ديوان الشريف الرضي - ج2

- الشريف الرضي المزيد...
528 /
155

مللت من إقامتي‏

(الرجز)

أ تذكراني طلب الطّوائل، # أيقظتما منّي غير غافل‏

قوما، فقد مللت من إقامتي، # و البيد أولى بي من المعاقل‏

شنّا بي الغارات كلّ ليلة، # و عوّداني طرد الهوامل‏ (1)

و صيّراني سببا إلى العلى، # إنّي عين البطل الحلاحل‏ (2)

قد حشد الدّهر عليّ كيده، # و جاءت الأيّام بالزّلازل‏

و من عجيب ما أرى من صرفه # قد دميت من ناجذي أناملي‏ (3)

توكس أحداث اللّيالي صفقتي، # لا درّ درّ الدّهر من معامل‏ (4)

لا خطر الجود على بالي، و لا # سقت يدي يوم الطّعان ذابلي‏

إن لم أقدها كأضاميم القطا، # أو بدد العقارب الشّوائل‏ (5)

طوامح الأبصار يهفو نقعها # على طموح النّاظرين، بازل‏

مستصحبا إلى الوغى فوارسا، # يستنزلون الموت بالعوامل‏

تحتهم ضوامر كأنّها # أجادل تنهض بالأجادل‏ (6)

غرّ، إذا سدّت ثنيّات الدّجى، # طلعنها بالغرر السّوائل‏ (7)

و ذي حجول نافض سبيبه، # عجبا، على مثل المهاة الخاذل‏ (8)

____________

(1) الهوامل: الإبل المهملة ليلا و نهارا.

(2) الحلاحل: الشجاع.

(3) الناجذ: الاضراس القصوى. أي أن أنامله دميت لعضه إياها.

(4) توكس: تنقص.

(5) الأضاميم، جمع إضمامة: الجماعة-القطا، جمع قطاة: طائر كالحمام -بدد: متفرقة-الشوائل: التي شالت أذنابها، رفعتها.

(6) ضوامر: خيول ضامرة-أجادل: صقور.

(7) السوائل، من سالت غرة الفرس: استطالت و عرضت.

(8) السبيب: الذنب المسترسل-الخاذل: التي خذلت صواحبها، أي تخلّفت عنها و انفردت.

156

ينقضّ لا تلحق من غباره، # إلاّ بقايا فلق الجراول‏ (1)

يكرع في غرّته من طولها، # و يتّقي الجندل بالجنادل‏

بمثله أبغي العلى، و أغتدي # أوّل نزّال إلى النّوازل‏

و ذي فلول مرهف، نجاده # على لموع ذات ذيل ذائل‏ (2)

إنّ أمير المؤمنين، والدي، # حزّ الرّقاب بالقضاء الفاصل‏

و جدّي النّبيّ في آبائه، # علا ذرى العلياء و الكواهل‏

فمن كأجدادي إذا نسبتني، # أم من كأحيائي، أو قبائلي‏

من هاشم أكرم من حجّ، و من # جلّل بيت اللّه بالوصائل‏

قوم لأيديهم على كلّ يد # فضل سجال من ردى و نائل‏ (3)

فوارس الغارات لا يطربهم، # إلاّ نوازي نغم الصّواهل‏ (4)

بالسّمر تختبّ ثعيلباتها، # مثل ذئاب الرّدهة العواسل‏ (5)

و البيض قد طلعن من أغمادها # للرّوع تعلو قمم القبائل‏

يخضبن إمّا من دماء مارق، # أو من دماء العوذ و المطافل‏ (6)

ذوو القباب الحمر ينضى سجفها # عن عدد من سامر و جامل‏ (7)

أرى ملوكا كالبهام غفلة، # في مثل طيش النّعم الجوافل‏

أولى من الذّود، إذا جرّبتهم، # برعي ذي الرّياض و الخمائل‏ (8)

____________

(1) الجراول: الأرض ذات الحجارة.

(2) اللموع: صفة للدرع-ذائل: طويل.

(3) سجال: دافق-نائل: عطاء.

(4) النوازي، جمع نازية: الحدة.

(5) تختب: تضطرب-ثعيلباتها، جمع مصغر للثعلب: طرف الرمح الداخل في السنان-الردهة: الحفرة.

(6) العوذ: النياق الحديثة النتاج-المطافل: ذوات الأطفال، و في البيت إشارة إلى الشجاعة و الكرم.

(7) ينضى: ينزع-سجفها: سترها.

(8) الذود: هو من الإبل ما كان من الثلاثة الى العشرة.

غ

157

إن أنا أعطيتهم مقادتي، # فلم إذا أطلق غربي صاقلي‏ (1)

و مقولي كالسّيف يحتمي به # أشوس أبّاء على المقاول‏ (2)

ما لك ترضى أن يقال شاعر؟ # بعدا لها من عدد الفضائل‏

كفاك ما أورق من أغصانه، # و طال من أعلامه الأطاول‏

فكم تكون ناظما و قائلا، # و أنت غبّ القول غير فاعل‏

كم يقتضيني السّيف عزمي و يدي # تدفعه دفع الغريم الماطل‏

أ أرهب القتل حذار ميتة، # لا بدّ ألقاها بغير قاتل‏

قد غار قبلي الرّمح في عتيبة، # تحت العوالي، و كليب وائل‏

هبني شبيبا يوم طاحت عنقه، # عن حدّ مفتوق الغرار قاصل‏ (3)

لمّا رأى الموت أو الذّلّ انبرى # إلى الرّدى مشمّر الذّلاذل‏ (4)

أو مصعبا لمّا دنا ميقاته، # و ضرب المقدار بالحبائل‏

حمى يمين الضّيم أن يقوده، # و انقاد في حبل الرّدى المعاجل‏

فعل امرئ رأى الخمول ذلّة، # فاختار أن يقبر غير خامل‏

إن كان لا بدّ من الموت فمت # تحت ظلال الأسل الذّوابل‏

دار الألى‏

(الوافر)

لمن دمن بذي سلم و ضال، # بلين، و كيف بالدّمن البوالي؟

وقفت بهنّ لا أصغي لداع، # و لا أرجو جوابا عن سؤالي‏

____________

(1) المقادة: القود، نقيض السوق-الغرب: الحد.

(2) أشوس، من الشوس: النظر بمؤخر العين تكبرا-المقاول، جمع مقول:

اللسان، و هو أيضا السيف.

(3) قاصل: قاطع.

(4) الذلاذل: أسافل القميص الطويل.

158

أيا دار الألى درجت عليها # حوايا المزن و الحجج الخوالي‏ (1)

فأيّ حيا بأرضك للغوادي، # و أيّ بلى بربعك للّيالي‏

و بين ذوائب العقدات ظبي، # قصير الخطو في المرط المذال‏ (2)

ربيب إن أريغ إلى حديث، # نوار إن أريد إلى وصال‏ (3)

فهل لي و المطامع مرديات، # دنوّ من لمى ذاك الغزال؟ (4)

لقد سلبت ظباء الدّار لبّي، # ألا ما للظّباء بها و ما لي؟

تنغّصني بأيّام التّلاقي، # معاجلتي بأيّام الزّيال‏ (5)

تحيّفني الصّدود و كنت دهرا # أروّع بالصّدود، فلا أبالي‏ (6)

و كيف أفيق لا جسدي بناء # عن البلوى، و لا قلبي بسالي‏

يرنّحني إليك الشّوق حتّى # أميل من اليمين إلى الشّمال‏

كما مال المعاقر عاودته # حميّا الكأس حالا بعد حال‏

و يأخذني لذكركم ارتياح، # كما نشط الأسير من العقال‏

و أيسر ما ألاقي أنّ همّا # يغصّصني بذا الماء الزّلال‏

فلو لا الشّوق ما كثر التفاتي، # و لا زمّت إلى طلل جمالي‏

و إنّي لا أوامق ثمّ إنّي # إذا وامقت يوما لا أقالي‏ (7)

أنا ابن الفرع من أعلى نزار، # و من يزن الأسافل بالأعالي‏

نماني كلّ ممتعض أبيّ # جرى طلق الجموح إلى المعالي‏

من القوم الألى ملكوا رقاب الـ # أواخر و اختلوا قمم الأوالي‏

____________

(1) حوايا المزن: سودها.

(2) العقدات: أماكن-المرط: الكساء-المذال: المرسل إلى الأرض.

(3) النوار: النفور من الريبة.

(4) اللمى: الشفة في وسطها سواد مستحسن.

(5) الزيال: الفراق.

(6) تحيّفني: جار علي، ظلمني.

(7) أوامق، من وامق: أحب الواحد الآخر-أقالي، من المقالاة: البغض.

159

إذا بسطوا الخطا سحبوا رقاق الـ # برود على الرّقاق من النّعال‏

و إن قسمت بيوت المجد حازوا # فناء البيت ذي العمد الطّوال‏

و إنّهم لأعنف بالمذاكي، # محاضرة، و أقرع بالعوالي‏ (1)

أفظّ من الأسود، فإن أنالوا # رأيت أرقّ من بيض الحجال‏

يخفّ عليهم بذل الأيادي، # و قد أثقلن أعناق الرّجال‏

بني عمّي، و عزّ على يميني # من الضّراء ما لقيت شمالي‏

أعود على عقوقكم بحلمي، # إذا خطر العقوق لكم ببال‏

أروني من يقوم لكم مقامي، # أروني من يقول لكم مقالي‏

و من يحمي الحريم من الأعادي، # و من يشفي من الدّاء العضال‏

يشايح دونكم يوم المنايا، # و يرمي عنكم يوم النّضال‏ (2)

سأبلغ بالقلى و البعد عنكم، # مبالغ ليس تبلغ بالألال‏ (3)

فمن لا يستقيم على التّصافي، # جدير أن يقوّم بالتّقالي‏

و أحسب أن سينفعني انتصاري # إذا ما عاد بالضّرر احتمالي‏

أكيدا بعد أن رفعت مناري، # و أرست في مقاعدها جبالي‏

و شدّ المجد أطنابي إليه، # و مدّ على جوانبه حبالي‏

و تمّ علاؤكم بي بعد نقص، # تمام الحضرميّة بالقبال‏ (4)

و ما فضلي على قومي بخاف، # كما فضل القريع على الإفال‏ (5)

و إني إن لحقت أبي جلالا، # فهذي النّار من ذاك الذّبال‏ (6)

و أين القطر إلاّ للغوادي؛ # و أين النّور إلاّ للهلال‏

____________

(1) المذاكي، جمع المذكي: هو من الخيل ما تمّ سنه و كملت قوته.

(2) يشايح: يقاتل.

(3) الألال: السلاح.

(4) الحضرمية: نوع من النعل-القبال: زمام بين الأصبع الوسطى و التي تليها.

(5) القريع: فحل الإبل-الإفال: جمع أفيل: الفصيل.

(6) الذبال: الفتيلة.

160

أصون عن الرّجال فضول قولي، # و أبذل للرّجال فضول مالي‏

و ربّ قوارص نكتت جناني، # أشدّ عليّ من صرد النّبال‏ (1)

صبرت لها، و لم أردد مقالا، # فكان جزاء قائلها فعالي‏

و جاذبني على العلياء قوم، # و ما علموا بأنّ جميعها لي‏

لئن نلت الكواكب في علاها، # لقد أبقيت فضلا من منالي‏

حلفت بها كراكعة الحنايا، # خوابط للجنادل و الرّمال‏

مهدّمة العرائك من وجاها # تعاض من الغوارب بالرّحال‏ (2)

إلى البلد الحرام معرّضات # لإجراء الطّلى بدم حلال‏ (3)

ليعتسفنّ هذا اللّيل منّي # أشيعث، عاب لمّته الغوالي‏

خفيف الحاذ يشغله سراه، # زمانا، أن يفكّر في الهزال‏ (4)

و ممترق إلى العلياء، حتّى # يجاوز مدّ غاية كلّ عال‏

فإن أنا لم أقم فيها، فقامت # على قبري النّوادب بالمآل‏

غنى نفسي‏

(البسيط)

حبّ العلى شغل قلب ما له شغل، # و آفة الصّبّ فيه اللّوم و العذل‏

قالت ضنيت، فقلت الشّوق يجمعنا، # و يعرق الوجد ما لا تعرق العلل‏

____________

(1) القوارص: الكلمات المؤذية-نكتت: أثرت-جناني: قلبي-صرد النبال: نافذها.

(2) العرائك: الأسنمة-الوجا: الحفا.

(3) معرّضات: معرّضات للهلاك-الطلى: الأعناق.

(4) خفيف الحاذ: خفيف الظهر.

161

و إن تحوّن جسمي ما علمت به، # فالرّمح ينآد طورا ثمّ يعتدل‏ (1)

كيف التّخلّص من عين لها علق # بالظّاعنين و من قلب به خبل‏ (2)

و من لوجدي أن يقتادني طمع # إلى الحبيب، و أن يعتاقني طلل‏

لا تبعدنّ مطايانا التي حملت # تلك الظّعائن مرخاة لها الجدل‏

سير الدّموع على آثارها عنق، # و سيرها الوخد و التّبغيل و الرّمل‏ (3)

دون القباب عفاف في جلاببها، # و الصّون يحفظ ما لا تحفظ الكلل‏ (4)

فلا الحدوج يرى وجه المقيم بها، # و لا تحسّ بصوت الظّاعن الإبل‏ (5)

و في البراقع غزلان مربّبة، # يرميننا بعيون نبلها الكحل‏

إذا الحسان حملن الحلي أسلحة، # فإنّما حليها الأجياد و المقل‏

أ لا وصال سوى طيف يؤرّقني، # و لا رسائل إلاّ البيض و الأسل‏

و عادة الشّوق عندي غير غافلة، # قلب مروع و دمع واكف هطل‏

و أفجع النّاس من ولّى حبائبه، # و لا عناق، و لا ضمّ، و لا قبل‏

لا ناصر غير دمعي، إن هم ظلموا، # و الدّمع عون لمن ضاقت به الحيل‏

و العذل أثقل محمول على أذن، # و هو الخفيف على العذّال إن عذلوا

من لي ببارق وعد خلفه مطر، # و كيف لي بعتاب بعده خجل‏

النّفس أدنى عدوّ أنت حاذره، # و القلب أعظم ما يبلى به الرّجل‏

و الحبّ ما خلصت منه لذاذته، # لا ما تكدّره الأوجاع و العلل‏

قد عوّد النّوم عيني أن تفارقه، # و هوّن السّير عندي الأينق الذّلل‏

فما تشبّث بي دار، و لا بلد، # أنا الحسام، و ما تحظى به الخلل‏ (6)

____________

(1) التحوّن: الذل و الهوان-ينآد: يعوج.

(2) الخبل: الاضطراب.

(3) العنق و الوخد و التبغيل و الرّمل: أنواع من السير.

(4) الكلل، جمع كلة: غشاء رقيق يتوقى به من البعوض.

(5) الحدوج، جمع حدج: مركب للنساء، هودج.

(6) تشبث: تعلق، تمسك-الخلل، جمع خلة: جفن السيف.

162

اللّيل أحمل ظهر أنت راكبه، # إنّ الصّباح لطرف و الدّجى جمل‏ (1)

ولّى الشّباب و هذا الشّيب يطرده، # يفدي الطّريدة ذاك الطّارد العجل‏

ما نازل الشّيب في رأسي بمرتحل # عنّي، و أعلم أنّي عنه مرتحل‏

من لم يعظه بياض الشّعر أدركه # في غرّة حتفه المقدور و الأجل‏

من أخطأته سهام الموت قيّده # طول السّنين، فلا لهو و لا جذل‏

و ضاق من نفسه ما كان متّسعا، # حتّى الرّجاء، و حتّى العزم و الأمل‏

ما عفّتي في الهوى يوما بمانعتي # أن لا تعفّ بكفّيّ القنا الذّبل‏

و للرّجال أحاديث، فأحسنها # ما نمّق الجود لا ما نمّق البخل‏

و لا اقتحامي على الغارات يعصمني # من المنون، و لا ريث، و لا عجل‏

و ميتتي في النّوى و القرب واحدة، # إذا تكافأت الغايات و السّبل‏

يستشعر الطّرف زهوا يوم أركبه، # كأنّه بنجوم اللّيل منتعل‏

و الخيل عالمة ما فوق أظهرها # من الرّجال جبان كان أو بطل‏ (2)

أغرّ أدهم صبغ اللّيل صبغته، # تضلّ في خلقه الألحاظ و المقل‏

مناقل في عنان الرّيح جريته، # كأنّه قبس أو بارق عمل‏ (3)

قصير ما بين أولاه و آخره، # كأنّما العنق معقود بها الكفل‏

إذا الرّبيع كسا البيداء بردته، # ضافت ركابي وهاد الأرض و القلل‏

و الواردات مياه القاع سانحة # على جوانبها الحوذان و النّفل‏ (4)

و كالثّغور أقاحيها، إذا غربت # شمس النّهار، و ألقت صبغها الأصل‏

ورد و مرعى، إذا شاءت مشافرها، # مستجمعان، و لا كدّ و لا عمل‏

و غافلين عن العلياء قائدهم # في كلّ غيّ فتيّ العقل مكتهل‏

شنّوا الخضاب حذارا أن يطالبهم # بحلمه الشّيب، أو يقصيهم الغزل‏

____________

(1) الطرف: الجواد الكريم و الخفيف.

(2) كان: تأتي هنا فعلا تاما بمعنى حدث، وقع.

(3) قبس: ضوء، شعلة-عمل: دائم.

(4) الحوذان و النفل: من النبات.

163

عارين ألاّ من الفحشاء يسترهم # ثوب الخمول و تنبو عنهم الحلل‏

قوم بأسماعهم عن منطقي صمم، # و في لواحظهم عن منظري قبل‏ (1)

يبدّدون، إذا أقبلت، لحظهم، # شرب المروّع لا علّ، و لا نهل‏

يبدون ودّي و يحموني ثراءهم، # لو كان حقّا تساوت بيننا الدّول‏

كفى حسودي كبتا أنّه رجل # أغرى به الهمّ مذ أغرى بي الجدل‏

ما بال شعري ملوما لا يجانبه # عن كلّ ما يقتضيه القول و العمل‏

لا حاجة بي إلى مال يعبّدني # له الرّجاء، و يضنيني به الشّغل‏

حسبي غنى نفسي الباقي، و كلّ غنى # من المغانم و الأموال ينتقل‏

تغيّر النّاس في سمع و في نظر، # و استحسن الغدر حتى استقبح الخلل‏ (2)

فما طلابك إنسانا تصاحبه، # كلّ الأنام، كما لا تشتهي، همل‏

يستبشرون، إذا صحّت جسومهم، # و بالعقول، إذا فتّشتها، علل‏

ما هيّجتني العدا، إلاّ و كنت لها # سماء كلّ جواد أرضه القلل‏

يمشي الحسام بكفّي في رءوسهم، # و يخرق الرّمح ما تعيا به الفتل‏ (3)

قومي هم النّاس لا جيل سواسية، # الجود عندهم عار، إذا سئلوا

أبي الوصيّ و أمّي خير والدة، # بنت الرّسول الذي ما بعده رسل‏

و أين قوم كقومي إن سألتهم # سوابق الخيل في يوم الوغى نزلوا

كالصّخر إن حلموا و النّار إن غضبوا، # و الأسد إن ركبوا و الوبل إن بذلوا

الطّاعنين من الجبّار مقتله، # و الضّاربين، و ذيل النّقع منسدل‏

و الرّاكبين المطايا، و الجياد معا، # لا الشّكل تحبسها يوما و لا العقل‏

تغضي عيون الأعادي عن رماحهم، # و للأسنّة فيهم أعين نجل‏

ليس المعاد إلى الدّنيا بمتّفق، # و لا رجوع لمن يمضي به الأجل‏

و اللّه أكرم مولى أنت آمله، # يوما، و أعظم من يعطي و من يسل‏

____________

(1) القبل: الحول.

(2) الخلل: الود، الصداقة.

(3) الفتل، جمع فتيل: ما يوضع في جرح الجريح.

164

عفو، و حلم، و نعماء، و مقدرة، # و مستجيب، و معطاء، و محتمل‏

و كيف نأمل أن تبقى الحياة لنا، # و غير راجعة أيّامنا الأول‏

قلق العدو

(الكامل)

لما تقلد الشريف الرضي النقابة بلغته أقوال من بعض أعدائه لم تعجبه، فنظم هذه الأبيات.

قلق العدوّ، و قد حظيت برتبة # تعلو عن النّظراء و الأمثال‏

لو كنت أقنع بالنّقابة وحدها # لغضضت، حين بلغتها، آمالي‏

لكنّ لي نفس تتوق إلى التي # ما بعد أعلاها مقام عال‏ (1)

قالوا: حجرت على نداك، و طالما # أرغمت فيه معاطس العذّال‏

هيهات!قلّ الحامدون و صار من # أحبوه يحسدني على أموالي‏ (2)

من لي بمن تزكو الصّنائع عنده، # حتّى أشاطره كرائم مالي‏ (3)

____________

(1) لكن: اسمها ضمير الشأن تقديره: لكنه.

(2) أحبوه: أميل إليه و أعطف.

(3) تزكو: تنمو، تزدهر.

غ

165

حامل الأعباء

(الطويل)

نظم الرضي هذه القصيدة الفخرية في سنة 404.

أمل من مثانيها، فهذا مقيلها، # و هذي مغاني دارهم و طلولها (1)

حرام على عيني تجاوز أرضها، # و لم يرو أظماء الدّيار همولها

و قد خالطت ذاك الثّرى نفحاتها، # و جرّت على ذاك الصّعيد ذيولها

حقوف رمال ما يخاف انهيالها، # و أغصان بان ما يخاف ذبولها (2)

إذا ما تراءاها اللّوائم ساعة، # فأعذرها فيمن يحبّ عذولها

رضينا و لم نسمح من النّيل بالرّضا، # و لكن كثير، لو علمنا، قليلها

شموس قباب قد رأينا شروقها، # فيا ليت شعري أين منّا أفولها

تعالين عن بطن العقيق تيامنا، # يقوّمها قصد السّرى و يميلها

فهل من معيري نظرة فأريكها، # شريقيّ نجد يوم زالت حمولها

كطامية التّيّار يجري سفينها، # أو الفلج العلياء يهفو نخيلها (3)

و لم تر إلاّ ممسكا بيمينه # رواجف صدر ما يبلّ غليلها

و مختنقا من عبرة ما تزوله، # و مختبطا في لوعة ما يزولها

محا بعدكم تلك العيون بكاؤها، # و غال بكم تلك الأضالع غولها

فمن ناظر لم تبق إلاّ دموعه، # و من مهجة لم يبق إلاّ غليلها

دعوا لي قلبا بالغرام أذيبه # عليكم، و عينا في الطّلول أجيلها

سقاها الرّباب الجون كلّ غمامة # يهشّ لها حزن الملا و سهولها (4)

____________

(1) أمل من مثانيها: أمل من أعنتها، و المثاني، جمع مثناة، حبل من صوف أو شعر.

(2) الحقوف، جمع حقف: الكثيف من الرمل.

(3) الفلج، جمع فلجة: الأرض المشقوقة للزراعة.

(4) الرباب الجون: السحاب الأسود-الحزن: الأرض المرتفعة-الملا:

الصحراء.

166

إذا ملكت ريح الجنوب عنانها، # أحالت عليها بعد لأي قبولها (1)

و ساق إليها مثقلات عشاره، # ضوامر، ترغو بالضّريب فحولها (2)

نجائب لا يؤدي بأخفافها السّرى، # و إن طال بالبيد القواء ذميلها (3)

فكم نفخة من أرضها برّدت حشى، # و بلّ غليلا من فؤاد بليلها

تخطّى الرّياح الهوج أعناق رملها # فتجبرها جبر القرا، و تهيلها (4)

منازل لا يعطي القياد مقيمها، # مغالبة، و لا يهان نزيلها

خليليّ قد خفّ الهوى و تراجعت # إلى الحلم نفس لا يعزّ مذيلها

فلست ابن أمّ الخيل إن لم أمل بها # عوابس في دار العدوّ أبيلها

إذا انجفلت من غمرة ثاب كرّها، # و عاد إلى مرّ المنايا جفولها (5)

يزعفر من عضّ الشّكيم لعابها، # و يرعد من قرع العوالي خصيلها (6)

و أعطف عن خوض الدّماء رءوسها، # فقد فقدت أوضاحها و حجولها

نميل عليها بالسّياط نوازعا، # إلى كلّ بيداء يرمّ دليلها (7)

توقّر من عنف السّياط مراحها، # و غاض على طول القياد صهيلها (8)

و نحن القروم الصّيد إن جاش بأسها # تنوذر مرعى ذودها و مقيلها (9)

بأيماننا بيض الغروب خفائف، # نغول بها هام العدا و تغولها

____________

(1) لأي: جهد، تعب-القبول: الريح الشمالية.

(2) الضريب: اللبن يحلب من عدة ضروع في إناء واحد، و قد استعاره للمطر.

(3) القواء: القفر-الذميل: السير اللين.

(4) القرا: الظهر، و أراد ظهر الأكمة-تهيلها، من هال الرمل: صبّه.

(5) ثاب: عاد.

(6) يزعفر: يلطّخ-الشكيم: حديدة اللجام المعترضة في فم الفرس-خصيلها:

الخصيلة هي لحمة فيها عصب، و يقال: ارتعدت فرائصه و اضطربت خصائله.

(7) يرم: يسكت و يخاف.

(8) توقر: سكن-مراحها: نشاطها-غاض: قلّ، نقص.

(9) القروم الصيد: الأسياد الملوك-تنوذر، من تناذر القوم أمرا: حذر بعضهم بعضا.

غ

167

تفلّلن حتّى كاد من طول وقعها # بيوم الوغى يقضي عليها فلولها

قوائم قد جرّبن كلّ مجرّب، # بضرب الطّلى حتّى تفانت نصولها (1)

و أودية بين العراق و حاجر # ببيض المواضي و العوالي نسيلها

يمدّ بدفّاع الدّماء غشاؤها، # و يجري بأعناق الرّجال حميلها (2)

إذا هاشم العلياء عبّ عبابها، # و سالت بأطناب البيوت سيولها

مدفّعة تحت الرّحال ركابها، # محفّزة تحت اللّبود خيولها

و كلّ مثنّاة النّسوع مطارة # سواء عليها حلّها و رحيلها (3)

كأنّ على متن الظّليم قتودها، # و في يد علويّ الرّياح جديلها (4)

رأيت المساعي كلّها و تلاحقت # فروع العلى مجموعة و أصولها

إذا استبقت يوما تراخى تبيعها، # و خلّى لها الشّأو البعيد رسيلها (5)

و إمّا أمالت للطّعان رماحها، # و شنّ عليها للّقاء شليلها (6)

فثمّ عوال ما تردّ صدورها؛ # و ثمّ جياد ما يفلّ رعيلها (7)

و ثمّ الحماة الذّائدون عن الحمى، # عشيّة لا يحمي النّساء بعولها

أبي، ما أبي، لا تدّعون نظيره، # رديف العلى من قبلكم و زميلها

هو الحامل الأعباء كلّ مطيقها، # و عجّ عجيج الموقرات حمولها

طويل نجاد يحتبي في عصابة، # فيفرعها مستعليا، و يطولها (8)

____________

(1) الطلى: الأعناق.

(2) الدفّاع: اندفاع السيل-الحميل: ما يحمله السيل.

(3) النسوع، جمع نسع: سير يربط به الحمل.

(4) الظليم: الذكر من النعام-القتود: خشب الرحل-الجديل: الزمام المجدول.

(5) التبيع: الذي يتبعها-الشأو: الغاية و السبق-الرسل: الذي يرسل معها.

(6) الشليل: الدرع الصغيرة تحت الدرع الكبيرة.

(7) عوال: رماح-الرعيل: القطعة من الخيل.

(8) طويل نجاد: طويل غمد السيف، كناية عن طول حامله-فيفرعها:

فيزيدها طولا.

168

إذا صال قلنا: أجمع اللّيث وثبة؛ # و إن جاد قلنا: مدّ من مصر نيلها

حليم، إذا التفّت عليه عشيرة # تطاطا له شبّانها و كهولها

و إن نعرة يوما أمالت رءوسها، # أقام على نهج الهدى يستميلها (1)

و أنظرها حتّى تعود حلومها، # و أمهلها حتّى تثوب عقولها

و لم يطوها بالحلم فضل زمامها، # فتعثر فيه عثرة لا يقيلها (2)

فعن بأسه المرهوب يرمى عدوّها، # و من ماله المبذول يودى قتيلها

أكابرنا، و السّابقون إلى العلى، # ألا تلك آساد، و نحن شبولها

و إنّ أسودا كنت شبلا لبعضها، # لمحقوقة أن لا يذلّ قتيلها

يوم عاشوراء

(الخفيف)

نظم الشاعر هذه القصيدة في رثاء أبي عبد اللّه الحسين بن علي عليهما السلام، في عاشوراء سنة 387.

راحل أنت، و اللّيالي نزول، # و مضرّ بك البقاء الطّويل‏

لا شجاع يبقى فيعتنق الـ # بيض، و لا آمل، و لا مأمول‏

غاية النّاس في الزّمان فناء، # و كذا غاية الغصون الذّبول‏

إنّما المرء للمنيّة مخبو # ء، و للطّعن تستجمّ الخيول‏ (3)

____________

(1) النعرة: الفتنة.

(2) لا يقيلها: لا يقيمها، لا يساعدها على النهوض.

(3) تستجم، من قولهم: استجمت البئر: امتلأت ماء، و أراد: تترك الخيول مستريحة حتى تمتلئ نشاطا و قوة.

169

من مقيل بين الضّلوع إلى طو # ل عناء، و في التّراب مقيل‏ (1)

فهو كالغيم ألّفته جنوب، # يوم دجن، و مزّقته قبول‏ (2)

عادة للزّمان في كلّ يوم، # يتناءى خلّ، و تبكي طلول‏

فاللّيالي عون عليك مع البيـ # ن، كما ساعد الذّوابل طول‏

ربّما وافق الفتى من زمان # فرح، غيره به متبول‏ (3)

هي دنيا إن واصلت ذا جفت ها # ذا ملالا، كأنّها عطبول‏ (4)

كلّ باك يبكى عليه، و إن طا # ل بقاء، و الثّاكل المثكول‏

و الأمانيّ حسرة و عناء # للّذي ظنّ أنّها تعليل‏

ما يبالي الحمام أين ترقّى، # بعد ما غالت ابن فاطم غول‏

أيّ يوم أدمى المدامع فيه، # حادث، رائع، و خطب جليل‏

يوم عاشوراء الذي لا أعان الـ # صّحب فيه و لا أجار القبيل‏ (5)

يا ابن بنت الرّسول ضيّعت العهـ # د رجال، و الحافظون قليل‏

ما أطاعوا النبيّ فيك، و قد ما # لت بأرماحهم إليك الذّحول‏ (6)

و أحالوا على المقادير في حر # بك لو أنّ عذرهم مقبول‏

و استقالوا من بعد ما أجلبوا فيـ # ها أ ألآن أيّها المستقيل‏

إنّ أمرا قنّعت من دونه السّيـ # ف لمن حازه لمرعى وبيل‏ (7)

يا حساما فلّت مضاربه الها # م، و قد فلّه الحسام الصّقيل‏

يا جوادا أدمى الجواد من الطّعـ # ن، و ولّى، و نحره مبلول‏

____________

(1) مقيل، من قال قيلولة و مقيلا: نام نصف النهار.

(2) الدجن: المطر، و الدجن وصول الغيم إلى الأرض-القبول: الرياح الشمالية.

(3) متبول: حزين.

(4) العطبول: المرأة الفتية الجميلة.

(5) القبيل: الجماعة من الناس.

(6) الذحول: الثارات.

(7) وبيل: وخيم.

170

حجل الخيل من دماء الأعادي # يوم يبدو طعن، و تخفى حجول‏

يوم طاحت أيدي السّوابق في النّقـ # ع و فاض الونى و غاض الصّهيل‏ (1)

أ تراني أعير وجهي صونا، # و على وجهه تجول الخيول‏

أ تراني ألذّ ماء، و لمّا # يرو من مهجة الإمام الغليل‏

قبّلته الرّماح و انتضلت فيـ # ه المنايا، و عانقته النّصول‏

و السّبايا على النّجائب تستا # ق، و قد نالت الجيوب الذّيول‏

من قلوب يدمى بها ناظر الوجـ # د و من أدمع مراها الهمول‏ (2)

قد سلبن القناع عن كلّ وجه # فيه للصّون من قناع بديل‏

و تنقّبن بالأنامل، و الدّمـ # ع على كلّ ذي نقاب دليل‏

و تشاكين، و الشّكاة بكاء، # و تنادين، و النّداء عويل‏

لا يغبّ الحادي العنيف، و لا يفـ # تر عن رنّة العديل العديل‏ (3)

يا غريب الدّيار!صبري غريب؛ # و قتيل الأعداء، نومي قتيل‏

بي نزاع يطغى إليك و شوق، # و غرام، و زفرة، و عويل‏

ليت أنّي ضجيع قبرك، أو أ # نّ ثراه بمدمعي مطلول‏

لا أغبّ الطّفوف في كلّ يوم # من طراق الأنواء غيث هطول‏ (4)

مطر ناعم، و ريح شمال، # و نسيم غضّ، و ظلّ ظليل‏

يا بني أحمد!إلى كم سناني # غائب عن طعانه ممطول‏

و جيادي مربوطة، و المطايا، # و مقامي يروع عنه الدّخيل‏ (5)

كم إلى كم تعلو الطّغاة، و كم يحـ # كم في كلّ فاضل مفضول‏

قد أذاع الغليل قلبي، و لكن # غير بدع إن استطبّ العليل‏

____________

(1) طاحت: هلكت، سقطت-الوني: التعب.

(2) مراها: استخرجها-الهمول: الذرف.

(3) العديل: المثيل و النظير.

(4) الطفوف، جمع طف: شاطئ الفرات و ما ارتفع من جانبه-غيث: مطر.

(5) يروع: يرتد، يرجع.

171

ليت أنّي أبقى، فامترق النّا # س و في الكفّ صارم مسلول‏ (1)

و أجرّ القنا لثارات يوم الـ # طّفّ يستلحق الرّعيل الرّعيل‏ (2)

صبغ القلب حبّكم صبغة الشّيـ # ب و شيبي، لو لا الرّدى، لا يحول‏

أنا مولاكم، و إن كنت منكم، # والدي حيدر، و أمّي البتول‏ (3)

و إذا النّاس أدركوا غاية الفخـ # ر شآهم من قال جدّي الرّسول‏ (4)

يفرح النّاس بي لأني فضل، # و الأنام الذي أراه فضول‏

فهم بين منشد ما أقفّيـ # ه سرورا، و سامع ما أقول‏

ليت شعري، من لائمي في مقال # ترتضيه خواطر و عقول‏

أترك الشي‏ء عاذري فيه كلّ الـ # نّاس من أجل أن لحاني عذول‏

هو سؤلي إن أسعد اللّه جدّي، # و معالي الأمور للذّمر سول‏ (5)

موت الفتى خير له‏

(الطويل)

في هذه القصيدة يعزي الشاعر الخليفة عن عمر بن إسحاق بن المقتدر، آخر ولد كان بقي للمقتدر، و قد توفي في ذي القعدة سنة 377.

أ يرجع ميتا رنّة و عويل، # و يشفى بأسراب الدّموع غليل؟ (6)

نطيل غراما، و السّلوّ موافق، # و نبدي بكاء، و العزاء جميل‏

____________

(1) امترق: أخترق.

(2) يوم الطف: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن الامام علي.

(3) حيدر: لقب الإمام علي، و الحيدر هو الأسد-البتول: لقب زوجه فاطمة بنت الرسول صلّى اللّه عليه و سلم.

(4) شآهم: سبقهم.

(5) الذمر: الشجاع.

(6) أسراب، من سرب: الماء السائل.

172

شباب الفتى ليل مضلّ لطرقه، # و شيب الفتى عضب عليه صقيل‏

فما لون ذا قبل المشيب بدائم، # و لا عصر ذا بعد الشّباب طويل‏

و حائل لون الشّعر، في كلّ لمّة، # دليل على أنّ البقاء يحول‏

نؤمّل أن نروى من العيش، و الرّدى # شروب لأعمار الرّجال أكول‏

و هيهات ما يغني العزيز تعزّزّ # فيبقى، و لا ينجي الذّليل خمول‏

نقول: مقيل في الكرى لجنوبنا، # و هل غير أحشاء القبور مقيل‏ (1)

دع الفكر في حبّ البقاء و طوله، # فهمّك، لا العمر القصير، يطول‏

و لا ترج أن تعطى من العيش كثرة، # فكلّ مقام في الزّمان قليل‏

و من نظر الدّنيا بعين حقيقة، # درى أنّ ظلاّ لم يزل سيزول‏

تشيّع أظعان إلى غير رجعة، # و تبكى ديار بعدهم و طلول‏

لما ذا تربّي المرضعات طماعة؛ # لما ذا تخلّى بالنّساء بعول‏ (2)

أ ليس إلى الآجال نهوي، و خلفنا # من الموت حاد لا يغب عجول؟

فمحتضر بين الأقارب، أو فتى # تشحّط ما بين الرّماح قتيل‏ (3)

إذا لم يكن عقل الفتى عون صبره، # فليس إلى حسن العزاء سبيل‏

و إن جهل الأقدار و الدّهر عاقل، # فأضيع شي‏ء في الرّجال عقول‏

تغيّر ألوان اللّيالي، و تنمحي # به غرر معلومة و حجول‏

تعزّ، أمين اللّه، و استأنف الأسى، # ففي الأجر من عظم المصاب بديل‏

و ما هذه الأيّام إلاّ فوارس # تطاردنا، و النّائبات خيول‏

و إن زال نجم من ذؤابة هاشم، # فلا عجب، إنّ النّجوم تزول‏

مضى و الذي يبقى أحبّ إلى العلى، # و أهدى إلى المعروف حين ينيل‏

بقاءك نهوى وحده دون غيره، # فدع كلّ نفس ما سواك تسيل‏

و موت الفتى خير له من حياته، # إذا جاور الأيّام، و هو ذليل‏

____________

(1) المقيل: النوم، القيلولة.

(2) تخلّى: تنفرد في خلوة.

(3) تشحّط: تضرج بالدم، اضطرب فيه.

173

تلفّت إلى آبائك الغرّ هل ترى # من القوم باق جاوزته حبول‏ (1)

و هل نال في العيش الفتى فوق عمره، # و هل بلّ من داء الحمام غليل‏

و من مات لم يعلم و قد عانق الثّرى # بكاه خليل أم سلاه خليل‏

فكفكف عنان الوجد، إمّا تعزّيا، # و إمّا طلابا أن يقال حمول‏

فكلّ، و إن لم يعجل الموت، ذاهب، # إلا إنّ أعمار الأنام شكول‏ (2)

و للحزن ثورات تجور على الفتى، # كما صرعت هام الرّجال شمول‏

لقد كنت أوصي بالبكاء من الجوى # لو انّ غراما بالدّموع غسيل‏

فأمّا، و لا وجد يزول بعبرة، # فصبر الفتى، عند البلاء، جميل‏

و كم خالط الباكين من سنّ ضاحك، # و بين رغاء الرّازحات صهيل‏ (3)

و إنّي أراني لا ألين لحادث # له أبدا وطء عليّ ثقيل‏

و أغضي عن الأقدار، و هي تنوبني، # و ما نظري، عند الأمور، كليل‏

يهوّن عندي الصّبر ما وقعت به # صروف اللّيالي، و الخطوب نزول‏

و ما أنا بالمغضي على ما يعيبني؛ # و لا أنا عن ودّ القريب أحول‏

و لا قائل ما يعلم اللّه ضدّه، # و لو نال من جلدي قنا و نصول‏

و لو لا أمير المؤمنين تحضّرت # بي البيد هوجاء الزّمام ذمول‏ (4)

و طوّح بي، في كلّ شرق و مغرب، # زمان ضنين بالرّجاء بخيل‏

و لكنّه أعلى محلّي على العدا، # و علّم نطقي فيه كيف يقول‏

و عوّدني من جود كفّيه عادة، # أعوج إليها بالمنى و أميل‏

يقولون: لو أمّلت في النّاس غيره، # و هل فوقه للسّائلين مسول‏

و من يك إقبال الخليفة سيفه، # يلاق اللّيالي، و هي عنه نكول‏

و من كان يرمي عن تقدّم باعه # يصب سهمه أغراضه و يؤول‏ (5)

____________

(1) الحبول: الداهية.

(2) شكول: أشكال و أنواع.

(3) الرغاء: صوت الجمل-الرازحات: النياق التي سقطت إعياء و هزالا.

(4) تحضرت بي: عدت بي-الهوجاء: الناقة المسرعة-الذمول: التي تسير الذميل و هو سير متوسط.

(5) يؤول: يرجع.

174

فتى تبصر العلياء في كلّ موقف # به الرّمح أعمى و الحسام ذليل‏

و يدخل أطراف القنا كلّ مهجة # بها أبدا غلّ عليه دخيل‏

إذا لاح يوم الرّوع في سرج سابح # تناذره بعد الرّعيل رعيل‏ (1)

بقيت، أمير المؤمنين، فإنّما # بقاؤك بالعزّ المقيم كفيل‏

و لا ظفرت منك اللّيالي بفرصة، # و لا غال قلبا بين جنبك غول‏

و أعطيت ما لم يعط في الملك مالك، # فإنّك فضل، و الأنام فضول‏

سقوط طود

(مجزوء الكامل)

في شعبان من سنة 381 خلع الخليفة الطائع للّه، فحزن الشريف الرضي لذلك و نظم هذه القصيدة التي يذكر فيها أيامه و يرثيها و يتوجّع له مما لحقه.

إن كان ذاك الطّود خـ # رّ، فبعد ما استعلى طويلا

موف على القلل الذّوا # هب في العلى عرضا و طولا

قرم يسدّد لحظه، # فترى القروم له مثولا (2)

و يرى عزيزا حيث حـ # لّ، و لا يرى إلاّ ذليلا

كاللّيث، إلاّ أنّه # اتّخذ العلى و المجد غيلا

و علا على الأقران لا # مثلا يعدّ و لا عديلا

من معشر ركبوا العلى، # و أبوا عن الكرم النّزولا

غرّ، إذا نسبوا لنا الـ # غرر اللّوامع و الحجولا

____________

(1) السابح: الفرس السريع و المريح-تناذره: خوّف منه بعضهم بعضا- الرعيل: جماعة الخيل المتقدمة.

(2) القرم: السيد الشجاع.

175

كرموا فروعا، بعد ما # طابوا، و قد عجموا أصولا

نسب غدا رواده # يستنجبون لنا الفحولا

يا ناظر الدّين الّذي # رجع الزّمان به كليلا

يا صارم المجد الّذي # ملئت مضاربه فلو لا

يا كوكب الأحساب أعـ # جلك الدّجى عنّا أفولا

يا غارب النّعم العظا # م غدوت معمورا جزيلا (1)

يا مصعب العلياء قا # دتك العدا نقضا ذلولا (2)

لهفي على ماض قضى # ألاّ ترى منه بديلا

و زوال ملك لم يكن # يوما يقدّر أن يزولا

و منازل سطر الزّما # ن على معالمها الحئولا (3)

من بعد ما كانت على الـ # أيّام مربأة زلولا (4)

و الأسد ترتكز القنا # فيها، و ترتبط الخيولا

من يسبغ النّعم الجسا # م، و يصطفي المجد الجزيلا

من ينتج الآمال يو # م تعود باللّيّان حولا (5)

من يورد السّمر الطّوا # ل، و يطعم البيض النّصولا

من يزجر الدّهر الغشو # م، و يكشف الخطب الجليلا

و تراه يمنع دوننا # وادي النّوائب أن يسيلا

عقّاد ألوية الملو # ك على العلى جيلا، فجيلا

هذا، و كم حرب تبـ # زّ الأسد سطوتها الغليلا (6)

____________

(1) الغارب: الكاهل-المعمور: الباقي على الزمان.

(2) المصعب: الفحل-النقض: المهزول.

(3) الحئول: التحول من حالة إلى أخرى.

(4) المربأة: المكان الذي يقف فيه من يرقب-الزلول: المزلقة.

(5) الليان: المطل-الحول: من التحول و الانقلاب.

(6) تبز: تسلب-الغليل: الحقد.

176

صمّاء تخرس آلها، # إلاّ قراعا، أو صهيلا

و الخيل عابسة تجـ # رّ من العجاج بها ذيولا

أجتاب عارضها، و قد # رحل المنون به همولا (1)

كالثّائر الضّرغام إن # لبس الوغى دقّ الرّعيلا (2)

صانعت يوم فراقه # قلبا، قد اعتنق الغليلا

ظعن الغنى عنّي، و حـ # وّل رحله إلاّ قليلا

إن عاد يوما عاد وجـ # ه الدّهر مقتبلا جميلا

و لئن مضى طوع المنون # مؤمّما تلك السّبيلا

فلقد تخلّف مجده # عبأ على الدّنيا ثقيلا

و استذرت الأيّام من # نفحاته ظلاّ ظليلا (3)

أيّها القبر

(الرمل)

وضع الشاعر هذه القصيدة في رثاء الخليفة الطائع للّه الذي توفي في مجلسه و هو مخلوع يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شوال سنة 393، و دفن في تربة كان عمرها بالرصافة. و كان الطائع شديد الميل إلى الرضي و تجمع بينهما صداقة متينة.

أيّ طود دكّ من أيّ جبال، # لقحت أرض به بعد حيال‏ (4)

ما رأى حيّ نزار قبلها # جبلا سار على أيدي الرّجال‏

____________

(1) الهمول: المتروك ليلا و نهارا يرعى بلا راع.

(2) دق: كسر، هزم-الرعيل: القطعة من الخيل.

(3) استذرت: استظلت.

(4) لقحت: حملت-حيال: محل.

غ

177

عجبا أصبحت للضّيم، و ما # نثر الطّعن أنابيب العوالي‏

فإذا رامي المقادير رمى # فدروع المرء أعوان النّصال‏

قاده المقدار قسرا بعد ما # أكره السّمر على المقّ الطّوال‏ (1)

و أبال الخيل في كلّ حمى، # يمنع الماطر منهلّ العزالي‏ (2)

مثل عقبان الموامي دلّحا، # راشها قرع الحنايا بالنّبال‏ (3)

حاملا عن قومه العب‏ء، و ما # حمدوا عرعرة العود الجلال‏ (4)

أيّها القبر الذي أمسى به # عاطل الأرض جميعا و هو حالي‏

لم يواروا بك ميتا إنّما # أفرغوا فيك ذنوبا من نوال‏ (5)

طال ما لاذ به المال كما # لاذت الإصبع يوما بالقبال‏ (6)

حملوه بازلا محتقرا # دلج اللّيل و لزّات الحبال‏ (7)

إن غدا مجدوعة أشرافه، # فالبنى وافية، و المجد عالي‏

عقروا ليثا، و لو هاهوا به # كان بعد العقر أرجى للصّيال‏ (8)

و كذا الأيّام من قارعها، # تركت فيه علامات النّزال‏

عقلوه بعد ما جاز المدى، # و طوى شأو مساع و معالي‏ (9)

و كذا السّابق، يوما بعنان # يحرز السّبق، و يوما بعقال‏

____________

(1) المق: الشق.

(2) منهل العزالي: هو من القول أرسلت السماء عزاليها إذا أمطرت مطرا شديدا.

(3) الموامي: الفلوات، جمع موماة-الدلّح، جمع دالح: السحاب الكثير الماء.

(4) العرعرة: السنام-العود: الجمل السمن.

(5) الذنوب: الدلو العظيمة، استعارها للدلالة على الكرم-النوال: العطاء.

(6) القبال: زمام بين الاصبع الوسطى و التي تليها.

(7) البازل: الفتي، و البازل صفة الجمل اذا طلع نابه، استعارها للإشارة إلى الفتوّة-الدلج: السير من أول الليل-اللزات: الشدائد.

(8) هاهوا به: زجروه.

(9) الشأو: المدى، الغاية.

178

قمت عنها بعد ما عجّ بها، # و رمى أوسقها بزل الجمال‏ (1)

و انتزعت النّصل من مقلتها، # بعد غايات نزاع و مطال‏

ليتهم أعطوك إن لم يعدلوا، # بسلة الرّاقي من الدّاء العضال‏ (2)

نتجوا في المجد ما ألقحته، # ربّما أوقد نارا غير صالي‏

و كأنّي خلل الغيب أرى # نغرة من جرحها بعد اندمال‏ (3)

و إذا الأعداء عدوّك لها # سلّموا فضلك من غير جدال‏

لا أضاعوا رابئا في قلّة # كلأ المجد، و قد نام الكوالي‏ (4)

يوم للشّعب دهان من دم، # و المواضي للمقاديم فوالي‏ (5)

في فتوّ شيّعوا أرماحهم، # أمم الموت إلى الطّعن عجال‏ (6)

بخفاف فوق أيمان رجال، # و ثقال فوق أعناق رجال‏

قضب، يوم صداها في الوغى، # بالطّلى، أطول من يوم الصّقال‏ (7)

لك منها ناحل تعصى به، # يوم أبدلن عصيّا بعوالي‏

تلحم الأعداء منه جازرا، # ينقل اللّحم إلى غير عيال‏

قد قدحت العزّ زندا غير كاب، # و لبست المجد بردا غير بالي‏

و إذا أغلى الورى أكرومة، # وجدوا عندك أثمان الغوالي‏

إنّ للطّائع عندي منّة، # وحمى قد بلّها لي ببلالي‏

ليس ينسيها، و إن طال المدى، # مرّ أيّام عليها و ليالي‏

____________

(1) الأوسق: الأحمال، جمع وسق-البزل، جمع بازل: البالغ من الجمال.

(2) البسلة: الأجرة.

(3) النغرة: سيلان الدم من الجرح.

(4) الرابئ: الرقيب-الكلأ: الحرس-الكوالي، جمع كالئ: حارس.

(5) الشّعب: الشق، الجرح-المواضي: السيوف-المقاديم، جمع مقدام:

الكثير الإقدام.

(6) فتو، جمع فتى: الشاب-الأمم: القرب، القصد.

(7) قضب: سيوف-الطلى: الأعناق.

179

فاتني منك انتصار بيميني، # فتلافيت انتصارا بمقالي‏

لا عجيب حفظ كفّ لبنان، # و وفاء من يمين لشمال‏

عزّ من أمسى معدّا ظهره، # أخذ الأهبة يوما للزّيال‏

ينظر الدّنيا بعيني ناهض، # مطر ينفض أنداء الطّلال‏ (1)

ينشط البلغة من آكلها، # نشطة المطرود ولّى، و هو خالي‏ (2)

لا يرم قبرك مبراق الذّرى، # منجد الأعناق غوريّ التّوالي‏ (3)

كلّما عجّ رمى في عرضه # شعل البرق الرّباب المتعالي‏ (4)

كرهاء الدّهم لاقيت به # في رعال يتعدّى برعال‏ (5)

تطلق الصّرّة من أخلافه، # أمّ أوبين: نعامى و شمال‏ (6)

ألحقت شعّاعة الرّيح كما # جرّت الخيل رعابيب الحلال‏ (7)

لا أرى الدّمع كفاء للجوى، # ليس أنّ الدّمع من بعدك غالي‏

و برغمي أن كسوناك الثّرى، # و فرشناك زرابيّ الرّمال‏ (8)

و هجرناك على ضنّ الهوى؛ # ربّ هجران على غير تقالي‏

أيّها الظّاعن لا جاز الحيا # أبدا بعدك بالحيّ الحلال‏

كنت في الأحجال أرجوك، و لا # أرتجي اليوم عظيما في الحجال‏ (9)

____________

(1) الناهض: فرخ الطائر الذي كمل جناحاه و قدر على الطيران.

(2) ينشط: ينزع-البلغة: ما يتبلغ به من العيش.

(3) لا يرم: لا يبرح-المنجد: المرتفع-غوري: منخفض، نسبة الى الغور.

(4) عرضه: ناحيته-الرباب: الغيم.

(5) رهاء الدهم: تتابع الخيل السود-الرعال: جماعة الخيل.

(6) الصّرّة: شد ضرع الناقة-الأوبين: الجهتين-النعامى: ريح الجنوب.

(7) شعّاعة الريح: الريح التي اختلفت مهابها-الرعابيب: النوق الطائشة، جمع رعبيب.

(8) الزرابي: البسط.

____________

(9) الأحجال، جمع حجل: القيد-الحجال، جمع حجلة: ما يزين بالثياب و الستور للعروس.

180

كلّ مأسور يرجّى فكّه، # غير من أصبح في قيد اللّيالي‏

نسب كالشّمس أوفيت به # في المعالي بين نجم و هلال‏

زلق المرقى بعيد المنتمى، # في قنان للمساعي و قلال‏ (1)

تقصر الألحاظ عنهنّ، فما # ظنّ من مدّ يديه للمنال‏

في الرّوابي من معدّ، و الذّرى # نهز المجد بعاديّ السّجال‏

و إذا ما الأرض كانت شوكة # خطروا فيها على غير نعال‏

كلّ راق مرّ بالنّجم إلى # قنن السّؤدد و المجد الطّوال‏

معشر، إن غابت الأرض بهم، # لم يغيبوا عند مجد و فعال‏

كلما ازدادت بلى أعظمهم # نشرتهم سمع غير بوالي‏

و العلى ما لم يربّوا دارها، # طرق عوج، و أطلال خوالي‏ (2)

ضمنت منهم قراراتهم # عمد المجد، و أركان المعالي‏

لا تقل تلك قبور، إنّما # هي أصداف على غير لآل‏

رثاء كافي الكفاة

(الكامل)

في هذه القصيدة يرثي الرضي الصاحب أبا القاسم كافي الكفاة اسماعيل بن عباد. و قد ورد خبر وفاته في يوم الأربعاء لعشر ليال بقين من ربيع الأول سنة 385، و كان قد قارب الستين من عمره.

أ كذا المنون تقنطر الأبطالا؛ # أ كذا الزّمان يضعضع الأجبالا (3)

____________

(1) زلق المرقى: أي يصعب الارتقاء إليه-القنان و القلال: رءوس الجبال.

(2) يربّوا: يقيموا و يصلحوا.

(3) تقنطر: تردي، ترفع من الدنيا.

181

أ كذا تصاب الأسد، و هي مذلّة # تحمي الشّبول، و تمنع الأغيالا؟

أ كذا تقام عن الفرائس بعد ما # ملأت هماهمها الورى أوجالا؟ (1)

أ كذا تحطّ الزّاهرات عن العلى، # من بعد ما شأت العيون منالا؟ (2)

أ كذا تكبّ البزل و هي مصاعب، # تطوي البعيد، و تحمل الأثقالا؟

أ كذا تغاض الزّاخرات و قد طغت # لججا، و أوردت الظّماء زلالا؟

يا طالب المعروف حلّق نجمه، # حطّ الحمول و عطّل الأجمالا!

و أقم على يأس، فقد ذهب الذي # كان الأنام على نداه عيالا

من كان يقري الجهل علما ثاقبا، # و النّقص فضلا، و الرّجاء نوالا

و يجبّن الشّجعان دون لقائه، # يوم الوغى، و يشجّع السّؤالا (3)

خلع الرّدى ذاك الرّداء نفاسة # عنّا، و قلّص ذلك السّربالا

خبر تمخّض بالأحبّة ذكره، # قبل اليقين، و أسلف البلبالا (4)

حتّى إذا جلّى الظّنون يقينه، # صدع القلوب، و أسقط الأحمالا (5)

الشّكّ أبرد للحشا من مثله، # يا ليت شكّي فيه دام و طالا

جبل تسنّمت البلاد هضابه، # حتى إذا ملأ الأقالم زالا

يا طود!كيف و أنت عاديّ الذّرى، # ألقى بجانبك الرّدى زلزالا (6)

إن قطّع الآمال منك، فإنّه # من بعد يومك قطّع الأمّالا

ما كنت أوّل كوكب ترك الدّنا # و سما إلى نظرائه، فتعالى‏

أنفا من الدّنيا بتتّ حبالها، # و نزعت عنك قميصها الأسمالا (7)

____________

(1) هماهمها: أصواتها-الأوجال، جمع وجل: خوف.

(2) الزاهرات: النجوم، كناية عن علو منزلة الفقيد.

(3) السؤال: السائلين.

(4) البلبال: شدّة الهم و الوسواس.

(5) الأحمال، جمع حمل: ما تحمله المرأة من الولد في بطنها.

(6) طود: جبل-عادي: قديم.

(7) بتت: قطعت-الأسمال: الخلق، البالي.

182

ذا المنزل المظعان قد فارقته، # و غدا تبوّأ منزلا محلالا (1)

لا رزء أعظم من مصابك، إنّه # وصل الدّموع، و قطّع الأوصالا

يا آمر الأقدار كيف أطعتها، # أ و ما وقاك جلالك الآجالا

كيف اغتفلت، ففاجأتك بغرّة، # أ و ليس كنت المخلط المزيالا (2)

لم تكف، يا كافي الكفاة، منيّة # نفذت إليك صوارما و ألالا (3)

ألاّ وقى المجد المؤثّل ربّه؛ # ألاّ زوى المقدار، ألاّ حالا (4)

ألاّ أقالتك اللّيالي عثرة، # يا من، إذا عثر الزّمان، أقالا

إنّ الّذي أنحى إليك بسهمه، # قدر ينال ذبابه الرّئبالا (5)

لا مسمع الإنباض منه، فيتّقى # يوما، و لا مالي الجفير نبالا (6)

و أرى اللّيالي طارحات حبالها # تستوثق الأعيان و الأرذالا

يبرين عود النّبع غير فوارق # بين النّبات كما برين الضّالا (7)

لا تأمن الدّنيا عليك، فإنّها # ذات البعول تبدّل الأبدالا

و تناذر الدّهر الذي شرع الرّدى # و تخرّم الأذواء و الأقيالا (8)

و استرجل الأملاك قسرا بعد ما # ركبوا من الشّرف المطلّ جبالا

____________

(1) المظعان: الكثير الظعن، السير-تبوأ: يهيّأ لك.

(2) المخلط: الذي يخالط الناس و يختبر الأمور-المزيال: اللطيف.

(3) لم تكف: لم تمنع-الألال: أدوات الحرب، جمع ألة.

(4) زوى: منع.

(5) ذبابه: حدّه-الرئبال: الأسد.

(6) الإنباض، من أنبض وتر القوس: حركه-مالي: مالئ-الجفير: الكنانة.

(7) النبع: شجر تصنع منه القسي و السهام-الضال: نوع من الشجر.

(8) تناذر: خوّف بعضهم بعضا-تخرّم: اقتطع-الأذواء: ملوك اليمن التبابعة، أول أسمائهم ذو، مثل «ذو يزن» -الأقيال: الملوك أو الذين يأتون بعد الملك، و قد عرفت هذه الألقاب في اليمن.

183

و طوى مقاول من نزار ذادة # في الحرب لا كشفا و لا أميالا (1)

قوم، إذا وقع الصّريخ تناهضوا # بالخيل قبّا و القنيّ طوالا (2)

و ترى خفافا في الوغى، فإذا انتدوا # و تلاغط النّادي رأيت ثقالا

صاحت بهم نوب اللّيالي صيحة # فتتابعوا لدعائها أرسالا

يتواكلون الموت جبنا بعد ما # كانوا لكلّ عظيمة حمّالا (3)

من بعد ما دعموا القباب و خيّسوا # ذلل المطيّ و دمّنوا الأطلالا (4)

عرب، إذا دفعوا الجياد لغارة # هزّوا العباب و خضخضوا الأوشالا (5)

من كلّ منهب ماله سؤّاله، # أو بالغ بعطائه ما نالا

أو بائت يرعى النّجوم لغارة، # و يعدّ للمغدى قنا و نصالا

لم ترهب الأقدار عزّته، و لا # اتّقت النّوائب جمعه العضّالا

و عصائب اليمن الّذين تبوّءوا # قلل الهضاب و شرّدوا الأوعالا

كانوا فحول وغى تساند بالقنا، # لا كالفحول تساند الأجذالا (6)

زفر الزّمان عليهم، فتطارحوا # فرقا و طاروا بالمنون جفالا

و على الهباءة آل بدر إنّهم # طرحوا له الأسلاب و الأنفالا (7)

____________

(1) المقاول: الملوك-الذادة: الحماة، جمع ذائد-الكشف، جمع أكشف:

الذي لا ترس معه-الأميال، جمع أميل: الذي لا سيف معه، و الذي يميل ليسقط عن مطيّته.

(2) الصريخ: الاستغاثة-القب: الضوامر-القني: الرماح.

(3) يتواكلون: يتكل بعضهم على بعض.

(4) خيسوا: حبسوا، ذللوا-دمّنوا، من دمنت الماشية المكان: سوّدته بفضالاتها.

(5) العباب: معظم السيل و ارتفاعه-الأوشال، جمع وشل: الماء القليل.

(6) تسانذ: تعاضد-الأجذال، جمع جذل: عود يتحكك به الجرب.

(7) الهباءة: أرض لغطفان-الأنفال: الغنائم.

184

من بعد ما خلطوا العجاج و جلجلوا # تلك الزّعازع و القنا العسّالا (1)

و المنذرون الغرّ شرّد منهم # حيّا على لقم العراق حلالا (2)

و الأزدشيريّون أبرز منهم # متفيّئين من النّعيم ظلالا

تلوي لهم عنق الفرات بمدّه، # و يروّقون البارد السّلسالا

من معشر وردوا المنون، و معشر # سلبوا الحجال، و ألبسوا الأحجالا

قد غادروا الإيوان بعد فراقهم # ينعى القطين و يندب الحلاّلا

إن كنت تأمل بعدهم مهلا فقد # منّتك نفسك في الزّمان ضلالا

لمن الضّوامر عرّيت أمطاؤها، # حول الخيام، تنازع الأمطالا

بدّلن من لبس الشّكيم مقاودا # مربوطة، و من السّروج جلالا

فجعت بمنصلت يعرّض للقنا # أعناقها، و يحصّن الأكفالا

لمن المطايا غير ذات رحائل، # فارقن ذاك السّدو و الإرقالا (3)

أمست تمنّع بالسّقاب، و طالما # جعل الظّبى لرضاعهنّ فصالا (4)

من كان يحمل فوقهنّ عصابة # مثل الصّقور غرانقا أزوالا (5)

من كان يجشمهنّ كلّ مفازة # تلد المنون، و تنبت الأهوالا

لمن النّصول نشبن في أغمادها، # كلف الظّبى لا ينتظرن صقالا

لمن الأسنّة قد نصلن عن القنا، # و عدمن جرّا في الوغى و مجالا

إن صين سردك في العياب، فطالما # أمسى عليك مذيّلا و مذالا (6)

____________

(1) العجاج: الغبار-جلجلوا: حركوا-الزعازع: شدائد الدهر-العسّال:

المهتز، اللّين.

(2) لقم: طريق.

(3) السدو: الاتساع في الخطو-الإرقال: الإسراع.

(4) السقاب، جمع سقب: ولد الناقة-الظبى: السيوف.

(5) الغرانق (بالفتح) ، جمع غرانق (بالضم) : الشاب الأبيض الجميل- الأزوال، جمع زول: الفتي الخفيف و الظريف.

(6) السرد: الدروع و الحلقات-العياب، جمع عيبة: ما تجعل فيه الثياب كالصندوق.

185

كم حجّة في الدّين خضت غمارها، # هدر الفنيق تخمّطا و صيالا (1)

بسنان رمحك، أو لسانك موسعا # طعنا يشقّ على العدا و جدالا

إن نكّس الإسلام بعدك رأسه، # فلقد رزي بك موئلا و مآلا

واها على الأقلام بعدك إنّها # لم ترض غير بنان كفّك آلا

أفقدن منك شجاع كلّ بلاغة، # إن قال جلّى في المقال و جالا

من لو يشاء طعن العدا برءوسها، # و أثار من جريالها قسطالا (2)

سلطان ملك كنت أنت تعزّه، # و لربّ سلطان أعزّ رجالا

إنّ المشمّر ذيله لك خيفة، # أرخى و جرّر بعدك الأذيالا

ما كنت أخشى أن تزلّ لحادث # قدم جعلت لها الرّكاب قبالا (3)

دفع الزّمان لك النوائب دفعة، # و تصوّب الوادي إليك، فسالا

يا شامتا بالسّيف أغمد غربه، # كم هبّ مندلق الغرار وصالا (4)

إن طوّح الفعّال دهر ظالم، # فلقد أقام و خلّد الأفعالا

طلبوا التّراث، فلم يروا من بعده # إلاّ علا، و فضائلا، و جلالا

هيهات فاتهم تراث مخاطر، # حفظ الثّناء، و ضيّع الأموالا

قد كان أعرف بالزّمان و صرفه، # من أن يثمّر، أو يجمّع مالا

مفتاح كلّ ندى و ربّ معاشر، # كانوا على أموالهم أقفالا

كان الغريبة في الأنام، فأصبحوا # من بعد غارب نجمه أمثالا

قرم، إذا كحلت به ألحاظها # شوس القروم تقطّع الأبوالا (5)

و إذا تجايشت الصّدور بموقف # حبس الكلام و قيّد الأقوالا

____________

(1) الفنيق: الفحل-تخمطا: تكبرا-الصيال: السطو.

(2) الجريال: الدم-القسطال: الغبار.

(3) القبال: زمام بين الاصبع الوسطى و التي تليها في النعل.

(4) مندلق الغرار: السيف الخارج من غمده من دون أن يسل.

(5) القرم: السيد الشجاع-الشوس: النظر بمؤخر العين تكبرا أو تغيّظا.

غ

186

بصوائب كالشّهب تتبع مثلها، # و رعال خيل يتّبعن رعالا (1)

من فاعل من بعده كفعاله، # أو قائل من بعده ما قالا

سمع يرفّع للسّؤال سجوفه، # و يحجّب الأهزاج و الأرمالا (2)

يا طالبا من ذا الزّمان شبيهه، # هيهات كلّفت الزّمان محالا

إنّ الزّمان أضنّ بعد وفاته # من أن يعيد لمثله أشكالا

و أرى الكمال جنى عليه، لأنّه # غرض النّوائب من أعير كمالا

صلّى الإله عليك من متوسّد، # بعد المهاد، جنادلا و رمالا

كسف البلى ذاك الجمال المجتلى، # و أجرّ ذاك المقول الجوّالا

و رأيت كلّ مطيّة قد بدّلت # من بعد يومك بالزّمام عقالا

طرح الرّجال لك العمائم حسرة # لمّا رأوك تسير أو إجلالا

قالوا، و قد فجئوا بنعشك سائرا: # من ميّل الجبل العظيم، فمالا

و تبادروا عطّ الجيوب، و عاجلوا # عضّ الأنامل يمنة و شمالا (3)

ما شقّقوا إلاّ كساك، و ألّموا # إلاّ أنامل نلن منك سجالا

من ذا يكون معوّضا ما مزّقوا، # و معوّلا لمؤمّل و ثمالا (4)

فرغت أكفّ من نوالك بعدها، # و أطال عظم مصابك الأشغالا

أعزز عليّ بأن يهزّك طالب # فتضنّ، أو تلوي النّوال مطالا

أو أن تبدّل من يؤمّك زائرا، # بعد التّهلّل، عندك استهلالا (5)

أو أن يناديك الصّريخ لكربة، # حشدت عليه، فلا تجيب مقالا

يا شافي الأدواء كيف جهلته # داء رماك به الزّمان عضالا

____________

(1) الرعال: القطعة من الخيل.

(2) السّمع: المسموع الكلمة، الذي يسمع له-الأهزاج و الأرمال: ضرب من الغناء و الموسيقى.

(3) عطّ الجيوب: شقّها.

(4) الثمال: الغياث.

(5) التهلل: تلألؤ الوجه بشاشة-الاستهلال: رفع الصوت بالبكاء.

187

يا كاشف الأمحال كيف رضيته # لمقيل جنبك منزلا ممحالا

قد كنت آمل أن أراك، فاجتني # فضلا، إذا غيري جنى أفضالا

و أفيد سمعك مقولي و فضائلي، # و تفيدني أيّامك الإقبالا

و أعدّ منك لريب دهري جنّة، # تثني جنود خطوبه فلاّلا (1)

و طواك دهرك غير طيّ صيانة، # و أعاد أعلام الهدى أغفالا

قبر بأعلى الرّيّ شقّ ضريحه، # لأعزّ حقّره الرّدى إعجالا

إن يمس موعظة الرّجال فطالما # أمسى مهابا للورى و مهالا

لتسلّب الدّنيا عليه، فإنّها # نزعت به الإحسان و الإجمالا (2)

و رعاه من أرعى البريّة سيبه، # و سقاه من أسقى به الآمالا

صبرا يا علي‏

(الكامل)

نظم الشاعر هذه القصيدة معزيا أبا سعد علي بن محمد بن أبي خلف عن أخت له توفيت.

إلاّ يكن نصلا فغمد نصول، # غالته أحداث الزّمان بغول‏

أو لا يكن بأبي شبول ضيغم، # تدمى أظافره، فأمّ شبول‏

تلك الغمامة كان بارق خالها، # لو أنست الأيّام، غير مخيل‏ (3)

كنّا نؤمّل أن نجلّي صوبها، # عن أخضر غضّ الجنى مطلول‏

لو لا طلاب النّصل يورق عوده، # بات النّساء سدى بغير بعول‏ (4)

____________

(1) جنّة: ترس.

(2) تسلب: تحد.

(3) الخال: سحاب لا يخلف مطره-المخيل: السحاب لا مطر فيه.

____________

(4) النصل: وردت في نسخة أخرى النسل.

188

و لربّما بكي الفقيد لنفسه، # أو للمطامع فيه و التّأميل‏

أ ترى بما نغترّ من أيّامنا، # و نطيل من أمل لهنّ طويل‏

أبوردها المطروق، أو بنعيمها الـ # ممذوق، أم ميعادها الممطول‏ (1)

نرجو البقاء، كأنّنا لم نختبر # عادات هذا العالم المجبول‏

لو أنّ غير يد الزّمان تريعني، # و تفلّ حدّ معاشري و قبيلي‏

للويت من دون المذلّة جانبي، # و جررت عن دار الهوان ذيولي‏

لكنّ سلطان اللّيالي غالب # عزمي، و قطّاع عليّ سبيلي‏

قدرت فذلّ لها العزيز مهابة، # ليس الذّليل لقادر بذليل‏

و هو الزّمان يبيح كلّ ممنّع، # و يغضّ من طمحات كلّ جليل‏ (2)

من بين مجروح بحدّ نيوبه، # يدمى، و بين مبضّع مأكول‏

أعدى جذيمة بالرّدى و عدا على # ردفي جذيمة مالك و عقيل‏ (3)

و استنزل الأذواء عن نجواتهم، # فغدوا ذوي ضرع و طول خمول‏ (4)

و حدا بآل المنذرين، فودّعوا # بالحيرة البيضاء كلّ مقيل‏

وسطا على أبناء قيصر سطوة، # أمما، فأجلت عن دم مطلول‏ (5)

و أعاد إيوان المدائن محرما، # عريان من برد العلى المسدول‏

و استلّ منه مالكيه، و دونهم # عدد الدّراري من قنا و خيول‏

و هوى بتيجان الجبابرة الألى، # عن كلّ مطرور الغرار صقيل‏ (6)

بلّت مفارقهم دما، و لطالما # عرفوا بمسك فوقهنّ بليل‏ (7)

____________

(1) الممذوق: المشوب بكدر-الممطول: المؤجّل.

(2) الطمحات: الطموح، ارتفاع البصر الى الشي‏ء.

(3) جذيمة: هو الأبرش ملك الحيرة-ردفاه مالك و عقيل: نديماه.

(4) الأذواء: هم ملوك اليمن التبابعة-النجوات، جمع نجوة: مرتفع من الأرض-الضرع: الضعف.

(5) الأمم: القصد-المطلول: المهدور.

(6) المطرور: المسنون-الغرار: حد السيف.

(7) عرفوا: سطع عرفهم، رائحتهم الطيبة.

189

أو بعد ما رفعوا القباب و خوّلوا # في ظلّ ممتنع المقام ظليل‏ (1)

من كلّ أغلب كان يحسب عهده # في العزّ و العلياء غير محيل‏

و يظنّ أن لو طاولته منيّة، # لأبى إباء المصعب المعقول‏ (2)

أو لو طغى غرب الفرات لردّه # متقطّعا، و أقام مدّ النّيل‏

نزل القضاء به، فعاد كأنّه # لم يغن أمس بطارق و نزيل‏

صبرا جميلا يا عليّ، فربّما # صبر الفتى، و الصّبر غير جميل‏

لو كنت أعلم أنّ وجدا نافع، # لقدحت فيك بزفرة و غليل‏

و جعلت تصعيب المصاب معظّما # من شأنه بدلا من التّسهيل‏

لكنّها الأقدار يمضي حكمها # أبدا على الأصعوب و الأذلول‏

و لربّما ابتسم الفتى و فؤاده # شرق الجنان برنّة و عويل‏ (3)

و لربّما احتمل اللّبيب مموّها # عضّ الزّمان ببشره المبذول‏

و غطى على تلك الجراح، كأنّه # ما آب منه بغارب مخزول‏ (4)

____________

(1) خوّلوا: رعوا أغنامهم.

(2) المصعب: الفحل المكرّم.

(3) شرق الجنان: ممتلئ القلب.

(4) غطى: ستر-الغارب: الكاهل-المخزول: المقطوع.

غ

190

نغالب الليالي‏

(الوافر)

كانت «تقيّة» بنت سيف الدولة الحمداني قد انتقلت من الشام الى مصر و توفيت هناك. و كانت من أفاضل نساء قومها، و من المعجبات بشعر الشريف الرضي، حتى انها التمست نسخة عن ديوانه. و لما ورد الخبر بوفاتها في شهر رمضان من سنة 399 حزن الرضي و وضع هذه القصيدة.

نغالب ثمّ تغلبنا اللّيالي، # و كم يبقى الرّميّ على النّبال‏

و نطمع أن يملّ من التّقاضي # غريم ليس يضجر بالمطال‏

أ تنظر كيف تسفع بالنّواصي # ليالينا، و تعثر بالجبال‏ (1)

يحطّ السّيل ذروة كلّ طود # رهونا بالجنادل و الرّمال‏ (2)

هي الأيّام جائرة القضايا، # و ملحقة الأواخر بالأوالي‏

يمنّين الورود، فإن دنونا # ضربن على الموارد بالحبال‏

نطنّب للمقام قباب حيّ، # و يحفزنا المنون إلى الرّحال‏

و نسرح آمنين، و للمنايا # شبا بين الأخامص و النّعال‏ (3)

و بينا المرء يلبسها نعيما، # تهجّر ضاحيا بعد الظّلال‏ (4)

نعى النّاعون واضحة المحيّا، # ألوف البيت ذي العمد الطّوال‏

____________

(1) تسفع بالنواصي: تقبض عليها فتجتذبها.

(2) طود: جبل-رهونا، جمع رهن: هو ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك.

(3) الشبا، جمع شباة: العقرب ساعة تولد، و حدّ كل شي‏ء-الأخامص:

جمع أخمص.

(4) يلبسها: يعيش معها-تهجّر: سار الى الهاجرة-ضاحيا: مائتا.

191

من البيض العقائل من معدّ، # بنين قبابهنّ على الجلال‏

نعوا ظبة لأبيض مشرفيّ، # قديم الطّبع عاديّ الصّقال‏ (1)

لسيف الدّولة العربيّ فيها # صنيع القين قام على النّصال‏ (2)

إذا ما الفحل أنجب ناتجاه، # فقد ضمن النّجابة للسّخال‏ (3)

و ما طابت غوادي المزن إلاّ # أطبن وقائع الماء الزّلال‏

قصائر في بيوت العزّ تنمّى # مناسبها إلى المجد الطّوال‏ (4)

و كلّ عقيلة للجود تمسي # عطول الجيد حالية الفعال‏

كأنّ خدورها أصداف يمّ، # محصّنة ضممن على لآل‏

طهرن نباهة، و بررن طولا، # و هنّ وراء معدود الحجال‏ (5)

غلبن على جمال الخلق حتّى # تركن الخلق منسيّ الجمال‏

لها نسب العتاق مردّدات # إلى الغايات أيّام النّضال‏

تعدّ النّوق من شرف فحولا # إذا انتسبت إلى العود الجلال‏ (6)

عمائر من ربيعة أنزلتهم # أعالي المجد أطراف العوالي‏

هم الرّأس الذي رفعت معدّ # قديما لا يطأطأ للفوالي‏

فحول المجد جعجعها المنايا، # و أسلمها الزّمام إلى العقال‏ (7)

و لم يك عزّهم إلاّ اختلاسا، # كصفق باليمين على الشّمال‏

كقومك لا يعيد الدّهر قوما، # و مثل أبيك لا تلد اللّيالي‏

أريقت في قبورهم اللّواتي # ببطن القاع أذنبة النّوال‏ (8)

____________

(1) ظبة: حد السيف، حد السنان-العادي: القديم.

(2) القين: الحدّاد.

(3) النجابة: الأصالة-السخال، جمع سخل: ولد الشاة.

(4) القصائر، جمع قصيرة: المحجّبة التي لا تخرج من بيتها.

(5) الحجال، جمع حجلة: موضع يعد للعروس.

(6) العود: المسن من الإبل-الجلال: العظيم.

(7) جعجعها: حبسها على مكروهها.

(8) الأذنبة، جمع ذنوب: الدلو العظيمة-النوال: العطاء.

192

لقد رسّت حفائرهم جميعا # على هام المكارم و المعالي‏ (1)

سقى تلك القبور، فإنّ فيها # سقاة العاجزين عن البلال‏

بأيد تحبس الأوراد عزّا، # و تأمن من ملاطمة السّجال‏ (2)

غمائم للرّعود بها أزيز، # رغاء العود رازمت المتالي‏ (3)

كحمحمة الأداهم أقبلوها # ليالي الورد مائلة الجلال‏ (4)

فسقّى عهد دارهم حياها، # و حيّا بالنّعامى و الشّمال‏ (5)

إذا ابتدرت نساؤهم المساعي، # فما ظنّي و ظنّك بالرّجال‏

كيف يسلو الفؤاد

(البسيط)

ما بعد يومك ما يسلو به السّالي، # و مثل يومك لم يخطر على بالي‏ (6)

و كيف يسلو فؤاد هاض جانبه # قوارع من جوى همّ و بلبال‏ (7)

يا قلب صبرا، فإنّ الصّبر منزلة، # بعد الغلوّ إليها يرجع الغالي‏

و لا تقل سابق لم يعد غايته، # فما المقدّم بالنّاجي، و لا التّالي‏

____________

(1) رسّت: حفرت، دسّ فيها.

(2) الأوراد، جمع ورد: الماء الذي يورد-السجال، جمع سجل: الدلو العظيمة.

(3) العود: المسن من النياق-رازمت: جمعت-المتالي: الفصال، جمع فصيل.

(4) الحمحمة: صوت الفرس-الأداهم، جمع أدهم: الفرس الأسود.

(5) النعامى: ريح الجنوب.

(6) يومك: الضمير عائد إلى صديق له توفي و هو يرثيه في هذه القصيدة.

(7) يسلو: يتعزى، ينسى-هاض: كسر.

193

نقص الجديدين من عمري يزيد على # ما ينقصان على الأيّام من حالي‏

دهر تؤثّر في جسمي نوائبه، # فما اهتمامي، إذا أودى بسريالي‏ (1)

نغترّ بالحفظ منه، و هو يختلنا، # كما يغرّ ذبول الجمرة الصّالي‏ (2)

مضى الذي كنت في الأيّام آمله # من الرّجال، فيا بعدا لآمالي‏

قد كان شغلي من الدّنيا، فمذ فرغت # منه يدي زاد طول الوجد أشغالي‏

تركته لذيول الرّيح مدرجة، # و رحت أسحب عنه فضل أذيالي‏

كأنّني لم أدع في الأرض، يوم ثوى # مودّعا، شطر أعضائي و أوصالي‏

ما بالي اليوم لم ألحق به كمدا، # أو أنزع الصّبر و السّلوان من بالي‏

عواطف الهمّ ما تنفكّ ترجع لي # من ذاهب و جديد الوجد من بال‏

ما شئت من والد يودي و من ولد، # يمضي الزّمان بآسادي و أشبالي‏

بالمال طورا و بالأهلين آونة، # ما أضيع المرء بعد الأهل و المال‏

أليح منه رويدا، أو على عجل، # لو كان ينفع إروادي و إعجالي‏ (3)

ما أعجب الدّهر، و الأيّام دائبة، # تسعى على عمد نحوي و تسعى لي‏

نحبّها، و على رغم نودّعها، # إلى المنون، وداع الصّارم القالي‏

كم أنزل الدّهر من علياء شاهقة، # و شال من قعر نائي الغور منهال‏

و كم هوى بعظيم في عشيرته، # مطعام أندية طعّان أبطال‏

عال على نظر الأعداء يلحظهم # لواحظ الصّقر فوق المربإ العالي‏ (4)

لئن ترامت بك الأعواد معجلة # عن الدّيار إلى مزورة الخالي‏ (5)

فليس حيّ من الدّنيا على ثقة، # و الدّهر أعوج لا يبقى على حال‏

فلا يسرّك إكثاري و لا جدتي، # و لا يغمّك إقتاري و إقلالي‏

____________

(1) السربال: القميص، الدرع.

(2) الصالي: طالب الدف‏ء.

(3) الارواد: التمهّل، ضد الإعجال.

(4) المربأ: المرقبة.

(5) المزورة: المقبوضة.

194

أرى يقين المنى شكّا فأرفضه، # ما أشبه الماء في عينيّ بالآل‏

قبّحت، يا دار، من دار نغرّ بها، # فأنت أغدر مظعان و محلال‏

شر اللباس‏

(البسيط)

في هذه القصيدة يعزي الشاعر صديقا له عن بنت توفيت له عقب أخرى.

نخطو و ما خطونا إلاّ إلى الأجل، # و ننقضي، و كأنّ العمر لم يطل‏

و العيش يؤذننا بالموت أوّله، # و نحن نرغب في الأيّام و الدّول‏

يأتي الحمام فينسى المرء منيته، # و أعضل الدّاء ما يلهي عن الأمل‏

ترخي النّوائب من أعمارنا طرفا، # فنستعزّ، و قد أمسكن بالطّول‏ (1)

لا تحسب العيش ذا طول فتركبه، # يا قرب ما بين عنق اليوم و الكفل‏

نروغ عن طلب الدّنيا، و تطلبنا # مدى الزّمان بأرماح من الأجل‏ (2)

سلّى عن العيش أنّا لا ندوم له، # و هوّن الموت ما نلقى من العلل‏

تدعو المنون جبانا لا غناء له، # محلّأ عن ظهور الخيل و الإبل‏ (3)

و يسلم البطل الموفي بسابحة، # مشيا على البيض و الأشلاء و القلل‏ (4)

يقودني الموت من داري فأتبعه، # و قد هزمت بأطراف القنا الذّبل‏

و المرء يطلبه حتف، فيدركه # و قد نجا من قراع البيض و الأسل‏

____________

(1) الطول: الحبل.

(2) نروغ: نحيد.

(3) المحلأ: الممنوع.

(4) الموفي: المشرف، المقبل.

195

ليس الفناء بمأمون على أحد، # و لا البقاء بمقصور على رجل‏

يبكي الفتى و كلام النّاس يأخذه، # و الدّمع يسرح بين العذر و العذل‏

و في الجفون دموع غير فائضة، # و في القلوب غرام غير متّصل‏

تعزّ ما اسطعت، فالدّنيا مفارقة، # و العمر يعنق، و المغرور في شغل‏ (1)

و لا تشكّ زمانا أنت في يده # رهن فما لك بالأقدار من قبل‏

عاد الحمام لأخرى بعد ماضية، # حتّى سقاك الأسى علاّ على نهل‏

من مات لم يلق من يحيا يلائمه، # فكن بكلّ مصاب غير محتفل‏

و كلّ باك على شي‏ء يفارقه # قسرا، فيقتصّ من ضحك و من جذل‏

ما أقرب الوجد من قلب و من كبد، # و أبعد الأنس من دار و من طلل‏

العقل أبلغ من عزّاك من جزع، # و الصّبر أذهب بالبلوى من الأجل‏

سقى الإله ترابا ضمّ أعظمها # مجلجل الودق مجرورا على القلل‏ (2)

و لا يزال على قبر تضمّنها # برقا يشقّ جيوب العارض الهطل‏

و كلّما اجتاز ريعان النّسيم به # لم يوقظ التّرب من مشي على مهل‏

يا أرض!ما العذر في شخص عصفت به # بين الأقارب و العوّاد و الخول‏ (3)

أردت أن تحجب البيداء طلعته، # أ لم يكن قبل محجوبا عن المقل؟

جسم تفرّد بالأكفان يجعلها # مذ طلّق العمر أبدالا من الحلل‏

و غرّة كضياء البدر لامعة، # صار التّراب بها أولى من الكلل‏ (4)

شرّ اللّباس لباس لا نزوع له، # و القبر منزل جار غير منتقل‏

للموت من قعدت عنه ركائبه، # و من سرى في ظهور الأينق البزل‏ (5)

____________

(1) يعنق: يطول.

(2) المجلجل: المصوت-الودق: المطر.

(3) العوّاد: الذين يعودون المريض، يزورونه-الخول: الحشم و الخدم.

(4) الكلل: الستور الرقيقة يتوقى بها البعوض.

(5) الأينق: النياق-البزل، جمع بازل: الناقة أو الجمل في سن البلوغ.

غ

196

ما يدفع الموت عن بخل و لا كرم، # و لا جبان و لا غمر و لا بطل‏ (1)

و ما تغافلت الأقدار عن أحد، # و لا تشاغلت الأيّام عن أجل‏

لنا بما ينقضي من عمرنا شغل، # و كلّنا علق الأحشاء بالغزل‏

و نستلذّ الأماني، و هي مروية، # كشارب السّمّ ممزوجا مع العسل‏

نؤمّل الخلد، و الأيّام ماضية، # و بعض آمالنا ضرب من الخطل‏ (2)

و حسب مثلي من الدّنيا غضارتها، # و قد رضينا من الحسناء بالقبل‏

هذا العزاء و إن تحزن فلا عجب، # إنّ البكاء بقدر الحادث الجلل‏

و كيف نعذل من يبكي لميّته # و نحن نبكي على أيّامنا الأول‏

بقيت محاسن فعله‏

(الكامل)

ما التامت الأرض الفضاء على فتى # كمحمّد من بعده أو قبله‏

عمري لقد فنيت محاسن وجهه # فيها، و قد بقيت محاسن فعله‏

زادت مناقبه انتشارا بعده، # و حديثه، فكأنّه في أهله‏

حسبنا اللّه‏

(الرجز)

إن أشر الخطب فلا روعة، # أو عظم الأمر، فصبر جميل‏

ليهون المرء بأيّامه، # إنّ مقام المرء فيها قليل‏

____________

(1) الغمر: الكريم، الواسع الخلق.

(2) الخطل: الخطأ.

197

هل نافع نفسك أذللتها # كرامة البيت و عزّ القبيل‏

إنّا إلى اللّه، و إنّا له، # و حسبنا اللّه، و نعم الوكيل‏

شهيّ اللّمى‏

(الطويل)

خليليّ!هل لي لو ظفرت بنيّة # إلى الجزع من وادي الأراك سبيل‏

و هل أنا في الرّكب اليمانيّ دالج، # و أيدي المطايا بالرّجال تميل‏ (1)

و في سرعان الرّيح لي لو علمتما # شفاء، و لو أنّ النّسيم عليل‏

و في ذلك السّرب الذي تريانه، # أحمّ غضيض النّاظرين كحيل‏ (2)

شهيّ اللّمى عاط إلى الرّكب جيده، # ختول لأيدي القانصين مطول‏ (3)

و كم فيه من خوّ اللّثات كأنّما # جرى ضرب ما بينها و شمول‏ (4)

تجلّلن بالرّيط اليماني، كأنّما # ضممن غصونا مسّهنّ ذبول‏ (5)

علقناك، يا ظبي الصّريم، طماعة، # أ عندك من نيل لنا، فتنيل؟

أنل نائلا، أو لا تثنّ بنظرة، # فإنّي بالأولى، الغداة، قتيل‏

و إنّي، إذا اصطكّت رقاب مطيّكم، # و ثوّر حاد بالرّفاق عجول‏ (6)

____________

(1) دالج: مدلج، سائر ليلا.

(2) الأحم: الأسود.

(3) اللمى: سمرة أو سواد مستحسن في باطن الشفة-عاط: رافع-الختول:

الخداع-المطول: المسوّف بوعده.

(4) الخو: العسل-اللثاث، جمع لثة: مغرز الأسنان-الضرب: العسل -الشمول: الخمر.

(5) الريط، جمع ريطة: ملاءة من نسيج واحد، كل ثوب لين و رقيق.

(6) ثوّره: جعله يثور، هيّجه.

198

أخالف بين الرّاحتين على الحشا، # و أنظر أنّي ملتم، فأميل‏ (1)

أحنّ و تجريني على الشّوق قسوة، # ألا غال ما بيني و بينك غول‏

و ما ذادني ذكر الأحبّة عن كرى، # و لكنّ ليلي بالعراق طويل‏ (2)

في ثوب الظلام‏

(البسيط)

و ربّ يوم أخذنا فيه لذّتنا، # من الزّمان، بلا خوف و لا وجل

كنّا نؤمّله في الدّهر واحدة، # فجاءنا بالذي يوفي على الأمل‏

و ربّ ليل منعنا من أوائله # إلى الصّباح جواز النّوم بالمقل‏

بتنا ضجيعين في ثوب الظّلام كما # لفّ الغصينين مرّ الرّيح بالأصل‏

طورا عناقا كأنّ القلب من كثب # يشكو إلى القلب ما فيه من الغلل‏ (3)

و تارة رشفات لا انقضاء لها، # شرب النّزيف طوى علاّ على نهل‏ (4)

و كم سرقنا، على الأيّام، من قبل، # خوف الرّقيب كشرب الطائر الوجل‏

____________

(1) الملتمي، من التمى لونه: تغيّر.

(2) ذادني: دفع عني، أبعدني.

(3) من كثب: من قرب-الغلل، جمع غلة: العطش الشديد.

____________

(4) النزيف: من عطش حتى يبست عروقه و جفّ لسانه-العل: الشرب تباعا-النهل: أول الشرب.

غ

199

أنت حلول‏

(الكامل)

غيري عن الودّ الصّريح يحول، # عمر الزّمان، و غيرك المملول‏

أ تظنّ أنّي بالقطيعة راغب؛ # هيهات وجهك بالوفاء كفيل‏

و كذا الصّديق، إذا أراد قطيعتي، # ظنّ الظّنون، و قال: أنت ملول‏

كبر الملول‏

(الكامل)

و مقبّل كفّي وددت بأنّه # أومى إلى شفتيّ بالتّقبيل‏

جاذبته فضل العتاب، و بيننا # كبر الملول، و رقّة المملول‏

و لحظت عقد نطاقه، فكأنّما # عقد الجمال بقرطق محلول‏ (1)

جذلان ينفض من فروج قميصه # أعطاف غصن البانة المطلول‏ (2)

ليلة وصل‏

(الطويل)

و قد كنت آبي أن أذلّ لصبوة # و أن تملك البيض الحسان عقالي‏

خميصا من الأشجان لا يوضع الهوى # بقلبي، فلا اجتاز الغرام ببالي‏ (3)

____________

(1) القرطق: ثوب كالقباء، ثوب يلبس فوق الثياب، و هو من ملابس العجم.

(2) المطلول: الذي عليه الطل أي النّدى.

(3) خميصا: نحيلا-يوضع: يسرع.

200

إلى أن تراءى السّرب بين غزالة # ترنّح في ثوب الصّبا، و غزال‏ (1)

فلمّا التقينا كنت أوّل واجد؛ # و لمّا افترقنا كنت آخر سالي‏ (2)

و ليلة وصل بات منجز وعده # حبيبي فيها، بعد طول مطال‏

شفيت بها قلبا أطيل غليله، # زمانا، فكانت ليلة بليالي‏

فيا زائرا، لو أستطيع فديته # بأهلي، على عزّ القبيل، و مالي‏ (3)

الضيف الأبيض‏

(السريع)

في سنة 383 كان الشريف الرضي في الثالثة و العشرين من عمره و قد لاحظ في شعر رأسه بياضا فنظم هذه القصيدة.

عجلت، يا شيب، على مفرقي، # و أيّ عذر، لك أن تعجلا

و كيف أقدمت على عارض # ما استغرق الشّعر، و لا استكملا

كنت أرى العشرين لي جنّة، # من طارق الشّيب، إذا أقبلا (4)

____________

(1) السّرب: القطيع من الظباء أو النساء.

(2) واجد: متألم من الحب-السالي: الذي نسي، تعزّى.

(3) القبيل: الأهل، القبيلة.

(4) الجنّة: الترس.

201

فالآن سيّان ابن أمّ الصّبا، # و من تسدّى العمر الأطولا

يا زائرا ما جاء حتّى مضى، # و عارضا ما غام حتّى انجلى‏

و ما رأى الرّاءون من قبلها، # زرعا ذوى من قبل أن يبقلا (1)

ليت بياضا جاءني آخرا # فدى بياض كان لي أوّلا

و ليت صبحا ساءني ضوأه # زال، و أبقى ليله الأليلا (2)

يا ذابلا صوّح فينانه، # قد آن للذّابل أن يختلى‏ (3)

حطّ برأسي يققا أبيضا، # كأنّما حطّ به منصلا (4)

هذا، و لم أعد بحال الصّبا، # فكيف من جاوز، أو أوغلا

من خوفه كنت أهاب السّرى، # شحّا على وجهي أن يبذلا

فليتني كنت تسربلته، # في طلب العزّ و نيل العلى‏

قالوا: دع القاعد يزري به، # من قطع اللّيل و جاب الفلا

قد كان شعري ربّما يدّعي # نزوله بي قبل أن ينزلا

فالآن يحميني ببيضائه # أن أكذب القول، و أن أبطلا

قل لعذولي اليوم نم صامتا، # فقد كفاني الشّيب أن أعذلا

طبت به نفسا، و من لم يجد # إلاّ الرّدى أذعن و استقبلا

لم يلق من دوني له مصرفا، # و لم أجد من دونه موئلا

____________

(1) أبقل الزرع: ظهر، نبت.

(2) الأليل: الشديد السواد.

(3) صوّح: تناثر، و أراد شعره-فينانه: ما فيه من أفنان-يختلى: يجز.

(4) اليقق: القطن، كل ما هو شديد البياض.

غ

202

غريم مماطل‏

(الطويل)

أحبّك بالطّبع البعيد من الحجى، # و أقلاك بالعقل البري‏ء من الخبل‏ (1)

فأنت صديقي إن ذهبت إلى الهوى؛ # و أنت عدوّي إن رجعت إلى العقل‏

و سيّان عندي من طواني على جوى # يعذّب قلبي، أو طواني على دخل‏ (2)

و ما الحبّ إلاّ ذلّة و استكانة # لمولى أرى إعزازه، و يرى ذلّي‏

و لو أنّني خيّرت من أمنح الهوى، # لما اخترت أن أهوى هوى و معي عقلي‏

و لم يحسن الصّبّ التّقاضي و دونه # غريم مسي‏ء لا يملّ من المطل‏ (3)

أثلاث القاع‏

(الطويل)

أيا أثلاث القاع كم نضح عبرة # لعيني، إذا مرّ المطيّ بذي الأثل‏

و يا عقدات الرّمل كم لي أنّة، # إذا ما تذكّرت الشّقيق من الرّمل‏ (4)

و يا ظعنات الحيّ يوم تحمّلوا، # عقرت، و أفنى اللّه نسلك من إبل‏ (5)

و يا ظبيات الجزع يسنحن غدوة، # لقد طلّ من ترشقن بالأعين النّجل‏

و يا بانة الوادي أدمعي في الهوى # أبرّ حيا، أم ما سقاك من الوبل؟

عوائد من ذكراك يرقصن في الحشا، # و أضرمن ما بين الذّؤابة و النّعل‏ (6)

____________

(1) الحجى: العقل، الفطنة-أقلاك: أبغضك-الخبل: الفساد.

(2) الدخل: الداء، الريبة.

(3) المطل: المماطلة، التسويف.

(4) عقدات الرمل: ما تعقد منه.

(5) الظعنات: الجمال التي يظعن بها، يسافر عليها-تحمّلوا: رحلوا.

(6) العوائد، جمع عائدة: ما يعود إلى نفس الانسان من الذكريات.

غ

203

أهلا بعينيه‏

(الطويل)

نظم هذه الأبيات على لسان صديق أصاب حبيبا له بعينه.

أصبت بعيني من أصاب بعينه # فؤادي، و لم يعقل دمي يوم طلّه‏ (1)

لقد ثأرت عيني بقلبي، و لم يكن # حلالا له من مهجتي ما استحلّه‏

فأهلا بعينيه، و إن طلّتا دمي، # فكم مالك لم يرزق العبد عدله‏

و بعدا لعيني لم أصابته بالأذى، # و ألاّ تلقّت واقع السّوء قبله‏

فيا ظالما تستحسن النّفس ظلمه، # و يا قاتلا يستعذب القلب قتله‏

ليهنك أنّ النّفس تمنحك الهوى # جميعا، و أنّ القلب عندك كلّه‏

يا قاتل‏

(السريع)

سهمك مدلول على مقتلي، # فمن ترى دلّك يا قاتل‏

ليس لقلبي ثائر يتّقى، # و ليس في سفك دمي طائل‏

مطلتني حين ملكت الحشا، # ألا و قلبي لي يا ماطل‏

قد رضي المقتول كلّ الرّضا، # يا عجبا لم غضب القاتل‏

____________

(1) يعقل: يؤدي العقل، الدية-طله: أهدره.

غ

204

الشوق و الأمل‏

(البسيط)

وجّه الرضي هذه الأبيات إلى الملك بهاء الدولة، في آخر كتاب كتبه إليه و هو بفارس.

و ما تلوّم جسمي عن لقائكم، # إلاّ و قلبي إليكم شيّق عجل‏ (1)

و كيف يقعد مشتاق يحرّكه # إليكم الحافزان: الشّوق و الأمل‏

فإن نهضت فما لي غيركم وطر، # و إن قعدت فما لي غيركم شغل‏

لو كان لي بدل ما اخترت غيركم، # فكيف ذاك، و ما لي غيركم بدل‏

و كم تعرّض لي الأقوام قبلكم # يستأذنون على قلبي فما وصلوا

لا يرضي الوشاة

(الكامل)

لا تحسبيه، و إن أسأت به، # يرضي الوشاة، و يقبل العذلا

لو كنت أنت، و أنت مهجته، # واشي هواك إليه ما قبلا

كيف ارتحالي‏

(الطويل)

سليمان!دلّتني يداك على الغنى، # و أجريت لي عزما أغرّ محجّلا

____________

(1) تلوّم: انتظر، تريّث-شيّق: كثير الشوق.