معالم المدرستين - ج2

- السيد مرتضى العسكري المزيد...
393 /
353

و ترك عمّه و خاله، قال: للعمّ الثلثان و للخال الثلث‏ (1) .

في هذا الحديث استغرب أبو بصير بقاء الكتاب قرابة قرن أو اكثر مع ما نجد اليوم من بقاء الكتب قرونا طويلة. و في غيره نجده غير مستغرب لذلك مثل ما ورد في الكافي:

15- عن أبي بصير قال: قرأ علي أبو عبد اللّه كتاب فرائض علي (ع) فكان أكثرهن من خمسة أو من أربعة و اكثره من ستة أسهم.

قال المجلسي في مرآة العقول: إذا اجتمعت البنت مع أحد الأبوين تقسم الفريضة عند الشيعة من أربعة أسهم‏ (2) .

16- و في الكافي و التهذيب عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد اللّه (ع) فدعا بالجامعة فنظر فيها فإذا: امرأة ماتت و تركت زوجها لا وارث لها غيره: المال له كلّه‏ (3) .

17- و عن معتّب قال: أخرج إلينا أبو عبد اللّه صحيفة عتيقة من صحف عليّ (ع) فإذا فيها ما نقول إذا جلسنا نتشهّد (4) .

18- عن ابن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد اللّه عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول اللّه (ص) فإذا فيها أنّ الصلاة في وبر كلّ شي‏ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شي‏ء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحلّ اللّه أكله، ثمّ قال:

يا زرارة هذا عن رسول اللّه فاحفظ ذلك... الحديث‏ (5) .

____________

(1) في الكافي 7/119 باب ميراث ذوي الارحام، و التهذيب 9/324 و فيه: «لا يندرس» بدل لا يدرس، و الوسائل ج 17/504 ح 32771.

(2) الكافي 7/81، و الوسائل 17/422 ح 32498، و ما نقلناه عن المجلسي في شرح حديث زرارة بمرآة العقول.

(3) الكافي 7/125، و التهذيب 9/94 ح 13، و الاستبصار 4/149، و الوسائل 17/512 ح 32795 تشابه حديثا أبي بصير ذو الرقمين 1 و 3 عن ابي جعفر و حديثاه ذو الرقمين 14 و 16 عن أبي عبد اللّه، و يرجح عندنا أن يكون الأولان أيضا كالأخيرين مرويين عن الإمام الصادق و وهم الرواة أو الكتاب لدى النسخ. و من الجائز أنهما قد وردا عن الإمامين معا و قد تشابه حديثا الإمام الأب و الإمام الابن.

(4) بصائر الدرجات ص 145 ح 22. معتب-مولى الإمام الصادق-ضربه المنصور ألف سوط حتى مات. قاموس الرجال 9/48.

(5) الصلاة في ما لا يحلّ لحمه، في الكافي (3/397) ، و التهذيب (2/209) ، و الاستبصار 1/383

354

كان الأئمة من أهل البيت يرجعون إلى الجفر و مصحف فاطمة لاستعلام الأنباء الكائنة أحيانا، و أخرى إلى كتاب الجامعة في بيان الأحكام الإسلامية و آدابها، يروون عن الجامعة خاصّة تارة مع ذكره السند و أخرى دون ذكره السند، كما نرى ذلك في المثالين الآتيين:

أ-حكم ميراث ابن الأخ مع الجدّ

قال محمّد بن مسلم في روايته السابقة: نشر أبو عبد اللّه صحيفة الفرائض، فأوّل ما تلقّاني فيها ابن أخ و جدّ، المال بينهما نصفان، قلت: جعلت فداك، إن القضاة عندنا لا يقضون لابن الأخ مع الجدّ بشي‏ء، فقال: إنّ هذا الكتاب خطّ عليّ و إملاء رسول اللّه (ص) .

و نجد في الباب نفسه من الكافي روايتين أخريين بهذا المعنى دون ما إشارة إلى كتاب علي.

أولاهما: رواية أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سألته عن ابن أخ و جدّ، فقال: المال بينهما نصفان.

و الثانية: رواية أبي بصير، قال: سمعت رجلا يسأل أبا جعفر أو أبا عبد اللّه و أنا عنده: عن ابن أخ و جدّ، قال: يجعل المال بينهما نصفين.

و رواية ثالثة بنفس المغزى عن القاسم بن سليمان عن أبي عبد اللّه، قال: إنّ عليّا كان يورّث ابن الأخ مع الجدّ ميراث أبيه‏ (1) .

ب-قولهم في بطلان العول‏

العول في الاصطلاح الفقهي: زيادة سهام الورثة على الحصص المفروضة و يحصل ذلك بوجود أحد الزوجين مع الورثة، كمن مات و خلّف ابنتين و أبوين و زوجة فللابنتين الثلثان، و للأبوين السدسان، و للزوجة الثمن‏ (2) . و لما كانت السهام من ستة فقد زاد على

____________

قو الوسائل (3/250، ح-5342) . ابن بكير أبو علي عبد اللّه بن بكير بن أعين الشيباني، مولاهم، فطحي ثقة؛ روى عن الإمام الصادق (ع) قاموس الرجال (5/399) .

(1) الروايات الأربع في الكافي 7/112-113، و أرقامها على التوالي 1 و 4 و 6 و 2، و في التهذيب 9/309، و الوسائل 17/485-486 و القاسم بن سليمان بغدادي روى عن الإمام الصادق-قاموس الرجال 7/360.

(2) راجع مادة «العول» في نهاية اللغة.

355

السهام الثمن بحسب الفرض، فمن أعال الفرائض أدخل النقص على سهامهم جميعا حسب ما هو مقرّر في فقه مدرسة الخلفاء. و أمّا في مدرسة أهل البيت فإن النقص يدخل على كلّ فريضة لم يهبطها اللّه إلى فريضة أخرى. و على هذا فإنّ الزوج الذي له النصف و إذا زال عنه هبط سهمه إلى فريضة دونها و هي الربع لا يزيله عنه شي‏ء، و الزوجة التي لها الربع فإذا زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شي‏ء، واحد الوالدين اللذين لهما الثلث فإذا زالا عنه صارا إلى السدس لا يزيلهما عنه شي‏ء، و لا يدخل النقص على هؤلاء بعد ذلك و إنما يدخل النقص على البنت و الأخت فإن للواحدة منهما النصف و للأكثر الثلثان فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهنّ إلاّ ما بقي و على هذا، فإن للابوين في المثال المذكور السدسين و للزوجة الثمن و للابنتين ما بقي من التركة (1) .

و في ما يلي روايات أئمة أهل البيت في العول:

1- روى محمّد بن مسلم، و الفضيل بن يسار، و بريد العجلي، و زرارة بن أعين، عن أبي جعفر-الإمام الباقر-أنّه قال: السهام لا تعول و لا يكون أكثر من ستة (2) .

2- عن أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر، قال: إنّ الذي يعلم رمل عالج ليعلم أنّ الفرائض لا تعول على أكثر من ستّة (3) .

رمل عالج: ما تراكم من الرمل و دخل بعضه في بعض.

3- عن بكير عن أبي عبد اللّه (ع) قال: أصل الفرائض من ستة أسهم لا تزيد على ذلك و لا تعول عليها، ثمّ المال بعد ذلك لأهل السهام الذين ذكروا في الكتاب‏ (4) .

4- عن ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه، قال: سهام المواريث من ستة أسهم لا تزيد عليها... الحديث‏ (5) .

5- عن علي بن سعيد، قال: قلت لزرارة: إن بكير بن أعين حدثني عن

____________

(1) شرح اللمعة الدمشقية ج 8/86-91.

(2) الكافي 7/80 ح 1، و الوسائل 17/421 ح 32494.

(3) الكافي 7/79 ح 1، و الوسائل 17/422 ح 32499.

(4) الكافي 7/81 ح 7، و الوسائل 17/422 ح 32500. بكير بن أعين أبو الجهم الشيباني ولاء، روى عن الإمامين الباقر و الصادق و توفي في عصر الصادق. قاموس الرجال 2/233.

(5) من لا يحضره الفقيه 4/89 ح 5 مرسلا، و الوسائل 17/424 ح 32505.

و ابن ابي عمير، أبو أحمد محمد بن زياد مولى الأزد، روى عن الإمامين الرضا و الجواد صنف أربعا و تسعين كتابا (ت: 217 ه) . 17/423 ح 32509.

356

أبي جعفر، إنّ السهام لا تعول و لا تكون أكثر من ستة، فقال: هذا ما ليس فيه اختلاف بين أصحابنا عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه‏ (1) .

هكذا ذكر الإمامان حكم اللّه في هذا الأمر دون أن يسنداه بينما نجدهما يسندانه في روايات أخرى مثل الروايات التالية:

6- عن أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر (ع) ربّما أعيل السهام حتى تكون على المائة أو أقلّ أو أكثر، فقال: ليس تجوز ستة، ثمّ قال: إنّ أمير المؤمنين كان يقول: إنّ الّذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول على ستة، لو يبصرون وجوهها، لم تجز ستة (2) .

7- عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه-الصادق (ع) -قال: قرأ عليّ فرائض علي (ع) فكان أكثرهنّ من خمسة أسهم و أربعة أسهم، و أكثره من ستة أسهم‏ (3) .

8- عن محمّد بن مسلم، قال: أقرأني أبو جعفر (ع) صحيفة كتاب الفرائض الّتي هي إملاء رسول اللّه و خطّ علي بيده فإذا فيها: إنّ السهام لا تعول‏ (4) .

في المثال الثاني ذكر الإمامان في عدّة روايات أنّ السهام لا تعول و لا تزيد على ستة، و في رواية منها: إنّ الّذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول.

في هذه الروايات ذكروا الحكم دون ما ذكر سند له، و في الحديث السادس أسنده الإمام إلى أمير المؤمنين، و في السابع قرأ الإمام على الراوي فرائض علي، و في الثامن أقرأ الراوي صحيفة كتاب الفرائض التي هي إملاء رسول اللّه و خط علي، و الحكم في جميعها واحد.

و كذلك الشأن في كتاب الإمام الرضا (ع) إلى المأمون حيث قال فيه: و الفرائض على ما أنزل اللّه في كتابه و لا عول فيها (5) .

و كذلك الأمر في غير هذين المثالين مما ذكر الأئمة في حديث لهم حكما شرعيا

____________

(1) الكافي 7/8 ح 2، و التهذيب 9/248 ح 4، و الوسائل 17/421 ح 32495.

(2) الكافي 7/79 ح 2، و من لا يحضره الفقيه 4/187 ح 1، و التهذيب 9/247 ح 3، و الوسائل 17/423-32509.

(3) الكافي 7/81 ح 6، و الوسائل 17/422 ح 32498.

(4) التهذيب 9/247 ح 3، و الوسائل 17/423 ح 32503.

(5) عيون أخبار الرضا 2/125، و تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة الحراني «من أعلام القرن الرابع الهجري» ط. مكتبة بصيرتي بقم ص 314 و في لفظه اختلاف يسير، و الوسائل 17/424 ح 32508.

357

فإنهم يرجعون في جميعها إلى ما قاله جدهم الرسول (ص) . الذي «ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى» .

و من هنا كان لأحاديث أئمة أهل البيت سند واحد، و حديثهم حديث واحد و قولهم قول واحد.

و لهذا قال الإمام الصادق (ع) كما رواه ابن سنان: ليس عليكم جناح في ما سمعتم منّي أن ترووه عن أبي و ليس عليكم جناح في ما سمعتم عن ابي أن ترووه عنّي ليس عليكم في هذا جناح‏ (1) .

و قال في جواب أبي بصير لمّا قال: الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك، أو أسمعه من أبيك أرويه عنك؟قال: سواء، إلاّ إنّك ترويه عن أبي أحبّ إليّ‏ (2) .

و قال لجميل: ما سمعت منّي فاروه عن أبي‏ (3) .

و لهذا قال لحفص بن البختري لمّا قال: نسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من أبيك، فقال: ما سمعته منّي فاروه عن أبي و ما سمعته منّي فاروه عن رسول اللّه (ص) (4) .

و لهذا قال كما رواه هشام بن سالم و حمّاد بن عثمان و غيرهما: حديثي حديث أبي، و حديث أبي حديث جدّي، و حديث جدّي حديث الحسين، و حديث الحسين حديث الحسن، و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين، و حديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّه (ص) ، و حديث رسول اللّه قول اللّه عزّ و جلّ‏ (5) .

و لهذا قال أبو جعفر-الإمام الباقر (ع) -لجابر، لما قال له: إذا حدثتني بحديث فأسنده لي، فقال: حدّثني أبي عن جدّي رسول اللّه، عن جبرئيل، عن اللّه عزّ و جلّ، و كلّما أحدّثك بهذا الاسناد... الحديث‏ (6) .

____________

(1) الوسائل ط. القديمة ج 3/380 رقم الحديث 85.

(2) الكافي 1/51.

(3) الكافي 1/51، و جميل في أصحاب الصادق أكثر من واحد.

(4) الوسائل ج 3/380 رقم الحديث 86. و حفص بن البختري، بغدادي كوفي الأصل، روى عن الإمام الصادق، له كتاب. قاموس الرجال 3/355.

(5) الكافي 1/53، و إرشاد المفيد ص 257. و هشام بن سالم أبو محمد الجواليقي الجعفي ولاء، كوفي، روى عن الإمام الصادق، له كتاب. قاموس الرجال 9/357.

(6) أمالي الشيخ المفيد ص 26.

358

و لهذا جرى الحديث التالي بين سورة بن كليب و زيد بن علي بن الحسين كما رواه الكشي عن سورة، قال: قال لي زيد بن عليّ: يا سورة!كيف علمتم أنّ صاحبكم-أي الإمام الصادق-على ما تذكرونه، قال: فقلت له: على الخبير سقطت، قال: فقال: هات!فقلت له: كنّا نأتي أخاك محمّد بن علي (ع) نسأله فيقول: قال رسول اللّه (ص) و قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه، حتى مضى أخوك فأتيناكم آل محمّد و أنت في من أتينا، فتخبرونا ببعض و لا تخبرونا بكل الّذي نسألكم عنه حتى أتينا ابن أخيك جعفر، فقال لنا كما قال أبوه: قال رسول اللّه (ص) و قال تعالى، فتبسّم، و قال: أما و اللّه إن قلت هذا فإنّ كتب علي عنده‏ (1) .

و لهذا قال ابن شبرمة: ما ذكرت حديثا سمعته عن جعفر بن محمّد إلاّ كاد أن يتصدّع قلبه، قال:

حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللّه، و قال ابن شبرمة: و أقسم باللّه ما كذب أبوه على جدّه و لا جدّه على رسول اللّه قال: قال رسول اللّه «من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك و من أفتى الناس بغير علم و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك» (2) .

و لمّا كان الأئمة يعتمدون قول اللّه و رسوله في بيان الأحكام و علماء مدرسة الخلفاء يعتمدون الرأي و القياس فيه؛ فقد تحتم وقوع الخلاف بين المدرستين في بيان الأحكام كما نرى مثاله في الحديث الآتي:

روى عذافر الصيرفي، قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر (ع) فجعل يسأله، و كان أبو جعفر له مكرما، فاختلفا في شي‏ء فقال أبو جعفر (ع) : يا بنيّ! قم فأخرج كتابا مدروجا عظيما ففتحه و جعل ينظر حتى أخرج المسألة فقال أبو جعفر (ع) : هذا خطّ علي و إملاء رسول اللّه (ص) ، و أقبل على الحكم و قال: يا أبا محمّد اذهب أنت و سلمة و أبو المقدام حيث شئتم يمينا و شمالا فو اللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل‏ (3) .

____________

(1) اختيار معرفة رجال الكشي ص 376 في ترجمة سورة بن كليب.

(2) الكافي 1/43.

(3) رجال النجاشي 279.

و عذافر بن عيسى الخزاعي الصيرفي، روى عن الإمام الصادق. قاموس الرجال 6/295.

359

ما كان الأئمة من اهل البيت يتمكنون دائما من اظهار ما عندهم من احكام الاسلام عن رسول اللّه خلافا لما عند مدرسة الخلفاء.

فقد قال أبو عبد اللّه-الصادق-: كان أبي يفتى-و كان يتقى و نحن نخاف-في صيد البزاة و الصقور و امّا الآن فانّا لا نخاف و لا نحلّ صيدها الا ان تدرك ذكاته، فانه في كتاب علي (ع) انّ اللّه عزّ و جلّ، يقول: «و ما علّمتم من الجوارح مكلّبين» في الكلاب‏ (1) .

شكوى الإمام علي (ع) من تغيير السنّة النبوية

كان ما ذكره الإمام الصادق من عدم خوفهم الآن و بيانهم الحكم كما هو في كتاب أمير المؤمنين في اخريات العصر الأموي و أوائل العهد العباسي أمّا قبل ذلك فلم يتمكن الأئمة من أهل البيت من التظاهر بخلاف ما عليه مدرسة الخلفاء عدا أيام حكم الإمام علي بن أبي طالب في بيان بعض الأحكام و لذلك ظهر في أيّامه الخلاف بين المدرستين في ذلك البعض الذي بين فيه الإمام و شيعته من الصحابة الحكم الصحيح و التفسير الحقّ للقرآن كما ورد في الكافي و الاحتجاج و الوسائل و مستدركه و موجزه في نهج البلاغة و اللفظ للأوّل: عن سليم بن قيس الهلاليّ قال: قلت: لأمير المؤمنين (ع) :

إنّي سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذرّ شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن نبيّ اللّه (ص) غير ما في أيدي النّاس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم و رأيت في أيدي النّاس أشياء كثيرة من تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبيّ اللّه (ص) أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أنّ ذلك كلّه باطل، أفتري الناس يكذبون على رسول اللّه (ص) متعمّدين، و يفسّرون القرآن بآرائهم؟قال: فأقبل عليّ فقال: قد سألت فافهم الجواب:

إنّ في أيدي الناس حقّا و باطلا، و صدقا و كذبا، و ناسخا و منسوخا، و عامّا و خاصّا، و محكما و متشابها، و حفظا و وهما، و قد كذب على رسول اللّه (ص) على عهده

____________

قو الحكم بن عتيبة الكوفي الكندي ولاء روى عن الإمامين الباقر و الصادق. توفي سنة 113-أو 14 أو 15. قاموس الرجال 3/375.

و أبو محمّد مات و له نيف و ستون أخرج حديثه أصحاب الصحاح. التهذيب 1/192.

و سلمة بن كهيل أبو يحيى الحضرمي الكوفي، أدرك الإمامين الباقر و الصادق. قاموس الرجال 4/439.

و أبو المقدام ثابت بن هرمز الحداد الفارسي العجلي ولاء، أدرك الإمامين الباقر و الصادق و هو و سلمة من البترية الذين دعوا إلى ولاية علي و خلطوها بولاية أبي بكر و عمر، و يثبتون إمامتهما و يبغضون عثمان و طلحة و الزبير و عائشة، و يرون الخروج مع بطون ولد علي بن أبي طالب، يذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و يثبتون لكل من خرج من ولد علي بن أبي طالب عند خروجه الإمامة. قاموس الرجال 2/287-289

(1) الكافي 6/207، و التهذيب 9/33، و الوسائل 16/207، و في 220 منه باختصار.

360

حتّى قام خطيبا فقال: أيّها النّاس قد كثرت عليّ الكذابة (1) فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار، ثمّ كذب عليه من بعده، و إنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الإيمان، متصنّع بالإسلام‏ (2) لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه (ص) متعمّدا؛ فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب؛ لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه، و لكنّهم قالوا هذا قد صحب رسول اللّه (ص) و رآه و سمع منه، و أخذوا عنه، و هم لا يعرفون حاله، و قد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره و وصفهم بما وصفهم فقال عزّ و جلّ: «و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم» ثمّ بقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضلالة و الدّعاة إلى النّار بالزور و الكذب و البهتان فولّوهم الأعمال، و حملوهم على رقاب الناس، و أكلوا بهم الدنيا، و إنّما الناس مع الملوك و الدّنيا إلاّ من عصم اللّه، فهذا أحد الأربعة.

و رجل سمع من رسول اللّه شيئا لم يحمله على وجهه و وهم فيه، و لم يتعمّد كذبا فهو في يده، يقول به و يعمل به و يرويه فيقول: أنا سمعته من رسول اللّه (ص) فلو علم المسلمون أنّه و هم لم يقبلوه، و لو علم هو أنّه و هم لرفضه.

و رجل ثالث سمع من رسول اللّه (ص) شيئا أمر به ثمّ نهى عنه و هو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شي‏ء ثمّ أمر به و هو لا يعلم، فحفظ منسوخه و لم يحفظ الناسخ، و لو علم أنّه منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.

و آخر رابع لم يكذب على رسول اللّه (ص) ، مبغض للكذب خوفا من اللّه و تعظيما لرسول اللّه (ص) ، لم ينسه‏ (3) ، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه و لم ينقص منه، و علم الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ فإنّ أمر النبيّ (ص) مثل القرآن ناسخ و منسوخ‏[و خاصّ و عامّ‏]و محكم و متشابه، قد كان يكون من رسول اللّه (ص) الكلام له وجهان: كلام عامّ و كلام خاصّ مثل القرآن

____________

(1) بكسر الكاف و تخفيف الذال مصدر كذب يكذب اي كثرت علي كذبة الكذابين. و يصح أيضا جعل الكذاب بمعنى المكذوب و التاء للتأنيث أي الاحاديث المفتراة أو بفتح الكاف و تشديد الذال بمعنى الواحد الكثير الكذب و التاء لزيادة المبالغة و المعنى: كثرت علي اكاذيب الكذابة او التاء للتأنيث و المعنى كثرت الجماعة الكذابة و لعل الاخير أظهر و هذا الخبر على تقديري صدقه و كذبه يدل على وقوع الكذب عليه «ص» و قوله: فليتبوأ على صيغة الامر و معناه الخبر. (قاله المجلسي في مرآة العقول) .

(2) اي: متكلف له و متدلس به غير متصف به في نفس الامر. «مرآة العقول» .

(3) في بعض النسخ‏[لم يسه‏].

361

و قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه: ... مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1)

فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله (ص) ، و ليس كلّ أصحاب رسول اللّه (ص) كان يسأله عن الشي‏ء فيفهم، و كان منهم من يسأله و لا يستفهمه حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجي‏ء الأعرابيّ و الطاري‏ (2) فيسأل رسول اللّه (ص) حتّى يسمعوا.

و قد كنت أدخل على رسول اللّه (ص) كلّ يوم دخلة و كلّ ليله دخلة فيخليني فيها أدور معه حيث دار، و قد علم أصحاب رسول اللّه (ص) أنّه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربّما كان في بيتي يأتيني رسول اللّه (ص) أكثر ذلك في بيتي، و كنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني و أقام عنّي نساءه. فلا يبقى عنده غيري، و إذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عنّي فاطمة و لا أحد من بنيّ، و كنت إذا سألته أجابني و إذا سكتّ عنه و فنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول اللّه (ص) آية من القرآن إلاّ أقرأنيها و أملاها عليّ فكتبتها بخطّي، و علّمني تأويلها و تفسيرها، و ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و خاصّها و عامّها، و دعا اللّه أن يعطيني فهمها و حفظها، فما نسيت آية من كتاب اللّه و لا علما أملاه عليّ و كتبته، منذ دعا اللّه لي بما دعا، و ما ترك شيئا علّمه اللّه من حلال و لا حرام، و لا أمر و لا نهي كان أو يكون، و لا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلاّ علّمنيه و حفظته، فلم أنس حرفا واحدا، ثمّ وضع يده على صدري و دعا اللّه لي أن يملأ قلبي علما و فهما و حكما و نورا، فقلت: يا نبيّ اللّه بأبي أنت و أمّي منذ دعوت اللّه لي بما دعوت لم أنس شيئا و لم يفتني شي‏ء لم أكتبه أ فتتخوّف عليّ النسيان فيما بعد؟فقال: لا، لست أتخوّف عليك النسيان و الجهل‏ (3) .

يعرف من هذا الحديث و نظائره من الإمام عليّ مع أصحابه و من أحاديث

____________

(1) الحشر/7.

(2) «الطاري» الغريب الذي أتاه عن قريب من غير أنس به و بكلامه. (على ما فسره المجلسي ره) ثم قال: و إنما كانوا يحبون قدومهما أما لاستفهامهم و عدم استعظامهم أو لأنه صلى اللّه عليه و آله كان يتكلم على وفق عقولهم فيوضّحه حتّى يفهم غيرهم. مرآة العقول.

(3) الكافي 1/62-63، و الوسائل ط القديمة 3/394 حديث: 1، و مستدركه 1/393، و احتجاج الطبرسي ص 134، و تحف العقول 131-132 و بعضه في نهج البلاغة الخطبة 205 و الوافي 1/63.

(مرآة العقول 1/215) .

362

الأئمة من ولده مع معاصريهم و خاصّة الامامين الباقر و الصادق أنّ ما كان لدى الأئمة من تفسير القرآن و أحاديث كانت تخالف ما كان منها لدى أصحاب مدرسة الخلفاء و مردّ ذلك و سببه أن الخلفاء (الراشدين) الثلاثة لمّا كانوا قد منعوا الصحابة من نشر الحديث عن رسول اللّه و روّجوا للقصّاصين أمثال تميم الداري راهب النصارى، و كعب أحبار اليهود (1) فنشر هؤلاء الاسرائيليات و أخذ منهم بعض الصحابة (2) فانتشر لدى المسلمين زيف كثير، و في مقابل هؤلاء جاهد الإمام علي و شيعته من الصحابة أمثال سلمان و أبي ذرّ و عمّار و المقداد في نشر أحاديث الرسول و سيرته فظهر الخلاف بين المدرستين في هذا الأمر، و تحمّل بسببه بعضهم ما تحمّل من التشريد و التعذيب‏ (3)

و بالإضافة إلى هذا كان الخلفاء قبله قد غيّروا و بدّلوا من سنّة الرسول ما يخالف سياستهم ممّا سمّاه اتباعهم من بعد باجتهاد الخلفاء أمثال ما شرحناه من موارد اجتهاد الخلفاء في ما سبق، فلمّا جاء الإمام إلى الحكم بعدهم حاول أن يعيد الأمّة الإسلامية إلى سنّة الرسول، و يغيّر سنن الخلفاء الراشدين الثلاثة، فلم ينجح، كما شرح ذلك لخاصّته في حديثه الآتي:

و إنّما بدء وقوع الفتن من أهواء تتّبع و أحكام تبتدع، يخالف فيها حكم اللّه يتولّى فيها رجال رجالا، ألا إنّ الحقّ لو خلص لم يكن اختلاف و لو أنّ الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، لكنّه يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث‏ (4) فيمزجان فيجلّلان‏ (5) معا، فهنا لك يستولي الشيطان على أوليائه و نجا الّذين سبقت لهم من اللّه الحسنى‏ (6) ، إنّي سمعت رسول اللّه (ص) يقول: كيف أنتم إذا ألبستكم فتنة يربو فيها الصغير (7) و يهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها و يتّخذونها سنّة فإذا غيّر منها شي‏ء قيل:

قد غيّرت السنّة و قد أتى الناس منكرا، ثمّ تشتدّ البليّة و تسبي الذريّة، و تدقّهم الفتنة كما

____________

(1) نقصد براهب النصارى و كعب أحبار اليهود ما كانا عليه قبل أن يظهرا الإسلام.

(2) لقد شرحنا ذلك في كتابنا: «من تاريخ الحديث» و أشرنا إليه في باب (أحاديث الرسول) .

(3) اشرنا الى ذلك في ما سبق.

(4) الضغث-بالكسر-قبضة من حشيش مخالطة الرطب باليابس.

(5) جللت الشي‏ء؛ إذا غطيته. و في النسخ‏[فيجتمعان‏]و في بعضها[فيجلبان‏].

(6) الى هنا أوردها الرضي في نهج البلاغة و رقم الخطبة في طبعة 49 و اخرى 50.

(7) أي يكبر و هو كناية عن امتدادها.

363

تدقّ النار الحطب، و كما تدقّ الرحا بثفالها (1) ، و يتفقّهون لغير اللّه، و يتعلّمون لغير العمل، و يطلبون الدّنيا بأعمال الآخرة. ثمّ أقبل بوجهه و حوله ناس من أهل بيته و خاصّته و شيعته فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللّه (ص) متعمّدين لخلافه، ناقضين لعهده مغيّرين لسنته، و لو حملت النّاس على تركها و حوّلتها إلى مواضعها و إلى ما كانت عليه في عهد رسول اللّه (ص) لتفرّق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الّذين عرفوا فضلي و فرض إمامتي من كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنة رسول اللّه (ص) ، أ رأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (ع) (2) ، فرددته إلى الموضع الّذي وضعه فيه رسول اللّه (ص) ، و رددت فدك إلى ورثة فاطمة (ع) (3) و رددت صاع رسول اللّه (ص) كما كان، (4) و أمضيت قطائع أقطعها رسول اللّه (ص) لأقوام لم تمض لهم و لم تنفذ، و رددت دار جعفر إلى ورثته و هدمتها من المسجد (5) ، و رددت قضايا من الجور قضي بها (6) ، و نزعت نساء تحت رجال بغير حقّ فرددتهنّ إلى أزواجهن‏ (7) ، و استقبلت بهنّ الحكم في الفروج و الأحكام، و سبيت ذراري بني تغلب‏ (8) ، و رددت ما قسم من أرض خيبر، و محوت

____________

(1) بالمثلثة و الفاء في النهاية: في حديث علي عليه السّلام: «و تدقهم الفتن دق الرحا بثفالها» الثفال -بالكسر-: جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق، و يسمى الحجر الأسفل، ثفالا بها و المعنى أنها تدقهم دقّ الرحا للحب إذا كانت مثفلة و لا تثفل إلا عند الطحن.

(2) أخّر عمر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم و كان ملصقا بالبيت، طبقات ابن سعد 3/284 ط.

بيروت، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 137، و باب موافقات عمر في فتح الباري 9/236 و قيل إنّ عمر أرجعه إلى مكانه في العصر الجاهلي.

(3) قصة فدك سبق شرحها.

(4) الصاع في النهاية هو مكيال يسع أربعة أمداد، المد عند الشافعي و فقهاء الحجاز رطل و ثلث الرطل بالعراقي و عند أبي حنيفة المد رطلان و به أخذ فقهاء العراق. فيكون الصاع خمسة أرطال و ثلثا أو ثمانية أرطال، و عند الشيعة على ما في كتاب الخلاف في حديث زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: كان الرسول (ص) يتوضأ بمد و يغتسل بصاع، و المد رطل و نصف و الصاع ستة أرطال يعني رطل المدينة اه. و هو تسعة بالعراقي.

(5) وسع الخليفة عمر مسجد الرسول كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 137 و أدخل فيه بعض الدور.

(6) ذلك كقضاء عمر بالعول و التعصيب في الارث، و كقضائه بقطع السارق من معصم الكف و مفصل ساق الرجل خلافا لما أمر به النبي (ص) من ترك الكف و العقب، و إنفاذه في الطلاق الثلاث المرسلة إلى غير ذلك من قضاياه و قضايا الآخرين. (الوافي) و سمى بعضها أوليات عمر.

(7) كمن طلقت بغير شهود و على غير طهر كما أبدعوه و نفذوه و غير ذلك (الوافي) .

(8) لأن عمر رفع عنهم الجزية فهم ليسوا بأهل ذمة فيحل سبي ذراريهم كما روي عن الرضا (ع) أنه قال: إن بني تغلب من نصارى العرب انفوا و استنكفوا من قبول الجزية و سالوا عمر أن يعفيهم عن الجزية و يؤدوا الزكاة مضاعفة فخشي أن يلحقوا بالروم فصالحهم على أن صرف ذلك عن رءوسهم و ضاعف عليهم الصدقة

364

دواوين العطايا (1) ، و أعطيت كما كان رسول اللّه (ص) (2) يعطي بالسويّة و لم أجعلها دولة بين الأغنياء و ألقيت المساحة (3) ، و سوّيت بين المناكح‏ (4) و أنفذت خمس الرّسول كما أنزل اللّه عزّ و جلّ و فرضه‏ (5) ، و رددت مسجد رسول اللّه (ص) إلى ما كان عليه‏ (6) ، و سددت ما فتح فيه من الأبواب، و فتحت ما سدّ منه، و حرّمت المسح على الخفين، و حددت على النبيذ (7) ، و أمرت باحلال المتعتين‏ (8) ، و أمرت بالتكبير على الجنائز خمس

____________

قفرضوا بذلك. و قال محيي السنة «البغوي» روى ان عمر بن الخطاب رام نصارى العرب على الجزية فقالوا: نحن عرب لا نؤدّي ما يؤدي العجم و لكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة فقال عمر: هذا فرض اللّه على المسلمين قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية فراضاهم على ان ضعف عليهم الصدقة. مرآة العقول.

(1) أشار بذلك الى ما ابتدعه عمر في عهده من وضعه الخراج على أرباب الزراعات و الصناعات و التجارات لأهل العلم و أصحاب الولايات و الرئاسات و الجند و جعل ذلك عليهم بمنزلة الزكاة المفروضة و دون دواوين و اثبت فيها أسماء هؤلاء و أسماء هؤلاء، و أثبت لكل رجل من الأصناف الأربعة ما يعطي من الخراج الذي وضعه على الأصناف الثلاثة، و فضل في إعطاء بعضهم على بعض، و وضع الدواوين على يد شخص سماه صاحب الديوان، و أثبت له أجرة من ذلك الخراج و لم يكن شي‏ء من ذلك على عهد رسول اللّه (ص) و لا على عهد أبي بكر. الوافي.

(2) أي لا أجعله لقوم دون قوم حتى يتداولوه بينهم و يحرموا الفقراء.

(3) إشارة إلى ما عده الخاصة و العامة من بدع عمر أنه قال: ينبغي مكان هذا العشر و نصف العشر دراهم نأخذها من أرباب الأملاك، فبعث إلى البلدان من مسح على أهلها فألزمهم الخراج، فأخذ من العراق و ما يليها ما كان أخذه منهم ملوك الفرس على كل جريب درهما واحدا و قفيزا من أصناف الحبوب، و أخذ من مصر و نواحيها دينارا و إردبا عن مساحة جريب كما كان يأخذ منهم ملوك الإسكندرية و قد روى محيي السنة و غيره من علمائهم عن النبي (ص) انه قال: «منعت العراق درهمها و قفيزها و منعت الشام مدها و دينارها و منعت مصر إردبها و دينارها» و الإردب لأهل مصر أربعة و ستون منّا و فسره أكثرهم بأنه قد محا ذلك شريعة الإسلام و كان أول بلد مسحه عمر بلد الكوفة. و تفصيل الكلام في ذكر هذه البدع موكول إلى الكتب المبسوطة التي دونها أصحابنا لذلك كالشافي للسيد المرتضى. مرآة العقول.

(4) بأن يزوج الشريف و الوضيع كما فعله رسول اللّه (ص) : زوج بنت عمته مقدادا. أو إشارة إلى ما ابتدعه عمر من منعه غير قريش أن يتزوج في قريش و منعه العجم من التزويج في العرب. الوافي.

(5) إشارة إلى منع عمر اهل البيت خمسهم. كما مر بيانه.

(6) يعنى أخرجت منه ما زادوه فيه. «و سددت ما فتح فيه من الأبواب» إشارة إلى ما نزل به جبرئيل (ع) من اللّه سبحانه من أمره النبي (ص) بسد الأبواب من مسجده إلاّ باب على و كانهم قد عكسوا الأمر بعد رسول اللّه (ص) . الوافي.

(7) إشارة إلى ما ابتدعه عمر من إجازة المسح على الخفين في الوضوء ثلاثا للمسافر و يوما و ليلة للمقيم و قد روت عائشة عن النبي (ص) أنه قال لعمر: «أشدّ الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره» . «و حددت على النبيذ» و ذلك أنهم استحلوه. راجع من لا يحضره الفقيه ج 1 الباب: 10 ح: 96.

(8) يعني متعة النساء و متعة الحج، قال عمر: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (ص) و أنا أحرمهما

365

تكبيرات‏ (1) ، و ألزمت الناس الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ (2) ، و أخرجت من أدخل بعد رسول اللّه (ص) في مسجده ممّن كان رسول اللّه (ص) أخرجه، و أدخلت من أخرج بعد رسول اللّه (ص) ممّن كان رسول اللّه (ص) أدخله‏ (3) ، و حملت النّاس على حكم القرآن و على الطلاق على السنّة (4) ، و أخذت الصدقات على أصنافها و حدودها (5) ، و رددت الوضوء و الغسل و الصلاة إلى مواقيتها و شرائعها و مواضعها (6) ، و رددت أهل نجران إلى مواضعهم‏ (7) ، و رددت سبايا فارس و سائر الأمم إلى كتاب اللّه و سنّة نبيّه (ص) ، إذا لتفرّقوا عنّي. و اللّه لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة، و أعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غيّرت سنّة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعا

____________

قو أعاقب عليهما: متعة النساء و متعة الحج» . مرّ بيانه.

(1) و ذلك ان النبي (ص) كان يكبر على الجنائز خمسا، لكن الخليفة الثاني راقه أن يكون التكبير في الصلاة عليها أربعا فجمع الناس على الأربع، نص على ذلك جماعة من أعلام الأمة كالسيوطي (نقلا عن العسكري) حيث ذكر أوليات عمر من كتابه (تاريخ الخلفاء) ، و ابن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر سنة 23 من كتاب (روضة المناظر) المطبوع في هامش تاريخ ابن الأثير.

(2) و ذلك أنهم يتخافتون بها أو يسقطونها في الصلاة. و لعلهم أخذوها من الخليفة معاوية راجع تفسير سورة الحمد بتفسير الزمخشري.

(3) لعل المراد به نفسه (ع) و بإخراجه سد بابه و بادخاله فتحه. الوافي.

(4) و ذلك أنهم خالفوا القرآن في كثير من الأحكام و أبطلوا عدة من أحكام الطلاق بآرائهم.

(5) أي أخذتها من أجناسها التسعة و هي الدنانير و الدراهم و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الإبل و الغنم و البقر فانهم أوجبوها في غير ذلك مثل زكاة الخيل. تاريخ الخلفاء ص 137.

(6) ذلك أنهم خالفوا في كثير منها كإبداعهم في الوضوء مسح الأذنين و غسل الرجلين و المسح على العمامة و الخفين و انتفاضه بملامسة النساء و مس الذكر و أكل ما مسته النار و غير ذلك مما لا ينقضه، و كإبداعهم الوضوء مع غسل الجنابة، و إسقاط الغسل في التقاء الختانين من غير انزال، و إسقاطهم من الأذان «حي على خير العمل» و زيادتهم فيه «الصلاة خير من النوم» و تقديمهم التسليم على التشهد الأول في الصلاة مع أن الغرض من وضعه التحليل منها، و إبداعهم وضع اليمين على الشمال فيها، و حملهم الناس على الجماعة في النافلة و على صلاة الضحى و غير ذلك. راجع في إثبات كل ذلك كتاب الشافي للسيد المرتضى-رحمه اللّه.

(7) نجران-بالفتح ثم السكون و آخره نون-و هو في عدة مواضع: منها نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة و بها كان خبر الأخدود، و إليها تنسب كعبة نجران، و كانت بيعة بها أساقفة مقيمون منهم السيد و العاقب اللذان جاءا الى النبي عليه السلام في اصحابهما و دعاهم الى المباهلة و بقوا بها حتى اجلاهم عمر و نجران أيضا موضع على يومين من الكوفة-إلى آخر ما قاله الحموي في مراصد الاطلاع 3/1359 و في كيفية إجلاء عمر إياهم و سببه. راجع فتوح البلدان للبلاذري ص 77 الى ص 79.

366

و لقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري‏ (1) . ما لقيت من هذه الأمّة من الفرقة و طاعة أئمة... (2)

إلى آخر شكوى الإمام في هذه الخطبة التي يصرّح فيها بأنّه لم ينجح في إرجاع الأمّة الإسلامية إلى سنّة نبيّها، و تجرّع في سبيل ذلك الغصص حتى تمنّى الموت و قال:

ما يحبس أشقاكم أن يجي‏ء فيقتلني. اللّهم إنّي قد سئمتهم و سئموني فأرحهم منّي، و أرحني منهم‏ (3) .

و قال: متى يبعث أشقاها؟! قال ذلك، لأنّ رسول اللّه كان قد قال له: يا عليّ «أ تدري من أشقى الأوّلين و الآخرين؟» قال قلت: اللّه و رسوله أعلم قال: «من يخضب هذه من هذه-يعني لحيته من هامته» (4) .

و لمّا أراح ابن ملجم الإمام عليّا و تغلّب على الحكم معاوية؛ أعاد إلى الأمّة جميع سنن الخلفاء الّتي ناهضها الإمام علي، و أضاف إلى ذلك إعادته الأعراف القبليّة الجاهليّة، و زاد في الطين بلّة بما فعل من وضعه جماعة من الصحابة و التابعين ليرووا عن رسول اللّه (ص) أحاديث في تأييد سياسته كما أشرنا إليه في ما سبق، و كان يحدوه إلى ذلك-بالإضافة إلى ما كان يروم من تثبيت الحكم في عقبه-عداؤه لبني هاشم. كما يتضح ذلك ممّا رواه الزبير بن بكار في «الموفقيات» ، عن المطرف بن المغيرة بن شعبة قال:

دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدّث معه، ثمّ ينصرف إليّ فيذكر معاوية و عقله، و يعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، و رأيته مغتما، فانتظرته ساعة، و ظننت أنه لأمر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتمّا منذ الليلة؟فقال: يا بنيّ، جئت من أكفر الناس و أخبثهم. قلت: و ما ذاك؟قال: قلت له و قد خلوت به: إنك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا، و بسطت خيرا فإنك قد كبرت، و لو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فو اللّه ما عندهم اليوم شي‏ء تخافه، و إن ذلك مما يبقى لك ذكره و ثوابه؟فقال: هيهات هيهات!

____________

(1) راجع فصل في أوليات عمر من تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 136.

(2) روضة الكافي 58-63.

(3) البحار 42/196.

(4) البحار 42/195.

367

أي ذكر أرجو بقاءه؟ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر. ثم ملك أخو عدي، فاجتهد و شمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر.

و إن ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرات (أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه) فأي عمل يبقى؟و أي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟لا و اللّه إلاّ دفنا دفنا (1) .

و بسبب كلّ ذلك انتشر «حديث كثير موضوع و بهتان منتشر» (2) و الأنكى من ذلك رؤية المسلمين لمقام الخلافة فقد كانوا يرونه مصداقا لأولي الأمر في قوله تعالى أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ و أغرموا بحبّ الخلفاء إلى حدّ أنّهم سمّوا كل مخالفة منهم لأحكام القرآن و سنّة الرسول اجتهادا، و على امتداد الأيّام تعاظم عندهم مقام الخلافة حتى أصبح حكمهم في نظرهم خلافة اللّه في الأرض بعد أن كان خلافة الرسول فقد كتب مروان بن محمّد د- و كان واليا على أرمينية-إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق لمّا استخلف «يبارك له خلافة اللّه له على عباده» (3) و هذا الوليد هو الذي سعى أخوه سليمان في قتله و قال: «أشهد أنّه كان شروبا للخمر ما جنا فاسقا و لقد أرادني على نفسي» و أراد الوليد أن يشرب الخمر فوق ظهر الكعبة، و لما قيل في مجلس المهدي أنه كان زنديقا قال المهدي: «خلافة اللّه عنده أجلّ من أن يجعلها في زنديق» (4) .

و روى أبو داود في سننه عن سليمان الأعمش، قال: جمّعت مع الحجّاج فخطب... قال فيها: ... فاسمعوا و أطيعوا لخليفة اللّه و صفيّه عبد الملك بن مروان‏ (5) .

و روى أبو داود و المسعودي و ابن عبد ربّه و اللفظ للأوّل. عن الربيع بن خالد الضبّي قال: سمعت الحجّاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله‏ (6) .

____________

(1) الموفقيات للزبير بن بكار ص 575 و 576، و شرح نهج البلاغة 2/176.

(2) راجع المجلد الأول، فصل: في نشر حديث الرسول ص 27-43.

(3) تاريخ ابن كثير 10/4.

(4) تاريخ ابن كثير 10/7-8.

(5) سنن أبي داود ج 4/210 ح 4645 في: باب في الخلفاء.

(6) سنن أبي داود 4/209 ح 4642، و المسعودي ج 3/147 في: ذكر طرف من أخبار الحجاج، و العقد الفريد 5/52.

368

و كتب إلى عبد الملك يعظّم فيه أمر الخلافة و يزعم أنّ السموات و الأرض ما قامتا إلاّ بها، و انّ الخليفة عند اللّه افضل من الملائكة المقرّبين و الأنبياء و المرسلين، و ذلك أنّ اللّه خلق آدم بيده و أسجد له ملائكته و أسكنه جنّته، ثمّ أهبطه إلى الأرض و جعله خليفته، و جعل الملائكة رسلا إليه، فأعجب عبد الملك بذلك، و قال: لوددت أنّ بعض الخوارج عندي فأخاصمه بهذا الكتاب... الحديث‏ (1) .

و في مرّة واحدة أنزل من قدر الخليفة و جعله مساويا للرسول فقد قال في خطبة كما في سنن أبي داود و العقد الفريد: أنّ مثل عثمان عند اللّه كمثل عيسى بن مريم، ثمّ قرأ هذه الآية «إذ قال اللّه يا عيسى إني متوفّيك و رافعك إليّ و مطهّرك من الّذين كفروا و جاعل الّذين اتبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة» (2) .

و في العقد الفريد: بعد «من الذين كفروا» أنه أشار بيده إلى أهل الشام‏ (3) أي أنّهم الّذين اتبعوا الخليفة فجعلهم اللّه فوق الذين كفروا و هم أهل العراق، و أمر الوليد ابن عبد الملك خالد بن عبد اللّه القسري، فحفر بئرا بمكة فجاءت عذبة الماء طيّبة، و كان يستسقي منها الناس، فقال خالد في خطبته على منبر مكّة: أيّها الناس أيّهما أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟و اللّه لم تعلموا فضل الخليفة ألاّ إنّ إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحا أجاجا و استسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا. يعني بالملح زمزم و بالماء الفرات بئرا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين ثنية طوى و ثنية الحجون فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، قال الراوي: ثمّ غارت البئر فذهبت فلا يدرى أين هي اليوم‏ (4) .

بلغت عصبة الخلافة (5) إلى هذا الحدّ من الإسفاف في توجيهها الأمّة على تقديس مقام الخلافة و خاصة مقام الخليفتين الأولين: أبي بكر و عمر (رض) ، و بلغت في ذلك باخريات عهد عمر (رض) مستوى من التربية الفكرية للأمّة كان مقبولا معها

____________

(1) العقد الفريد 5/51.

(2) سورة آل عمران آية/55.

(3) سنن أبي داود 4/209، و العقد الفريد 5/51.

(4) في ذكر حوادث سنة تسع و ثمانين من الطبري 5/67، و ابن الأثير 4/205، و ابن كثير 9/76.

(5) قصدنا من لفظ العصبة معناه اللغوي و هو العصابة: أي الجماعة من الرجال و ذلك ما قصده الرسول (ع) في غزوة بدر عند ما دعا ربه و قال في حق أصحابه: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد.

369

لدى عامة المسلمين و لدى أصحاب رسول اللّه (ص) خاصّة أن يتخذ من سيرتهما في عداد سنة الرسول دستورا للمجتمع الإسلامي، و تعقد الخلافة لعثمان على أن يعمل بسنّة خاتم الأنبياء و سيرة الخليفتين‏ (1) . و قد مرّ بنا في ما سبق أنّهما كانا يعملان برأيهما في الأحكام فقد أسقطا سهم آل البيت خاصة و بني هاشم عامّة من عامّة موارد الخمس مع وجود النص عليه في الكتاب و السنّة، و أسقط أبو بكر القود و الحدّ عن خالد بن الوليد خلافا للنصّ الشرعي و وفقا لرأيه، و حرّم عمر متعتي الحجّ و النساء وفقا لاجتهاده و أوجد النظام الطبقي في تقسيم بيت المال، إلى غير ذلك ممّا بدّلا فيه أحكام الإسلام وفق ما رأيا من مصلحة خاصّة أو عامّة، و تابعهما على ذلك الخليفة الثالث عثمان بن عفّان (رض) . و لمّا جاء دور الإمام علي شكا من تغييرهم أحكام الإسلام، و لم يستطع أن يعيدها إلى ما كانت عليه على عهد النبي (ص) ، ثمّ جاء بعدهم الخليفة معاوية، فزاد في الطين بلّة في ما فعل و غيّر و بدل.

و غمّ بعد ذلك أمر الأحكام الإسلامية و التبس على المسلمين بحيث لم يعد ممكنا إعادة الأحكام الّتي بدّلها الخلفاء إلى المجتمع الإسلامي مع رؤية المسلمين التقديسية للخلفاء الّذين بدّلوا تلك الأحكام. فما ذا صنع أئمة أهل البيت في مقابل ذلك؟ و كيف استطاعوا أن يعيدوا أحكام الإسلام ثانية إلى المجتمع؟هذا ما يأتي بيانه في باب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يعيدون أحكام الإسلام إلى المجتمع و فيه تتمة هذا البحث.

____________

(1) عبد اللّه بن سبأ ج 1، باب الشورى و بيعة عثمان.

370

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

371

الفصل الخامس خلاصة بحوث المدرستين في مصادر الشريعة الاسلاميّة

-أمثلة من اجتهاد الخلفاء في مقابل نصوص الكتاب و السنة -رواية الأحاديث تبريرا لفعل الخلفاء -السبيل إلى توحيد كلمة المسلمين‏

372

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

373

القرآن و السنة و الفقه و الاجتهاد من مصطلحات الإسلام و المسلمين.

القرآن هو كلام اللّه الذي أنزله على خاتم الأنبياء باللغة العربية و يقابله في اللغة العربية الشعر و النثر، فكل كلام عربي أمّا أن يكون قرآنا و إمّا أن يكون نثرا أو شعرا.

و يقال لجميع القرآن: قرآن، و للسورة قرآن، و للآية قرآن، و أحيانا لبعض الآية قرآن، كما يقال للديوان شعر و للقصيدة و البيت و الشطر شعر.

و هو مصطلح إسلامي لوروده في كلام اللّه و حديث الرسول. و قد عدّ العلماء من أسماء القرآن بعض ألفاظ وردت وصفا لكلام في القرآن و قد استعملها اللّه من قبيل الوصف و التعريف للقرآن مثل: الكتاب و الذكر.

و سمّى الخليفة أبو بكر القرآن بالمصحف، و لما لم يرد هذا اللفظ في القرآن و الحديث النبوي الشريف فقد سميناه بالمصطلح الإسلامي.

و كان رسول اللّه (ص) يعلم كل ما نزل عليه من القرآن نجوما، من حضره من المسلمين، و قد أمرهم في المدينة بكتابة القرآن و حفظه، فتسابقوا إلى حفظ القرآن و كتابته على ما حضرهم من جلد و خشب و عظم و غيرها، و لما توفي الرسول (ص) بادر الإمام علي إلى جمعه في كتاب و كانت عند بعض الصحابة-مثل ابن مسعود أيضا-نسخ خاصّة بهم، و أمر الخليفة أبو بكر بعض الصحابة فدنوه في نسخة و أودعها عند أمّ المؤمنين حفصة، و أمر الخليفة عثمان بكتابة نسخ عليها و وزعها على المسلمين في أقطار البلاد الإسلامية فاستنسخ منها المسلمون آلاف النسخ ثم مئات الألوف و ملايينها و بقيت بأيديهم حتى اليوم، شأنه شأن ألفية ابن مالك التي لم تتغير منذ كتبها ناظمها إلى‏

374

اليوم، لأن الحوزات لم تنقطع عن تدريسها في كل الأزمنة و لم يسمع بأن لدى أحد من المسلمين في عصر من العصور نسخة من القرآن تختلف في كلمة واحدة عما في أيدينا.

أما ما ورد في بعض الأحاديث بكتب مدرسة الخلفاء أو مدرسة أهل البيت فإن تلك الروايات لم يأخذ بها أحد من المسلمين في عصر من العصور بل بقيت في محلّها من كتب الحديث.

و أما مصحف فاطمة (ع) فإن الأئمة من أهل البيت قالوا عنه: إن فيه أسماء من يحكم هذه الأمّة من حكّام و ليس فيه شي‏ء من القرآن، و شأن هذه التسمية شأن تسمية كتاب سيبويه في النحو ب «الكتاب» ، فانه لم يقصد منه أنّه القرآن.

أمّا السنة فهي في اللغة: الطريقة، و في عرف المسلمين: سيرة الرسول و حديثه و تقريره، و قد ورد في حديث الرسول الحث على الأخذ بسنته، فهي إذا من المصطلحات الإسلامية و إن كانت دلالتها على الحديث و التقرير ضمنية.

و ينحصر طريق وصول السنة حديثا و سيرة و تقريرا بما روي عن رسول اللّه (ص) .

و الفقه في اللغة: الفهم، و في القرآن و الحديث ورد بمعنى علم الدين الإسلامي، و في اصطلاح علماء المسلمين خص بعلم الأحكام و بما أنّه استعمل في القرآن و الحديث بمعنى عامة علم الدين، فاستعماله في خصوص علم الأحكام لا يخرجه عن كونه مصطلحا إسلاميا.

و الاجتهاد في عرف علماء مدرسة الخلفاء: استنباط الأحكام عن طريق الكتاب و السنة و القياس.

و في عرف علماء مدرسة أهل البيت: مساوق للفقه.

و تتّفق المدرستان في الأخذ بكل ما ورد في كتاب اللّه و كل ما ثبت لديهم من سنّة الرسول.

و تختلفان في من يأخذون عنه سنة الرسول، فإنّ أتباع مدرسة الخلفاء تأخذ الأحكام من كل من سمّوه صحابيّا، و لا يأخذ أتباع مدرسة أهل البيت السنّة ممن عادى الإمام عليا (ع) مثل عمران بن حطّان الخارجي سواء أ كان المعادي للإمام علي صحابيا أم تابعيا أم ممن جاء بعدهم لأنّ رسول اللّه (ص) قال للإمام علي: «يا علي لا يحبّك إلاّ مؤمن و لا يبغضك إلاّ منافق» و قال اللّه سبحانه: وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا

375

عَلَى اَلنِّفََاقِ لاََ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ .

و اختلفت المدرستان أيضا بعد وفاة رسول اللّه، في نشر حديث الرسول (ص) و كتابته. فبينما منع الخلفاء الأوّلون إذاعة حديث الرسول (ص) و حرّموا كتابته و بقي تحريم الكتابة جاريا إلى عصر عمر بن عبد العزيز؛ جدّت مدرسة أهل البيت في إذاعة حديث الرسول (ص) و كتابته جيلا بعد جيل.

و بالإضافة إلى ما ذكرنا اختلفت المدرستان أيضا في العمل بالرأي و الاجتهاد في الأحكام الإسلامية فبينا منعت مدرسة أهل البيت العمل بالرأي و الاجتهاد في الأحكام؛ عملت مدرسة الخلفاء في الأحكام الإسلامية بالرأي و الاجتهاد كما سنذكر خلاصة بعض أمثلتها فيما يأتي.

376
أمثلة من اجتهاد الخلفاء في مقابل نصوص الكتاب و السنّة

أ- قال اللّه عزّ و جلّ‏ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الحشر/7، وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ*`إِنْ هُوَ إِلاََّ وَحْيٌ يُوحى‏ََ النجم/3، 4، وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ النحل/44.

و حثّ رسول اللّه (ص) على نشر حديثه، و أمر بكتابة حديثه و أكّد عليه، ثم اجتهد الخلفاء و منعوا من نشر حديث الرسول (ص) و نهوا عن كتابته و أصبح اجتهادهم حكما إسلاميا، ثم رووا الحديث عن رسول اللّه (ص) أنه نهى عن كتابة حديثه تأييدا لموقف الخلفاء و بقي الأمر كذلك، و امتنع المسلمون عن كتابة الحديث النبوي زهاء تسعين سنة حتى إذا أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بكتابة الحديث النبوي الشريف، كتب المسلمون من أتباع مدرسة الخلفاء حديث الرسول (ص) و ألفوا المسانيد و الصحاح و المصنفات الكثيرة الوفيرة في ذلك.

ب- قال اللّه عزّ و جلّ: فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ الأنفال/41.

و سنّ رسول اللّه (ص) ذلك و عمل به في عصره، و اجتهد الخلفاء فأسقطوا سهم رسول اللّه (ص) و سهم ذي القربى و جعلوهما في الكراع و السلاح، و أصبح اجتهادهم حكما إسلاميا.

ج- قال اللّه عزّ و جلّ: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ» .

و سنّ رسول اللّه (ص) عمرة التمتع و عمل بها المسلمون في حجة الوداع، ثم اجتهد الخلفاء و نهوا عن عمرة التمتع و أمروا بإفراد الحجّ، و أصبح اجتهادهم حكما إسلاميا، ثمّ رووا الحديث عن رسول اللّه (ص) بأنه أمر بإفراد الحجّ، و أنه نهى عن عمرة

377

التمتع تأييدا لموقف الخلفاء، و حجّ المسلمون بلا عمرة و بقى ذلك معمولا به عند بعضهم حتى اليوم.

د- قال اللّه عزّ و جلّ: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ .

و سنّ رسول اللّه (ص) متعة النساء و عمل بها المسلمون على عهده، ثم اجتهد الخلفاء و حرّموا متعة النساء، و أصبح اجتهادهم حكما إسلاميا، و رووا الحديث عن رسول اللّه (ص) أنه نهى عن متعة النساء و امتنع أتباع مدرسة الخلفاء عن متعة النساء حتى اليوم.

ه- قال اللّه عزّ و جلّ: جَعَلَ اَللََّهُ اَلْكَعْبَةَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرََامَ و جعل مكّة و حواليها حرما آمنا.

و سنّ رسوله ذلك و حدّد حدود حرم اللّه، ثم اجتهد الخلفاء، فاستباحوا حرمة الكعبة و رموها بالمنجنيق.

و- قال اللّه عزّ و جلّ: قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ .

و قال رسول اللّه (ص) الكثير في الوصية بأهل بيته، ثم اجتهد الخلفاء، فقتلوا سبط الرسول (ص) و أهل بيته و سبوا نساءه.

إلى الكثير مما قال اللّه و رسوله (ص) و اجتهد الخلفاء و سنّوا خلافه، و أصبح اجتهادهم في بعضها حكما إسلاميا اتّبعه المسلمون من أتباع مدرسة الخلفاء، و ما أوردنا من ذلك كان على سبيل المثال و ليس الحصر فإن لهم اجتهادات أخرى أيضا مثلها مما سمّاها المؤرّخون بالأوّليات، فقد قال السيوطي-مثلا-في ذكر أوليات عمر من تاريخه: هو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان، أي سنّ الجماعة في نافلة شهر رمضان و يسمّى صلاة التراويح‏ (1) ، و أوّل من حرّم المتعة، و أوّل من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات‏ (2) ، و أوّل من أعال الفرائض‏ (3) .

و قال في أوّليّات عثمان: هو أوّل من أقطع القطائع-مثل فدك أقطعها لمروان-و أوّل من حمى الحمى-مثل الربذة حماها لنفسه-.

____________

(1) راجع صحيح البخاري باب فضل من قام رمضان من كتاب الصيام، و مسلم باب الترغيب في قيام رمضان، و طبقات ابن سعد ط. ليدن 3 ق 1/202، و تاريخ اليعقوبي 2/140، و تاريخ الطبري 5/32، و ابن الأثير 3/23.

(2) راجع مسند أحمد 4/370، و 5/406، و تاريخ ابن الأثير 3/23.

(3) راجع تفصيل قول ابن عباس في مستدرك الحاكم 4/339.

378

و قال في أوّليات معاوية: هو أول من خطب الناس قاعدا، و أوّل من أحدث الأذان في العيد، و أوّل من نقص التكبير، و أوّل من اتخذ مقصورة في المسجد، و أوّل من عهد بالخلافة لابنه، و أوّل من عهدها في صحّته.

و اجتهد الخليفة عمر أيضا في حكم الطلاق، فجعل التلفّظ بالثلاثة في مجلس واحد ثلاث تطليقات، خلافا لما كانت عليه سنّة الرسول‏ (1) و تبديله حيّ على خير العمل ب «الصلاة خير من النوم» في الصبح‏ (2)

و نهيه عن البكاء على الموتى، و ضربه الباكين مع منح الرسول إيّاه عن ذلك، و بكاء الرسول على الميّت‏ (3) ، و طلبه من المسلمين أن يبكوا على حمزة (4) .

و نهيه عن التطوّع بركعتين بعد العصر مع أن رسول اللّه (ص) لم يتركهما قطّ (5) .

و مثل إتمام عثمان صلاة الرباعيّة في السفر مع أنّ الفرض فيها القصر (6) .

و مثل أمر معاوية بلعن الإمام عليّ على جميع منابر المسلمين في جميع مساجدهم في خطبة الجمعة و العيدين. و قد استمرّوا على هذه السيرة منذ سنة أربعين للهجرة إلى أن رفعها عمر بن عبد العزيز.

و مثل أفعال الخليفة يزيد!!!

____________

(1) راجع صحيح مسلم، باب طلاق الثلاث، من كتاب الطلاق، و مسند أحمد 1/314، و سنن أبي داود في كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد الثلاث تطليقات، و سنن البيهقي 7/336، و مستدرك الحاكم 2/196، و سنن النسائي كتاب الجنائز باب عدد التكبيرات على الجنازة.

(2) مصنف ابن أبي شيبة، و موطأ مالك، باب الأذان و التثويب، و راجع أواخر مبحث الإمامة من شرح التجريد.

(3) راجع صحيح البخاري، أبواب الجنائز، باب البكاء عند المريض، و باب يعذب الميت ببكاء أهله عليه، و باب الرجل ينعى الى أهل الميت بنفسه، و باب قول النبيّ (ص) إنا بك لمحزونون، و صحيح مسلم في باب البكاء على الميت من كتاب الجنائز، و باب رحمته من الصبيان و العيال من كتاب الفضائل، و تاريخ الطبري و ابن الأثير في ذكر موت أبي بكر في حوادث سنة 13 ه. و النسائي في كتاب الجنائز، و مسند أحمد 1/335، و 2/333، و شرح النهج لابن أبي الحديد 1/111

(4) مسند أحمد 2/40 و ترجمة حمزة من الاستيعاب.

(5) صحيح مسلم، باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما بعد العصر، و موطأ مالك في موارد النهي عن الصلاة بعد الصبح و العصر، و راجع شرحه للزرقاني.

(6) راجع صحيح مسلم. كتاب صلاة المسافرين و قصرها، و صحيح البخاري في باب ما جاء في التقصير من أبواب التقصير، و مسند أحمد 4/94. و تاريخ الطبري و ابن الأثير في ذكر ما نقم على عثمان‏

379

هكذا اطّردت اجتهادات الخلفاء و كبراء مدرستهم في مقابل أحكام الكتاب و السنّة و كثر تبديلهم الأحكام الإسلامية و سمّوها بالتأويل تارة، و بالأوّليات أخرى، و لكن المشهور تسميتها بالاجتهاد. و زاد في الطين بلّة ما روي من أحاديث تؤيّد الخلفاء في أعمالهم و أقوالهم كما يلي بيانه:

رواية الاحاديث تبريرا لفعل الخلفاء

ضربنا في ما سبق أمثلة من اجتهادات الخلفاء في مقابل نصوص الكتاب و السنّة و تشريعهم أحكاما جديدة في الإسلام.

و الأعجب من ذلك تبرع بعض المحدّثين و الرواة في مدرسة الخلفاء برواية أحاديث عن لسان رسول اللّه (ص) أنّه كان قد أمر بتلك الاجتهادات هذا مضافا إلى ما فعله معاوية في مجال وضع الحديث تأييدا لسياسة الخلفاء كما أوضحنا كل ذلك في محلّه من هذا الكتاب و غيره‏ (1) .

و من أمثلة ما رووا عن رسول اللّه في تأييد الخلفاء الروايات التالية:

رووا عن رسول اللّه (ص) أنّه نهى عن الخروج على الخلفاء، و فرض على المسلمين طاعتهم على كلّ حال، مثل ما رواه مسلم و ابن كثير و غيرهما عن عبد اللّه بن عمر، و اللفظ لابن كثير، قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه و أهله، ثمّ تشهّد، ثمّ قال: أمّا بعد فإنّا بايعنا هذا الرجل على بيع اللّه و رسوله، و قد سمعت رسول اللّه يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي اللّه يوم القيامة لا حجّة له، و من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» فلا يخلعنّ أحد منكم يزيد و لا يسرفنّ أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الفيصل بيني و بينه‏ (2) .

و روى مسلم عن حذيفة أنّه قال: قال رسول اللّه (ص) : «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي و لا يستنّون بسنّتي و سيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللّه إن أدركت ذلك؟قال: «تسمع

____________

(1) ذكرنا قسما منها في باب «مع معاوية» من كتاب أحاديث عائشة و قسما منها في محاضراتنا.

(2) رواه ابن كثير في تاريخه 7/232، و رواه مسلم و غيره كما نقلناه عنهم قبل هذا في باب بحث الإمامة لدى المدرستين. ليست طاعة يزيد و بيعته مصداقين لقول الرسول، و انما مصداقه البيعة الصحيحة و طاعة الإمام بالحق مثل طاعة الرسول و بيعته.

380

و تطيع للأمير و إن ضرب ظهرك و أخذ مالك» (1) .

و روى الأحاديث الأربعة الآتية مسلم في صحيحه:

1- عن زيد بن وهب، عن عبد اللّه. قال: قال رسول اللّه (ص) : «إنّها ستكون بعدي أثرة و أمور تنكرونها» قالوا: يا رسول اللّه كيف تأمر من أدركها منا ذلك؟ قال: «تؤدون الّذي عليكم و تسألون الّذي لكم» .

2- عن وائل الحضرمي أنّ سلمة بن يزيد سأل رسول اللّه فقال: يا نبيّ اللّه أ رأيت إن قامت علينا أمراؤنا يسألون حقّهم و يمنعونا حقّنا فما تأمرنا-إلى-: اسمعوا و أطيعوا فإنّما عليهم ما حملوا و عليكم ما حملتم.

3- عن أبي هريرة عن النبي أنّه قال: من خرج من الطاعة و فارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية... و عن ابن عباس مثله.

4- و عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول اللّه يقول: «خيار أئمّتكم الذين تحبّونهم و يحبّونكم، و تصلّون عليهم و يصلّون عليكم، و شراركم أئمتكم الّذين تبغضونهم و يبغضونكم و تلعنونهم و يلعنونكم» قال قلنا: يا رسول اللّه أ فلا ننابذهم عند ذلك؟قال «لا. ما أقاموا فيكم الصلاة. لا ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية اللّه، فليكره ما يأتي من معصية اللّه، فليكره ما يأتي من معصية اللّه، و لا ينزعنّ يدا من طاعة» (2) .

____________

(1) ذكرنا مصدره في بحث الإمامة بأول الكتاب، و أرى الحديث موضوعا اخترع و اختلق بعد وفاة حذيفة و أسند إليه بعد سنة 36 ه حيث كان قد التحق بربّه و ليس مجال البحث حول ذلك هاهنا.

(2) صحيح مسلم، كتاب الإمارة ح 45 و 49 و 53-54 و 66.

381

رأينا في ما سبق اجتهادات للصحابة و التابعين و الخلفاء منهم خاصّة في أحكام إسلامية عملوا فيها برأيهم و اجتهادهم في مقابل نصوص من كتاب اللّه و سنة رسوله، لما اعتقدوا فيها مصلحة لسياسة الحكم أو غير ذلك، و رأينا أن أتباع مدرسة الخلفاء اتخذوا تلك الاجتهادات مصدرا للتشريع في مقابل نصوص من كتاب اللّه و سنة رسوله، و من ثمّ اتخذ بعض الفقهاء بمدرسة الخلفاء العمل بالرأي كالقياس و الاستحسان من موارد الاجتهاد، و أصبح الاجتهاد بمدرسة الخلفاء في عداد الكتاب و السنة من مصادر التشريع الإسلامي إلى يومنا الحاضر، و هذا من موارد الخلاف بين أتباع مدرسة أهل البيت الذين لم يعملوا بالرأي و الاجتهاد و اقتصروا في العمل بالأحكام بما جاء في كتاب اللّه و سنة الرسول فقد كان الأئمة من أهل البيت يعملون بما أخذوا من كتاب اللّه و توارثوه من سنة الرسول المكتوبة لديهم، و علموا الفقهاء بمدرستهم ما توارثوه من سنة الرسول، و نهوا عن العمل بالرأي و القياس و الاستحسان و المسمّى بالاجتهاد. كما سيأتي مزيد بيانه في البحوث الآتية إن شاء اللّه تعالى.

و هذا (أيّ: إمّا العمل بكتاب اللّه و سنّة رسوله و ترك اجتهادات الخلفاء في بعض الأحكام، و إمّا العمل باجتهادات الخلفاء فيها و ترك حكم الكتاب و السنّة) ممّا أدّى إلى الاختلاف بين المسلمين، فإنّ الخليفة عمر-مثلا-لمّا اجتهد و نهى عن عمرة التمتع في مقابل كتاب اللّه و سنة رسوله اللّذين أمرا بها، اختلف المسلمون من بعده، فمنهم من عمل بكتاب اللّه و سنة رسوله و أتى بعمرة التمتع في الحجّ مثل الحنابلة

382

و السلفية في عصرنا الحاضر و منهم من اتبع اجتهاد الخليفة عمر في ذلك و ترك العمل بالكتاب و السنة فما السبيل إلى رفع الاختلاف و توحيد كلمة المسلمين؟

السبيل الى توحيد كلمة المسلمين‏

بناء على ما سبق ذكره أن السبيل إلى توحيد كلمة المسلمين ينحصر في أمرين:

أوّلا: الرجوع إلى كتاب اللّه و سنة رسوله و العمل بهما في الأحكام الإسلامية و ترك اجتهاد المجتهدين من صحابة و تابعين و مجتهدين جاءوا من بعدهم، كما فعل المسلمون في كتابة حديث رسول اللّه بعد ما نسخ التحريم الخليفة عمر بن عبد العزيز فقد تسابقوا إلى تدوين حديث رسول اللّه إلى عصرنا الحاضر بعد أن كان محرما عليهم.

ثانيا: بما أنّ الذين رووا الحديث و كذلك الذين دوّنوه في الموسوعات الحديثة ليسوا بمعصومين، و رأينا الأحاديث المتناقضة مروية عن رسول اللّه (ص) في كتب الحديث فلا ينبغي لنا أن نجعل إنسانا من علماء الحديث كرسول اللّه معصوما عن الخطأ و الزلل و النسيان، و لا نجعل كتابا من كتب الحديث نظير كتاب اللّه معصوما عن السهو و النسيان و الزلل، فإن كتاب اللّه هو وحده الذي لا يأتيه الباطل، و إنّ القرآن الكريم هو وحده الصحيح من أوّله إلى آخره و المصون عن الزيادة و النقصان و بناء على ذلك يجب أن نجري البحث العلمي النزيه لمعرفة سند الحديث و متنه: أي حديث كان و في أي كتاب كان.

هذا هو السبيل إلى توحيد كلمة المسلمين.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين‏

383

الخاتمة آراء القراء حول الكتاب‏

384

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

385

صورة من كتاب الاستاذ الجزائري الثاني:

386

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

387
أ-كتاب الاستاذ الفاضلي الجزائري الثاني للمؤلف:

إلى سيّدي العلاّمة و الحبر الفهّامة السيّد مرتضى العسكر ي- دام ظله و حفظه اللّه- السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته...

وصل كتابكم الكريم منذ فترة، غير أنّ انتقالي من السويد و نقل محط غربتي الجديد إلى سويسرا حال دون سرعة الجوا ب- و إن كان عذري أقبح من ذنبي-و أشكر لكم إرسال نسخة من «المعالم» و «عبد اللّه بن سبأ» و قد شرعت في تدارسه مع مجموعة من خلص إخواننا اجتذبهم سنى الحق في مدرسة أهل البيت بتوفيق من اللّه أولا ثم بفضل قوّة الحجّة في «معالمكم» فجزاكم اللّه كلّ خير، و لا زلنا ننتظر بقية الغيث من تآليفكم النافعة، و طالب الحق لا يقنع.. ! سيدي و وليّ نعمتي: لقد ائتمنّا على كتاب «معالم المدرستين» اثنان من إخواننا ممن يتقن اللسان الفرنسي ليقوما بترجمة جزئه الأوّل كمرحلة ابتدائية و أملي أن يتمّ ذلك قريبا حتى تنتفع به طائفة كبيرة من سكان المغرب الكبير، و سأكتب عرضا مطوّلا عن الكتاب في الجرائد الجزائرية و المجلات التي لا تعارض الفكر الأصيل، حتى نرغب فيه من لا يعرفه، و الحقّ أقول أنّه لو انتشر لكان له من النفع أضعاف ما لكتاب العالم الجليل عبد الحسين شرف الدين «المراجعات» على الرغم من حسن عرضه و غزارة مادته و لكن‏

388

هذا باب و «معالمكم» باب ثان. و على ذكر العلامة شرف الدين فلقد لفت نظري في تخريج نصوص كتابه «النص و الاجتهاد» لأبي مجتبى-على ما أذكر لأنّ الكتاب ليس بين يد ي- قوله في باب المتعة أن بعض المالكية و الحنابلة أفتن بها، فهل يمكنكم توثيق هذا الخبر؟و هناك مسألة أخرى أرجو أن تفيدونا بجوابها و هي: من ردّ على ابن تيميّة في «منهاجه» من علماء مدرسة الإمامة فهو قد أفرد كتابا في الرد على ابن المطهر الحلي في «منهاج الكرامة» و رغم إنّي أعرف ردود كثير من علماء مدرسة الخلافة عليه في ما شذّ به من آراء، إلاّ ان ما كتبه فقهاء و متكلموا الإمامية أجهله. ثم ما هي مضان ترجمة (ابن المطهر) غير كتاب «الكنى و الألقاب» للقمّي. و هل كل مؤلفاته مطبوعة؟ سيدي كان بودي أن أزور طهران لأنعم بلقياكم و أبدد سحبا كثيرة من الحيرة ما تزال تغلّف فؤادي و لأنهل من يمّ علمكم و لو قطيرات تنقع الغلّة و تروي الغليل لكن قلة ذات اليد و وفرة المشاغل ما تنفك تحول بيني و بين مرادي و للغربة أحكامها و لعلّ اللّه ييسر لي زيارتكم و التبرّك برؤيتكم انه على كل شي‏ء قدير. و بارك اللّه في عمركم الغالي ثانية على ما وصلني من أسفاركم الجليلة و لا زلت أنتظر بشوق البقيّة.

و أستودعكم اللّه الذي لا تضيع ودائعه. و السلام عليكم محمّد الفاضلي الحسني 10/12/1990

389

صورة من كتاب الاستاذ الربيعي الأول:

390
ب-كتاب الأستاذ أبو زينب الربيعي‏ (1) الأوّل للمؤلف:

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه و الصلاة على خير خلق اللّه محمد بن عبد اللّه و على آله الطيبين الطاهرين.

نبذة مختصرة عن كيفية نشر تراث أهل البيت عليهم السلام في مصر و من خلال التجربة.

بعد فترة من العمل في هذا المجال في مصر كانت مليئة بالبركات و كذلك الهفوات استنتجنا ما يلي:

1- ان الساحة المصرية لا تحتاج إلاّ لنشر تراث أهل البيت و بطريقة ذكية و مدروسة و أحسن من يقوم بذلك العمل على أكمل وجه هم أولئك النفر الذين خاضوا صراعا طويا أكسبهم التجربة و العمق و صدق النيّة و هم و الحمد للّه كثر و من المصريين و فيهم اساتذة جامعات، و أطباء و مهندسون و قضاة و مفكرون و كتاب... و سوف أحاول التكلم عن هذا الموضوع بالتفصيل.

2- من خلال التجربة و العمل وجدنا ان الكتب التي تخدم مذهبنا و تنصره هي الكتب الموضوعية الموثقة لمؤلفات العلاّمة العسكري و شرف الدين و غيرهما.

كتاب «معالم المدرستين» الأوّل الثاني كان سيفا بتارا في وجه الضلال و التعميه فكان بحق هو الفيصل و الحجّة و هذا الكتاب يلقى قبولا من الوسط الجامعي الاكاديمي و كذلك من الوسط الإسلامي الذي يعتمد التوثيق

____________

(1) أبو زينب الربيعى يسكن فعلا في هولندا

391

و السند و الدليل المنقول و المعقول.

3- ان هذه الكتب لو توفرت في مصر و في هذا الوقت بالذات (الذي كشف اللّه عن أولئك الذين طالما تذرعوا بأنهم حرب على الشرك و المشركين و انهم هم وحدهم أهل التوحيد و طالما صنفوا أتباع أهل البيت بأنهم من ضمن المشركين. هؤلاء الذين استبق بهم الفزع فإذا بهم يلقون ما في أيديهم في أحضان أعداء اللّه و أعداء الإنسانية و إذا بشعاراتهم و أكاذيبهم تتهاوى، هؤلاء كانوا يمثلون العقبة الرئيسية أمامنا أما الآن فالمجال مفتوح و آيات اللّه ساطعة و العمل لا يحتاج إلاّ إيصال ذلك النبع إلى تلك الأرض المتعطشة و على أيدي أهل تلك البلاد و إني وجدتهم أخلص من رأيت في التفاني لخدمة مذهب الحق و أقدر و أعرف الناس بشئون بلدهم. انصروا الحق في الوقت المناسب و المكان المناسب و ما النصر إلاّ من عند اللّه، و الحمد للّه أولا و آخرا.

خادم أهل البيت عليهم السلام الربيعي‏

392

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

393
نداء و دعوة لتجديد حياة إسلاميّة و توحيد كلمة المسلمين‏

إلى رابطة العالم الإسلامي بمكّة المكرمة و الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة و الحوزات العلميّة في النجف الأشرف و خراسان و قم و أصفهان و الجامع الأزهر في القاهرة و جامعة الزيتونة و القيروان في تونس و جامعة القرويين بالمغرب.

إلى مفكري العالم الإسلامي و علمائه و كتابه.

إلى المجاهدين المخلصين في سبيل إعادة حياة إسلاميّة في بلاد المسلمين.

إلى المصلحين الغيارى الساعين لتوحيد كلمة المسلمين.

إليكم جميعا أقدّم هذا النداء و هذه الدعوة (بكلّ تجلّة و احترام) و أقول إنّ العالم الإسلامي بدأ ينهض لتجديد حياة إسلامية.

و للوصول إلى هذا الهدف الجليل، ينبغي القيام بدراسة موضوعيّة لما ورثه جميع المسلمين من مصادر سنة الرسول (ص) ، سيرة و حديثا. و عدم البقاء على تقليد السلف الصالح في استنباط الأحكام الشرعيّة و لا في دراية الحديث. و بذلك يتحقّق الوصول إلى معرفة الإسلام من الكتاب و السنّة، و يتيسّر توحيد كلمة المسلمين حولهما للقيام بتجديد حياة إسلاميّة.

و ها أنا ذا أقدّم إليكم جميعا هذه البحوث الّتي نظمت للوصول إلى الهدف المذكور، راجيا النظر فيها بتجرّد علمي، و تنبيهي على الأخطاء الّتي تلازم غير المعصوم.

قل هذه سبيلي أدعوا إلى اللّه على بصيرة أنا و من اتّبعني و سبحان اللّه و ما أنا من المشركين.

المؤلف‏