ديوان الشريف الرضي - ج2

- الشريف الرضي المزيد...
528 /
105

قافية اللام‏

الطائع الميمون‏

(الكامل)

في هذه القصيدة يمدح الشريف الرضي الخليفة الطائع للّه و يشكره على تكرمة خصه بها و ثياب و ورق، و ذلك سنة 376.

أنا للرّكائب إن عرضت، بمنزل، # و إذا القنوع أطاعني لم أرحل‏

لم أطلب المثري البخيل لحاجة، # أبدا، و أقنع بالجواد المرمل‏ (1)

و أرى المعرّض باللّئيم، كأنّه # أعشى اللّحاظ يحزّ غير المفصل‏

و لربّ مولى لا يغضّ جماحه # طول العتاب، و لا عناء العذّل‏

يطغى عليك، و أنت تلأم شعبه، # كالسّيف يأخذ من بنان الصّيقل‏ (2)

أبكي على عمر يجاذبه الرّدى، # جذب الرّشاء عن القليب الأطول‏ (3)

أخلق بحبل مرسل في غمرة، # أن سوف يرفعه بنان المرسل‏

ما كنت أطرب للّقاء، و لا أرى # قلقا لبين الظّاعن المتحمّل‏ (4)

ألوي عناني عن منازلة الهوى، # و أصدّ عن ذكر الغزال المغزل‏

____________

(1) المرمل: الفقير، المعدم.

(2) تلأم شعبه: تصلح خلله، تجبر كسره.

(3) الرشاء: الحبل-القليب: البئر.

(4) المتحمّل: الراحل.

106

و أزور أطراف الثّغور، و دونها # طعن يبرّح بالوشيج الذّبّل‏ (1)

أ أنال من عذب الوصال و دونه # مرّ الإباء و نخوة المتدلّل‏

ما كنت أجزع نطفة معسولة # طوع المنى، و إناؤها من حنظل‏

أ عقيلة الحيّين دونك، فارفعي # ما شئت من عذب القناع المسبل‏

هيهات تبلغك اللّحاظ، و بيننا # هضب كخرطوم الغمام المقبل‏

أوطان غيرك للضّيافة طلقة، # و سواك في اللأواء رحب المنزل‏ (2)

و إذا أمير المؤمنين أضاف لي # أملي نزلت على الجواد المفضل‏

بالطّائع الميمون أنجح مطلبي، # و علوت حتّى ما يطاول معقلي‏

قرم، إذا عرت الخطوب مراحه # أدمى غواربها بناب أعضل‏ (3)

متوغّل خلف العدوّ، و علمه # أنّ الجبان، إذا سرى، لم يوغل‏

و إذا تنافلت الرّجال غنيمة، # قسم التّراث لها بحدّ المنصل‏ (4)

ثبت لهجهجة الخطوب، كأنّما # جاءت تقعقع بالشّنان ليذبل‏ (5)

رأي الرّشيد، و هيبة المنصور في # حسن الأمين و نعمة المتوكّل‏

آباؤك الغرّ الذين، إذا انتموا، # ذهبوا بكلّ تطاول و تطوّل‏

درجوا كما درج القرون و علمهم # أن سوف يخبر آخر عن أوّل‏

نسب إليك تجاذبت أشياخه # طولا من العبّاس غير موصّل‏ (6)

هذي الخلافة في يديك زمامها، # و سواك يخبط قعر ليل أليل‏ (7)

أحرزتها دون الأنام، و إنّما # خلع العجاجة سابق لم يذهل‏

____________

(1) الوشيج الذبّل: القصب الليّن، و في القول كناية عن الرماح.

(2) اللأواء: الشدّة، الضيق.

(3) القرم: الشجاع، الثابت-الغوارب، جمع غارب: حد السيف.

(4) تنافلت: تقاسمت.

(5) الهجهجة: الهدير-الشنان، جمع شن: القربة البالية-يذبل: جبل.

(6) الطول: الحبل-غير موصل: كناية عن قوته و متانته.

(7) ليل أليل: ليل شديد السواد.

107

بحوادر يعنقن من تحت القنا # عنقا يعرّد بالذّئاب العسّل‏ (1)

غرّ محجّلة، إذا احتضر الوغى، # نقّبن عن يوم أغرّ محجّل‏

دفعت فأيّ الحزم عنها لم يضق، # عرقا، و أيّ اللّجم لم يتصلصل‏

سلخ الظّلام إهابه و تهلّلت # جنبات ذاك العارض المتهلّل‏

طلعت بوجهك غرّة نبويّة، # كالشّمس تملأ ناظر المتأمّل‏

و إذا نبت بك في مسالمة العدى # أرض، وهبت ترابها للقسطل‏ (2)

و فوارس ما استعصموا بثنيّة، # إلاّ طلعت عليهم في جحفل‏

شردت بنا ذلل الرّكاب، كأنّما # يذرعن بردة كلّ قاع ممحل‏

و الآل ينهض بالشّخوص أمامنا، # و يمدّ أعناق القنان المثّل‏

من كلّ رابية ترفّع جيدها، # فكأنّه هادي حصان مقبل‏ (3)

و معرّس هزج الوحوش، كأنّما # طرق المسامع عن غماغم مرجل‏ (4)

عركت جوانبنا الفلاة، و أسرعت # في العظم و اقتاتت شحوم البزّل‏ (5)

و إليك طوّح بالمطيّ مغرّر # عصفت به أيدي المطيّ المضلل‏

فأتتك تلتهم الهواجر طلّحا، # و الظّلّ بين خفافها و الجرول‏ (6)

و خفائفا فجعت بكلّ حقيبة # ملأى و كلّ مزاد ماء أثجل‏ (7)

و على الرّحال عصائب ملتاثة، # تلوي بشعر ثمّ غير مرجّل‏ (8)

____________

(1) الحوادر: الجياد الأصيلة-يعنقن: يسرن سيرا واسعا-يعرّد، من عرد السهم: نفذ-العسل: المضطربة في عدوها.

(2) القسطل: غبار الحرب.

(3) ترفّع جيدها: علا عنقها-الهادي: العنق.

(4) المعرّس: مكان التعريس أي النزول ليلا-الهزج: المصوّت-الغماغم:

الهدير.

(5) البزّل: النياق الفتية، جمع بازل و هي الناقة التي نبت نابها و بلغت.

(6) الطّلح: الهزيلة-الجرول: الأرض الكثيرة الحجارة.

(7) الحقيبة: الرفادة في مؤخرة الرّحل-أثجل: واسع.

(8) ملتاثة: مرتخية-غير مرجل: غير مجعّد.

108

علقت حبالك ثمّ أقسمت المنى # أن لا لوين بغير حبلك أنملي‏ (1)

أمل جثا بفناء دارك قاطنا، # و كأنّه بفناء واد مبقل‏

و مجلّل يندي يديك، كأنّما # غطّاه عرف العارض المتهدّل‏ (2)

أرجوك للأمر الخطير، و إنّما # يرجى المعظّم للعظيم المعضل‏

و أروم من غلواء عزّك غاية # قعساء، تستلب النّواظر من عل‏

كم رامها منك الجبان فراوغت # شقّاء يلعب شدقها بالمسحل‏ (3)

تدمي قلوب الحاسدين، و تنثني # فتردّ عادية الخطوب النّزّل‏

ضاق الزّمان، فضاق فيه تقلّبي، # كالماء يجمع نفسه في الجدول‏

هذا الحسين إلى علائك ينتمي # شرفا، و ينسب مجده في المحفل‏

أسلفته وعدا، عليك تمامه، # و سيدرك المطلوب إن لم يعجل‏

فاسمح بفعلك بعد قولك إنّه # لا يحمد الوسميّ إلاّ بالولي‏ (4)

فلعلّنا نمتاح إن لم نغترف # ماء المنى، و نعلّ إن لم ننهل‏ (5)

كم وقفة ناجيته في ظلّها، # و القول يغدر بالخطيب المقول‏

ثبّت فيها وطاءه، و وراءه # جزع يقلقل من قلوب الجندل‏

إيه، و كم من نعمة جلّلته، # تضفو كهدّاب الرّداء المخمل‏

فسما، و حلّق كالعقاب إلى العلى، # و عدوّه يهوي هويّ الأجدل‏ (6)

و بودّه لو كان قرنا سالفا، # أو نطفة ذهبت بداء مغيل‏ (7)

و مشمّر العرنين خرّ جبينه # لك، غير مقبول و لا مستقبل‏

لمّا رآك تقاصرت خطواته # جزعا، و جعجع بالرّواق الأوّل‏

____________

(1) الوادي المبقل: الكثير العشب.

(2) المجلّل: المطر يعم الأرض-العرف: الموج-العارض: السحاب.

(3) الشقّاء: الفرس المتباعدة الفخذين-المسحل: اللجام.

(4) الوسمي: أول مطر الربيع-الولي: المطر الذي يليه.

(5) نمتاح: نستخرج، نأخذ ما يكفي.

(6) الأجدل: الصقر.

(7) الداء المغيل: المرض القاتل.

غ

109

للّه أنت لقد أثرت صنيعة # بيدي معمّ في الصّنائع مخول‏

شرّفتنا دون الأنام، و إنّما # برّ القريب علاقة المتفضّل‏

و جذبتنا جذب الجرير إلى العلى، # و إذا ارتقى متمطّر لم ينزل‏ (1)

فلأنت أولى بالإمامة و الهدى، # و أذبّ عن ولد النّبيّ المرسل‏

أغبار درّ من عطائك تفتدى # من درّ غيرك بالضّروع الحفّل‏ (2)

لو لا غمام نداك أصبح راكب # يشكو الأوام، و قد أناخ بمنهل‏ (3)

و أحقّ بالإطراء باعث منّة، # وصلت من الأرحام ما لم يوصل‏

مولاي من لي أن أراك، و كيف لي # بحضور دارك، و العدوّ بمعزل‏

انظر إليّ ببعض طرفك نظرة، # يسمو لها نظري و يعرب مقولي‏

فالآن لا أرضى، و أنت مموّلي # برضى القنوع و عفّة المتجمّل‏

نعمى أمير المؤمنين حريّة # أن لا ننام عن الرّجاء المهمل‏

بفم، إذا رفع الكلام سجافه، # أوحى بنائله، و إن لم يسأل‏

و يد إذا استمطرت عابر مزنها، # دفقت عليك من الزّلال السّلسل‏

تمحو أساطير الخطوب كما محا # مرّ الشّمال من الغمام المثقل‏

لا يحتمي بالرّمح باع مؤيّد، # لو شاء طاعن بالسّماك الأعزل‏

هذا الخليفة لا يغضّ عن الهدى، # إن نام ليل القائم المتبتّل‏

لمّا أهبت بنصره لملمّة، # دفع الزّمان و قد أناخ بكلكلي‏ (4)

و اليت فيه مدائحي، فكأنّما # أفرغت نبلي كلّها في مقتل‏

من كلّ قافية، إذا أطلقتها # عطفت عنان الرّاكب المستعجل‏

و ظفرت من نفحاته و جواره # بأجلّ نعماء و أحرز موئل‏

____________

(1) الجرير: الحبل الطويل-المتمطر: الذاهب.

(2) الأغبار: البقايا-الحفّل: الممتلئة.

(3) الأوام: العطش.

(4) الكلكل: الصدر.

غ

110

أنت الجواد

(الكامل)

نظمها في رمضان من سنة 377، و فيها يمدح الطائع للّه و يهنئه بالمهرجان.

أ مبلّغي ما أطلب الغزل؟ # أم لا فتنجدني القنا الذّبل‏

و السّيف أولى أن أعوذ به # ممّا تجرّ الأعين النّجل‏ (1)

و أنا الذي نفر الزّمان به، # و استأنست بركابه السّبل‏

أسري على غرر، و تصحبني، # دون الرّجال، الأينق الذّلل‏ (2)

لا المال يجذبني إليه، و لا # يعتاقها الحوذان و النّفل‏ (3)

عجل بي الشّدّ الحثيث إلى الـ # غايات خرّاج بي المهل‏

في غلمة تركوا قعودهم، # نزعوا وراء اللّيل، و انحفلوا (4)

و إذا المزاد حمى صلاصله، # قنعوا بما تقضي لنا المقل‏ (5)

و مقوّم الأذنين تحسبه # طودا أناف بصدره جبل‏ (6)

متطاول يوفي معرّده # عنقا تضاءل خلفها الكفل‏ (7)

أجهدته، و الكرّ يعصره، # و الماء من عطفيه ينهمل‏

____________

(1) الأعين النجل: الواسعة و الجذابة.

(2) الأينق الذلل: النياق الطيّعة-الغرر: التعرّض للهلاك.

(3) الحوذان: نبات طيب الطعم زهره أحمر تستسيغه الإبل-النفل: بقل طيب الرائحة تسمن عليه الابل.

(4) غلمة: جمع غلام-انحفلوا: اجتمعوا.

(5) المزاد، جمع مزادة: جلد يضم بعضه إلى بعض لحفظ الماء-صلاصله:

بقية الماء فيه-المقل، جمع مقلة: الحصاة يقتسم عليها الماء عند الحاجة.

(6) أناف: زاد، أشرف.

(7) معرّدة، من عرّد النجم: ارتفع، فيكون المعنى: عنقه المعرّد أي المرتفع.

111

و نجيبة نهض الزّمان بها # من بعد ما قعدت بها العقل‏

صدعت عرانين الرّبى و نجت # هوجا، و ينجد و خدها الرّمل‏ (1)

طلبت أمير المؤمنين، و لا # أين أطاف بها و لا مهل‏ (2)

حيث العلى لا يستراب بها، # و الجود لا يلوي به البخل‏

و الطّائع المرجوّ إن حمدت # أيدي الرّجال و قلّ من يسل‏

ملك إذا حصر السّماط به، # كثر العثار، و طبّق الزّلل‏ (3)

و إذا السّرير سما بقعدته، # غريت بظاهر كفّه القبل‏ (4)

جلت الأئمّة عن مناقبه، # و استودعته نورها الرّسل‏

و إذا العيوب مشت إليه بدا # وجه تخاوص دونه المقل‏ (5)

فاللّحظ محتبس و منطلق، # و القول منقطع و متّصل‏

طرب إلى النّعماء عاهدها # أن لا يمرّ بسمعه عذل‏

يلقى الخطوب، و وجهه طلق، # و يخوضهنّ، و قلبه جذل‏

تخفي بشاشته حميّته، # كالسّمّ موّه طعمه العسل‏

من معشر كانت سيوفهم # حليا لمن ضربوا، و من عطلوا

بالفخر يكسون الذي سلبوا، # و الذّكر يحيون الذي قتلوا

أنت الجواد، إذا غلا أمل، # و المستجار، إذا طغى و جل‏

و مطاعن بعثت يداك له # طعنا يذلّ لوقعه البطل‏

و علمت أنّ السّيل يدفعه، # لمّا أطلّ العارض الهطل‏

للّه رمحك يوم تورده، # و الماء لا صرد و لا علل‏ (6)

____________

(1) عرانين الربى: رءوس التلال-الهوج: السرعة-الوخد و الرمل: ضربان من السير السريع.

(2) الأين: التعب.

(3) السماط: صف القوم-طبّق: عم.

(4) غريت: أولعت.

(5) تخاوص، تتخاوص: تغض.

(6) الصرد: الخالص-العلل: الشرب بعد الشرب.

112

خطل المناكب لا يميل به # عوج، و من نعت القنا الخطل‏ (1)

و مطاعنين، إذا هما اعترضا، # يتطاعنان، و للقنا زجل‏ (2)

نزل الهصور على فريسته، # و مضى يدحرج نجوه الجعل‏ (3)

شيخان: هذا فارس بطل # أبدا، و هذا عاجز مذل‏ (4)

فإذا الزّمان أراد قودهما، # حرن الجواد و أصحب الوعل‏ (5)

أ مريد زائدة الأنام أقم، # هيهات منك الشّدّ و العجل‏

أ تريد غايات الفخار، و ما # لك ناقة فيه، و لا جمل؟

فانعق بضأنك عن أناطحه، # ودع الغمير تلسّه الإبل‏ (6)

يا قابض الأيّام عن وجل، # بيمينه عن مسّها شلل‏

يئل الذي أمّنت روعته، # و العصم في الأطواد لا تئل‏ (7)

لوليّك الدّنيا مزخرفة، # و لأمّ من عاديته الهبل‏ (8)

إن قال فيك عداك منقصة، # قالوا: السّماء أديمها نغل‏ (9)

احذر عدوّك أن تقرّبه # من قلبك الخدعات و الحيل‏

لا تخدعنّ على رقاه، و لو # أرضاك منه القول و العمل‏

ففؤاده حنق عليك، و إن # طأطأ، و ذلّله لك الوجل‏

____________

(1) خطل المناكب: خشنها-الخطل: الاضطراب.

(2) الزجل: الصوت، الرنين.

(3) النجو: الغائط-الجعل: نوع من الخنافس.

(4) مذل: قلق، ضجر.

(5) أصحب: انقاد بعد صعوبة-الوعل: تيس الجبل.

(6) انعق بضأنك: صح بها-أناطحه؛ جمع أنطح: اسم تفضيل من نطح -الغمير: النبات-تلسّه: تأكله بمقدم فمها.

(7) يئل: يلجأ-العصم، جمع أعصم: الظبي في ذراعيه بياض و سائره أسود أو أحمر.

(8) الهبل: الحمق.

(9) نغل الأديم: فسد الجلد في الدباغ.

113

إنّ المجرّد في هواك فتى # لا اللّوم يردعه، و لا العذل‏

مثل الحسين، فبين أضلعه، # قلب بغيرك ما له شغل‏

يثني عليك بكلّ عارفة # أبدا، و ستر الغيب منسدل‏

ذاك الحسام أطلت جفوته، # و لقلّ ما طفرت به الخلل‏ (1)

و وعدته وعدا تعلّقه، # و الوعد ملويّ به الأمل‏

فانهض به في النّائبات تجدّ # عضبا تساقط دونه القلل‏

و اسلم، أمير المؤمنين، إذا # شرع الحمام و صمّم الأجل‏

متقلّدا بنجاد مملكة # في غمدها الأقدار و الدّول‏

و أنعم بيوم المهرجان، و لا # نعم العداة به، و لا عقلوا

فلأنت نهّاض، إذا قعدوا، # أبدا، و صعّاد، إذا نزلوا

يوم تجدّده السّنون، و قد # درجت عليه الأعصر الأوّل‏

فالنّاس فيه معلّل طرب # يرجو الأوار، و شارب ثمل‏ (2)

ما استجمعت فرق الهموم به # إلاّ و بدّد جمعها الجذل‏

هو خطّة نزل الشّتاء بها، # و الصّيف منطلق و مرتحل‏

و أنا الذي أهوى هواك، و لو # ضربت عليّ البيض و الأسل‏

وطئت قبائل غالب عقبي، # و تشرّفت بمقامي الحلل‏

و فقأت عين البخل مذ كثرت # بنداك عندي الأينق البزل‏ (3)

و مراغم يغدو على قنصي، # فيحوزه، و يداي محتبل‏ (4)

خضت الغمار، فجاز جمّتها # دوني، و طبّق ثوبي البلل‏

و مذكّري رحما معنّسة، # كالشّمس أخلق ضوأها الطّفل‏ (5)

____________

(1) الخلل، جمع خلة: جفن السيف من جلد.

(2) الأوار: شدّة الحر، الدف‏ء.

(3) الأينق البزل: النياق الفتيّة.

(4) يداي محتبل: المحتبل هو المربوط بالحبل، و الأصح القول: يداي محتبلتان.

(5) معنّسة: محبوسة-أخلق: أوهى-الطفل: قرب الغروب.

114

رحم تعلّق بالبعيد، كما # علق الحباء النّازح الطّول‏ (1)

اثنان يقتطعان من فرصي، # و أنا الذي أرخي و أهتبل‏ (2)

غرضي بمدحك أن يطاوعني # عوج بأيّامي، و يعتدل‏

و أقوم بين يديك مرتجلا، # لا العيّ يقطعني، و لا الخطل‏ (3)

و لئن نما كلّ المديح إلى # فلتات قولي، و انتمى الغزل‏

فالأرض أمّ التّرب أجمعه، # و أبو البريّة كلّها رجل‏

____________

(1) الحباء، من حبا المسيل: دنا بعضه من بعض.

(2) أهتبل: أكذب، أخادع، احتال.

(3) الخطل: الخطأ.

غ

115

أيادي أمير المؤمنين‏

(الطويل)

يمدح الطائع للّه في شهر رمضان من سنة 377.

مسيري إلى ليل الشّباب ضلال، # و شيبي ضياء في الورى و جمال‏

سواد، و لكنّ البياض سيادة، # و ليل، و لكنّ النّهار جلال‏

و ما المرء قبل الشّيب إلاّ مهنّد # صديّ، و شيب العارضين صقال‏ (1)

و ليس خضاب المرء إلاّ تعلّة # لمن شاب منه عارض و قذال‏ (2)

و للنّفس في عجز الفتى و زماعه # زمام إلى ما يشتهي و عقال‏ (3)

بلوت و جرّبت الأخلاّء مدّة، # فأكثر شي‏ء في الصّديق ملال‏

و ما راقني ممّن أودّ تملّق، # و لا غرّني ممّن أحبّ وصال‏

و ما صحبك الأدنون إلاّ أباعد، # إذا قلّ مال، أو نبت بك حال‏

و من لي بخلّ أرتضيه، و ليت لي # يمينا يعاطيها الوفاء شمال‏

تميل بي الدّنيا إلى كلّ شهوة، # و أين من النّجم البعيد منال‏

و تسلبني أيدي النّوائب ثروتي، # و لي من عفافي و التّقنّع مال‏

إذا عزّني ماء، و في القلب غلّة، # رجعت، و صبري للغليل بلال‏

أرى كلّ زاد ما خلا سدّ جوعة # ترابا، و كلّ الماء عندي آل‏

و مثلي لا يأسى على ما يفوته، # إذا كان عقبى ما ينال زوال‏

كأنّا خلقنا عرضة لمنيّة، # فنحن إلى داعي المنون عجال‏

نخفّ على ظهر الثّرى، و بطونه # علينا، إذا حلّ الممات، ثقال‏

____________

(1) يشبه هنا سواد الشعر بالسيف علاه الصدأ، و شيب الصدغين شبهه بالسيف المصقول.

(2) القذال: مؤخر الرأس.

(3) الزماع: الثبات في الأمر.

116

و ما نوب الأيّام إلاّ أسنّة # تهاوى إلى أعمارنا و نصال‏

و أنعم منّا في الحياة بهائم، # و أثبت منّا في التّراب جبال‏

أنا المرء لا عرضي قريب من العدى، # و لا فيّ للباغي عليّ مقال‏

و ما العرض إلاّ خير عضو من الفتى # يصاب، و أقوال العداة نبال‏

وقور، فإن لم يرع حقّي جاهل، # سألت عن العوراء كيف تقال‏

إلى كم أمشّي العيس غرثى كليلة، # و أودع منها ربرب و رئال‏ (1)

أروغ كأنّي في الصّباح طريدة، # و أسري كأنّي في الظّلام خيال‏

تمطّى بنا أذوادنا كلّ مهمه، # خفائف تخفيها ربى و رمال‏ (2)

لطمنا بأيديها الفيافي إليكم، # و قد دام إغذاذ، و طال كلال‏ (3)

خوارج من ليل كأنّ وراءه # يد الفجر في سيف جلاه صقال‏

تقوّم أعناق المطيّ نجومه، # فليس لسار فوقهنّ ضلال‏

و هو جاء قدّام الرّكاب مغذّة، # لها من جلود الرّازحات نعال‏

رحلنا بها كالبدر حسنا و شارة، # و ملنا إلى البيداء، و هي هلال‏ (4)

إليك، أمين اللّه، وسّمت أرضها # بأخفافها، يدنو بهنّ نقال‏ (5)

أيادي أمير المؤمنين كثيرة، # و مال إمام المؤمنين مذال‏

و أوقاته اللاّتي تسوء قصيرة، # و أيّامه اللاّتي تسرّ طوال‏

من الضّاربين الهام و الخيل تدّعي، # و إن غاب أنصار و قلّ رجال‏

هم القوم إن ولّى المعاريك أقبلوا، # و إن سئلوا بذل النّوال أنالوا

و إن طرق القوم العبوس تهلّلوا، # و إن مالت السّمر الذّوابل مالوا

أجيل لحاظي لا أرى غير ناقص، # كأنّ الورى نقص و أنت كمال‏

____________

(1) غرثى: جائعة-كليلة: متعبة-الربرب: قطيع بقر الوحش-الرئال، جمع رأل: فرخ النعام.

(2) الأذواد، جمع ذود: القطعة من الإبل-المهمه: الفلاة.

(3) الإغذاذ: الشد في السير-الكلال: التعب.

(4) شارة: هيئة.

(5) النقال: سرعة نقل القوائم.

117

لنا كلّ يوم في معاليك شعبة # و فائدة لا تنقضي و نوال‏ (1)

و أنت الذي بلّغتنا كلّ غاية، # لها فوق أعناق النّجوم مجال‏

فما طرد النّعماء وعدك ساعة، # و لا غضّ من جدوى يديك مطال‏

إذا قلت كان الفعل ثاني نطقه، # و خير مقال ما تلاه فعال‏

أزل طمع الأعداء عنّي بفتكة، # فلا سلم إلاّ أن يطول قتال‏

فإنّ نفوس النّاكثين مباحة، # و إنّ دماء الغادرين حلال‏

و شمّر، فما للسّيف غيرك ناصر، # و لا للعوالي، إن قعدت، مصال‏

و من لي بيوم شاحب في عجاجه، # أنال بأطراف القنا و أنال‏

لك الفرس الشّقراء في الجوّ شمسه # لها من غيابات الغبار جلال‏

أردني مرادا يقعد النّاس دونه، # و يغبطني عمّ عليه و خال‏

و لا تسمعن من حاسد ما يقوله، # فأكثر أقوال العداة محال‏

هناء لك الصّوم الجديد، و لا تزل # عليك من العيش الرّقيق ظلال‏

و جادك منهلّ الغمام، و صافحت # حماك جنوب غضّة و شمال‏

و لا زال من آمالنا و رجائنا # عليك، و إن ساء العدوّ، عيال‏

و في كلّ يوم عندنا منك عارض، # و عند الأعادي فيلق و نزال‏

أنا القائل المحسود قولي من الورى، # علوت، و ما يعلو عليّ مقال‏

يقولون: حاز الفضل قوم بسبقهم، # و ما ضرّني أنّي أتيت و زالوا

و لا فرق بيني في الكلام و بينهم # بشي‏ء سوى أنّي أقول، و قالوا

فلا زال شعري فيك وحدك كلّه، # و لا اضطرّني إلاّ إليك سؤال‏

____________

(1) الشعبة: الكمية من الشي‏ء-النوال: العطاء.

غ

118

أحظى الملوك‏

(البسيط)

في هذه القصيدة يمدح الملك شرف الدولة أبا الفوارس ابن عضد الدولة و يشكره على ما عمله مع أبيه من الجميل و التفضل، و يصف القلعة التي كان والده فيها معتقلا، و قد قدّمها اليه عند دخوله مدينة السلام سنة 376.

أحظى الملوك من الأيّام و الدّول، # من لا ينادم غير البيض و الأسل‏

و أشرف النّاس مشغول بهمّته، # مدفّع بين أطراف القنا الذّبل‏

تطغى على قصب الأبطال نخوته، # و قائم السّيف مندوب إلى القلل‏ (1)

ما زلت أبحث أمري عن عواقبه، # حتّى رأيت حلول العزّ في الحلل‏ (2)

و في التغرّب إلاّ عنك مغنمة، # و منبت الرّزق بين الكور و الجمل‏ (3)

لو لا الكرام أصاب النّاس كلّهم # داء البعاد عن الأوطان و الحلل‏ (4)

نرجو، و بعض رجاء النّاس متعبة، # قد ضاع دمعك يا باك على الطّلل‏

كم اغتربت عن الدّنيا، و ما فطنت # بي المهامة حتّى جازني أملي‏ (5)

في فتية ركبوا أعراصهم و رموا # بالذّلّ خلف ظهور الخيل و الإبل‏ (6)

و الماء إن صفرت منه مزادهم، # شربته من بطون الأينق البزل‏

إيه لقد أسر الدّنيا بنجدته، # أبو الفوارس، و الإقدام للبطل‏

____________

(1) القصب: الرماح-القلل، جمع قلة: أعلى الرأس.

(2) أبحث: أكاشف-الحلل: السلاح.

(3) الكور: الرّحل، الحمل.

(4) الحلل، جمع حلة: المجتمع، مكان حلول القوم.

(5) المهامة، جمع مهمه: فلاة، صحراء.

(6) الأعراص: النشاط.

غ

119

صان الظّبى و استلذّ الرّأي و انكشفت # له العواقب بين الهمّ و الجذل‏

ماض على الهول طلاّع بغرّته # على الحوادث مقدام على الأجل‏

هنّئت، يا ملك الأملاك، منزلة # ردّت عليك بهاء الأعصر الأول‏

دعاك ربّ المعالي زين ملّته، # و ملّة أنت فيها أعظم الملل‏

صدمت بغداد، و الأيّام غافلة، # كالسّيل يأنف أن يأتي على مهل‏

بكلّ أبلج معروف بطلعته، # إذا تناكر ليل الحادث الجلل‏

يا قائد الخيل، إن كان السّنان فما، # فإنّ رمحك مشتاق إلى القبل‏

و كم مددت على الأقران من رهج # في ليلة تغدر الألحاظ بالمقل‏ (1)

و مستغرّين ما زالت قلوبهم # تبدّد الرّأي بين الرّيث و العجل‏

حتّى أخذت عليهم حتف أنفسهم # ما أظلموا ببروق العارض الهطل‏

رأوا مقامك، فازورّت عيونهم، # ما كلّ لحظ إلى الآماق من قبل‏ (2)

للّه زهرة ملك قام حاسدها، # و ليس يعلم أنّ الشمس في الحمل‏

لا تأسفنّ من الدّنيا على سلف، # فآخر الشّهد فينا أعذب العسل‏

و لا تبال بفعل إن هممت به، # و لو رمى بك بين العذر و العذل‏

لا تمشينّ إلى أمر تعاب به، # فقلّما تفطن الأيّام بالزّلل‏

للّه أيّ فتى أمست لبانته # رذيّة بين أيدي العيس و السّبل‏ (3)

لا ينشد الحبّ رأيا كان أصلحه # إذا الفتى طرد الآراء بالغزل‏

رآك أشرف ممدوح لممتدح، # و خير من شرعت فيه يد الأمل‏

نحا لنحوك لا يلوي على أحد، # إنّ المقيم عن النّزاع في شغل‏ (4)

و ليس يأتلف الإحسان في ملك، # حتّى يؤلّف بين القول و العمل‏

فما أملّ مديحا أنت سامعه؛ # و عاشق العزّ لا يؤتى من الملل‏

____________

(1) الرهج: الغبار.

(2) القبل: اتجاه النظر إلى الأنف.

(3) لبانته: حاجته-رذيّة: ضعيفة-العيس: النياق-السبل: المسافرون.

(4) النزّاع: الغرباء.

120

ما عذر مثلي في نقص، و قولته # إنّي الرّضيّ و جدّي خاتم الرّسل‏

هذا أبي و الذي أرجو النّجاح به، # أدعوه منك طليق الهمّ و الجذل‏

لو لاك ما انفسحت في العيش همّته، # و لا أقرّ عيون الخيل و الخول‏

حططته من ذرى صمّاء شاهقة # من الزّمان عليها غير محتفل‏

تلعاء عالية الأرداف تحسبها # رشاء عاديّة مستحصد الطّول‏ (1)

تلقى ذوائبها في الجوّ ذاهبة، # يلفّها البرق بالأطواد و القلل‏

و أنت طوّقته بالمنّ جامعة، # قامت عليه مقام الحلي و الحلل‏ (2)

أوسعته، فرأى الآمال واسعة، # و كلّ ساكن ضيق واسع الأمل‏

جذبت من لهوات الموت مهجته، # و كان يطرف في الدّنيا على وجل‏ (3)

ما كان إلاّ حساما أغمدته يد، # ثمّ انتضته اليد الأخرى على عجل‏

فاقذف به ثغر الأهوال منصلتا، # و استنصر اللّيث إنّ الخيس للوعل‏ (4)

و لا تطيعنّ فيه قول حاسده؛ # إنّ العليل ليرمي النّاس بالعلل‏

أولى بتكرمة من كان يحمدها، # و الحمد يقطع بين الجود و البخل‏

كفاك منظره إيضاح مخبره، # في حمرة الخدّ ما يغني عن الخجل‏

تحمّل الشّرف العالي، و كم شرف # غطّى عليه رداء العيّ و الخطل‏ (5)

أويته من نزال المستطيل إلى # مرعى أنيق و ظلّ غير منتقل‏

إنّا لنرجوك، و الأيّام راغمة، # و الرّوض يرجو نوال العارض الخضل‏ (6)

تبلى بدولتك الدّنيا، و حاش لها # أن لا يكون علينا أبرك الدّول‏

____________

(1) التلعاء: الطويلة العنق-الرشاء: الحبل-العادية: البئر القديمة- مستحصد: مفتول.

(2) الجامعة: الغل.

(3) لهوات، جمع لهاة: اللحمة المشرفة على الحلق، و أراد هنا أشداق الموت -يطرف: ينظر-وجل: خوف.

(4) الخيس: الأجمة.

(5) الخطل: الحمق، الخفّة.

(6) العارض الخضل: الغيم الكثيف الماطر.

غ

121

ندى الكف‏

(المنسرح)

وجّه الشريف الرضي هذه القصيدة الى الملك قوام الدين، و قد تعرّض لوعكة ثم نهض منها. و كان ذلك في شوال سنة 398.

لا زعزعتك الخطوب يا جبل، # و بالعدا حلّ لا بك العلل‏ (1)

قد يوعك اللّيث لا لذلّته، # على اللّيالي، و يسلم الوعل‏

لا طرق الدّاء من بصحّته # يصحّ منّا الرّجاء و الأمل‏ (2)

حاشاك من عارض تراع به، # ذاك فتور النّعيم و الكسل‏

النّجم يخفى، و أنت متّضح، # و الشّمس تخبو، و أنت مشتعل‏

و أنت لا مرهق، و لا قلق، # و البدر مستوفز و منتقل‏ (3)

وعك كما يطبع الحسام، و في # جوهره صاقل له عمل‏

ما ضرّه ذاك، و هو منصلت، # تسقط منه الرّقاب و القلل‏

ما صرف الدّهر أسهمه، # فكلّ جرح يصيبنا جلل‏

باق تخطّاك كلّ نائبة # إلى العدا، و النّوازل العضل‏

قد ضمن اللّه أن تدوم لنا # مسلّما، و الزّمان و الدّول‏

فما يقول الأعداء لا بلغوا الـ # سؤال، و لا أدركوا الذي أملوا

ما قدروا، لا علت جدودهم، # و لا نجوا بعدها، و لا وألوا (4)

لا خوف، و الجدّ مقبل أبدا، # على اللّيالي، و أنت مقتبل‏

هل قدم الطّود، و هي راسخة، # يخاف منها العثار و الزّلل‏

____________

(1) يا جبل: كناية عن الممدوح.

(2) يعمد هنا إلى المجانسة بين صحته و ما يصح بواسطته.

(3) المستوفز: المنتصب و هو غير مطمئن.

(4) وألوا: خلصوا.

122

فانتفضي أيّها الرّءوس لها، # و استوثقي للقياد يا إبل‏

فقد أعدّت لك الأخشّة منـ # ها الشّدّة و الغروض و العقل‏ (1)

لا ترتعي معشبا، منابته # بيض الظّبى و العواسل الذّبل‏ (2)

ترعى سوام العبيد هيبته، # فكيف يرضى، و ذوده همل‏ (3)

فقل لغاو مشى الظّلام به: # أين، إلى أين قادك الخطل‏ (4)

طمعت أن ترتقي بلا قدم، # إلى العلى، راع أمّك الثّكل‏

حلمت في نومة الغرور بها # شرّ حلوم و غرّك المهل‏

فاحذر مرامي الأقدار عن ملك، # ما أمر الدّهر، فهو ممتثل‏

أ تزحم البحر في غطامطه، # أم تتعاطى السّيول، يا وشل‏ (5)

هيهات أن يسبق الجياد وج، # و يطلع الغاد قبلها وجل‏ (6)

بادرت نهب العلى فرجرجه # بوع طوال و أذرع فتل‏

رأى لصابا، فشارها صبرا، # ذق الجنى قد أظلّك العسل‏ (7)

سطو أقام العدى على قدم # و قوّم المائلين، فاعتدلوا

قد سبق السّيف عذل عاذله # لمّا تجارى الحسام و العذل‏

أ ليس من معشر بنوا شرفا # صعبا، و فيهم خلائق ذلل‏

قشاعم طارت الجدود بهم، # مذ صعدوا في العلاء ما نزلوا (8)

____________

(1) الأخشة، جمع خشاش: عود يجعل في أنف البعير-العقل: جمع عقال.

(2) بيض الظبى: السيوف المصقولة-العواسل الذبل: كناية عن الرماح.

(3) ذوده همل: نياقه متروكة.

(4) الخطل: الخطأ.

(5) الغطامط: العظيم الأمواج و الكثير الماء-الوشل: الماء القليل.

(6) الوجي: الحافي-الغاد: أراد الغادي، فحذف الياء على غرار قولنا الواد بدل الوادي.

(7) اللصاب، جمع لصب: مضيق الوادي، الطريق في الجبل-الصبر: عصارة شجر مر.

(8) القشاعم، جمع قشعم: النسر العتيق، الأسد المسن.

123

مدّوا علابيّ مجدهم، و سمت # بهم رعان الفضائل الطّول‏ (1)

المبشرات العلى منازلهم، # و القمم العاليات و القلل‏ (2)

كانوا سماء لنا، فلا عجب، # إن قطروا بالنّوال، أو هطلوا

طال لزوم القنا أكفّهم # ينآد من طعنهم و يعتدل‏

كأنّ أيديهم نبتن لهم # مع القنا حيث ينبت الأسل‏

يستعذب القتل من أكفّهم # كأنّهم ينشرون من قتلوا

ما أهملوا السّائمات حيث رعوا، # و لا أضاعوا الأمور حين و لوا

إذا استهبّوا سيوفهم أبدا، # فلم أعدّ الغمود و الحلل‏

من كلّ ممطورة مخالبه # على العدا، غير أنّه رجل‏

يعترف النّاس في مطالبه، # و يلتقي عند بابه السّبل‏

يرى جبانا عن ردّ سائله، # و هو إذا اعصوصب الوغى بطل‏ (3)

بعوده عند ضنّه يبس، # و في يديه من النّدى بلل‏

كم نعمة منك كاللّطيمة مسـ # راها نموم و عرفها ثمل‏ (4)

ألبستنيها بغيظ طالبها، # و غودرت في الأضالع الغلل‏

أصبح كيد العدوّ يجذبها # عنّي؛ لأيدي الجواذب الشّلل‏

ما لي، إذا شئت أن أزاد حلى، # من غيركم كان حظّي العطل‏

أرى نهابا تساق حافلة، # لا ناقة لي بها و لا جمل‏ (5)

و شرّ ما يرجع الغريّ به # أن عاد يرمي، و فاته الوعل‏

أين ندى كفّك الكريم لها، # و أين عادات طولك الأول‏ (6)

____________

(1) العلابي، جمع علباء: عصبة في صفحة العنق-الرعان، جمع رعن:

أنف الجبل.

(2) المبشرات، من أبشرت الأرض: أخرجت نباتها.

(3) اعصوصب الشر: اشتد.

(4) اللطيمة: وعاء المسك-نموم: منتشر.

(5) النهاب: الغنائم.

(6) الطول: الفضل.

124

بنا الأذى لا بكم، إذا نزل الخط # ب طروقا، و صمّم الأجل‏

و دمتم للعلى، و عيشكم # غضّ، و راووق عزّكم خضل‏ (1)

لا عجب إن نقيكم حذرا، # نحن جفون، و أنتم مقل‏

غياث كل أزمة

(مجزوء السريع)

بمناسبة عيد النيروز كتب الشاعر هذه القصيدة الى الملك قوام الدين، و ذلك في سنة 399.

أين الغزال الماطل، # بعدك، يا منازل‏ (2)

قد بان حالي سربه، # فلم أقام العاطل؟

من لقتيل الحبّ لو # ردّ عليه القاتل‏

يجرحه النّبل، و يهـ # وى أن يعود النّابل‏

شيّع بالقطر الرّوى # ذاك الشّباب الرّاحل‏ (3)

ما سرّني من بعده # الأعواض و البدائل‏

ما ضرّ ذي الأيّام لو # أنّ البياض النّاصل‏

كلّ حبيب أبدا # أيّامه قلائل‏

ظلّ، و كم يبقى على # فودك ظلّ زائل‏

لقد رأى بعارضيـ # ك ما أحبّ العاذل‏ (4)

____________

(1) الراووق: المصفاة، إناء يروّق فيه الشراب، استعارة للإشارة الى صفاء عيش الممدوح.

(2) الغزال الماطل: الحبيب الذي يماطل في وعوده.

(3) الروى: الماء الغزير.

(4) ما أحب العاذل: ما أحب اللائم الحاسد، أي الشيب في العارضين.

125

و استرجعت منك اللّحا # ظ الخرّد العقائل‏ (1)

و أغمدت عنك نصو # ل الأعين القواتل‏

فلا الدّماليج يقعقعـ # ن، و لا الخلاخل‏

فإن وعدن، فاعلمن # أنّ الغريم الماطل‏

و وعد ذي الشّيبة بالوصـ # ل غرور باطل‏

سقى ليالي الدّار جو # ن برقة سلاسل‏ (2)

يخلفه على الربى الـ # نّوّار و الخمائل‏

أطفال نور أرضعتـ # ها الفرق المطافل‏ (3)

تكسى العوالي، و تحـ # لّى بعده العواطل‏

كأنّما يمطره # ملك الملوك العادل‏

هو الحيا، و في الحيا # من جوده شمائل‏

غياث كلّ أزمة، # إن عضّ عام ماحل‏

و داعم الدّنيا، إذا # مادت بها الزّلازل‏

ليث هموس اللّيل عـ # دّاء النّهار باسل‏ (4)

ذو راحة يعترك البأ # س بها و النّائل‏

الفاعل الفعل الّذي # يعجز عنه القائل‏

و الحامل العب‏ء رمى # أقلّ منه الحامل‏

و القائد الفيلق تنـ # قاد له القبائل‏

تنسدّ فيه الشّمس قد # تاهت بها القساطل‏ (5)

____________

(1) الخرّد العقائل: الفتيات الكريمات المخدّرات.

(2) الجون: المطر-سلاسل: عذب.

(3) الفرق، جمع فرقة: ما دون المائة من الإبل، استعارها للسحاب الماطر -المطافل: ذوات الأطفال.

(4) هموس الليل: سيّار فيه على خفّة.

(5) القساطل، جمع قسطل: غبار الحرب.

126

قنابل تحفزها # إلى الرّدى قنابل‏ (1)

جمع كشجراء اللّديـ # دين له أرامل‏ (2)

يخشى عواليه ورا # ء الحبر المقاتل‏ (3)

كأنّ معروض القنا # ينقله الصّواهل‏

أراقم تحملها # عقارب شوائل‏ (4)

كما تثوب الدّبر قد # عاد إليها العاسل‏ (5)

فقل لغاو مدّه # في الغيّ رأي قاتل:

إنّي ارتقيت خطّة، # أمّك فيها هابل‏ (6)

ساورت أطوادا تر # دّى دونها الأجادل‏ (7)

ردّك عن صعودها # بالخزي جدّ نازل‏

فات يديك قابها، # و القلل الأطاول‏

و هل تنال ما علا # عن لحظك الأنائل‏ (8)

يا لك من حاف مشى # حيث يزلّ النّاعل‏

إنّ قوام الدّين عن # ثغر العلى مناضل‏

يمنّع الطّود، فلا # راق و لا مطاول‏

أ ما رأى ابن واصل # تقنصه الحبائل‏

ألقاه في تيّار جـ # مّ ما له سواحل‏

____________

(1) القنابل، جمع قنبلة: الطائفة من الناس و الخيل-تحفزها: تسوقها، تدفعها.

(2) اللديدان: جانبا الوادي-الأرامل، جمع أرمولة: نوع من الشجر.

(3) العوالي: الرماح العالية-الحبر (بفتح الباء) : كثرة النبات.

(4) أراقم: حيّات-شوائل: رافعات أذنابها.

(5) الدبر: مجموعة النخل-العاسل: الذي يجني العسل.

(6) هابل: ثكلى، و عبارة أمّك هابل تعني شدّة الخطر.

(7) الأجادل: الصقور، جمع أجدل.

(8) الأنائل، جمع نائل: ما ناله الانسان.

127

فطار ترقيه الظّبى، # و الأسل الذّوابل‏

أفلتها منخرق الـ # جلد له و لاول‏

عار على عاتقه # من دمه حمائل‏

ينزل منه منزل الرّد # ف الطّويل الذّابل‏

يلفظه لفظ السّحا # الآطام و المعاقل‏ (1)

تقطّعت بينهما # بالقضب الوسائل‏

دلاّه فيها مثل ما # دلّى السّنان العامل‏

يمضي العوالي حيث تثـ # وى تحتها الأسافل‏

و ما على الأكعب أن # تنحطم العوامل‏

حاول ردّ غربها، # يا بعد ما يحاول‏

كدافع في صدر سيـ # ل الطّود، و هو سائل‏

حتّى امتطى راحلة # تنكرها الرّواحل‏

لا ترد الماء، و لا # تطوى بها المنازل‏

لربّها نباهة # في النّاس، و هو خامل‏

في العين عال، و هو في الـ # قلب مذال سافل‏ (2)

و فارس لا ينزل الـ # دّهر، و لا ينازل‏

فاخبط رصيد فتنة # تخشى بها الغوائل‏

هناك ضبّ كدية # لاط، و ذئب عاسل‏ (3)

فاليوم بكر، و غدا # صعب القياد بازل‏

و اللّه فيه ضامن # لما أردت كافل‏

إن كان ذا العام له، # فللمنايا قابل‏

و من دواء الدّاء أن # ماطل كيّ عاجل‏

____________

(1) السّحاء: ما انقشر من الشي‏ء-الآطام و المعاقل: الحصون.

(2) مذال: مهان.

(3) الكدية: الأرض الصلبة-لاط: لصق-عاسل: مضطرب في سيره.

128

في كلّ يوم من أيا # ديك قطين نازل‏

أبعد عنه، و هو عـ # نّي في البلاد سائل‏

كالغيث ضوء بارق # منه، و ريّ وابل‏

أواخر من منن # يضمّها الأوائل‏

فنعم لي من ولد، # و نعمت الحوامل‏

فدم على الدّهر تخـ # طّى ربعك النّوازل‏

ما لك عن دار العلى، # أخرى اللّيالي، ناقل‏

و ابلغ من النّيروز ما # يبلغ منك الآمل‏

تمضي اللّيالي بك، و الـ # مقدار عنك غافل‏

كالنّصل يمضي صاقل # عنه، و يأتي صاقل‏

و هو، كما ساء العدا، # ماضي الغرار قاصل‏

آل بويه أنتم الـ # أعناق و الكواهل‏

فيكم ينابيع النّدى، # و الدّلّح الهوامل‏ (1)

هواجر الأيّام في # ظلالكم أصائل‏ (2)

و النّاس أنتم، و سوا # كم باقر و جامل‏ (3)

ما في الرّجاء بعدكم، # و لا البقاء طائل‏

____________

(1) الدّلّح، جمع دالح: السحابة الكثيرة الماء.

(2) هواجر، جمع هاجرة: شدّة الحر.

(3) باقر و جامل: راعي بقر و راعي جمال.

غ

129

أهلا بهن‏

(البسيط)

كتب الشريف هذه القصيدة إلى الملك قوام الدين و فيها يشكره على ورود الكتب من حضرته مع الأمر بإعداد الخلع و الحملان له، و ذلك في جمادى الأولى سنة 402.

أهلا بهنّ على التّنويل و البخل، # و قرّبتهنّ أيدي الخيل و الإبل‏

القاتلات بلا عقل و لا قود، # و الماطلات بلا عذر و لا علل‏ (1)

كان اللّقاء إساءات بذي سلم # إلى القلوب و إحسانا إلى المقل‏

كأنّما عاذلات الصّبّ بعدهم، # يفتلن عقلا لشرّاد من النّزل‏ (2)

يرمن في السّارح المرعيّ محبسه، # و همّه اليوم أن يغدو مع الهمل‏ (3)

رمين منه و حادي الشّوق يحفزه، # بقاطع ربق الأقياد و العقل‏ (4)

يطلبن برئي بأمر زاد في سقمي؛ # إنّ الأساة لأعوان مع العلل‏ (5)

حاولن شغل فؤادي من علاقته # بالعقل، و القلب عند البيض في شغل‏

إنّ الرّبائب من غزلان أسنمة، # أعلقن ذا الشّيب أعلاقا من الغزل‏ (6)

من كلّ ريم هوى ألحاظ مقلته # يمسين للعذر أنصارا على العذل‏

حليّه جيده لا ما يقلّده، # و كحله ما بعينيه من الكحل‏

____________

(1) العقل: الدّية-القود: القصاص، الانتقام.

(2) العقل: جمع عقلة: ما يعقل به و يربط كالقيد، و العقال هو حبل يشد به البعير في ذراعه-النزل: النازلون.

(3) يرمن، من رام بالمكان: أقام فيه و ثبت-الهمل: المتروك يرعى وحده.

(4) الربق، جمع ربقة: العروة في الحبل.

(5) الأساة: الأطبّاء.

(6) الربائب: القطعان-أسنمة: اسم لجبال.

130

غاد تلفّت، و المشتاق يتبعه، # صفح الطّليق إلى المقصور بالطّول‏ (1)

أ ما كفاهم لجاج الدّمع بعدهم، # حتّى استعانوا على عينيّ بالطّلل‏

يا قاتل اللّه ريعان الشّباب، و ما # خلّى عليّ من الأشجان و الغلل‏

و رفضة من سواد اللّيل مطمعة # كان المشيب إليها رائد الأجل‏ (2)

قالوا: الجفان لودّ البيض مطمعة؛ # قد ضلّ طالب ودّ البيض بالحيل‏

إنّي أقول لملاّق ركائبه: # مهّل عليك فليس الرّزق بالعجل‏

ليس المقام بثان عنك واردة # من الحظوظ، و لا الأرزاق بالرّحل‏

أما ترى الرّزق في الأوطان يطرقني # و لم أقلقل أصيحابي و لا إبلي‏

في كلّ يوم قوام الدّين ينضحني # بماطر غير منزور و لا وشل‏ (3)

يروي، و لم يتوقّع صوب عارضه، # و لم يقدّم بشير الطّارق العمل‏ (4)

ظفرت بالنّفل المطلوب في وطني، # و إنّما يرجع الغازون بالنّفل‏ (5)

من كلّ بيضاء لم تخطر على خلدي # من الأيادي و لم تبلغ إلى أملي‏

ذرّت إليّ ذرور الشّمس طالعة، # شروقها أبدا باق بلا أصل‏ (6)

في كلّ يوم جديد من صنائعه # إليّ، لا ناقتي فيها و لا جملي‏

يردّني بقنيص ما نصبت له # على المطامع أشراكا من الأمل‏

و سمت عقلي و أرغمت المعاطس في # منّ العدا و أقمت الصّفو من ميلي‏

رفعت ناري على علياء مشرفة # من المعالي و أخضعت النّوائب لي‏

فهل تركت لذي الأوطار من وطر # يسعى له و لذي الآمال من أمل‏

لم يبق طولك في جيدي مكان حلى، # و إنّما يستعار الحلي للعطل‏

____________

(1) المقصور بالطول: المربوط بالحبل.

(2) الرفضة: الشي‏ء القليل-سواد الليل: كنّي به عن لون الشّعر.

(3) الوشل: ما ينزّه الصخر من ماء.

(4) صوب عارضه: مطر غيمة-الطارق العمل: القادم ليلا و الثابت.

(5) النفل: الغنيمة.

(6) ذرّت: طلعت-الأصل، جمع أصيل: الوقت بعد العصر.

131

أغنت ملابس فخر أنت مسحبها # عن رائع الحلي أو عن رائق الحلل‏

أنتم لنا نفس من كلّ كاربة، # و أنجم في ظلام الحادث الجلل‏

تنبو إذا لم تكن عنكم ضرائبنا، # و السّيف أقطع شي‏ء في يد البطل‏

النّاس ما غبتم سلك بلا درر، # و لا نظام، و أجفان بلا مقل‏

مثل النّهار بلا شمس تضي‏ء به، # أو الظّلام بلا بدر و لا شعل‏

من معشر وردوا العلياء جمعتها، # و سابقوا عجل الجارين بالمهل‏

لقوا الخطوب بلا خوف و لا ضعف، # و الرّائعات بلا ميل و لا عزل‏ (1)

طاروا بألباب ذؤبان مسوّمة، # رعين بين مجال البيض و الأسل‏

في جحفل كشحاء البحر مدّ به # مزمجر يضرب العرنين بالجفل‏ (2)

مجرّه كمجرّ السّيل ذو لثق # من انبعاق الدّم الجاري و ذو خضل‏ (3)

يرمي به ملك الأملاك يعتبه # قطع الدّليل بما يعمي من السّبل‏ (4)

أ ما نهى النّاس عنكم صوب بارقة # يشكو إلى اليوم ناحيها من البلل‏

في أربق، و سيوف الموت ماضية، # يطعن أمرك في الأعناق و القلل‏ (5)

قصّرت رمحك طولا في صدورهم، # و رمح غيرك لم يقصر و لم يطل‏

طاشت رءوسهم حتّى جعلت لهم # مناصبا من أنابيب القنا الذّبل‏

راموا بذلّهم إيهان عزّكم، # كمبرد القين نحّاتا من الجبل‏ (6)

فأين رخم الرّقاب الغلب رافعة # دون العلى و قراع الأذرع الفتل‏ (7)

____________

(1) الميل، جمع أميل: من يميل عن السرج-عزل، جمع أعزل: من لا سلاح معه.

(2) شحاء البحر: سعته-العرنين: الأنف-الجفل: الهزيمة.

(3) اللثق: الماء و الطين، الوحل-الخضل: الابتلال.

(4) يعتبه: يرضيه، يزيل عتبه.

(5) أربق: اسم قرية بفارس-القلل: الرءوس.

(6) القين: الحدّاد.

(7) الرخم، جمع أرخم: هو من الخيل ما كان فيه بياض و سواد.

132

هيهات ردّت إلى الأعناق كانعة # أيد قصرن عن الأطواد و القلل‏ (1)

كدأبها يوم يمّ، و القنا شرع، # و الضّرب يبعد بين العنق و الكفل‏

أسلن بالدّم وادي كلّ غامضة # من العيون كماء المزن لم يسل‏

حتّى رجعن و لم يتركن فاغرة # من العدوّ إلى قول و لا عمل‏

جرى الثّقاف على عوذ مقلقلة، # ذودين من أود باد و من خطل‏ (2)

قضى لك اللّه أن يجري بلا أمد، # و أن يدوم مع الدّنيا بلا أجل‏

توقّلا في بناء غير منتقض # من المعالي، و ظلّ غير منتقل‏ (3)

معطى عنانا من النّعمى فقدت به # تغاير الدّهر بالأيّام و الدّول‏

و كلّما جزت عاما أو بلغت مدى # ردّ الزّمان على أيّامك الأول‏

صفحات بيض‏

(المتقارب)

بمناسبة عيد النيروز نظم الرضي هذه القصيدة في مدح الملك قوام الدين، و ذلك سنة 402.

ذكرت، على بعدها من منالي، # منازل بين قبا و المطال‏

و مبنى قباب بني عامر، # على الغور أطنابهنّ العوالي‏

عقائل علّمهنّ العفا # ف وصل المطال و مطل الوصال‏ (4)

مرابع يشكو بهنّ الجراح # أسود الشّرى من ظباء الرّمال‏

____________

(1) كانعة: مشنّجة-القلل: القمم.

(2) العوذ: الحديثة الولادة من الظباء و الإبل و الخيل-ذودين، مثنى ذود:

القطعة من الإبل-الأود: الاعوجاج-الخطل: الخطأ.

(3) توقّلا: تصعدا.

(4) عقائل، جمع عقيلة: الكريمة العفيفة.

133

مضاحكهنّ عقود العقود، # و أجيادهنّ لآلي اللآلي‏

أبعد الأسى عاد عيد الغرا # م، و قرف من الشّوق بعد اندمال‏

هوى بين مقتصّ إثر الغزا # ل ولّى، و منتصّ جيد الغزال‏ (1)

و ما طلب البذل من باخل # بميسوره، غير داء عضال‏

و ما زال يلوي ديون الهوى، # و يؤيسنا من قليل النّوال‏

إلى أن قنعنا بزور المزا # ر، بعد النّوى، و خيال الخيال‏

إليك، فقد قلصت شرّتي، # بعيد البياض، قلوص الظّلال‏ (2)

و بدّلت ممّا يروق الحسا # ن من منظر ما يروع العوالي‏

سواد يعجّل زور البياض، # علوق الضّرام برأس الذّبال‏ (3)

و مرّ على الرّأس مرّ الغمام، # قليل المقام سريع الزّيال‏

فليس الصّبا اليوم من أربتي، # و لا ذلك البال، يا عزّ، بالي‏ (4)

حلفت بهنّ دوامي الفجاج # إلى الخوف يطلبنه من ألال‏ (5)

خماصا تساوك بالمجرمين # بعقل الوجا و قيود الكلال‏ (6)

يماطلن بالوخد عند الجذاب، # كأنّ الزّمام مكان العقال‏ (7)

أطرن من الأين حتّى بريـ # ن، أطر القسيّ و بري النّبال‏ (8)

لقد ربّنا من غياث الأنام # مقيم الصّغا و دليل الضّلال‏ (9)

____________

(1) منتص، من انتص: ارتفع. يعمد هنا إلى المجانسة بين مقتص و منتص.

(2) قلصت: انقبضت-الشرة: الحدّة، النشاط.

(3) الذبال: الفتيلة.

(4) عز، مرخّم عزّة: اسم امرأة.

(5) الفجاج: الأودية، الشقوق في الأرض-الألال: الأمان.

(6) خماصا: ضامرة-تساوك: تسير سيرا ضعيفا-عقل؛ جمع عقال:

رباط-الوجا: الحفا.

(7) الوخد: نوع من السير.

(8) الأين: التعب.

(9) ربّنا: جمعنا-الصّغا: الميل.

134

حمول نهوض بأعبائها، # إذا البزل جرجرن تحت الرّحال‏ (1)

فتى في النّدى أخرق الرّاحتين، # صناعهما في بناء المعالي‏ (2)

إذا ما علقت به في الخطوب # زحمت بكلكل عود جلال‏ (3)

عرفنا بك اليوم عليا أبيـ # ك، و الفحل تعرفه بالسّخال‏ (4)

هو الغيث أقلع مستخلفا # علينا وقيعة ماء زلال‏

لئن كنت تاليه في ذا الجلال، # فإنّك قدّامه في الكمال‏

و لو لا الحياء لجاورته، # و ربّ أخير أمام الأوالي‏

مقيم بحيّ على فارس، # رقاق البرود رقاق النّعال‏ (5)

أبوا أن يخلّوا بنار القرى، # و لو وقدوا نارهم بالعوالي‏

يدلّ الضّيوف على دارهم # سنا المجد أو طيب عرف الخلال‏

بنار المقاري و نقع الغبار، # تشابه أيّامهم و اللّيالي‏

لقد نطح الجدّ أعداءهم # برأس جموح و روق طوال‏ (6)

لهم صفحات كبيض الصّفيح، # حلاهنّ عن جوهر المجد حال‏ (7)

و أيد سجاح كرام معا، # بمجد مصون و مال مذال‏ (8)

____________

(1) البزل، جمع بازل: الجمل الذي طلع نابه-جرجرن، من الجرجرة:

(2) صوت يردده البعير في حنجرته.

(3) الأخرق: المتوسّع في السخاء-الصناع: الحاذق.

(4) زحمت: دفعت-الكلكل: الصدر-العود: المسنّ من الإبل-الجلال:

(5) العظيم.

السخال، جمع سخل: ولد الشاة.

رقاق البرود رقاق النعال: كناية عن الحياة المتنعمة و علو المنزلة.

(6) الروق: القرن-طوال: طويل.

(7) حلاهن: زيّنهن.

(8) سجاح: حسان، معتدلة، لينة-مذال: مبتذل بالانفاق.

135

إذا افتخروا ضعضعوا الفاخريـ # ن، خطم القروم رقاب الإفال‏ (1)

و جاءوا بأصل من الدّيلمين # أرسى على من أصول الجبال‏ (2)

أقول لساع على إثرهم، # يطالب شأوا بعيد المنال‏

حذار، فإنّ على الجلهتين # هموس الدّجى مرصدا للرّعال‏ (3)

له هامة كرحى الطّاحنات، # تدور على لبدة كالثّفال‏ (4)

ينوء تحامل ذي ريثة، # و يقعد إقعاء غرثان صال‏ (5)

و ما زال ساعده و اللّبان # على جزر من لحوم الرّجال‏

كسوب، إذا ما اكتفى بالقنيـ # ص لم يدّخر مطعما للعيال‏

أ لم ينهكم رشّ شؤبوبه # بوابل ذي برد و انسجال‏

و يحميكم عن ورود الحمام # تخمّط قرم قديم الصّيال‏ (6)

و قود الجياد على أنّها # تصاهل تحت القنيّ الطّوال‏

توقّع يوم الوغى بالنّجيع، # و تنعل بين القنا بالقلال‏ (7)

سبقن العجاجة يحملنها، # أراقم لامظة للنّزال‏ (8)

عليهنّ كلّ ابن أمّ الطّعان # ربّي القنا، أو ربيب النّصال‏

____________

(1) الخطم: الانف-القروم، جمع قرم: شجاع، سيّد-الافال، جمع أفيل:

الفصيل، ابن الناقة.

(2) الديلمين: اسم جبال و إليها ينسب شعب الديلم.

(3) الجلهتين: حافتي الوادي-الهموس: السيار في الليل، الأسد الخفيف الوطء، الأسد الكاسر لفريسته-الرعال، جمع رعلة: القطعة من الخيل.

(4) الهامة: الرأس-اللبدة: الشعر المتلبد على كتفي الأسد-الثفال: الحجر الأسفل من الرحى، و هو أيضا جلد يبسط تحت الرحى.

(5) ينوء: ينهض بجهد و مشقة-الريثة: البطء.

(6) التخمط: الغضب الزائد-القرم: السيد الشجاع-الصيال: جمع صولة.

(7) النجيع: الدم-القلال: الرءوس.

(8) العجاجة: الإبل الكثيرة العظيمة، و غبار الحرب-أراقم: حيّات-لامظة:

محركة ألسنتها.

136

إذا ريع شمّر للمحفظات، # و جرّ ذيول الحديد المذال‏ (1)

نضحن من الشّدّ نضح المزاد، # ثمّ انطلقن انطلاق العزالي‏ (2)

يخلن، إذا بلّهنّ الجميم، # عقبان يوم ندى أو ظلال‏ (3)

ترى كلّ مشترف للعوار # ضليع الأضالع سامي القذال‏ (4)

يفوت مقلّده و العذا # ر مرمى يد الشّيظميّ الطّوال‏ (5)

كأنّ الطّريد إلى ظلّة، # يمدّ بعلو لفات الجبال‏ (6)

ينال المدى قبل رشح العذار، # و ما سوط فارسه غير هال‏ (7)

إذا حرّكته عروق السّياق # بين الحضار و بين الثّقال‏ (8)

مضى يثب الدّوّ وثب التّمام، # و ينضو المقاديم نضو التّوالي‏ (9)

مددتم بباعي بعد القصور، # و ألحقتم عطلي بالحوالي‏

و أطلعتموني فوق الرّجاء، # بعيدا، و فوق منال اللّيالي‏

و أطلقتم الحدّ من مضربي، # و حادثتم قائمي بالصّقال‏

و أحذيتم قدمي حذوة # من المجد غير جذيم القبال‏ (10)

رمى اللّه دولتكم بالثّبات، # إذا ما رمى غيرها بالزّوال‏

____________

(1) المذال: الطويل.

(2) العزالي، جمع عزلاء: مصب الماء.

(3) الجميم: معظم الماء.

(4) المشترف: المنتصب-العوار: العيب-القذال: أسفل مؤخر الرأس.

____________

(5) الشيظمي: الطويل الجسيم.

(6) اللفات، جمع لفت: شق الشي‏ء، جانبه.

(7) هال: زجر للخيل.

(8) الحضار: جودة العدو-الثقال: البطء.

(9) الدو: الفلاة-التمام: الكمال، ما يتم به الشي‏ء-ينضو: يتقدم- المقاديم، جمع مقدم: ما استقبلت من الوجه-التوالي: التوابع من الخيل.

(10) الجذيم: المقطوع-القبال: زمام بين الأصبع الوسطى و التي تليها.

137

و أسحبكم صافنات العلاء، # جرّ الشّموس طراق الجلال‏ (1)

جريتم على الدّهر جري الثّقاف # رأب اللّثى و قيام الممال‏ (2)

زمان على كزمان الشّباب # غضّ الجنى، أو زمان الوصال‏

لياليه صبح من المغبطات، # و أيّامه من سكون ليالي‏

ما حاجتي إلاّ المعالي‏

(الطويل)

نظم الشاعر هذه القصيدة سنة 378 و فيها يهنئ والده بعيد الأضحى.

ردي، يا جيادي، و أذني برحيل، # سترعين أرض الحيّ بعد قليل‏

ألا إنّ في قلبي إلى المجد طربة، # و عند القنا يوما شفاء غليلي‏

إذا ما اتّخذت اللّيل درعا حصينة # فأهون بخطب للزّمان جليل‏

عليّ دماء البدن إن لم أثر بها # رعيلا يشقّ الأرض بعد رعيل‏ (3)

فآخذ حقّي أو يثور غبارها، # من القاع، عن أرض بشرّ مقيل‏

و ما حاجتي إلاّ المعالي، و قلّما # يضيع رجائي، و الطّعان رسولي‏

و إنّي لترّاك البلاد، إذا نبت # عليّ، و ما ذو نجدة بذليل‏

و إنّي معير ساعدي من أراده، # بأبيض طاغي الشّفرتين صقيل‏

إلى المجد دون الرّبع رمّت عزائمي، # و بالعزّ دون الغيد بان نحولي‏ (4)

____________

(1) الجلال: جمع جل.

(2) الثقاف: ما تسوّى به الرماح و تقوّم-الرأب: الاصلاح-اللّثى: ماء يسيل من الشجر كالصمغ و غيره.

(3) أثر: أثب-الرعيل: جماعة الخيل المتقدمة.

(4) رمّت: بليت-نحولي: هزالي.

غ

138

أسوم الهوى نفسا عزوفا عن الهوى، # و قلبا لضيم الحبّ غير قبول‏

و أمنع ودّي النّاس إلاّ أقلّه، # لآمن من طاغ عليّ صئول‏

و أعدو من عقلي خبيئا أصونه، # و أفدي كثيري منهم بقليل‏

و أحطم سرّي في الضّلوع مخافة، # أ لم يأن يوما أن أذيع دخيلي‏

نديمي على شرب الهموم مهنّد، # إذا شاء أصغى الهمّ دون مقيلي‏ (1)

و إنّي آبى أن أذلّ و في يدي # عناني، و لم يقطع عليّ سبيلي‏

و كلّ دم عندي، إذا ما حملته، # و إن أثقل الأقوام، غير ثقيل‏

و إنّ طريقي بالمناسم فاضحي، # إذا لم تسر فيه الصّبا بذيول‏ (2)

و كم من حبيب قد سقاني فراقه # و غالطت عنه القلب غير ملول‏

و قد نمنم الوسميّ بيني و بينه، # و والى بمغبرّ الرّباب هطول‏ (3)

و إنّ طراد النّفس عمّا ترومه # أشدّ عناء من طراد قتيل‏

يرجّي عداتي كلّ يوم، و يتّقى # شذاتي، و بعضي في الجدال لقيلي‏ (4)

يقرّ بعيني أن أروح محسّدا، # فما حسد الحسّاد غير نبيل‏ (5)

و ما صافحت يوما يدي يد غادر، # و لا ضاق خلقي عن مقام نزيل‏

و أوّل لؤم المرء لؤم أصوله، # و أوّل غدر المرء غدر خليل‏

عذولي من أوطا قرا العجز مركبا، # و لكنّ ظهر العزم غير ذلول‏ (6)

نسيم من الدّنيا يطيب لناشق، # و أيّ أوام بعده و غليل‏ (7)

____________

(1) أصغى: أمال.

(2) المناسم، جمع منسم: الطريق.

(3) الوسمي: أول المطر-نمنم: نقش، زخرف، ترك أثرا في التراب- الرباب: السحاب الأبيض-الهطول: المطر الغزير.

(4) الشذاة: بقيّة القوة-القيل: القول.

(5) نبيل: ذكي.

(6) أوطا: مهّد-القرا: الظهر.

(7) الأوام: العطش.

139

تفي‏ء اللّيالي فيئة الظّلّ للفتى، # بنعمى، و ما إنعامها بجزيل‏

تداعت لي الأيّام حتّى رمينني # بما كنت أخشى من لقاء بخيل‏

و لا بدّ لي أن أغسل العار بعده، # و يا ربّ عار دام غير غسيل‏

يظنّ الفتى أنّ التّطاول دائم، # و كلّ صعود معقب بنزول‏

أ أرجو ذباب السّيف ثمّ أخافه، # و أرضى بسخط المجد قول عذول‏

و بالضّرب ما نال ابن موسى مراده، # و حلّ ذرى العلياء أيّ حلول‏

فتى سوّم الآراء مبرمة القوى، # و لا رأي إلاّ الرّأي غير سحيل‏ (1)

تعلّم من آبائه و ثباتهم # على المجد من عليا قنا و نصول‏

و ما ضرّه لو كان كلّ قبيلة # تطالبه يوم الوغى بدخول‏

و قد علم الأعداء أن لا يردّهم # بغير زفير خانق و عويل‏

إذا طرق الخطب البهيم عياله، # و قد مال عنق الرّأي كلّ مميل‏

عزيمة لاو مستبدّ برأيه، # و عقل امرئ لم يستعن بعقول‏

جرور على مرّ الخدائع ذيله، # و أعظم ما يعطي بغير سئول‏

و يا ربّ طاغ من أعاديه طامح # أذال اللّيالي منه أيّ مذيل‏

أطال عنان الأمن حتّى أظلّه # بأغبر طام من قنا و خيول‏

و كم رحم أطّت به و هو مغضب # فعاد إلى الإحسان غير مطول‏ (2)

إذا بعد الأعداء عن سطواته، # فلا يأمنوا من بالغ و وصول‏

كأنّي بها بزلاء قد صبّحتهم # سميط الذّنابى غير ذات حجول‏ (3)

مذكّرة لا تصدم القوم صدمة # فتقلع إلاّ عن دم و قتيل‏

نذار لكم من كيده، إنّ قلبه # ضموم على الأسرار غير مذيل‏

____________

(1) السحيل: ما لم يبرم غزله.

(2) أطت: حنت-المطول: المماطل.

(3) البزلاء: الداهية العظيمة-السميط: المسموطة-الحجول، جمع حجل:

القيد، الخلخال.

140

و رجراجة تلتفّ أيدي جيادها، # و أيّ ضجاج من وغى و صهيل‏ (1)

و جرد تمطّى في الأعنّة شزّب، # كأنّ حواميها رقاب وعول‏ (2)

ضوامر من طول الوجيف كأنّها # ذوائب نبت طامنت لذيول‏ (3)

تدافعن في شعواء لا الطّود عندها # بعال، و لا جلد الرّبى بحمول‏ (4)

رعين بها شول الرّماح كأنّها # غداة الوغى في بارض و جليل‏ (5)

و كم خاض تأمور الظّلام بفتية، # يرون وعور اللّيل مثل سهول‏ (6)

تنوش أنابيب الرّماح وراءهم # كأسد تماشيها جوانب غيل‏ (7)

سيوف إباء في أكفّ أبيّة، # و كلّ طويل في يمين طويل‏

تغامر بالآراء قبل جيوشه، # و بيض الظّبى بيض بغير فلول‏

فإن غنم الجيش المغير وراءه، # فما غنمه في الحرب غير غلول‏

لك اللّه هذا العيد يحدو طليعة # كغائب عزّ مؤذن بقفول‏

و لو لم يكن في عيدنا غير أنّه # دليل على السّرّاء أيّ دليل‏

و ما زاحم الأيّام إلاّ تطلّعا، # إليك، بيوم في العيون جميل‏

و مدّ سماء من علائك ملؤها # نجوم من الإقبال غير أفول‏

فنل ما أنال الدّهر سعدا و غبطة، # فربّ زمان حلّ غير منيل‏

بقيت اللّيالي ما سلبن، و هل فتى # يطالب أمرا إن مضى بكفيل‏

بقيت، و أفنيت الأعادي، فإنّه # شفاء جوى بين الضّلوع دخيل‏

و هوّن تقديم العدوّ بغصّة، # ولوج الرّدى في أسرتي و قبيلي‏

____________

(1) الرجراجة: الكتيبة المحاربة التي تضطرب في سيرها لكثرتها.

(2) الشزّب: الضامرة-الحوامي: الحوافر.

(3) الوجيف: ضرب من سير الإبل و الخيل-طامنت: سكنت و انحنت.

(4) الشعواء: الغارة المتفرقة-جلد الربى: أرض الربى.

(5) الشول: الموضع-البارض: النبات أول خروجه-الجليل: نوع من النبات.

(6) تامور الظلام: قلبه.

(7) تنوش: تقضم، تكسر-الغيل: مبيت الأسد.

141

و لي في عدوّي إن مشى الموت نحوه # عزاء إذا أودى الرّدى بخليل‏

على أنّه ما أخطأتني منيّة، # إذا هي غالت من أودّ بغول‏

و لي غرض أن لا تزال قصيدة # تجمجم يوما عن مناي و سولي‏ (1)

كلام كنظم الدّرّ غير مناهب، # و قول كصدر العضب غير مقول‏

و لست بداع بعد هذه فوقها، # و لا مثلها من موجز و مطيل‏ (2)

جدي النبي المرسل‏

(الكامل)

نظم هذه القصيدة في عيد الفطر سنة 379 و فيها يهنئ والده و يمدحه.

ما ابيضّ من لون العوارض أفضل، # و هوى الفتى ذاك البياض الأوّل‏

مثلان: ذا حرب الملام و ذا له # سبب يعاون من يلوم و يعذل‏

أرنو إلى يقق المشيب، فلا أرى # إلاّ قواضب للرّقاب تسلّل‏ (3)

و اللّمّة البيضاء أهون حادث # في الدّهر لو أنّ الرّدى لا يعجل‏ (4)

و لقد حملت شبابها و مشيبها، # فإذا المشيب على الذّوائب أثقل‏

إنّي غررت من الهوى، فشربته، # لم أدر أنّ عقيب شربي حنظل‏

و علمت أنّ وراي أطول سكرة # ممّا أعلّ من الغرام و أنهل‏

عجبا لمن يلقى الهوى بفؤاده، # عجلان، و هو من التّجلّد أعزل‏

____________

(1) تجمجم: تقول كلاما مبهما.

(2) بداع: وردت في نسخة أخرى: براع، و في غيرها: بواع.

(3) اليقق: البياض الشديد.

(4) اللمّة: الشعر المجاوز شحمة الأذن.

142

إن لا يعرّض للذّوابل قلبه، # إنّ الطّعان من البلابل أسهل‏ (1)

الآن جلّلني الوقار رداءه، # و انجاب عن عينيّ ذاك الغيطل‏ (2)

و نزعت وجدا كان يشمخ كلّما # أغرى الملام به و لجّ العذّل‏

أنا من علمت و ليس يطفئ سطوتي # غلواء من يطغى إليّ و يجهل‏

يغضي العدوّ، إذا طلعت، و قلبه # يغلي عليه من الضّغائن مرجل‏

و يزيغني عمّا أجنّ مخاتلا، # و الأورق العاديّ لا يتزلزل‏ (3)

أجلو عليه ناجذي، و لو اجتلى # ما بين أضلاعي لبات يقلقل‏

فعلام أزجر بالوعيد و أجتري، # و إلام أطلب بالدّخول و أمطل‏

ما لي قنعت كأنّ ليس مهنّدي # بيدي، و لا جدّي النّبيّ المرسل‏

فلآخذنّ من الزّمان، غلبة، # حقّي، و أمنع ما أشاء و أبذل‏ (4)

و لأدخلنّ على النّساء خدورها # و اليوم ليل بالعجاجة أليل‏ (5)

متضايق يدعو القريب ضجاجه # أبدا، و يلمع بالبعيد القسطل‏ (6)

و عليّ أن يطأ العراق و أهلها، # يوم أغرّ من الدّماء محجّل‏

يوم تزلّ به القلوب من الرّدى # جزعا، و أحرى أن تزلّ الأرجل‏

و عجاجة تلقى السّماء بمثلها # عظما، كما مدّ الغمام المثقل‏

لو شام موسى كفّه في ليلها، # خفي البياض على الذي يتأمّل‏

طلب العلى، و الجدّ فيه من العلى، # و إلى المرام نأى و طال تغلغل‏

فاعزم، فليس عليك إلاّ عزمة، # و العجز عنوان لمن يتوكّل‏

أو حمّل اللّوم القضاء، فإنّه # عود لأثقال الملام مذلّل‏

____________

(1) البلابل، جمع بلبال: الهموم و الوساوس.

(2) الغيطل: هو حيث تكون الشمس من مشرقها كهيئتها من مغربها.

(3) يزيغني: يميلني-الأورق: هو من الإبل ما في لونه بياض الى سواد.

(4) الغلبة: القهر.

(5) العجاجة: الغبار-أليل: أشدّ سوادا.

(6) القسطل: غبار الحرب.

143

و يجير من عوراء همّك سابح، # أو صارم، أو ذابل، أو مقول‏

لا تحدثن طمعا و جدّك مدبر، # و اطلب مدى الدّنيا و جدّك مقبل‏

و اعقل رجاءك بالحسين، فإنّه # حرم يذمّ من الزّمان و معقل‏ (1)

جذلان تقطر نعمة أيّامه، # للطّالبين، فراغب و مؤمّل‏

ماضي المقال يكاد من تطبيقه، # يوم الجدال، يئنّ منه المفصل‏

غير المعاجل بالعقاب، إذا هفا # جرم، و يسبق بالعطاء و يعجل‏

ضرغام هيجاء كفاه بأنّه # عند القواضب و القنا بي مشبل‏ (2)

نستعطف الأمر المولّي باسمه # فيعود، أو ندعو العلاء فيقبل‏

و لربّ يوم قد ملأت فروجه # خيلا، تدرّع بالغبار و ترقل‏ (3)

و فوارسا يتزاحمون على الرّدى # نهلا، و قد عزّ البرود السّلسل‏

من كلّ أروع ماجد في كفّه # قلق هتوف بالمنون و معول‏

ضربا كأشداق الهجان رواغيا، # و وغى كما اضطرم الأباء المشعل‏ (4)

و عيون طعن كالعيون يمدّها # ماء مذانبه العروق الذّبّل‏ (5)

من كلّ شوهاء الضّلوع مثيرها # متعوّذ، و النّاظر المتأمّل‏

شهّاقة تدق النّجيع، و تنطوي # فيها المسائل أو تضلّ الأنمل‏ (6)

ينزو لها علق تمطّق خلفه، # أو عاند يلقى النّواظر شلشل‏ (7)

و لديك إن طمح العدوّ صوارم # تدمي عرانين العدا و تذلّل‏

____________

(1) يذم، من أذمّ: أجار.

(2) مشبل: ملتصق، ملتزم، و قد استعملها على سبيل الاستعارة.

(3) ترقل: تسرع.

(4) الأباء: القصب.

(5) المذانب، جمع مذنب: جدول.

(6) تدق: تقطر-النجيع: الدم.

(7) العلق: الدم-التمطق: التذوق-العاند: العرق الذي لا يرقا دمه- الشلشل: المتتابع القطر.

144

كالنّار ما يسألن غير ضريبة، # و السّيف أعلى من يجود و يسأل‏

يستبهم الأمر الفظيع، فلا ترى # إلاّ القواضب مطلعا يتقبّل‏

ما بين من يخشى المنيّة، و الذي # يصلى بها في العمر، إلاّ منزل‏

لا تنظر الباغي لقربى، و ارمه # بالذّلّ، و اقطع ما عليه يعوّل‏

هذا الأمين أدال منه شقيقه، # و مضى عقيرا بابنه المتوكّل‏ (1)

و العفو مكرمة، فإن أغرى بها # متغافل قال الرّجال: مغفّل‏

و لقد حضرت، و أنت غائب نكبة، # فخلاك ما قال العدا، و تقوّلوا

لا يغررنّك أنّهم بسهامهم # أشووا، و ما بلغوا مدى ما أمّلوا (2)

هيهات لم يرم العدوّ بسهمه، # و إن انزوى، إلاّ ليدمى المقتل‏

و أنا المضارب عن علاك بمقول # ماضي الغرار، و لا الجزار المصقل‏ (3)

يدمي الجوارح و هو ساكن غمده، # و لقلّما يمضي بغمد منصل‏

هيهات يلحق بالصّميم مدرّع، # أبدا، و يزري بالبحار الجدول‏

ما صارم كدر الذّباب كصارم # خلع الجلاء على ظباه الصّيقل‏

و سماؤنا الظّلماء يكتم شخصها # أنّى أضاء العارض المتهلّل‏

ليس التّفرّد بالعلاء طماعة، # إنّ العلى درج لمن يتوقّل‏ (4)

نظم و نثر قد طمحت إليهما # صعدا، و يعنو للأخير الأوّل‏

و حديث فضلي ضارب بعروقه # في الأرض ينقله المطيّ البزّل‏

لولاك ما سمحت بقول همّتي، # قدري أجلّ من القريض و أفضل‏

هذا، و في بعض الذي امتلأت به # عنّي البلاد لقائل متعلّل‏

لمّا نظرت إلى علاك غريبة، # و مضيّع راعي المناقب مهمل‏

أحرزتها متوغّلا غاياتها، # و المجد مل‏ء يد الذي يتوغّل‏

____________

(1) أدال: أزال.

(2) أشووا: أصابوا و لم يقتلوا.

(3) الغرار: الحد-الجراز: السيف-المصقل: الصقيل، القاطع.

(4) التوقل: الاسراع في الصعود.

145

في سيرة غرّاء تستضوى بها الـ # دّنيا، و يلبسها الزّمان الأطول‏

ملئت بفضلك، فالوليّ مكثّر # ما شاع عنها، و العدوّ مقلّل‏

يفتن فيها القائلون كأنّما # طلعت كما طلع الكتاب المنزل‏

هنّأت جدّك بالتّحلّق في العلى، # و لأنت نعم المقبل المتقبّل‏

و طرحت تهنئة بأيّام أرى # فيها سواء من يقلّ و ينبل‏

و أرى لحاظ الحاسدين مريبة، # و الغيظ بين ضلوعهم يتغلغل‏

ما للزّمان يعقّني بعصابة # تجفو عليّ، مع الزّمان، و تثقل‏

يذوي على قدم اللّيالي عهدها، # مثل الأديم على التّقادم ينغل‏ (1)

ودّ الحليم شفاء دائك كلّه، # و صداقة السّفهاء داء معضل‏

العيد الجديد

(الطويل)

في هذه القصيدة يمدح الشاعر أباه و يهنئه بعيد الأضحى، و يعرض له بنكبة بعض أعدائه.

إلى اللّه إنّي للعظيم حمول، # كثير بنفسي، و العديل قليل‏ (2)

و من طعمه من سيفه كيف يتّقي، # و من يطلب العلياء كيف يقيل‏

يقولون: خالل في البلاد، و إنّما # خليلي من لا يطّبيه خليل‏ (3)

و ليس طباع النّاس وفقا، و ربّما # تفاضل فيهم أنفس و عقول‏

و لو لا نفوس في الأقلّ عزيزة، # لغطّى جميع العالمين خمول‏

____________

(1) ينغل: يفسد.

(2) العديل: الشبيه، المماثل، و قد وردت في نسخة أخرى العدو.

(3) يطبّيه: يستميله.

146

فما تطلب الأيّام من متغرّب، # له كلّ يوم رحلة و نزول‏

رمى مقتل الدّنيا بسهم قناعة، # فعزّ لأن غال الرّميّة غول‏

ألا إنّما الدّنيا، إذا ما نظرتها # بقلبك، أمّ للبنين ثكول‏

و ما يثقل الميت الصّعيد، و إنّما # على الحيّ عب‏ء للزّمان ثقيل‏

و تختلف الأيّام حتّى ترى العلى # عناء، و يغدو ما يروق يهول‏

أقول لغرّ بالمنايا و دونه # لهنّ خيول جمّة و حبول‏

ستعطى يد العاني، إذا ما دنا لها # بغير وغى قرن ألدّ صئول‏ (1)

فلا تعتصم بالبعد عنها، فإنّها # مسرّة نقي في العظام دمول‏ (2)

أرى شيبة في العارضين فيلتوي # بقلبي حدّاها جوى و غليل‏

و من عجب غضّي عن الشّيب جازعا، # و كرّي إذا لاقى الرّعيل رعيل‏ (3)

و لي نفس يطغى، إذا ما رددته، # فيعرقني عرق المدى، و يغول‏ (4)

و ما تسع الأضلاع ريعان زفرة، # يكاد لها قلب الجليد يزول‏

و ما ذاك من وجد خلا أنّ همّة # عنائي بها في الواجدين طويل‏

بكيت و كان الدّمع شيبا مبيضا # عذاري، لا جاري الغروب هطول‏

و شوكة ضغن ما انتقشت شباتها # ذهابا بنفسي أن يقال عجول‏ (5)

و إنّي إن أعط المدى متنفّسا، # نزعت أذاها، و الزّمان يديل‏

و ما أنا إلاّ اللّيث، لو تعلمونه، # و ذا الشّعر البادي عليّ قبيل‏ (6)

و قد عصبت منّي اللّيالي بساعد، # تئنّ الأعادي مرّة و تنيل‏

____________

(1) العاني: المهتم، المتعب-القرن: السيد الشجاع.

(2) مسرّة، من أسرّه: كتمه-النقي: مخ العظم-الدمول، من دمل الجرح:

تماثل للشفاء.

(3) الرعيل: القطعة من الخيل.

(4) يعرقني: يأكل لحمي، يأخذ من لحمي كما تأخذ المدى.

(5) الضغن: الحقد-الشباة: إبرة العقرب و حدّ كل شي‏ء.

(6) القبيل: الكفيل.

غ

147

إذا سطّرت نهرا وراء بيوتها، # سطوت، و ما يعدي عليّ قبيل‏ (1)

و زور المآقي من جديل و شدقم # تبلّد عنها شدقم و جديل‏ (2)

شققنا بها قلب الظّلام، و فوقها # رجال كأطراف الذّوابل ميل‏

و هبّت لأصحابي شمال لطيفة، # قريبة عهد بالحبيب بليل‏

ترانا، إذا أنفاسنا مزجت بها، # نرنّح في أكوارنا و نميل‏ (3)

و لم أر نشوى للشّمال عشيّة، # كأنّ الذي غال الرّءوس شمول‏

و برق يعاطينا الجوى غير أنّه # به من عيون النّاظرين نحول‏

و ليل مريض النّجم من صحّة الدّجى # نضونا، و لألاء النّصول دليل‏

و أخضر مستور التّراب بروضة، # رعينا، و قد لبّى الرّغاء صهيل‏

و عدنا بها و اللّيل ينفض طلّه، # سقاط اللآلي، و النّسيم عليل‏

إذا استوحشت آذانها من تنوفة، # و حمحم و خد دائب و ذميل‏ (4)

رمت بأناسيّ الحداق و راعها # أبارق يعرضن الرّدى و هجول‏ (5)

و لو لا رجاء منك هزّ رقابها، # لما آب إلاّ ضالع و كليل‏

و دون رواق المجد منك ممنّع # جزيل المعالي، و العطاء جزيل‏

مرير القوى لا يرأم الضّيم أنفه، # و أيدي العدى إلاّ عليه تصول‏ (6)

ينهنه بالأعداء، و هو مصمّم، # و يزجر بالعذّال، و هو منيل‏ (7)

____________

(1) القبيل: الجماعة.

(2) الزور، جمع أزور: المائل-جديل و شدقم: فحلان من الإبل كانا للنعمان ابن المنذر.

(3) الأكوار: الرّحل.

(4) التنوفة: الفلاة-الوخد و الذميل: ضربان من السير.

(5) الأناسي: جمع انسان-الأبارق، جمع أبرق: أرض فيها حجارة و رمل و طين-الهجول، جمع هجل: المطمئن من الأرض.

(6) مرير: شديد-يرأم: يألف.

(7) ينهنه: يكف و يزجر-منيل، من النوال: العطاء.

148

فتى لا يرى الإحسان عبأ يجرّه، # و لكنّه، لو لا الإباء، ذلول‏

أقرّ بحقّ المجد، و هو مضيّع، # و عظّم قدر الدّين، و هو ضئيل‏

سرى طالبا ما يطلب النّاس غيره، # و ما كلّ قرن في الرّجال رجيل‏ (1)

فما آب حتّى استفرغ المجد كلّه # شروب على غيظ العدوّ أكول‏

أ يرجى مداه بعد ما ضحكت به، # أمام المعالي، غرّة و حجول؟

أرى كلّ حيّ من فضالات سيفه، # و ها هو ذا طاغي الغرار صقيل‏ (2)

و كم غمرة يعلو الملجّم ماؤها # شققت، و لو أنّ الدّماء تسيل‏ (3)

و هول يغيظ الحاسدين ركبته، # وحيد العلى، و الهائبون نزول‏

بطعنة ميّاس إلى الموت رمحه، # يروم العلى من غاية فيطول‏

فداك رجال للمنى في ديارهم # نحيب، و للظّنّ الجميل عويل‏

فواغر عمر الدّهر لم يطعموا العلى، # ألا قلّ ما يعطي العلاء بخيل‏

أرادوك بالأمر الجليل، و إنّما # يصادم بالأمر الجليل جليل‏

أ الآن إن ألقيت ثني زمامها، # و عطّل أغراض لها و جديل‏ (4)

و إلاّ ليال أنت راكب ظهرها، # و أمر العلى، جمعا، إليك يؤول‏

و طاغ، وعاء الشّرّ بين ضلوعه، # و داء من الغلّ القديم دخيل‏

رماك، و بين العين و العين حاجز، # و قال، وراء الغيب فيك، و قيل‏

فما زلت تستوفي مراميه، و القوى # تقطّع، و الإقبال عنه يميل‏

إلى أن أطعت اللّه، ثمّ رميته، # فلم تغض إلاّ و الرّميّ قتيل‏

كذلك أعداء الرّجال و هذه # لسائر من يطغى عليك سبيل‏

و تسمو سموّ النّار عزّا و همّة، # و يهوي هويّ الأرض، و هو ذليل‏

هنيئا لك العيد الجديد، فإنّه # بيمنك وضّاح الجبين جميل‏

____________

(1) الرجيل: الراجل.

(2) الفضالات، جمع فضالة: البقية.

(3) الملجّم، من لجمه الماء: بلغ فاه.

(4) أغراض، جمع غرض: حزام الرحل-الجديل: الزمام المجدول من أدم.

149

و لا زالت الأعياد هطلى رخيّة، # يحيّيك منها زائر و نزيل‏

و ساق عداك العاصفات و أقبلت # عليك شمال لدنة و قبول‏ (1)

و قد تعقم الأفهام عن قول قائل، # فيوجز بعض القول و هو مطيل‏

و ما الفضل إلاّ ما أقول براعة، # و باقي مقامات الأنام فضول‏ (2)

أحصد قواي‏

(الكامل)

نظم هذه القصيدة في مدح والده، و هي من أوائل نظمه.

من لي برعبلة من البزل، # ترمي إليك معاقد الرّحل‏ (3)

عجلى الرّواح كأنّما لمحت # فيكم غدير الجود من قبلي‏

نغّرتها، و البدر مطّلع، # حتّى استجاب لقائد الأفل‏ (4)

كتبت سطورا من مناسمها # فوق الأباطح و السّرى يملي‏

إنّي بها في السّير مقترح، # عجلا على الإقتاب و الجدل‏ (5)

إنّ الذي وخدت إليه فتى # يبرا إلى أملي من البخل‏ (6)

____________

(1) الشمال و القبول: الريح الشمالية و الريح الجنوبية.

(2) براعة: بتفوّق.

(3) الرعبلة: الناقة الضخمة-البزل، جمع بازل: الفتيّة، التي برز نابها.

(4) نغرتها: صحت بها-الأفل، جمع أفيل: الفصيل، ابن الناقة.

(5) الإقتاب: شد القتب، الرحل-الجدل، جمع جديل: الزمام المجدول من أدم.

(6) وخدت: أسرعت.

150

لا تملك العرصات قعدته، # و إن استقرّ، ففي ذرى الإبل‏

لم يستمل بالذّلّ جانبه، # مذ شدّ قبضته على النّصل‏

تنبيك نفحته، إذا فغمت، # عن طيب مغرس ذلك الأصل‏ (1)

و لأنت مثل السّيف في مضر، # عاذت بقائمه من الذّلّ‏

و إذا هتفت بهم لنائبة، # جذبوا وراءك بالقنا الذّبل‏

لا يسلمون من اتّقى بهم # قرع القنا و مواقع النّبل‏

عامي و عام المحل في بلد، # فاسحب إليّ ذؤابة الوبل‏

و احصد قواي، فإنّني أبدا # بين القرائن مارج الحبل‏ (2)

كنز من الحمد

(الطويل)

في هذه القصيدة يشكر الشيخ أبا الفتح عثمان بن جني النحوي على تفسير قصيدته الرائية التي رثى بها أبا طاهر إبراهيم بن ناصر الدولة الحمداني.

أراقب من طيف الحبيب وصالا، # و يأبى خيال أن يزور خيالا

و هل أبقت الأشجان إلاّ ممثّلا، # تعاوده أيدي الضّنا، و مثالا

ألمّ بنا، و اللّيل قد شاب رأسه، # و قد ميّل الغرب النّجوم و مالا

و أنّى اهتدى في مدلهمّ ظلامه، # يخوض بحارا، أو يجوب رمالا

تأوّب من نحو الأحبّة طاردا # رقادي، و ما أسدى إليّ نوالا

أوائل مسّ الغمض أجفان ناظري، # كما قارب القوم العطاش صلالا (3)

____________

(1) فغمت، من فغم الطيب فلانا: ملأ خياشيمه.

(2) مارج الحبل: مرسله.

(3) الصلال، جمع صل: المطرة الخفيفة.

151

و ما كان إلاّ عارضا من طماعة، # أزال الكرى عن مقلتيّ، و زالا

سقى اللّه أظعانا أجزن على الحمى # خفافا، كأقواس النّصال عجالا

يغالبن أعناق الرّبى عجرفيّة، # قراع رجال في اللّقاء رجالا (1)

وجدت اصطباري دونهنّ سفاهة، # و أبصرت رشدي بعدهنّ ضلالا

و ما ضرّ من أمسى زمامي بكفّه، # على النّأي، لو أرخى لنا و أطالا

تذكّرت أيّام القرينة، و الهوى # يجدّد أقرانا لنا و حبالا (2)

مضين بعيش لا يعدن بمثله، # و أعقبننا مرّ الزّمان خيالا

سلي عن فمي فصل الخطاب و عن يدي # رماحا كحيّات الرّمال طوالا

و بيضا تروّى بالدّماء متونها، # إذا ما لقين الدّارعين نهالا

فما لي أرضى بالقليل ضراعة، # و أوسع دين المشرفيّ مطالا

تريد اللّيالي أن تخفّ بمقودي، # و أيّ جواد لو أصاب مجالا (3)

سآخذها إمّا استلابا و فلتة؛ # و إمّا طرادا في الوغى و قتالا

فإن أنا لم أركب إليها مخاطرا، # و أعظم قولا دونها و قتالا

فهذا حسامي لم أرقّ ذبابه، # مضاء، و هذا ذابلي لم طالا

و أطلبها بالرّاقصات، كأنّما # أثوّر منها ربربا و رئالا (4)

إذا أسقط السّير العنيف نعالها # من الأين أحذتها الدّماء نعالا (5)

و كلّ غضنيّ، إذا قلت قد ونى # من الشّدّ جلّى في الغبار و جالا (6)

و أكبر همّي أن ألاقي فاضلا، # أصادف منه للغليل بلالا

فدى لأبي الفتح الأفاضل إنّه # يبرّ عليهم، إن أرمّ، و قالا (7)

____________

(1) عجرفية: يقال: في الجمل عجرفية في المشي، إذا كان لا يبالي لسرعته.

(2) الحبال: العهود.

(3) تخف بمقودي: تسرع في قيادي.

(4) الربرب: قطيع الغزلان-الرئال: أفراخ النعام.

(5) الأين: التعب.

(6) الغضن: تلوي العود و تثنيه، استعارة للفرس لكثرة تلويه و تثنيه-ونى: تعب.

(7) يبر: يحسن-أرم: سكت.

152

إذا جرت الآداب جاء أمامها، # قريعا، و جاء الطّالبون إفالا (1)

فتى مستعاد القول حسنا و لم يكن # يقول محالا، أو يحيل مقالا

ليقري أسماع الرّجال فصاحة، # و يورد أفهام العقول زلالا

و يجري لنا عذبا نميرا، و بعضهم، # إذا قال، أجرى للمسامع آلا

أسفّهم إن ميّز القوم خلّة، # و أثقبهم، يوم الجدال، نصالا (2)

و ما كان إلاّ السّيف أطلق غربه، # و زاد غراري مضربيه صقالا

و لمّا رأيت الوفر دون محلّه # جزاء و قد أسدى يدا و أنالا

بعثت له وفرا من الشّعر باقيا، # و كنزا من الحمد الجزيل و مالا

فسم آخرا منه كوسمك أوّلا، # و شنّ عليه رونقا و جمالا (3)

و مثلك إن أولى الجميل أتمّه، # و إن بدأ الإحسان زاد، و والى‏

قلب شجاع‏

(المتقارب)

يوجّه الرضي هذه القصيدة إلى صديقه أبي الطيب خداد بن ماقية.

أ أبقى كذا أبدا مستقلاّ، # يقلّبني الدّهر عزّا و ذلاّ؟

و أقنع بالدّون، فعل الذّليـ # ل، يخشى الأجلّ و يرضى الأقلاّ

و إنّي رأيت غنيّ الأنام، # إذا لم يكن ذا علاء، مقلاّ

____________

(1) القريع: فحل الإبل-الإفال، جمع أفيل: الفصيل.

(2) أسفهم: أحد نظرا.

(3) شن عليه: صب عليه.

153

و من دون ضيمي فناء الرّماح، # و بيض القواضب ذفّا و فلاّ (1)

فلا زلت كلاّ على المقربات، # إلى أن أنال ذرى المجد كلاّ (2)

إذا عزّ قلبك في دهره، # فما عذر وجهك في أن يذلاّ

ألا فاجهد النّفس في نيلها، # و لا ترقبنّ عسى، أو لعلاّ

إذا المرء لم يحظ بعد الطّلاب، # فالجدّ لا قدم المرء زلاّ

و حلّ حبي العجز عن همّة، # تؤدّ الأيانق شدّا و حلاّ (3)

و جب غير مستكثر بالصّحاب # حزنا يغول المطايا، و سهلا (4)

إلى حيث تومي إليك البنان، # و تصبح ثمّ الأعزّ المجلاّ

قليل المثال و خير البلاد، # حمى منزل لا أرى فيه مثلا

و لا تصحبن غير حدّ الحسا # م برقا يسحّ من الضّرب وبلا

و أيم من السّمر طاغي اللّسا # ن يأبى اللّديغ به أن يبلاّ (5)

و تعلو المعالي إلى العاجزين، # و نحن نرى الذّلّ أعلى و أغلى‏

عدتك، أبا الطّيّب، العاديات، # فإنّك أبذل جاها و بذلا

بلوت خلائق هذا الأنام، # و ما زلت أبلو مرارا و أبلى‏

فلم أر إلاّك من يصطفي # ثناء، و يرعى ذماما و إلاّ (6)

فأصبح قلبي يرى مذ رآ # ك أنّك أوقع فيه و أحلى‏

و حلّت نداي جميع الورى، # غداة اعتقدتك عضدا و خلا

فدى لك أعمى عن المكرما # ت، يعجز أن يجعل القول فعلا

____________

(1) الذف: من قولهم: ذفّ على الجريح إذا أجهز عليه-الفل: الثلمة في حد السيف.

(2) الكلّ: العيال-المقربات: الخيول الكريمة.

(3) تؤد، من أدّ الأمر: أثقله و عظم عليه، اشتد-الأيانق: النياق.

(4) الحزن: ما غلظ من الأرض و ارتفع-يغول: يهلك.

(5) الأيم: الحيّة-يبل، من أبل المريض: شفي.

(6) الإل: العهد.

154

ينام عن الخير نوم الضّباع، # و في الشّرّ يطلع سمعا أزلاّ (1)

طويل اليدين إلى المخزيات، # يمدّ إلى المجد باعا أشلاّ

فتى أعلقته عنان الفخار # مكارم جاءت به المجد قبلا

و أصبح حاسده خابطا، # إذا كاد يهدى إلى المجد ضلاّ

أشمّ كعالية السّمهريّ، # و همّته منه أغلى و أعلى‏

و يجمع قلبا جريئا، و وجها # أتمّ من البدر نورا و أملا

مضاء القضيب، إذا ما انجلى، # و ضوء الهلال، إذا ما تجلّى‏

و قلب الشّجاع حسام، فإن # حلا منظرا، فحسام محلّى‏

يغيّم يوم النّدى المستهلّ، # و يقشع يوم الوغى المصمئلاّ (2)

و يوسع مادحه بشره، # فيوليه أضعاف ما كان أولى‏

يشمّر للرّوع عن ساقه، # و يسحب للجود ذيلا رفلاّ (3)

فيوما يعود بجدّ عليّ؛ # و يوما يعود بقدح معلّى‏

و يلقي إليه عظيم الزّمان # من المأثرات، الأجلّ الأجلاّ

فيمسي لأسرارها حافظا، # و يغدو بأعبائها مستقلاّ

فدونكها كإضاة الغدير، # أو السّيف سلّ أو الرّوض طلاّ (4)

و لولاك كانت كأمثالها، # تصان عن المدح عزّا و نبلا

فقد كنت حصّنت أبكارهنّ، # و عوّدتهنّ عن القوم عضّلا (5)

____________

(1) السّمع: ولد الذئب من الضبع-الأزل: السريع و الخفيف الوركين.

(2) يقشع، من أقشع السحاب: انكشف-المصمئل: الشديد.

(3) الرفلّ: الطويل الذيل.

(4) دونكها: الضمير عائد إلى قصيدته-الأضاة: المستنقع.

(5) العضل، من عضل المرأة عن الزواج: منعها و حسبها عنه.

غ