فاختلفا ضربتين أثبت كلّ منهما صاحبه فذفف علي و حمزة على عتبة و حملا عبيدة إلى رسول اللّه فوضع رأسه على ركبته، و توفي بالصفراء مرجعهم من بدر و عمره ثلاث و ستون سنة-أسد الغابة 3/356، و توفي الطفيل سنة إحدى أو اثنتين و ثلاثين، و توفى أخوه الحصين بعده بأربعة اشهر. أسد الغابة 3/52.

روى ابن الأثير بترجمة الحصين في أسد الغابة 3/24 عن ابن عباس أن قوله تعالى‏ فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ الآية 110 من سورة الكهف نزلت في علي و حمزة و جعفر و عبيدة و الطفيل و الحصين بني الحارث و مسطح ابن أثاثة بن عباد بن المطلب.

و مسطح أمّه ابنة أبي رهم بن المطلب، و أمّ أمّه رائطة بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر. قيل توفي سنة أربع و ثلاثين و قيل شهد صفين مع علي و توفي سنة 37. اسد الغابة 4/354.

(2) صحيح مسلم 3/121 باب قبول النبيّ الهدية و رده الصدقة، و مجمع الزوائد 3/90.

136

إنّ النبيّ مرّ بتمرة بالطريق فقال: «لو لا أن تكون من الصدقة لأكلتها» و أنّ الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول اللّه: كخ كخ إرم بها، أ ما علمت أنا لا نأكل الصدقة.

و في رواية «أنا لا تحلّ لنا الصدقة» (1) .

و كان الرسول (ص) يأبى أن يستعمل بني هاشم على الصدقات، فينتفعوا من سهم العاملين عليها كما رواه مسلم و أحمد و أبو داود و النسائي و الترمذي و أبو عبيد و غيرهم و اللفظ للأوّل، قال:

اجتمع ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، و العباس بن عبد المطّلب، فقالا:

و اللّه لو بعثنا هذين الغلامين «لعبد المطّلب بن ربيعة (2) و الفضل بن عبّاس» إلى رسول اللّه (ص) فكلّماه فأمّرهما على هذه الصدقات، فأدّيا ما يؤدّي الناس، و أصابا ممّا يصيب الناس. قال: فبينا هما في ذلك جاء عليّ بن أبي طالب فوقف عليهما فذكرا له ذلك فقال عليّ بن أبي طالب: لا تفعلا فو اللّه ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: و اللّه ما تصنع هذا إلاّ نفاسة منك علينا، فو اللّه لقد نلت صهر رسول اللّه (ص) فما نفسناه عليك، قال عليّ: أرسلوهما فانطلقا و اضطجع عليّ.

و في رواية: فألقى عليّ رداءه ثم اضطجع عليه و قال: أنا أبو الحسن القرم، و اللّه لا أريم مكاني حتّى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به.

قال عبد المطّلب: فلمّا صلّى رسول اللّه (ص) الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثمّ قال: «أخرجا ما تصرّران» ، ثمّ دخل و دخلنا عليه و هو يومئذ عند زينب بنت جحش، قال: فتواكلنا الكلام ثمّ تكلّم أحدنا فقال: يا رسول اللّه!أنت أبرّ الناس و أوصل الناس و قد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمّرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدّي إليك كما يؤدّي الناس، و نصيب كما يصيبوا، قال: فسكت

____________

(1) صحيح البخاري 1/181 باب ما يذكر في الصدقة للنبي من كتاب الزكاة، و صحيح مسلم 3/117 باب تحريم الزكاة على رسول اللّه و على آله، و سنن أبي داود 1/212 باب الصدقة على بني هاشم من كتاب الزكاة، و سنن الدارمي 1/383 باب الصدقة لا تحل للنبي و لا لأهل بيته، و راجع ص 373 منه، و مجمع الزوائد 3/89، و دعائم الاسلام ص 246، و البحار 96/76 باب حرمة الزكاة على بني هاشم.

(2) روى مسلم في هذا الباب من صحيحه روايتين في هذا الامر ورد في الاولى منهما خطأ اسم «نوفل بن الحارث» بدلا من «عبد المطلب بن ربيعة» و التصويب من الرواية الثانية.

137

طويلا حتّى أردنا أن نكلّمه-و جعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلّماه-ثمّ قال: «إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمّد، انّما هي أوساخ الناس، ادعوا الي محميّة-و كان على الخمس-و نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب» قال: فجاءاه، فقال لمحميّة: «أنكح هذا الغلام ابنتك» . للفضل بن عبّاس، و قال لنوفل بن الحارث:

أنكح هذا الغلام ابنتك» . لي، فأنكحني، و قال لمحميّة: أصدق عنهما من الخمس كذا و كذا (1) .

هكذا أبى الرسول أن يستعمل واحدا من بني هاشم على الصدقات. و من ثمّ نعرف خطأ من توهم أنّ الرسول بعث عليّا إلى اليمن مصدّقا، و الصواب ما قاله ابن قيّم الجوزية (2) في: «فصل في أمرائه» من كتاب زاد المعاد قال: «و ولى علي بن أبي طالب الأخماس باليمن و القضاء بها» .

____________

(1) صحيح مسلم 3/118، باب تحريم الزكاة على آل النبي، و مسند أحمد 4/166، و سنن النسائي 1/365 باب استعمال آل النبي، و سنن أبي داود 2/52 كتاب الخراج و الإمارة باب في بيان مواضع قسم الخمس و سهم ذي القربى ح 2985، و ط دار إحياء السنّة النبويّة 3/147-148؛ و الأموال لأبي عبيد ص 329، و مجمع الزوائد 3/91، و في ترجمة عبد المطّلب ابن ربيعة و نوفل بن الحارث و محمية بأسد الغابة، و في تفسير العياشي 2/93، و مغازي الواقدي ص 696.

و ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان أسن من عمه العباس، و شريك عثمان في التجارة و أعطاه الرسول من خيبر مائة وسق. توفي بالمدينة سنة 23. أسد الغابة 2/66.

و ابنه عبد المطلب توفي بدمشق سنة 61 هـ. أسد الغابة 3/331.

و الفضل بن عباس، كان اكبر ولد أبيه، شهد غسل النبي اختلفوا في سنة وفاته و مكان وفاته في اليرموك أو عمواس أو يوم مرج الصفر. أسد الغابة 4/183، اخرج له اصحاب الصحاح الستة 24 حديثا، تقريب التهذيب 2/110، و جوامع السيرة ص 282.

و نوفل بن الحارث آخى الرسول بينه و بين العباس و كانا شريكين في الجاهلية. توفي بالمدينة سنة خمس عشرة. أسد الغابة 5/46.

و محمية بن جزء بن عبد يغوث الزبيدي، كان قديم الإسلام شهد غزوة المريسيع. اسد الغابة 4/234.

تفسير الألفاظ من النووي شارح صحيح مسلم:

فانتحاه ربيعة: اي عرض له و قصده. و ما تصرران: اي تجمعانه في صدريكما من الكلام و كل شي‏ء جمعته فقد صررته. و تواكلنا: أي وكل أحدنا الكلام إلى صاحبه. و: ألمع و لمع أشار بثوبه أو بيده. القرم:

السيد و قصد منه المقدم في معرفة الامور و بحور ما بعثتما به: أي بجوابه.

(2) شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية 691-751 ه من تآليفه «زاد المعاد في هدى خير العباد» رجعنا الى ط. الحلبي بمصر سنة 1390 ه، ج 1/47.

138

و قال قبله في: «فصل في كتبه و رسله (ص) إلى الملوك» : و بعث أبا موسى الأشعري و معاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك و قيل: بل سنة عشر من ربيع الأوّل داعيين إلى الإسلام، فأسلم عامّة أهلها طوعا من غير قتال. ثمّ بعث بعد ذلك عليّ بن أبي طالب إليهم و وافاهم بمكّة في حجّة الوداع‏ (1) .

و لعلّ سبب الوهم عند بعضهم ما أصبح بعد الرسول و بعد إسقاط الخلفاء فريضة الخمس كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى، فإنّه لم يبق ما يجبي من المسلمين غير الصدقات الواجبة، فحسب أولئك عصر الرسول مثل عصورهم و من هنا نشأ الوهم عندهم أنّ الرسول بعث عليّا مصدّقا و قد فاتهم أنّ الرسول كان يمنع مولاه من مشاركة المصدّق في عمله فكيف بابن عمه و أبي عترته؟ كما رواه أبو داود و النسائي و الترمذي في سننهم، قالوا:

إنّ النبيّ بعث رجلا على الصدقة من بني مخزوم-قال الترمذي: اسمه الأرقم ابن أبي الأرقم-فقال لأبي رافع: أصحبني كي ما تصيب منها.

قال: لا حتّى آتي رسول اللّه فأسأله.

فانطلق إلى النبيّ فسأله فقال: مولى القوم من أنفسهم و إنّا «لا تحلّ لنا الصدقة» (2) .

كذا منع النبيّ أبا رافع أن يصاحب المصدّق فيصيب من سهم العاملين على الصدقة لأنّه مولاه، و كذلك فعل أئمة أهل البيت بعد الرسول فإنّهم امتنعوا من أخذها و منعوا بني هاشم كافّة عنها.

في دعائم الاسلام: أنّ الإمام جعفر بن محمّد الصادق لمّا قيل له: فإذا منعتم الخمس هل تحلّ لكم الصدقة؟ قال: لا، و اللّه ما يحلّ لنا ما حرّم اللّه علينا بغصب الظالمين حقّنا، و ليس

____________

(1) زاد المعاد 1/46، و راجع سنن أبي داود كتاب الأقضية، باب كيف القضاء 3/127.

(2) سنن أبي داود 1/212 باب «الصدقة على بني هاشم» من كتاب الزكاة، و النسائي 1/366 باب «مولى القوم منهم» من كتاب الزكاة، و الترمذي 3/159 باب «ما جاء في كراهية الصدقة للنبي و أهل بيته و مواليه» من كتاب الزكاة، و مجمع الزوائد 3/90-91، و كنز العمال 6/252-256، و أمالي الطوسي 2/17، و البحار 96/57، و في ألفاظ رواياتهم بعض الاختلاف. و سنن البيهقي 7/32.

و أبو الأرقم، اسمه عبد مناف، و كان الأرقم من السابقين إلى الإسلام و استخفى الرسول في بيته بأصل الصفا بمكة حتى كملوا أربعين رجلا، شهد بدرا و ما بعدها و توفي بالمدينة سنة خمس و خمسين و دفن بالبقيع. اسد الغاربة 1/59-60.

139

منعهم إيّانا ما أحلّ اللّه لنا بمحلّ لنا ما حرّم اللّه علينا (1) .

و في الخصال عن الصادق عن أبيه (ع) قال: لا تحلّ الصدقة لبني هاشم إلاّ في وجهين: ان كانوا عطاشي و أصابوا ماء شربوا، و صدقة بعضهم على بعض‏ (2) .

و من هنا نعرف انّ ما كان يقبله أئمة أهل البيت ممّا يدفعه إليهم حكّام عصورهم من أموال بيت المال، كان من باب بعض حقّهم في الفي‏ء و الأنفال، و جزي رءوس أهل الذمّة، و خمس غنائم الفتوح، و ليس من باب الصدقات الواجبة كما توهّمه البعض.

أمّا المياه المسبلة للشرب، فجلّها من باب الأوقاف التي أوقفها أصحابها لانتفاع عامّة المسلمين. و شأنها في ذلك، شأن المنازل المشيّدة في طرق المسلمين و مساجدهم، فهي و إن كان أصحابها قد تقرّبوا إلى اللّه بإنفاقها في سبيله و بهذه المناسبة قد تسمّى بالصدقات، غير أنّها ليست من باب الصدقات على الأفراد موضوع البحث كي لا يصحّ-لغير الفقير من غير بني هاشم-الانتفاع بها بل هي لانتفاع المسلمين كافة سواء فيها الفقير و الغني و الأمير و السوقة و الهاشميّ و غيره، فهي لهذا خارجة عن موضوع البحث.

إلى هنا ذكرنا ما وجدنا في مصادر الدراسات الإسلامية من أمر الخمس، و أصحاب سهامه في عصر الرسول، و حرمة الصدقة على بني هاشم و مواليهم و امتناعهم عنها في عصره و من بعده. أمّا ما فعل الخلفاء في فريضة الخمس و كيفية اجتهادهم فيه و في حقّ ابنة الرسول خاصّة فيلزمنا أيضا لفهمها درس ما خلّفه الرسول من ضياع و عقار، ثمّ درس ما جرى عليها من قبل الخلفاء، و شكوى فاطمة منهم في أمرها و في أمر الخمس، فإلى دراسة كلّ ذلك في ما يلي:

تركة الرسول و شكوى فاطمة من تصرفهم فيها و في سهمها من الخمس‏

قال القاضيان الماوردي (ت: 450 ه) و أبو يعلى (ت: 458 ه) : صدقات رسول اللّه (ص) الّتي أخذها بحقّيه فإنّ أحد حقّيه الخمس من الفي‏ء و الغنائم، و الحقّ

____________

(1) دعائم الإسلام ص 246، و البحار 96/76.

(2) الخصال 1/32، و البحار 96/74.

140

الثاني أربعة أخماس الفي‏ء أفاءه اللّه على رسوله ممّا لم يوجف عليه المسلمون بخيل و لا ركاب... إلى قولهما: فأمّا صدقات النبيّ (ص) فهي ثمانية:

إحداها و هي أوّل أرض ملكها رسول اللّه (ص) : وصيّة مخريق اليهودي «الحوائط السبعة» .

و الصدقة الثانية: أرضه من أموال بني النضير بالمدينة.

و الصدقة الثالثة: و الرابعة و الخامسة: ثلاثة حصون من خيبر.

و الصدقة السادسة: النصف من فدك.

و الصدقة السابعة: الثلث من أرض وادي القرى.

و الصدقة الثامنة: موضع سوق بالمدينة يقال له مهزور (1) .

و قال القاضي عياض (ت: 544 ه) : «إنها صارت إليه بثلاثة حقوق:

أحدها: ما وهب له (ص) و ذلك وصيّة مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد، و كانت سبع حوائط في بني النضير و ما أعطاه الأنصار من أرضهم و هو ما لا يبلغه الماء، و كان هذا ملكا له (ص) .

الثاني: حقّه من الفي‏ء من أرض بني النضير حين أجلاهم، كانت له خاصّة لأنّها لم يوجف عليها المسلمون بخيل و لا ركاب. و أمّا منقولات بني النضير، فحملوا منها ما حملته الإبل، غير السلاح كما صالحهم، ثمّ قسّم (ص) الباقي بين المسلمين، و كانت الأرض لنفسه و يخرجها في نوائب المسلمين. و كذلك نصف أرض فدك، صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها، و كانت أيضا خالصة له، و كذلك ثلث أرض وادي القرى أخذه في الصلح حين صالح أهلها اليهود، و كذلك حصنان من حصون خيبر و هما الوطيح و السلالم أخذهما صلحا.

و الثالث: سهمه من خمس خيبر، و ما افتتح فيها عنوة فكانت هذه كلّها ملكا لرسول اللّه (ص) خاصّة لا حقّ فيها لأحد غيره... » (2) .

____________

(1) الأحكام السلطانية للماوردي ص 168-171، و الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 181- 185.

(2) بشرح النووي على صحيح مسلم 12/82 باب حكم الفي‏ء من كتاب الجهاد.

و القاضي عياض هو أبو الفضل بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، عالم المغرب، و إمام أهل الحديث في وقته. له تصانيف شهيرة منها «شرح صحيح مسلم» مخطوط، و لعل النووي نقل منه ما أورده هنا.

توفي في مراكش سنة 544 ه، راجع ترجمته في «وفيات الأعيان» و «الأعلام» .

141

انتهى ما قاله القضاة الثلاثة، و في ما يلي شرح بعض اقوالهم:

أ- قولهم: «صدقات رسول اللّه (ص) » . اصطلح علماء مدرسة الخلفاء من محدّثين و مؤرّخين و فقهاء و لغويين إلى تسمية كلّ ما خلّفه الرسول (ص) من ضياع و عقار بالصدقات استنادا إلى ما رواه أبو بكر وحده عن رسول اللّه أنّه قال: «ما تركنا صدقة» .

ب- ما ذكروا من املاك رسول اللّه. و في ما يلي شرحها و منشأ تملّكه اياها:

بيان ما تملكه الرسول و منشؤه:

{h9~{h9أ-وصية مخريق: h9}~h9}كان مخيريق أيسر بني قينقاع، و كان من أحبار اليهود و علمائهم بالتوراة (1) . و عند ما هاجر رسول اللّه الى المدينة، و نزل قبا في أوّل الأمر، أتى إليه مخيريق و أسلم‏ (2) .

و في يوم أحد خاطب قومه و قال: «يا معشر اليهود!و اللّه إنّكم لتعلمون أنّ محمّدا نبيّ و أنّ نصره عليكم لحقّ» .

قالوا: إنّ اليوم يوم السبت! قال: لا سبت، ثمّ أخذ سلاحه ثمّ حضر مع النبيّ (ص) فأصابه القتل، فقال رسول اللّه: «مخيريق خير يهود» و قد كان مخيريق حين خرج إلى أحد قال: إن أصبت فأموالي لمحمّد (3) .

و كانت أمواله حوائط سبعة و هي: الأعواف و الصافية و الدلال و الميثب و برقة و حسنى و مشربة أمّ ابراهيم الّتي كانت تسكنها مارية جارية النبي‏ (4) .

و تفصيل قصّة هذه الحوائط في وفاء الوفاء (5) ، و كتابي الأحكام السلطانية

____________

(1) طبقات ابن سعد 1/502.

(2) إمتاع الأسماع ص 46.

(3) مغازي الواقدي ص 262-263، و إمتاع الأسماع ص 146، و الإصابة 3/373.

(4) طبقات ابن سعد 1/501-503، و مادة «ميثب» من معجم البلدان.

و الحوائط جمع الحائط: البستان المسيّج. و المشربة: الغرفة. و جارية النبي مارية القبطية أهداها المقوقس صاحب الإسكندرية إلى النبيّ فأسكنها في أحد الحوائط السبعة و ولدت لرسول اللّه ابنه إبراهيم في ذي الحجّة سنة ثمان من الهجرة، و توفي بعد ستة أو ثمانية عشر شهرا و دفنه الرسول بالبقيع. أسد الغابة 1/38. و توفيت مارية سنة ست عشرة. أسد الغابة 5/543 و وفاء الوفاء 1128 و 1190.

(5) وفاء الوفاء ص 944-988.

142

للماوردي و لأبي يعلى‏ (1) ، و الاكتفاء (2) .

و روى السمهودي عن الواقدي: انّ النبيّ وقف الأعواف و برقة و ميثب و الدلال و حسنى و مشربة أمّ إبراهيم سنة سبع من الهجرة (3) .

{h9~{h9ب-ما وهب الأنصار من أرضهم للنبي: h9}~h9}عن ابن عباس، قال: إنّ رسول اللّه لمّا قدم المدينة جعلوا له كلّ أرض لا يبلغها الماء يصنع بها ما يشاء (4) .

{h9~{h9ج-أرض بني النضير: h9}~h9}لمّا قدم اليهود المدينة نزل بنو النضير بطحان من العالية، و بنو قريظة مهزورا منها و هما واديان يهبطان من حرّة هناك، و كانت تنصبّ منها مياه عذبة (5) و لمّا أفاء اللّه على رسوله هذه الأرض قال له عمر: ألاّ تخمّس ما أصبت؟فقال له الرسول: «لا أجعل شيئا جعله اللّه لي دون المسلمين بقوله تعالى‏ مََا أَفََاءَ اَللََّهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ... كهيئة ما وقع فيه السهمان للمسلمين‏ (6) .

و أجمع علماء السير (7) و الحديث‏ (8) و التفسير (9) على أنّ أرض بني النضير (10)

كانت خالصة لرسول اللّه، صافية له، يتصرّف فيها تصرّف الملاّك في أملاكهم، ينفق منها على أهل بيته، و لما ينتابه، و يهب منها ما يشاء لمن يشاء. أقطع منها أبا بكر و عبد الرحمن بن عوف و أبا دجانة سماك بن خرشة الساعدي و آخرين و كان ذلك في سنة أربع من الهجرة (11) .

____________

(1) كتابا الأحكام السلطانية: للماوردي ص 169، و لأبي يعلى ص 183.

(2) الاكتفاء 2/103.

(3) وفاء الوفاء ص 989. و في البحار ج 8/108 عن أبي الحسن الرضا: «ان رسول اللّه خلف حيطانا بالمدينة صدقة» .

(4) الأموال لابي عبيد ص 282 باب الإقطاع من كتاب أحكام الأرضين.

(5) معجم البلدان مادة «بطحان» بضم أوله او فتحه و سكون ثانيه و راجع «البويرة» منه.

(6) راجع بحث الفي‏ء من هذا الكتاب.

(7) مغازي الواقدي ص 363-378، و إمتاع الأسماع للمقريزي ص 178-182.

(8) سنن أبي داود 3/48 كتاب الخراج، و النسائي باب قسم الفي‏ء 2/178، و شرح النهج 4/78.

(9) تفسير سورة الحشر بتفسير الطبري 28/24-25، و النيسابوري بهامش الطبري 28/38، و الدر المنثور 6/192.

(10) في كتابي الأحكام السلطانية للماوردي ص 169، و لأبي يعلى ص 183: إلاّ ما كان ليامين بن عمير و أبي سعد بن وهب فإنهما أسلما قبل الظفر فأحرز لهما إسلامهما جميع أموالهما.

(11) فتوح البلدان للبلاذري 1/18-22.

143

{h9~{h9د-أراضي خيبر: h9}~h9}خيبر على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، و يطلق هذا الاسم على الولاية، و كانت تشتمل على سبعة حصون منيعة أو ثمانية (1) ، و مزارع و نخل كثير (2) يقطنها عتاة اليهود و قد تحالفوا مع القبائل العربية.

قصدهم رسول اللّه (ص) بعد عودته من الحديبية في صفر سنة سبع أو هلال ربيع الأول منها (3) .

و لم يأذن لأحد تخلّف عن الحديبيّة أن يشهد معه خيبر إلاّ جابر بن عبد اللّه بن حرام الأنصاري‏ (4) ، و كانوا قد تخلّفوا عنه في الحديبيّة و أرجفوا بالمسلمين‏ (5) .

حاصر النبيّ اليهود في حصونهم بخيبر قريبا من شهر، و كانوا يخرجون كلّ يوم عشرة آلاف مقاتل‏ (6) ففتح بعضها عنوة و بعضها صلحا (7) ، فخمّس ما أخذها عنوة، و قسم أربعة أخماسها بين المسلمين ممّن كان شهد خيبر من أهل الحديبية (8) . و لمّا لم يكن له من العمّال من يكفيه عمل الأرض، دفعها إلى اليهود يعملونها على نصف ما خرج منها (9) .

قالوا: قسّم النبي خيبر على 36 سهما، و جعل كل سهم مائة سهم: لرسول اللّه 18 سهما، و 18 سهما للمسلمين اقتسموها بينهم و لرسول اللّه مثل سهم أحدهم‏ (10) .

و قالوا: قسم سهمان المسلمين بين من حضر الحديبية، و من قدم مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة (11) .

____________

(1) في كتابي الأحكام السلطانية للماوردي ص 169، و لأبي يعلي ص 184.

(2) مادة خيبر من معجم البلدان، و فيها أن خيبر بلسان اليهود الحصن و سميت خيابر لأنّها كانت تشتمل على عدة حصون.

(3) مغازي الواقدي ص 634.

(5) مغازي الواقدي ص 634.

(4) الدر المنثور للسيوطي 6/192.

(6) مغازي الواقدي ص 637.

(7) وفاء الوفاء ص 1210.

(8) فتوح البلدان للبلاذري 1/31.

(9) فتوح البلدان 1/26-28. و في مغازي الواقدي ص 688-699: لمّا توفي أبو بكر (رض) كان ولده ورثته يأخذون طعمته من خيبر مائة وسق في خلافة عمر و عثمان-إلى قوله-حتى كان زمن عبد الملك أو بعده فقطع.

(10) فتوح البلدان 1/29. و الأموال لأبي عبيد ص 56.

(11) فتوح البلدان 28-32.

144

قالوا: و كان سهم الخمس منها، الكتيبة. و كان الشقّ و النطاة و سلالم و الوطيح للمسلمين فأقرّها بيد يهود على الشطر، و يقسّم ما يخرج اللّه منها بين المسلمين حتى كان عمر، فقسّم رقبة الأرض بينهم على سهامهم‏ (1) .

و في سيرة ابن هشام و الاكتفاء و غيرهما و اللفظ للأوّل: كانت الكتيبة خمس اللّه و سهم النبي و سهم ذوي القربى و المساكين و طعم أزواج النبيّ و طعم رجال مشوا بين رسول اللّه و أهل فدك بالصلح‏ (2) .

و في فتوح البلدان: و جعل لأزواج النبيّ فيها نصيبا و قال: «أيتكنّ شاءت أخذت الثمرة، و أيتكنّ شاءت أخذت الضيعة لها و لورثتها» (3) .

و قد ورد في مغازي الواقدي تسمية سهمان الكتيبة بتفصيل واف‏ (4) .

و في وفاء الوفاء: انّ أهل الوطيح و سلالم صالحوا عليها النبيّ (ص) ، فكان ذلك له خاصّة و خرجت الكتيبة في الخمس و هي مما يلي الوطيح و السلالم فجمعت شيئا واحدا، فكانت ممّا ترك رسول اللّه من صدقاته، (5) ، و هو يقتضي أنّ بعض خيبر فتح عنوة و بعضها صلحا. و به يجمع بين الروايات المختلفات في ذلك‏ (6) .

و قال القاضيان الماوردي و أبو يعلى: «و ملك من هذه الحصون الثمانية ثلاثة حصون: الكتيبة و الوطيح و السلالم. أمّا الكتيبة فأخذها بخمس الغنيمة، و أما الوطيح و السلالم فهما ممّا أفاء اللّه عليه لأنّه فتحهما صلحا فصارت هذه الحصون الثلاثة بالفي‏ء و الخمس خالصة لرسول اللّه (ص) » (7) .

قال المؤلف: يؤيّد ما ذكروا أنّ سهام رسول اللّه في خيبر كانت 18 سهما،

____________

(1) فتوح البلدان 1/28.

(2) سيرة ابن هشام 2/404، و الاكتفاء في مغازي رسول اللّه، و الثلاثة الخلفاء 2/268، و راجع مغازي الواقدي ص 692-693، و إمتاع الأسماع ص 329.

(3) فتوح البلدان 1/32.

(4) مغازي الواقدي ص 693، و راجع فتوح البلاذري 1/27 و طبعة أخرى 1/33.

(5) اصطلحوا كما ذكرنا على تسمية كل ما ترك رسول اللّه من ضياع بالصدقة أخذا برواية أبي بكر عن النبي «ما تركنا صدقة» .

(6) وفاء الوفاء ص 1210، و راجع سيرة ابن هشام.

(7) في كتابي الأحكام السلطانية للماوردي ص 170، و لأبي يعلى ص 184-185، و راجع الأموال لأبي عبيد ص 56.

145

و هي مثل مجموع سهام سائر الغزاة في خيبر، و هذا يقتضي أن يكون قسم من خيبر ممّا أفاء اللّه على رسوله بلا إيجاف خيل و لا ركاب، و أنّ ذلك أضيف إلى سهم الخمس ممّا فتح منها عنوة و بذلك صار مجموع سهام النبي مساويا لمجموع سهام المسلمين منها.

{h9~{h9ه-فدك: h9}~h9}قال ياقوت: فدك قرية بالحجاز بينها و بين المدينة يومان و قيل ثلاثة، و فيها عين فوّارة و نخيل كثير (1) .

بعث رسول اللّه (ص) إلى أهل فدك و هو بخيبر أو منصرفه منه يدعوهم إلى الإسلام فابوا (2) . فلما فرغ رسول اللّه (ص) من خيبر، قذف اللّه الرعب في قلوبهم فبعثوا إلى رسول اللّه (ص) يصالحونه على النصف فقبل ذلك منهم‏ (3) .

و في الأموال لأبي عبيد: كان أهل فدك قد أرسلوا إلى رسول اللّه (ص) فبايعوه على أنّ لهم رقابهم و نصف أراضيهم و نخلهم، و لرسول اللّه شطر أراضيهم و نخلهم‏ (4) .

و في فتوح البلدان: فكان نصف فدك خالصا لرسول اللّه، لأنّه لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب و كان يصرف ما يأتيه منها (5) .

و في شواهد التنزيل للحسكانيّ، و ميزان الاعتدال للذهبيّ، و مجمع الزوائد للهيثمي، و الدّرّ المنثور للسيوطي، و منتخب كنز العمال، و اللفظ للأول عن أبي سعيد الخدري: لمّا نزلت‏ «وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ََ حَقَّهُ» دعا النبيّ فاطمة و أعطاها فدك‏ (6) .

و في تفسير الآية (38) من سورة الروم عن ابن عباس كذلك‏ (7) .

{h9~{h9و-وادى القرى: h9}~h9}وادي القرى واد بين المدينة و الشام، ما بين تيماء و خيبر، و تيماء بليد بأطراف الشام‏ (8) .

____________

(1) بمادة «فدك» من معجم البلدان.

(2) فتوح البلدان 1/31 و 32-34 منه، و كتابا الأحكام السلطانية للماوردي ص 170، و لأبي يعلى ص 185.

(3) سيرة ابن هشام 3/408، و الاكتفاء 2/259، و راجع مغازي الواقدي ص 706-707، و إمتاع الأسماع ص 331، و شرح النهج 4/78.

(4) الأموال لأبي عبيد ص 9.

(5) فتوح البلدان للبلاذري، 1/41، ط. دار النشر للجامعيين، بيروت، 1957 م.

(6) بتفسير الآية 26 من سورة بني إسرائيل في شواهد التنزيل 1/338-341 بسبعة طرق، و الدرّ المنثور 4/177، و ميزان الاعتدال 2/228 ط. الأولى، و كنز العمال 2/158 ط. الأولى و منتخبه 2/158، و مجمع الزوائد 7/49، و الكشاف 2/446، و تاريخ ابن كثير 3/36.

(7) شواهد التنزيل للحسكاني 1/443.

(8) بمادة «تيماء» من معجم البلدان.

146

و سمّي وادي القرى، لأنّ الوادي من أوّله إلى آخره قرى منظومة، و فيه قرى كثيرة على طريق حاج الشام و كان اليهود يسكنونها (1) .

{h10~{h10خبر فتح وادى القرى‏ (2) h10}~h10}:

أتى رسول اللّه (ص) منصرفه من خيبر في جمادي الآخرة سنة سبع وادي القرى، فدعا أهلها إلى الإسلام فامتنعوا و قاتلوا، ففتحها عنوة، و غنّمه اللّه أموال أهلها، و اصاب المسلمون منها أثاثا و متاعا، فخمّس رسول اللّه ذلك و ترك النخل و الأرض في أيدي اليهود، عاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، و كان له منها -أيضا-الخمس و أقطع حمزة بن النعمان العذري رمية سوط من وادي القرى‏ (3) .

و لهذا قال القاضيان الماوردي و أبو يعلى: كان له الثلث من وادي القرى، لأنّ الثلث كان لبني عذرة و ثلثاها لليهود فصالحهم رسول اللّه على نصفه فصارت أثلاثا ثلثها لرسول اللّه (ص) ... (4) .

{h9~{h9ز-مهزور: h9}~h9}قال القاضيان الماوردي و أبو يعلى: الصدقة الثامنة موضع بسوق المدينة يقال له مهزور، استقطعها مروان من عثمان فنقم الناس عليه‏ (5) .

قال المؤلّف: كان مهزور واديا في العالية سكنته بنو قريضة، و لعله اتّخذ سوقا بعد اتساع المدينة.

و سوى ما ذكرنا كان النبيّ قد ورث من أمّه آمنة بنت وهب دارها الّتي ولد فيها بمكة في شعب بني علي.

و ورث من زوجته خديجة بنت خويلد دارها بمكة بين الصفا و المروة خلف سوق العطّارين، فباعها عقيل بن أبي طالب بعد هجرة رسول اللّه (ص) إلى المدينة فلمّا قدم مكّة في حجّة الوداع قيل له: في أيّ داريك تنزل؟فقال: هل ترك لنا عقيل من

____________

(1) مادة «القرى» و «وادي القرى» من معجم البلدان.

(2) فتوح البلدان 1/39-40، و مغازي الواقدي ص 710-711، و إمتاع الأسماع ص 332.

(3) فتوح البلدان 1/40.

و حمزة كان سيد بني عذرة و هو أول أهل الحجاز قدم على النبي بصدقة بنى عذرة. أسد الغابة 2/57.

(4) الأحكام السلطانية للماوردي ص 170، و لأبي يعلي ص 185.

(5) الأحكام السلطانية للماوردي ص 170-171، و لأبي يعلي ص 185.

147

ربع‏ (1) .

و أمّا رحل رسول اللّه (ص) فقد روى هشام الكلبي عن عوانة بن الحكم أنّ أبا بكر الصدّيق (رض) دفع إلى علي (رض) آلة رسول اللّه (ص) و دابّته و حذاءه و قال ما سوى ذلك صدقة (2) .

كانت تلك أخبار ما تملّكه الرسول بالخمس و الهبة و الفي‏ء من الضياع، وهب شيئا منها إلى بعض صحابته و بعض ذوي قرباه في حياته، و أمسك بعضها ضمن ما يملكه و في ما يلي أخبار تركته من بعده:

خبر تركة الرسول و خبر شكوى فاطمة

استولى الصحابيان الخليفتان أبو بكر و عمر (رض) مرّة واحدة على كلّ ما تركه الرسول من ضياع من بعده و لم يتعرّضا لشي‏ء ممّا أقطع منها للمسلمين عدا ما فعلا بفدك التي كان النبي قد أقطعها ابنته فاطمة في حياته، فإنّهما استوليا عليها كما استوليا على سائر ضياع النبيّ و من هنا نشأ الخلاف بين فاطمة و بينهما على ذلك، و على إرثها من الرسول كما شرحته الروايات الآتية:

{h9~{h9أ-رواية عمر: h9}~h9}

عن عمر: لمّا قبض رسول اللّه (ص) جئت أنا و ابو بكر إلى علي فقلنا: ما تقول في ما ترك رسول اللّه (ص) ؟ قال: نحن أحقّ الناس برسول اللّه (ص) .

قال: فقلت: و الّذي بخيبر؟ قال: و الّذي بخيبر.

قلت: و الّذي بفدك؟ قال: و الذي بفدك.

فقلت: أما و اللّه حتّى تحزّوا رقابنا بالمناشير فلا (3) .

____________

(1) الأحكام السلطانية للماوردي ص 171، و لأبي يعلى ص 185-186.

(2) الأحكام السلطانية للماوردي ص 171، و لأبي يعلى ص 186.

(3) مجمع الزوائد ج 9/39 باب «في ما تركه الرسول (ص) » عن الطبراني في الأوسط.

148

{h9~{h9ب-رواية أمّ المؤمنين عائشة (رض) : h9}~h9}

في صحيح البخاري و مسلم و مسند أحمد و سنن أبي داود و النسائي و طبقات ابن سعد و اللفظ للأوّل: عن أمّ المؤمنين عائشة: انّ فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبيّ (ص) في ما أفاء اللّه على رسوله (ص) تطلب صدقة النبيّ الّتي بالمدينة (1) ، و فدك و ما بقي من خمس خيبر (2) .

فقال أبو بكر: إنّ رسول اللّه (ص) قال «لا نورث ما تركنا فهو صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال يعني مال اللّه ليس لهم أن يزيدوا على المأكل» و إنّي و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقات النّبيّ الّتي كانت عليها في عهد النبيّ (ص) ، و لأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول اللّه (ص) (3) .

في هذا الحديث سمّى أبو بكر تركة الرسول: «الصدقات» استنادا إلى الرواية الّتي رواها هو عن الرسول بأنّه قال: «ما تركنا فهو صدقة» و منذ ذلك التاريخ و إلى يومنا هذا سمّيت تركة الرسول بالصدقات.

أمّا قوله: «لأعملنّ فيها بما عمل رسول اللّه فيها» و ما هو قصده من العمل الّذي قال إنّه سيعمل فيها، فإنّه يعرف من الحديث الآتي عن أمّ المؤمنين عائشة:

إنّ أوّل هذا الحديث كالحديث الماضي إلى قولها: «... فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه (ص) ، فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتّى توفيت و عاشت بعد رسول اللّه (ص) ستّة أشهر، قالت عائشة: فكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة (4) . فأبى أبو بكر عليها ذلك، و قال: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه يعمل به إلاّ عملت به، فإنّي أخشى إن تركت شيئا من أمره أن

____________

(1) تقصد من صدقته بالمدينة الحوائط السبعة اللاتي وهبها مخيريق للنبيّ كما شرحناه سابقا.

(2) تقصدها بقي من خمس خيبر: أن رسول اللّه أقطع شيئا من سهمه من الخمس إلى بعض صحابته فما بقي من خمس خيبر يعني ما عدا ما أقطع.

(3) صحيح البخاري 2/200 باب مناقب قرابة رسول اللّه من كتاب المناقب، سنن أبي داود 2/49 كتاب الخراج، باب صفا يا رسول اللّه، و سنن النسائي 2/179 باب قسم الفي‏ء، و مسند أحمد 1/6 و 9، و طبقات ابن سعد 2/315، و ج 8 منه ص 28، و منتخب الكنز باب ما يتعلق بميراثه، ج 3/128.

(4) صحيح البخاري 2/124 باب فرض الخمس من كتاب الخمس، و صحيح مسلم، الحديث 54 من كتاب الجهاد. و راجع تاريخ الإسلام للذهبي ج 1/346 و تاريخ ابن كثير 7/285 باب «بيان أنّه عليه السّلام قال لا نورث» ، و سنن البيهقي 6/300، و مسند أحمد 1/6، و طبقات ابن سعد 8/18.

149

أزيغ.

فأمّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي و عبّاس، و أمّا خيبر و فدك فأمسكهما عمر و قال: هما صدقة رسول اللّه (ص) كانتا لحقوقه الّتي تعروه و نوائبه و أمرهما إلى من ولى الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم‏ (1) .

في حديث عائشة الثاني هذا: يصرّح الخليفة بأن ضياع رسول اللّه كانت لحقوقه الّتي تعروه و نوائبه و أمرهما إلى من ولي الأمر من بعده، إذن فهو الّذي ينفق منها لحقوقه الّتي تعروه و نوائبه و هذا هو معنى قول الخليفة في الحديث الأول: لأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول اللّه أي لأنفقنّ منها لحقوقي الّتي تعروني و نوائبي.

و إلى هذا-أيضا-يشير في حديث عائشة الثالث الآتي في صحيح البخاري و مسلم عن عائشة: أنّ فاطمة (س) بنت النبيّ (ص) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر (2) فقال أبو بكر: إنّ رسول اللّه قال: «لا نورث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمّد (ص) في هذا المال» ، و انّي لا اغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه (ص) عن حالها الّتي كان عليها في عهد رسول اللّه (ص) ، و لأعملنّ فيها بما عمل به رسول اللّه (ص) فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفيّت و عاشت بعد النبيّ ستة اشهر فلمّا توفيت دفنها زوجها عليّ ليلا، و لم يؤذن بها أبا بكر و صلّى عليها، و كان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة فلمّا توفّيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر و مبايعته و لم يكن بايع تلك الأشهر... الحديث‏ (3) .

اقتصرت أمّ المؤمنين عائشة في ذكرها مورد نزاع فاطمة مع أبي بكر في أحاديثها المطوّلة بذكر مطالبتها إيّاهم إرث أبيها الرسول بينما كانت خصومتها معهم في ثلاثة أمور:

أ- مطالبتها إياهم بمنحة الرسول، ب- مخاصمتها إياهم في إرث الرسول، ج- مخاصمتها إياهم في سهم ذي القربى. و في ما يلي بيان ذلك:

____________

(1) راجع الهامش 4 من الصفحة السابقة.

(2) راجع الهامش 4 من الصفحة السابقة.

(3) صحيح مسلم، كتاب الجهاد و السير، باب قول النبي لا نورث، الحديث 52 ص 1380، و البخاري 3/38 باب غزوة خيبر، و سنن البيهقي 6/300، و مشكل الآثار 1/47.

150

{h10~{h10أ-مطالبتها إياهم بمنحة الرسول‏h10}~h10}

في فتوح البلدان: إنّ فاطمة (رض) قالت لأبي بكر الصدّيق (رض) : أعطني فدك فقد جعلها رسول اللّه لي، فسألها البيّنة فجاءت بأمّ أيمن و رباح مولى النبيّ فشهدا لها بذلك، فقال: إنّ هذا الأمر لا تجوز فيه إلاّ شهادة رجل و امرأتين.

و في رواية أخرى: شهد لها عليّ بن أبي طالب، فسألها شاهدا آخر فشهدت لها أمّ أيمن‏ (1) .

من البديهي إنّ هذه الخصومة كانت بعد أن استولى أبو بكر على فدك كما استولى على ضياع رسول اللّه غير فدك. و بعد ردّ أبي بكر شهود فاطمة في شأن فدك ثنّت بخصومة أخرى في شأن إرث الرسول كما توضحه الروايات الآتية بالإضافة إلى أحاديث أمّ المؤمنين عائشة السالفة.

{h10~{h10ب-مخاصمتها إياهم في إرث الرسول‏h10}~h10}

{h11~{h111-رواية أبي الطفيل‏ (2) : h11}~h11}بمسند أحمد و سنن أبي داود، و تاريخ الذهبيّ، و تاريخ ابن كثير، و شرح النهج، و اللفظ للأوّل، عن أبي الطفيل قال: لما قبض رسول اللّه (ص) أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت ورثت رسول اللّه (ص) أم أهله؟ قال: فقال «لا، بل أهله» .

قالت: فأين سهم رسول اللّه (ص) (3) .

قال فقال أبو بكر: انّي سمعت رسول اللّه يقول: «إنّ اللّه عزّ و جلّ إذا أطعم

____________

(1) فتوح البلدان 1/34-35.

و أمّ أيمن بركة الحبشية مولاة رسول اللّه و حاضنته، أعتقها رسول اللّه و أسلمت قديما و هاجرت إلى الحبشة و المدينة تزوجها عبيد الحبشي و من بعده زيد بن حارثة. توفيت بعد رسول اللّه بخمسة أشهر أو ستة أو في خلافة عثمان، أخرج ابن ماجة لها خمسة أحاديث في سننه. أسد الغابة 5/567. جوامع السيرة ص 289، و تقريب التهذيب 2/619، و رباح كان مولى أسود لرسول اللّه يستأذن عليه و صيره بعد قتل يسار مكانه يقوم بلقاحه أسد الغابة 2/160، و جوامع السيرة ص 27، و الإصابة 1/490.

(2) أبو الطفيل: عامر بن واثلة الكناني الليثي عد في صغار الصحابة ولد عام أحد و كان من أصحاب على المحبين له و شهد معه مشاهده كلها، و كان ثقة مأمونا إلا أنه كان يقدم عليا و هو آخر من مات ممن رأى النبي مات سنة 100 أو 116. أسد الغابة، 3/96 أخرج له أصحاب الصحاح للستة تسعة أحاديث. جوامع السيرة ص 286، و تقريب التهذيب 1/389.

(3) لعل هذا الاحتجاج كان في أمر سهم رسول اللّه من خمس خيبر و وادي القرى.

151

نبيّا طعمة ثمّ قبضه جعله للّذي يقوم من بعده، فرأيت أن أردّه على المسلمين» .

قالت: فأنت و ما سمعت من رسول اللّه أعلم‏ (1) .

و في شرح النهج بعد هذا: ما أنا بسائلتك بعد مجلسي! {h11~{h112-رواية أبي هريرة: h11}~h11}

أ- في سنن الترمذي عن أبي هريرة: انّ فاطمة جاءت إلى أبي بكر و عمر (رض) تسأل ميراثها من رسول اللّه (ص) فقالا: سمعنا رسول اللّه يقول «إنّي لا أورث» .

قالت: و اللّه لا أكلّمكما أبدا، فماتت و لا تكلّمهما (2) .

ب- في مسند أحمد و سنن الترمذي و طبقات ابن سعد و تاريخ ابن كثير و اللفظ للأوّل عن أبي هريرة قال: إنّ فاطمة قالت لأبي بكر: من يرثك إذا متّ؟ قال: ولدي و أهلي.

قالت: فما لنا لا نرث النبيّ (ص) ؟! قال: سمعت النبيّ (ص) يقول: «إنّ النبيّ لا يورث» و لكنّي أعول من كان رسول اللّه (ص) يعول و أنفق على من كان رسول اللّه ينفق عليه‏ (3) .

{h11~{h113-رواية عمر: h11}~h11}

في طبقات ابن سعد عن عمر قال: لمّا كان اليوم الّذي توفّي فيه رسول اللّه (ص) بويع لأبي بكر في ذلك اليوم، فلمّا كان من الغد جاءت فاطمة لأبي بكر معها عليّ فقالت: ميراثي من رسول اللّه أبي (ص) فقال أبو بكر: أ من الرثة أو من العقد؟ قالت: فدك، و خيبر و صدقاته بالمدينة أرثها كما ترثك بناتك إذا متّ.

فقال أبو بكر: أبوك و اللّه خير منّي و أنت و اللّه خير من بناتي و قد قال رسول اللّه (ص) : «لا نورث ما تركنا صدقة» يعني هذه الأموال القائمة (4) .

____________

(1) مسند احمد 1/4 الحديث 14، و سنن أبي داود 3/50 كتاب الخراج، و تاريخ ابن كثير 5/289، و شرح النهج 4/81 نقلا عن أبي بكر الجوهري و التتمة من ص 87 منه، و تاريخ الذهبي 1/346.

(2) رواية أبي هريرة الأولى في سنن الترمذي 7/111 أبواب السير ما جاء في تركة الرسول.

(3) رواية ابي هريرة الثانية بمسند أحمد 1/10 الحديث 60، و الحديث فيه مروي عن أبي سلمة، و في سنن الترمذي 7/109 باب ما جاء في تركة الرسول، و طبقات ابن سعد 5/372، و ابن كثير 5/289.

(4) رواية عمر في طبقات ابن سعد 2/316، و الرثة بوزن الهرة: متاع البيت الدون. و العقد: أصحاب الولايات على الأمصار من عقد الالوية للأمراء، كذا فسرهما ابن الأثير في نهاية اللغة.

152

نرى أنّ تحديد عمر زمن مجي‏ء فاطمة إلى أبي بكر، لا يستقيم مع مجرى الحوادث بعد السقيفة، و إنّما الصواب ما قاله ابن أبي الحديد:

«حديث فدك و حضور فاطمة عند أبي بكر كان بعد عشرة أيّام من وفاة رسول اللّه» (1) .

و مهما كان من أمر زمان ذلك، فإنّ أبا بكر منعها إرثها من الرسول بما روى هو عن الرسول «إنّا لا نورث ما تركنا صدقة» كما صرّحت بذلك أمّ المؤمنين حيث قالت:

و اختلفوا في ميراثه فما وجدوا عند أحد من ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: «إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» (2) .

و كذلك قال ابن أبي الحديد في شرح النهج «المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلاّ أبو بكر وحده» (3) .

و قال: «إنّ اكثر الروايات أنّه لم يرو هذا الخبر إلاّ أبو بكر وحده، ذكر ذلك أعظم المحدّثين حتّى أنّ الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد، و قال شيخنا أبو عليّ: لا يقبل في الرواية إلاّ رواية اثنين كالشهادة، فخالفه المتكلمون و الفقهاء كلهم، و احتجوا بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده: نحن معاشر الأنبياء لا نورث‏ (4) .

و في تعداد السيوطى لروايات أبي بكر قال: «التاسع و العشرون حديث لا نورث، ما تركناه صدقة» (5) .

قال المؤلّف: مع كلّ هذا وضعوا أحاديث أسندوا فيها إلى غير أبي بكر أنّه روى ذلك عن الرسول‏ (6) .

{h10~{h10ج-مخاصمتها إياهم في سهم ذي القربى‏h10}~h10}

لمّا منعوا ابنة الرسول من إرث ابيها بحديث أبي بكر، طالبتهم بسهم ذي القربى كما روى أبو بكر الجوهريّ ذلك في ثلاث روايات:

____________

(1) شرح النهج 4/97.

(2) كنز العمال ج 14/130، الفضائل (الأقعال) فضل الصديق.

(3) شرح النهج 4/82.

(4) شرح النهج 4/85.

(5) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 89.

(6) راجع شرح النهج 4/85.