ديوان الشريف الرضي - ج2

- الشريف الرضي المزيد...
528 /
55

و كم أنا وقّاف على كلّ منزل، # و كم أنا مرتاح إلى كلّ بارق‏

أحنّ إلى من لا يحنّ صبابة، # و ما واجد قلبا مشوق و شائق‏

و عندي من الأحباب كلّ عظيمة # تزهّد في قرب الضّجيع المعانق‏

تعطّلت الأحشاء من كلّ أنّة، # فلا القرب يضنيني و لا البعد شائقي‏

و ما في الغواني من سرور لناظر؛ # و لا في الخزامى من نسيم لناشق‏

رمى اللّه بي من هذه الأرض غيرها، # و قطّع من هذا الأنام علائقي‏

فكم فيهم من واعد غير منجز؛ # و كم فيهم من قائل غير صادق‏

يظنّون أنّ المجد فيمن له الغنى، # و أنّ جميع العلم فضل التّشادق‏

وفاء كأنبوب اليراع لصاحب، # و غدر كأطراف الرّماح الزّوالق‏

و لو لا ابن موسى لم يكن في زماننا # معاذ لجان، أو محلّ لطارق‏ (1)

و لا دبّرت سمر القنا كفّ فارس، # و لا مدّ في رزق المنى باع رازق‏

تغمّدنا من كلّ أرض بنفحة، # و أمطرنا من كلّ جوّ بوادق‏ (2)

إذا همّ لم يبعد به زجر زاجر، # و إن ثار لم يعطف به نعق ناعق‏

و إن رام أملاك البلاد بفتكة، # مشى الذّلّ في تيجانها و المناطق‏

له العزّ و المجد التّليد وراثة، # و أخذا عن البيض الظّبى و السّوابق‏ (3)

و ما زال يلقى كلّ غبراء فخمة # تغالي بأطراف القنا و العقائق‏ (4)

و ما برحت في كلّ عصر سيوفه # مواضع تيجان الرّجال البطارق‏ (5)

يجرّدها مثل الأقاحي على الطّلى، # و يغمدها محمرّة كالشّقائق‏

تبلّغه أقصى الأماني رماحه، # و آراؤه، و الرّأي أمضى مرافق‏

____________

(1) ابن موسى: كناية عن والد الشاعر-معاذ لجان: ملجأ لمستجير، و الجاني هو طالب الماء.

(2) الوادق: الغيم الماطر.

(3) التليد: القديم الموروث-البيض الظبى: السيوف القاطعة-السوابق:

الخيول.

(4) تغالي، من غالى بالسهم: رمى به إلى أقصى غاية-العقائق: السيوف.

(5) البطارق: القادة، و البطريق هو قائد الروم.

56

و خيل كأطراف العوالي جريئة # على الطّعن مسقاة دماء الموارق‏ (1)

إذا عنّ طرد أو طراد تبادرت # طراد الأعادي قبل طرد الوسائق‏ (2)

تدير عيونا بدّد الرّوع لحظها، # و غطّى مآقيها غبار السّمالق‏ (3)

نواصب آذان إلى كلّ نبأة، # طوامح ألحاظ إلى كلّ مارق‏

ذواكر للنّجوى بيوم طعانه # ينسّي رءوس الخيل جذب العلائق‏

تروع جنان اللّيث إن لم تذمّه، # و تطعن في الأقران إن لم تعانق‏

هنيئا لك العيد المضاعف سعده، # كما ضاعف الوسميّ نبت الحدائق‏

و كم مثل هذا العيد قضّيت فرضه # بمكّة، فى ظلّ البنود الخوافق‏

و قدت إليه العيس عجلى مروعة، # تناهز في أنماطها و النّمارق‏ (4)

مدفّعة تحت السّياط كأنّها، # إذا جنّت الظّلماء، أيدي النّقانق‏ (5)

و يعنتها الحادون أو توسع الخطا # إلى قرب دار الموقف المتضائق‏

و أيّ مقام للورى تحت ظلّه، # مهيب يطاطي من عيون الحدائق‏

و أكثر ما تلقى به العين أو ترى # إفاضة مخلوق إلى قرب خالق‏

ثمانين أعطيت المنى في مرورها، # و لم ترم عن مسراك فيها بعائق‏

و أكبر ظنّي أن أرى منك عارضا # يؤمّمها في مثل تلك البوارق‏

أبا أحمد هذا طلابي، و هذه # مناي التي أمّتك دون الخلائق‏

و إنّي لأرجو منك ما لا أذيعه، # مخافة واش، أو عدوّ مماذق‏

و لا بدّ من يوم حميد، كأنّه # من النّقع في أثناء برد شبارق‏ (6)

عظيم دويّ الصّوت في سمع سامع، # بعيد سماع الصّوت من نطق ناطق‏

____________

(1) الموارق: النوافذ أي الرماح.

(2) الوسائق: جماعة الإبل.

(3) السمالق، جمع سملق: القاع الصفصف.

(4) النمارق: الوسادات.

(5) النقانق، جمع نقنق: الظليم، النافر.

(6) برد شبارق: ثياب مقطعة.

57

أعدّ عناي فيه روحا و راحة، # و كم سعة للمرء غبّ المضائق‏

و هذا مقالي فيك غيث، و ربّما # رميت العدى من وقعه بالصّواعق‏

إذا أنت يوما سمتنيه، فإنّما # تكلّفني قطع الذّرى و الشّواهق‏

و حسبك منه ما رضيت استماعه، # و أكثر ما في النّاس لغو المناطق‏

أنت الهوى‏

(مجزوء الخفيف)

و كتب إلى بعض أصدقائه:

سيّدي أنت؛ ليس كـ # لّ صديق بصادق‏

كم لسان دنا إليـ # ك بقلب منافق‏

كيف تنمي الوفاء و الخـ # لّ غير الموافق‏

سرت بالشّوق و التفـ # تّ إلى غير وامق‏ (1)

مستريح من الجوى، # كاذب الودّ ماذق‏ (2)

أنت لا غيرك الهوى، # من جميع الخلائق‏

لا يراني العدوّ إ # لا بعين المسارق‏

أنا لولاك ما طفر # ت بقلب مصادق‏

أنا مولى العدى، و إن # كنت عبد الأصادق‏

منزلي لا يزال يد # نو إلى كلّ طارق‏

بظلام الغروب، أو # بضياء المشارق‏

و شفاه الغمام تجـ # لو ثغور البوارق‏

____________

(1) الوامق: المحب.

(2) الماذق: الذي لا يثبت في صداقته.

58

و أعقّ الغراب بيـ # ن بروق و فارق‏ (1)

بظبى تخلط الجزو # ر بضرب المفارق‏

أنا للجود مذ خلقـ # ت و وحّدت خالقي‏

خلقي ذاك و التّخـ # لّق ضدّ الخلائق‏

أحرز المال للعطا # ء، بجرّ الفيالق‏

و أرى جمعي الثّرا # ء اتّهاما لرازقي‏

ما أعزّ الرّجال لو # قنعوا بالحقائق‏

لي من الدّهر ما يشـ # يّعني في البوائق‏

فرس يلحق الأيا # طل من نسل لاحق‏ (2)

و نحيل الكعوب في # رأسه مثل بارق‏ (3)

و صقيل الذّباب يقـ # بض لحظ المرامق‏

أتحدّى به الرّدى، # في ظهور السوابق‏

يوم قود الجياد خـ # طّارة في السّمالق‏ (4)

تتنزّى رءوسها # من جنوب العلائق‏

أرتقي غاية الكهو # ل بسنّ المراهق‏

____________

(1) البروق: الجبان-الفارق: المنفرد-أعق: أشق.

(2) الأياطل: الخواصر-لاحق: اسم فحل من الجياد.

(3) نحيل الكعوب: الرمح.

(4) السمالق: القاع الصفصف.

غ

59

رثاء ابن جني‏

(الطويل)

توفي أبو الفتح عثمان بن جني النحوي ببغداد مساء الجمعة لليلتين بقيتا من شهر صفر سنة 392، و كانت تربطه بالشريف الرضي مودّة متينة. فصلّى عليه قبل دفنه، ثم رثاه بهذه القصيدة.

ألا يا لقومي للخطوب الطّوارق، # و للعظم يرمى كلّ يوم بعارق‏ (1)

و للدّهر يعري جانبي من أقاربي، # و يقطع ما بيني و بين الأصادق‏

و يوري بقلبي نار وجد شواظها # تريني اللّيالي ضوأه في مفارقي‏ (2)

و للنّائبات استهدفتني نصالها، # على شرف يرميننا بالفلائق‏ (3)

و للنّفس قد طارت شعاعا من الجوى # لفقد الصّفايا و انقطاع العلائق‏ (4)

لها كلّ يوم موقف مع مودّع، # و ملتفت في عقب ماض مفارق‏

نجوم من الإخوان يرمي بها الرّدى، # مقاربها فوت العيون الرّوامق‏

كأنّي، إذا تبّعت آثار غارب # بعيني، لم أنظر إلى ضوء شارق‏

و لا دار إلاّ سوف يجلى قطينها، # على نعق غربان الخطوب النّواعق‏

و يخرج منها بالكرائم حادث، # و يدخلها صرف الرّدى بالبوائق‏ (5)

كأنّا قذى يرمي به السّيل كلّما # تطاوح ما بين الرّبى و الأبارق‏ (6)

____________

(1) العارق: هو الذي يعرق العظم، يأكل لحمه.

(2) يوري: يشعل.

(3) الفلائق: الأمور المنكرة.

(4) شعاعا: حزنا-الجوى: الشوق الشديد.

(5) البوائق: الشرور.

(6) الأبارق: الأرض الغليظة.

60

أعضّ بناني إصبعا ثمّ إصبعا، # على ثامر من فرع مجد و وارق‏ (1)

و عقد من الأخدان أوهى نظامه # كرور الرّزايا و اعتقاب الطّوارق‏ (2)

أردّ الشّجا قبل الزّفير تجلّدا، # و أغلب دمعي قبل بلّ الحمالق‏

كأنّي بعد الذّاهبين رذيّة # تزجّى وراء الماضيات السّوابق‏ (3)

و لا ريب أنّي مبرك في مناخهم، # و أنّي بالماضين أوّل لاحق‏

فأين الملوك الأقدمون تساندوا # إلى جذم أحساب كرام المعارق‏ (4)

بهاليل منّاعون للضّيم أحسنوا # بلاءهم عند النّصول الذّوالق‏ (5)

عواصب بالتّيجان فوق جماجم، # و ضاء المجالي واضحات المفارق‏

إذا رثموا المسك العرانين خلتهم # أسود الثّرى سافت دما بالمناشق‏ (6)

فحول أطلن الهدر و الخطر بالقنا، # ضوارب للأذقان ميل الشّقائق‏ (7)

هم انتعلوا العلياء قبل نعالهم، # و داسوا طلى الأعداء قبل النّمارق‏

ترى كلّ حرّ الملطمين كأنّه # عتيق المهارى من جياد عتائق‏

إذا قام ساوى الرّمح حتّى يمسّه # بغارب ممطوط النّجاد و عاتق‏

ورائي الدّجى يعشو إلى ضوء وجهه # كأنّ على عرنينه ضوء بارق‏

و أين الملاجي العاصمات من الرّدى # إذا طرقت إحدى اللّيالي بطارق‏

مصاعب لم تعط الرّءوس لقائد، # و لا استوسقت قبل المنايا لسائق‏

فشنّ عليه الأزلم العود غارة، # بلا قرع أرماح و لا نقع مازق‏ (8)

____________

(1) ثامر: صاحب الثمار.

(2) الأخدان: الأصحاب، الأصدقاء-أوهى: انقطع.

(3) الرذية: التي أثقلها المرض.

(4) الجذم: الأصل.

(5) بهاليل: أسياد-الذوالق: اللماعة، القاطعة.

(6) رثموا: لطخوا-العرانين: الأنوف-سافت: شمت.

(7) الخطر: التخايل-الشقائق: صفة للجياد التي تتمايل في عدوها.

(8) الأزلم: الدهر الشديد المصائب-المازق: الطاعن و أراد الرمح.

61

و شلّ بها شلّ الطّرائد بالقنا، # و كعكعها من جلّة و درادق‏ (1)

لتبك أبا الفتح العيون بدمعها # و ألسننا من بعدها بالمناطق‏

إذا هبّ من تلك الغليل بدامع # تسرّع من هذا الغرام بناطق‏

شقيقي إذا التاث الشّقيق و أعرضت # خلائق قومي جانبا عن خلائقي‏

كأنّ جناني يوم وافى نعيّه، # فريّ أديم بين أيدي الخوالق‏ (2)

فمن لأوابي القول يبلو عراكها # و يحذفها حذف النّبال الموارق‏ (3)

إذا صاح في أعقابها أطردت له # ثواني بالأعناق طرد الوسائق‏ (4)

و سوّمها ملس المتون كأنّها # بأبقى بقاء من وسوم الأيانق‏

ففي النّاس منها ذائق غير آكل، # و قد كان منها آكلا غير ذائق‏

و من للمعاني في الأكمّة ألقيت # إلى باقر غيب المعاني و فاتق‏

يطوّح في أثنائها بضميره، # مرير القوى ولاّج تلك المضايق‏

تسنّم أعلى طودها غير عاثر، # و جاوز أقصى دحضها غير زالق‏ (5)

طوى منه بطن الأرض ما تستعيده # على الدّهر منشورا بطون المهارق‏ (6)

مضى طيّب الأردان يأرج ذكره، # أريج الصّبا تندى لعرنين ناشق‏

كأنّ جميع النّاس أثنوا عشيّة # على بعض أمطار الرّبيع المغادق‏

أمدّوه من طيب لغير كرامة، # و ضمّوه في ثوب جديد البنائق‏ (7)

و ما احتاج بردا غير برد عفافه، # و لا عرف طيب غير تلك الخلائق‏

____________

(1) كعكعها: حبسها-الجلة: المسنّون-الدرادق: الأطفال.

(2) فري الأديم: قطع الجلود-الخوالق: صناع الجلود.

(3) أوابي القول: القول الذي يغضب، من أوب أوبا: غضب-النبال الموارق:

السهام النافذة.

(4) الوسائق: جماعة الإبل المساقة.

(5) الدحض: الزلق، يقال مكان دحض أي يسبب الانزلاق.

(6) المهارق: الصحائف.

(7) البنائق، جمع بنيقة: البنيقة هي رقعة تزاد على القميص لتوسيعه.

62

مرافق شعب كالهشائم وسّدوا # بمنقطع البيداء غير المرافق‏

قد اعتنقوا الأجداث لا من صبابة، # و يا ربّ زهد في الضّجيع المعانق‏

و ما الميت إن واراه ستر من الثّرى # بأقرب ممّا دون رمل الشّقائق‏

و فارقني عن خلّة غير طرقة، # تضمّنها صدر امرئ غير ماذق‏ (1)

تروّق ماء الودّ بيني و بينه، # و طاح القذى عن سلسل الطعم رائق‏

سقاك، و هل يسقيك إلاّ تعلّة، # لغير الرّدى قطر الغمام الدّوافق‏

من المزن حمحام، إذا التجّ لجّة # أضاءت تواليه زناد البوارق‏

سلافة غيث شلشلتها هميّة، # نتيجة أنواء السّحاب الرّقارق‏ (2)

و مستنبت روضا عليك منوّرا، # على صابح من ماء مزن و غابق‏

و ما فرحي إن جاورتك حديقة، # و قبرك مملوء بغرّ الحدائق‏

أخ لك أمسى واجدا بك وجده، # طوال اللّيالي بالشّباب الغرانق‏ (3)

سخا لك من ريح الزّفير بحاصب # مقيم، و من ماء الشّئون بوادق‏ (4)

فما العهد منّي إن لهوت بثابت، # و لا الودّ منّي إن سلوت بصادق‏

____________

(1) الماذق: الذي لا تدوم صداقته.

(2) شلشلتها: وزّعتها، فرقتها-هميّة: سحابة.

(3) الغرانق: الكامل، التام.

(4) الحاصب: الذي يضرب بالحصى-الشئون، جمع شأن: العرق الذي تجري منه الدموع-الوادق: السائل، النازل.

غ

63

معارض الركب‏

(السريع)

وضع الشريف هذه القصيدة في رثاء ابن ليلى البدوي، في محرم من سنة 393. و قد تقدمت له فيه مراث أخرى.

تعيّف الطّير، فأنبأنه # أنّ ابن ليلى علقته علوق‏ (1)

و إنّ سجلا من دم آمن # أفرغه الطّعن بوادي العقيق‏ (2)

يا ناعي الفارس قد أصبحت # ضباع ذي العرعر منه نغوق‏ (3)

تعلم من تنعى إلى قومه؟ # طار ذراعاك بعضب ذلوق‏ (4)

بعدا لأرماح تميم لقد # هددن عاديّ بناء عتيق‏

قرعن في أصل كريم الثّرى، # و جلن في فرع عزيز العروق‏

حدوا له من حيث لا يتّقي، # عيرا من الطّعن ملاء الوسوق‏ (5)

كأنّ ذا المطلع أمسى الرّدى # رصيده، و ازورّ عنه الفريق‏

قالت له النّفس على عارها: # ما لك لا تنقض هذا الطّريق‏

ما كان بالرّاجع عن نهجه، # لو وقف السّيف له في المضيق‏

لا يدع الذابل من طعمه # على صبوح بدم، أو غبوق‏

كأنّ أعلاه لسان، فما # يغبّه، الدّهر، بلال بريق‏

كم بات ربّاء لسيّارة # طارقة غير أوان الطّروق‏ (6)

____________

(1) تعيف: زجر، و العيافة زجر الطير-العلوق: الداهية، المنية.

(2) السجل: الدلو العظيمة-وادي العقيق: اسم موضع.

(3) نغوق: صائحة.

(4) عضب ذلوق: سيف سريع القطع.

(5) الوسوق: الأحمال.

(6) رباء: مغذيا و منفسا للكرب.

64

في قنّة عيطاء ممطولة # كأنّها قلّة رأس حليق‏ (1)

يزايل اللّيل على رحله، # و يؤثر القوم بطعم الخفوق‏ (2)

و يغتدي بعد عراك السّرى # يعارض الرّكب بوجه طليق‏

أوفى، كما جلّى على رهوة، # أزرق والى نظرات بنيق‏ (3)

يسلّ عينيه على مرية، # عن زجل الطّير قبيل الشّروق‏ (4)

يعترق اللّحم على بارق، # و ينتقي العظم برمل الشّقيق‏

أو حيّة الرّعن ذوى رأسه، # مشترق الشّمس بطود زليق‏ (5)

يعقد أولاه بأخراته، # لفاف بنت الرّقم الخنفقيق‏ (6)

كعمّة الألوث مالت به # بين النّدامى نزوات الرّحيق‏ (7)

جامع لين و صيال معا، # إطراق ذي حلم وصول الحنيق‏ (8)

يدير في فيه ذليق الشّبا، # مثل لماظ الرّجل المستذيق‏ (9)

تخال ما تطرح أشداقه # ما لطّخ المحض بقعب الغبوق‏ (10)

مستجمع فرّق عن وثبة، # نشطك حبل العربيّ الرّبيق‏ (11)

نعم كعام الثّغر يشجو به # فم المنايا، و نصاح الفتوق‏ (12)

____________

(1) القنة: قمة الجبل-العيطاء: الطويلة العنق.

(2) الخفوق: النوم.

(3) الرهوة: المكان المرتفع-الأزرق: البازي-النيق: أرفع موضع في الجبل.

(4) المرية: الشك.

(5) الرعن: أنف يتقدم الجبل، و هو أيضا الجبل الطويل.

(6) الرقم: الداهية-الخنفقيق: السريعة.

(7) الألوث: المسترخي.

(8) صيال: سطو.

(9) ذليق الشبا: قاطع الحد، و المراد به اللسان.

(10) المحض: اللبن-القعب: القدح الكبير.

(11) الربيق: الحبل كثرت عقده.

(12) الكعام: الرباط-النصاح: الخيط و السلك.

غ

65

تضمّه في الرّوع من درعه # أمّ لها منه أذى أو عقوق‏

زال و أبقى، عند أعقابه، # خديم مال عرفته الحقوق‏ (1)

مضى و وصّاهم بأن يقبلوا # دعوى العدا فيهم و حكم الصّديق‏

كان هوى للنّفس، لو أنّني # في حلق القدّ، و أنت الطّليق‏ (2)

ما كنت بالهائب طرق الرّدى، # ما سلم العضب، و أنت الرّفيق‏

ما أنا باللاّقي بذات النّقا # خيل وغى مشعلة بالعنيق‏ (3)

ماطلها الماء، فلمّا سلت # عن الرّوى ماطلها بالعليق‏

و لابن ليلى عارضا رمحه # يحدو بخفّان جمالا و نوق‏ (4)

يأبى، إذا الضّيم غدا مضغة # سلسالة سائغة في الحلوق‏

يروح من يرجو له غرّة، # قد خضخض السّجل بجال عميق‏ (5)

يحدّث النّفس بما فاته، # تطاول الغمر لمجنى السّحوق‏ (6)

استبدل الحيّ بعقبانه # أغربة بعدك حمق النّغيق‏

خاطرت الشّول بأذنابها، # لمّا انطوى قرقار ذاك الفنيق‏ (7)

قد نطق الصّامت من بعده، # و أصرد النّابل بعد المروق‏ (8)

مخيلة لا مطر خلفها، # تلمع منها شولان البروق‏

ما الحيّ بالضّاحك عن مثله، # و لا وجوه الحيّ مذ غاب روق‏

و لا أغبّ الأرض تمسي بها # ظلّ صفيق و نسيم رقيق‏

____________

(1) الخديم: الكريم.

(2) القد: سير جلدي يشد به الأسير.

(3) العنيق: العنق.

(4) الخفّان: اسم مأسدة قرب الكوفة.

(5) السجل: الدلو-جال: بئر.

(6) الغمر: الماء الكثير-السحوق: الزائف.

(7) الشول: النياق-قرقار: هدير البعير-الفنيق: الفحل من النياق.

(8) أصرد، من صرد السهم: أخطأ-المروق، من مرق السهم: أصاب و نفذ.

66

لا أغفلت قبرك حنّانة، # خرقاء بالقطر صناع البروق‏

ما أبدع المقدار فيما جنى، # لكنّه حمّل غير المطيق‏

الدهر يبلي‏

(الطويل)

في هذه القصيدة رثاء صديق له و وصف للحيّة.

ألوّي حيازيمي عليك تحرّقا، # و أشكو قصور الدّمع فيك و ما رقا (1)

فيا شمل لبّي لا تزال مبدّدا، # و يا جفن عيني لا تزال مؤرّقا

فقد كنت أستسقي الدّموع لمثلها، # و ما جمّ دمع العين إلاّ ليهرقا

أ عاينت هذا الدّهر إن سرّ مرّة # أساء، و إن صفّى لنا الودّ رنّقا (2)

كأنّي أنادي منه صمّاء صلدة، # و صلّ فلاة لا يلين على الرّقى‏ (3)

إذا غفل الحادون ثار مساورا؛ # و إن روجع النّجوى أرمّ و أطرقا (4)

طلوع الثّنايا ينفذ اللّيل لحظه، # إذا ما رنا، جوّاب أرض، و حملقا

له المنظر العاري، و كلّ هنيهة # تغاور بالأنقاء بردا مشرّقا

كأنّ زماما ضاع من أرحبيّة # تلوّى بأقواز النّقا، و تعلّقا (5)

تلمّظ شيئا كالجباب، و غامرت # به وثبة أمضى من اللّيث مصدقا (6)

____________

(1) الحيزوم: ما اكتنف الحلقوم.

(2) رنّق: كدّر.

(3) الرّقى، من رقى: استعمل الرقية نفعا له أو إضرارا به.

(4) أرمّ: بلي.

(5) الأرحبية: الناقة-الأقواز: الكثبان المشرفة.

(6) الجباب: زبد لبن الإبل.

67

رشاء الرّدى لو عضّ بالطّود هاضه، # و لو شمّ ما لاقى على الأرض أحرقا (1)

دويهية يحمي الطّريق مجرّه، # إذا نفخ الرّكبان نام و أرّقا (2)

و ما العيش إلاّ غمّة و ارتياحة، # و مفترق بعد الدّنوّ و ملتقى‏

هو الدّهر يبلي جدّة بعد جدّة، # فيا لابسا أبلى طويلا و أخلقا

فكم من عليّ فيك حلّق و انهوى، # و كم من غنيّ نال منك و أملقا (3)

و من قبل ما أردى جذاما و حميرا، # و أطرق زور الموت عوجا و عملقا

و أبقى على دار السّموأل بركه، # و قاد إلى ورد المنون محرّقا (4)

ففارق هذا الأبلق الفرد بغتة، # و ودّع ذا بعد النّعيم الخورنقا

فما البأس و الإقدام نجّى عتيبة، # و لا الجود و الإعطاء أبقى المحلّقا

أراه سنانا للقريب مسدّدا، # و سهما إلى النّأي البعيد مفوّقا

إذا ما عدا لم تبصر البيض قطّعا، # و لا الزّغف منّاعا و لا الجرد سبّقا (5)

و لا في مهاوي الأرض إن رمت مهبطا، # و لا في مراقي الجوّ إن رمت مرتقى‏

و لا الحوت إن شقّ البحار بفائت، # و لا الطّير إن مدّ الجناح و حلّقا

و للعمر نهج إن تسنّمه الفتى # إلى الغاية القصوى أزلّ و أزلقا

ألا قاتل اللّه الذي جاء غازيا، # فقارعنا عن مخّة السّاق و انتقى‏ (6)

و كم من عليل قد شرقت بيومه # جوى، بعد ما قالوا أبلّ و أفرقا

و آخر طلّقت السّرور لفقده، # و قد راح للدّنيا النّشوز مطلّقا

بنفسي من أفقدت دارا أنيقة # من العيش و استودعت بيداء سملقا (7)

____________

(1) هاضه: أهلكه، أضعفه، أذلّه.

(2) دويهية، تصغير داهية، مصيبة.

(3) أملق: افتقر.

(4) ترد في الأبيات اسماء لشخصيات ماتت و أماكن زالت، منها محرّق بن عمرو بن هند.

(5) الزغف: الدرع اللينة و الواسعة.

(6) المخة: العظام.

(7) السملق: الخالي من الحياة.

68

و أبدلته من ظلّ فينان ناضر # ظلال صفيح كالغمام مطبّقا

و خفّفت عن أيدي الأقارب ثقله، # و حمّلته ثقل الجنادل و النّقا

جلست عليه طامعا ثمّ جاءني # من اليأس أمر أن أخبّ و أعنقا (1)

و ما من هوان خطّأ التّرب فوقه، # و خطّ له بيتا من الأمر ضيّقا

و قد كان فوق الأرض يسحق نأيه، # فصار وراء الأرض أنأى و أسحقا

خليليّ زمّا لي من العيس جسرة، # مضبّرة الأضلاع أدماء سهوقا (2)

تمرّ كما مرّت أوائل بارق # يشقّ الدّجى و العارض المتألّقا

كأنّ يد القسطار بين فروجها، # يقلّب في الكفّ اللّجين المطرّقا (3)

و حطّا لجامي في قذال طمرّة، # كأنّ بها من ميعة الشّدّ أولقا (4)

تعير الفتى ظهرا قصيرا، كأنّه # قرا النّقنق الطّاوي و عنقا عشنّقا (5)

لعلّي أفوت الموت إن جدّ جدّه، # و أعظم ظنّي أن ينال و يلحقا

و هل يأمن الإنسان من فجآته، # و إن حثّ بالبيداء خيلا و أينقا (6)

لقد سلّ هذا الرّزء من عيني الكرى، # و غصّص بالماء الزّلال و أشرقا

و ممّا يعزّي المرء ما شاء أنّه # يرى نفسه في الميّتين معرّقا

و لو غير هذا الموت نالك ظفره # و ولاّك غربا للمنايا مذلّقا

لكان وراء الثّأر منّا، و دونه # عصائب تختار المنون على البقا

إذا ضربوا ردّوا الحديد مثلّما؛ # و إن طعنوا ردّوا الوشيج مدقّقا (7)

____________

(1) أخب و أعنق: طال و مد عنقه.

(2) الجسرة: العظيمة من الإبل-مضبّرة: مجتمعة-السهوق: الطويلة الساقين.

(3) القسطار: منتقد الدراهم.

(4) الطمرة: الفرس السريعة-الأولق: الجنون.

(5) القرا: الظهر-النقنق: الظليم، ذكر النعام-الطاوي: الجائع-العشنّق:

الطويل.

(6) الأينق: النياق.

(7) الوشيج: الرماح.

69

بكلّ قصير يفلق الهام أبيض، # و كلّ طويل يهتك السّرد أورقا

إذا اهتزّ من خلف السّنان حسبته # بأعلى النّجاد الأرقم المتشدّقا

و لكنّه القرن الّذي لا نردّه، # و هل لامرئ ردّ إذا اللّيث حقّقا

يقود الفتى ما زمّ بالضّيم أنفه، # و قد قاد أبطالا، و قد جرّ فيلقا

مشقّق أعراف الخطابة صامت، # و لاقي صدور الخيل يوم الوغى لقا

و لم تغن عنه الخطّ قوّم درؤها، # و لا البيض أجرى القين فيهنّ رونقا (1)

سقاه، و إن لم ترو للقلب غلّة، # و ما كان ظنّي أن أقول له سقا

و لا زالت الأنواء تحبوه مرعدا # من المزن ملآن الحيازيم مبرقا

إذا قيل ولّى عاد يحدو عشاره؛ # و إن قيل أرقا دمعة القطر أغدقا

و أعلم أن لا ينفع الغيث هالكا، # و لا يشعر المندوب بالهام إن زقا (2)

و لو كان بالسّقيا يعود أنا له، # كما لو سقي عاري القضيب لأورقا

و لكن أداري خاطرا متلهّفا، # و قلبا بما خلف التّراب معلّقا

جيران القلب‏

(البسيط)

رثى في هذه المقطوعة أبا الحسن محمد بن المفضل الملهبي المتوفّى في ذي القعدة سنة 399، و كانت بينهما مودة.

لا يبعد اللّه فتيانا رزئتهم، # رزء الغصون، و فيها الماء و الورق‏ (3)

إن يرحلوا اليوم عن داري فإنّهم # جيران قلبي أقاموا بعد ما انطلقوا

____________

(1) الخط: مكان تنسب اليه الرماح-الدرء: الاعوجاج-القين: الحدّاد.

(2) الهام: طائر وهمي كان الجاهليون يعتقدون أنه يخرج من رأس الميت و يحوم حول قبره، أو هو روح الميت تتحول إلى طائر-زقا: صاح.

(3) رزئتهم: فقدتهم-رزء الغصون: إشارة إلى أنهم كانوا في عمر الشباب.

70

بانوا، فكلّ نعيم بعدهم كمد # باق، و كلّ مساغ بعدهم شرق‏ (1)

أراك تجزع للقوم الذين مضوا، # فهل أمنت على القوم الذين بقوا

لا يلبث المرء يبلي شرخ جدّته، # من الزّمان جديد ما له خلق‏

هدى الغرام دموعي في مسالكه # عليهم، و أضلّت صبري الطّرق‏

و كيف ينعم بالتّغميض بعدهم # عين أعان عليها الدّمع و الأرق‏

إنّي لأعجب بعد اليوم من كبد # تدمى لهم كيف تندى و هي تحترق‏

الزمن الأنيق‏

(الكامل)

اجتاز الشاعر بقبر أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب فتذكر ما كان بينهما من المودة، و نظم هذه القصيدة، و ذلك في جمادى الأولى سنة 393.

لو لا يذمّ الرّكب عندك موقفي، # حيّيت قبرك، يا أبا إسحاق‏

كيف اشتياقك مذ نأيت إلى أخ # قلق الضّمير إليك بالأشواق‏

هل تذكر الزّمن الأنيق، و عيشنا # يحلو على متأمّل و مذاق‏

و ليالي الصّبوات، و هي قصائر، # خطف الوميض بعارض مبراق‏

لا بدّ للقرباء أن يتزايلوا # يوما، بعذر قلى و عذر فراق‏

أمضي و تعطفني إليك نوازع، # بتنفّس كتنفّس العشّاق‏

و أذود عن عيني الدّموع و لو خلت # لجرت عليك بوابل غيداق‏

و لو انّ في طرفي قذاة من ثرى، # و أراك ما قذّيتها من مآقي‏ (2)

____________

(1) المساغ: الذي يسهل مشربه-الشرق: الغصّة.

(2) قذيتها: أخرجت منها القذى.

71

إن تمض فالمجد المرجّب خالد، # أو تفن، فالكلم العظام بواقي‏ (1)

مشحوذة تدمى بغير مضارب، # كالسّيف أطلق في طلى الأعناق‏

يقبلن كالجيش المغير يؤمّه # كمش الإزار مقلّص عن ساق‏ (2)

قرطات آذان الملوك خليقة # بمواضع التّيجان و الأطواق‏

عقدوا بها المجد الشّرود و أثّلوا # درجا إلى شرف العلى و مراقي‏ (3)

أوترتها أيّام باعك صلّب، # و كددتها بالنّزع و الإغراق‏

حتّى إذا مرحت قواك شددتها # باسم على عقب اللّيالي باقي‏

كنجائب قعدت بها أرماقها # محسورة، فمشين بالأعراق‏ (4)

فؤاد مأسور

(الطويل)

قال قدس اللّه روحه و هي من لواحق الحجازيات:

أ من ذكر دار بالمصلّى إلى منّى، # تعاد كما عيد السّليم المؤرّق‏ (5)

حنينا إليها و التواء من الجوى، # كأنّك في الحيّ الولود المطرّق‏ (6)

____________

(1) المرجب: المهيب، المعظم.

(2) كميش الازار: مشمره، يضرب في الجدّ و التشمير.

(3) أثلوا: زكّوا، ركّزوا-المراقي: السلالم.

(4) الأرماق، جمع رمق: القليل من العيش، بقية الحياة-الأعراق، جمع عراق: العظم الذي أكل لحمه.

(5) منى: اسم موضع، من مناسك الحج-السليم: الملدوغ-المؤرّق:

الذي لا يترك للنوم. و هذا يذكرنا باعتقاد القدماء و هو أن الملدوغ كان يجبر على السهر لئلا يموت إذا غفا.

(6) المطرّق، من طرقت الحامل بولدها: نشب في بطنها و لم يسهل خروجه.

72

أ اللّه، إنّي إن مررت بأرضها # فؤادي مأسور و دمعي مطلق‏

أكرّ إليها الطّرف ثمّ أردّه، # بإنسان عين في صرى الدّمع يغرق‏ (1)

هواي يمان كيف، لا كيف نلتقي، # و ركبي منقاد القرينة معرق‏ (2)

فواها من الرّبع الذي غيّر البلى؛ # و آها على القوم الّذين تفرّقوا

أصون تراب الأرض كانوا حلولها، # و أحذر من مرّي عليها و أشفق‏

و لم يبق عندي للهوى غير أنّني # إذا الرّكب مرّوا بي على الدّار أشهق‏

شوق‏

(مجزوء الكامل)

قال رضي اللّه عنه:

يا ليلة كرم الزّمان بها # لو انّ اللّيل باق‏ (3)

كان اتّفاق بيننا، # جار على غير اتّفاق‏

و استروح المهجور من # زفرات همّ و اشتياق‏ (4)

فاقتصّ للحقب الموا # ضي بل تزوّد للبواقي‏

حتّى، إذا نسمت ريا # ح الصّبح تؤذن بالفراق‏

برد السّوار لها، فأحـ # ميت القلائد بالعناق‏

____________

(1) إنسان العين: سوادها-الصرى: الماء إذا طال مكثه.

(2) معرق: متجه نحو العراق.

(3) كرم: جاد.

(4) استروح: وجد الراحة.

غ

73

نفحات نجد

(الكامل)

قال رضي اللّه عنه و هو منجد و قد شم في ليلة من الليالي رائحة الشيح فاستطابها:

و لقد أقول لصاحب نبّهته # فوق الرّحالة، و المطيّ رواقي‏

أ و ما شممت بذي الأبارق نفحة # خلصت إلى كبد الفتى المشتاق‏

فجنى نسيم الشّيح من نجد له # حرق الحشى و تحلّب الآماق‏ (1)

آها على نفحات نجد!إنّها # رسل الهوى و أدلّة الأشواق‏

أسقيت بالكأس التي سقّيتها، # أم هل خطتك إليّ كفّ السّاقي‏

فأوى و قال: أرى بقلبك لسعة # للحبّ ليس لدائها من راق‏ (2)

فصف الغرام لمفرق من دائه، # إنّي لأقدم منك في العشّاق‏ (3)

أبثثته كمدي و طول تجلّدي، # و أليم ما بي من نوى و فراق‏

أشكو إليه بياض سود مفارقي، # و يظلّ يعجب من سواد الباقي‏

____________

(1) تحلّب الآماق: سيلان مجاري الدمع.

(2) راق: دواء.

(3) المفرق: الذي فارقه داؤه.

غ

74

ضاع قلبي‏

(الخفيف)

قال في الحنين و الاشتياق و هي من الحجازيات:

أيّها الرّائح المغذّ تحمّل # حاجة للمعذّب المشتاق‏ (1)

أقر عنّي السّلام أهل المصلّى؛ # و بلاغ السّلام بعد التّلاقي‏ (2)

و إذا ما مررت بالخيف فاشهد # أنّ قلبي إليه بالأشواق‏ (3)

و إذا ما سئلت عنّي فقل: نضـ # و هوى ما أظنّه اليوم باق‏ (4)

ضاع قلبي فانشده لي بين جمع # و منّى عند بعض تلك الحداق‏

و ابك عنّي فطالما كنت من قبـ # ل أعير الدّموع للعشّاق‏

داء العشاق‏

(الرجز)

قال قدس اللّه روحه:

يا حسن الخلق قبيح الأخلاق! # إنّي على ذاك إليك مشتاق‏

ربّ مصاف علق بمذّاق؛ # إنّ مودّات القلوب أرزاق‏ (5)

يا هل لدائي من هواك إفراق؛ # هيهات ما أعضل داء العشّاق‏ (6)

____________

(1) الرائح: الذاهب مساء-المغذ: المسرع.

(2) أقر: أوصل.

(3) الخيف: اسم موضع.

(4) نضو هوى: صنو هوى.

(5) المذّاق: الذي لا يثبت على المودّة.

(6) الافراق: البرء، الشفاء.

غ

75

حسبي بقاؤك‏

(الطويل)

قال و كتب بها إلى بعض أصدقائه:

إذا قلت إنّ القرب يشفي من الجوى، # أبى القلب أن يزداد إلاّ تشوّقا

و إن أنا أضمرت السّلوّ تراجعت # من الشّوق أخلاق يزلن التّخلّقا

و كم لي من ليل يجدّد لي الهوى # إذا أشأم البرق اليماني و أعرقا (1)

أصانع لحظي أن يطول ذبابه # إليك، و أنهى الدّمع أن يترقرقا

مخافة واش يثلم الحبّ قوله، # و هيهات طال الحبّ منّا و أورقا

غدونا على الأعداء نحمي مودّة، # و نمنع عن أطرافها أن تمزّقا

فما أنت إلاّ السّهم صافح ثغره، # و ما أنا إلاّ العضب صادم مفرقا (2)

إذا كنت لي خلا فحسبي من الورى # بقاؤك، لو لا أنت ما طال لي بقا

جمعنا فلا نحفل بما صنع الهوى، # و خفنا على الأيّام أن نتفرّقا

قريب غادر

(الطويل)

قال في بعض رسائله إلى أحد أصدقائه:

كفى حزنا أنّي صديق و صادق، # و ما لي من بين الأنام صديق‏

فكيف أريغ الأبعدين لخلّة، # و هذا قريب غادر، و شقيق‏

____________

(1) أشأم: اتجه نحو الشام-أعرق: اتجه نحو العراق.

(2) العضب: السيف القاطع.

غ

76

لحظ عينيك‏

(السريع)

و كان ما تطلبه غاية، # كنت المصلّي، و أنا السّابق‏ (1)

تظنّني أرغب عن موقف، # يحضر فيه الشّوق و الشّائق‏

فكّرت حتّى لم أجد فكرة # تقدح إلاّ و لها عائق‏

لو كنت في أثناء سرّي إذا # علمت أنّي قائل صادق‏

قلبي جنيب لك لا يرعوي، # و ودّك القائد و السّائق‏ (2)

و لحظ عينيك رمى مقلتي، # كأنّ نومي تحتها عاشق‏

فاصبر، فإنّ الصّبر أحرى إذا # ضاق عليك المسلك الضّائق‏

فالمنطق الطّاهر ما بيننا # مترجم و النّظر الفاسق‏

النيلوفر

(المتقارب)

و ليل تمزّق عنه النّسيـ # م و استلب الجوّ غربا و شرقا

و نيلوفر فتّحته الرّياح، # و عانقه الماء صفوا و رنقا (3)

تخيّل أطرافه في الغدير # ألسنة النّار حمرا و زرقا

____________

(1) المصلّي: الفرس الذي يتلو السابق.

(2) جنيب: منقاد.

(3) النيلوفر: نبات ينمو في المياه الراكدة له أصل كالجزر و ساق أملس يطول بحسب عمق الماء، فإذا ساوى سطح الماء أورق و أزهر.

غ

77

لا صديق يشفق‏

(الكامل)

وجّه هذه القصيدة الى أحد أصدقائه و قد بلغه أن كلاما جرى في داره مما ينكره.

ما رقّع الواشون فيّ و لفّقوا، # قل لي، فإمّا حاسد أو مشفق‏

في كلّ يوم ظهر داري مغرب # لكلامهم، و جبين دارك مشرق‏

و إلى متى عودي على أيديهم # ملقى ينيّب دائبا و يحرّق‏

كم يسبك الذّهب المصفّى مرّة، # قد لاح جوهره و بان الرّونق‏

يحلو لهم عرضي، فيسترطونه، # و يصلّ عرضهم الذليل فيبصق‏ (1)

نفضوا عيوبهم عليّ، و إنّما # وجدوا مصحّا في الأديم فمزّقوا

من لي بمن إن بان عيب خليله # غطّاه عن شانيه، أو من يصدق‏ (2)

و إذا الحليم رمى بسرّ صديقه # عمدا، فأولى بالوداد الأحمق‏

من كان يغتاب الرّجال و همّ أن # يبلو الأصادق فالصّديق المطرق‏ (3)

و إذا تألّقت الثّغور لسبّة، # لم يدر ثغرا أو سنا يتألّق‏

لا تملك الفحشاء جانب سمعه، # و يزلّ قول الهجر عنه و يزلق‏ (4)

جار الزّمان فلا جواد يرتجى # للنّائبات، و لا صديق يشفق‏

و طغى عليّ فكلّ رحب ضيّق، # إن قلت فيه، و كلّ حبل يخنق‏

أ مرشّحي للعزم غير مرشّح، # و اليوم من ليل العجاجة أبلق‏

دعني، فإنّ الدّهر يقصف همّتي، # و يجذّ من أملي الذي أتعلّق‏

____________

(1) استرطه: ابتلعه-يصلّ: ينتن.

(2) شانيه: مبغضه.

(3) يغتاب: يتكلم سوءا عن شخص في غيابه.

(4) الهجر: الكلام السيئ.

78

الموت يركض في نواحي دهرنا، # و كأنّ صرف النّائبات مطرّق‏ (1)

بريق الوعد

(المنسرح)

برقت بالوعد في دجى أملي، # و الغيث لا يقتضى إذا برقا (2)

حاشاك أن أقتضيك منقبة، # تسلك منها إلى العلى طرقا

فانهض لها إنّها الغلام تجد # حبلا ضنينا بكفّ من علقا

و كم صريخ نهضت تنصره، # و الطّعن يسترعف القنا علقا (3)

دع العدا عن جوانبي بيد # يروع فيها النّضار و الورقا

نعدّك للجلى‏

(البسيط)

أهزّ عاسية العيدان آبية، # على الخوابط لا لينا و لا ورقا (4)

و ما مدحتهم أنّي رجوتهم، # لكنّه عوذ من شرّهم و رقى‏ (5)

قالوا: نعدّك للجلى، فقلت لهم: # حسبي من الرّيّ ما لا يبلغ الشّرقا (6)

____________

(1) المطرّق، من طرقه: جعل له طريقا.

(2) يقتضى: يستوجب، يطلب.

(3) يسترعف: يستقطر-العلق: الدم.

(4) عاسية: غليظة و يابسة، و العاسي هو النخل.

(5) العوذة و الرقية واحد: ما يكتب و يعلق على الانسان ليقيه من الجنون و العين.

(6) الجلّى: الأمر الكبير و العظيم-الشرق: الغص.

79

ناموا خليّين عمّا بي، فلم تركوا # وهنا عليّ مطال الهمّ و الأرقا (1)

كفى بقوم هجاء أنّ مادحهم # يهدي الثّناء إلى أعراضهم فرقا (2)

من لم يبال بأعقاب الحديث غدا، # فما يبالي أمان القول أم صدقا (3)

يا عريق الهوى‏

(الخفيف)

قمر غاض ضوأه في المحاق، # يوم جدّ انطلاقه و انطلاقي‏ (4)

جامد اللّحظ حيرة البين إلاّ # أنّ منه ذوب الدّم المهراق‏

صار درّ الدّموع يخلف ثغري # في حواشي تلك الخدود الرّقاق‏

عزّ صبري يوم اللّقاء، و لكن # فضحته الأشجان يوم الفراق‏

يا عريق الهوى ستقضي إذا ما # طلع البين من ثنايا العراق‏

يوم لا غير زفرة من فؤاد # ذي قروح و رشّة من مآق‏

نسرق الدّمع في الجيوب حياء، # و بنا ما بنا من الإشفاق‏

كاد طلّ الدّموع يلتذّ لو لا # هزّ سير الرّسيم و الإعناق‏ (5)

و الثّرى منتش يعاقره السّيـ # ر دما جاريا بأيدي النّياق‏

لا أذمّ الإسراء في طلب العـ # زّ و لكن في فرقة العشّاق‏ (6)

بيننا، يا بني المغيرة، يوم # غائر الشّمس مدنف الإشراق‏

____________

(1) وهنا: ليلا.

(2) الفرق: الخوف.

(3) مان: كذب.

(4) المحاق: آخر الشهر القمري.

(5) الرسيم و الأعناق: ضربان من السير.

(6) الاسراء: السير ليلا.

80

شهقة الضّرب في الطّلى و الهوادي؛ # رنّة الطّعن في الكلى و الصّفاق‏ (1)

و اتّشاح النّسور بعد ادّراع الـ # نّقع من حلّة النّجيع المراق‏

و عجاج مجرّر الذّيل تخطو # ه حيارى نواظر الأحداق‏

حمّرت نجدة، و ليس بذمر # في الوغى كلّ أرمد الحملاق‏ (2)

و بنو عمّنا بنو جمرة الحر # ب و ماء المكارم الرّقراق‏

و نجوم تنوب عنها العوالي، # من سماء العجاج في الآفاق‏

و سوامي اللّحاظ في الرّوع تلقا # هم عناة في السّلم للإطراق‏

حرم حشوه القنا و فناء # ذو طراز من الجياد العتاق‏

أ معيني على بلوغ الأماني، # و شفائي من علّتي و اشتياقي‏

و خليلي لمّا جفاني خليل، # صدّ حتّى أغصصته بفراقي‏

ماء ودّي مصفّق لم أمازجـ # ه برنق من الرّيا و النّفاق‏ (3)

حين وافقت نيّتي في التّصافي، # ذقت منّي الوفاء عذب المذاق‏

لا أطيع العذول فيك، و لو أ # نّي سليم الفؤاد، و العذل راق‏

أينعت بيننا المودّة حتّى # جلّلتنا و الدّهر بالأوراق‏

كم مقام خضنا حشاه إلى اللّهـ # و جميعا و اللّيل ملقي الرّواق‏

و مزجنا خمر الرّضابين في الرّشـ # ف برغم المدام تحت العناق‏

و ذعرنا الظّلام، حتّى لقينا # خارجا من ثيابه الأخلاق‏

قم نبادر مرمى الزّمان ببين، # فسهام الخطوب في الأفواق‏

و اغتنمها قبل الفراق فما تعـ # لم يوما متى يكون التّلاقي‏

ما افترقنا من الضّمير فينضو الـ # ذكر ما بيننا ظبى الاشتياق‏

نحن غصنان ضمّنا عاطف الوجـ # د جميعا في الحبّ ضمّ النّطاق‏

لو رآنا العدوّ أضمرنا ما # بين أحشائه و بين التّراقي‏ (4)

____________

(1) الطلى: الأعناق، و كذلك الهوادي-الصّفاق: الجلد الذي يمسك البطن.

(2) الذمر: الرجل الشجاع.

(3) صفّق الشراب: حوّله من إناء إلى آخر لتصفيته-الرنق: الكدر و العكر.

(4) التراقي: عظام الصدر.

81

كلّما كرّت اللّيالي علينا، # شقّ فيها الوفاء جيب الشّقاق‏

في جبين الزّمان منك و منّي # غرّة كوكبيّة الائتلاق‏

لا تزال الأيّام تصدر منّا # عن إخاء، لم نقذه بفراق‏

فراق‏

(مجزوء الكامل)

أ أخيّ ما اتّسع الزّما # ن على جماعتنا و ضاقا

إلاّ ليعقبنا اجتما # عا بالنّوائب و افتراقا

سابق، فليس تنال أغـ # راض المنى إلاّ سباقا

من قبل أن ترد الخطو # ب على مودّتنا طراقا

فأزيد بعدا من لقا # ئك كلّما ازددت اشتياقا

و أراك تمنحني الصّدو # د و بعد لم أنو انطلاقا

إن كان ذا خوف الفرا # ق، فقد تعجّلت الفراقا

لقاء و فراق‏

(المتقارب)

لقاؤك جرّ عليّ الفراقا، # و ما زادني القرب إلاّ اشتياقا

جلوت عليّ هديّ الوداد، # فأسلفتها بالقبول الصّداقا (1)

و أسرفت بالبشر حتّى ظننـ # ت أنّك أضجعت فيه النّفاقا

و حاشاك من تهمة في المغيب، # فكيف حضور يضمّ الرّفاقا

____________

(1) الهديّ: العروس تهدى إلى زوجها.

82

و كان الزّعيم بهذا الإخا # ء يوما حسوناه كأسا دهاقا (1)

نحرنا الدّنان على صدره، # فللّه أيّ دماء أراقا

شرقنا بلذّاته، و السّرو # ر يلوّي إزارا و يرخي نطاقا

و جيب على الصّبح ثوب الظّلا # م، و البدر يخلع عنه المحاقا (2)

و كنت أخيّله في السّما # ء رمحة طرف أصاب البراقا (3)

يشقّق و اللّيل رطب الذّيو # ل غلائل تندى نسيما رقاقا

سقى اللّه دهرا حبانا الودا # د مبتدها، فشكرنا العراقا

و ما زلت أعجب من حفظه # لنا القرب حتّى نسينا الفراقا

أ تقتصّ من جسدي بالبعاد، # و ما زوّد الباع منك العناقا

الى الشريف‏

(الطويل)

كتب أبو إسحاق الصابي و هو إبراهيم بن هلال الكاتب هذه الأبيات و وجهها إلى الشريف الرضي.

أبا حسن لي في الرّجال فراسة، # تعوّدت منها أن تقول فتصدقا

و قد خبّرتني عنك أنّك ماجد، # سترقى من العلياء أبعد مرتقى‏ (4)

فوفّيتك التّعظيم قبل أوانه، # و قلت: أطال اللّه للسيّد البقا

و أضمرت منه لفظة لم أبح بها # إلى أن أرى إطلاقها لي مطلقا

____________

(1) دهاق: ممتلئة.

(2) جيب: قطع-المحاق: الظلام.

(3) البراق: البرق.

(4) الماجد: ذو المجد، الحسن الخلق.

83

فإن عشت أو إن متّ فاذكر بشارتي، # و أوجب بها حقّا عليك محقّقا

و كن لي في الأولاد و الأهل حافظا # إذا ما اطمأنّ الجنب في موضع البقا

نم وادعا

(الطويل)

فأجابه الشريف الرضي بهذه القصيدة:

سننت لهذا الرّمح غربا مذلّقا، # و أجريت في ذا الهندوانيّ رونقا (1)

و سوّمت ذا الطّرف الجواد، و إنّما # شرعت له نهجا فخبّ و أعنقا

لئن برقت منّي مخايل عارض # لعينيك يقضي أن يجود و يغدقا

فليس بساق قبل ربعك مربعا، # و ليس براق قبل جوّك مرتقى‏ (2)

و إن صدقت منه اللّيالي مخيلة، # تكن بجديد الماء أوّل من سقى‏

و يغدو لمن يروي جنابك مرويا # زلالا، و للأعداء دونك مصعقا

و إن تر ليثا لائذا لفريسة، # يراصد غرّات المقادير مطرقا

فما ذاك إلاّ أن يوفّر طعمها # عليك، إذا جلّى إليها و حقّقا

و إن يرق يوما في المعالي، فإنّه # سما ليوقي وطء رجلك مزلقا

و إن يسع في الأمر العظيم، فإنّما # سعى لك في ذاك الطّريق مطرّقا

و إن يصب السّهم الذي راش نصله، # فما كان إلاّ في هواك مفوّقا (3)

و إن ينهض الغرس الذي هو غارس، # يكن لك مجنى في الخطوب و معلقا

لتجنيه دون النّاس ما كان مثمرا، # و تلبس طلاّ منه ما كان مورقا

____________

(1) الغرب المذلّق: السيف السريع القطع.

(2) المربع: المكان.

(3) راش النصل: ألزق عليه ريشا-مفوّقا: من فوّق السهم أي جعل له فوقا و جهزه لاطلاقه.

84

فنم وادعا و استسقني فستنتضي # حساما إذا ما مرّ بالعظم طبّقا

و جرّ ذيول العزّ إنّي أجرّه # لهاما، إذا ما أظلم اللّيل أبرقا (1)

و جيشا جناحاه يزمّان بالرّدى، # خفوقان ما نالا من الأرض مخفقا

به كلّ طعّان يلوث برأسه # عنيق المذاكي ما يثير من النّقا (2)

لدن غدوة حتّى ترى الشمس ورسة، # كأنّ على الغيطان ثوبا مزبرقا (3)

و ركب أغذّوا بالرّكاب، فنشّفوا # ثمائلها

بالجوب غربا و مشرقا (4)

و كلّ معرّاة الضّلوع، كأنّما # أقاموا عليها جازرا متعرّقا (5)

فإن راشني دهري أكن لك بازيا # يسرّك محصورا و يرضيك مطلقا

أشاطرك العزّ الذي أستفيده # بصفقة راض إن غنيت و أملقا (6)

فتذهب بالشّطر الذي كلّه غنى، # و أذهب بالشّطر الذي كلّه شقا

و تأخذ منه ما أنام و ما حلا، # و آخذ منه ما أمرّ و أرّقا

فغيري إمّا طار غادر صحبه، # دوين المعالي، واقعين و حلّقا

فإن تسلف التّبجيل قبل أوانه، # أعضك به وجها من الودّ مونقا

و إن تعطني الإعظام قولا فإنّني # سأعطيك فعلا منه أذكى و أعبقا

لعلّ اللّيالي أن يبلّغن منية، # و يقرعن لي بابا من الحظّ مغلقا

نظار و لا تستبط عزمي فلن ترى # علوقا، إذا ما لم تجد متعلّقا (7)

____________

(1) اللّهام: الجيش العظيم الذي يلتهم كل شي‏ء. و عبارة إذا ما أظلم الليل أبرق: كناية عن بريق السلاح و كثرته.

(2) يلوث: يغطي-العنيق: السائر عنقا و هو ضرب من السير-المذاكي:

الخيول النبيهة.

(3) ورسة: بلون الورس، صفراء-المزبرق: المصبوغ بحمرة أو بصفرة.

(4) أغذوا: أسرعوا بالسير-الثمائل، جمع ثملة: الماء القليل يبقى في أسفل الحوض-الجوب: الدلو العظيمة، الحفرة.

(5) معرّاة الضلوع: ضعيفة، هزيلة-الجازر، من جزر الشاة: ذبحها.

(6) أملق: افتقر.

(7) نظار: اسم فعل بمعنى انتظر.

85

و ليس ينال الأمر إلاّ بحازم # من القوم أحمى ميسما ثمّ ألصقا

فإن قعدت بي السّنّ يوما، فإنّه # سينهض بي مجدي إليها محقّقا

فو اللّه لا كذّبت ظنّك، إنّه # لعار، إذا ما عاد ظنّك مخفقا

فإنّ الذي ظنّ الظّنون صوادقا، # نظير الذي قوّى الظّنون و حقّقا

ناقة سريعة

(الرجز)

جاء بها قالصة عن ساق، # روعاء من إرث أبي الغيداق‏ (1)

تحنّ، و الحنّة للمشتاق، # ما أولع الحنين بالنّياق‏

تمشي على نعل دم مراق، # ليست بذي هلب و لا طراق‏ (2)

تذكّري رمل النّقا و اشتاقي، # و برد ماء ألعس و ساقي‏ (3)

ينزغ من أثعوب جمّ باقي، # حمّضها في قلّص عتاق‏ (4)

مناشط العشب على الملاّق # أشعث بادي جنجن التّراقي‏ (5)

كأنّه في السّمل الأخلاق # من تيهه ذو التّاج و الأطواق‏ (6)

نحّارة للإبل المناقي، # فواقها أدنى من الفواق‏ (7)

____________

(1) القالصة: الطويلة الساق-روعاء: جميلة

(2) الهلب: ما غلظ من الشعر-الطراق: وسم على الأذن، علامة.

(3) ألعس: اسم موضع.

(4) الأثعوب: المنفجر-حمّضها: أطعمها الحمض-القلص: النياق.

(5) مناشط: مخارج-الملاّق: السائر سيرا شديدا-الجنجن: عظام الصدر.

(6) السّمل الأخلاق: الثوب البالي.

(7) المناقي: المختارة-الفواق (الاولى) : احتضارها، نزاعها-الفواق (الثانية) : الوقت ما بين الحلبتين.

86

أسفع إلاّ موضع النّطاق، # ينزل حدّ الصّارم الذّلاق‏ (1)

منازل العقّال و الرّباق، # موطّن المنزل للرّفاق‏ (2)

مرّت على الأقوار و البراق، # مرّ جرور العارض الشّهاق‏ (3)

طائرة بالقرب الخفّاق، # منفلت الدّلو من العراقي‏ (4)

تحثو على نجد ثرى العراق، # كأنّها بعض الهباب الباقي‏

و اللّيل أعمى شارق الرّواق، # نذير قوم جدّ في اللّحاق‏ (5)

ينذر جيشا عجل الإرهاق، # أقبل لا يحفل ما يلاقي‏

صل صفا

(الرجز)

نبّهت منّي، يا أبا الغيداق، # أصمّ لا يسمع صوت الرّاقي‏

صلّ صفا، ملعّن البصاق، # ريقته تهزأ بالدّرياق‏ (6)

كأنّه أمّ من الإطراق، # تلقى الرّجال عنده الملاقي‏ (7)

ينظر من عين بلا حملاق، # إن نام لا يكلؤها بماق‏

آثاره في القور و البراق، # تستوقف الرّكب عن الإعناق‏ (8)

____________

(1) الأسفع: الموسوم-الصارم الذلاق: السيف القاطع.

(2) الرباق: عرى الحبل، و الرباق هنا أصحاب العهود.

(3) البراق: اسم موضع-العارض الشّهاق: الغيم الماطر.

(4) القرب: الخاصرة-العراقي: الأخشاب التي تعلّق في الدلو.

(5) الشارق: الشمس، الجانب الشرقي.

(6) صل صفا: حيّة خبيثة-الدرياق: دواء ضد السموم.

(7) أمّ: شج في أم رأسه-الملاقي: الشدائد، الدواهي.

(8) القور: الجبال الصغيرة، جمع قورة-البراق: الأرض الغليظة-الإعناق:

السير الواسع.

غ

87

يشمّ منك موضع النّطاق، # بوخزة من ذرب حذّاق‏ (1)

يكتمه في هرت الأشداق، # ليّك من حديدة الحلاّق‏ (2)

ترى على اللّبّات و التّراقي # إهالة من سمّه المراق‏

مثل القذى لجلج في المآقي، # ينحب بالماضي جنان الباقي‏ (3)

رزقك أدّته يد الخلاّق، # لكنّه مرّ من الأرزاق‏

قد حان إلاّ أن يقيه الواقي، # من ابتغى جهلا بما يلاقي‏

تجربة السّيف على الأعناق، # أ لم يعقك اليوم عنّي عاق‏

حتّى لقيت أذني عناق، # سوف أغنّي بك في الرّفاق‏ (4)

حدوا كحدو البدن بالقياقي، # محمّلا غوارب النّياق‏ (5)

من لاذعات الكلم البواقي، # نهزا سيجليها إلى العراق‏

إنّي ارتقيت بعد ضعف السّاق # روابيا مزلقة المراقي‏

أهدفت للإرعاد و الإبراق، # نصب مسيل العارض البعّاق‏ (6)

ترقع عرضا منك ذا انخراق، # كما رفدت النّعل بالطّراق‏ (7)

حذار من مذروبة ذلاق، # ترفع عنك جانب الرّواق‏ (8)

هواجما مقطوعة الرّباق، # حتّى على الآذان و الأحداق‏ (9)

تنتزع الأصول بالأعراق، # يلجا بها الحرّ إلى الإباق‏ (10)

____________

(1) الذرب: الحاد-الحذاق: القاطع.

(2) هرت الاشداق: واسعها-اللي: الثني و الفتل.

(3) ينحب: يجرح.

(4) العناق: الداهية.

(5) البدن: النياق-القياقي: الأراضي الغليظة-غوارب: ظهور.

(6) العارض البعّاق: الغيم الدافع، الماطر.

(7) الطّرّاق: جلد النعل.

(8) المذروبة: الحادة المسنونة-ذلاق: حادة، و يعني بها هنا اللسان الحاد.

(9) الرّباق: الرسن، عرى الحبل.

(10) الإباق: الهرب.

88

أعقدها مواضع الأطواق، # لها على الأعناق و سم باق‏

مثل وسوم الإبل المناقي، # نزيعة من جلب العراق‏ (1)

تقنى لغير الشّمّ و العناق، # تميطها، و هي إلى التصاق‏

لا تقلع القوباء بالأرياق، # عجّت لأعراضكم الأخلاق‏ (2)

أفلق في جماجم أفلاق، # و أجهز اليوم على أرماق‏

لا تأمن النّار على الإحراق، # هذا و نبلي لك في الإيفاق‏

فكيف بعد النّزع و الإغراق‏

الخيال الطارق‏

(المنسرح)

ما لخيال الحبيب قد طرقا، # و ما لهذا المحبّ قد قلقا (3)

سالت بإنسان عينه لجج، # لو لم يكن سابحا لقد غرقا (4)

ديون ضائعة

(البسيط)

ضاعت ديونك عند الغيد أعناقا، # و ما قضينك لمّا جئت مشتاقا

تحمّلوا، و عيون الحيّ ناظرة، # و عاق طرفك يوم الجزع ما عاقا

____________

(1) المناقي: المروّضة، الأصيلة.

(2) القوباء: داء جلدي يعالج بالريق-الأرياق: جمع ريق.

(3) طرق: ظهر ليلا.

(4) انسان العين: سوادها.

غ

89

الشوق و الأرق‏

(البسيط)

خلّوا عليك مطال السّفر و انطلقوا، # و أسلفوك سلوّا قبل أن عشقوا

لو ينصفوني الهوى ما كان عندهم # برد القلوب و عندي الشّوق و الأرق‏

نجوم مذعذعة

(الطويل)

وردنا بها بين العذيب و ضارج، # تريكة جون أسأرتها البوارق‏ (1)

و قد ذعذع اللّيل النّجوم لغورها، # كبيض الأداحي بعثرته النّقانق‏ (2)

بنيتم و غرستم‏

(مجزوء الخفيف)

دولة تطلب الفرا # ر، و مجد محلّق‏

هو يأس مكذّب، # و رجاء مصدّق‏

قد بنيتم، فشيّدوا # و غرستم، فأورقوا

____________

(1) العذيب و ضارج: موضعان-التريكة: ما تركته السحب السود من الماء -أسأرتها: أبقتها.

(2) ذعذع: فرق-الأداحي، جمع أدحية: بيض النعام في الرمل-النقانق، جمع نقنق: الظليم.

غ

90

انتصفت من الفراق‏

(مجزوء الكامل)

أ ترى نراح من الفراق، # يوما، و نأخذ في التّلاقي‏

فأغضّ من جزعي، و أمـ # حو الدّمع من بين المآقي‏

و أرواح في ظفر القويّ، # و قد انتصفت من الفراق‏

91

قافية الكاف‏

الملك الصاعد

(الخفيف)

نظم هذه القصيدة في مدح بهاء الدولة، و قد أرسلها اليه من البصرة سنة 397.

يا أراك الحمى تراني أراكا، # أيّ قلب جنى عليه جناكا؟ (1)

أعطش اللّه كلّ فرع بنعما # ن من الماطر الروى و سقاكا

أيّ نور لناظريّ، إذا ما # مرّ يوم، و ناظري لا يراكا

لا يرى السّوء من رآك مدى الدّهـ # ر، و أحيا الإله من حيّاكا

و رعى كلّ ناشق لك دلّتـ # ه صبا طلّة على ريّاكا

ما على البرق لو تحمّل من نجـ # د بأظعانه، فسقّى حماكا

يا ديار الأحباب كيف تغيّر # ت و يا عهد ما الذي أبلاكا

هل أولاك الذين عهدي بهم فيـ # ك على عهدهم و أين أولاكا

لم تدع فيك نائبات اللّيالي # أثرا للهوى سوى مغناكا (2)

و أثاف كأنّهنّ رذايا، # و أسارى لا ينظرون فكاكا (3)

____________

(1) جناك: من الجنى، ما جنيته و قطفته.

(2) المغنى: المكان، المقام.

(3) الأثافي: حجارة الموقد.

92

و شجيج طمّ الزّمان نواصيـ # ه، كما شعّث الوليد السّواكا (1)

الذّميل الذّميل، يا ركب، إنّي # لضمين أن لا يخيب سراكا (2)

خلّ أوطان معشر منعوا سر # حك رعي الحمى و ملّوا قراكا

جيئهم مخمس الرّكاب فنادوا # جنّب الورد لا نقعت صداكا (3)

وضحت غرّة الضّياء على القر # ب، فبلّوا و أرسلوها العراكا (4)

يا مليك الملوك والى لك النّصـ # ر على العالم الّذي ولاّكا

و رأيت العدوّ حيث تراه، # و رآك العدوّ حيث يراكا

كم، إلى كم تبغي الصّعود و قد جز # ت المعالي و قد طلعت السّكاكا (5)

زدت سبقا على أبيك، و كانت # غاية المجد لو لحقت أباكا

بانيا ترفع السّموك، إلى أيـ # ن المراقي و قد بلغت السّماكا (6)

نلت ما نلته انفرادا و زاحمـ # ت الدّاراري على العلاء اشتراكا

يا أسير الخطوب ناد غياث الـ # خلق إنّ الذي رجوت هناكا

من إذا غالنا الضّلال رأينا # ه قواما لديننا أو مساكا (7)

ملك الملك ثمّ جلّ عن الملـ # ك فأمسى يستخدم الأملاكا (8)

عجبا كيف يرتضي صفحة النّعـ # ل لرجل يطأ بها الأفلاكا

____________

(1) الشجيج: الوتد-السواك: الأعواد التي تنظّف بها الأسنان.

(2) الذميل: ضرب من السير السريع-السّرى: السير ليلا.

(3) الجي‏ء: دعاء الإبل الى الماء-الصدى: العطش.

(4) القرب: البئر، الماء بعامة-بلوا: ذهبوا-أرسلوها العراك: أرسلوها تعترك على الماء.

(5) السكاك: الهواء في أعالي الجو.

(6) السموك، جمع سمك: سقف-السماك: نجم، و هما سماكان، السماك الرامح و السماك الأعزل. و يلاحظ اعتماده الجناس الناقص، على ما في ذلك من تكلّف.

(7) المساك: ما يمسك به.

(8) يستخدم الأملاك: يجعل الملوك خدما له.

93

رسخت في العلاء أجبالك الشـ # مّ و دارت على الأعادي رحاكا

من طموح خطمته و جموح # بك أعضضته الشّكيم فلاكا (1)

لم تزل تطعن المولّين حتّى # حسبت من قنا الظّهور قناكا

و رجال تحكّكوا، فأفاقوا # بجذيل قد عوّدوه الحكاكا (2)

فرع عزّ يعطي على اللّين ما شا # ء جناه، فإن رأى الضّيم شاكا

ضربوا في جوانب الطّود فانظر # حمق العاجزين كيف أحاكا (3)

قطعت يا ابن واصل مدّة العمـ # ر، فهاج الضّبارم الفتّاكا (4)

طاح في حدّ مخلبيك و خسّت # أكلة الذّئب أن تقارب فاكا

هل يروع القروم عندك و الأسـ # د كليب عوى لها في حماكا

طلب الأمر فانثنى بغرور # كان فوتا، فخاله إدراكا

صاحب الأمر من قرى السيف و الضّيـ # ف و روّى القنا و أنت كذاكا

كيف تقذى عين و يألم طرف # نظر اليوم وجهك الضّحّاكا

أنا غرس غرسته، و أجلّ الـ # غرس ما قرّرت ثراه يداكا

لم أجد صانعا سواك، و لا أعـ # رف في النّاس منعما ما سواكا

في حمى طولك اهتززت و أورقـ # ت قريب الجنى بصوب نداكا (5)

كلّ يوم فضل عليّ جديد، # و علاء أناله من علاكا

و عطاء تزيّد البحر يعلو # كلّما قيل قد بلغت مناكا

و إذا ما طويت عنك التّقاضي، # عني الطّول منك بي فاقتضاكا

____________

(1) خطمته: قطعت أنفه، كسرت كبرياءه-الشكيمة: حديدة اللجام في فم الجواد.

(2) الجذيل: عود تحتك به الجربى. و المعنى أن الناس يتحككون برأيه يستشفون به كما تتحكك الإبل الجربى بهذا العود مستشفية.

(3) أحاك: من قولهم: ضرب بالسيف فأحاك أي لم يقطع.

(4) الضبارم: الأسد الوثّاب.

(5) الصوب: الهطول-الندى: الكرم، العطاء.

94

لا سفير إليك إلاّ معاليـ # ك، و لا شافع إليك سواكا

أيّها الطّالب الذي قلقل العيـ # س و أبلى غروضها و الوراكا

ناد بالرّكب قد بلغت إلى البحـ # ر فعرّس به، كفاك كفاكا (1)

رداء الظلام‏

(الطويل)

لقد جثمت تعبيسة في المضاحك # تمدّ بأضباع الدّموع السّوافك‏ (2)

فكفكف صدور السّمهريّ بعزمة # على كلّ ملآن من الضّغن فاتك‏ (3)

إذا ما أضلّ النّقع طرق سنانه، # تسرّع من حجب الكلى في مسالك‏ (4)

و ليل مريض النّجم من صحّة الدّجى، # خطته بنا أيدي الهجان الأوارك‏ (5)

بركب فروا برد الظّلام و قلّصوا # حواشيه في أيدي القلاص الرّواتك‏ (6)

يصافحه نشر الخزامى، كأنّما # يمسّح أعطاف الرّماح السّواهك‏ (7)

فجاءت بأسد في الحديد ترقرقت # عليها بماء الشّمس غدر التّرائك‏ (8)

بدت تزلق الأبصار في لمعانها، # على أنّها في ثوب أقتم حالك‏

____________

(1) عرّس به: أقم به.

(2) الأضباع: المجاري.

(3) السمهري: الرمح-الضغن: الحقد.

(4) النقع: غبار الحرب-الكلى: الجوانب.

(5) الأوراك: المزينة بالوارك، و هو ثوب يزيّن به الرحل. و الليل المريض النجم هو الذي خفت بريق كواكبه.

(6) فروا: قصّوا-القلاص: النياق، جمع قلوص و هي الناقة الطويلة القوائم.

الرواتك: المتقاربة الخطى.

(7) السواهك: الكريهة الريح.

(8) الترائك: جمع تريكة: ما تركه السيل من الماء.

95

تلفّ بأعراف الجياد رماحها، # و تنشر من أطمار بيض بواتك‏ (1)

و تنكح أوتار الحنايا نبالها، # فتشرد عنها في نصال فوارك‏

ألفّ بلألاء السّماح فروجها، # تبيّض أعجاس القسيّ العواتك‏ (2)

بيوم طراد قنّع الشّمس نقعه، # بفاضل أذيال الرّبى و الدّكادك‏ (3)

خطوا تحته حمر الدّروع كأنّما # تردّوا بموّار الدّماء الصّوائك‏ (4)

و لا يألمون الطّعن حتّى كأنّهم # أسرّوا ضلوعا من كعوب النيازك‏ (5)

***

و لا يوم إلاّ أن ترامي رماحه # قلوب تميم في صدور المهالك‏

و قد شربت ذود العوالي أنامل، # و لكنّها بين الطّلى في مبارك‏ (6)

تطلّ دماء من نحور أعزّة # كحقن أفاويق الضّروع الحواشك‏ (7)

ألكني فتى فهر إلى البيض و القنا، # فإنّي قذاة في عيون المآلك‏ (8)

و لي أمل من دون مبرك نضوه، # يقلقل أثباج المطيّ البوارك‏ (9)

سقى اللّه ظمآن المنى كلّ عارض # من الدّم ملآن الملاطين حاشك‏ (10)

____________

(1) البيض البواتك: السيوف القاطعة.

غ

____________

(2) ألفّ: كان كثير لحم الفخذين-الأعجاس: مقابض القسي-العواتك:

المحمرة من الدم.

(3) الدكادك: المتلبّد بالرمل.

(4) موار الدماء: الدماء المتموّجة السائلة-الصوائك: اللازمة.

(5) النيازك: الرماح القصيرة.

(6) شربت ذود العوالي: كناية عن الموت-الطلى: الأعناق.

(7) الحواشك، من الحشك: شدّة الضرع و سرعة تجمع اللبن فيه.

(8) ألكني: أرسل من قبلي-المآلك: الرسائل.

(9) الأثباج، جمع ثبج: ما بين الكاهل و الظهر-المطي البوارك: الجمال الباركة.

(10) الملاطان: جانبا السنام-الحاشك: الكثير الماء.

96

يزمجر من وقع الصّفيح على الطّلى، # و يرعد من وقع القنا بالحوارك‏ (1)

بطعن، إذا بادت عواليه قوّمت # من القوم منآد الضّلوع الشّوابك‏

الليالي أنست الضحك‏

(البسيط)

تزايدت العلة على قوام الدين فتوفي نهار الأحد لأربع ليال خلون من جمادى الآخرة سنة 403.

فرثاه الشريف الرضي بهذه القصيدة.

دع الذّميل إلى الغايات و الرّتكا، # ما ذا الطّلاب، أ ترجو بعدها دركا (2)

ما لي أكلّفها التّهجير دائبة # على الوجى و قوام الدّين قد هلكا (3)

حلّ الغروض، فلا دار ملائمة، # و لا مزور إذا لاقيته ضحكا (4)

أمسى يقوّض عنّا العزّ خلّفه، # و ثوّر المجد عنّا بعد ما بركا

اليوم صرّحت الجلّى، و قد تركت # بين الرّجاء و بين اليأس معتركا (5)

تمثّل الخطب مظنونا لتالفه، # فسوف نلقاه موجودا و مدركا

رزيئة لم تدع شمسا و لا قمرا، # و لا غماما، و لا نجما، و لا فلكا

لو كان يقبل من مفقودها عوض، # لأنفق المجد فيها كلّ ما ملكا

قد أدهش الملك قبل اليوم من حذر، # و إنّما اليوم أذرى دمعه و بكى‏

____________

(1) الصفيح: السيوف-الحوارك، جمع حارك: أعلى الكاهل.

(2) الذميل: البعير يسير سيرا لينا-الرتك: ضرب من السير.

(3) الوجى: الحفا.

(4) الغروض، جمع غرض: حزام الرجل.

(5) الجلّى: الأمر العظيم.

97

أمسى بها عاطلا من بعد حليته، # و هادما من بناء المجد ما سمكا (1)

من للجياد مراعيها شكائمها، # يحملن شوك القنا اللّذّاع و الشّككا

يطأ بها تحت أطراف القنا زلقا # من الدّماء و من هام العدا نبكا (2)

من للظّبى يختلي زرع الرّقاب بها، # حكم القصاقص لا عقل لما سفكا (3)

من للقنا جعلت أيدي فوارسه # من القلوب لها الأطواق و المسكا (4)

من للأسود نهاها عن مطاعمها، # فكم رددنا فريسا بعد ما انتهكا

من للعزائم و الآراء يطلعها # مطالع البيض يجلو ضوأها الحلكا

من للرّقاق إذا أشفت على عطب، # يغدو لها بلغا بالطّول أو مسكا (5)

من للخطوب ينجّي من مخالبها، # و ينزع الظّفر منها كلّما سدكا (6)

من معشر أخذوا الفضلى فما تركوا # منها لمن يطلب العلياء متّركا

قدّوا من البيض خلقا و الحيا خلقا، # عيصا ألفّ بعيص المجد فاشتبكا (7)

لو أنّهم طبعوا لم ترض أوجههم # دراري اللّيل لو كانت لها سلكا

هم أبدعوا المجد لا أن كان أوّلهم # رأى من الجدّ فعلا قبله فحكى‏

الرّاكبين ظهورا قلّما ركبت، # و المالكين عنانا قلّما ملكا

هيهات لا ألبس الأعداء بعدهم، # يوم الجراء، لجاما يقرع الحنكا

و لا أريحت على العلياء حافلة # لها سنام من الإجمام قد تمكا (8)

____________

(1) العاطل: الذي لا يلبس الحلي-سمك: رفع.

(2) النبك، جمع نبكة: أكمة محددة الرأس.

(3) الظبى: السيوف-يختلي: يجز-القصاقص: الأسد-العقل: الدية.

(4) المسك: الخلاخيل.

(5) الرقاق: السيوف-البلغ، جمع بلغة: ما يكفي من العيش-المسك، جمع مسكة: ما يمسك الأبدان من الطعام.

(6) سدك: لزم.

(7) العيص: الأصل.

(8) تمك: ارتفع.

98

يا صفقة من بياع كلّها غرر، # من ضامن للعلى من بعدها الدّركا

خلا لها كلّ ذئب مع أكيلته، # من واقع طار أو من عاجز فتكا

الموت أخبث من أن يرتضي أبدا # لا سوقة بدلا منه و لا ملكا

كالعلق و العلق لو خيّرت بينهما # لم ترض بالدّون يوما أن يكون لكا (1)

راق تفرّد بالإحسان يفرعها، # و زائد النّجم في العلياء و اشتركا

اللّين يمطيك من أخلاقه ذللا، # و الضّيم يخرج منه الآبي المعكا (2)

غمر العطيّة لا يبقي على نشب، # و إن رأى قلّبيّ الرّأي محتنكا (3)

لا تتبعوا في المساعي غير أخمصه، # فأخصر الطّرق في العلياء ما سلكا

ما مثل قبرك يستسقى الغمام له، # و كيف يسقي القطار النّازل الفلكا

لا يبعد اللّه أقواما رزئتهم، # لو ثلّموا من جنوب الطّود لانتهكا

فقد تهم مثل فقد العين ناظرها، # يبكى عليها بها، يا طول ذاك بكا

إذا رجا القلب أن ينسيه غصّته # ما يحدث الدّهر أدمى قرحه و نكا (4)

إن يأخذ الموت منّا من نضنّ به، # فما نبالي بمن بقى و من تركا

إنّي أرى القلب ينزو لادّكارهم، # نزو القطاطة مدّوا فوقها الشّركا (5)

لا تبصر الدّهر بعد اليوم مبتسما؛ # إنّ اللّيالي أنست بعده الضّحكا

____________

(1) العلق: النفيس من كل شي‏ء.

(2) المعك: الأحمق.

(3) النشب: المال، المقتنى-القلّبي: البصير بتقلب الأمور.

(4) نكا، نكأ: قشّر القرحة.

(5) ينزو: ينزف-القطاطة: القطاة، طائر في حجم الحمام.

غ

99

ظبية البان‏

(البسيط)

هذه القصيدة هي من الحجازيات المشهورة نظمها في المحرم من سنة 395.

يا ظبية البان ترعى في خمائله، # ليهنك اليوم أنّ القلب مرعاك‏

الماء عندك مبذول لشاربه، # و ليس يرويك إلاّ مدمعي الباكي‏

هبّت لنا من رياح الغور رائحة # بعد الرّقاد عرفناها بريّاك‏ (1)

ثمّ انثنينا، إذا ما هزّنا طرب # على الرّحال، تعلّلنا بذكراك‏

سهم أصاب و راميه بذي سلم # من بالعراق، لقد أبعدت مرماك‏ (2)

وعد لعينيك عندي ما وفيت به، # يا قرب ما كذبت عينيّ عيناك‏

حكت لحاظك ما في الرّيم من ملح # يوم اللّقاء فكان الفضل للحاكي‏

كأنّ طرفك يوم الجزع يخبرنا # بما طوى عنك من أسماء قتلاك‏ (3)

أنت النّعيم لقلبي و العذاب له، # فما أمرّك في قلبي و أحلاك‏

عندي رسائل شوق لست أذكرها، # لو لا الرّقيب لقد بلّغتها فاك‏

سقى منى و ليالي الخيف ما شربت # من الغمام و حيّاها و حيّاك‏ (4)

إذ يلتقي كلّ ذي دين و ماطله، # منّا، و يجتمع المشكوّ و الشّاكي‏

لمّا غدا السّرب يعطو بين أرحلنا، # ما كان فيه غريم القلب إلاّك‏ (5)

هامت بك العين لم تتبع سواك هوى، # من علّم البين أنّ القلب يهواك‏

حتّى دنا السّرب، ما أحييت من كمد # قتلى هواك، و لا فاديت أسراك‏

____________

(1) الريا: الرائحة الزكية الطيبة.

(2) ذو سلم: اسم موضع.

(3) الجزع: اسم موضع.

(4) منى و خيف: موضعان.

(5) يعطو: من العطو و هو رفع الرأس و اليدين.

100

يا حبّذا نفحة مرّت بفيك لنا، # و نطفة غمست فيها ثناياك‏

و حبّذا وقفة، و الرّكب مغتفل # على ثرى وخدت فيه مطاياك‏ (1)

لو كانت اللّمّة السّوداء من عددي # يوم الغميم، لما أفلتّ أشراكي‏

ذل الهوى‏

(الكامل)

يا قلب ليتك حين لم تدع الهوى # علّقت من يهواك مثل هواكا

لو كان حرّ الوجد يعقب بعده # برد الوصال غفرت ذاك لذاكا

لا بل شجيت بمن يبيت مسلّما # خالي الضّلوع، و لا يحسّ شجاكا

إن يصبحوا صاحين من خمر الهوى، # فلقد سقوك من الغرام دراكا (2)

يا ليت شغلك بالأسى أعداهم، # أو لا، فليت فراغهم أعداكا

أهوى و ذلاّ في الهوى و طماعة، # أبدا، تعالى اللّه ما أشقاكا

يا قلب كيف علقت في أشراكهم، # و لقد عهدتك تفلت الأشراكا

أكثبت حتّى أقصدتك سهامهم، # قد كنت عن أمثالها أنهاكا (3)

إن ذبت من كمد، فقد جرّ الهوى # هذا السّقام عليّ، من جرّاكا

لا تشكونّ إليّ وجدا بعدها، # هذا الذي جرّت عليّ يداكا

لأعاقبنّك بالغليل، فإنّني # لولاك لم أذق الهوى لولاكا

يا عاذل المشتاق دعه، فإنّه # يطوي على الزّفرات غير حشاكا

لو كان قلبك قلبه ما لمته، # حاشاك ممّا عنده حاشاكا

____________

(1) وخدت: أسرعت.

(2) الدراك: اتباع الشي‏ء بعضه على بعض.

(3) أكثبت: دنوت-أقصدتك: أصابتك.

غ

101

قلقي عليك‏

(مجزوء الكامل)

يا مقلقي!قلقي عليـ # ك أظنّه ذنبي إليكا

أنت الشّقيق، فلو جنيـ # ت لما أخذت على يديكا

أمسيت ثالث ناظر # يّ، فكيف أقذي ناظريكا

و كفاك أنّي لست أعـ # قد خنصري إلاّ عليكا

هادن الدهر

(البسيط)

أ ما تحرّك للأقدار نابضة؛ # أ ما يغيّر سلطان و لا ملك؟

قد هادن الدّهر حتّى لا قراع له، # و أطرق الخطب حتّى ما به حرك‏

كلّ يفوت الرّزايا أن يقعن به، # أ ما لأيدي المنايا فيهم درك؟

قد قصّر الدّهر عجزا عن لحاقهم، # فأين أين ذميل الدّهر و الرّتك‏ (1)

أخلّت السّبعة العليا طرائقها، # أم أخطأت نهجها أم سمّر الفلك؟

أين المهالك‏

(الطويل)

أ في كلّ يوم أنت رام بهمّة، # إلى حيث لا ترمي النّجوم الشّوابك‏

و ما كلّ ما منّيت نفسك خاليا، # تنال، و لا تفضي إليه المسالك‏

يقولون رم تلق الذي أنت طالب، # فأين العواقي دونها و المهالك‏

____________

(1) الذميل و الرتك: من أنواع السّير.

102

و كم سعي ساع جرّ حتفا لنفسه، # و لو لا الخطى ما شاك ذا الرّجل شائك‏

ألا ربّما حيّاك رزقك طالعا، # و رحلك محطوط و نضوك بارك‏

جان عقابه الضحك‏

(المنسرح)

و ربّ غاو رميت منطقه # بسكتة، و الحلوم تعترك‏

و للفتى من وقاره جنن، # إن كثرت من عدوّ الشّكك‏

ثار به الجهل، فابتسمت له، # و ربّ جان عقابه الضّحك‏

شوك القتاد

(الطويل)

أيا راكبا ترمي به اللّيل جسرة، # لها نمرق من نيّها و وراك‏ (1)

قراها ربيع الواديين، و أتمكت # قراها عهاد باللّوى و ركاك‏ (2)

لها هاديا عين و أذن سميعة، # إذا غار أو غرّ العيون سماك‏

تحمّل ألوكا ربّما حمّلت به # رذايا المطايا، مشيهنّ سواك‏ (3)

و أبلغ عماد الدّين أمّا بلغته، # بأنّ سلاح اللّوم عندي شاك‏

____________

(1) الجسرة: الناقة العظيمة-النمرق: الطنفسة فوق الرحل-النيّ: السمن -الوراك: ثوب يزيّن الورك.

(2) أتمكت: سمنت-العهاد: المطر-الركاك: المطر الضعيف.

(3) الألوك: الرسالة-الرذايا: الضعاف-السواك: السير الضعيف.

103

أ في الرّأي أن تسترعي الذّئب ثلّة، # و غوثك بطء و الخطوب و شاك؟ (1)

أردت وقاء الرّجل و النّعل عقرب # مراصدة، و الأفعوان شراك‏

و كان أبوك القرم هادم عرشه، # فلم أنت أعماد له و سماك‏

يكون سماما للمعادين ناقعا، # و أنت لأرماق العداة مساك‏

ألا فاحذروها، أوّل السّيل دفعة، # و ربّ ضئيل عاد و هو ضناك‏ (2)

نذار لكم من وثبة ضيغميّة، # لها بعد غرّار السّكون حراك‏

و لا تزرعوا شوك القتاد فإنّكم # جديرون أن تدموا به و تشاكوا

طبعتم نصولا للعدوّ قواطعا، # و ليس عليكم للضّراب شكاك‏

و كان قنيصا أفلتته حبالة، # و أين حبال بعدها و شراك‏

يكاد من الأضغان يعدم بعضكم، # على أنّ في فيه الشّكيم يلاك‏ (3)

فكيف إذا ألقى العذارين خالعا، # و زال لجام قادع و حناك‏ (4)

هناك ترون الرّأي قد فال و التوت # حبال بأيدي الجاذبين ركاك‏ (5)

دماء نيام في الأباجل أوقظت، # و ظنّي يوما أن يطول سفاك‏ (6)

أ ليس أبوه من له في مجنّكم # ضراب على مرّ الزّمان دراك‏

و كان سنانا في قناة ابن واصل # إليكم، و للأجداد ثمّ عراك‏

فأمست له بين الغماد و أربق # رهون منايا ما لهنّ فكاك‏ (7)

تلاقت عليه العاسلات كأنّها # أنامل أيد، بينهنّ شباك‏ (8)

____________

(1) الثلة: جماعة الغنم.

(2) الضئيل: الضعيف، الحقير-ضناك: الخلق الشديد.

(3) الشكيم، جمع شكيمة: حديدة اللجام في فم الفرس.

(4) قادع: كاف.

(5) فال: أخطأ.

(6) الأباجل؛ جمع أبجل: عرق غليظ في الرّجل.

(7) الغماد و أربق: موضعان.

(8) العاسلات: الرماح المضطربة.

104

و أمّل أن يرعى حمى الملك سربه، # و بالجزع حمض عازب و أراك‏

فما أتبعته نشطة من حميمه، # و لا من أراك الجلهتين سواك‏

يطاولكم و هو الحضيض إلى العلى، # فكيف إذا ما عاد و هو سكاك‏

أحيلوا عليها بالمحافر انّها # معاثر في طرق العلا و نباك‏ (1)

و ما الحزم للأقوام أن يطئوا الرّبى، # و بين نعال الواطئين شياك‏

و لو عضد الملك اجتلاها مخيلة، # لقطّعها بالعضب، و هي تحاك‏

فليت لنا ذاك الجذيل يطبّنا، # إذا لجّ بالدّاء العضال حكاك‏ (2)

و إنّ ملاك الرّأي نزع حماتها، # قبيل أمور، ما لهنّ ملاك‏

فإن تطفئوها اليوم، فهي شرارة، # و غدوا أوار، و الأوار هلاك‏ (3)

الزمان الساقط

(الرمل)

لا يرعك الحيّ إن قيل هلك، # أخذ المقدار منّا و ترك‏

أنظري ترضي بقايا قومنا، # إن جلا اليوم غبار المعترك‏

أخذوا الشّطر الذي أبقى الرّدى، # ثمّ قالوا: عن قليل هو لك‏

أبتغي عدل زمان ساقط، # إنّما النّاس على دين الملك‏

باخل إن ضافه الحقّ، فلا # أعتق المال، و لا العرض ملك‏

____________

(1) النباك: الأكمة المحددة الرأس.

(2) الجذيل: عود يتحكك به.

(3) الأوار: الحر الشديد.

غ