ديوان الشريف الرضي - ج2

- الشريف الرضي المزيد...
528 /
455

و أنا الفقير، على غزارة جوده، # فإذا أراد بي الغنى أدناني‏

لم آل جهدا في الثّناء، و إنّما # غطّى بعرض نداه طول لساني‏

طمع المعادي أن يقرّبه، و من # صافى عدوّا لي، فقد عاداني‏

طلب العلى، و أبوه غير مهذّب # بين الورى و الأمّ غير حصان‏

و لأنت أولى أن تربّ صنائعا، # كثرت بهنّ مطامع و أماني‏ (1)

و إذا بقيت فقد شفيت من العدا # قلبي، و أعطيت الأمان زماني‏

حيلة الخوّان‏

(الكامل)

و نمى إليّ من العجائب أنّه # لعبت بعقلك حيلة الخوّان‏

و تملّكتك خديعة من قولة، # غرّارة الأقسام و الأيمان‏

حقّا سمعت، و ربّ عيني ناظر # يقظ تقوم مقامها الأذنان‏

أين الذي أضمرته من بغضه، # و عقدته بالسّرّ و الإعلان‏

أم أين ذاك الرّأي في إبعاده، # حنقا، و أين حميّة الغضبان‏

سبحان خالق كلّ شي‏ء معجب، # ما فيكم من كثرة الألوان‏

يوم لذا، و غد لذاك، و هذه # شيم مقطّعة قوى الأقران‏

فالآن منك اليأس ينقع غلّتي، # و اليأس يقطع غلّة الظّمآن‏ (2)

فاذهب كما ذهب الغمام رجوته، # فطوى البروق، و ضنّ بالهتّان‏ (3)

أ و بعد أن أدمى مديحك خاطري # بصقال لفظ، أو طلاب معاني‏

لا بارك الرّحمن في مال به # يعدى البعيد على القريب الدّاني‏

____________

(1) ترب: تجمع.

(2) ينقع غلتي: يسكّن عطشي.

(3) ضن بالهتّان: بخل بالمطر.

456

لي مثل ملكك لو أطعت تقنّعي، # و ذوو العمائم من ذوي التّيجان‏

و لعلّ حالي أن يصير إلى على، # فالدّوح منبتها من القضبان‏

فاحذر عواقب ما جنيت فربّما # رمت الجناية عرض قلب الجاني‏

أعطيتك الرّأي الصّريح، و غيره # تنساب رغوته بغير بيان‏

و عرضت نصحي، و القبول إجازة، # فإذا أبيت لويت عنك عناني‏

و لقد يطول عليك أن أصغي إلى # ذكراك، أو يثني عليك لساني‏

جبلا نجد

(الطويل)

أيا جبلي نجد أبينا، سقيتما: # متى زالت الأظعان، يا جبلان‏

أناديكما شوقا، و أعلم أنّه، # و إن طال رجع القول، لا تعيان‏

أقول، و قد مدّ الظّلام رواقه، # و ألقى على هام الرّبى بجران‏

نشدتكما أن تضمراني ساعة، # لعلّي أرى النّار التي تريان‏

و ألقى، على بعد من الدّار، نفحة # تذمّ على عيني من الهملان‏ (1)

قفا صاحبيّ اليوم أسأل ساعة، # و لا ترجعا سمعي بغير بيان‏

هل الرّبع بعد الظّاعنين كعهده، # و هل راجع فيه عليّ زماني‏

و هل مسّ ذاك الشّيح عرنين ناشق، # و هل ذاق ماء باللّوى شفتان‏

لقد غدر الأظعان يوم سويقة، # و يدمى لذكر الغادرين بناني‏ (2)

و لا عجب، قلبي، كما هنّ، غادر، # على أنّ أضلاعي عليه حواني‏

لك اللّه هل بعد الصّدود تعطّف؛ # و هل بعد ريعان البعاد تداني‏

و ما غرضي أنّي أسومك خطّة، # كفاني قليل من رضاك كفاني‏

____________

(1) تذم: تأخذ الذمة-الهملان: السيلان.

(2) سويقة: موضع ببطن مكة يسكنه آل الإمام علي بن أبي طالب.

457

و عاذلة قرط لأذني عذلها، # تلوم، و ما لي بالسّلوّ يدان‏

أ عاذلتي، لو أنّ قلبك كان لي، # سلوت، و لكن غير قلبك عاني‏

ألا ليت لي من ماء يبرين شربة # ألذّ لقلبي من غريض لبان‏ (1)

أداوي بها قلبا على النّأي لم تدع # به فتكات الشّوق غير حنان‏

و لو لا الجوى لم أبغ إلاّ مدامة، # بطعن القنا، إبريقها الودجان‏ (2)

إذا سكر العسّال من قطراتها، # سقيت حميّاها أغرّ يماني‏ (3)

و لي أمل لا بدّ أحمل عبئه، # على الجرد من خيفانة و حصان‏ (4)

و كلّ رعود الشّفرتين، كأنّه # سنى البرق إمّا جدّ في اللّمعان‏

و أسمر هزهاز الكعوب، كأنّه # قرا الذّئب مجبول على العسلان‏ (5)

فإن أنا لم أركب عظيما فلا مضى # حسامي و لا روّى الطّعان سناني‏

____________

(1) يبرين: موضع قريب من الاحساء-الغريض: الأبيض الطري. و قد وردت رضيع مكان غريض في نسخة أخرى.

(2) الودجان، جمع ودج: عرق في العنق ينتفخ عند الغضب.

(3) العسّال: الرمح المهتز-اليماني: السيف اليماني.

(4) الخيفانة: الجرادة شبهت بها الفرس لخفتها.

(5) القرا: الظهر-العسلان الاضطراب و الاهتزاز.

غ

458

أمين اللّه‏

(مجزوء الكامل)

دعا الخليفة الطائع للّه الشريف الرضي إلى داره، فسار إليها في يوم الخميس لعشر ليال بقين من رمضان سنة 380. فاستقبله أفضل استقبال و قدم له الخلع السود، و زاد في إعظامه و إكرامه، و أجلسه في رتبة أبيه، و هي أجل المراتب في مجلسه. ثم انصرف و قد حملت معه عمامة خز سوداء، و دراعة خز دكناء، و قميص أبيض. فكتب هذه القصيدة يشكره على تتابع نعمه و يهنئه بعيد الفطر.

الآن أعربت الظّنون، # و علا على الشّكّ اليقين‏

و ارتاحت الآمال في # أطرافها جذل و لين‏

من غمّة كاللّيل شا # ب لها الذّوائب و القرون‏ (1)

و اليوم بان لناظري # ما أثمرت تلك الغصون‏

و تمطّت العشراء نا # هضة، و قد علم الجنين‏ (2)

ألآن لمّا امتدّ بي # طوبى و أصحب لي القرين‏

و عضضت من نابي على # جذم و نجّذني الشّئون‏ (3)

أغضي على خدع النّوا # ئب أو تظنّ بي الظّنون‏

و على أمير المؤمنيـ # ن لموئلي جبل حصين‏

إنتاشني شلو النّوا # زل، و النّوائب لي شجون‏ (4)

وسطا بأيّامي، فقد # جعلت عرائكها تلين‏

____________

(1) الذوائب و القرون: خصل الشعر.

(2) تمطّت: امتدت-العشراء: التي مضى على حملها عشرة أشهر.

(3) الجذم: الأصل-نجّذني: أحكمني-الشئون: الأمور.

(4) انتاشني: أخرجني-الشلو: المسلوخ أكل منه شي‏ء و بقيت منه بقية.

459

و أضاء لي زمني، و أ # يّام الفتى بيض و جون‏

ملكا بني العبّاس، فالرّا # جي مقامكم غبين‏

أنتم لها إن هاب خـ # طّتها جبان، أو ظنين‏

ما فيكم إلاّ ألـ # دّ على عظائمها مرون‏

حتّى يزول فحولها # منكم و قد دانوا و دينوا

عكفوا على العلياء ما # فيهم على مجد ضنين‏

ينفون شائبها، كما # عكفت على البيض القيون‏ (1)

لهم الجياد مغذّة، # ينتابها الحرب الزّبون‏ (2)

و قنيصها لهم قرى، # و ظهورها لهم حصون‏

معتادة شرب الدّما # ء، و عندها الماء المعين‏

غضبى، إذا لم يلق أعـ # ينها ضريب أو طعين‏

يا من له الرّأي الزّنيـ # ق، و من له الحلم الرّزين‏ (3)

و مروّح الإبل الطّلا # ح رمت بهنّ نوى شطون‏ (4)

من بعد ما خشعت غوا # ربها و قد قلق الوضين‏ (5)

لك ذروة البيت المعـ # ظّم، و الأباطح و الحجون‏ (6)

أ ترى أمين اللّه إ # لا من له البلد الأمين‏

للّه درّك حيث لا # تسطو الشّمال و لا اليمين‏

و الأمر أمرك لا فم # يوحي، و لا قول يبين‏

لمّا رأيتك في مقا # م يستطار به الرّكين‏

____________

(1) البيض: السيوف-القيون، جمع قين: الحداد.

(2) الحرب الزبون: التي يزبن أي يدفع بعضها بعضا.

(3) الزنيق: المحكم.

(4) الطلاح: المهازيل-شطون: بعيدة.

(5) الوضين: بطان عريض منسوج من شعر، و قد يكون من جلد.

(6) الأباطح: بطاح مكة-الحجون: جبل قرب مكة المكرمة.

460

و اليوم أبلج تستضي # ء له ظهور، أو بطون‏

و رأيت ليث الغاب معـ # ترضا، له الدّنيا عرين‏

أقدمت إقدام الّذي # يدنو، و شافعه مكين‏

فلذاك ما ارتعد الجنا # ن حيا و لا عرق الجبين‏

و سمت بفضلك غرّة # تغضي لهيبتها الجفون‏

و امتدّ من نور النّبـ # يّ عليك عنوان مبين‏

و جمال وجهك لي بنيـ # ل جميع ما أرجو ضمين‏

فأفيضت الخلع السّوا # د عليّ ترشقها العيون‏

شرف خصصت به و قد # درجت بغصّته القرون‏

و خرجت أسحبها و لي # فوق العلى، و النّجم دون‏

جذلا، و للحسّاد من # أسف زفير، أو أنين‏

و حملت من نعماك ما # لا تحمل الأجد الأمون‏ (1)

و كففتني عن معشر # خطط المنى فيهم حزون‏

من كلّ جهم الصّفحتيـ # ن كأنّ وجنته وجين‏ (2)

هنّاك عيدك، سعده # ما كان منه و ما يكون‏

و العيد أن تبقى لك العلـ # ياء، و الحسب المصون‏

عزّ بلا كدر من الدّنـ # يا، و بعض العزّ هون‏

و أرى العلى جدّاء، إ # لا أنّها لكم لبون‏ (3)

حمدا لما تولي فإنّ الحمـ # د للنّعماء دين‏

و بقيت طول الدّهر لا # يجتاحك الأجل الخئون‏

و عليّ منّك ضافيا، # و على أعاديك المنون‏

____________

(1) الأجد: الناقة القوية-الأمون: الموثقة الخلق.

(2) جهم: عابس-الوجين: الأرض الغليظة.

(3) الجداء: الصغيرة الثدي الذاهبة اللبن-اللبون: ذات اللبن.

غ

461

رثاء صديق‏

(الطويل)

وضع هذه القصيدة في رثاء صديق حميم له.

أ لا مخبر، فيما يقول، جليّة # يزيل بها الشّكّ المريب يقين‏

أسائله عن غائب كيف حاله، # و من نزل الغبراء كيف يكون‏

و ما كنت أخشى من زماني أنّني # أرقّ على ضرّائه و ألين‏

إلى ان رماني بالّتي لا شوى لها، # فأعقب من بعد الرّنين أنين‏ (1)

معيني على الأيّام فجّعنني به، # فما لي على أحداثهنّ معين‏

غلبن على علقي النّفيس فحزنه، # و فارقني علق عليّ ثمين‏ (2)

سمحت به إذ لم أجد عنه مدفعا، # و إنّي على عذري به لضنين‏

و إنّ أحقّ المجهشين لعبرة # و وجد، قرين بان عنه قرين‏

و ما تنفع المرء الشّمال وحيدة، # إذا فارقتها بالمنون يمين‏

تجرّم عام لم أنل منك نظرة، # و حان، و لم يقدر لقاؤك، حين‏ (3)

و كيف، و قد قطّعن منك علائقي، # و سدّت شعوب بيننا و منون‏ (4)

أضبّ جديد الأرض دونك و التقت # عليك رجام كالغياطل جون‏ (5)

تجاور فيها هامدين تعطّلوا، # و من قبل دانوا في الزّمان و دينوا

مقيمين منها في بطون ضرائح، # حوامل لا يبدو لهنّ جنين‏

____________

(1) لا شوى لها: لا بقيا لها.

(2) العلق: النفس من كل شي‏ء.

(3) تجرم: انقضى.

(4) الشعوب: المنية.

(5) أضبّ: شمله الضباب-الرجام: الحجارة-الغياطل: الظلمات-جون:

سود.

462

أمرّ بقبر قد طواك صعيده، # فأبلس حتّى ما أكاد أبين‏ (1)

و تنفضّ بالوجد الأليم أضالع، # و ترفضّ بالدّمع الغزير شئون‏ (2)

فإلاّ يكن عقر فقد عقرت له # خدود، بأسراب الدّموع عيون‏ (3)

و لا عجب أن تمطر العين فوقه، # فإنّ سواد العين فيه دفين‏

توقّعي‏

(المنسرح)

توقّعي أن يقال قد ظعنا، # ما أنت لي منزلا و لا سكنا

يا دار قلّ الصّديق فيك، فما # أحسّ ودّا، و لا أرى سكنا

ما لي مثل المذود عن أربي، # و لي عرام يجرّني الرّسنا (4)

ألين عن ذلّة، و مثلي من # ولّى المقادير جانبا خشنا

معطّلا، بعد طول ملبثه، # منازلا قد عمرتها زمنا

تلعب بي النّائبات واغلة، # كما تهزّ الزّعازع الغصنا

أيقظن منّي مهنّدا ذكرا، # إلى المعالي و سائقا أرنا (5)

كيف يهاب الحمام منصلت، # مذ خاف غدر الزّمان ما أمنا

لم يلبس الثّوب من توقّعه الأمـ # ر، إلاّ و ظنّه كفنا

أعطشه الدّهر من مطالبه، # فراح يستمطر القنا اللّدنا

____________

(1) الصعيد: التراب-أبلس: أتحير.

(2) الشئون: مجاري الدمع.

(3) الاسراب: الطرق، المجاري.

(4) المذود: المدفوع-العرام: الحدة، الشراسة-يجرني الرسنا: يتركني أصنع ما أشاء.

(5) أرنا: ناشطا.

463

لي مهجة لا أرى لها عوضا، # غير بلوغ العلى، و لا ثمنا

و كيف ترجو البقاء نفس فتى # و دأبها أن تضعضع البدنا

فيما مقامي على معطّلة، # رنّق لي ماؤها و قد أجنا (1)

أكرّ طرفي، فلا أرى أحدا # إلاّ مغيظا عليّ مضطغنا

ينبض لي من لسانه أبدا # نصال ذمّ تمزّق الجننا (2)

و كلّ مستنفر، ترائبه # تحمل ضبّا عليّ قد كمنا (3)

إن مرّ بي لم أعج به بصرا، # أو قال لي لم أمل له أذنا

من معشر أظهروا الشّجاعة في البخـ # ل، و عند المكارم الجبنا

بله عن المجد غير أنّهم # قد شغلوا بالمغايب الفطنا

يستحقبون الملام إن ركبوا # و يحملون الظّنون و الظّننا (4)

نحن أسود الوغى، إذا قصف الطعـ # ن قنا الخطّ في جوانبنا

ملتفّ أعياصنا إلى مضر # أمرّ عيداننا لعاجمنا (5)

نجرّ ما شئت من لسان فتى # إن هدرت ساعة شقاشقنا (6)

إنّ أبانا الذي سمعت به # أسّس في هضبة العلى و بنى‏

ما ضرّنا أنّنا بلا جدة، # و البيت و الرّكن و المقام لنا

و همّة في العلاء لازمة، # تلزم صمّ الرّماح أيدينا

____________

(1) المعطلة: البئر الفارغة-رنق: كدر-أجن: تغير طعمه و لونه.

(2) ينبض، من أنبض الرامي القوس: جذب وترها لترن-الجنن، جمع جنة:

الستر، الوقاية.

(3) الترائب: عظام الصدر، جمع تريبة-الضب: الحقد الخفي.

(4) الظنن: التهم.

(5) أعياصنا: أصولنا، و الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس و هم:

العاص و أبو العاص و العيص و أبو العيص-العاجم: المختبر.

(6) نجر: نمنع الكلام-الشقاشق، جمع شقشقة: شي‏ء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج.

464

طلابنا المجد من ذوائبه، # روّحنا بعد أن أضرّ بنا

نأخذ من جمّة العلى أبدا # ما أخذ الضّرب من جماجمنا

سوف ترى أنّ نيل آخرنا # من العلى فوق نيل أوّلنا

و أنّ ما بزّ من مقادمنا، # يخلفه اللّه في عقائلنا (1)

ذلك ورد قذى لسابقنا، # و الآن يجلى القذى للاحقنا

دين على اللّه لا نماطله الـ # شّكر عليه، و لا يماطلنا

لأوقرنّ الرّكاب سائرة، # عزما يكدّ الأبدان و البدنا (2)

حتّى تهاوى من اللّغوب و تسـ # تنجد بعد المناسم الثّفنا (3)

حزّا إلى المجد من أزمّتها، # ليس كحزّ الأعاجز الظّعنا

لأبلغ العزّ، أو يقال فتى # جنت عليه يد الرّدى و جنى‏

ستعلمون‏

(الرجز)

ستعلمون ما يكون منّي # إن مدّ من ضبعيّ طول سنّي‏ (4)

أ أدع الدّنيا، و لم تدعني، # يلعب بي عناؤها المعنّي‏

ناطحة بالجمّ هام القرن، # نطاح روق الجازئ الأغنّ‏ (5)

وسعت أيّامي، و لم تسعني، # أفضل عنها، و تضيق عنّي‏

____________

(1) بز: سلب، أخذ-العقائل، جمع عقيلة: الكريمة المخدرة من النساء.

(2) لأوقرن: لأحملن-البدن، جمع بدنة: هي كالأضحية من الغنم.

____________

(3) اللّغوب: التعب-الثفن، جمع ثفنة: الركبة.

(4) ضبعي: عضدي.

(5) الجم، جمع أجم: ما لا قرن له-الجازئ: الثور الوحشي المجتزئ أي المكتفي بالعشب عن الماء-الأغن: الذي يخرج صوته من خياشيمه.

465

لم أنا مثل القاطن المبنّ، # أسحب بردي ضرع و أفن‏ (1)

و لي مضاء قطّ لم يخنّي، # ضمير قلبي و ضمير جفني‏

أحصل من عزمي على التّمنّي، # و ليتني أفعل، أو لو انّي‏

راض بما يضوي الفتى و يضني، # أسّس آبائي و سوف أبني‏

قد عزّ أصلي، و يعزّ غصني، # غنيت بالمجد، و لم أستغن‏

إنّ الغنى مجلبة للضّنّ، # و للقعود و الرّضا بالوهن‏

الفقر ينئي، و الثّراء يدني، # و الحرص يشقي، و القنوع يغني‏

إن كنت غير قارح، فإنّي # أبذّ جري القارح المسنّ‏ (2)

جننت بأسا، و الشّجاع جنّي، # أثار طعن الدّهر في مجنّي‏ (3)

يشهد لي أنّ الزّمان قرني، # سوف ترى غبارها كالدّجن‏

قساطلا مثل غوادي المزن، # تجري بضرب صادق و طعن‏ (4)

جري عزالي المطر المستنّ، # إن غبت يوما عنك فاطلبني‏ (5)

بين المواضي و القنا تجدني # أمام جيش كجنوب الرّعن‏ (6)

جون الذّرى أقود مرجحنّ، # أنفض عنه نقعه بردني‏ (7)

لتعرفنّي، و لتعرفنّي، # أيّام أقني بالقنا، و أغني‏ (8)

____________

(1) المبن، من أبن في المكان: أقام فيه-الضرع: الذل-الأفن: ضعف الرأي و العقل.

(2) أبذ: أغلب-القارح: البعير الذي نبت نابه.

(3) المجن: الترس.

(4) قساطل، جمع قسطل: غبار.

(5) عزالي المطر: شدته.

(6) الرعن: الجبل الطويل، أنف الجبل.

(7) الجون: الأسود-الذرى: الأعالي-الأقود: الجبل الطويل-المرجحن:

الثقيل-الردن: الرمح.

(8) أقني بالقنا: ألزمها.

466

أقرّ عين الفاقد المرنّ، # عساي أنفي الضّيم، أو لعنّي‏ (1)

كم صبر خافي الشّخص مستجنّ، # منطمر من الأذى في سجن‏ (2)

مرتهن بهمّة تعنّي، # يا ليتها بنهضة فدتني‏

من قبل أن يغلق يوما رهني # متى تراني و الجواد خدني‏ (3)

و النّصل عيني و السّنان أذني، # و أمّي الدّرع، و لم تلدني‏

أجرّ فضل ذيلها الرّفنّ، # ما احتبس الرّزق فساء ظنّي‏ (4)

و لا قرعت من قنوط سنّي، # يا أيّها المغرور لا تهجني‏

و عذ بإغضائي، و استعذني، # و احذر عداء قاطع في ضمني‏

ينطق عنّي بلسان ضغني؛ # نبّهت يقظان قليل الأمن‏

مخرّق الثّوب بطعن اللّدن، # يا دهر سيفي معقلي و حصني‏

و الخوف يغري طلبي فخفني، # يا ليت مقدورك لم يؤمنّي‏ (5)

جنيت من قبل و سوف أجني، # أثني يدي، و العزم أن أثنّي‏

تلاقى النّيران‏

(الوافر)

في هذه القصيدة يهنئ خاله أبا الحسين بن الناصر بمولود جاءه بعد بنت.

حقيق أن تكاثرك التّهاني، # بأيمن أوّل و أعزّ ثاني‏

أرى بدرا أضاء بعقب شمس # مباركة الطّلوع على القران‏

____________

(1) المرنّ: المصوت-لعني: لعلّي.

(2) مستجن: مستتر، مختبئ.

(3) خدني: حبيبي، صديقي. يغلق رهني: يقال غلق الرهن في يد المرتهن، أي لم يقدر الراهن على فكاكه، و هو مثل يضرب لمن يقع في أمر لا يرجو خلاصا منه.

(4) الرفن: الطويل الذيل.

(5) يؤمّني: لم يوفر الأمان، و البيت غير سليم من جهة الوزن.

467

و قال النّاس من عجب و عجب: # تلاقى في السّماء النّيّران‏

هو الذّكر المرشّح للمعالي، # و للبيض القواضب و اللّدان‏

ستنظره، إذا اتّسعت سنوه، # و أخرجه زمان عن زمان‏

ربيبا للصّوارم و العوالي، # و تربا للمفاوز و الرّعان‏ (1)

طليق الكفّ في يوم العطايا، # جريّ الرّمح في يوم الطّعان‏

ربيط الجأش طلاّع الثّنايا، # إلى الغايات روّاغ العنان‏

مقارعة الذّوابل في الهوادي، # أخفّ عليه من نغم القيان‏ (2)

و أحسن عنده من كلّ ثغر، # مضي‏ء، رونق العضب اليماني‏

تراه أين خيّم في اللّيالي، # عزيز الجار مورود الجفان‏

ينال المجد من عنق المذاكي، # و يجني العزّ من طرف السّنان‏ (3)

و ليس جواده في النّقع إلاّ # طليعة كلّ يوم أرونان‏ (4)

يربّى بين أحشاء المعالي، # و يودع بين أجفان الأماني‏

و عاد حماك من ولع الغوادي # عميم النّبت مغمور المغاني‏

يشيّعني بوصفك كلّ نطق، # و يعرفني بمدحك من رآني‏

و ليس الوصف إلاّ بالتّناهي؛ # و ليس القول إلاّ بالبيان‏

سقاها

(الطويل)

سقاها، و إن لم يرو قلبي بيانها، # و هل تنطق العجماء أقوى معانها (5)

ضمان على قلبي الوفاء لأهلها، # و ثمّ ظباء لا يصحّ ضمانها

____________

(1) الرعان، جمع رعن: أنف يتقدم الجبل، أو الجبل الطويل.

(2) الهوادي: الأعناق.

(3) العنق: ضرب من السير-المذاكي: الخيول.

(4) الأرونان: الصعب.

(5) العجماء: البهيمة، و أراد هنا الدار-أقوى: خلا-معانها: منزلها.

غ

468

عرضن بما روّى الغليل اعتراضها، # و لا قطع الدّمع اللّجوج اعتنانها (1)

و هل نافع أن يملأ العين حسنها # إذا هي لم تحسن إلينا حسانها

تذكّرت أيّاما بذي الأثل بعد ما # تقضّى أواني في الصّبا و أوانها

يطيّب أنفاس الرّياح ترابها، # و يخضلّ من دمع الغمائم بانها

و لمّا عطفت النّاظرين بلفتة # إلى الدّار خلّى عبرة العين شانها (2)

ليالي تثنيني عواطف صبوتي # إلى بدويّات تثنّى لدانها

و لا لذّة إلاّ الحديث كأنّه # لآل على جيداء واه جمانها

عفاف كما شاء الإله يسرّني، # و إن سي‏ء منه بكرها و عوانها (3)

أ ألآن لمّا اعتمّ بالشّيب مفرقي، # و جلّى الدّجى عن لمّتي لمعانها

و نجّذني صرف الزّمان و وقّرت # على الحلم نفسي و انقضى نزوانها

تروم العدا أن تستلان حميّتي، # و قبلهم أعدى عليّ حرانها

أنا الرّجل الألوى الذي تعرفونه، # إذا نوب الأيّام ألقي جرانها (4)

إذا كان غيري من قريش هجينها، # فإنّي على رغم العدوّ هجانها (5)

و إن يك فخر أو نضال، فإنّني # لها يدها طورا، و طورا لسانها

و إنّي من القوم الذين ببأسهم # يذلّل من أيّامهم حدثانها

إذا غبّروا في الجوّ ضاق فضاؤه؛ # و إن نزلوا البيداء غمّت رعانها (6)

فوارس تجري بالدّماء رماحها، # و تفهق بالنيّ الغريض جفانها (7)

____________

(1) اعتنانها: ظهورها.

(2) شانها: مجراها.

(3) العوان: هي من النساء من كان لها زوج.

(4) الألوى: الشديد الخصومة-ألقي جرانها: ألقت ثقلها، و حملت النفس على الخصومة.

(5) الهجين: من كان أبوه عربيا و أمه أمة-الهجان: الشريف، الحسيب.

(6) الرعان، جمع رعن: أنف الجبل و الجبل الطويل.

(7) تفهق: تمتلئ-النّي: الشحم-الغريض: الطري-جفانها: قصاعها، جمع جفنة.

469

يثور، إذا أوفى الصّباح، عجاجها، # و يعلو، إذا جنّ الظّلام، دخانها

و إنّي لوثّاب على كلّ فرصة # تخيل على الرّائي، و يخفى مكانها

سبقت، و قفّيتم بكلّ طليعة # على عقبي يلوي بها هدجانها (1)

و ما كنت إلاّ كالثّريّا تحلّقا، # يدفّ على آثارها دبرانها (2)

عصائب ما استام الفخار وضيعها، # و لا استأنف العزّ الجديد مهانها

إذا لحظتني أمسكت بأكفّها، # عليّ، قلوبا دائما خفقانها

فلا هي يوما فيّ ينفذ كيدها، # و لا ينجلي من غيّها شنآنها

يريد المعالي عاطل من أداتها؛ # و هيهات من محصوصة طيرانها (3)

دعوها لمن ربّاه مذ كان حجرها، # و أرضعه حتّى استقلّ لبانها

و لا تخطبوها بالرّجاء، فما أرى # تدنّس بالبعل الدّنيّ حصانها

رآني بهاء الملك سيفا عليكم، # جري‏ء الظّبى لا ينثني صلتانها (4)

فجرّدني من بعد طول صيانة، # و إنّ مضرّا بالسّيوف صيانها

أفاض، بلا منّ، عليّ كرامة، # و نقص الأيادي أن يزيد امتنانها

خرجت أجرّ الذّيل منها و قد نزت # قلوب العدا منّي، و جنّ جنانها (5)

و ليس على زهر الكواكب سبّة، # إذا غضّ من أنوارها زبرقانها (6)

و قرّب لي وافي العذار تلبّست # به خيلاء ما يزول افتنانها

ألا إنّ أصناف السّيوف كثيرة، # و أقطعها هنديّها و يمانها

و كلّ أنابيب القناة شريفة، # و أشرفها، لو تعلمون، سنانها

فكيف، و أنتم وثبة اللّيث إذ رمى # تخمّطها في جمعكم و استنانها (7)

____________

(1) الهدجان: مشية الشيخ المسن.

(2) يدف: يمشي مشيا خفيفا-الدبران: القمر، من منازل القمر.

(3) المحصوصة: المتناثرة الجناح، من الحاصة و هي داء يسقط الشعر.

(4) الظبى، جمع ظبة: حد السيف-الصلتان: السيف المصلت، المجرد.

(5) نزت: وثبت، نفرت.

(6) السبّة: العار-الزبرقان: القمر.

(7) تخمّطها: التطامها-استنانها: اضطرابها.

470

و كان يسوء السّامعين سماعها، # فصار يهول النّاظرين عيانها

فمن مبلغ عنّي الجبان بأنّني # أنا المورد الشّقراء يدمى لبانها

و لو لم تعن كفّي قناة قويمة، # لأجرى ينابيع الدّماء بنانها

بلينا، و نحن النّاهضون إلى العلى، # بزمنى يمنّيها الغرور زمانها (1)

ذئاب أرادت أن تعازز ضيغما، # فطال على مرّ الزّمان هوانها

رأوا فترة منّا، فظنّوا ضراعة، # و تلك بروق غرّهم شولانها (2)

فكيف تعرّضتم بغير نباهة، # لصعبة عزّ في يديّ عنانها

فإن تعتطل يوما من الدّهر صعدتي، # فقد طال في نحر العدوّ طعانها (3)

و إن تستجمّ النّائبات سوابقي، # فمن قبل ما بذّ الجياد رهانها (4)

إلى الصابي‏

(الطويل)

كتب أبو إسحاق الصابي إلى الرضي يشكو إليه زمنة عرضت له حتى صار يحمل في المحفة، و ذلك في قصيدة مطلعها:

إذا ما تعدّت بي و سارت محفّة

لها أرجل يسعى بها رجلان.

فأجابه الرضي بهذه القصيدة.

ظمائي إلى من لو أراد سقاني، # و ديني على من لو يشاء قضاني‏

____________

(1) الزمنى: أصحاب العاهات.

(2) الفترة: الهدوء، الاستكانة-الضراعة: الذل-الشولان: الارتفاع.

(3) الصعدة: الرمح.

(4) بذّ: غلب. و قد وردت تستجر مكان تستجم في نسخة أخرى.

471

و لو كان عندي معسرا لعذرته، # و لكنّه، و هو الملي‏ء، لواني‏ (1)

رمى مقتلي و استرجع السّهم داميا، # غزال بنجلاوين تنتضلان‏

أ أرجو شفاء منه، و هو الذي جنى # على بدني داء الضّنى و شجاني‏

أبيت، فلم استسق من كان غلّتي، # و لم أسترش من كان قبل براني‏ (2)

مررت على تلك الدّيار، و وحشها # دوان، و من يحكين غير دواني‏

فأنكرت العينان، و القلب عارف، # قليلا، و لجّا بعد في الهملان‏

عشيّة بلّتني الدّموع كأنّما # رداواي بردا ماتح خضلان‏ (3)

ضمن وصالي ثمّ ماطلن دونه، # و إنّ ضمان البيض شرّ ضمان‏

أمنك طروق الزّور أيّة ساعة، # و عيد خيال عاد أيّ أوان؟

ألمّ بعوج كالحنايا مناخة # على جزع واد ذي ربى و مجاني‏ (4)

و ميل كخيطان الأراك ترنّحوا، # فمن ذقن مستقبل بلسان‏ (5)

و مالوا على البوغاء من كلّ جانب، # عواطف أيدي توأم و ثوان‏ (6)

يقودهم منّي غلام غشمشم، # معين على البأساء غير معان‏ (7)

إذا انفرجت منه السّجوف لناظر # تألّق نور من أغرّ هجان‏ (8)

و إنّي لآوي من أعزّ قبيلة # إلى نضد، أو جامل عكنان‏ (9)

____________

(1) الملي‏ء: الغني، المقتدر-لواني: مطلني.

(2) استرش، من استراش السهم: ألزق عليه الريش.

(3) رداواي: مثنى رداء-الماتح: نازع الماء من البئر-خضلان: مبتلان.

(4) ألمّ: نزل-العوج: الإبل الضامرة.

(5) خيطان، جمع خوط: الغصن الناعم.

(6) البوغاء: التربة الرخوة-التوأم: الذي يولد مع آخر في بطن واحد، فلقة التوأمين.

(7) الغشمشم: الذي يركب رأسه لا يثنيه شي‏ء عن مراده.

(8) السجوف، جمع سجف: ستر-هجان: حسيب، كريم.

(9) النضد: الشرف-الجامل: أصحاب الجمال، الجمّال-العكنان: الإبل الكثيرة.

472

و إنّ قعودي أرقب اليوم أو غدا، # لعجز، فما الإبطاء بالنّهضان‏

سأترك في سمع الزّمان دويّها، # بقرعي ضراب صادق و طعان‏

و أخصف أخفافا بوقع حوافر # إلى غاية تقضي منى، و أماني‏ (1)

فإن أسر، فالعلياء همّي، و إن أقم، # فإنّي على بكر المكارم باني‏

و إن أمض أترك كلّ حيّ من العدا # يقول: ألا للّه نفس فلان‏

أكرّر في الإخوان عينا صحيحة، # على أعين مرضى من الشّنآن‏ (2)

فلو لا أبو إسحاق قلّ تشبّثي # بخلّ، و ضربي عنده بجرّان‏ (3)

هو اللاّفتي عن ذا الزّمان و أهله، # بشيمة لا وان، و لا متوان‏

إخاء تساوى فيه أنسا و ألفة # رضيع صفاء، أو رضيع لبان‏

تمازج قلبانا مزاج أخوّة، # و كلّ طلوبي غاية أخوان‏

و غيرك ينبو عنه طرفي مجانبا، # و إن كان منّي الأقرب المتداني‏

و ربّ قريب بالعداوة شاحط؛ # و ربّ بعيد بالمودّة داني‏ (4)

لئن رام قبضا من بنانك حادث، # لقد عاضنا منك انبساط جنان‏

و إن بزّ من ذاك الجناح مطاره، # فربّ مقال منك ذي طيران‏ (5)

و إن أقعدتك النّائبات، فطالما # سرى موقرا من مجدك الملوان‏ (6)

و إن هدمت منك الخطوب بمرّها، # فثمّ لسان للمناقب باني‏

مآثر تبقى ما رأى الشّمس ناظر، # و ما سمعت من سامع أذنان‏

و موسومة مقطوعة العقل لم تزل # شوارد قد بالغن في الجولان‏

و ما زلّ منك الرّأي و الحزم و الحجى # فنأسى، إذا ما زلّت القدمان‏

و لو أنّ لي، يوما، على الدّهر إمرة، # و كان لي العدوى على الحدثان‏

____________

(1) خصف النعل: أطبق عليها مثلها.

(2) الشنآن: البغض.

(3) الضرب بجران: أراد الثبات و الاستقرار.

(4) شاحط: بعيد.

(5) بزّ: سلب.

(6) الملوان: الليل و النهار.

473

خلعت على عطفيك برد شبيبتي # جوادا بعمري و اقتبال زماني‏

و حمّلت ثقل الشّيب عنك مفارقي، # و إن فلّ من غربي و غضّ عناني‏ (1)

و نابت طويلا عنك في كلّ عارض # بخطّ و خطو أخمصي و بناني‏

على أنّه ما انفلّ من كان دونه # حميم يرامي عن يد و لسان‏

و ما كلّ من لم يعط نهضا بعاجز؛ # و لا كلّ ليث خادر بجبان‏

و إنّك ما استرعيت منّي سوى فتى # ضموم على رعي الأمانة حان‏

حفيظ، إذا ما ضيّع المرء قومه، # وفيّ، إذا ما خوّن العضدان‏

من اللّه أستهدي بقاءك أن ترى # محلاّ لأسباب العلى بمكان‏

و أسأله أن لا تزال مخلّدا # بملقى سماع بيننا و عيان‏

إذا ما رعاك اللّه يوما، فقد قضى # مآرب قلبي كلّها، و رعاني‏

أسرة تنبت التيجان‏

(البسيط)

كتب إليه أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي المذكور يمدحه، و أرسل مع القصيدة رقعة يعتذر فيها من تأخره عليه بسبب علته، و مطلع مدحيته:

أبا كل شي‏ء قيل في وصفه حسن،

الى ذاك ينحو من كناك أبا الحسن‏

فأجابه عن هذه القصيدة على الروي عينه.

دع من دموعك بعد البين للدّمن، # غدا لدارهم، و اليوم للظّعن‏

هل وقفة بلوى خبت مؤلّفة # بين الخليطين من شام و من يمن‏ (2)

____________

(1) فلّ: ثلم-الغرب: الحد-غض: خفض.

(2) خبت: موضع بالشام.

474

عجنا على الرّكب أنضاء محزّمة، # أثقالها الشّوق من باد و مكتمن‏ (1)

موسومة بالهوى يدرى برؤيتها # أنّ المطايا مطايا مضمري شجن‏

ثمّ انثنينا على يأس، و قد وجلت # نواظر بمجاري دمعها الهتن‏

تروم ردّ نفوس بعد طيرتها # على قوادم من وجد و من حزن‏

تعريسة بين رملي عالج ضمنت # بلّ الغليل لقلب الموجع الضّمن‏ (2)

بتنا سجودا على الأكوار يحملنا # لواغب قد لطمن الأرض بالثّفن‏ (3)

أهفو إلى الرّيح إن هبّت يمانية، # تحدو زعازعها عيرا من المزن‏ (4)

أبى ضميري إلاّ ذكره، و أبى # تعرّض البرق إلاّ أن يؤرّقني‏

شوق ألمّ، و ما شوقي إلى أحد، # سوى الذي نام عن ليلي و أيقظني‏

إن زاغ قلبي، فإنّ الهجر أحرجني، # و إن صبرت، فإنّ اليأس صبّرني‏

و كم رمتني من الأقدار منبضة # لم تثن باعي، و لم يحرج لها عطني‏ (5)

ما كنت أعلم، و الأيّام عالمة، # أنّ اللّيالي تقاعيني لتنهشني‏ (6)

قد أدمج الهمّ في عنقي حبائله، # و لزّة الهمّ تنسي لزّة القرن‏ (7)

إن يبل ثوبي، فإنّي أكتسي حسبي، # أو تود خيلي، فإنّي أمتطي منني‏ (8)

و أدخل البيت لم تأذن قعائده، # على الحصان أمام القوم و الحصن‏ (9)

____________

(1) عجنا: وقفنا، ملنا-أنضاء، جمع نضو: المهزول من الإبل.

(2) التعريس: نزول القوم آخر الليل للاستراحة-الضمن: العاشق.

(3) الأكوار: الأحمال-لواغب، من اللغب: الإعياء-الثفن: ما مسّ الأرض من ركب البعير و أفخاذه.

(4) الزعازع: الرياح الشديدة-العير: القافلة، الأمطار المتلاحقة.

(5) المنبضة: المصوّتة من القسي-يحرج: يضيق-العطن: مبرك الإبل.

(6) تقاعيني: تجالسني، من أقعى الرجل أي تساند الى ما وراءه.

(7) اللزّة، من لزه: شده و ألصقه.

(8) تودى: تهلك-منني، جمع منة: القوة.

(9) القعائد: النساء، لقعودهن في البيت.

475

لا أطلب المال إلاّ من مطالبه، # و لا يفي لي بذل المال بالمنن‏

إنّ البخيل الذي قد بات يؤنسني، # مثل الجواد الذي قد بات يمطلني‏

لقد تقدّم بي فضلي، بلا قدم؛ # أعظم بأمر على ذي السّنّ قدّمني‏

لا يبرح المجد مرفوعا دعائمه # ما دام معتمدا منّا على ركن‏

من أسرة تنبت التّيجان هامهم، # منابت النّبع في الأطواد و القنن‏ (1)

المجد أنوط من كفّ إلى عضد # فيهم، و أقوم من رأس على بدن‏ (2)

من مبلغ لي أبا إسحاق مألكة # عن حنو قلب سليم السّرّ و العلن‏

جرى الوداد له منّي، و إن بعدت # منّا العلائق، مجرى الماء في الغصن‏

لقد توامق قلبانا كأنّهما # تراضعا بدم الأحشاء لا اللّبن‏ (3)

مسوّد قصب الأقلام نال بها # نيل المحمّر أطراف القنا اللّدن‏

إن لم تكن تورد الأرماح موردها، # فما عدلت إلى الأقلام عن جبن‏

و الطّاعن الطّعنة النّجلاء عن جلد، # كالقائل القولة الغرّاء عن لسن‏

حار المجارون إذ جاروك في طلق، # و أجفلوا عن طريق السّابق الأرن‏ (4)

ضلّوا وراءك حتّى قال قائلهم: # ما ذا الضّلال، و ذا يجري على السّنن‏

ما قدر فضلك ما أصبحت ترزقه، # ليس الحظوظ على الأقدار و المهن‏

قد كنت قبلك من دهري على حنق، # فزاد ما بك من غيظي على الزّمن‏

كم راشنا و برانا، غير مكترث # بما نعالج، بري القدح بالسّفن‏ (5)

ألقى على آل وضّاح حويّته، # و حكّ بركا على سيف بن ذي يزن‏ (6)

____________

(1) النبع: نوع من الشجر، الأصل القوي.

(2) أنوط: أعلق.

(3) توامق قلبانا: تحابّا.

(4) الأرن: النشط.

(5) السفن: ما ينحت به.

(6) الحوية كساء محشو حول سنام البعير-البرك: الصدر.

476

عهدنا الدّرّ مسكنه أجاج، # فكيف تبدّل الثّغب المعينا (1)

جنون المرشقات، غداة جمع، # بأقتل من نبالك ما رمينا

و لم نر كالعيون ظبى سيوف # أرقن دما، و ما رمن الجفونا

عوائد من تذكّر آل ليلى، # كأنّ لها على قلبي ديونا

أكاتمها، ففي الأحشاء منها # مضيض بعد ما بلغ الحنينا

فيا حادي السّنين قف المطايا، # فهنّ على طريق الأربعينا

و إنّ الرّأس بعدك صوّحته # بوارح شيبة، فغدا جبينا (2)

و كان سواده عيد الغواني، # يعدن إلى مطالعه العيونا

أتاجرها، فأربح في التّصابي، # و بعض القوم يحسبني غبينا

أهان الشّيب ما أعززن منه، # و عزّ على العقائل أن يهونا

جنون شبيبة، و وقار شيب، # خذا عنّي النّهى و دعا الجنونا

نرى الأيّام، و هي غدا سنون، # و بالآحاد يبلغن المئينا

ستنبئنا النّوائب ما أرتنا # من العجب العجيب بما ترينا

حلفت بملقيات النّيّ عوج، # خوابط تطلب البلد الأمينا (3)

حوامل ناحلين على ذراها، # حواني ينجذبن بمنحنينا

يسقّين الهجير على التّظامي، # و ينعلن الحرار، إذا وجينا (4)

كأنّ سياطها، و لها هباب، # قلوع اليمّ زعزعت السّفينا

بكلّ معبّد القطرين ينضي # مطال طريقه الأجد الأمينا (5)

____________

(1) الأجاج: الماء المالح-الثغب: الغدير في ظل جبل لا تصيبه الشمس فيبرد-المعين: الماء الجاري.

(2) صوحته: شققت شعره و أيبسته حتى سقط.

(3) الني: الشحم.

(4) الحرار: الأرض الحارة-وجينا، من الوجى: الحفا.

(5) المعبّد: المطلي بالقطران-ينضي: يهزل-الأجد: الناقة القوية- الأمين: المأمونة العثار.

غ

477

لقد أرضى قوام الدّين فينا # وصاة اللّه و الدّين اليقينا

رعانا بالقنا، و لقد ترانا، # و أضبع ما نكون إذا رعينا (1)

أعاد ثقافنا حتّى استقمنا، # و دلّ بنوره اللّقم المبينا (2)

تيقّظ، و العيون مغمّضات، # و قلقل، و الرّعيّة وادعونا (3)

و ما عدم العلى كهلا و طفلا، # و في خرق الوليد و لا جنينا

من القوم الألى تبعوا المعالي، # قران العود يتّبع القرينا (4)

أقاموا عن فرائسها اللّيالي، # و ردّوا عن مواردها المنونا

هم رفعوا، كما رفعت نزار، # قباب على على كرم بنينا

نبقّي سائرات الدّهر فيهم، # و يبقون اليد البيضاء فينا

فإن نثمر لهم شكرا طويلا، # فهم غرسوا، و كانوا المورقينا

فقل للمصحرين دعوا الضّواحي، # فإنّ اللّيث قد نزع العرينا (5)

و لا تتغنّموا منه قعودا # يقيم لكم به الحرب الزّبونا (6)

ففي أغماده ورق قديم، # يزيد على قراع الصّيد لينا (7)

قواضب لا يغبّ بها الهوادي # فيعطيها الصّياقل و القيونا (8)

أ ليس وقاعه بالأمس فيكم # سقى غلل الرّماح، و ما روينا (9)

بأربق قد أدار لكم رحاها، # مدار الطّود مرداة طحونا (10)

____________

(1) أضبع: أمد ضبعا، أي عضدا.

(2) ثقافنا: تقويتنا-اللقم: الطريق.

(3) وادعون: ساكنون، هادئون.

(4) قران: المقرون بغيره-القود: المسنّ من الإبل.

(5) المصحرون: الخارجون إلى الصحراء، أو القائمون فيها.

(6) الحرب الزبون: التي تزبن الناس أي تصدمهم.

(7) الورق: النصل-الصيد، جمع أصيد: الرافع رأسه كبرا.

(8) يغب: يترك يوما و يجي‏ء يوما-الهوادي: الأعناق-القيون: الحدادون.

(9) الغلل: العطش.

(10) أربق: قرية بفارس-المرداة: أداة من حجر تكسر بها الحجارة.

478

و مثلها أنشب الأظفار في مضر، # و مرّ يحرق بالأنياب لليمن‏ (1)

إن يدن قوم إلى داري فآلفهم، # و تنأ عنّي، فأنت الرّوح في البدن‏

فالمرء يسرح في الآفاق مضطربا، # و نفسه أبدا تهفو إلى الوطن‏

و البعد عنك بلاني باستكانهم؛ # إنّ الغريب لمضطرّ إلى السّكن‏

أنت الكرى مؤنسا طرفي و بعضهم # مثل القذى مانع عيني من الوسن‏

كم من قريب يرى أنّي كلفت به # يمسي شجاي و تضحي دونه شجني‏

و صاحب طال ما ضرّت صحابته، # عكفت منه على أطغى من الوثن‏

مستهدف لمرامي العيب جانبه، # يكاد ينعطّ برداه من الظّنن‏ (2)

ذي سوأة إن ثناها محفل كثرت # لها المضارب فوق الصّدر بالذّقن‏

إذا احتميت به أحمي على كبدي # كيف اجتناني إذا أسلمنني جنني‏ (3)

لا تجعلنّ دليل المرء صورته، # كم مخبر سمج عن منظر حسن‏

إنّ الصّحائف لا يقريك باطنها # نفس الطّوابع موسوما على الطّين‏

أشتاقكم و دواعي الشّوق تنهضني # إليكم، و عوادي الدّهر تقعدني‏

و أعرض الودّ أحيانا فيؤنسني، # و أذكر البعد أطوارا فيوحشني‏

هذا، و دجلة ما بيني و بينكم، # و جانب العبر غير الجانب الخشن‏ (4)

و مشرف كسنام العود ملتبس، # كالماء لزّ بأضلاع من السّفن‏ (5)

كالخيل ربّطن دهما في مواقفها، # و البزل قطّرن بين الحوض و العطن‏ (6)

قد جاءت النّفثة الغرّاء ضامنة # ما يوبق النّفس من عجب و من درن‏ (7)

أنبطت من حسنها ماء بلا نصب، # و حزت من نظمها درّا بلا ثمن‏ (8)

____________

(1) يحرق بالأنياب: يسحقها.

(2) ينعط: ينشق-الظنن: التهم.

(3) الجنن، جمع جنة: الوقاية.

(4) العبر: ما يقع غربي الفرات.

(5) العود: الناقة المسنة-لزّ: ألزق.

(6) البزل: النياق-العطن: مبرك الإبل حول الماء.

(7) النفثة: القصيدة.

(8) انبطت: استخرجت-نصب: تعب.

479

أنشدتها، فحدا سمعي غرائبها # إلى الضّمير حداء الرّكب للبدن‏ (1)

جازت إلى خاطري عفوا و خيّل لي، # ممّا استبت أذني، أن لم تجز أذني‏

فاقتد إليك، أبا إسحاق، قافية # قود الجواد، بلا جلّ و لا رسن‏

كادت تقاعس لو ما كنت قائدها # تقاعس البازل المجنوب في الشّطن‏ (2)

تستوقف الرّكب إن مرّت معارضة # تهدي عقيلتها العذراء من يمن‏

تواعد الخليط

(الوافر)

في هذه القصيدة يمدح الرضي الملك بهاء الدولة يهنئه بنيروز سنة 398.

تواعد ذا الخليط لأن يبينا، # و زايلنا القطين، فلا قطينا (3)

و إنّي، و المواعد كاذبات، # ليطمعنا خلاب الواعدينا (4)

نعنّى بالمطال من الغواني، # و هان على المواطل ما لقينا

و نظمأ، و الموارد معرضات، # فنرجع بالغليل، و ما سقينا

لهنّ اللّه كيف أصبن منّا # نفوسا ما عقلن، و ما ودينا (5)

لقين قلوبنا بجنود حرب # تطاعن بالدّمالج و البرينا (6)

جلون لنا لآلئ واضحات، # أ ضأن بها الذّوائب و القرونا (7)

____________

(1) البدن، جمع بدنة: ناقة تسمّن لتنحر في مكة المكرمة، الأضحية.

(2) تقاعس، تتقاعس: تتأخر-المجنوب: المنقاد-الشطن: الحبل.

(3) الخليط: المخالط-القطين: المقيم.

(4) الخلاب: الخداع.

(5) عقله و وداه: دفع ديته.

(6) البرين، جمع برة: حلقة من سوار و قرط و خلخال.

(7) الذوائب و القرون: خصل الشعر.

480

و جلجلها على الأهواز حتّى # أعاد زئير أسدكم أنينا

و ساخ، تقصّع اليربوع، غاو # أثار بطعنها، فنجا طعينا (1)

أشيعث، رأسه بالبيض يفلى، # و يغدو بالدّم الجاري دهينا

يذود رقابها، هيهات منها، # و قد غلبت عصيّ الذّائدينا (2)

تولّع بالقنا، فتطاوحته، # لداغ الدّبر، أيدي العاسلينا (3)

غدا يمري عفافتها، فأمسى # يرى بالطّعن لقحتها لبونا (4)

و من شرعت رماح اللّه فيه، # درى أنّ السّوابغ لا يقينا (5)

و بتن على المطالع ملجمات، # علائقها أنابيب القنينا (6)

على صهواتها أبناء موت، # حواسر للرّدى و مقنّعينا

مجاذبة أعنّتها جماحا، # هبطن قرارة و طلعن بينا (7)

وقعن بغارة، و طلبن أخرى، # يماطلن الإقامة و الصّفونا

تكفكف و هي في الغلواء تلقي # إلى أرض العدا نظرا شفونا (8)

تلفّت جوّع الآساد فاتت # فرائسها النّيوب، و قد دمينا

تحاذر في مرابطها وقوفا، # و إن بلغ العدا أمدا شطونا

فلو ألجمن لا لغوار حرب، # لقد ظنّ العدوّ بها الظّنونا

أ ما شهدوا ليالي السّوس منها، # و مسحبها القنيّ بدار زينا (9)

____________

(1) ساخ: دخل-تقصع اليربوع: دخوله قاصعاءه أي جحره.

(2) يذود: يدفع-العصي: العاصي.

(3) تطاوحته: ترامت به-لداغ الدبر: مثل لداغ النحل و الزنابر-العاسلين:

مشتاري النحل.

(4) العفافة: بقية اللبن-اللقحة: الناقة الحلوب الغزيرة اللبن.

(5) السوابغ: الدروع الطويلة.

(6) الأنابيب، جمع أنبوب: طريق-القنين: القمم.

(7) البين: المرتفع الغليظ.

(8) الغلواء: حماسة الشباب-الشفون: الغيور.

(9) السوس: منطقة بالأهواز-دار زينا: موضع قرب عدن.

481

و منثرها على هضبات بمّ، # رياطا للعجاجة ما طوينا (1)

إذا رجع الغزيّ بهنّ حسرى، # أعدن إلى الطّعان كما بدينا

لحقن طريدة لو لا قناها # لطال رواغها للطّاردينا

و عدن، و في حقائبهنّ هام، # لقين من الصّوارم ما لقينا

بقنّاص أصاب، و في يديه # حبائل قد مددن لآخرينا

نوائب ألقت الجلّى عليه، # فقام بعبئهنّ و ما أعينا

بسالة هانئ في حيّ بكر، # و حنظلة الذي قطع الوضينا (2)

و هل يرضى المطول و في الأعادي # ديون للصّوارم ما قضينا

ألا جزت الجوازي اليوم عنّي # جوادا، لا أغمّ و لا هجينا (3)

نماه أب و لود للمعالي، # و أمّ أراقم تدهي البنينا (4)

من العظماء أطولهم عمادا، # و أنداهم، إذا مطروا، يمينا

تبوّع بي إلى قلل المعالي، # و خيّرني المعاقل و الحصونا

فأرغم بي على رغم أنوفا، # مضاغنة، و أقذى بي عيونا

تهنّ بمطلع النّيروز و أبلغ # مطالع مثله حينا، فحينا

مرحّل كلّ نائبة مقيما، # مذيلا للعدا، أبدا مصونا

تظفّر بالمآرب طيّعات، # و بالآمال أبكارا و عونا (5)

و إنّ أحقّ منك بأن يهنّى، # إذا مدّ البقاء لك، السّنونا

____________

(1) البم: بلد بكرمان-الرياط، جمع ريطة: ملاءة من قطعة واحدة- العجاجة: الغبار.

(2) هاني و حنظلة: رجلان من العرب-الوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعر أو جلد.

(3) الأغم: ما سال شعره حتى تضيق جبهته-الهجين: ما كان من دم غير صاف.

(4) أم أراقم: الداهية.

(5) العون، جمع عوان: المرأة التي لها زوج.

غ

482

جناني شجاع‏

(الطويل)

بلغ الشريف أن قوما من أعدائه قالوا لبهاء الدولة:

قد جرت العادة بانشاد الخلفاء شعره، و انه انما يتكبر عليك بترك الانشاد لأنه لم ينشد قط ممدوحا، و هذه ميزة تفرد بها عن الشعراء. فوجه إليه هذه الأبيات.

جناني شجاع إن مدحت و إنّما # لساني إن سيم النّشيد جبان‏ (1)

و ما ضرّ قوّالا أطاع جنانه، # إذا خانه عند الملوك لسان‏

و ربّ حييّ في السّلام، و قلبه # وقاح، إذا لفّ الجياد طعان‏

و ربّ وقاح الوجه يحمل كفّه # أنامل لم يعرق بهنّ عنان‏

و فخر الفتى بالقول، لا بنشيده، # و يروي فلان مرّة و فلان‏

قلبي سامع‏

(الطويل)

دعا بالوحاف السّود من جانب الحمى # نزيع هوى، لبّيت حين دعاني‏ (2)

تعجّب صحبي من بكائي و أنكروا # جوابي لما لم تسمع الأذنان‏

فقلت: نعم، لم تسمع الأذن دعوة، # بلى!إنّ قلبي سامع و جناني‏

و يا أيّها الرّكب اليمانون خبّروا # طليقا بأعلى الخيف أنّي عاني‏ (3)

عدوه لقائي، أو عدوني لقاءه، # ألا ربّما دانيت غير مداني‏

____________

(1) الجنان: القلب.

(2) الوحاف، جمع وحفة: أرض مستديرة مرتفعة سوداء.

(3) الخيف: تلة بيضاء في الجبل الأسود الذي خلف أبي قبيس بمكة المكرمة.

483

و ما حائمات يلتقين من الصّدى # إلى الماء قد موطلن بالرّشفان‏

يزيد لها بالخمس بين ضلوعها # تنسّم ريح الشّيح و العلجان‏ (1)

إذا قيل: هذا الماء، لم يملكوا لها # معاجا، بأقران و لا بمثان‏ (2)

بأظمى إلى الأحباب منّي، و فيهم # غريم، إذا رمت الدّيون لواني‏

فيا صاحبي رحلي، أقلاّ، فإنّني # رأيت بليلى غير ما تريان‏

و يا مزجي النّضو الطّليح عشيّة، # تراك ببطن المأزمين تراني‏ (3)

و هل أنا غاد أنشد النّبلة التي # بها عرضا ذاك الغزال رماني‏

فلم يبق من أيّام جمع إلى منى، # إلى موقف التّجمير، غير أماني‏

يعلّل دائي بالعراق طماعة، # و كيف شفائي، و الطّبيب يماني!

لو لا الذئاب‏

(الطويل)

أ في كلّ يوم لي عشار تسوقها # رماح بني الغبراء سوق الظّعائن‏ (4)

أحالوا عليها عاكسين رقابها، # و طوا بهواديها مكان الفراسن‏ (5)

إذا جزت في أبيات آل محلّم # تراغين نحوي من وراء المعاطن‏ (6)

____________

(1) الشيح و العلجان: ضربان من النبات.

(2) معاجا: مقاما-الأقران: الحبال-المثاني: الطاقات و القوى.

(3) مزجي: سائق-النضو الطليح: المهزول و النشيط من الإبل-مأزمان:

مضيق قرب عرفة.

(4) العشار: هي الناقة التي مضى على حملها عشرة أشهر-الغبراء: الأرض.

(5) وطوا: وطئوا مخففة-الهوادي: الأعناق-الفراسن: الأخفاف، جمع فرسن.

(6) محلّم: اسم رجل-المعاطن: مبارك الإبل قرب الماء. في هذا البيت إشارة إلى قوم يسرقون شعره.

484

تحنّ إلى ترعيّة لم يرد بها # وبي‏ء المراعي، و النّطاف الأواجن‏ (1)

و خالسنيها كلّ أطلس خاتل # خفيّ المرامي عن قسيّ الضّغائن‏ (2)

و شرّ الأذى ما جاء من غير حسبة، # و كيد المبادي دون كيد المداهن‏

و إنّ بلوغ الخوف من قلب خائف # لدون بلوغ الخوف من قلب آمن‏

و خيل جررن النّقع في كلّ بلدة، # و ناقلن فيها بالطّوال الموارن‏ (3)

حواها العدا عنّي، فأصبحن بالحمى # عواطل من آبي عليق و صافن‏ (4)

و ثلّة حيّ قد أضبّ بأرضها # ذؤالة إضباب الغريم المدائن‏ (5)

و لو لا ذئاب العامريّ لشابهت # بمكّة أسراب الحمام القواطن‏

لنا كلّ يوم منه ذئب عمرّد، # دم الشّعر في أنيابه و البراثن‏ (6)

متى تطلعوا نجدا أو الغور تفضحوا # بوسم فشت نيرانه في المواطن‏

خطبتم إلى شمس الخدور فوارك # و قد كنّ عندي في ثياب الحواضن‏ (7)

خذوها فلو قرّنتموها ببرقة، # قطعن إلى داري وثاق القرائن‏ (8)

____________

(1) الترعية: رعاية الإبل-الوبي‏ء: ذو الوباء-النطاف، جمع نطفة: الماء الصافي-الأواجن، جمع آجنة: المتغيرة اللون و الطعم.

(2) الأطلس: السارق، الخاتل، المخادع.

(3) النقع: الغبار-الموارن: الأنوف، جمع مارن.

(4) الصافن: هو من الخيل ما قام على ثلاث قوائم و طرف القائمة الرابعة.

(5) الثلة: الجماعة من الناس-أضبّ، من قولهم: أرض مضبّة أي كثيرة الضباب-ذؤالة: اسم.

(6) العمرّد: الخبيث. و في العجز إشارة أخرى إلى اختلاس شعره.

(7) الفوارك، جمع فارك: المرأة التي تبغض زوجها.

(8) البرقة: الدهشة، و البرقة موضع بالمدينة المنوّرة.

غ

485

أقوال الفتى تفنى‏

(السريع)

و مستهلاّت كصوب الحيا، # تبقى، و أقوال الفتى تفنى‏

منتصبات كالقنا لا نرى # عيّا من القول و لا أفنا

قد حرم النّاظر من حسنها # قائلها ما رزق الأذنا

لا يفضل المعنى على لفظه # شيئا، و لا اللّفظ على المعنى‏

وصيّة

(الكامل)

و وصيّة خلفت لنا من حازم # وطئ الزّمان سهولة و حزونا

لمّا تعذّر أن يبقّي نفسه، # بقّى علينا رأيه المأمونا

أي المنازل‏

(البسيط)

أيّ المنازل نرضى بعدكم وطنا، # هان الفراق فما نعنى بمن ظعنا

لقد سقوك بأطباء ملعّنة # كأنّما كنت تسقى السّمّ لا اللّبنا

حيّ الطلول‏

(الكامل)

هذي المنازل فاضربي بجران، # و تذكّري الأوطار بالأوطان‏

حيّ الطّلول كما تحيّي أهلها، # إنّ الطّلول و أهلها سيّان‏

486

السعي الهجين‏

(الوافر)

قصور الجدّ مع طول المساعي، # و قول النّاس: لم ينجح فلان‏

أحبّ إليّ من سعي هجين، # و إن بلغ العلى جدّ هجان‏

يذمّ لي الزّمان، إذا ألامت # يداه، و لا يذمّ بي الزّمان‏

سبق الدهر

(الخفيف)

سبق الدّهر جدّكم في الرّهان، # و علت ناركم على النّيران‏

و جرى في عنانكم جامح الجـ # دّ، مطولا يلوي بكلّ عنان‏

هبي لي‏

(الوافر)

هبي لي نيّ زورك و البواني، # و أمّي مسقط النّجم اليماني‏ (1)

فإنّك ما رعيت من الفيافي # طويلا، ما رعيت من الأماني‏

بئس التحية

(الكامل)

بئس التّحيّة بيننا المرّان، # و ضراب يوم وقيعة و طعان‏ (2)

بسطوا إليّ أناملا مغروسة # في اللّؤم لم يعرق لهنّ عنان‏ (3)

____________

(1) النّي: الشحم-البواني: الأضلاع.

(2) المرّان: الرماح القوية اللدنة.

(3) العنان: الزمام.

غ

487

البرق‏

(المتقارب)

و برق حدا المزن حدو الثّقال، # يزجّي على الأين حينا فحينا (1)

كراعي العشار أحسّ الظّلام، # فساق الهجائن بيضا و جونا (2)

____________

(1) يزجّي: يدفع-الأين: التعب.

(2) العشار: النياق التي مضى على حملها عشرة أشهر-الهجائن: النوق -الجون: السود.

غ

488

قافية الهاء

إلى أين‏

(الطويل)

إلى أين مرمى قصدها و سراها، # رمى اللّه من أخفافها بوجاها (1)

هو اليأس فليحبس هباب رقابها، # كما كان مغرور الرّجاء حداها (2)

رأت لامعا، فاستشرقت لمضائه، # و لو كان من مزن النّدى لشفاها

تدافعها الحيّ اللّئيم عماية، # و أعرض طوع اللّؤم، و هو يراها

فماطل أصحاب الحياض ورودها، # و أعتم أرباب المبيت قراها (3)

تلطّمها الأيدي القصار عن الرّقى، # و خير من الرّيّ الذّليل صداها (4)

ترى كلّ ميلاء السّنام كأنّما # من الطّود، إلاّ زجوها و خطاها (5)

مناقلة تنجو بزجرة غيرها، # و ترهب سوط المرء راع سواها

تكاد من الإسراع تسبق أمّها، # بمنتجها، قبل اللّقاح، أباها

تعود و لم تشرع بحوض ابن حرّة، # و لا عريت عند الكرام ذراها (6)

رأين ديارا بين بصرى و جاسم # مراعي ليوم لا تلسّ خلاها (7)

____________

(1) الوجى: الحفا.

(2) الهباب: النشاط.

(3) اعتموا قراها: أبطئوا به.

(4) الصدى: العطش.

(5) الزجو: السّوق.

(6) تشرع: تشرب.

(7) بصرى: بلدة بالشام-جاسم: قرية بالشام-تلس: تأخذ بطرف لسانها.

489

نفوس لئام لا تحلّ عقودها، # و أيدي جمود لا ينضّ صفاها (1)

ألا!لا تلوموا ظاعنا قذفت به # فأجشرت في أوطانكم، و أعاها (2)

تحمّل عنها شرّ دار إقامة، # إذا قيل: أيّ الأرض؟قال: خلاها

فكم موحشات بالرّفاق أزاحها، # و لمّة ليل بالمطيّ فلاها

كأنّ حماكم خطّة الخسف للفتى # إذا سيمها الحرّ الكريم أباها

و لو بابن ليلى كان ملقى رحالها، # لطرّق من حرّ النّضار ثراها

تبايتها فعلا، فكم من عظيمة # أتيت بها مرحولة، و كفاها

حماك ملمّا منتضى لك حدّه، # و داهية تشحو لضغنك فاها (3)

غداة أغامت بالعجاج سماؤها، # و دارت على قطب الطّعان رحاها

إذا السّيل و إلى في الرّكاء سجاله، # و أنبط، أنقوت النّدى، و أماها (4)

أرى شجرا طالت و قصّر ظلّها، # فلا أورقت يوما و طال ذواها (5)

و لو جمعت لونين بذل شباكها # لطالبها الرّاجي بمنع جناها

أضرّا و لؤما، لا أبا لأبيكم، # سفاها لرأي العاجزين سفاها

نلوم أكفّ المحسنين، إذا جنت، # فكيف بأيد لا ينال جداها

ضلالا لراجي نشطة من ربيعكم # رمى الدّاء في أكلائكم فحماها (6)

و عين رجتكم أن تكونوا جلاءها، # فكنتم على عكس الرّجاء قذاها

طلبتم ثنائي ثمّ عفتم سماعه، # كمن خطب العذراء، ثمّ قلاها (7)

____________

(1) ينضّ: يسيل-صفاها: صخرها.

(2) الجاشرية: الإبل المخرجة الى المرعى-أعاه القوم: أصابت ماشيتهم العاهة.

(3) تشحو: تفتح فاها-الضغن: الحقد.

____________

(4) الركاء، جمع ركية: البئر ذات الماء-السجال، جمع سجل: الدلو العظيمة -أنقوت: اخترت-أماه، من أماه الحافر: بلغ الماء، و أماهت السماء:

أنزلت ماءها.

(5) ذواها: ذبولها.

(6) الأكلاء، جمع كلأ: العشب.

(7) قلاها: بغضها.

490

و ما كلّ جيد موضع لقلائدي؛ # و لا قمن من صوغها و حلاها (1)

فلا تغررن عينيك يا خابط الدّجى # قباب بناها اللّؤم حيث بناها (2)

و دار لئام إن رأى الرّكب سمتها # تحايد عنها عامدا، و طواها (3)

مساو كنيران البقاع مضيئة، # و نار ظلام لا يضي‏ء سناها

ألا غيّياني بالدّيار، فإنّني # أحبّ زرودا ما أقام ثراها

و بين النّقا و الأنعمين محلّة # حبيب لقلبي قاعها و رباها (4)

و نعمان، يا سقيا لنعمان، ما جرت # عليه النّعامى بعدنا و صباها (5)

و للقلب، عند المأزمين و جمعها، # ديون و مقضى خيفها و مناها (6)

و ظبي بأطوار الجمار، إذا غدا # رمى كبدا مقروحة و رماها

و غيداء لم تصحب سوى الشّمس أختها، # و لا جاورت إلاّ الغزال أخاها

و خلّة فرسان عيون ظبائها # أمضّ جراحا من طعان قناها

هي الدّار لا دار بأكناف بابل، # جدير بضيم النّازلين حماها

منازل ممنون على الرّكب زادها، # نزور على كدّ المطال جداها (7)

فلا سقيت إلاّ الصّوارم و القنا، # و لا صاب إلاّ بالدّماء حياها (8)

____________

(1) القمن: الخليق و الجدير.

(2) خابط الدجى: السائر ليلا على غير هدى.

(3) السمت: الطريق.

(4) الأنعمان: واديان هما الأنعم و عاقل.

(5) نعمان: واد وراء عرفة هو نعمان الأراك-النعامى: ريح الجنوب.

(6) المأزمان: مضيق قرب عرفة-الخيف: غرة بيضاء في الجبل الأسود قرب مكة المكرمة-منى: موضع بمكة المكرمة.

(7) ممنون: محسوب.

(8) الحيا: المطر.

غ

491

تلفتّ‏

(المتقارب)

تلفّتّ، و الرّمل ما بيننا، # و أعلام ذي بقر أو رباه‏ (1)

فقلت على طربات الهوى: # عسى الطّرف يبلغهم أو كراه‏

فما لقي الحبّ إلاّ الجوى، # و لا بلغ الطّرف إلاّ قذاه‏ (2)

بذكري أشمّ ثرى أرضه، # على نأيه، و بقلبي أراه‏

عسى من رمى بالمحبّ الغريـ # ر مرمى بعيدا يقضّي نواه‏

و تدنو الدّيار بسكّانها، # تمنّي امرئ ما عراكم عراه‏

أ صاح ترى البرق في لمعه، # تخلّج أيم يلوّي مطاه‏ (3)

و قالوا: سناه على رامة، # و يا بعد موقفنا من سناه‏

دع القلب يأرق من ذكرهم، # فقد ذاق من بينهم ما كفاه‏

فلا حطّ إلاّ بهم رحله، # و لا جاد إلاّ عليهم حياه‏ (4)

أحبك‏

(الوافر)

أحبّك ما أقام منى و جمع، # و ما أرسى بمكّة أخشباها (5)

و ما رفع الحجيج إلى المصلّى، # يجرّون المطيّ على وجاها (6)

____________

(1) ذو بقر: اسم واد.

(2) قذاه: القذى هو ما يقع في العين فيؤذيها.

(3) الأيم: الحيّة-المطا: الظهر.

(4) حياه: مطره.

(5) الأخشبان: هما جبلا مكة المكرمة أبو قبيس و الأحمر.

(6) رفعوا: أصعدوا، وجاها: حفاها.

492

و ما نحروا بخيف منى، و كبّوا # على الأذقان مشعرة ذراها

نظرتك نظرة بالخيف كانت # جلاء العين منّي بل قذاها

و لم يك غير موقفنا فطارت # بكلّ قبيلة منّا نواها

فواها كيف تجمعنا اللّيالي؛ # و آها من تفرّقنا، و آها

فأقسم بالوقوف على ألال، # و من شهد الجمار، و من رماها (1)

و أركان العتيق و بانييها، # و زمزم و المقام و من سقاها

لأنت النّفس خالصة، فإن لم # تكونيها، فأنت إذا مناها

نظرت ببطن مكّة أمّ خشف # تبغّم، و هي ناشدة طلاها (2)

و أعجبني ملامح منك فيها، # فقلت أخا القرينة أم تراها؟

فلو لا أنّني رجل حرام، # ضممت قرونها و لثمت فاها (3)

طالب بني بويه‏

(الرجز)

وجه الرضي هذه القصيدة إلى بهاء الدولة بفارس في جمادى الآخرة سنة 394.

يا طالبا بني بويه! # ما أنت من ذاك و لا إليه‏

إرث قوام الدّين عن أبيه، # خلّ عنان الملك في يديه‏

مناضلا يذبّ عن ثغريه # بديهة الصّلّ جلا نابيه‏ (4)

يلجلج الموت بماضغيه، # يكتلئ الدّين بناظريه‏ (5)

____________

(1) الألال: جبل بعرفات.

(2) الخشف: ولد الظبي-تبغّم: تصيح-ناشدة: طالبة-طلاها: ولدها.

(3) حرام: محرم.

(4) يذب: يدفع-الصل: الحية.

(5) يلجلج: يردد-يكتلئ: يحفظ، يحرس.

493

كالمقضب اضطرّ إلى حدّيه، # نجا الذي فاز بحجزتيه‏ (1)

و ضلّ مغرور بما لديه، # يحتكّ بالعضب و مضربيه‏

شتّان من ينفض مذرويه، # مخايلا، ينظر في عطفيه‏ (2)

ما نقل الذّابل في كفّيه، # و من طوى المجد على غربيه‏

مرتقيا إلى ذؤابتيه؛ # إذا المقام لم يقم حوليه‏

قام به يركد في حاليه، # لا يطرف الهول به جفنيه‏ (3)

شوك القنا يلدغ أخمصيه؛ # قد قلت للطّالب غايتيه‏

أقع، فما غورك من نجديه، # ما أنت و الطّول إلى فرعيه‏ (4)

سقط شرار طار عن زنديه، # من يطلع اليوم ثنيّتيه‏ (5)

قد سبق النّاس إلى مجديه، # سبق الجواد بقلادتيه‏

في فلك العزّ إلى قطبيه، # يمسي به ثالث نيّريه‏

أيّ فتى ينزع في سجليه # قد ورد الماء بجمّتيه‏ (6)

أما ترى الضّرغام في غابيه # مزمجرا يفتل ساعديه‏

قد أنشب الفريس في ظفريه؛ # هيهات من يغلبه عليه‏

أقسمت بالبيت و بانييه، # عظّم ما عظّم من ركنيه‏

ربّ منى و ربّ مأزميه، # و ربّ من عجّ بوقفتيه‏ (7)

عريان إلاّ معقدي برديه، # لقد و سمت الدّهر صفحتيه‏

____________

(1) المقضب: السيف القاطع-الحجزتان، مثنى حجزة: موضع شدّ الازار.

(2) المذروان: طرفا الالية و طرفا الرأس، و عبارة جاء ينفض مذرويه تعني:

جاء باغيا مهددا.

(3) يركد: يسكن.

(4) أقع: اجلس أرضا.

(5) الثنية: طريق العقبة.

(6) سجلية، مثنى سجل: الدلو العظيمة.

(7) المأزمان: مضيق قرب عرفة.

494

يقوده يوضع في عرضيه، # قود الضّليع ملّ جاذبيه‏

قد أغبط الرّحل على دفّيه، # حتّى رأينا نضح ذفرتيه‏ (1)

يا نفس ضنّي بك أن تلقيه # عساه يدعوك لأن تريه‏

لبّيه من داع دعا لبّيه‏

عاد الهوى‏

(مجزوء الكامل)

عاد الهوى بظباء مـ # كّة للقلوب كما بداها

و خبت عليك منى تبا # ريح الغرام و ما زهاها (2)

طربا على طرب بها، # يا دين قلبك من جواها (3)

إنّي علقت على منى # لمياء يقتلني لماها (4)

راحت مع الغزلان قد # لعبت بقلبي، ما كفاها

تبغي الثّواب، فمهجتي # هذي القريحة من رماها

تزهو على تلك الظّبا # ء فليت شعري من أباها

وقف الهوى بي عندها، # و سرت بقلبي مقلتاها

بردت عليّ كأنّما # طلّ الغمامة عارضاها

شمس أقبّل جيدها، # يوم النّوى، و أجلّ فاها

و أذود قلبا ظامئا، # لو قيل: وردك ما عداها

____________

(1) أغبط الرحل: أدامه على الدابة-الدفان: الجانبان-النضح: الرش- الذفرة: النتن.

(2) خبت: سترت، أخفت، سكنت-منى: منصوبة بنزع الخافض أي في منى.

(3) الدين: الداء-الجوى: شدة الحزن من الشوق.

(4) اللمى: سمرة في الشفة مستحسنة.

495

و لو استطاع لقد جرى # مجرى الوشاح على حشاها

يا يوم مفترق الرّفا # ق ترى تعود لملتقاها؟

قالت: سيطرقك الخيا # ل من العقيق على نواها

فعدي بطيفك مقلة، # إن غبت تطمع في كراها

إنّي شربت من الهوى # حمراء صرّف ساقياها

يا سرحة بالقاع لم # يبلل بغير دمي ثراها

ممنوعة، لا ظلّها # يدنو إليّ، و لا جناها

أ كذا تذوب عليكم # نفسي، و ما بلغت مناها

جسد يقلّب للضّنى، # و أودّ لو أنّي فداها

أمسي لها متفقّدا، # في العائدين، و لا أراها

واها، و لو لا أن يلو # م اللاّئمون، لقلت: آها

أكبح النفس‏

(مجزوء الخفيف)

أكبح النّفس إن جمحـ # ت إلى غاية بها

أنا مولى لشهوتي، # و سواي عبد لها

لا يذلّ العزير إ # لا إذا رام مسّها

لو رأى المستغرّ ما # ضرر اللّهو ما لها

لمن الأسياف و القنا

(الطويل)

لمن بعده أسيافه و قناه، # و من يولع البيض الرّقاق سواه‏ (1)

فقد كان يرجو أن ينال مناه، # فخلّفني فردا، و نال رداه‏

____________

(1) يولع: يحب-البيض: منصوبة بنزع الخافض، أي يولع بالسيوف.

غ

496

قافية الواو علق القلب‏

(الخفيف)

علق القلب من أطال عذابي، # و رواحي على الجوى و غدوّي‏

و افترقنا في مذهب الحبّ شتّى # بين تقصيره، و بين غلوّي‏

كان عندي أنّ الحبيب شقيقي، # في التّصافي، فكان عين عدوّي‏

ساءني، مذ نأيت، نسيان ذكري، # فاذكروني، و لو ذكرت بسوّ (1)

____________

(1) بسوّ: بسوء.

غ

497

قافية الياء

لديغ يبتغي راقيا

(الطويل)

نظم الشريف الرضي هذه القصيدة عند توجه الناس إلى الحج، و ذلك في ذي القعدة من سنة 400.

أقول لركب رائحين: لعلّكم # تحلّون من بعدي العقيق اليمانيا (1)

خذوا نظرة منّي فلاقوا بها الحمى، # و نجدا و كثبان اللّوى و المطاليا (2)

و مرّوا على أبيات حيّ برامة # فقولوا: لديغ يبتغي اليوم راقيا

عدمت دوائي بالعراق فربّما # وجدتم بنجد لي طبيبا مداويا

و قولوا لجيران على الخيف من منى: # تراكم من استبدلتم بجواريا

و من حلّ ذاك الشّعب بعدي و راشقت # لواحظه تلك الظّباء الجوازيا (3)

و من ورد الماء الذي كنت واردا # به و رعى الرّوض الذي كنت راعيا

فوا لهفتي كم لي على الخيف شهقة # تذوب عليها قطعة من فؤاديا

صفا العيش من بعدي لحيّ على النّقا # حلفت لهم لا أقرب الماء صافيا

فيا جبل الرّيّان إن تعر منهم، # فإنّي سأكسوك الدّموع الجواريا

____________

(1) العقيق: اسم موضع.

(2) في هذا البيت مجموعة أسماء أمكنة.

(3) الجوازي: المستغنية عن الماء بالكلإ.

498

و يا قرب ما أنكرتم العهد بيننا، # نسيتم و ما استودعتم الودّ ناسيا

أ أنكرتم تسليمنا ليلة النّقا، # و موقفنا نرمي الجمار لياليا

عشيّة جاراني بعينيه شادن # حديث النّوى حتّى رمى بي المراميا

رمى مقتلي من بين سجفي عبيطه، # فيا راميا لا مسّك السّوء راميا (1)

فيا ليتني لم أعل نشزا إليكم # حراما و لم أهبط من الأرض واديا

و لم أدر ما جمع و ما جمرتا منى، # و لم ألق في اللاّقين حيّا يمانيا

و يا ويح قلبي كيف زايدت في منى # بذي البان لا يشرين إلاّ غواليا

ترحّلت عنكم لي أمامي نظرة، # و عشر و عشر نحوكم لي ورائيا

و من حذر لا أسأل الرّكب عنكم، # فلا بدّ أن يلقى بشيرا و ناعيا

و ما مغزل أدماء تزجي بروضة # طلا قاصرا عن غاية السّرب وانيا (2)

لها بغمات خلفه تزعج الحشى # كجسّ العذارى يختبرن الملاهيا

يحور إليها بالبغام، فتنثني، # كما التفت المطلوب يخشى الأعاديا (3)

بأروع من ظمياء قلبا و مهجة، # غداة سمعنا للتّفرّق داعيا

تودّعنا ما بين شكوى و عبرة، # و قد أصبح الرّكب العراقيّ غاديا

فلم أر يوم النّفر أكثر ضاحكا؛ # و لم أر يوم النّفر أكثر باكيا

من رأى‏

(مجزوء الخفيف)

من رأى أعينا حذفـ # ن الدّموع الجواريا

قد عرفن السّهاد حـ # تّى نكرن اللّياليا

____________

(1) السجف: الستر-العبيط: المشقوق، و العبيط هو الذي ينحر لغير علّة.

(2) المغزل: الظبية-أدماء: بيضاء تعلوها غبرة-تزجي: تسوق-الواني:

المتعب.

(3) يحور: يرجع-البغام: صوت الظباء.

499

تتبع النّجم نظرة، # و الوميض اليمانيا

كلّ يوم يجدن ربـ # ـعا من الحيّ خاليا

بدموع روائحا، # و دماء غواديا

إن تر الطّرف دامعا، # فاعلم القلب داميا

قل لواد على الثّو # يّة: حيّيت واديا (1)

أين قوم عهدتهم # يملئون المقاريا (2)

لا يخلّي غديرهم # عن حيا الماء ظاميا

لحّبوا المجد و ابتنوا # في المعالي مبانيا (3)

وثبوها ، و غيرهم # صعدوها مراقيا

معشر، إن بلوتهم # غيبهم و المباديا

كرموا أنفسا عظا # ما، و راقوا مجاليا

و ملوك قادوا الرّءو # س مطيعا و آبيا

لا يبالون في القيا # د الرّقاب العواصيا

و إذا اليوم قرّبوا # للطّعان المذاكيا (4)

أعجلوا الملجمات، أو # ركبوها عواريا

و رسوا في ظهورها # يعلقون النّواصيا

كأسود الشّرى ركبـ # ن الظّباء العواطيا (5)

و إذا ما غدا فم الشّمـ # س بالنّقع راغيا

حفظوا عورة العلى، # و رقوا للعواليا

____________

(1) الثوية: اسم موضع.

(2) المقاري: أوان تقرى بها الضيوف، جمع مقرى.

(3) لحّبوا: وطئوا.

(4) المذاكي: الخيل.

(5) العواطي: المتطاولة الى الشجر.

غ

500

كم رموا بالمطيّ تلـ # ك الحزون الفيافيا (1)

يعسفون الذّرى و يعـ # تسفون المواميا (2)

جمّلوا شحمة السّنا # م، و قد كان واريا (3)

كلّ صلّ يبيت في # مربإ النّجم رابيا (4)

زحمت منهم المنو # ن الجبال الرّواسيا

لم تخف منهم القنا # و الدّروع الأواقيا (5)

قلل للعلاء عا # دت ترابا و سافيا (6)

و عظام البلاء صا # روا عظاما بواليا

و مضوا معقبين إر # ثا من المجد باقيا

كلّما أحرزوا المكا # رم شادوا المعاليا

فهم اليوم جيرة # لا يجيبون داعيا

قرع الذّلّ منهم # مارنا كان حاميا (7)

و أناخوا مناخ من # لم ير، الدّهر، ساريا

طوّحتهم أيدي المنو # ن الغيوب الأقاصيا

كنبال القاريّ ير # مي بهنّ المراميا (8)

____________

(1) الحزون، جمع حزن: الأرض العالية الغليظة-الفيافي، جمع فيفاء:

الصحراء.

(2) يعسفون و يعتسفون: يسيرون على غير طريق-الموامي، جمع موماة:

المفازة.

(3) جمّلوا: أذابوا-الواري: السمين.

(4) الصل: الحيّة-المربأ: المرقبة.

(5) الأواقي: جمع واقية.

(6) سافيا: من سفت الريح التراب أي ذرته و حملته.

(7) المارن: الأنف.

(8) القاري: المنسوب إلى القارة و هم رماة من العرب مشهورون.

501

كنت من مجدهم أحـ # لّ الذّرى و الرّوابيا

و إذا شئت زاحموا # بالقنا من ورائيا

أقرضوني، من عزّهم، # وازن القدر وافيا

فجزوا أن قضيتهم # من يدي أو لسانيا

و إذا أعوز الجزا # ء جزيت القوافيا

و أرى بعدهم موا # مق قومي مراميا (1)

و رجالا قد أعبقوا # بالبرود المخازيا

إن لقوني أ صادقا، # فارقوني أعاديا

ما ترى النّاس كالبها # م يوقّعن ضاريا

كلّ يوم يجهّزو # ن إلى اللّه غازيا

و يقودون ساليا # عن قليل و ناسيا

ريعة الذّود قد أمـ # نّ على القرب حاديا

قد رجعنا ضواحكا، # و مضينا بواكيا

و ترى المرء إن رأى # عارض الخطب رانيا

خافق الجأش ناظرا # من يجيب الدّواعيا

فإذا انجاب ليله، # و انجلى عنه ناجيا

طرح الهمّ جانبا، # و تمنّى الأمانيا

ما لهذا الزّمان يلـ # قي علينا المراسيا

كلّ يوم يجلو عليـ # نا خطوبا عواديا

كم طوى بالرّدى صفـ # يّا لقلبي مصافيا

ثالث النّاظرين عـ # زّا، و للنّفس ثانيا

صار بالدّمع آمرا # فيه من كان ناهيا

أغتدي منه عاطلا، # بعد ما كنت حاليا

عطّل الكأس لا تحـ # سّ النّديم المعاطيا

____________

(1) الموامق: المحب.

502

إن تفض عبرتي تجد # كمد القلب باقيا

ربّما تعرف الجوى، # و ترى الدّمع غاليا

ما مقامي‏

(الخفيف)

ما مقامي على الهوان، و عندي # مقول صارم و أنف حميّ‏

و إباء محلّق بي عن الضّيـ # م كما راغ طائر وحشيّ‏

أيّ عذر له إلى المجد إن ذ # لّ غلام في غمده المشرفيّ‏

ألبس الذّلّ في ديار الأعادي # و بمصر الخليفة العلويّ‏

من أبوه أبي و مولاه مولا # ي، إذا ضامني البعيد القصيّ‏

لفّ عرقي بعرقه سيّدا النّا # س جميعا محمّد و عليّ‏

إنّ ذلّي بذلك الجوّ عزّ، # و أوامي بذلك النّقع ريّ‏

قد يذلّ العزيز ما لم يشمّر # لانطلاق و قد يضام الأبيّ‏

إنّ شرّا عليّ إسراع عزمي # في طلاب العلى و حظّي بطيّ‏

أرتضي بالأذى و لم يقف العز # م قصورا، و لم تعزّ المطيّ‏

كالّذي يخبط الظّلام، و قد أقـ # مر من خلفه النّهار المضيّ‏

أ ترجو الخلد

(الوافر)

أ تذهل بعد إنذار المنايا، # و قبل النّزع أنبضت الحنايا (1)

____________

(1) أنبضت القوس و أنبضت بالوتر: جذبته و أرسلته لترن-الحنايا، جمع حنية: القوس.

503

رويدك لا يغرّك كيد دنيا، # هي المرنان مصمية الرّمايا

فإنّك سالك منها طريقا # تقطّع فيه أرقاب المطايا

أ ترجو الخلد في دار التّفاني، # و أمن السّرب في خطط البلايا (1)

و تغلق دون ريب الدّهر بابا، # كأنّك آمن قرع الرّزايا؟

و إنّ الموت لازمة قراه، # لزوم العهد أعناق البرايا

لنا في كلّ يوم منه غاز # له المرباع منّا و الصّفايا (2)

بجيش لا غبار لحجرتيه، # قليل الرّزء غرّار السّرايا (3)

مغير لا يفادي بالاسارى، # و ساب لا يمنّ على السّبايا

إذا قلنا أغبّ رأيت منه # كميش الذّيل يطّلع الثّنايا (4)

غشوم النّاب تصرف ناجذاه، # إذا أبقى أحال على البقايا (5)

يطيل غرورنا مهل الأماني، # و ننسى بعده عجل المنايا

و هذا الدّهر تحدوني يداه، # حداء الطّلح بالإبل الرّذايا (6)

إذا ما قلت: روّح عقر ظهري # من الإدلاج أغبط بالحوايا (7)

و إنّ النّائبات لها حماة، # و إن كثر الرّقائب و الرّبايا (8)

____________

(1) السرب: الطريق.

(2) المرباع: ما كان يأخذه الرئيس من الغنيمة و هو ربعها-الصفايا: ما كان يصفيه الرئيس لنفسه قبل قسمة الغنيمة.

(3) الحجرة: الناحية-السرايا، جمع سرية: القطعة من الجيش تسري ليلا.

(4) أغب: زار يوما بعد يوم-كميش الذيل: مشمّره-الثنايا، جمع ثنية:

العقبة في طريق الجبل.

(5) غشوم: ظلوم-تصرف: تصوت.

(6) الطلح: المتعب-الرذايا: المهازيل، جمع رذية.

(7) الادلاج: السير من أول الليل-أغبط: أدام-الحوايا، جمع حوية:

كساء محشو حول سنام البعير.

(8) الربايا: الطلائع، جمع ربيئة.

504

إذا أبطأن بالغدوات فاعبأ # قرى لضيوفهنّ مع العشايا

و من عجب صدود الحظّ عنّا # إلى المتعمّمين على الخزايا

أسفّ بمن يطير إلى المعالي، # و طار بمن يسفّ إلى الدّنايا

ترى لهم المزايا إن أرمّوا، # و إن نطقوا رأيت لنا المزايا (1)

غباوة هاجر الدّنيا، و كيد، # و لا كيد الفواجر و البغايا

و إنّ ظهورهم لو كان نصف # من الأنعام أولى بالولايا

جرت بهم الحظوظ مع القدامى، # و أسقطنا الزّمان مع الرّدايا

ففاقوا في المراتب و المعالي، # و فقنا في الضّرائب و السّجايا

لهم عن مالهم نفحات كيد، # قراع الدّبر ذاد عن الخلايا (2)

ذممنا كلّ مرتجع عطاء، # و لم يعطوا، فيرتجعوا العطايا

فلو لا اللّه لارتابت قلوب # بقاض لا يجوّر في القضايا

هي و بي‏

(الوافر)

مضى حسب من الدّنيا و دين، # و أعقب منهما عار و غيّ‏

فذاك الطّيّ للماضين نشر، # و هذا النّشر للباقين طيّ‏

تقدّمت الذّوائب و القدامى، # و خلّد بعدها هيّ و بيّ‏ (3)

يعزّ عليّ أن يمضي و تبقى، # و أن يرد المنون، و أنت حيّ‏

____________

(1) أرمّوا: سكتوا، ماتوا.

(2) الدّبر: جماعة النحل-الخلايا: بيوت النحل.

(3) هي و بي: من لا يعرف أصله و فصله.

غ