معالم المدرستين - ج2

- السيد مرتضى العسكري المزيد...
393 /
153

1- عن أنس بن مالك أنّ فاطمة (س) أتت أبا بكر فقالت: لقد علمت الذي ظلمتنا أهل البيت من الصدقات‏ (1) و ما أفاء اللّه علينا من الغنائم في القرآن الكريم من سهم ذوي القربى. ثمّ قرأت عليه قوله تعالى: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ الآية، فقال لها أبو بكر: بأبي أنت و أمي و والد ولدك، السمع و الطاعة لكتاب اللّه و لحقّ رسول اللّه (ص) و حقّ قرابته، و أنا أقرأ من كتاب اللّه الّذي تقرئين منه، و لم يبلغ علمي منه أنّ هذا السهم من الخمس مسلّم إليكم كاملا، قالت: أ فلك هو و لأقربائك؟قال: لا، بل انفق عليكم منه و أصرف الباقي في مصالح المسلمين، قالت: ليس هذا حكم اللّه... الحديث.

2- عن عروة قال: أرادت فاطمة أبا بكر على فدك و سهم ذوي القربى فأبى عليها و جعلها في مال اللّه تعالى.

3- عن الحسن بن محمّد بن علي بن أبي طالب (ع) أنّ أبا بكر منع فاطمة و بني هاشم سهم ذوي القربى، و جعله في سبيل اللّه، في السلاح و الكراع‏ (2) .

و في كنز العمال عن أمّ هاني قالت: انّ فاطمة اتت أبا بكر تسأله سهم ذوي القربى، فقال لها أبو بكر: سمعت رسول اللّه يقول: «سهم ذوي القربى لهم في حياتي و ليس لهم بعد موتي» (3) .

و في رواية أخرى لأمّ هاني جمعت في الذكر بين مخاصمتها إيّاهم في الإرث و مخاصمتها في سهم ذوي القربى كما يأتي:

في فتوح البلدان، و طبقات ابن سعد، و تاريخ الإسلام للذهبي، و شرح النهج و اللفظ للأوّل، عن أمّ هاني قالت: إنّ فاطمة بنت رسول اللّه أتت أبا بكر (رض) فقالت: من يرثك إذا متّ؟ قال: ولدي و أهلي.

قالت: فما بالك ورثت رسول اللّه دوننا!؟

____________

(1) لعل المقصود بالصدقات منها بعض الحوائط السبعة التي ذكر في بعض الروايات أن الرسول تصدق بها.

(2) الروايات الثلاث في شرح النهج 4/81 و الرواية الأولى في تاريخ الإسلام للذهبي 1/347.

(3) رواية أمّ هاني الأولى بكنز العمال 5/367 كتاب الخلافة مع الإمارة قسم الأفعال، أمّ هاني بنت أبي طالب أسلمت عام الفتح و ماتت في خلافة معاوية أخرج لها أصحاب الستة 46 حديثا. اسد الغابة 5/624، و جوامع السيرة ص 280، و تقريب التهذيب 2/625.

154

قال: يا بنت رسول اللّه!ما ورثت أباك ذهبا و لا فضّة.

فقالت: سهمنا بخيبر و «صدقتنا» (1) فدك.

و لفظ طبقات ابن سعد: «قال ما ورثت أباك أرضا و لا ذهبا و لا فضّة و لا غلاما و لا مالا» .

قالت: فسهم اللّه‏ (2) الذي جعله لنا و صافيتنا بيدك.

قال: يا بنت رسول اللّه سمعت رسول اللّه يقول: «إنّما هي طعمة أطعمني اللّه حياتي فإذا متّ فهي بين المسلمين» (3) . و في لفظ ابن أبي الحديد و تاريخ الإسلام للذهبي:

قال: ما فعلت يا بنت رسول اللّه (ص) .

فقالت: بلى إنّك عمدت إلى فدك و كانت صافية لرسول اللّه (ص) فأخذتها، و عمدت إلى ما أنزل اللّه من السماء فرفعته عنّا! فقال: يا بنت رسول اللّه!لم أفعل، حدّثني رسول اللّه (ص) أنّ اللّه تعالى يطعم النبيّ (ص) الطعمة ما كان حيّا فإذا قبضه إليه رفعت.

فقالت: أنت و رسول اللّه أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي، ثمّ انصرفت.

تقصد من سهم اللّه سهامهم من الخمس، و من الصافية صوافي رسول اللّه، و من قولها «عمدت إلى ما أنزل اللّه من السماء فرفعته عنا» سهم ذوي القربى الّذي نزل في القرآن، و حكم الإرث الذي يعمّ المسلمين كافّة رسول اللّه و من عداه.

و ذكرت بعض الروايات أنّ العبّاس اشترك معها في مطالبة إرث الرسول مثل ما رواه ابن سعد في طبقاته، و تابعه المتّقي في كنز العمّال و اللفظ للأوّل قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها، و جاء العبّاس بن عبد المطّلب يطلب ميراثه، و جاء معه علي فقال أبو بكر: قال رسول اللّه: «لا نورث ما تركناه صدقة» و ما كان النبيّ يعول فعلي. فقال عليّ: «و ورث سليمان داود» و قال «يرثني و يرث من آل يعقوب» .

قال أبو بكر: هو هكذا و أنت و اللّه تعلم مثل ما أعلم.

____________

(1) «صدقتنا» تحريف و الصواب ما في طبقات ابن سعد «صافيتنا» و ذلك لأن فدك كانت صافية لرسول اللّه قبل أن يمنحها لفاطمة.

(2) فتوح البلدان 1/35-36، و طبقات ابن سعد 2/314-315، و شرح النهج 4/81، و التتمة في ص 87 منه، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1/346.

(3) طبقات ابن سعد 2/315، و كنز العمال 5/365 كتاب الخلافة مع الإمارة من قسم الأفعال.

155

فقال علي: هذا كتاب اللّه ينطق!فسكتوا و انصرفوا (1) .

نرى في هذه الرواية و هما من الرواة و أن العباس لم يأت مع علي ليطلبا إرثا، و إنّما جاءا ليعينا فاطمة. و لعلّ العباس طالب بسهمه من الخمس، فالتبس الأمر على الرواة، و ذكروا أنّه جاء يطلب الميراث.

لمّا أدلت فاطمة بكلّ ما لديها من دليل و شهود و أبى أبو بكر أن يقبل منها و يعطيها شيئا من تركة الرسول و منحته، رأت أن تبسط الخصومة على ملاء من المسلمين، و تستنصر أصحاب أبيها، فذهبت إلى مسجده كما رواه المحدّثون و المؤرخون.

في سقيفة أبي بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد و بلاغات النساء لأحمد بن أبي طاهر البغدادي و اللفظ للأوّل: لمّا بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت خمارها على رأسها، و اشتملت جلبابها، و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (ص) حتّى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم، فنيطت دونها ملاءة ثمّ أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء و ارتجّ المجلس، ثمّ أمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم، افتتحت كلامها بالحمد للّه عزّ و جلّ و الثناء عليه، و الصلاة على رسول اللّه، ثمّ قالت:

أنا فاطمة ابنة محمّد، أقول عودا على بدء، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم، فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم و أخا ابن عمّي دون رجالكم، ثم استرسلت في خطبتها إلى قولها:

ثمّ أنتم الآن، تزعمون أن لا إرث لنا أَ فَحُكْمَ اَلْجََاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللََّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ، يا ابن أبي قحافة!أ ترث أباك و لا أرث أبي لقد جئت شيئا فريّا فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم اللّه و الزعيم محمّد (ص) و الموعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون. ثمّ انكفأت إلى قبر أبيها (ع) تقول: قد كان بعدك أنباء و هنبثة... الأبيات‏ (2)

قال: و لم ير الناس أكثر باك و لا باكية منهم يومئذ، ثم عدلت إلى مسجد الأنصار، فقالت:

____________

(1) راجع الهامش 3 من الصفحة السابقة.

(2) شرح النهج 4/78-79، و ص 93 منه و بلاغات النساء ص 12-15.

156

يا معشر البقيّة و أعضاد الملّة و حضنة الإسلام!ما هذه الفترة عن نصرتي، و الونية عن معونتي، و الغمزة في حقّي، و السنة عن ظلامتي؟!أ ما كان رسول اللّه (ص) يقول: «المرء يحفظ في ولده» ؟سرعان ما أحدثتم و عجلان ما أتيتم، أ لأن مات رسول اللّه (ص) أمتم دينه!؟ها، إنّ موته لعمري خطب جليل، استوسع وهنه، و استبهم فتقه، و فقد راتقه، و اظلمت الأرض له، و خشعت الجبال، و أكدت الآمال، اضيع بعده الحريم، و هتكت الحرمة، و ازيلت المصونة، و تلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه قبل موته، و أنبأكم بها قبل وفاته، فقال: وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ََ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللََّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ .

إيها بني قيلة اهتضم تراث أبي و أنتم بمرأى و مسمع تبلغكم الدعوة، و يشملكم الصوت، و فيكم العدّة و العدد، و لكم الدار و الجنن، و أنتم نخبة اللّه الّتي انتخب، و خيرته الّتي اختار. باديتم العرب، و بادهتم الأمور، و كافحتم البهم، حتّى دارت بكم رحي الإسلام، و درّ حلبه و خبت نيران الحرب، و سكنت فورة الشرك، و هدأت دعوة الهرج و استوثق نظام الدين، أ فتأخرتم بعد الإقدام؟!و نكصتم بعد الشدّة، و جبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكصوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم «فقالوا أئمّة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون» .

ألا و قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، و ركنتم إلى الدعة، فجحدتم الّذي وعيتم و دسعتم الّذي سوغتم، و إن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا فإنّ اللّه لغنيّ حميد.

ألا و قد قلت لكم ما قلت على معرفة منّي بالخذلة الّتي خامرتكم، و خور القناة و ضعف اليقين، فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر، ناقبة الخفّ، باقية العار، موسومة الشعار موصولة بنار اللّه الموقدة الّتي تطلع على الأفئدة، فبعين اللّه ما تعملون، و سيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

قال: و حدّثني محمّد بن زكريا، قال: حدثنا محمّد بن الضحاك، قال: حدثنا هشام بن محمّد، عن عوانة بن الحكم، قال لمّا كلّمت فاطمة (ع) أبا بكر بما كلمته به، حمد اللّه أبو بكر و أثنى عليه و صلّى على رسول ثمّ قال: يا خيرة النساء و ابنة خير الآباء، و اللّه ما عدوت رأي رسول اللّه (ص) ، و ما عملت إلاّ بامره، و إنّ الرائد لا يكذب أهله، و قد قلت فأبلغت و أغلظت فأهجرت فغفر اللّه لنا و لك، أما بعد فقد دفعت آلة رسول اللّه و دابّته و حذاءه إلى علي (ع) ، و أمّا ما سوى ذلك فإنّي سمعت‏

157

رسول اللّه (ص) يقول: «إنا معشر الأنبياء لا نورث ذهبا و لا فضة و لا أرضا و لا عقارا و لا دارا، و لكنا نورث الإيمان و الحكمة و العلم و السنّة» فقد عملت بما أمرني و نصحت له، و ما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكلت و إليه أنيب.

و في رواية بلاغات النساء: ثمّ قالت: أيّها الناس!أنا فاطمة و أبي محمّد (ص) أقولها عودا على بدأ لقد جاءكم رسول من أنفسكم... ثمّ ساق الكلام على مثل ما أوردناه إلى قوله:

ثمّ قالت أ فعلى عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول اللّه تبارك و تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمََانُ دََاوُدَ ، و قال اللّه عزّ و جلّ في ما قصّ من خبر يحيى ابن زكريّا: ربّ‏ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا `يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، و قال عزّ ذكره:

وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، و قال: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ ، و قال: إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ لِلْوََالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ ، و زعمتم أن لا حقّ و لا إرث لي من أبي و لا رحم بيننا أ فخصّكم اللّه بآية أخرج نبيّه (ص) منها أم تقولون: أهل ملّتين لا يتوارثون. أو لست أنا و أبي من أهل ملّة واحدة لعلّكم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من النبيّ (ص) أَ فَحُكْمَ اَلْجََاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ... (1) .

قال ابن أبي الحديد: و حديث فدك و حضور فاطمة عند أبي بكر كان بعد عشرة أيّام من وفاة رسول اللّه (ص) ، و الصحيح أنه لم ينطق أحد بعد ذلك من النّاس من ذكر أو أنثى بعد عود فاطمة (ع) من ذلك المجلس بكلمة واحدة في الميراث‏ (2) .

{h9~{h9الخلاصة: h9}~h9}

دلّت الأحاديث الواردة في هذا الباب على أنّ خصومة ابنة الرسول معهم كانت في ثلاثة أمور:

{h10~{h101-في منحة الرسول‏h10}~h10}

منح الرسول ابنته فاطمة فدك بعد نزول آية «وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ََ حَقَّهُ» ، و لمّا توفي استولوا عليها مع ما استولوا عليه من تركة الرسول فخاصمتهم فاطمة في ذلك

____________

(1) بلاغات النساء ص 16-17.

(2) شرح النهج 4/97.

158

و استشهدت على صحّة تصرّفها بشاهد و شاهدة يشهد ان على أنّ الرسول كان قد منحها إيّاها في حياته، و لم يقبلوا الشهادة لأنها لم تبلغ النصاب، و يدلّ على أنّ فدك كانت بيدها -بالإضافة إلى ما أوردناه في ما سبق-قول الإمام عليّ في كتابه إلى عثمان بن حنيف واليه على البصرة:

«بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلته السماء فشحّت عليها نفوس قوم، و سخت عنها نفوس قوم آخرين، و نعم الحكم اللّه» (1) .

{h10~{h102-في إرث الرسول‏h10}~h10}

ترك الرسول من الضياع ما يلي:

أ- الحوائط السبعة اللاتي وهبهنّ مخيريق إيّاه.

ب- ما وهب الأنصار إيّاه و هي كلّ ما ارتفع من أراضيهم الزراعية.

ج- أراضي بني النضير الزراعية و نخيلها.

د- 18 سهما من مجموع 36 سهما من أراضي خيبر و كانت ريف الحجاز.

ه- أراضي وادي القرى الزراعية و نخيلها.

و بعد وفاة الرسول استولى الخليفة عليهنّ جميعا و احتجّ بحديث رواه هو وحده عن الرسول أنه قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» . و أنّه قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ إذا أطعم نبيّا طعمة، جعله للذي يقوم من بعده» .

و لم يجد نفعا ما احتجّ به الإمام علي و فاطمة من تصريح القرآن بأنّ الأنبياء ورثوا، و أنّ آيات الإرث عامّة و غير ذلك فاستنهضت الأنصار كذلك بلا جدوى فغضبت على أبي بكر و عمر و لم تكلّمهما حتّى توفيت واجدة عليهما.

{h10~{h103-في سهم ذي القربى‏h10}~h10}

طلبت فاطمة من أبي بكر سهم ذي القربى و قالت له: لقد علمت الّذي ظلمتنا... و قرأت عليه «و اعلموا أنّما غنمتم... » فأبى عليها، و جعل سهم ذي القربى في السلاح و الكراع، أي صرفه على حرب الممتنعين من أداء الزكاة إليه، فقالت له:

عمدت إلى ما أنزل اللّه من السماء فرفعته عنّا.

____________

(1) عثمان بن حنيف الأنصاري ثم الأوسي ولاه عمر مساحة الأرض و جبايتها بالعراق، و ولاه علي البصرة فأخرجه طلحة و الزبير منها حين قدماها في وقعة الجمل، و سكن الكوفة و مات بها في زمان معاوية. شرح النهج 4/77.

159

كان هذا خلاصة ما سبق و سيأتي مزيد بيان له في ما يلي:

تصرف الخلفاء في الخمس و في تركة الرسول و في فدك منحته لابنته:

{h9~{h9أ-على عهد أبي بكر و عمرh9}~h9}

في كتاب الخراج لأبي يوسف، و سنن النسائي، و كتاب الأموال لأبي عبيد، و سنن البيهقي و تفسير الطبري و أحكام القرآن للجصّاص، و اللفظ للأوّل، عن الحسن بن محمّد بن الحنفيّة قال: اختلف الناس بعد وفاة رسول اللّه (ص) في هذين السهمين:

سهم الرسول (ع) و سهم ذوي القربى، فقال قوم: سهم الرسول للخليفة من بعده.

و قال آخرون: سهم ذوي القربى لقرابة الرسول (ص) .

و قالت طائفة: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة من بعده، فأجمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع و السلاح! و في سنن النسائي، و الأموال لأبي عبيد: فكانا في ذلك خلافة أبي بكر و عمر (1) .

و في رواية ابن عباس، قال: جعل سهم اللّه و سهم رسوله واحدا و لذي القربى فجعل هذان السهمان في الخيل و السلاح، و جعل سهم اليتامى و المساكين و ابن السبيل لا يعطى غيرهم‏ (2) .

و في رواية اخرى قال: فلمّا قبض اللّه رسوله ردّ أبو بكر نصيب القرابة في المسلمين فجعل يحمل به في سبيل اللّه‏ (3) .

و عن قتادة لمّا سئل عن سهم ذي القربى، قال: كان طعمة لرسول اللّه (ص) فلما توفي حمل عليه أبو بكر و عمر في سبيل اللّه‏ (4) .

و لعلّ هذا ما عناه جبير بن مطعم في روايته حيث يقول: لم يكن يعطي

____________

(1) كتاب الخراج ص 24-25، و سنن النسائي 2/179، و كتاب الأموال لأبي عبيد ص 332، و تفسير الطبري ج 10/6، و أحكام القرآن للجصاص 3/62، و سنن البيهقي 6/342-343.

(2) تفسير الطبري 10/6.

(3) تفسير الطبري 10/6، و أحكام القرآن للجصاص ج 3/60 باب قسمة الخمس قال: و قتادة عن عكرمة مثله.

(4) تفسير الطبري ج 10/6.

160

-أبو بكر-قربى رسول اللّه (ص) ما كان النبي يعطيهم‏ (1) .

كان ما ورد في هذه الروايات في أول الأمر و خاصّة في عصر أبي بكر حيث اتّجهت سياسة الخلافة إلى إرسال الجيوش لإخضاع الفئات المعارضة لبيعة أبي بكر، و الّتي امتنع قسم منهم من أداء الزكاة إلى السلطة أمثال مالك بن نويرة (2) أو الّذين اختلفوا مع المصدّق على بعض مال الصدقة، مثل بعض قبائل كندة (3) و هؤلاء سمّوا بالمرتدّين، و بعد إخضاع أمثال هؤلاء، جهّزت الخلافة الجيوش للفتوح و من بعد اتّساع الفتوح و ازدياد الثروة وزّعوا الخمس على المسلمين بني هاشم و غيرهم، و دفعوا إلى بني هاشم بعض تركة الرسول على أنّها صدقات ليتولوا توزيعها.

روى جابر قال: كان يحمل الخمس في سبيل اللّه تعالى، و يعطي نائبة القوم فلمّا كثر المال جعله في غير ذلك‏ (4) .

و يظهر من كثير من الروايات أنّ هذا التغيير حصل في عصر عمر... و أنّ عمر أراد أن يعطي بني هاشم شيئا من الخمس فأبوا إلاّ أن يأخذوا كلّ سهمهم كما جاء في جواب ابن عباس لنجدة الحروري حين سأله عن سهم ذوي القربى لمن هو.

قال: قد كنّا نقول «إنّا هم فأبى ذلك علينا قومنا (5) و قالوا: قريش كلّها ذو قربى» (6) .

و في رواية اخرى: قال ابن عباس: سهم ذي القربى لقربى رسول اللّه قسّمه لهم رسول اللّه (ص) و قد كان عمر عرض من ذلك علينا عرضا فرأيناه دون حقّنا فرددناه عليه و أبينا أن نقبله‏ (7) .

____________

(1) سنن أبي داود، باب بيان مواضع الخمس، و سنن البيهقي ج 6 باب سهم ذوي القربى، و مسند أحمد 4/83، و مجمع الزوائد 5/341.

(2) راجع فصل قصة مالك بن نويرة في «عبد اللّه بن سبأ» ج 1.

(3) راجع فصل خاتمة الكتاب من (عبد اللّه بن سبأ) 2/289-304.

(4) الخراج لأبي يوسف ص 23، و أحكام القرآن للجصاص ص 3/61.

(5) بصحيح مسلم 5/198 باب النساء الغازيات يرضخ لهن و لا يسهم و لفظ «و زعم قومنا أنه ليس لنا» من كتاب الجهاد، و مسند أحمد 1/248 و 294 و 304 و 308، و سنن الدارمي 2/225 كتاب السير، و الطحاوي في مشكل الآثار 2/136 و 179، و مسند الشافعي 183، و حلية أبي نعيم 3/205.

(6) هذه الزيادة بتفسير الطبري ج 10/5، و الأموال لأبي عبيد ص 333.

(7) مسند احمد 1/224 و 320، و سنن أبي داود 2/51 كتاب الخراج، و سنن النسائي 2/177، و سنن‏

161

و في رواية اخرى قال: هو لنا أهل البيت، و قد كان عمر دعانا إلى أن ينكح منه أيّمنا و يحذي منه عائلنا و يقضي منه عن غارمنا، فأبينا إلاّ أن يسلّمه لنا و أبى ذلك فتركناه عليه‏ (1) .

و في رواية اخرى عن ابن عباس قال: كان عمر يعطينا من الخمس نحوا ممّا كان يرى أنّه لنا فرغبنا عن ذلك و قلنا: حقّ ذوي القربى خمس الخمس. فقال عمر:

إنّما جعل اللّه الخمس لأصناف سمّاها. فأسعدهم بها أكثرهم عددا و أشدّهم فاقة.

قال: «فأخذ ذلك منّا ناس و تركه ناس» (2) .

و كذلك روي عن الإمام علي كما رواه البيهقي في سننه عن عبد الرحمن بن أبي يعلى قال: لقيت عليّا عند أحجار الزيت، فقلت له: بأبي و أمّي ما فعل أبو بكر و عمر في حقّكم أهل البيت من الخمس-إلى قول علي-إنّ عمر قال: لكم حقّ و لا يبلغ علمي إذا كثر أن يكون لكم كلّه، فإن شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم. فأبينا عليه إلاّ كلّه، فأبى أن يعطينا كلّه‏ (3) .

و يظهر أنّ ما تذكره بعض الروايات-من أنّ الخليفة عمر دفع إلى عمّ النبيّ العبّاس و الإمام عليّ بعض تركة النبيّ في المدينة ليتوّليا أمرها-كان في هذا العصر (4) .

{h9~{h9ب-على عهد الخليفة عثمان‏h9}~h9}

أعطى عثمان خمس فتوح إفريقيا مرّة لعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح‏ (5) ، و اخرى لمروان بن الحكم.

قال ابن الأثير في تاريخه: أعطى عبد اللّه خمس الغزوة الأولى، و أعطى مروان خمس الغزوة الثانية الّتي افتتحت فيها جميع افريقيا (6) .

____________

قالبيهقي 6/344 و 345.

(1) الخراج لأبي يوسف ص 23 و 24 بلفظ آخر، و مغازي الواقدي ص 697، و الأموال لأبي عبيد ص 333، و سنن النسائي 2/178، و أحكام القرآن للجصاص 3/63، و بترجمة نجدة بلسان الميزان، 6/148.

(2) الأموال ص 335، و كنز العمال 2/305.

(3) البيهقي ج 6/344 باب سهم ذي القربى، و مسند الشافعي ص 187 باب قسم الفي‏ء.

(4) صحيح البخاري ج 2/125 و ج 3/38 كتاب المغازي باب غزوة خيبر، و سنن أبي داود ج 3/47 كتاب الخراج في صفا يا رسول اللّه من الأموال، و مسند أحمد 1/6، و طبقات ابن سعد 8/28، و منتخب الكنز 3/128 باب ما يتعلق بميراثه.

(5) راجع تاريخ الذهبي ج 2/79-80.

(6) تاريخ ابن الاثير 3/71 ط. اروبا و ط. مصر الأولى 3/35.

162

و قال ابن أبي الحديد: أعطى عبد اللّه بن أبي سرح جميع ما أفاء اللّه عليه من فتح إفريقية بالمغرب و هي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين‏ (1) .

و قال الطبري: «لمّا وجّه عثمان عبد اللّه بن سعد إلى افريقية كان الّذي صالحهم عليه بطريق إفريقية جرجير ألفي ألف و خمسمائة ألف دينار و عشرين ألف دينار» .

و قال: «و كان الّذي صالحهم عليه عبد اللّه بن سعد ثلاثمائة قنطار ذهب.

فأمر بها عثمان لآل الحكم، أو لمروان‏ (2) .

و روى ابن عبد الحكم في كتاب فتوح إفريقيا، قال: غزا معاوية بن خديج افريقية ثلاث غزوات، امّا الأولى فسنة أربع و ثلاثين قبل قتل عثمان و أعطى عثمان مروان الخمس في تلك الغزوة و هي غزوة لا يعرفها كثير من الناس» (3) .

و روى البلاذري في ذكر ما أنكروا من سيرة عثمان، و السيوطي في تاريخ الخلفاء قال: و كتب لمروان خمس إفريقية (4) .

و روى عن عبد اللّه بن الزبير أنّه قال: أغزانا عثمان سنة سبع و عشرين إفريقية فأصاب عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح غنائم جليلة فأعطى عثمان مروان بن الحكم خمس الغنائم‏ (5) .

و روى أنّ مروان لمّا بنى داره بالمدينة دعا الناس إلى طعامه، و كان المسور في من دعا، فقال مروان و هو يحدّثهم: و اللّه ما أنفقت في داري هذه من مال المسلمين درهما فما فوقه، فقال المسور: لو أكلت طعامك و سكتّ لكان خيرا لك لقد غزوت معنا إفريقية و إنّك لأقلّنا مالا و رقيقا و أعوانا، و أخفّنا ثقلا فأعطاك ابن عفّان خمس إفريقية و عمّلت على الصدقات فأخذت أموال المسلمين... الحديث‏ (6) .

و قال في ذلك أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي من الخزرج و هو الّذي منع ان

____________

(1) شرح النهج 1/67.

(2) الطبري ط. أوروبا 1/2818، و ابن كثير 7/152.

(3) فتوح إفريقيا لابن عبد الحكم 58-60.

(4) أنساب الأشراف للبلاذري 5/25 و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 256.

(5) أنساب الأشراف للبلاذري 5/27.

(6) أنساب الأشراف للبلاذري 5/28.

163

يدفن عثمان بالبقيع:

أقسم باللّه ربّ العبا # د ما ترك اللّه خلقا سدى

دعوت اللعين فأدنيته # خلافا لسنّة من قد مضى‏

(يعنى باللعين: الحكم. )

و أعطيت مروان خمس العباد # ظلما لهم و حميت الحمى‏

(1) .

و في الأغاني: و كان مروان قد صفق على الخمس بخمسمائة ألف فوضعها عنه عثمان فكان ذلك ممّا تكلّم فيه بسببه و قال فيه عبد الرحمن بن حنبل بن مليل...

الأبيات‏ (2) .

كان ذلكم اجتهاد الخليفة عثمان في أمر الخمس، أمّا اجتهاده في ما تركه الرسول فقد قال أبو الفداء و ابن عبد ربّه و اللفظ للأوّل: و أقطع مروان فدك و هي صدقة النبيّ الّتي طلبتها فاطمة من أبي بكر (3) .

و قال ابن أبي الحديد: و أقطع عثمان مروان فدك و قد كانت فاطمة (س) طلبتها بعد وفاة أبيها صلوات اللّه عليه تارة بالميراث و تارة بالنحلة فدفعت عنها (4) .

و روى في سننه كلّ من أبي داود و البيهقي عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال في ذكره شأن فدك: «فلمّا ولي عمر (رض) عمل فيه بمثل ما عملا حتّى مضى لسبيله ثمّ أقطعها-عثمان-مروان.. » (5) .

و قال البيهقي بعد إيراده تمام الحديث: «إنّما أقطع مروان فدكا في أيّام عثمان بن عفّان (رض) و كأنّه تأوّل في ذلك ما روي عن رسول اللّه (ص) : إذا أطعم اللّه نبيّا

____________

(1) أنساب الأشراف 5/38 و سمّى الشاعر الخمس: خمس العباد، لأنّهم اعتادوا في عصر الشيخين أن يحسبوا الخمس: خمس العباد و ليس للّه و لرسوله و لذوي قرباه!

(2) الأغاني 6/57 و في لفظ الأبيات عنده بعض الاختلاف مع رواية البلاذري و الصفق: التبايع.

و كذلك رواه أبو الفداء في تاريخه 1/232، و راجع المعارف لابن قتيبة ص 84، و العقد الفريد ج 2/283.

(3) تاريخ أبي الفداء 11/232 في ذكر حوادث سنة 34، و العقد الفريد 4/273 كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء و تواريخهم، و إنما قالا: و هي صدقة النبي تبعا لرواية أبي بكر «ما تركنا صدقة» .

(4) شرح النهج 1/67.

(5) سنن أبي داود 2/49-50 باب صفا يا رسول اللّه من كتاب الخراج كتاب قسم الفي‏ء و الغنيمة، و سنن البيهقي 6/310.

164

طعمة فهي للّذي يقوم من بعده و كان-أي الخليفة-مستغنيا عنها بماله فجعلها لأقربائه و وصل بها رحمهم... » و قال ابن عبد ربّه و ابن أبي الحديد و اللفظ للأوّل:

و تصدّق رسول اللّه بمهزور-موضع سوق المدينة-على المسلمين فأقطعها -عثمان-الحارث بن الحكم أخا مروان‏ (1) .

كان هذا ما انتهى إلينا من اجتهاد الخليفة عثمان في أمر الخمس و تركة الرسول على عهده، أمّا سبب نقمة الناس عليه فيعود لأمرين:

أوّلا: لأنّ الخليفتين قبله كانا يضعان تلك الأموال في النفقات العامّة و خصّصها عثمان لأقر بائه.

ثانيا: موضع أقربائه من الإسلام و أهله و بيان ذلك كما يلي:

سيرة أقارب عثمان المذكورين أعلاه:

أ- عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح العامريّ القرشيّ ابن خالة عثمان‏ (2) و أخوه من الرضاعة (3) .

قال الحاكم: كان كاتبا لرسول اللّه فظهرت خياناته في الكتابة فعزله رسول اللّه (ص) (4) فارتدّ عن الإسلام و لحق بأهل مكّة (5) فقال لهم: إنّي كنت أصرف محمّدا حيث اريد، كان يملي عليّ «عزيز حكيم» فأقول أو «عليم حكيم» فيقول: نعم كلّ صواب‏ (6) فأنزل اللّه فيه‏ «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً أَوْ قََالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ وَ مَنْ قََالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلظََّالِمُونَ فِي غَمَرََاتِ اَلْمَوْتِ، وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بََاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ بِمََا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى

____________

(1) العقد الفريد 4/283، و شرح النهج 1/67، و في لفظ شرح النهج «بهزور» تحريف. و راجع محاضرات الراغب 2/211، و المعارف لابن قتيبة ص 84، و قال القاضيان الماوردي و أبو يعلى في باب بيان تركة الرسول: إن عثمان أقطع مهزور لمروان.

(2) ذكر ذلك الحاكم فى المستدرك 3/100.

(3) ذكر ذلك جميع مترجميه.

(4) أجمع مترجموه على ذلك.

(5) مستدرك الحاكم 3/100.

(6) ترجمته بأسد الغابة 3/173.

165

اَللََّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ، وَ كُنْتُمْ عَنْ آيََاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ، سورة الأنعام الآية 94 (1) .

فأهدر الرسول دمه و لما فتح مكّة أمن الناس كلهم إلا أربعة نفر و امرأتين، و لو وجدوا تحت أستار الكعبة، أحدهم عبد اللّه، ففرّ إلى عثمان فغيّبه عثمان حتّى أتى به رسول اللّه بعد ما اطمأنّ أهل مكة فاستأمنه له فصمت رسول اللّه (ص) طويلا ثمّ قال:

نعم. فلمّا انصرف عثمان، قال رسول اللّه (ص) لمن حوله: ما صمت إلاّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليّ يا رسول اللّه، فقال:

انّ النبيّ لا ينبغى أن تكون له خائنة الأعين‏ (2) .

هذا هو عبد اللّه بن سعد (3) ، و لمّا استخلف عثمان كان عمرو بن العاص على مصر فعزله عن الخراج و أقرّه على الصلاة و الجند، و استعمل عبد اللّه على الخراج فتداعيا فعزل عمرا و أضاف الصلاة إلى ابن أبي سرح. و بعد مقتل عثمان اعتزل عبد اللّه و كره معاوية و قال: لم أكن لأجامع رجلا عرفته إن كان يهوى قتل عثمان، و توفّي في خلافة عليّ بالرملة، قال الذهبي: له رواية حديث.

ب و ج- مروان و الحارث ابنا الحكم بن أبي العاص عمّ عثمان روى البلاذري أنّ الحكم بن أبي العاص كان جارا لرسول اللّه في الجاهليّة، و كان أشدّ أذى له في الإسلام و كان قدومه المدينة بعد فتح مكّة و كان مغموصا عليه في دينه فكان يمرّ خلف رسول اللّه فيغمز به و يخلج بأنفه و فمه، و إذا صلّى قام خلفه فاشار باصابعه، فبقي على تخليجه و أصابته خبلة، و اطّلع على رسول اللّه ذات يوم و هو في بعض حجر نسائه فعرفه و خرج إليه بعنزة و قال: من عذيري من هذا الوزغة اللعين، ثمّ قال: لا يساكنني و لا ولده.

فغرّبهم جميعا إلى الطائف فلمّا قبض رسول اللّه كلّم عثمان أبا بكر فيهم و سأله ردّهم فابى ذلك و قال: ما كنت لآوي طرداء رسول اللّه، ثمّ لمّا استخلف عمر كلّمه فيهم فقال مثل قول أبي بكر، فلمّا استخلف عثمان ادخلهم المدينة (4) .

و يوم قدم المدينة كان عليه خزر خلق، و هو يسوق تيسا و الناس ينظرون إلى

____________

(1) تفسير الكشاف 2/35، و أنساب الأشراف 5/49.

(2) اجمع مترجموه على ذلك و اللفظ بترجمته من أسد الغابة و سنن أبي داود 4/128، و راجع تفسير الآية بتفسير القرطبي و الرازي و البيضاوي و الخازن و النسفي و الشوكاني.

(3) من هنا إلى آخر ترجمة عبد اللّه نقلناه بإيجاز من ترجمته بسير النبلاء للذهبي 3/23-24.

(4) أنساب الأشراف 5/27.

166

سوء حاله و حال من معه حتى دخل دار الخليفة، ثم خرج و عليه جبّة خز و طيلسان‏ (1) .

و كان إذا أمسى عامل صدقات المسلمين على سوق المسلمين أتاه عثمان فقال له: ادفعها الى الحكم‏ (2) ، ثمّ ولاه صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمائة الف درهم فوهبها له حين أتاه‏ (3) و لمّا توفّي ضرب على قبره فسطاطا (4) .

و كان مروان صهر عثمان من ابنته أمّ أبان، و الحارث صهره من ابنته عائشة.

و قد وردت عن رسول اللّه (ص) أحاديث كثيرة في لعنهم و ذمّهم. لعن رسول اللّه (ص) الحكم و أولاده‏ (5) . و قال: «ويل لأمتي ممّا في صلب هذا» (6) .

و قال: لعنة اللّه عليه و على من يخرج من صلبه إلا المؤمنين و قليل هم‏ (7) .

و قال: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتّخذوا دين اللّه دغلا، و عباد اللّه خولا و مال اللّه دولا (8) .

و قال: إنّي رأيت في منامي كأنّ بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبري نزو القردة. فما رؤي النبيّ (ص) مستجمعا ضاحكا حتى توفّي‏ (9) .

و روى الحاكم عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلاّ أتى به النبيّ (ص) فدعا له فادخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ بن الوزغ الملعون ابن الملعون‏ (10) .

هذا بعض ما ورد عن رسول اللّه فيهم، و في ما سبق ذكرنا بعض منح عثمان إيّاهم.

إلى هنا ذكرنا اجتهاد الخلفاء قبل الإمام عليّ في الخمس و في تركة الرسول فما ذا فعل الإمام فيهما على عهده؟

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2/164.

(2) تاريخ اليعقوبي 2/168.

(3) أنساب الأشراف 5/28.

(4) أنساب الأشراف 5/27.

(5) أنساب الأشراف للبلاذري 5/126، و مستدرك الحاكم 4/481.

(6) ترجمة الحكم بأسد الغابة 2/34.

(7) مستدرك الحاكم 4/479-481.

(8) مستدرك الحاكم 4/479-481.

(9) مستدرك الحاكم 4/479-481.

(10) مستدرك الحاكم 4/479-481.

167
سيرة الإمام علي (ع) في الخمس و في تركة الرسول (ص)

عن ابن عباس أنّ الخمس كان في عهد رسول اللّه (ص) على خمسة أسهم للّه و للرسول سهم، و لذي القربى سهم، و لليتامى و المساكين و ابن السبيل ثلاثة اسهم.

ثمّ قسّمه أبو بكر و عمر و عثمان (رض) على ثلاثة أسهم، و سقط سهم الرسول و سهم ذوي القربى و قسم على الثلاثة الباقي، ثمّ قسّمه عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه على ما قسّمه عليه أبو بكر و عمر و عثمان (رض) (1) .

و سئل أبو جعفر الباقر ما كان رأي علي-كرم اللّه وجهه-في الخمس؟ قال: كان رأيه فيه رأي أهل بيته، و لكنّه كره أن يخالف أبا بكر و عمر (رض) (2) .

و عن محمّد بن إسحاق قال سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ فقلت علي بن أبي طالب حيث ولي من أمر الناس ما ولي كيف صنع في سهم ذي القربى؟قال: سلك به سبيل أبي بكر و عمر، قلت: كيف و أنتم تقولون ما تقولون؟فقال: ما كان أهله يصدرون إلاّ عن رأيه. قلت: فما منعه؟قال: كره-و اللّه-أن يدعى عليه خلاف أبي بكر و عمر (3) .

و في رواية أخرى بسنن البيهقي، قال: و لكن كره أن يتعلق عليه خلاف أبي بكر و عمر (4) .

تدلنا هذه الروايات على أن الإمام عليّا لم يغير شيئا مما فعلوه قبله في الخمس و تركة الرسول، و لم يكن ليستطيع أن يغير شيئا.

و في سنن البيهقي عن جعفر بن محمّد عن أبيه: إن حسنا و حسينا و ابن عبّاس و عبد اللّه بن جعفر (رض) سألوا عليّا (رض) نصيبهم من الخمس فقال: هو لكم حقّ، و لكنّي محارب معاوية فان شئتم تركتم حقّكم منه‏ (5) .

قال المؤلّف: تدلّ هذه الرواية على إنّ الإمام صرف الخمس في تجهيز الجيش لحرب معاوية.

____________

(1) الخراج ص 23.

(2) الخراج ص 23، و أبو عبيد في الأموال ص 332، و أحكام القرآن للجصاص 3/63.

(3) الخراج ص 23، و أبو عبيد في الأموال ص 332، و أحكام القرآن للجصاص 3/63.

(4) سنن البيهقي 6/343.

(5) سنن البيهقي الكبرى 6/343 ثم قال: قال الشافعي (ره) فأخبرت بهذا الحديث عبد العزيز بن محمد قال: صدق-أي الراوي-هكذا كان جعفر يحدثه...

168
الخمس و تركة الرسول (ص) في عصر خلفاء بني أمية

يظهر ممّا ورد في الاخبار ان اجتهاد معاوية في منع بني هاشم من الخمس و منع ذريّة الرسول من إرثه كان مشابها لاجتهاد الخلفاء الثلاثة قبله، غير أنّه اضاف إلى ذلك ما أدّى إليه اجتهاده الخاصّ. أمّا منعهم من الخمس فيعلم من الروايتين التاليتين:

في طبقات ابن سعد: انّ عمر بن عبد العزيز لمّا أمر بدفع شي‏ء من الخمس إلى بني هاشم اجتمع نفر منهم فكتبوا كتابا و بعثوا به مع رسول إليه يتشكرون له ما فعل بهم من صلة أرحامهم، و أنّهم لم يزالوا مجفيّين منذ كان معاوية... الحديث‏ (1) .

و فيه أيضا: إنّ عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس و أبا جعفر محمّد بن علي قالا: «ما قسّم علينا خمس منذ زمن معاوية إلى اليوم» (2) .

أمّا ما أدّى إليه اجتهاده الخاصّ في ذلك، فقد رواه بترجمة الحكم بن عمرو كلّ من الحاكم في مستدركه و الذهبي في تلخيصه و ابن سعد في طبقاته و ابن عبد البرّ في الاستيعاب و ابن الأثير في أسد الغابة، و ذكره في حوادث سنة خمسين من تاريخه كلّ من الطبري و ابن الأثير و الذهبي و ابن كثير (3) و اللفظ للحاكم ثمّ للطبري.

قال الحاكم: بعث زياد الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان فأصابوا غنائم كثيرة فكتب إليه زياد «أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين كتب أن يصطفي له البيضاء و الصفراء و لا تقسّم بين المسلمين ذهبا و لا فضة» .

و في تاريخ الطبري: إنّ أمير المؤمنين كتب إليّ: أن أصطفي له كلّ صفراء و بيضاء و الروائع فلا تحركنّ شيئا حتّى تخرج ذلك.

فكتب إليه الحكم: أمّا بعد، فإنّ كتابك ورد تذكر أنّ أمير المؤمنين كتب إليّ أن أصطفي له كلّ صفراء و بيضاء و الروائع و لا تحركنّ شيئا، فإنّ كتاب اللّه قبل كتاب أمير المؤمنين، و إنّه و اللّه لو كانت السموات و الأرض رتقا على عبد فاتّقى اللّه لجعل له سبحانه و تعالى مخرجا. و قال للناس اغدوا على غنائمكم فغدا الناس و قد عزل

____________

(1) طبقات ابن سعد ط. اوروبّا 5/289.

(2) المصدر نفسه 5/288.

(3) مستدرك الحاكم و تلخيصه بهامشه ج 3/442، و طبقات ابن سعد ط. اوروبّا 7/1/18، و الاستيعاب 1/118، و أسد الغابة 2/36، و الطبري ط. اوروبّا 2/111، و ابن الأثير. اوروبّا 3/391، و الذهبي 2/220، و ابن كثير 8/47.

169

الخمس فقسّم بينهم تلك الغنائم.

قال: كتب إليه زياد. و اللّه لئن بقيت لك لأقطعنّ منك طابقا سحتا. انتهت رواية الطبري.

و قال الحاكم: إنّ معاوية لمّا فعل الحكم في قسمة الفي‏ء ما فعل، وجه إليه من قيّده و حبسه فمات في قيوده و دفن فيها و قال: إنّي مخاصم.

و في ترجمته بتهذيب التهذيب: فأرسل معاوية عاملا غيره فحبس الحكم و قيّده فمات في قيوده‏ (1)

و قال الطبري و غيره، فقال الحكم: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني فمات بخراسان بمرو.

قال المؤلّف: كره بعض العلماء هذا الخبر فأورده ناقصا محرّفا مثل الذهبي، فإنه قال في تاريخه «فكتب إليه لا تقسّم ذهبا و لا فضة فكتب إليه أقسم باللّه لو كانت السموات رتقا... الحديث.

و كتب ابن كثير: فجاء كتاب زياد إليه على لسان معاوية أن يصطفي من الغنيمة لمعاوية ما فيها من الذهب و الفضّة لبيت ماله.

و كتب ابن حجر بترجمته في التهذيب و الإصابة و اللفظ للأوّل: انّ معاوية وجّهه عاملا على خراسان ثمّ عتب عليه في شي‏ء فأرسل عاملا غيره فحبس الحكم و قيّده فمات في قيوده.

كانت هذه القصّة للحكم بن عمرو كما ذكرنا، و وهم من قال إنّها كانت للربيع بن زياد الحارثي، فإنّ هذا لمّا أتاه مقتل حجر بن عدي قال: اللّهم إن كان للربيع عندك خير فاقبضه. فلم يبرح من مجلسه حتّى مات. راجع ترجمته في أسد الغابة (2/164) .

هذا ما كان من شأن الخمس على عهد معاوية أمّا شأن تركة الرسول على عهده فقد ذكروا من شأن فدك ما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج قال:

____________

(1) نفس المصدر 5/288.

نسب الحكم إلى بني غفار و هو من بني عمّهم و في ترجمته بطبقات ابن سعد 7/1/18 صحب حتى توفي، أي صحب الرسول حتى توفي الرسول. و فيه و في الاستيعاب: أنه روى عن النبيّ. أخرج حديثه أصحاب الصحاح عدا مسلم تقريب التهذيب 1/192، و جوامع السيرة ص 306.

170

أقطع معاوية بعد موت الحسن بن عليّ مروان بن الحكم ثلث فدك، و أقطع عمرو بن عثمان بن عفّان ثلثها، و أقطع يزيد بن معاوية ثلثها، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان‏ (1) .

روى ابن سعد في طبقاته أنّ معاوية لمّا نزع مروان عن ولاية المدينة و غضب عليه قبض فدك منه فكانت بيد و كيله في المدينة، فطلبها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان من معاوية فأبى معاوية أن يعطيه، و طلبها سعيد بن العاص فأبى معاوية أن يعطيه، فلمّا ولى معاوية مروان المدينة المرّة الأخيرة ردّها عليه بغير طلب من مروان و ردّ عليه غلّتها في ما مضى فكانت بيد مروان‏ (2) .

و وهم بعضهم فظنّ أنّ معاوية كان أول من أقطع فدك مروان في حين إنّ عثمان أقطعها إيّاه قبل معاوية و لعل سبب الوهم هو دفع معاوية فدك إلى مروان في المرة الأخيرة كما ذكرنا.

{h9~{h9على عهد خلفاء بني أمية بعد معاويةh9}~h9}

كان تصرّف سائر خلفاء آل أميّة في الخمس-عدا ابن عبد العزي ز- تصرّف المرء في ما يملكه، يهبونه تارة لمن يشاءون كما يشاءون، و أخرى يكتنزونها في كنوزهم مع غيرها ممّا يستولون عليه مثل الوليد بن عبد الملك حين دفعها إلى ابنه عمر كما في سنن النسائي قال:

كتب عمر بن عبد العزيز الى عمر بن الوليد كتابا فيه: و قسم أبيك لك الخمس كلّه، و إنّما سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين و فيه حقّ اللّه و حقّ الرسول و ذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل فما أكثر خصماء أبيك، فكيف ينجو من كثرت خصماؤه؟و إظهارك المعازف و المزمار، بدعة في الإسلام، و لقد هممت أن أبعث إليك من يجز جمتك جمّة السوء (3) .

____________

(1) شرح نهج البلاغة ج 4/80.

(2) طبقات ابن سعد 5/288.

(3) النسائي، باب قسم الفي‏ء 2/178.

و عمر هذا: هو ابن الوليد بن عبد الملك بن مروان. قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ص 223-224:

و كان الوليد جبارا ظالما، و كان لحانا، ولي الخلافة في شوال سنة ست و ثمانين، و مات في نصف جمادى الآخرة سنة ست و تسعين و له إحدى و خمسون سنة.

171

لم نجد في غير هذا الحديث ذكرا عن أمر الخمس و تركة الرسول بعد معاوية و لا تغييرا حصل فيها عمّا كان الأمر عليه على عهد معاوية حتى ولي عمر بن عبد العزيز.

{h9~{h9على عهد عمر بن عبد العزيزh9}~h9}

كتب عمر بن عبد العزيز (1) إلى أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم قاضي المدينة أن يفحص له عن الكتيبة أ كانت خمس رسول اللّه من خيبر أم كانت لرسول اللّه خاصّة؟ففحص عنها و أجاب: إن الكتيبة كانت خمس رسول اللّه، فأرسل إليه عمر بن عبد العزيز أربعة آلاف دينار أو خمسة و أمره أن يضمّ إليها خمسة آلاف أو ستة آلاف دينار يأخذها من الكتيبة حتّى يبلغ مجموعها عشرة آلاف و يقسمها على بني هاشم و يسوي بينهم الذكر و الانثى و الصغير و الكبير ففعل‏ (2) .

و روى ابن سعد عن جعفر بن محمّد: انّ عمر بن عبد العزيز قسّم سهم ذي القربى بين بني عبد المطلب و لم يعط نساءهم اللاّتي كنّ من غير بني عبد المطلب.

و روى-أيضا-أنّ كتاب عمر بن عبد العزيز لما وصل إلى والي المدينة أن يقسم الخمس على بني هاشم أراد الوالي أن ينحي بني المطلب عن الخمس فقالت بنو عبد المطلب: لا نأخذ درهما واحدا حتّى يأخذوا. فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بذلك، فأجابه: إنّي ما فرقت بينهم و ما هم إلاّ من بني عبد المطلب في الحلف القديم العتيق فأجعلهم كبنى عبد المطّلب فأعطوا (3) .

و روى أبو يوسف في كتاب الخراج قال: إنّ عمر بن عبد العزيز بعث بسهم الرسول و سهم ذوي القربى إلى بني هاشم‏ (4) .

قال ابن سعد: فكتبت فاطمة بنت حسين تشكر له ما صنع و تقول: لقد أخدمت من كان لا خادم له و اكتسى من كان عاريا، فسر بذلك عمر (5) .

____________

(1) أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي ولد سنة 63 و بويع بالخلافة في صفر سنة تسع و تسعين و مكث فيها سنتين و خمسة أشهر و توفي في رجب سنة إحدى و مائة بدير سمعان في سفح قاسيون بدمشق ترجمته بطبقات ابن سعد ج 5/243، و تاريخ السيوطي 228، و العبر ج 1/120.

و أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري مات سنة عشرين و مائة و أخرج حديثه أصحاب الصحاح. تقريب التهذيب 2/399.

(2) طبقات ابن سعد ج 5/287-288 و قد أوردتها و ما يليها بإيجاز.

(3) طبقات ابن سعد 5/289.

(4) الخراج ص 25.

(5) طبقات ابن سعد 5/288.

172

و قال: قال عمر بن عبد العزيز: إن بقيت لكم أعطيتكم جميع حقوقكم‏ (1) .

{h10~{h10أمر فدك‏h10}~h10}

قال ياقوت: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى عامله بالمدينة يأمره بردّ فدك إلى ولد فاطمة (رض) (2) .

و بعد هذا في شرح النهج: فكتب إليه أبو بكر بن حزم: إن فاطمة عليها السلام قد ولدت في آل عثمان و آل فلان و فلان فعلى من أرد منهم؟ فكتب إليه: أما بعد فإنّي لو كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لكتبت إليّ أ جمّاء أم قرناء؟أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة (ع) من علي (ع) ، و السلام.

قال: فنقمت بنو أميّة ذلك على عمر بن عبد العزيز و عاتبوه فيه و قالوا: هجنت فعل الشيخين. و خرج إليه جماعة من أهل الكوفة فلمّا عاتبوه على فعله قال إنّكم جهلتم و علمت و نسيتم و ذكرت أنّ أبا بكر بن عمر بن حزم حدثني عن أبيه عن جدّه أنّ رسول اللّه (ص) قال: فاطمة بضعة منّي يسخطها ما يسخطني، و يرضيني ما أرضاها، و إنّ فدك كان صافية على عهد أبي بكر و عمر ثم صار أمرها إلى مروان، فوهبها لعبد العزيز أبي فورثتها أنا و إخوتي عنه فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها فمن بائع و واهب حتى استجمعت لي فرأيت أن أردّها على ولد فاطمة.

قالوا: فإن أبيت إلاّ هذا، فأمسك الأصل و اقسم الغلّة ففعل‏ (3) .

و في رواية أخرى: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، كانت أوّل ظلامة ردّها دعا حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب و قيل بل دعا علي بن الحسين (ع) فردّها عليه و كانت بيد أولاد فاطمة (ع) مدّة ولاية عمر بن عبد العزيز (4) .

{h9~{h9بعد عمر بن عبد العزيزh9}~h9}

لا ذكر للخمس بعد ابن عبد العزيز، أمّا فدك فقد قال ياقوت و ابن أبي الحديد:

____________

(1) طبقات ابن سعد 5/289.

(2) بمادة فدك من معجم البلدان.

(3) شرح النهج 4/103.

(4) شرح النهج 4/81.

173

لمّا ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم فصارت في ايدي بني مروان كما كانت، يتداولونها حتّى انتقلت الخلافة عنهم، فلما ولي أبو العباس السفاح ردّها على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، ثمّ قبضها أبو جعفر لما حدث من بني حسن ما حدث، ثمّ ردّها المهدي ابنه على ولد فاطمة (ع) ، ثمّ قبضها موسى بن المهدي و هارون أخوه، فلما تزل في أيديهم حتّى ولي المأمون فردّها على الفاطميين.

قال أبو بكر حدثني محمّد بن زكريا، قال حدثني مهدي بن سابق قال: جلس المأمون للمظالم فأوّل رقعة وقعت في يده نظر فيها و بكى و قال للذي على رأسه، ناد: أين وكيل فاطمة؟فقام شيخ عليه دراعة و عمامة و خف ثغري فتقدم فجعل يناظره في فدك و المأمون يحتجّ عليه و هو يحتجّ على المأمون، ثم أمر أن يسجل لهم بها فكتب السجل و قرئ عليه فأنفذه. فقام دعبل إلى المأمون فأنشد الأبيات الّتي أولها:

أصبح وجه الزمان قد ضحكا # برد مأمون هاشم فدكا

(1)

و تفصيل الكتاب ورد في فتوح البلدان قال: و لما كانت سنة عشر و مأتين أمر أمير المؤمنين المأمون عبد اللّه بن هارون الرشيد، فدفعها إلى ولد فاطمة و كتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة.

«أما بعد فإنّ أمير المؤمنين بمكانه من دين اللّه و خلافه رسول اللّه (ص)

____________

(1) شرح النهج 4/81، و فتوح البلدان بمادة فدك.

أبو خالد يزيد بن عبد الملك بن مروان و أمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية. ولد بدمشق و ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز سنة 101 ه بعهد من أخيه سليمان في مرآة الجنان 1/224-225 قال: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز فأتوه بأربعين شيخا شهدوا له أن الخلفاء لا حساب عليهم و لا عذاب. و غلبت جاريته حبابة في تولية الولاة و غيرها. و طرب يوما فقال دعونى أطير فقالت على من تدع الأمّة؟قال عليك.

و لما ماتت تركها ثلاثة أيّام حتى أنتنت و هو يشمّها و يقبلها و يبكي، و مات بعدها بأيام سنة خمس و مائة. قيل مات عشقا و لا يعلم خليفة مات عشقا غيره. راجع فهرست الأغاني و ابن الاثير 5/90-93، و تاريخ الخميس 2/318.

و السفاح أبو العباس بن محمّد بن علي بن عبد اللّه بن العباس أول الخلفاء العباسيين. ولد و نشأ بالشرارة و بويع له بالخلافة في الكوفة سنة 132 ه توفي بالجدري بالأنبار سنة 136 ه. راجع تاريخ ابن الأثير 5/125، و غيره في حوادث سنة 136 ه.

ولي بعده أخوه أبو جعفر المنصور عبد اللّه و توفي سنة 158 ه في طريق مكة و دفن بالحجون من مكة.

راجع حوادث سنة 158 ه من كتب التاريخ.

ولي بعده ابو عبد اللّه محمّد المهدي بن المنصور و توفي سنة 169 ه. ثم ولي بعده أبو محمّد موسى الهادي بن المهدي و توفي سنة 170 ه. ثم ولي بعده أبو جعفر أخوه هارون الرشيد و توفي سنة 193 ه. و ولي المأمون أبو جعفر عبد اللّه بن الرشيد سنة 198 ه بعد قتل أخيه الأمين و توفي سنة 218 ه.

174

و القرابة به أولى، من استنّ سنته و نفّذ أمره و سلّم لمن منحه منحة و تصدق عليه بصدقة منحته و صدقته و باللّه توفيق أمير المؤمنين و عصمته و إليه في العمل بما يقرّبه إليه رغبته.

و قد كان رسول اللّه (ص) أعطى فاطمة بنت رسول اللّه (ص) فدك و تصدق بها عليها و كان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول اللّه (ص) ، و لم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدّق عليه فرأى أمير المؤمنين أن يردها إلى ورثتها و يسلمها إليهم تقربا إلى اللّه تعالى بإقامة حقّه و عدله و إلى رسول اللّه (ص) بتنفيذ أمره و صدقته فأمر بإثبات ذلك في دواوينه و الكتاب به إلى عماله.

فلئن كان ينادي في كلّ موسم-بعد أن قبض اللّه نبيه (ص) -أن يذكر كلّ من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله و ينفذ عدته، إنّ فاطمة (رض) لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل (ص) لها و قد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول اللّه (ص) بحدودها و جميع حقوقها المنسوبة إليها و ما فيها من الرقيق و الغلات و غير ذلك و تسليمها إلى محمّد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين إيّاهما القيام بها لأهلها.

فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين و ما ألهمه اللّه من طاعته و وفقه له من التقرب إليه و إلى رسوله (ص) و أعلمه من قبلك و عامل محمّد بن يحيى و محمّد بن عبد اللّه بما كنت تعامل به المبارك الطبري، و أعنهما على ما فيه عمارتها و مصلحتها و وفور غلاتها إن شاء اللّه، و السلام.

و كتب يوم الأربعاء لليلتين خلت من ذي القعدة سنة عشر و مأتين: فلما استخلف المتوكل على اللّه رحمه اللّه أمر بردها على ما كانت عليه قبل المأمون رحمه اللّه‏ (1) .

و ذكر بقية الخبر ابن أبي الحديد و قال: فلم تزل في أيديهم حتّى كان أيّام المتوكل فأقطعها عبد اللّه بن عمر البازيار و فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه (ص) بيده فكان بنو فاطمة يأخذون تمرها فإذا كان أقدم الحاج اهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جليل فصرم عبد اللّه بن عمر البازيار ذلك التمر، وجه رجلا يقال له بشران بن أبي أميّة الثقفي إلى المدينة فصرمه ثمّ عاد إلى البصرة

____________

(1) خبر فدك في فتوح البلدان ص 37 و 38.

175

ففلج‏ (1) .

كان هذا آخر العهد باخبار فدك و الخمس من قبل خلفاء المسلمين. أمّا آراء علمائهم فكما يلي:

استعرضنا في ما سبق رأي الخلفاء في الخمس و فعلهم جيلا بعد جيل و رأينا كيف ناقض بعضه الآخر. و تضاربت كذلك آراء فقهاء مدرسة الخلفاء في الخمس تبعا لما فعله الخلفاء.

قال ابن رشد: و اختلفوا في الخمس على أربعة مذاهب مشهورة:

أحدها: أنّ الخمس يقسم على خمسة أقسام على نصّ الآية و به قال الشافعي.

و القول الثاني: أنّه يقسم على أربعة أخماس...

و القول الثالث: أنّه يقسّم اليوم ثلاثة أقسام، و أنّ سهم النبي و ذي القربى سقطا بموت النبي.

و القول الرابع: أنّ الخمس بمنزلة الفي‏ء يعطى منه الغنيّ و الفقير.

و الذين قالوا يقسم أربعة أخماس أو خمسة اختلفوا فيما يفعل بسهم رسول اللّه (ص) و سهم القرابة بعد موته، فقال قوم: يردّ على سائر الأصناف الّذين لهم الخمس، و قال قوم: بل يردّ على باقي الجيش، و قال قوم: بل سهم رسول اللّه (ص) للإمام، و سهم ذوي القربى لقرابة الإمام. و قال قوم: بل يجعلان في السلاح و العدّة.

و اختلفوا في القرابة من هم؟ (2) .

و قال ابن قدامة في المغني بعد ما روى أنّ أبا بكر قسّم الخمس على ثلاثة أسهم:

و هو قول أصحاب الرأي‏ - أبي حنيفة و جماعته-قالوا: يقسّم الخمس على ثلاثة: اليتامى و المساكين و ابن السبيل و أسقطوا سهم رسول اللّه بموته و سهم قرابته أيضا.

و قال مالك: الفي‏ء و الخمس واحد يجعلان في بيت المال» .

و قال الثوري و الحسن يضعه الإمام حيث أراه اللّه عزّ و جلّ.

____________

(1) شرح النهج ج 4/81.

(2) ابن رشد في الفصل الأول في حكم الخمس ج 1/407 من بداية المجتهد.

176

و ما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الآية فإنّ اللّه تعالى سمّى لرسوله و قرابته شيئا و جعل لهما في الخمس حقّا كما سمّى الثلاثة الاصناف الباقية فمن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب، و أما حمل أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما على سهم ذي القربى في سبيل اللّه فقد ذكر لأحمد فسكت و حرّك رأسه و لم يذهب إليه، و رأى أنّ قول ابن عبّاس و من وافقه أولى، لموافقته كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه (ص) ... » (1)

و رأى أبو يعلى و الماوردي أنّ تعيين مصرف الخمس منوط باجتهاد الخلفاء (2) .

*** لقد طال بنا الحديث عن اجتهاد الخلفاء في الخمس و حقّ ابنة الرسول و تشعّب و لا بدّ لنا من أجل استيعاب الفكرة و أخذ النتيجة أن نلخّص البحث و نضيف إليه بعض الإيضاحات في ما يلي:

{h9~{h9خلاصة البحث: h9}~h9}

من أجل فهم مغزى اجتهاد الخلفاء في الخمس و في حقّ ابنة الرسول بعد ما لابسهما الغموض خلال أحقاب طويلة، اضطررنا أوّلا إلى درس المصطلحات الإسلامية:

الزكاة و الصدقة و الفي‏ء و الصفيّ و الأنفال و الغنيمة و الخمس فوجدنا:

أ- إنّ الزكاة في الشرع الإسلامي بمعنى: عامّة حقّ اللّه في المال.

ب- و أنّ الصدقة: اسم لما يجب إخراجه من النقدين و الغلاّت و الأنعام إذا بلغ أحدها النصاب، و ما فرض دفعه يوم عيد الفطر. و ممّا يدلّ على ما ذكرنا؛ أنّ الخمس و الصدقة و الصفيّ ذكرت في كتاب رسول اللّه لبيان أنواع الزكاة. إذا فالصدقة صنف من أصناف الزكاة و ليست مرادفة لها، و بالإضافة إلى ذلك لنا أن نقول: كيف تكون الزكاة بمعنى الصدقة و قد وردت في الآيات المكيّة و قبل أن ينزل تشريع الصدقة في المدينة (3) ؟و على ضوء ما ذكرنا تفسّر الزكاة في الحديث الشريف «إذا أدّيت زكاة مالك

____________

(1) المغني لابن قدامة ج 7/301 باب تسمية الفي‏ء و الغنيمة. و ابن قدامة هو موفق الدين، أبو محمد عبد اللّه بن محمّد بن أحمد بن محمود بن قدامة (ت 630 هـ) .

(2) باب قسم الفي‏ء من الأحكام السلطانية للماوردي ص 126، و ص 120 من الأحكام السلطانية لأبي يعلى.

(3) مثل قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكََاةِ فََاعِلُونَ الآية 4 سورة «المؤمنون» ، و قوله تعالى:

فَسَأَكْتُبُهََا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ الآية 156 من الأعراف، و كذلك الزكاة في الآيات 13 و 31 و 55

177

فقد قضيت حقّ اللّه في المال» : بأنّه إذا أدّيت المفروض عليك في مالك فقد قضيت حقّ اللّه، و أمّا الدفع المستحبّ من المال فهو نفل و ليس بحقّ، و كذلك تفسّر في الحديث «من استفاد مالا فلا زكاة حتّى يحول الحول» بانّه لا حقّ للّه في ماله حتّى يحول الحول.

و كذلك الشأن في نظائرهما.

الصدقة مشتركة في ما ذكرناه آنفا و في ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة نفلا كان أو فرضا، و الفرق بينهما أنّ الحقّ المفروض في النقدين و الغلاّت و الأنعام اذا اخذها الحاكم قهرا يكون زكاة و صدقة واجبة و ليس بالصدقة التي يخرجها الإنسان على وجه القربة.

ج- و أنّ الفي‏ء: ما حصل من أموال الكفّار من غير حرب. و أجمعوا على أنّ أموال بني النضير كانت من الفي‏ء، و أنّ النبي تصرّف فيها تصرّف الملاّك في أملاكهم.

د- الأنفال، جمع النفل: العطيّة و الهبة، و النفل: الزيادة على الواجب، و انفله: أعطاه زيادة و استعمل الأنفال في القرآن الكريم في غزاة بدر حين سلب اللّه عن المسلمين تملّك ما حازوه من المشركين يوم ذاك. و استعمل في أحاديث أئمة أهل البيت و أريد به كلّ ما أخذ من دار الحرب بغير قتال و كلّ أرض انجلى عنها أهلها بغير حرب و على قطائع الملوك و الآجام و الأرضين الموات و ما شابهها.

هـ- و أن الغنيمة و المغنم: كانت العرب في الجاهلية و الإسلام تقول: غنم الشي‏ء غنما إذا فاز به بلا مشقّة، و الاغتنام: انتهاز المغنم، و المغنم ما يغنم، و تقول لما يحصل من جهة العدى-و هو ما لا يخلو من مشقة-: سلبه، إذا أخذ ما على المسلوب و ما معه من ثياب و سلاح و دابّة، و تقول: حربه، إذا أخذ كلّ ماله، و كانت النهيبة و النهبى عندهم تساوق الغنيمة و المغنم في عصرنا. و أوّل ما استعمل مادّة «غنم» في كسب المال مطلقا و بلا لحاظ «الفوز بلا مشقّة» كان في القرآن الكريم، و في ما جمع من مال العدوّ ببدر، و بعد أن سلب اللّه ملكية الإفراد عنه و سمّاه الأنفال و جعله للّه و لرسوله ثمّ جعله مغنما للجماعة، و شرع اللّه في الآية دفع الخمس من مطلق المغانم للّه و لرسوله و لذوي قرباه بعد أن كان في الجاهلية المرباع للرئيس خاصّة، و عمّم مورد الأخذ و جعله من مطلق المغانم و نزّل الفرض من الربع إلى الخمس و وزّعه على ستة سهام بدل أن يكون

____________

قمن سورة مريم، و 73 من سورة الأنبياء، و فرضت الصدقة في السنة السابعة أو الثامنة أو التاسعة من بعد هجرة الرسول إلى المدينة.

178

سهما واحدا و خاصّا بالرئيس.

و ممّا يدلّ على أنّ الخمس فرض دفعه من مطلق المغانم-بالإضافة إلى ما ذكرنا-: إجماع المسلمين على أنّ الرسول أخذ الخمس من المال المستخرج من الأرض معدنا أو كنزا و هو ليس ممّا حازه المسلمون من العدى في الحرب.

و يدلّ على ذلك من السنّة-أيضا-أمر الرسول وفد عبد القيس أن يدفعوا «الخمس من المغنم» ، قال لهم ذلك عند ما سألوه أن يعلّمهم أحكام الإسلام كي يعلموا قبيلتهم فانهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الاشهر الحرم خوفا من مضر و لا يتصور لهذه القبيلة أن تكون غازية ليكون المراد من المغنم هنا غنائم الحرب، فلا بدّ إذا أن يكون المراد من المغنم مطلق المال المكتسب.

و كذلك الشأن في ما ورد في كتب الرسول لسائر القبائل العربية الّتي أسلمت، و كذلك في عهوده لولاته، مثل ما ورد في كتاب عهده لولاته الّذين بعثهم إلى اليمن بعد إسلام أهل اليمن «أن يأخذ-الوالي-من المغانم خمس اللّه و ما كتب على المؤمنين الصدقة» .

و كذلك ما ورد في كتاب الرسول لقبيلة سعد «أن يدفعوا الخمس و الصدقة لرسوليه» فإنّ هذه القبيلة لم تكن قد خاضت حربا ليطلب النبيّ منها أن تدفع إلى رسوليه خمس غنائم حربهم، و إنّما طلب منهم دفع الصدقة من مواردها و دفع خمس أرباحهم.

و كذلك المراد من خمس المغنم في سائر كتبه إلى القبائل العربية المسلمة، خمس أرباح مكاسبها و يؤكّد ما ذكرنا، أنّ حكم الحرب في الإسلام يخالف ما كانت عليه العرب في الجاهلية حيث كان لكلّ قبيلة الحقّ في الإغارة على غير حلفائها و نهب أموالهم كيف ما اتفق، و عند ذاك يملك كلّ فرد ما نهب و سلب و حرب و ما عليه شي‏ء عدا دفع المرباع للرئيس، ليس الأمر هكذا في الإسلام لتصحّ مطالبة النبيّ القبائل بخمس غنائم حروبهم بدل الربع بل إنّ الحاكم الأعلى في الإسلام هو الّذي يقرّر الحرب وفق قوانين الإسلام، و المسلمون ينفّذون أوامره، ثم إنّ الحاكم هو الّذي يلي بعد الفتح قبض الغنائم أو يلي ذلك نائبه، و لا يملك أحد من الغزاة غير سلب القتيل شيئا، بل يأتي كلّ غاز بما سلب حتّى الخيط و المخيط و إلاّ عدّ من الغلول الّذي هو عار و شنار على أهله و نار

179

يوم القيامة، ثمّ إنّ الحاكم هو الّذي يقبض الخمس من الغنائم و يقسّم الباقي على المجموعة.

إذا فالحاكم هو الذي يعلن الحرب في الإسلام، و هو الّذي يقبض الغنائم و يأخذ خمسها بنفسه، ثمّ يقسّم الباقي، و ليس غيره الّذي يدفع الخمس إليه، و إذا كان الأمر هكذا في الإسلام و كان إخراج الخمس على عهد النّبي من شئون النبيّ في هذه الامّة فما معنى طلب النبيّ الخمس من الناس و تأكيده ذلك في كتاب بعد كتاب إن لم يكن الخمس في تلك الكتب مثل الصدقة ممّا يجب على المخاطبين دفعه من أموالهم، و ليس خاصّا بغنائم الحرب؟ و بناء على ما ذكرنا فقد كان النبيّ يطلب ممّن أسلم أن يؤدّي الخمس من كل ما غنم عدا ما فرضت فيه الصدقة، و كان مدلول الغنائم و المغانم يوم ذاك مساوقا لمطلق ما ظفر به من المال، ثم تطوّر مدلول هذه المادّة عند المسلمين من بعد انتشار الفتوح و منع الخلفاء الخمس من أهله و نسيان المسلمين هذا الحكم.

أمّا مواضع الخمس فقد نصّت آية الخمس على أن الخمس للّه و لرسوله و لذوي قربى الرسول و يتاماهم و مساكينهم و أبناء سبيلهم. فالخمس إذا يقسّم ستة أسهم و ما ورد في بعض الروايات من أنّ سهم اللّه و سهم الرسول واحد إن كان المقصود إن سبيلهما واحدا و إنّ الرسول يتصرف فيهما فهو صواب، و إلاّ فهو مخالف لظاهر الآية.

و تواترت الروايات عن أئمة اهل البيت بأن سهم ذي القربى لأهل البيت في عصر الرسول و من بعده لهم و لسائر الائمة الاثني عشر من أهل البيت، و أنّ السهام الثلاثة للّه و لرسوله و لذي قرباه للعنوان، و أنّ سهم اللّه لرسوله يضعه حيث يشاء، و السهمان بعد الرسول للإمام القائم مقامه. و على هذا فنصف الخمس في هذه العصور لإمام العصر من حيث إمامته، و النصف الآخر من الخمس لغير أهل بيت النبيّ من أيتام أقرباء النبيّ و مساكينهم و أبناء سبيلهم و هم يستحقّونه بقرابتهم من النبيّ من جهة الأب و حاجتهم إليه في مئونتهم و أن فضل عنهم شي‏ء فللوالي، و إن نقص فعلى الوالي أن يسدّ عوزهم، و ما قبضه أحدهم من الخمس و تملّكه ينتقل بعد وفاته لورثته و أقرباء النبيّ من غير أهل البيت الّذين يستحقّون نصف الخمس بالفقر، هم ذكور أولاد عبد المطّلب و ذكور أولاد المطّلب الّذين حرمت عليهم الصدقة، و لم يرض الرسول أن يلي أحدهم على الصدقات و يصيب من سهم العاملين عليها حتّى مولاهم، فإنّه منع مولاه‏

180

من الاشتراك مع عامل الصدقة كي لا يصيب منها (1) ، و تابعه على ذلك أهل بيته.

و من هنا يتّضح خطأ من زعم أنّه بعث ابن عمّه الإمام عليّا إلى اليمن لقبض الصدقة مثل ابن هشام، بل بعثه لقبض الخمس كما صرّح به غيره.

قال ابن هشام في باب خروج الأمراء و العمّال على الصدقات من سيرته:

و كان رسول اللّه (ص) قد بعث أمراءه و عمّاله على الصدقات إلى قوله: و بعث عليّ بن أبي طالب الى نجران ليجمع صدقتهم و يقدم عليه بجزيتهم.

ثم قال في باب موافاة عليّ رضوان اللّه عليه رسول اللّه (ص) في الحجّ: لما اقبل عليّ (رض) من اليمن ليلقى رسول اللّه (ص) بمكّة تعجّل الى رسول اللّه (ص) و استخلف على جنده الّذين معه رجلا من أصحابه فعمد ذلك فكسى كلّ رجل من القوم حلّة من البزّ الّذي كان مع عليّ (رض) فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، قال:

ويلك ما هذا؟قال: كسوت القوم ليتجمّلوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك انزع قبل أن تنتهي به إلى رسول اللّه (ص) ، قال: فانتزع الحلل من الناس فردّها في البزّ.

قال: و أظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.

قال: فاشتكى الناس عليّا (رض) ، فقام رسول اللّه فينا خطيبا فسمعته يقول:

«أيّها الناس لا تشكوا عليّا، فو اللّه أنّه لأخشن في ذات اللّه أو في سبيل اللّه من أن يشكى» (2) .

{h10~{h10و قال في فصل السرايا و البعوث: h10}~h10}

و غزوة عليّ بن أبي طالب (رض) إلى اليمن، غزاها مرّتين. قال: بعث رسول اللّه (ص) علي بن أبي طالب إلى اليمن، و بعث خالد بن الوليد في جند آخر و قال: إن التقيتما فالأمير عليّ بن أبي طالب‏ (3) .

إذا فقد ذكروا ثلاث خرجات للإمام إلى اليمن غازيا في اثنتين، و جابيا في

____________

(1) سيرة ابن هشام 4/273-275، و الإمتاع ص 509، فقد روى البيهقي في سننه الكبرى:

إنّ أم كلثوم منعت من إعطاء مواليها الصدقة، و روت عن جدها الرسول أنه قال: «إنّا أهل بيت نهينا عن الصدقة، و إن موالينا من أنفسنا» ، و قال: فلا تأكلوا الصدقة.

(2) سيرة ابن هشام 4/275.

(3) سيرة ابن هشام 4/319، و ابن كثير 7/343، و راجع طبقات ابن سعد 2/169، و عيون الأثر 2/271.

181

واحدة و قد غمّت على العلماء أخبار تلك الخرجات، و التبست و نحن نوجز أخبارها في ما يلي ليتبيّن لنا الصواب في الأمر.

في صحيح البخاري عن البراء بن عازب، قال: بعثنا رسول اللّه (ص) مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثمّ بعث عليّا بعد ذلك مكانه، فقال: «مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب» الحديث‏ (1) .

و قد روى البيهقي تفصيل هذا الخبر عن البراء قال: إنّ رسول اللّه (ص) بعث خالد بن الوليد إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء فكنت في من خرج مع خالد ابن الوليد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثمّ إنّ رسول اللّه (ص) بعث عليّ بن أبي طالب و أمره أن يقفل خالدا إلاّ رجلا كان مع خالد فأحبّ أن يعقب مع عليّ فليعقب معه قال البراء فكنت في من عقب مع عليّ فلمّا دنونا من القوم خرجوا إلينا ثمّ تقدّم فصلّى بنا عليّ ثمّ صفّنا صفّا واحدا ثم تقدّم بين أيدينا و قرأ عليهم كتاب رسول اللّه (ص) فأسلمت همدان جميعا، فكتب عليّ إلى رسول اللّه بإسلامهم، فلمّا قرأ رسول اللّه (ص) الكتاب خرّ ساجدا ثمّ رفع رأسه فقال: «السلام على همدان السلام على همدان» (2) .

و في عيون الأثر و إمتاع الأسماع بعده و اللفظ للإمتاع: فقال: السلام على همدان و كرّر ذلك ثلاثا، ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام‏ (3) .

هذا خبر إحدى الغزوتين، أورده البخاري مقتضبا، و أورد غيره تمام الخبر لما في بقية الخبر من انتقاص لمقام الصحابي الشهير خالد بن الوليد مقابل منقبة للإمام علي.

و إمام المحدّثين البخاري (رض) يتجنب ذكر ما فيه منقصة لذوي الجاه من الصحابة من فرط غيرته عليهم و تعصّبه لهم.

و خبر الغزوة الثانية في العدد لا في من أورده الواقدي و المقريزي و ابن سيده و هذا موجز خبره: بعث النبيّ عليا مع ثلاثمائة إلى أرض مذحج و كانت خيله أوّل خيل دخلت تلك البلاد ففرّق أصحابه فأتوا بنهب و سبي، ثمّ لقي جمعا فدعاهم إلى الإسلام فأبوا و رموا في أصحابه فحمل عليهم و قتل منهم عشرين فارسا، فانهزموا فلم

____________

(1) البخاري 3/50 و كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب و خالد بن الوليد إلى اليمن.

(2) عيون الأثر 2/272 باب سرية علي بن أبي طالب، و الإمتاع ص 510.

(3) نقل الخبر ابن كثير في 5/105 من تاريخه، باب بعث رسول اللّه (ص) علي بن أبي طالب و خالد بن الوليد إلى اليمن.

182

يتبعهم، و دعاهم إلى الإسلام فأجابوا و بايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، فخمّس الغنائم، و وزّع أربعة أخماسها على جنده، و سار بهم راجعا و أسرع ليلقى رسول اللّه، و خلّف عليهم أبا رافع فسألوا أبا رافع أن يكسوهم فكساهم ثوبين ثوبين، فلمّا رجع إليهم عليّ و تلقّاهم جرّدهم منها فشكوه إلى النبي‏ (1) .

كان هذا موجز أخبار الغزوتين. أمّا خبر بعثه لجباية المال فقد قال البخاري و ابن القيّم: أنّه كان لقبض الخمس‏ (2) و قال ابن هشام و من تبعه أنّه كان لقبض الصدقة و جزية أهل نجران.

و هناك أخبار أخرى عن خرجات الإمام إلى اليمن منتشرة في كتب الصحاح و المسانيد و السير، غير أنّها لم تعيّن في أي خرجاته كانت، مثل ما رواه البخاري و مسلم و النسائي و أحمد و اللفظ للأوّل، قال: بعث عليّ و هو باليمن إلى النّبي بذهيبة في تربتها (3) .

و في رواية: في أديم مقروظ لم تحصّل من ترابها (4) .

في تربتها: أي أنّها غير مسبوكة و لم تصفّ من تراب معدنها، و أديم مقروظ:

جلد مدبوغ بالقرظ.

و هناك روايات عن إرسال النبيّ إيّاه قاضيا إلى اليمن و شرح بعض أحكامه عند ذاك مثل ما في مسند أحمد و سنن أبي داود، باب كيف القضاء؟عن عليّ، قال:

بعثني رسول اللّه (ص) إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول اللّه: تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث و لا علم لي بالقضاء، فقال: «إنّ اللّه سيهدي قلبك و يثبّت لسانك» .

____________

(1) مغازي الواقدي 3/1079-1081، و إمتاع الأسماع ص 503-504، و عيون الأثر 2/271 -272.

(2) البخاري 3/50 باب بعث علي و خالد إلى اليمن، و ابن القيم بهامش شرح المواهب 1/121 قال في فصل أمرائه: و ولى علي بن أبي طالب الأخماس باليمن و القضاء بها.

(3) البخاري 4/188 كتاب التوحيد، باب قوله تعالى‏ تَعْرُجُ اَلْمَلاََئِكَةُ... ، و النسائي 2/359 كتاب الزكاة، باب المؤلفة قلوبهم، و مسند احمد ج 3/68 و 72 و 73، و قريب منه في البخاري 2/155، و مسلم كتاب الزكاة ح 143، و سنن أبي داود 3/301 و 4/174 باب تحريم الدم، و ص 243 منه ح 4764 كتاب السنة، باب في قتال الخوارج.

(4) البخاري 3/50 كتاب المغازي باب بعث علي، و مسلم ج 2/741 ح 143، و ص 743 منه ح 144، و مسند احمد 3/4، و ص 3 منه بإيجاز مخل.

183

و في مسند أحمد: فوضع يده على صدري، فقال: «ثبّتك اللّه و سدّدك.

فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل، فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء» قال: ما شككت في قضاء بعد (1) .

و ذكروا من قضاياه في هذه الخرجة بعض ما استطرفوه، مثل ما رووا أنّ ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليّا يختصمون إليه في ولد و قد وقعوا على المرأة في طهر واحد، فقال لاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا، فأبيا، ثمّ قال لاثنين طيبا لهذا بالولد فأبيا فقال: أنتم شركاء متشاكسون!إنّي مقرع بينكم فمن قرع فله الولد و عليه لصاحبيه ثلثا الدية، فأقرع بينهم، فجعله لمن قرع، فأتى من اليمن أحدهم و أخبر النبي بذلك فضحك رسول اللّه (ص) حتّى بدت نواجذه‏ (2) .

و قضية أخرى نوردها من لفظ الإمام بإيجاز، قال: بعثني رسول اللّه إلى اليمن، ثمّ حدّث عن قوم بنوا زبية للأسد فوقع فيها الأسد فأكبّ الناس عليه فوقع فيها رجل فتعلّق بآخر و تعلّق الآخر بآخر حتّى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله، و ماتوا عن جراحتهم كلّهم، فقام أولياء الأوّل إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم عليّ على تفيئة ذلك، فقال: أ تريدون أن تقاتلوا و رسول اللّه (ص) حيّ؟! و في رواية: أ تقتلون مائتين في أربعة؟!إنّي أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء، و إلاّ حجز بعضكم عن بعض حتّى تأتوا النبيّ (ص) فيكون هو الّذي يقضي بينكم فمن عدا بعد ذلك فلا حقّ له. اجمعوا من قبائل الّذين حفروا البئر ربع الدية و ثلث الدية و نصف الدية و الدية كاملة، فللأوّل الربع لأنّه أهلك من فوقه، و للثاني ثلث الدية و للثالث نصف الدية و للرابع الدية كاملة، فأبوا أن يرضوا، فأتوا النبي و هو عند مقام إبراهيم فقصّوا عليه القصّة، فقال «أنا أقضي بينكم» و احتبى، فقال رجل

____________

(1) سنن أبي داود 3/301 ح 3582، و ابن ماجة، كتاب الأحكام ح 2310، و مسند أحمد 1/149 و ص 111 منه ح 882، و راجع ص 84 منه ح 636، و ص 88 منه ح 666.

(2) سنن ابن ماجة، كتاب الأحكام ح 2348، و سنن أبي داود 2/281 باب من قال بالقرعة، و تاريخ ابن كثير 5/107.

أو جزت لفظ الحديث، و يبدو أن محادثة وقوعهم على امرأة واحدة في طهر واحد وقعت من الرجال الثلاثة زمن جاهليتهم و ولدت المرأة بعد إسلامهم فتحاكموا عند الإمام حال إسلامهم.

184

من القوم، إنّ عليّا قضى فينا، فقصّ عليه القصّة فأجازه رسول اللّه (ص) (1) .

هذه أخبار خرجات الإمام إلى اليمن، نسب العلماء وقوع حوادث بعث خرجاته إلى غيره توهّما، و بعضهم أورد أخبار خرجاته الثلاث مجتمعة في مكان واحد (2) ، و آخرون أوردوها في مكانين‏ (3) . لهذا و لغير هذا (4) وردت أخبار خرجات الإمام إلى اليمن غامضة و موهمة، و لعلّنا نستطيع أن نستكشف الحقيقة من طبيعة الحوادث المرويّة عن خرجات الإمام إلى اليمن، فلنا أن نقول مثلا: إنّ غزاة مذحج كانت الأولى في خرجاته إلى اليمن و غزاة، همدان الثانية، و في الثالثة ذهب واليا و قاضيا و مخمّسا و دليلنا على ما نقول:

أوّلا- إنّهم في غزاة مذحج قالوا: كانت خيله أوّل خيل دخلت تلك البلاد، أي بلاد اليمن.

ثانيا- وقوع القتال في غزاة مذحج دون غزاة همدان و ينبغي أن يكون القتال قبل السلم، و إنّهم قالوا في غزاة همدان: «أسلمت همدان جميعا» و قالوا: «ثمّ تتابع أهل اليمن على الإسلام» . إذا لا قتال في اليمن بعد هذا و إنّما أرسل النبيّ ولاته و جباته إليها و من ضمنهم الإمام، و كانت هذه ثالثة خرجاته إليها حيث أرسله النبيّ واليا و قاضيا و مخمّسا، و صدرت منه في هذه المرّة أحكام سارت بذكرها الركبان، و في هذه المرّة أرسل ذهيبة في ترابها إلى النبيّ و لم تكن الذهبية من غنائم الحرب لأنّ أهل اليمن كانوا قد أسلموا و بعث النبيّ إليهم الولاة و القضاة و المصدّقين، و لأنّ غنائم الحرب يحملها الجيش الغازي معه إلى المدينة بعد انتهاء الغزوة سواء سهام الخمس منها أو بقيّة الغنائم الموزّعة على أفراد الجيش و لا معنى لإرسال المال في هذه الحالة قبل عودة الجيش إلى

____________

(1) مسند أحمد 1/77 ح 573، و ح 574، و ص 128 منه ح 1064، و ص 152 ح 1309 و مجمع الزوائد 6/287، و المنتقى ح 3994.

(2) مثل ابن كثير في تاريخه فإنّه أورد جميع أخبار خرجاته تحت عنوان «باب بعث رسول اللّه علي بن أبي طالب و خالد بن الوليد إلى اليمن. »

(3) مثل ابن هشام و من تبعه فإنّهم أوردوها في باب خروج الأمراء و العمال على الصدقات في السنة العاشرة، و في باب تعداد السرايا و البعوث.

(4) ما كانت الظروف في عصور يلعن الإمام على جميع منابر المسلمين و خاصة في خطبة الجمعة تسمح لنشر أخبار فيها فضيلة و منقبة للإمام، فإنّ الولاة كانوا يطاردون من يذكر الإمام بخير منذ عصر معاوية حتى القرن الأول من عصر بني العباس عدا عصر ابن عبد العزيز و عصر السفاح.

185

المدينة بل ينبغي أن يكون بعث المال من قبل الوالي و العامل.

و لم تكن الذهبية من الصدقات لما ثبت أنّ النبيّ لا يبعث الإمام عاملا على الصدقة. و يؤيّد ذلك ما في فقه أئمّة أهل البيت من اشتراط كون الذهب و الفضّة مسكوكين لتجب فيهما الصدقة (1) .

و لم تكن الذهبية من جزي أهل نجران لأنّ جزيتهم كانت محدّدة في ألفي حلّة ثمن كلّ حلّة أربعون درهما (2) . إذا فقد كانت الذهبية من خمس السيوب أو خمس أرباح المكاسب.

و على ما ذكرنا كان النبيّ قد بعث الإمام إلى اليمن في هذه المرّة مخمّسا كما أرسل رسوليه ابيّا و عنبسة إلى سعد هذيم من قضاعة و إلى جذام مصدّقين و مخمسين‏ (3)

و لعل غيرهم من عمّال رسول اللّه ممّن ذكروا في عداد المصدّقين أيضا كانوا مأمورين بأخذ الخمس بالإضافة إلى أخذ الصدقة، و أنّهم كانوا قد أخذوا الخمس من موارده و دفعوه إلى رسول اللّه، غير أنّ الخلفاء لمّا رفعوا الخمس بعد رسول اللّه‏ (4) أهمل الرواة و العلماء ذكره، لأنّه كان يخالف سياسة الخلفاء في أدوار الخلافة الإسلامية.

و إذا أضفنا إلى ما ذكرنا ملاحظة ثروة سكان شبه الجزيرة العربية يوم ذاك، و أنّ عامّة ثروة القبائل كانت من الأنعام و قليلا من الغرس و الزرع، و أنّ كلّ تلك كانت من موارد الصدقات و لم تكن من موارد الخمس، و كانت المدينة عاصمة الإسلام أيضا بلدا زراعيا، و كانت عامّة ثروة أهلها الزرع و الضرع، و أنّ التجارة كانت منحصرة بأهل مكة و بعض قبائل أهل الكتاب، و أنّ انصراف المسلمين بالمدينة إلى الحرب ضدّ قريش و اليهود و سائر القبائل العربية و الّتي ناف عددها على الثمانين بين غزوة و سريّة في زهاء عشر سنوات، أي بمعدل ثماني معارك حربيّة في كلّ سنة؛ أدّى ذلك كلّه إلى جعل الطرق التجارية في الحجاز مجالا للإغارة و الغزو و السلب بين الأطراف المتحاربة و انقطاع التجارة في تلك السنوات، و من أجل ذلك ندر وجود مورد ربح غير موارد الصدقات.

____________

(1) راجع فصل زكاة النقدين في فقه الإمامية مثل مصباح الفقيه للهمداني ص 53 من كتاب الزكاة.

(2) راجع إمتاع الأسماع ص 502.

(3) راجع قبله ص 102-103.

(4) كما جابهت به ابنة النبيّ أبا بكر.

186

كلّ هذا العوامل أدّت إلى عدم انتشار أخبار أخذ الرسول الخمس من أرباح المكاسب في كتب السيرة و الحديث. أمّا اخبار أخذه الخمس من الكنوز و المعادن و بعثه المخمّسين مع المصدّقين فقد أوردنا ما وجدنا من أخبارها على قلّة ما لدينا من مصادر هذه الدراسات.

الصدقة بعد الرسول (ص)

تابع أئمة أهل البيت الرسول (ص) في تحريمهم الصدقة على ذوي قربى الرسول (ص) فقد قال الإمام جعفر الصادق في جواب من قال له: إذا منعتم الخمس هل تحلّ لكم الصدقة؟: «لا و اللّه ما يحلّ لنا ما حرّم علينا بغصب الظالمين حقّنا، و ليس منعهم إيّانا ما أحلّ اللّه لنا بمحلّ لنا ما حرّم اللّه علينا» .

أمّا الخلفاء فقد استولوا على تركة الرسول و هي:

أ- الحوائط السبعة (وصية مخيريق) .

ب- أرضه من أموال بني النضير.

ج، د، هـ- الحصون الثلاثة: في خيبر.

و- الثلث من أرض وادي القرى.

ز- مهزور (موضع سوق بالمدينة) .

ح- فدك.

و كان الرسول قد وقف ستة من الحوائط السبعة فهي صدقة الرسول، و وهب شيئا من أراضي بني النضير لأبي بكر و عبد الرحمن بن عوف و أبي دجانة، و أعطى أزواجه من حصون خيبر، و اعطى فدك لفاطمة و أعطى، حمزة بن النعمان العذري رمية سوط من وادي القرى.

لمّا توفّي الرسول جاء أبو بكر و عمر إلى عليّ فقال له عمر: ما تقول في ما ترك رسول اللّه؟ قال علي: نحن أحقّ الناس برسول اللّه.

قال عمر: و الّذي بخيبر؟ قال علي: و الّذي بخيبر.

قال عمر: و الّذي بفدك؟ قال علي: و الّذي بفدك.

187

قال عمر: أما و اللّه حتّى تحزّوا رقابنا بالمناشير فلا.

و دفع أبو بكر إلى عليّ آلة رسول اللّه و دابّته و حذاءه و قال: ما سوى ذلك صدقة، و استولى على كلّ ما تركه الرسول مرّة واحدة حتّى فدك و لم يتعرّض لشي‏ء ممّا وهبه النبيّ لسائر المسلمين فخاصمتهم فاطمة في ثلاثة أمور:

أ- في فدك منحة الرسول إيّاها: فطلب أبو بكر منها البيّنة فشهد لها رجل و امرأة فرفض شهادتهما لأنّهما لم يكونا رجلين أو رجلا و امرأتين.

ب- في إرثها من الرسول: بعد عشرة أيّام من وفاة رسول اللّه جاءت فاطمة إلى أبي بكر و معها عليّ و العباس فقالت: ميراثي من رسول اللّه أبي، فقال أبو بكر: أ من الرثّة أو من العقد؟قالت: فدك و خيبر و صدقته بالمدينة أرثها كما ترثك بناتك، فقال أبو بكر: أبوك و اللّه خير منّي، و أنت و اللّه خير من بناتي.

و في رواية قالت: من يرثك إذا متّ؟ قال ولدي و أهلي.

قالت: ما بالك ورثت رسول اللّه دوننا؟ قال: يا بنت رسول اللّه ما فعلت، ما ورثت أباك أرضا و لا ذهبا و لا فضّة و لا غلاما و لا ولدا.

فقالت: سهمنا بخيبر و صافيتنا بفدك.

قال: سمعت رسول اللّه يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال-يعني مال اللّه-ليس لهم أن يزيدوا على المأكل» ما كان النبيّ يعول فعليّ. فقال عليّ «و ورث سليمان داود» و قال: «يرثني و يرث من آل يعقوب» قال أبو بكر: هو هكذا، و انت و اللّه تعلم مثل ما أعلم، فقال عليّ: هذا كتاب اللّه ينطق، فسكتوا و انصرفوا.

ج- في سهم ذي القربى: لمّا منع أبو بكر فاطمة و بني هاشم سهم ذوي القربى و جعله في السلاح و الكراع أتته فاطمة و قالت:

لقد علمت الّذي ظلمتنا أهل البيت من الصدقات (أي أخذت أوقاف رسول اللّه) و ما أفاء اللّه علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى ثمّ قرأت عليه:

وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ... الآية.

و في رواية قالت: عمدت الى ما أنزل اللّه فينا من السماء فرفعته عنّا.

188

فقال أبو بكر: بأبي أنت و أمّي و والد ولدك، السمع و الطاعة لكتاب اللّه و لحق رسول اللّه و حق ابنته و أنا أقرأ من كتاب اللّه الّذي تقرئين منه و لم يبلغ علمي منه أنّ هذا السهم من الخمس مسلّم إليكم كاملا!قالت: أ فلك هو و لاقربائك؟قال:

لا!و أنفق الباقي في مسالح المسلمين، قالت: ليس هذا حكم اللّه.

و في رواية: قال لها: حدّثني رسول اللّه «انّ اللّه تعالي يطعم النبيّ الطعمة ما كان حيّا فاذا قبضه إليه رفعت» .

و في رواية: سمعت رسول اللّه يقول «سهم ذوي القربى لهم في حياتي و ليس لهم بعد موتي» فغضبت فاطمة و قالت: أنت و ما سمعت من رسول اللّه أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي. و اللّه لا أكلّمكما أبدا، فماتت و ما تكلّمهما.

* لمّا أدلت فاطمة بكل ما لديها من دليل و شهود و أبى أبو بكر أن يردّ إليها شيئا ممّا أخذ، رأت أن تبسط الخصومة على ملأ من المسلمين و تستنصر أصحاب أبيها و تشركهم في المسئولية فذهبت إلى مسجد أبيها في لمّة من حفدتها ما تخرم مشيتها مشية الرسول حتّى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار فنيطت دونها ملاءة فخطبت فيهم و قالت في خطبتها:

أيّها الناس أنا فاطمة و أبي محمّد (ص) أقولها عودا على بدء لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ... الآية ثم قالت في كلامها:

أ فعلى عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول اللّه‏ وَ وَرِثَ سُلَيْمََانُ دََاوُدَ و قال تعالى في ما قصّ من خبر يحيى بن زكريا ربّ‏ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا `يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ و قال عزّ ذكره‏ وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ و قال‏ يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ و قال إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ لِلْوََالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ و زعمتم أن لا حقّ و لا إرث لي من أبي و لا رحم بيننا، أ فخصّكم اللّه بآية أخرج نبيّه (ص) منها أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثون؟أو لست أنا و أبي من أهل ملّة واحدة؟لعلّكم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من النبيّ (ص) أ فحكم الجاهلية تبغون؟...

ثمّ عادت فاطمة إلى بيتها و هجرت أبا بكر و لم تزل مهاجرته حتّى توفيّت و عاشت بعد النبيّ ستة أشهر فلمّا توفيّت دفنها زوجها عليّ ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر.

189

تأوّل الخليفة أبو بكر حديثا رواه هو، فمنع ابنة الرسول من إرث أبيها، و اجتهد فرفع الخمس عن ذوي قربى الرسول، و على ذلك انتهى عهده! {h9~{h9على عهد عمرh9}~h9}

قال الإمام عليّ في جواب سؤال من قال له: بأبي و أمّي ما فعل أبو بكر و عمر في حقّكم أهل البيت من الخمس... ؟ «انّ عمر قال: لكم حقّ و لا يبلغ علمي إذا كثر أن يكون لكم كلّه فإن شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم. فأبينا عليه إلاّ كلّه فأبى أن يعطينا» .

أراد عمر أن يدفع إلى الإمام و إلى عمّه العبّاس بعض تركة النبيّ في المدينة و كان كلّ ذلك بعد ما انهالت الثروة عليهم على أثر اتّساع الفتوح.

اجتهد عمر فاستمرّ على منع ذوي القربى من سهامهم في الخمس و اجتهد فاستمرّ على مصادرة تركة الرسول، و أخيرا لمّا انهالت الثروة عليهم اجتهد و أراد أن يدفع إليهم بعضها و على هذا انتهى عهده.

{h9~{h9على عهد عثمان‏h9}~h9}

أعطى عثمان خمس غزوة إفريقيا الأولى عبد اللّه بن أبي سرح ابن خالته و أخاه من الرضاعة، و أعطى خمس الغزوة الثانية ابن عمّه و صهره مروان بن الحكم و أقطعه فدك، و أقطع الحارث ابن عمّه و صهر «المهزور» موضع سوق بالمدينة، و كان رسول اللّه قد تصدّق به على المسلمين، و أعطى عمّه الحكم صدقات قضاعة، و إذا أمسى عامل صدقات المسلمين على سوق المسلمين أتاه عثمان فقال له: ادفعها إلى الحكم، قال البيهقى في ما أقطع عثمان من تركة الرسول ذوي قرباه: تأوّل في ذلك ما روي عن رسول اللّه إذا أطعم اللّه نبيّا طعمة فهي للّذي يقوم من بعده، و كان مستغنيا عنها بماله فجعلها لاقربائه و وصل بها رحمهم.

إذا اجتهد عثمان فأقطع أقرباءه تركة الرسول و صدقاته، و اجتهد فأعطاهم الخمس، و اجتهد فأعطاهم الصدقات. اجتهد ثمّ اجتهد ثمّ اجتهد. فما أوسع باب هذا الاجتهاد!؟!

190

{h9~{h9على عهد الإمام عليّ (ع) h9}~h9}

لم يكن باستطاعة الإمام أن يغيّر شيئا من سنّة أبي بكر و عمر خاصّة في ما يعود على أهل البيت بالمال.

{h9~{h9على عهد معاويةh9}~h9}

كان اجتهاد معاوية في منع ذوي قربى الرسول من الخمس و مصادرة تركة الرسول مشابها لاجتهاد الخلفاء من قبله، و إنّما زاد اجتهادا على اجتهاد لمّا كتب يأمر بأن تصطفى له كلّ صفراء و بيضاء و الروائع من غنائم الفتوح و ألاّ يقسّم منها شي‏ء بين المسلمين.

{h9~{h9على عهد عمر بن عبد العزيزh9}~h9}

حاول عمر بن عبد العزيز أن يتابع النصّ الشرعي فدفع إلى ذريّة الرسول شيئا من سهامهم في الخمس و أعاد إليهم فدك فمات ميتة مجهولة السبب عندنا.

{h9~{h9بعد ابن عبد العزيزh9}~h9}

اجتهد يزيد بن عبد الملك فقبض فدك من بني فاطمة فلمّا ولي السفاح ردّها إلى بني فاطمة، ثمّ اجتهد المنصور و قبضها عنهم، و ردّها المهديّ إلى ولد فاطمة، و اجتهد موسى ابن المهديّ و قبضها عنهم و ردّها المأمون إليهم، و بقيت في أيديهم حتّى ولي المتوكّل فاجتهد و قبضها منهم و أقطعها عبد اللّه البازيار (1) فقطع إحدى عشرة نخلة كان الرسول قد غرسها و كان هذا آخر ما بلغنا من أخبار اجتهاد الخلفاء في الخمس و في تركة الرسول و يأتي بعد ذلك آراء العلماء في موارد اجتهاد الخلفاء.

آراء العلماء في مصرف الخمس‏

تضاربت آراء العلماء في مصرف الخمس بعد الرسول (ص) تبعا لتضارب أفعال الخلفاء فقال القوم: إنّ سهم رسول اللّه (ص) للإمام أي الخليفة، و إنّ سهم ذي

____________

(1) كلمة فارسيّة: اي صاحب البازي و مربيه، و يبدو انه كان يلى طيور صيد المتوكل.

191

القربى لقرابة الإمام، و قال قوم: بل يجعلان في السلاح و العدّة، و قال آخرون: إنّ تعيين مصرف الخمس منوط باجتهاد الخلفاء.

و قال بعضهم في منع عمر أهل البيت خمسهم: «إنّه من باب الاجتهاد» «و انّ عمر لم يخرج بما حكم عن طريقة الاجتهاد و من قدح في ذلك فانّما يقدح في الاجتهاد الّذي هو طريق الصحابة» و «إنّها مسألة اجتهادية» و قالوا في جواب من انتقده و قال «إنّه أعطى أزواج النبي و افرض، و منع فاطمة و أهل البيت من خمسهم... و لم يكن ذلك في زمن النبيّ» قالوا في جوابه: «إنّه من مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية» (1) .

و لا يعزب عن بالنا انّ كلّ هذا الكلام يجري في مورد خمس غنائم الفتوح، و أنّ كلّ هؤلاء القائلين بهذه الأقوال يقولون: إنّ الآية الكريمة وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ... إنّما تخصّ خمس غنائم الفتوح. إذا فإنّ هؤلاء يقولون-مع تعيين اللّه سبحانه مصرف خمس غنائم الفتوح في هذه الآية-؛ فإنّ تعيين مصرف الخمس منوط باجتهاد الخلفاء» .

و قد عيّن الخلفاء مصرف الخمس كما يلي:

اجتهد أبو بكر و عمر فمنعا فاطمة ابنة رسول اللّه و سائر ذوي قربى الرسول و أقربائه من بني هاشم و بني المطّلب من سهامهم في الخمس، و زاد عثمان في هذه المسألة اجتهادا فدفع الخمس و تركة الرسول إلى أقاربه و وصل بذلك رحمهم، و زاد معاوية في هذه المسألة اجتهادا فضمّ إلى ذلك كلّ صفراء و بيضاء و روائع غنائم الفتوح و أدخل كلهنّ خزائنه الخاصّة، و اجتهد الخلفاء الأمويّون و العبّاسيّون من بعد اولئك فأدخلوا الخمس خزائنهم الخاصّة و أنفقوا من كلّ ذلك على الشعراء الخلعاء و الجواري المغنّيات.

و اجتهد العلماء و عدّوا كل ما فعله الخلفاء حكما من أحكام الشرع الإسلامي و أنّ على المسلمين أن يدينوا به و أنّ من خالف ذلك فقد خالف السنّة و الجماعة.

إذا فإنّ قولهم «اجتهد الخليفة في المسألة» يعني: إنّ الخليفة ارتأى ذلك، و أنّ «المسألة اجتهاديّة» يعني: إنّ رأي الخليفة فيها هو الحكم الإسلامي!و على هذا فإنّهم يقولون: قال اللّه و قال رسوله و اجتهدت الخلفاء، و إنّ اجتهاد الخلفاء مصدر للتشريع

____________

(1) أي أن مخالفة عمر لرسول اللّه هي من باب مخالفة مجتهد لمجتهد آخر.

192

الإسلامي في عداد كتاب اللّه و سنة رسوله: و إنا للّه و إنّا إليه راجعون!! *** أوردنا بشي‏ء من التفصيل آراء مدرسة الخلفاء في الخمس و أعمالهم فيه و استدلالهم على ما ارتأوا، و أشرنا إلى قول أئمة أهل البيت في الخمس و أنّه يقسّم لديهم على ستة أسهم ثلاثة منها للّه و لرسوله و لذوي قرباه للعنوان، يقبض الرسول هذه الأسهم في حياته و يعود أمرها من بعده إلى الأئمة الاثني عشر من أهل بيته، و الأسهم الثلاثة الأخرى منه لفقراء بني هاشم و أيتامهم و أبناء سبيلهم مع وصف الفقر (1) .

و قالوا أيضا: إنّ الخمس يجب إخراجه من كلّ مال فاز به المسلم من جهة العدى و غيرهم‏ (2) . و استدلّوا في كلتا المسألتين بعموم آية الخمس مع ما لديهم من سنّة الرسول، قال فقهاء مدرستهم في مقام الاستدلال بالآية على المسألة الثانية:

إنّ الآية و إن كانت قد نزلت في غنائم غزوة بدر، و لكن ليس للمورد أن يخصّص‏ (3) ، و التخصيص من غير دليل باطل‏ (4) و بيان الإيراد على الاستدلال و جوابه كما يلي: (5)

إنّ المورد على الاستدلال بالآية قال: إنّ الآية نزلت في غنائم غزوة بدر فلا تشمل ما عدا غنائم الحرب.

و اجيب عنه: بأنّ نزول الآية في غزوة بدر لا يخصّص الحكم العام الوارد في الآية-و هو وجوب أداء الخمس من المغنم-و يجعل الحكم خاصّا بغنائم الحرب.

و مثاله من غير هذا المورد؛ حكم جلد الشهود على الزنا إن لم يبلغ عددهم الأربعة و الوارد في قصّة الإفك، فإنّ المورد و هو قصّة الإفك لا يخصّص الحكم العام الذي ورد في الآيات و هو جلد الشهود إن لم يبلغوا أربعة بتلك الواقعة، و كذلك شأن حكم الظهار الوارد في سورة المجادلة فإنّه ما خصّ المرأة الّتي جادلت و زوجها يوم ذاك و إن نزلت الآية في شأنهما، و هكذا الأمر في ما عداهما.

____________

(1) مضى بيانه في باب مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت.

(2) ورد ذلك بباب الخمس في الموسوعات الحديثية و الكتب الفقهية لدى مدرسة أهل البيت.

(3) راجع كتاب الخمس بمستند النراقي و غيره.

(4) المنتهى، للعلامة الحلي (ت 729 هـ) ج 1/729.

(5) توخينا الشرح و التبسيط في هذا الكتاب و تجنبنا المصطلحات العلمية مهما أمكن ليعم نفعه إن شاء اللّه تعالى.

193

و قالوا في الجواب أيضا: انّ تخصيص الآية و تقييدها-بغنائم دار الحر ب- أولى بطلب الدليل عليه‏ (1) و انّ على من يخصّص الآية بها إقامة الدليل‏ (2) .

و ممّا يؤيّد هذه الأجوبة ما ذكره القرطبي من مدرسة الخلفاء بتفسير الآية قال:

و الاتّفاق-أي اتّفاق علماء مدرسة الخلفاء-حاصل على انّ المراد بقوله تعالى‏ أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ مال الكفّار اذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة و القهر، و لا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيّناه‏ (3) .

إذا فتخصيص الغنائم بغنائم دار الحرب خلاف المتبادر من اللفظ عند أهل اللغة، و قول علماء مدرسة الخلفاء بالتخصيص يخالف المعنى المتبادر من اللفظ عند إطلاقه.

و أجيب على الإيراد أيضا: بأنّ الآية و إن كانت نازلة في مورد خاص-هو غزوة بدر-و لكن من المعلوم عدم اختصاصها بذلك المورد الخاصّ حتّى انّ من ذهب من العامّة إلى عدم وجوب الخمس في مطلق الغنائم لم يخصّه بخصوص مورد الآية بل عمّمه إلى مطلق الغنائم المأخوذة في الحروب. انّا لو بنينا على الجمود في استفادة الحكم من الآية بحيث لم نتعدّ موردها بوجه لوجب القول بعدم وجوب الخمس إلاّ على من شهد غزوة بدر في ما اغتنم من المشركين في تلك الغزوة، و لم يقل بهذا احد، فلا بدّ من التعدّي من مورد الآية لا محالة، فنحن نتعدّى منه إلى مطلق ما يصدق عليه الغنيمة سواء كان مكتسبا من الحرب أو التجارة أو الصناعة أو غير ذلك‏ (4) .

و بالإضافة إلى استدلالهم بآية الخمس يستدلّون بما ورد عن أئمة أهل البيت في هذا الحكم كما يفعلون في سائر الأحكام فانّ الرسول قد أمر بالتمسّك بهم في حديث الثقلين و غيره، سواء أسند الأئمة حديثهم إلى جدّهم الرسول مثل الحديث الّذي رواه الصدوق في الخصال عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عن عليّ بن أبي طالب عن النبي (ص) قال في وصيّته له: يا عليّ إنّ عبد المطّلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الإسلام، حرّم نساء الآباء على الأبناء فأنزل اللّه عزّ و جلّ‏ وَ لاََ تَنْكِحُوا

____________

(1) مسالك الإفهام ج 2/80.

(2) الخلاف للشيخ الطوسي ج 2/110، و ج 1/358، و قريب منه لفظ مصباح الفقيه ص 19 من كتاب الخمس.

(3) تفسير القرطبي 8/1.

(4) تقريرات الحاج السيد حسين البروجردي زبدة المقال ص 5.

194

مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ (1) و وجد كنزا فاخرج منه الخمس و تصدّق به فانزل اللّه عزّ و جلّ‏ وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ... و لمّا حفر زمزم...

الحديث‏ (2) .

و هذا الحديث يعني أنّ الآية تشمل غير غنائم الحرب، و قد سبق ذكر سنّة الرسول في ذلك أيضا.

هذه خلاصة أدلّة أتباع مدرسة أئمة أهل البيت في هذا المقام.

____________

(1) سورة النساء الآية 22.

(2) الخصال ط. و تحقيق الغفاري ص 312.

195
-6- اجتهاد الخليفة عمر في المتعتين‏

حرّم عمر متعتي الحجّ و النساء فعدّ ذلك منه من مسائل الاجتهاد كما قاله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (1) و رواه أحمد في مسنده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري -قال:

تمتّعنا على عهد النبيّ الحجّ و النساء فلمّا كان عمر نهانا عنهما فانتهينا (2) .

و في تفسير السيوطي و كنز العمال عن سعيد بن المسيّب قال: نهى عمر عن المتعتين متعة النساء و متعة الحجّ‏ (3) .

و في بداية المجتهد و زاد المعاد و شرح نهج البلاغة و المغني لابن قدامة و المحلّى لابن حزم و اللفظ للأوّل: روي عن عمر-و في زاد المعاد: ثبت عن عمر-أنّه قال:

«متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (ص) أنا أنهى عنهما و اعاقب عليهما: متعة الحجّ و متعة النساء» (4) .

____________

(1) في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3/363 في جواب الطعن الثامن.

(2) مسند أحمد 3/363، و نظيره في ص 356 منه، و في ص 325 منه بإيجاز.

(3) تفسير السيوطي 2/141، و كنز العمال ط. الأولى 8/293، و راجع مشكل الآثار للطحاوي ص 375، و سعيد بن المسيب قرشي مخزومي من كبار التابعين. أخرج حديثه أصحاب الصحاح. مات بعد التسعين و قد ناهز الثمانين. تقريب التهذيب 1/306.

(4) بداية المجتهد 1/346 باب القول في التمتع، و زاد المعاد لابن القيم 2/205 فصل «إباحة متعة النساء» و لفظة «أنا أعاقب عليهما» تحريف. و شرح النهج 3/167، و المغني لابن قدامة 7/527، و المحلى لابن حزم 7/107، و تفسير القرطبي و الرازي 2/167، و 3/201 و 202، و كنز العمال 8/293 و 294، و البيان و التبيين للجاحظ 2/223. و راجع الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار، مناسك الحج ص 374 عن ابن عمر،

196

و في رواية الجصّاص و ابن حزم و اللفظ للأوّل: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (ص) أنا أنهى عنهما و اضرب عليهما: متعة النساء و متعة الحج‏ (1) .

تشير الروايات الآنفة الى اجتهادين للخليفة عمر في حكمين من أحكام الإسلام: في متعة الحجّ و متعة النساء و في ما يلي تفصيل القول فيهما.

____________

قو كنز العمال ط. الاولى 8/293 و 294.

(1) أحكام القرآن للجصّاص 1/279، و المحلى لابن حزم 7/107، و لعل منشأ الاختلاف في اللفظ ان الخليفة قالها مرتين مرة قال: اضرب عليهما و اخرى اعاقب.

197
«أ» متعة الحجّ‏

تقع متعة الحجّ ضمن حجّ التمتّع و بيان ذلك أنّ الحجّ ينقسم إلى ثلاثة أنواع 1-حجّ التّمتّع 2-حجّ الإفراد 3-حجّ القران.

1-حجّ التّمتّع‏ و هو فرض من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام و صورته: أن يحرم بالعمرة إلى الحجّ و يلبي بها من الميقات في أشهر الحجّ: شوّال و ذي القعدة و ذي الحجّة ثمّ يأتي مكّة و يطوف بالبيت سبعا و يصلّي ركعتي الطواف و يسعى بين الصفا و المروة سبعا ثمّ يقصّر فيحلّ له جميع ما حرم عليه بالإحرام، و يقيم بمكّة محلاّ حتّى ينشئ يوم التروية من تلك السنة إحراما آخر للحجّ ثمّ يخرج إلى عرفات ثمّ يفيض منها بعد غروب التاسع إلى المشعر و منها إلى منى و هكذا حتى يتمّ مناسك الحجّ و يحلّ بالحلق أو التقصير من إحرامه. و يسمّى هذا الحجّ بحجّ التّمتّع و عمرته بعمرة التّمتّع لقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ و لأنّ الحاجّ يتمتّع بالحلّ بين إحرامي العمرة و الحجّ و مدّة الحلّ بين الإحرامين هي متعة الحجّ الّتي حرّمها الخليفة عمر و من تبعه على ذلك و يأتي بها جلّ المسلمين في هذا اليوم.

2 و 3 حجّ الإفراد و حجّ القران: أوّلا في فقه أهل البيت: صورة الإفراد: أن يحرم للحجّ من الميقات أو من منزله إن كان دون الميقات ثمّ يمضي إلى عرفات و يقف بها يوم التاسع، ثمّ يأتي بباقي مناسك الحجّ حتّى يتمّها جميعا، ثمّ يحلّ من إحرامه و عليه عمرة مفردة يأتي بها من أدنى الحلّ أو من أحد المواقيت و تصحّ‏

198

تمام السنة و يسمّيان بالإفراد و المفردة لأنّ الحاجّ يأتي بكلّ منهما مفردا.

و صورة حجّ القران: كالإفراد في جميع مناسكه و يتميّز عنه بأنّ القارن يسوق الهدي عند إحرامه أي يقرن بين التلبية و الهدي فيلزمه بسياقه، و ليس على المفرد هدي أصلا.

و أحدهما فرض حاضري المسجد الحرام على سبيل التخيير (1) .

ثانيا: في فقه مدرسة الخلفاء: أ-القران: أن يقرن بين العمرة و الحجّ أي يجمع بينهما بنيّة واحدة و تلبية واحدة فيقول: لبّيك بحجّة و عمرة، أو يهلّ بالعمرة في أشهر الحجّ ثمّ يردف ذلك بالحجّ قبل أن يحلّ من العمرة. و يلزم القارن من غير حاضري المسجد الحرام هدي المتمتّع‏ (2) .

و الإفراد: أن لا يكون متمتّعا و لا قارنا بل يهلّ بالحجّ فقط (3) و يقال: أفرد الحجّ، و في بعض الروايات جرّد (4) .

كانت تلكم أنواع الحجّ لدى المسلمين. أمّا المشركون في الجاهلية فكان عندهم ما رواه كلّ من البخاري و مسلم في صحيحيهما، و أحمد في مسنده، و البيهقي في سننه الكبرى و غيرهم في غيرها، و اللفظ للأوّل، عن ابن عباس أنّه أخبر عن المشركين في الجاهلية و قال:

«كانوا يرون العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور في الأرض و يجعلون المحرّم صفر (5) و يقولون: إذا برأ الدبر و عفا الأثر و انسلخ صفر حلّت العمرة لمن اعتمر» (6) .

____________

(1) دليل الناسك للسيد محسن الحكيم ط. الآداب-النجف سنة 1377 ه ص 37-45.

(2) خلافا لبعض أصحاب مالك حسب نقل بداية المجتهد.

(3) رجعنا لما أوردناه هنا إلى بداية المجتهد 1/348 فصل «القول بالقارن» و إلى مادة «القرآن» من نهاية اللغة لابن الأثير.

(4) سنن البيهقي 5/5 باب من اختار الإفراد.

(5) هكذا ورد مراعاة للسجع.

(6) البخاري، كتاب الحج، باب التمتع و القران و الإفراد: فتح الباري ج 4/168-169، و كتاب مناقب الأنصار منه، و صحيح مسلم، باب جواز العمرة في أشهر الحج الحديث 198، و مسند أحمد 1/249 و 252 و 332 و 339، و سنن أبي داود كتاب المناسك، باب العمرة، و النسائي، كتاب الحج 77، و سنن البيهقي 4/345، و المنتقى الحديث 2422، و راجع الطحاوي في مشكل الآثار 3/155، و شرح معاني الآثار 1/381 في مناسك الحج.

199

شرح الرواية: روى النووي في شرح مسلم أنّ العلماء قالوا في شرح الرواية الآنفة:

«و يجعلون المحرّم صفر» المراد الإخبار عن النسي‏ء الذي كانوا يفعلونه، و كانوا يسمّون المحرّم صفرا و يحلّونه و ينسئون المحرّم أي يؤخّرون تحريمه إلى ما بعد صفر، لئلاّ يتوالى بينهم ثلاثة أشهر محرّمة تضيق عليهم أمورهم من الغارة و غيرها.

و «إذا برأ الدبر» أي برأ ما كان يحصل بظهور الإبل من الحمل عليها و مشقّة السفر فإنّه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحجّ.

و «عفا الأثر» أي اندرس أثر الإبل و غيره في سيرها.

و قال ابن حجر في تعليل هذا الأمر: وجه تعلّق جواز الاعتماد بانسلاخ صفر مع كونه ليس من أشهر الحجّ، و كذلك المحرّم أنّهم لمّا جعلوا المحرّم صفرا و لا يبرأ دبر إبلهم إلاّ عند انسلاخه، ألحقوه بأشهر الحجّ على طريق التبعية، و جعلوا أوّل أشهر الاعتماد شهر المحرّم الّذي هو في الأصل صفر، و العمرة عندهم في غير أشهر الحجّ‏ (1) .

كان هذا دأب قريش و سنّتهم في العمرة و قد خالفهم الرسول في ذلك كما يلي بيانه:

سنّة الرسول (ص) في العمرة

قال ابن القيم: اعتمر رسول اللّه (ص) بعد الهجرة أربع عمر كلّهن في ذي القعدة، و أيّد ذلك بما رواه عن أنس و ابن عباس و عائشة و في لفظ الأخيرين: «لم يعتمر رسول اللّه (ص) إلاّ في ذي القعدة» (2) .

قال ابن القيم: «و المقصود أنّ عمره كلّها كانت في أشهر الحجّ مخالفة لهدي المشركين، فإنّهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحجّ، و يقولون هي من أفجر الفجور.

و هذا دليل على أنّ الاعتمار في أشهر الحجّ أفضل منه في رجب بلا شكّ. » و قال: لم يكن اللّه ليختار لنبيّه (ص) في عمره إلاّ أولى الأوقات و أحقّها بها

____________

(1) راجع شرح الحديث بشرح النووي على مسلم و شرح ابن حجر بفتح الباري.

(2) زاد المعاد 1/209 فصل في هديه (ع) في حجه و عمره. و تفصيل الروايات بصحيح البخاري 1/212 باب كم اعتمر النبي، و بصحيح مسلم باب بيان عمر النبي (ص) و زمانهن من كتاب الحج الحديث 217-220 ص 916-917، و البيهقي بسننه الكبرى 4/357 باب من استحبّ الإحرام بالعمرة من الجعرانة، و في 5/10-12 منه و ابن كثير 5/109.

200

فكانت العمرة في أشهر الحجّ نظير وقوع الحجّ في أشهره، و هذه الأشهر قد خصّها اللّه تعالى بهذه العبادة، و جعلها وقتا لها، و العمرة حجّ أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحجّ، و ذو القعدة أوسطها، و هذا ممّا «نتخار اللّه‏ (1) » فيه، فمن كان عنده فضل علم فليرشد إليه‏ (2) .

بعد إيراد سنّة المشركين في العمرة و سنّة الرسول فيها نعود إلى البحث عن متعة الحجّ في الكتاب و السنّة ثمّ نذكر كيفية اجتهاد الخلفاء فيها في ما يلي:

متعة الحجّ في الكتاب‏

شرّع اللّه الجمع بين العمرة و الحجّ في أشهر الحجّ و التّمتّع بالحلّ بينهما خلافا لسنن المشركين و قال في كتابه الكريم:

فَإِذََا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيََامُ ثَلاََثَةِ أَيََّامٍ فِي اَلْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذََا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كََامِلَةٌ ذََلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حََاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ البقرة/196.

في هذه الآية شرّع اللّه سبحانه التّمتّع بالعمرة إلى الحجّ لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام و أمن، و بيّن في الآية الّتي تليها بقوله تعالى‏ اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومََاتٌ أنّ الجمع بين العمرة و الحجّ يجب أن يقع في أشهر الحجّ. نصّت الآيتان بكلّ جلاء و وضوح على هذا الحكم، و إلى هذا أشار الصحابيّ عمران بن الحصين حسب رواية البخاري في صحيحه عنه: حيث قال:

أنزلت آية المتعة في كتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه (ص) و لم ينزل قرآن يحرّمه‏ (3) و لم ينه عنها حتى مات... الحديث‏ (4) .

و لفظ مسلم قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه (يعني متعة الحجّ) و أمرنا بها رسول اللّه (ص) ، ثمّ لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحجّ، و لم ينه عنها رسول اللّه حتى مات...

الحديث‏ (5) .

____________

(1) هكذا في النسخة و لعل الصواب تختار.

(2) زاد المعاد 1/211، و راجع ص 223 منه، و سنن البيهقي 4/345، باب العمرة في أشهر الحج.

(3) بهذا اللفظ ورد النصّ في البخاري، و الأولى أن يقول: (يحرمها) لعودة الضمير على المتعة و هي مؤنثة لفظا.

(4) تفسير الآية بصحيح البخاري 3/71، و سنن البيهقي 5/19.

(5) الحديث 172 باب جواز التمتع من صحيح مسلم ص 900، و تفسير القرطبي 2/338، و زاد المعاد

201

و أجمع المفسّرون و غيرهم من العلماء على ذلك و لا خلاف فيه و من العجيب أن يختم اللّه هذه الآية بإعلام أنّ اللّه شديد العقاب.

شرّع اللّه متعة الحجّ في هذه الآية بكل صراحة و سنّه رسوله في حجّة الوداع كما تواتر الخبر عن ذلك في ما روي عن رسول اللّه في صحاح الأحاديث مثل ما ورد في الروايات الآتية:

متعة الحج في السنة

بما أنّ العمرة في أشهر الحجّ كانت لدى قريش في الجاهلية من أفجر الفجور فقد تدرّج الرسول في تبليغ حكم عمرة التمتع كما يظهر من الروايات التالية.

في صحيح البخاري و سنن أبي داود و ابن ماجة و البيهقي، و اللفظ للأوّل، في كتاب الحجّ باب قول النبيّ «العقيق واد مبارك» عن عمر بن الخطّاب، قال: سمعت رسول اللّه بوادي العقيق يقول: «أتاني آت من ربّي فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك و قل عمرة في حجّة» .

و في رواية أخرى: «و قل عمرة و حجّة» .

و في لفظ سنن البيهقي: «أتاني جبرئيل (ع) » و في آخر الرواية: «فقد دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة» .

العقيق، في معجم البلدان: العقيق الّذي جاء فيه إنّك بواد مبارك هو الّذي ببطن وادي ذي الحليفة. و هو الذي جاء فيه أنّه مهلّ أهل العراق من ذات عرق.

و قال ابن حجر في شرح الحديث بفتح الباري: بينه و بين المدينة أربعة أميال‏ (1) .

أخبر رسول اللّه (ص) عمر بنزول الوحي عليه بأن يجمع بين العمرة و الحجّ و في تبليغه خاصّة حكمة نعرفها ممّا جرى على عهده في شأن العمرة.

____________

قلابن القيم 1/252، و طبقات ابن سعد ط. اوربا 4/ق 2/28.

(1) صحيح البخاري ج 1/186 و الرواية الثانية في باب ما ذكر النبي و حض على اتفاق أهل العلم من كتاب الاعتصام بالكتاب و السنّة 4/177، و سنن أبي داود المناسك 2/159، و ابن ماجة الحديث 2976 ص 991 باب التمتع بالعمرة إلى الحج، و سنن البيهقي 5/13-14، و فتح الباري 4/135، و تاريخ ابن كثير 5/117 و 128 و 136.

202

في وادي عقيق أخبر عمر بنزول الوحي، عليه و في منزل عسفان أخبر سراقة بذلك في جواب سؤاله كما رواه أبو داود قال:

حتى إذا كان-رسول اللّه (ص) -بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول اللّه اقض لنا قضاء قوم كانما ولدوا اليوم، فقال: «إن اللّه تعالى قد أدخل عليكم في حجّكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوّف بالبيت و بين الصفا و المروة فقد حلّ إلاّ من كان معه هدي» (1) .

عسفان بين الجحفة و مكّة و الجحفة تبعد عن مكة أربع مراحل.

و في سرف الّتي تبعد ستة أميال أو أكثر من مكة بلّغ عامّة أصحابه أنّ من أحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل، كما روته عائشة قالت: خرجنا مع رسول اللّه في أشهر الحجّ و ليالى الحجّ و حرم الحجّ فنزلنا بسرف، قالت: فخرج إلى اصحابه فقال: «من لم يكن معه هدي فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل و من كان معه الهدي فلا» قالت: فالآخذ بها و التارك لها من أصحابه‏ (2) .

يظهر ممّا سبق أن التاركين لها كانوا من مهاجرة قريش الذين كانوا يرون في الجاهلية أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور.

و كرّر التبليغ بذلك بعد نزولهم بطحاء مكّة حسب ما رواه ابن عبّاس قال:

قدم لأربع مضين من ذي الحجّة فصلّى بنا الصبح بالبطحاء ثمّ قال: «من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها» (3) .

هكذا تدرّج الرسول في تبليغ هذا الحكم حتى إذا ما أتمّوا الطواف و السعي، نزل

____________

(1) سنن أبي داود ج 1/159 باب في الإقران، الحديث 1801 من المناسك، و المنتقى لابن تيمية، باب ما جاء في فسخ الحجّ الى العمرة، الحديث 2427.

و سراقة بن مالك بن جعشم أبو سفيان الكناني المدلجي. كان يسكن قديدا بالقرب من مكّة، و هو الذي تبع الرسول حين هاجر إلى المدينة ليرده إلى قريش فيأخذ الجعالة مائة ناقة فساخت قوائم فرسه، أسلم عام الفتح مات سنة أربع و عشرين روى عنه غير مسلم من أصحاب الصحاح تسعة عشر حديثا. تقريب التهذيب 1/284، و جوامع السيرة ص 283. و سيرة ابن هشام 2/103 و 250 و 309.

(2) صحيح البخاري 1/189 باب قوله تعالى الحجّ أشهر معلومات، و صحيح مسلم ص 875 الحديث 123 و 121 بإيجاز، و كذلك بسنن البيهقي 4/356 باب المفرد أو القارن يريد العمرة... ، و مصنف ابن أبي شيبة 4/102.

(3) سنن البيهقي 5/4.