ديوان الشريف الرضي - ج2

- الشريف الرضي المزيد...
528 /
205

مددت بضبعي جاهدا، فعقدت لي # مصادا بأعنان السّماء و معقلا (1)

و علّيتني حتّى ظننت بأنّني # سأعبر من عرض المجرّة جدولا

فكيف ارتحالي عنك غير مزوّد، # و يا ربّ زاد لا يبلّغ منزلا

و لا سير إلاّ أن أشدّ حقيبة، # أرى ضمنها من ضامر الزّاد أبحلا (2)

و إلاّ، فزوّدني ودادك إنّني # أسلّ على جيش الطّوى منك منصلا

فما صرت حرب الدّهر حتّى رأيته # يحارب من أمسى و أصبح مرملا (3)

و كنت، إذا ما ناكرتني بلدة، # فزعت إلى الجرد العناجيج و الملا (4)

و من كان مهجورا كما أنا فيكم، # فما يستحي الأيّام أن تتبدّلا

يا بني جشم‏

(الرمل)

أ وعيدا، يا بني جشم، # ننقض الأطناب و الحللا (5)

و طرادا في ململمة، # تستبيح الخيل و الإبلا (6)

____________

(1) الضبع: العضد، و مددت بضبعي: أغثتني و أعنتني-المصاد: مكان الصيد -المعقل: الملجأ.

(2) الحقيبة: الوعاء الذي يضع فيه المسافر زاده-الأبحل: الفقر الشديد.

(3) المرمل: الفقير، الجائع.

(4) ناكرتني: جهلتني-فزعت: لجأت، أسرعت-العناجيج، جمع عنجوج:

الجيد من الخيل و الإبل-الملا: الصحراء.

(5) بنو جشم: أحياء من مضر و اليمن-ننقض: نهدم-الأطناب، جمع طنب: حبل تشد به الخيمة-الحلل، جمع حلة: محلة القوم.

(6) الململمة: الكتيبة المجموعة.

206

و نزاعا لا ورود له، # يعجم الحوذان و النّفلا (1)

ستراني مسي ثالثة، # لا أضيف الهمّ إن نزلا

و خفيري في غياهبها # سابح ضمّنته الأملا (2)

طرب للصّوت تحسبه # عربيّا يعشق الغزلا

سوف يغشى أرضكم أسد # يفرس الأيّام و الدّولا

لا ينام السّيف في يده، # و يرى في بابل رجلا (3)

إنّما الدّنيا لمقتدر، # أين ألقى قوله فعلا

رب قول لا يقال‏

(مجزوء الكامل)

لا تعذلنّي في السّكو # ت، فربّ قول لا يقال‏

كم صامت متوقّع # أنّى يعنّ له المقال‏

إنّ التّحمّل نطفة # أبدا، يرنّقها السّؤال‏

ما كنت أرغب في الحيا # ة، و ليس لي عزّ و مال‏

لي، لو علمت، إلى ذرى الـ # علياء آمال طوال‏

____________

(1) النزاع: الخصام-يعجم: يعض، يمضغ-الحوذان و النفل: نوعان من النبات تستسيغهما الإبل.

(2) خفيري: حارسي.

(3) بابل: بلدة في العراق-الرّجل: الراجل، من يمشي على رجليه.

غ

207

منزل في القلب‏

(البسيط)

و قائل لي: هذا الطّود مرتحل، # و هل يخفّ على الأيّام محمله؟

لا يبعد اللّه من غالت ركائبه # صبري، و قلقل من دمعي تقلقله‏

يطيّب النّفس أنّ النّفس تتبعه، # و كيف يرحل من في القلب منزله‏

قصدت العلى‏

(الطويل)

قصدت العلى، و المكرمات سبيل، # و طلاّبها، لو لا الكرام، قليل‏

و كلّ فتى لا يطلب المجد أعزل؛ # و كلّ عزيز لا يجود ذليل‏ (1)

صبغت الأماني بالمعالي، فلم تحل، # على أنّ ألوان الظّنون تحول‏

فأين كموسى، و الرّماح شوارع # إلى الطّعن، و البيض الرّقاق تجول‏

إذا جرّ أذيال العوالي لمعرك، # فإنّ جلابيب التّراب ذيول‏

أخو عزمات لا يكفكف عزمه # حذار الأعادي، و الدّماء تسيل‏

و لا يستكنّ الرّوع في طيّ قلبه، # و لا يصحب الصّمصام، و هو كليل‏

فكلّ فلاة من نوالك لجّة؛ # و كلّ مكان من رماحك غيل‏ (2)

____________

(1) الأعزل: أراد به الأعزل من الخير، أي البعيد.

(2) النوال: العطاء-لجة: بحر.

غ

208

القرب داعية الملال‏

(الوافر)

عصينا فيك أحداث اللّيالي، # و طاوعنا المكارم و المعالي‏

و فيك رجمت أحشاء الأعادي # بأطراف الذّوابل و النّصال‏ (1)

و عذت بجانبيك من الرّزايا، # معاذي في الهواجر بالظّلال‏

دعوتك يوم دافع عنك نحري # جنايات الصّوارم و العوالي‏

فما خلب النّوائب منك برقا # يدلّ على الوفاء، إذا بدا لي‏ (2)

و ما هول الفؤاد من التّصافي، # بعيد من فؤاد فيه خالي‏

و لم أعلم كعلم بني زماني، # بأنّ القرب داعية الملال‏

و أنّك حين تطمع في نضالي، # و تعلم أنّ لي سبق النّضال‏

كماش في الهياج بلا حسام، # و ساع في الظّلام بلا ذبال‏ (3)

و إنّي في زماني من رجال # مزاج ودادهم ماء التّقالي‏ (4)

شمال المال تعلو عن يميني، # و يمنى المجد تقصر عن شمالي‏

أقول لهمّتي لمّا أبت لي # معاتبة الملول على الوصال‏

أعاتبه لعلّ العتب يشفي، # و إن كان الزّعيم بكسف بالي‏

و لو لم يبلغ العتبى بقول، # لعاتبناه بالبيض الصّقال‏

رأى العذّال بذل المال طبعي، # و أسباب الشّجاعة من خلالي‏

فلم أعذل على خوض المنايا؛ # و لم أعتب على بذل النّوال‏

أبت هممي تسيغ الماء صفوا، # إذا ما الذّلّ حام على الزّلال‏

أذمّ على العلى ظلما لأنّي # أعلّ بمائها ظمأ السّؤال‏

____________

(1) الذوابل و النصال: الرماح و السيوف.

(2) خلب: أخلف.

(3) الهياج: القتال-الذبال، جمع ذبالة: الفتيلة.

(4) التقالي: التباغض.

غ

209

و ما زلن العواطل كلّ يوم # من العلياء يذممن الحوالي‏ (1)

و لمّا ماطلت بالحرب سعد # سننّا الموت فيها بالمطال‏

أثرنا في قبائلها عجاجا، # تركنا منه أثرا في الهلال‏ (2)

فمن يهدي لآل تميم عتبي، # مقيما في ذرى الأسل الطّوال‏

منحتكم الوداد، فلم تودّوا، # فألقيت الملام على فعالي‏

و لست بباسط كفّي لأنّي # أرى الأفلاك تقصر عن منالي‏

أشبع الصارم‏

(الكامل)

إن لم أطع همما، و أعص عواذلا، # قلبت صوامتها عليّ مقاولا

و أجيع أعياسا، و أشبع صارما، # و أعلّ خرصانا، و أظمئ صاهلا (3)

و لربّ مصحوب شرقت بلؤمه، # فلفظته قبل الإساغة عاجلا

ولّيته زجّ القناة موزّعا، # فكأنّما أعملت فيه عاملا

و منحته أروى القوافي عاتبا، # فاكتنّ في جنبيه سمّا قاتلا (4)

و كسوت من مور الملام جنانه # قبل العقاب، فصار فيه جنادلا (5)

و هززت أغصان المخاوف دونه، # فاجتاز يحسبها ظبى و ذوابلا (6)

____________

(1) العواطل: اللواتي لا يلبسن الحلي، عكسها الحوالي.

(2) الأثر (بالسكون) : أراد الأثر بالفتح، فسكن لضرورة الشعر.

(3) الأعياس: العيس، الإبل البيضاء-الخرصان: الرماح.

(4) أروى القوافي: أكثرها ريا-أكتن: خبّأ.

(5) المور: الغبار المضطرب، التراب تثيره الريح-الجنادل: الحجارة.

(6) الظبى: السيوف، جمع ظبة-الذوابل: الرماح الليّنة.

غ

210

طال المطال‏

(الكامل)

وجد القريض إلى العتاب سبيلا، # فثنى معاذرك الوعور سهولا

ما لي أحرّك من وفائك ساكنا، # و أهزّ منك إلى الصّفاء كليلا

طال المطال بردّ ودّ لم يزل # عندي مصونا فيكم مبذولا

فإلى متى ينشي عتابك هبوة، # و تشنّها قالا عليّ و قيلا (1)

في كلّ يوم غارة ما تنقضي، # إلاّ و تثني سيفه مفلولا

إنّ الّذي قصد المدائح غلّة، # أحرى بأن يجد الهجاء غليلا

كم من نظام قد نثرن هواجسي # حتّى نظمت العذر فيه فصولا

و قصائد سدّدتهنّ أسنّة، # و شهرتهنّ قواضبا و نصولا

جعلت لرقراق السّرور جداولا، # نحو القلوب، و للهموم سبيلا (2)

أم المنى حامل‏

(المتقارب)

كتب الشريف الرضي هذه القصيدة إلى بعض أصدقائه و قد وعده في أمر رجل طلب مساعدته فأخّر و ماطل.

لعمرك ما جرّ ذيل الفخا # ر إلاّ ابن منجبة باسل‏

جري‏ء يشيّعه قلبه، # كما شيّع اللّهذم العامل‏ (3)

____________

(1) الهبوة: الغبار.

(2) الرقراق: الصافي العذب.

(3) اللهذم: السنان النافذ.

211

ينال من الطّعن ما يشتهي، # و يأخذ منه القنا الذّابل‏ (1)

و ها أنا ذا غرض بالزّمان، # فلا عيش يألفه العاقل‏ (2)

و كلّ سرور أرى أنّه # خضاب على لمّتي ناصل‏

إذا أنا أمّلت قال الزّما # ن: أورق حبلك يا حابل‏ (3)

و لا بدّ من أمل للفتى، # و أمّ المنى أبدا حامل‏

و دهر يتابع أحداثه، # كما تابع الطّلق النّابل‏

فذاك، أبا حسن، في السّما # ح من لا يلمّ به السّائل‏

لئيم تملّس منه العلى، # و يأنف من يده النّائل‏ (4)

فمثلك من لا يني وبله، # إذا استمطر البلد الماحل‏ (5)

فما هزئت بقراك الضّيوف، # و لا ذمّ منزلك النّازل‏

و كم لك من همّة يستطيل # بها العضب و الأزرق العاسل‏ (6)

و وعد تنفّره بالعطا # ء كالعام أزعجه القابل‏

و أفوه بادرته بالمقال، # و قد لجّج الذّرب القائل‏ (7)

فرجّع في حلقه غصّة، # كما رجّع الجرّة البازل‏ (8)

لك الخير، وعدك لا يقتضى # و إن حال من دونه حائل‏

____________

(1) القنا الذابل: الرمح الليّن.

(2) الغرض، من غرض منه: مل-بالزمان: الباء بمعنى من.

(3) الحبل (بسكون الباء) : أصلها الحبل (بفتح الباء) و سكن للضرورة:

شجر العنب-الحابل: الصائد بالحبالة.

(4) تملس: تتفلّت.

(5) لا يني وبله: لا يخف مطره.

(6) العضب: السيف القاطع-الأزرق العاسل: الرمح المضطرب.

(7) الأفوه: الواسع الفم-لجّج: خاض اللجّة-الذرب: الفصيح، الحاد اللسان.

(8) الجرّة: ما يفيض به البعير فيأكله ثانية.

212

و لا ضير بعد مجي‏ء الغما # م، إن أبطأ الوابل الهاطل‏

و مطل الكريم سريع الزّوا # ل، كالظّلّ ريعانه زائل‏ (1)

و أنت، و إن كنت بحر السّما # ح، فخير مواهبك العاجل‏

و ما صدق وعدك إلاّ حلى # مكرّمة، جيدها عاطل‏

خمر صافية

(مجزوء الكامل)

راح يحول شعاعها # بين الضّمائر و العقول‏

فكأنّها في كأسها، # و اللّيل منسحب الذّيول‏

ماء الهجير مرقرقا، # في سرّة الظّلّ الظّليل‏ (2)

مهجة مبذولة

(الطويل)

سأبذل دون العزّ أكرم مهجة، # إذا قامت الحرب العوان على رجل‏ (3)

و ما ذاك أن النّفس غير نفيسة، # و لكن رأيت الجبن ضربا من البخل‏

و ما المكرهون السّمهريّة في الطّلى # بأشجع ممّن يكره المال في البذل‏ (4)

____________

(1) ريعانه: أوّله.

(2) السرة: مستقر الماء.

(3) المهجة: النفس، بقية الروح-العوان: التي قوتل فيها مرّة بعد أخرى.

(4) السمهرية: الرماح-الطلى: الأعناق.

غ

213

وجه كظهر المجن‏

(المنسرح)

زللت في وقفتي على طلل # بال، فمن عاذري من الزّلل؟

لمّا تأمّلت قبح صورته، # رجعت أبكي دما على أملي‏

وجه كظهر المجنّ مشترق الـ # حسن، و أنف كغارب الجمل‏

قوارص لفظ

(المتقارب)

أبيعك بيع الأديم النّغل، # و أطوي ودادك طيّ السّجل‏ (1)

و أنفض ثقلك عن عاتقي، # فقد طال ما أدتني يا جبل‏ (2)

قوارص لفظ كحزّ المدى، # و شذّان لحظ كوقع الأسل‏ (3)

تبدّلت منّي، و لو ساءني # لقلت إذا لا هناك البدل‏

فكيف، و كنت على السّاعديـ # ن جامعة، و على الجيد غلّ‏ (4)

و ما عطل المرء يزري به، # إذا كان طوق وريديه صلّ‏ (5)

نصبت الحبالة لي طامعا، # لقد خاب ظنّك يا محتبل‏

____________

(1) الأديم: الجلد-النغل: الفاسد-السجل: الكتاب.

(2) أدتني: أجهدتني.

(3) الشذان: ما تفرّق من الحصى، استعارة للنظر المتوزع النافذ-الأسل:

الرماح.

(4) الجامعة: الغل، لأنها تجمع اليدين الى العنق-الغل: طوق من حديد يجعل في العنق.

(5) الوريدان: عرقان في العنق-الصل: الحيّة.

214

و لم تدر أنّي جريّ الوثوب، # إذا الحبل مرّ بجنبي نصل‏

و أمّلت ما عكسته الخطوب # سفاها أجرّك هذا الأمل‏

لقد كدت أن تستزلّ الأديب، # و لكن تحامل سمع أزلّ‏ (1)

أفخرا، فحسبي بما قد أطا # ل باعي و أنزلني في القلل‏ (2)

و إنّ أذلّ الأذلّين من # يريع ببضع النّساء الدّول‏ (3)

حملت بقلبي حمل الجموح، # كما قطع الصّعب ليّ الطّول‏ (4)

نجوت، و من ينج من مثلها # يعش آمنا بعدها من زلل‏

و غادرت غيري تحت الهوا # ن يضرب ضرب عراب الإبل‏ (5)

جهل الزمان‏

(الوافر)

أصر الشريف الرضي على الاستعفاء من النقابة فأعفي و أعطيت لمن طلبها. فنظم في ذلك هذه القصيدة في ذي القعدة سنة 384.

تطاط لها، فيوشك أن تجلّى # و ولّ جنون دهرك ما تولّى‏

و لا تكل الزّمان إلى عتاب، # فلا يدري الزّمان أساء أم لا

خبوط باليدين يشتّ شملا # جميعا، بالنّوى، و يلمّ شملا

____________

(1) السّمع: ولد الذئب من الضبع-الأزل: الخفيف الوركين.

(2) القلل: القمم.

(3) يريع: يخيف-البضع: من الثلاث الى التسع.

(4) اللّي: الفتل-الطول: الحبل يشد به قائمة الدابة و يمسك طرفه، و ترسل لترعى.

(5) العراب: الإبل الكريمة.

215

يعرّي الغارب الأعلى و يحذي # عظيم العزّ و الخطر الأظلاّ (1)

فقدتك من زمان كلّ فقد، # و فعلك ما أخسّ و ما أذلاّ

أمثلي يستضام و ما ترى لي، # إذا عرض العيان، بنيك مثلا؟

فحسبك قد حملت على مطيق # شآك تجلّدا، و شجاك حملا (2)

محمّد طال ما شمّرت فيها، # فدونك فاسحب الذّيل الرّفلا (3)

و نم مستودعا صونا و أمنا، # فقد أسلفتها جزعا و ذلاّ

فإن أتبعت هذا الأمر لهفا، # فإنّك أعزب الثّقلين عقلا (4)

يراه المستغير عليّ طوقا، # فيغبطني به، و أراه غلاّ

و ما حطّ الأعادي لي محلاّ، # و لكن حطّ عنّي الدّهر كلاّ (5)

فإن أخذوا الأقلّ من المعالي، # فقد تركوا من الصّون الأجلاّ

خذوا منّي بذي جلب ثقال، # بعيد أن يخفّ و أن يزلاّ (6)

هوت أمّ الخطوب إلى التّساقي، # و قد أفنيتها نهلا و علاّ

و كيف يضائل الحدثان منّي # و قد ضاءلته حتّى اضمحلا (7)

سجيّة مستميت لا يبالي، # من العليا يعطّل أم يحلّى‏

أنا الرّجل الذي علمت نزار، # أجلّ مغارسا و أعزّ نجلا

أمرّ على لهى الأضداد طعما، # و أنفذ في طلى الأعداء نبلا (8)

____________

(1) الخطر الأظل: الخطر الداني.

(2) شآك: سبقك.

(3) الرفل: الطويل الذيل.

(4) أعزب: أبعد-الثقلان: الانس و الجن.

(5) الكل: الثقب، التعب.

(6) ذو الجلب الثقال: الجيش العظيم الجلبة، الذي يثقل زحفه لكثرته.

(7) حدثان الدهر: مصائبه-يضائل: يصغر.

(8) اللهى، جمع لهاة: لحمة مشرفة على الحلق في مؤخر الفم-الطلى:

الأعناق.

216

أ ليس أبي أبي حسبا و فخرا، # و باعا واسعا، و على، و نبلا؟

و قبلك أوقر الأيّام مجدا، # و أوضع بالعلى حتّى أكلاّ (1)

فإن يقعد فقد طلب المعالي # فعلّقها، و أوصلها، و ملاّ

و نفسي ما علمت، و لي جنان، # أبى لي أن أهان و أن أذلاّ

فلم آسي و قد أحرزت مجدا # كفاني ما يبلّغني المحلاّ

إذا خلت المنازل للمولّي، # فيا سرعان ما عزل المولّى‏

و بينا أن يقولوا قد تملّى # بها، حتّى يقولوا ما تملّى‏

بمالك نلتها، و كفاك عارا، # فألاّ نلتها بالمجد ألاّ؟!

فمن وجد الطّريق إليّ صعبا، # فقد وجد الطّريق إليك سهلا

و هل في ذاك إلاّ أن يقولوا: # تسبّب مكثر غلب المقلاّ

و ما لك مطعم فيها، لأنّي # تركت عليك فضلا قد أظلاّ

تهلّل، إذ أصبت بها حبيبي، # و لو غيري أصيب بها استهلاّ (2)

شفى بلباسها غلاّ قديما، # و عدت بنزعها، فشفيت غلاّ

فإن يك نالها، فلقد أنفنا، # فأرخصنا بقيمتها، و أغلى‏

فلم يك جوده في ذاك جودا، # و لم يك بخلنا في ذاك بخلا

فما المغبون إلاّ من تولّى، # و ما المغبوط إلاّ من تخلّى‏

اشتر العز

(مجزوء الرمل)

اشتر العزّ بما بيـ # ـع فما العزّ بغال‏

بالقصار الصّفر، إن شئـ # ت أو السّمر الطّوال‏

____________

(1) أوقر: حمل حملا ثقيلا.

(2) استهل: رفع صوته بالبكاء.

217

ليس بالمغبون عقلا # من شرى عزّا بمال‏

إنّما يدّخر الما # ل لحاجات الرّجال‏

و الفتى من جعل الأمـ # وال أثمان المعالي‏

غزال مماطل‏

(الهزج)

بحيث انعقد الرّمل # غزال دأبه المطل‏

جرور للمواعيد، # فلا منع، و لا بذل‏

و لو صرّح باليأس، # أبى وجدي أن أسلو

لئن آيسني الصّدّ، # لقد أطمعني الدّلّ‏ (1)

له عينان تبرى منـ # هما للأعين النّبل‏

سواء بهما الإحيا # ء للواجد، و القتل‏

أمنك الظّعن الغادو # ن زمّت لهم الإبل‏

كما أشرقت الدّوم # ضحى، أو طلع الرّقل‏ (2)

جلا عنها طراق اللّيـ # ل، و اقلولى بها الهجل‏ (3)

و فيها القضب الرّيّا الـ # ندى، و القضب الجذل‏ (4)

ألاّ للّه كم ترشـ # ق فينا الأعين النّجل‏

و تصبينا ديار الحـ # يّ إن ساروا و إن حلّوا

فذي الدّار، إذا تغنى، # و ذي الدّار، إذا تخلو

____________

(1) آيسني: حملني على اليأس.

(2) الدوم: شجر يشبه النخل-الرقل، جمع رقلة: النخلة الطويلة.

(3) طراق: تتابع-اقلولى: انكمش-الهجل: المطمئن من الأرض.

(4) الجذل: ما عظم من أصول الشجر.

218

خلعنا طاعة الحبّ، # فلا عهد و لا إلّ‏ (1)

إذا ما نفع الجهل، # فإنّ الضّائر العقل‏

فإمّا ترينّي اليو # م يبلوني الّذي يبلو

صراعا للزّمان العو # د أغلوه كما يغلو (2)

تقيت الشّوك بالنّعل، # فشاكت قدمي النّعل‏

فقد أنهز بالثّقل، # إذا ما عظم الثّقل‏ (3)

و أنزو نزوة الباز # ل لا يبركه الحمل‏ (4)

فقد ينهتك الحيّ، # و فيه البيض و الذّبل‏ (5)

و قد ينتصر الواحد # لا مال، و لا أهل‏

يضام العدد الكثر، # و يأبى العدد القل‏

أخلاّئي ببغداد # جنى دونكم الرّمل‏

و حالت دون لقياكم # زحاليف القنا الزّلّ‏ (6)

لقد كنت شديد الضّ # نّ أن ينقطع الحبل‏

و أن ينصدع الشّعـ # ب الذي لوئم، و الشّمل‏

و لكنّي رعيت الأر # ض ما طاب لي البقل‏

و عجّلت النّوى لمّا # فشا اللأواء و الأزل‏ (7)

و من أنزله خصب الـ # رّبى أظعنه المحل‏

و لا عار على الماتـ # ح أن يغلبه السّجل‏ (8)

____________

(1) الإل و العهد: الوفاء.

(2) العود: القديم.

(3) أنهز: أنهض.

(4) أنزو: أقفز-البازل: البعير البالغ الذي برز نابه.

(5) البيض و الذبل: السيوف و الرماح.

(6) الزحاليف، جمع زحلوفة: كل منحدر مملّس يتزلج عليه الصبيان.

(7) اللأواء و الأزل: الضيق و الشدّة.

(8) الماتح: الذي يستقي الماء من البئر-السجل: الدلو العظيمة.

219

نداماي على الهمّ # سقى عهدكم الوبل‏

و حيّاكم بريّاه، # جديد النّور مخضلّ‏ (1)

تذكّرتكم، و الدّمـ # ـع لا وبل و لا طلّ‏

فما أخلفكم جار # من الماقين منهلّ‏

و في الأيّام ما يسلي، # و لكن أين ما يسلو

أبى لي طاعة الضّيم # مضاء القلب و النّصل‏

و إنّي من مناجيب # لهم أنف، إذا ذلّوا

لئن عدت إلى الضّيم، # فلا رحب، و لا سهل‏

و إن جزت عن العزّ، # فلا جاوزني الذّلّ‏

هي البيداء و الظّلما # ء و النّاقة و الرّحل‏

شراء الموت للعزّ # ببيع الضّيم لا يغلو

و إنّ الجانب الوعر # عليّ الجانب السّهل‏

عز بسيف‏

(الرجز)

أغرّ أيّامي منّي ذا الطّلل، # و أنّها ما حمّلتني أحتمل‏

و أنّني بقيّة البزل الأول، # قد يجسر العود على طول العمل‏ (2)

شيب و ما جزت الثّلاثين نزل # نزول ضيف ببخيل ذي علل‏

يصرف عنه السّمع إن رغا الجمل، # و لا يقول إن أناخ: حيّ هل‏ (3)

كأنّه لمّا طرا على عجل # سواد نبت عمّه بياض طلّ‏ (4)

____________

(1) النّور: الزهر الأبيض-المخضل: الندي.

(2) يجسر: يجترئ، يقدم على العمل-العود: المسن من الإبل.

(3) حي هل: هلم.

(4) طرا: خرج فجأة.

220

يجي‏ء بالهمّ، و يمضي بالأجل، # فأوه إن حلّ، و واها إن رحل‏

أبدل من الشّباب لا بدل، # سرعان ما رقّ الأديم و نغل‏ (1)

هل ينفعنّي في الوهاد و القلل # مدّ العلابيّ من النّوق الذّلل‏ (2)

في فتية عوّدهم جوب السّبل # أن يشربوا ماءهم على المقل‏ (3)

ينضون باللّيل غلالات الكسل، # و يستسلّون الكرى من المقل‏ (4)

إذا دعوا للطّعن و الخطب جلل # حسبت أيديهم من القنا الذّبل‏

يبقون آثارا من الطّعن نجل # من كلّ فوهاء كما ضغّ الوعل‏ (5)

يطمع في حاملها السّمع الأزلّ، # يقول من عاينها من الوجل‏ (6)

كذا الطّعان لا عمى و لا شلل # في كلّ يوم أنا مخماص الأصل‏ (7)

آكل بالميس غوارب الإبل، # أهدم ما يبني السّنام و الكفل‏ (8)

بين عجاريف العنيق و الرّمل، # مشتملا برد الجنوب و الشّمل‏ (9)

و طالعا مع الشّميط ذي الشّعل، # و غاربا مع الظّلام و الطّفل‏ (10)

تعرّضا للرّزق و الرّزق أشلّ، # و شنج الكفّ، إذا قيل بذل‏

____________

(1) البدل: الخلف-الأديم: الجلد-نغل: فسد.

(2) العلابي، جمع علباء: عصب في العنق.

(3) المقل: الحصى يقسم عليه الماء في السفر، فتوضع الحصاة في الاناء ثم يصبّ عليه ما يغمر الحصاة.

(4) ينضون: يخلعون، ينزعون.

(5) النجل: سعة العين-الفوهاء: الواسعة الفم-الضغ: من الضغضغة و هي أن يتكلم الرجل فلا يبيّن كلامه.

(6) السّمع: ولد الذئب من الضبع-الأزل: السريع.

(7) المخماص: الضامر-الأصل، جمع أصيل: العشي.

(8) الميس: الرحل المصنوع من خشب الميس.

(9) العجاريف، من العجرفة و العجرفية: السرعة في المشي-العنيق: المنبسط من السير-الرمل: الهرولة.

(10) الشميط: الصبح-الطّفل: الظلمة.

غ

221

رد ما سقاك الدّهر علاّ و نهل، # و ما حذتك النّائبات، فانتعل‏

ما دمت جثّاما على نضو الإبل # مسوّفا في كلّ يوم بالرّحل‏ (1)

من لم يعان الغزو لم يعط النّفل، # قد انقضى العمر و أنت في شغل‏ (2)

فاجسر على الأهوال إن كنت رجل، # و نل بأطراف القنا ما لم ينل‏

من طلب العزّ بغير السّيف ذلّ، # و امش إلى المجد و لو على الأسل‏

و انج من الهون كما ينجو البطل، # من لم يئل من بعدها فلا وأل (3)

أيام الشباب‏

(الوافر)

لحبّ إليّ بالدّهناء ملقى # لأيدي العيس واضعة الرّحال‏

مناخ مطلّحين تقاذفتهم # غريب الحاج و الهمم العوالي‏ (4)

أراحوا فوق أعضاد المطايا، # قد افترشوا زرابيّ الرّمال‏ (5)

فبين ممضمض بالنّوم ذوقا، # و بين مقيّد بعرى الكلال‏ (6)

إلى أن روّع الظّلماء فتق # أغرّ كجلحة الرّجل البجال‏ (7)

فقاموا يرتقون على ذراها # سلاليم المعالق و الجبال‏

و أرقني دعاء الورق فيها، # على جرح قريب الاندمال‏

____________

(1) جثاما: ملازما المكان-النضو: المهزول من الإبل.

(2) النفل: الغنيمة.

(3) يئل: ينجو.

(4) المطلّحون: المتعبون-الحاج: جمع حاجة.

(5) زرابي: بسط.

(6) الممضمض: الذي دب النعاس في عينيه-الكلال: التعب.

(7) الجلحة: انحسار الشّعر-البجال: الشيخ الكبير، السيد العظيم.

222

تذكّرني بسالفة اللّيالي، # و سالفة الغزالة و الغزال‏

و أيّام الشّباب مساعفات، # جمعن لنا و أيّام الوصال‏

كأنفاس الشّمول كرعت فيها # على ظمإ و أنفاس الشّمال‏

أقول لها، و قد رنّت مراحا، # لبالك يا حمامة غير بالي‏

تباعد بيننا من قيل شاك # تعلّق بالغرام، و قيل سالي‏

تريع إلى درادق عاطلات، # و هنّ بعيد آونة حوالي‏ (1)

لها صنع يطول على طلاها، # قلائد لا تفصّل باللآلي‏ (2)

عوار لا تزال الدّهر حتّى # تجلّلها بريط غير بالي‏ (3)

و كلّ أزيرق قصرت خطاه، # كشيخ الحي طأطأ للعوالي‏ (4)

مراحك قبل طارقة المنايا، # و قبل مردّ عادية اللّيالي‏

مطاله يبلي‏

(الرجز)

أقول، و الهمّ زميل رحلي، # يعرقني مطاله و يبلي‏ (5)

و لا أرى من زمني ما يسلي، # من يشتري مني جميع فضلي‏ (6)

بساعة من عيش أهل الجهل، # كنت أرى العقل نفاق مثلي‏

فصار أدنى ضائر لي عقلي‏

____________

(1) تريع: ترجع-الدرادق: الأطفال، جمع دردق.

(2) الصنع: الثوب الذي يصنع-طلاها: أعناقها.

(3) الريط، جمع ريطة: ثوب من قطعة واحدة.

(4) الأزيرق، مصغر أزرق: البازي.

(5) الزميل: الرديف-يعرقني: يأكل لحمي-مطاله: تسويفه.

(6) يسلي: ينسي، يعزّي.

غ

223

طال هزي‏

(الطويل)

لقد طال هزّي من قوائم معشر # كلال الظّبى لم أرض من بينها نصلا (1)

رجال، إذا ناديتهم لصنيعة، # و جدتهم ميلا عن الجود أو عزلا (2)

إذا جشّموا النّزر القليل رأيتهم # يعجّون من لؤم و ما حمّلوا ثقلا (3)

على النّفس أثني بالملام لأنّني # نحلت وسوم الخيل أحمرة غفلا (4)

و حمّلت أمطاء البكار مآربي، # و لمّا أحمّلها المصاعب و البزلا (5)

يشيع لئيم القوم ذو الجهل لؤمه، # و يستر بعض اللّؤم من صحب العقلا

ألا ربّما أرقي اللّئيم، فينثني، # و أعضلني من يجمع اللّؤم و الجهلا (6)

حبالى بموعود العطاء تجرّمت # شهورا و أعواما و ما طرقوا حملا (7)

تواصوا بمطل الوعد ثمّ تجاسروا # على اللّؤم حتى جانبوا الوعد و المطلا

ذنابى قصار لا يزيدون بسطة، # و إن ركبوا يوما ظننتهم رجلا

فشتّان أنتم و المسيلون للجدا، # إذا عدم العام النّدى روّضوا المحلا (8)

يكونون للوبل الغماميّ إخوة، # فإن ضنّ عن أوطانه خلفوا الوبلا

يبيتون غرثى يعلكون سياطهم، # و قد طردوا عنّا المجاعة و الأزلا (9)

____________

(1) الظبى: السيوف، جمع ظبة.

(2) ميلا: بعيدين، ساقطين، مائلين.

(3) جشموا: كلفوا من مشقة-يعجّون: يصيحون.

(4) نحلت وسوم الخيل أحمرة غفلا: بدّلت الجياد الأصيلة النبيهة بالحمير المغفلة.

(5) الأمطاء، جمع مطا: الظهر-البزل، جمع بازل: البعير الذي طلع نابه.

(6) أعضلني: ضيّق علي، أزعجني.

(7) الحمل: الجنين الذي تحمله المرأة.

(8) الجدا: العطاء-الندى: العطاء، الخصب.

(9) غرثى، من غرث: جاع-الأزل: الداهية.

224

حياض معان الماء غادية الحيا، # يدلّ عليها الخابطان، إذا ضلاّ (1)

يذودون عنها للغريب سوامهم، # و لو أنّهم شاءوا القذى وردوا قبلا

إذا سالموا لم يمنعوا النّصف طالبا؛ # و إن طاعنوا الأقران لم يعرفوا العدلا

إذا فغرت شوهاء من جانب العدا # على غير نذر لقّموها القنا الذّبلا (2)

ثقال بأيديهم، خفاف كأنّما # أطاروا إلى الأعداء من روسها نخلا

كأنّ طروق الحيّ يخرج منهم، # إذا غضبوا، الدّاء المجنّة و الخبلا

إذا ما دعوا خلت الرّياح عواصفا، # تهيل ثرى من جانب الغور أو رملا

ينادي الفتى باللّيل موقد ناره، # حباب القرى، ظاهر لها الحطب الجزلا (3)

و يا راعي الكوماء للسّيف ظهرها، # فضع عن بوانيها الحويّة و الرّحلا (4)

فأولاء قومي لا الذين مقالهم # لباغي النّدى أو طارق اللّيل: لا أهلا

تعرّضت للعرّيض‏

(الطويل)

إذا رابني الأقوام بعد ودادة، # لبست القلى نعلا بغير قبال‏ (5)

و أغبطت رحل الهمّ في ظهر عزمة # مواشكة من عجرف و نقال‏ (6)

و ما كنت إن فارقت حيّا ذممته، # بطول نزاعي أو تحنّ جمالي‏

____________

(1) معان الماء: ظاهره-الخابطان: السائران ليلا على غير هدى.

(2) فغرت: فتحت فاها-الشوهاء: صاحبة الشدقين الواسعين-النذر: العلم.

(3) حباب القرى: طعام الضيافة-الجزل: السريع الاشتعال.

(4) الكوماء: الناقة العظيمة السنام-البواني: الأضلاع-الحويّة: كساء محشو حول السنام.

(5) القلى: البغض-القبال: زمام النعل.

(6) النقال: الاسراع في السير.

225

إذا علموا منّي علاقة وامق، # فلا يأمنوا يوما نزاعة سالي‏ (1)

أ أذهب عن قوم كرام أعزّة، # إلى جذم قوم عاجزين بخال‏ (2)

كمن بادل الإجلاء في العين بالقذى، # و آب بداء لا يطبّ عضال‏

ينازعني الأحساب مستضعف القوى، # له عن رهان المجد أيّ عقال‏

إذا مغرم غادى اتّقاه بعرضه # أمام يديه، و اتّقيت بمالي‏

يمدّ يدا مخبولة لينالني، # و قد أعجز الأيدي الصّحاح منالي‏

تعرّضت للعرّيض حتى علقته، # بأظفور أقنى ذي ندى و ظلال‏ (3)

و من لم يدع إيقاد نار بقرّة، # فلا بدّ يوما أن يجي‏ء بصالي‏ (4)

و إنّي على بعد برمي قوارصي، # لأرغب جرحا من رميّ نبالي‏ (5)

يشكّك فيّ النّاظرون: أفلّه # غرار مقالي أم غرار نصالي؟

لئن أطمع الأقوام حلمي، فربّما # أخافهم، بعد الأمان، صيالي‏

و ليس قبوع الصّلّ مانع وثبه، # إذا نال منه والغ بمنال‏ (6)

تريني الدل‏

(الوافر)

غدت عرسي تجرّم لي ذنوبا، # و ذنبي عندها ذنب المقلّ‏

تريني الدّلّ عمدا، و هو فرك، # و هيهات الفروك من المدلّ‏ (7)

____________

(1) وامق: محب-النزاعة: ما نزعته بيدك و ألقيته.

(2) الجذم: الأصل.

(3) العرّيض: الذي يتعرض للناس-أظفور أقنى: ظفر عقاب.

(4) القرّة: البرد-الصالي: طالب الدف‏ء.

(5) قوارصي: كلامي المؤلم-الجرح الرغيب: الواسع.

(6) القبوع: التواري-الوالغ: الكلب.

(7) الدل: تدلل المرأة-الفرك: البغض بين الزوجين.

غ

226

هززت المواضى‏

(الطويل)

أبى اللّه أن تأتي بخير، فترتجى # فروع لئام قد ذممنا أصولها

إذا الدّار من قبل العفاء نبت بنا، # فكيف نرجّي للمقام طلولها

هززت المواضي فانثنت عن ضرائبي، # فما أربي في أن أهزّ كليلها

إذا قيل: بيت الفخر كنتم ضيوفه؛ # و إن قيل: دار اللّؤم كنتم حلولها

و قولة خزي فيكم تستفزّني، # و أعلم أن لا بدّ من أن أقولها

لا تقربنّ الغاب‏

(الطويل)

و ذي ضغن معسولة كلماته، # و مسمومة تترى إلى القلب نبله‏ (1)

عركت بحلمي جهله، فكددته # عراكا إلى أن مات حلمي و جهله‏

ركبت ظراب اللاّبتين على الحفا، # و غيرك لم تسلم عليهنّ نعله‏ (2)

لقد أوعر النّهج الذي أنت خابط، # فقف سالما حيث انتهى بك سهله‏ (3)

لأشفي مريض الودّ بيني و بينكم، # و عاود نكسا بعد برء مبلّه‏ (4)

و كان الأذى رشحا فقد صار غمرة، # و أوّل أعداد الكثير أقلّه‏

نهيتك عن شعب عسير ولوجه # بذي الرّمث قد أعيا على النّاس صلّه‏ (5)

____________

(1) الضغن: الحقد-تترى: تتجه.

(2) الظراب، جمع ظرب: ما نتأ من حجارة-اللابتان، مثنى لابة: الأرض ذات الحجارة السوداء.

(3) الخابط: الضارب في الليل على غير هدى.

(4) المبل، من أبل من مرضه: شفي.

(5) الرمث: نوع من النبات، و هو هنا اسم موضع.

227

و بيت كلصب الأري لا تستطيعه # صدور الطّوال الزاعبيّات نحله‏ (1)

فلا تقربنّ الغاب يحميه ليثه، # و دع جانبا وعرا على من يحلّه‏

كأنّ على الأطواد من نزع بيشة، # رصيد طريق ضلّ من يستدلّه‏ (2)

تلفّع في ثني عباء مشبرق، # أصابيغ ألوان الدّماء تبلّه‏ (3)

قصاقصة ما بات إلاّ على دم، # تمضمض منه عرسه ثمّ شبله‏ (4)

أخو قنص كفّاه كفّة صيده، # إذا جاع يوما و الذّراعان حبله‏

يشقّق عن حبّ القلوب بمخصف # أزلّ كما جلّى عن الرّمح نصله‏ (5)

كخارز مقدود الأديم رأيته # يبين عن الإشفى و طورا يغلّه‏ (6)

قليل ادّخار الزّاد يعلم أنّه # متى ما يعاين مطعما، فهو أكله‏

تصدّع عن همهامة الخيل و القنا # صياحك في أعقاب طرد تشلّه‏ (7)

له وقفة المجزاع ثمّ تجيزه # حفيظة مجموع على الرّوع شمله‏ (8)

و مستوقدات من لظى العار أجّجت # لها حطبا لا ينقضي الدّهر جزله‏ (9)

تورّدها قوم، فطاحوا جهالة، # و كان عقال المرء عنهنّ عقله‏

و طوق من المخزاة فيكم عقدته، # ألا إنّ عقد العار يعجز حلّه‏

مضغتكم بالذّمّ، ثمّ لفظتكم، # و ما كلّ لحم يعجب المرء أكله‏

____________

(1) اللصب: الشق الصغير في الجبل-الأري: العسل-الزاعبيات: الرماح.

(2) بيشة: مأسدة على طريق اليمامة-رصيد الطريق: السبع يترصد.

(3) تلفّع: التحف-المشبرق: المقطع، الممزق.

(4) القصاقصة: الغليظ، و هو نعت للأسد-تمضمض، تتمضمض: لا تحتمل ما يزعجها.

(5) المخصف: مخرز الاسكافي.

(6) الأديم: الجلد-يبين: يفارق-الإشفى: المثقب-يغلّه: يدخله.

(7) الهمهامة: القطيع-تشلّه: تطرده.

(8) المجزاع: الكثير الخوف-الروع: القلب.

(9) الجزل: الحطب اليابس و السريع الاشتعال.

228

شغلت بكم قولي، و عندي بقيّة، # و قد يردف الظّهر الذي آد حمله‏ (1)

فلا تفتقد خلا يسوؤك بعضه، # و إن غاب يوما عنك ساءك كلّه‏

إذا شئت أن تبلوا امرأ كيف طبعه # فدعه، و سائل قبلها كيف أصله‏

تغير القلب‏

(البسيط)

تغيّر القلب عمّا كنت تعرفه # أيّام قلبي دار منك محلال‏

و أدبر الودّ ما بيني و بينكم، # و للمودّات إدبار و إقبال‏

ما كنت صبّا فما في النّاس لي بدل، # و إن سلوت فكلّ النّاس أبدال‏

لوم و عذر

(الطويل)

و لمّا بدا لي أنّ ما كنت أرتجي # من الأمر ولّى، بعد ما قلت أقبلا

تلوّمت بين اللّوم و العذر ساعة، # كذي الورد يرمى قبل أن يتبدّلا

فلمّا رأيت الحلم قد طار طيرة، # و لم أر إلاّ أن ألوم و أعذلا

رجعت أولّي عاثر الجدّ لومها، # فلا قام بين العاثرين و لا علا

ألعّنه مستثنيا من عنانه، # كردّك في الغمد الكهام المفلّلا (2)

و أعفيت من لومي أمرأ ما وجدته # مليما، و لا بابا عن الجود مقفلا

لجدّي إذا باللّوم أولى من الحيا، # و من ذا يلوم العارض المتهلّلا (3)

____________

(1) آد: اشتد و قوي.

(2) الكهام: السيف الكليل-المفلل: المثلّم.

(3) العارض المتهلل: الغيم المتراخي و الماطر.

غ

229

أطعني و لا تقبل‏

(المتقارب)

أشمّ ببابل بوّ الصّغار، # و لو أنا بالرّمل لم أفعل‏ (1)

و ألقى التحيّات من معشر، # كما ارتجم الحيّ بالجندل‏

و أنزل في القوم أقلالهم، # و لو لا الحضارة لم أنزل‏ (2)

و لو كنت راكب هذا الجواد # بوادي القرينة لم أرحل‏ (3)

و لو مدّ لي طنب بالفلا، # حماني لداغ القنا الذّبّل‏

و أسرة عزّ طوال القنا، # إذا نزل الذّلّ قالوا: ارحل‏

مهجّنة أصطلي نارها، # و عزّ على الرّجل المصطلي‏

و لو شوّر السّيف في مثلها، # لقال: أطعني و لا تقبل‏ (4)

فلو كنت من شاهديها رأيـ # ت هويّ الرّءوس على الأرجل‏

مقام يدنّس عرض الأبيّ، # و يلعب بالقلّب الحوّل‏ (5)

و لو كنت ذا همّة حرّة، # لرحّلني الضّيم عن منزلي‏

و كيف تقلّب ذي همّة، # و قد لزّ بالقرن الأطول‏ (6)

أ آبى، و لا حدّ أسطو به، # و أين الإباء من الأعزل‏

ترى الجاهليّة أحمى لنا، # و أنأى عن الموقف الأرذل‏

فلو لا الإله و تخوافه، # رجعنا إلى الطّابع الأوّل‏ (7)

____________

(1) بابل: اسم موضع في العراق-البو: جلد يحشى تبنا لتعطف عليه الناقة اذا مات ولدها-الصغار: الذل-الرمل: اسم موضع.

(2) أقلالهم: كبارهم، أرفع مكان بينهم.

(3) القرينة: اسم موضع.

(4) شوّر: من المشاورة.

(5) القلّب الحول: البصير بتقليب الأمور و تحويلها.

(6) لز: شد-القرن: الحبل.

(7) الطابع: السجية، الطبع.

غ

230

يا غريمي‏

(السريع)

إيّاك عنه عذل العادل، # قلب الفتى في شغل شاغل‏

دعني و من يسلبني مهجتي، # ما أطلب العون على قاتلي‏

و يا غريمي بعقيق الحمى، # حصلت من حقّي على الباطل‏

يعجبني مطل غريم الهوى # لطول تردادي إلى الماطل‏

و طارق للشّيب حيّيته، # سلام لا الرّاضي و لا الجاذل‏ (1)

أجرى على عودي ثقاف الهوى، # جري الثّقافين على الذّابل‏ (2)

واعدني عقر مراحي له، # لا درّ درّ الشّيب من نازل‏ (3)

فاليوم لا زور و لا طربة، # نام رقيبي، و صحا عاذلي‏

يا راكب الوجناء مصبوبة # على الملا كالصّدع العاقل‏ (4)

كأنّما يرمي جلاد الصّفا، # بأوب رجلي ذرع جافل‏ (5)

راعت حصى نجد بأخفافها # بعد التزامي بثرى بابل‏

أبلغ قويما كثروا قلّة، # بعد مضيّ السّلف الرّاحل‏

كانوا صفاء الكأس، ثمّ انجلوا # من البواقي عن قذى ثافل‏ (6)

زال نجوم، عرفوا بعدهم، # و في التّفاني نبه الخامل‏

ضرورة حمت على وردكم، # لمّا خطاني مطر الوابل‏

____________

(1) الجاذل: الفرحان.

(2) الثقاف: ما تقوم به الرماح-الذابل: الرمح الليّن.

(3) المراح: شدّة الفرح و النشاط.

(4) الوجناء: الناقة الشديدة-الملا: الفلاة-الصدع: الفتي القوي-العاقل:

الصاعد.

(5) الجلاد: الصلاب-الصفا: الصخرة الملساء-الأوب: حركة القوائم -ذرع: ولد البقرة الوحشية.

(6) ثافل: مستقر، باق.

غ

231

لا يركب النّاهق ذو أربة، # إلاّ إذا ردّ عن الصّاهل‏

أغمدتموني بعد صقل الشّبا، # إغماد لا الماضي و لا القاصل‏ (1)

و حاجة السّيف إلى ضارب، # يوم المنايا، لا إلى صاقل‏

لا تحسن النّيقة في قاطع # من ليس للقاطع بالحامل‏ (2)

آليت أن أحدو بأعراضكم # حدو أبي عروة بالجامل‏

و سوف أحمي لكم ميسما # ينبش منه وبر البازل‏ (3)

إذا انبرى للجلد أبقى له # علطا من الزّور إلى الكاهل‏ (4)

أطواق عار إن تقلّدتها # حسدت منها عنق العاطل‏ (5)

أرسلها هزلا و أرمي بها # ما بلغ الجدّ من الهازل‏

يعشو إليها كلّ ذي ناظر، # كالنّار فوق الشّرف القابل‏

قول كأنياب صلال النّقا، # تشاك منه قدم النّاعل‏

أسرع في النّاس، إذا قلته، # من خبر السّوء إلى النّاقل‏

لا تنكروا السّيل، إذا كنتم # على طريق اللّجب الهاطل‏ (6)

قل لأبي العوّام مستدفعا # به جماح القدر النّازل‏

يا نجوة الخائف من دهره، # و يا ثقاف الخطل المائل‏ (7)

جذبت حبلي من يدي قاطع، # فامدد له منك يدي واصل‏

هيهات ما غيمك بالمنجلي، # يوما، و لا ظلّك بالزّائل‏

____________

(1) الشبا، جمع شباة: حد كل شي‏ء-القاصل: القاطع.

(2) النيقة: التجوّد، التنوّق. يقال: تنيّق في مطعمه و ملبسه أي تجوّد و تكارم -القاطع: السيف.

(3) الميسم: المكواة-البازل: الجمل الذي برز نابه.

(4) العلط: الوسم.

(5) العنق العاطل: الذي لا حلى فيه.

(6) اللجب الهاطل: الغيم الماطر.

(7) الثقاف: التقويم-الخطل: الالتواء.

232

و لا خضاب العهد أعطيته، # إن نصل الأقوام، بالنّاصل‏ (1)

ما كنت لمّا طلبت دعوتي # سمعك بالواني، و لا الغافل‏ (2)

قمت قيام الرّمح في نصرتي، # مرافد اللّهذم بالعامل‏ (3)

هبني خسأت الخطب عنّي، و ما # قدّرت إلاّ أنّه آكلي‏

كم غرّني غيرك من ناصر، # أبطأ، و المبطئ كالخاذل‏

أطمعني، حتّى إذا جئته، # كان سراب البلد الماحل‏

تعذّب الآمال في ظلّه، # و تنثني عنه بلا طائل‏

من كلّ ملبوس على غرّة، # لبس مطال السّقم الآزل‏ (4)

مموّج الأخلاق لا محسن، # ربّ يد الجود، و لا باخل‏

كالعير في عانة ذي طخفة، # لا طالب النّسل و لا عازل‏ (5)

و اندما إن لم أكن سامعا # مشورة الصّلّ أبي وائل‏

قالوا: و رأي المرء من عقله، # و يذهب الرّأي عن العاقل‏

أغلوطة لا نهض من عثرها، # قد سبق السّهم يد النّابل‏

____________

(1) الناصل: الخارج من الخضاب.

(2) الواني: المتعب.

(3) مرافد: معاون-اللهذم: سنان الرمح-العامل: قصبة الرمح.

(4) الآزل: الشديد.

(5) العير: الحمار-العانة: القطيع من حمر الوحش-الطخفة: اسم جبل، و ذو الطخف: أسود الأنف-العازل: ضد طالب النسل.

غ

233

لواذع القائل‏

(الكامل)

جمحت بك الجاهات في غلوائها # سفها، فغضّ من العنان قليلا (1)

و احذر لواذع قائل متغطرف، # أمسى يسنّ لسانه ليقولا (2)

بفواقر تدع الرّءوس أميمة، # و قوارع تدع العزيز ذليلا (3)

قد كان عرضك في الصّوان بطيّه، # فلئن أبيت ليغدون مبذولا (4)

إنّ العباب، إذا تغطغط، أو طمى، # جعل الجبال، و إن علون، مسيلا (5)

أديم الود

(الطويل)

و قالوا: أسغها!إنّما هي مضغة # بفيك أبا الغيداق ترب و جندل‏

صدفت بوجهي لا بقلبي عنكم، # و يصدف قلب المرء و الوجه مقبل‏

رجعنا على الأعقاب، فيما يسرّنا، # نجرّ إلى ما لا نودّ و نعتل‏

صحاح أديم الودّ لا عيب فيهم، # سوى ما يقول الجادب المتعلّل‏ (6)

فزعت إلى الأبدال بعد فراقهم، # فأعوزني، يا عمرو، من أتبدّل‏ (7)

____________

(1) جمحت: أسرعت-الغلواء: أول الشباب.

(2) المتغطرف: المتكبر.

(3) الفواقر: السيوف-أميمة: مشدوخة، مفلّقة.

(4) الصوان: ما تصان فيه الثياب.

(5) العباب: الماء الكثير، السيل الكثير-تغطغط: ارتفع موجه-طمى: علا.

(6) الجادب: العائب.

(7) فزعت الى الأبدال: لجأت إلى التغيير.

غ

234

خلق رقيق‏

(الرجز)

لبّاك مشزور القوى ذيّال، # أغلب قوّال النّدي فعّال‏ (1)

من قبل أن تدعو به الآمال، # إن قال لم تقعد به الفعال‏

ينيل جودا فوق ما ينال، # خلق رقيق ماؤه زلال‏

كالخمر إلاّ أنّه حلال، # المال يفنى و الثّناء المال‏

تبقى العلى، و تذهب الرّجال‏

التعاليل‏

(مجزوء الرمل)

إنّ غرب الدّهر مصقول، # و غرار الجدّ مسلول‏ (2)

و رداء الفجر منسحب، # و نطاق اللّيل مسدول‏

و حواشي الجوّ ناصلة، # و الدّجى بالصّبح مطلول‏

و ثنايا اليوم يضحكها # من قدوم العيد تقبيل‏

شهدت فينا مخائله: # أنّ هذا الصّوم مقبول‏

فأطع حكم السّرور، و إن # زخرفت فيه الأضاليل‏

و تعلّل بالمدام له، # إنّما الدّنيا تعاليل‏

____________

(1) المشزور: المفتول-الذيّال: الطويل الذيل-الندي: النادي.

(2) الغرب: السيف-الغرار: الحد.

غ

235

سل الهضب‏

(الطويل)

سل الهضب ما بين الهضاب الأطاول: # متى ريع يوما قبلها بالزّلازل‏

و هل خضدت تلك الرّماح لغامز، # و هل أكثبت تلك النّجوم لنائل‏ (1)

مضى النّجباء الأطولون، و خلّفوا # قصار الخطا عن كلّ مجد و نائل‏

رست قبورهم‏

(مجزوء الكامل)

رسّت قبورهم على # هام المكارم و المعالي‏ (2)

فكأنّما هرق النّدى # فيهنّ أذنبة النّوال‏ (3)

منهم وراء التّرب أمـ # ثال الصّوارم و العوالي‏

أ ترى المنايا كيف جلـ # ن بذلك الحيّ الحلال؟

أرمي بالنوال‏

(الطويل)

تكلّفني عذر البخيل، و لي مال، # ملامك!لا يذهب بك القيل و القال‏

فعندك إكثاري إذا كنت مكثرا، # و عندي إقلالي، إذا كان إقلال‏

و إنّي لأرمي بالنّوال مسافة # من الجود لا يسطيعها الرّجل النّال‏ (4)

____________

(1) أكثبت: دنت.

(2) رسّت: حفرت.

(3) الأذنبة، جمع ذنوب: الدلو.

(4) النال: الجواد، الكريم.

غ

236

تقارعنا

(الوافر)

تقارعنا على الأحساب حتّى # توادعنا، فكلّ غير آل‏

فكانت بين قومكم و بيني # خماشات بأطراف العوالي‏ (1)

يا سعد

(الكامل)

يا سعد سعد الخيل و الإبل، # ادفع صدور الأينق البزل‏

أ و ما رأيت العيس آخذة # لك أهبة الإدلاج و العمل‏ (2)

رسول الردى‏

(الطويل)

ألا حيّ ضيف الشّيب إنّ طروقه # رسول الرّدى قدّامه، و دليله‏

و قد كان يبكيني لشعري نزوله، # فقد صار يبكيني لعمري رحيله‏

____________

(1) الخماشات، جمع خماشة: الخداشة، الجرح الصغير.

(2) الإدلاج: سير الليل.

غ

237

وقائع من دماء

(الوافر)

و قد تركت صوارمهم بحجر # وقائع من دماء بني عقال‏

و ما ضلّت ضلالهم بحجر # سقيطة جندل بين الرّجال‏

معترك الوصل‏

(الطويل)

و معترك للوصل يجلى عجاجه # ببطحاء قوم عن قتيل و قاتل‏ (1)

و أكثر ما يلقى به غبّ نومه، # سقاط اللآلي أو فصوم الخلاخل‏ (2)

شمّروا

(الخفيف)

و إذا ما دعوا، و قد نشط الرّو # ع، خيول العدا من الأجلال‏ (3)

شمّروا يطلبون ناشئة الصّو # ت خناذيذ كالجذوع الطّوال‏ (4)

____________

(1) العجاج: الغبار.

(2) الفصوم: الكسور، الانقطاع.

(3) الأجلال، جمع جل: هو للدابة كالثوب للانسان.

(4) الخناذيذ، جمع خنذيذ: الشجاع.

غ

238

رايتي التوحيد

(السريع)

أصبحت لا أرجو، و لا أبتغي # فضلا، و لي فضل هو الفضل‏

جدّي نبيّ، و إمامي أبي، # و رايتي التّوحيد و العدل‏

عاذلان‏

(الكامل)

يا عاذلان أسأتما العذلا، # لا مرحبا بكما، و لا أهلا

أ عذلتما من لم يملّ هوى، # و تركتما عذل الذي ملاّ

و لحوتما المقتول من كمد، # و عذلتما من طرّق القتلا (1)

لو أنّ غير دمي ذهبت به # لم تسألي قودا و لا عقلا (2)

خطوب‏

(الخفيف)

رائعات أخفّهنّ ثقيل، # و خطوب أدقّهنّ جليل‏

و رزايا تهفو لهنّ حلوم، # راسيات و تستزلّ عقول‏

____________

(1) طرّقه: جعله طريقا له.

(2) القود: القصاص-العقل: الدية.

غ

239

تذارعن بالأيدي‏

(الطويل)

تذارعن بالأيدي من الغور بعد ما # تقدّم عرنين من اللّيل مائل‏ (1)

فما عمّمتها الشّمس حتّى رأيتها # بنجد تساميها النّجاد القوابل‏ (2)

____________

(1) تذارعن: قطعن بسرعة-العرنين: أول الشي‏ء.

(2) القوابل، جمع قابلة: المتهيئة للقبول.

غ

240

قافية الميم‏

داء الحب قديم‏

(الطويل)

تذكّرت، بين المأزمين إلى منى، # غزالا رمى قلبي و راح سليما (1)

لئن كنت أستحلي مواقع نبله، # فإنّي ألاقي غبّهنّ أليما

أصاب حراما ينشد الأجر غدوة، # فما عاد مأجورا و عاد أثيما

فلو كان قلبي بارئا ما ألمته، # و لكنّ أسقاما أصبن سقيما

إذا بلّ من داء أعادت له المها # نكاسا، إذا ما عاد عاد مقيما (2)

يظنّونني استطرفت داء من الهوى، # و هيهات، داء الحبّ كان قديما (3)

قنصت بجمع شادنا فرحمته، # و أخفق قنّاص يكون رحيما (4)

أ أغدو مهينا بالحبائل ساعة # غزالا على قلبي، الغداة، كريما

تراءت لنا بالخيف نفح لطيمة، # سرت عنك إلاّ عبقة و نسيما (5)

____________

(1) المأزمين: مضيق بين مكة و منى.

(2) بلّ: نجا من مرضه-النكاس: الوقوع في المرض بعد الشفاء منه.

(3) استطرفت: استحدثت.

(4) الجمع: فخ يصاد بواسطته.

(5) اللطيمة: وعاء المسك.

241

و لم أر مثل الماطلات عشيّة، # ذوات يسار ما قضين غريما

فلا يبعد اللّه الذي كان بيننا # من العهد إلاّ أن يكون ذميما

حبيبي أعجمي‏

(الطويل)

قال الشريف الرضي هذه الأبيات في وصف غلام أعجمي.

حبيبي ما أزرى بحبّك في الحشا، # و لا غضّ عندي منك أنّك أعجم‏

و عابك عندي العائبات ظوالما، # و إنّي، إذا طاوعتهنّ، لأظلم‏

بنفسي من يستدرج اللّفظ عجمة # كما يمضغ الظّبي الأراك و يبغم‏ (1)

يا ليلة السفح‏

(البسيط)

يا ليلة السّفح ألاّ عدت ثانية، # سقى زمانك هطّال من الدّيم‏ (2)

ماض من العيش لو يفدى بذلت له # كرائم المال من خيل و من نعم‏ (3)

لم أقض منك لبانات ظفرت بها، # فهل لي اليوم إلاّ زفرة النّدم‏

فليت عهدك، إذ لم يبق لي أبدا، # لم يبق عندي عقابيلا من السّقم‏ (4)

____________

(1) يبغم: يصيح بأرخم ما يكون من صوته.

(2) السفح: اسم موضع-الديم، جمع ديمة: مطر يدوم في سكون.

(3) النّعم: الإبل و الشاء.

(4) العقابيل، جمع عقبولة: بقيّة العلّة.

242

تعجّبوا من تمنّي القلب مؤلمه، # و ما دروا أنّه خلو من الألم‏

ردّوا عليّ لياليّ التي سلفت، # لم أنسهنّ و لا بالعهد من قدم‏

أقول للاّئم المهدي ملامته: # ذق الهوى و إن اسطعت الملام لم‏

و ظبية من ظباء الإنس عاطلة # تستوقف العين بين الخمص و الهضم‏ (1)

لو أنّها بفناء البيت سانحة # لصدتها و ابتدعت الصّيد في الحرم‏

قدرت منها بلا رقبى و لا حذر # على الذي نام عن ليلي، و لم أنم‏

بتنا ضجيعين في ثوبي هوى و تقى، # يلفّنا الشّوق من فرع إلى قدم‏

و أمست الرّيح كالغيرى تجاذبنا # على الكثيب فضول الرّيط و اللّمم‏ (2)

يشي بنا الطّيب أحيانا، و آونة # يضيئنا البرق مجتازا على أضم‏ (3)

و بات بارق ذاك الثّغر يوضح لي # مواقع اللّثم في داج من الظّلم‏

و بيننا عفّة بايعتها بيدي، # على الوفاء بها و الرّعي للذّمم‏

يولّع الطّلّ بردينا، و قد نسمت # رويحة الفجر بين الضّال و السّلم‏ (4)

و أكتم الصّبح عنها، و هي غافلة، # حتّى تكلّم عصفور على علم‏ (5)

فقمت أنفض بردا ما تعلّقه # غير العفاف، وراء الغيب و الكرم‏

و ألمستني، و قد جدّ الوداع بنا، # كفّا تشير بقضبان من العنم‏ (6)

و ألثمتني ثغرا ما عدلت به # أري الجنى ببنات الوابل الرّذم‏ (7)

____________

(1) عاطلة: خالية من الحلي-الخمص: الضمور-الهضم: لطف الخصر و ضمور البطن.

(2) الريط، جمع ريطة: ثوب من قطعة واحدة-اللمم، جمع لمة: شعر الصدغين.

(3) يشي: ينم-أضم: واد في المدينة المنورة.

(4) يولع: يجعل فيه لمع بياض-الضال و السلم: من الشجر.

(5) علم: جبل.

(6) العنم: شجرة لها ثمر أحمر يشبه به البنان المخضوب.

(7) الأري: العسل-الرذم، جمع رذوم: السائل من كل شي‏ء.

243

ثمّ انثنينا، و قد رابت ظواهرنا، # و في بواطننا بعد من التّهم‏

يا حبّذا لمّة بالرّمل ثانية، # و وقفة ببيوت الحيّ من أمم‏ (1)

و حبّذا نهلة من فيك باردة، # يعدي على حرّ قلبي بردها بفمي‏

دين عليك، فإن تقضيه أحي به، # و إن أبيت تقاضينا إلى حكم‏

عجبت من باخل عنّي بريقته، # و قد بذلت له دون الأنام دمي‏

ما ساعفتني اللّيالي بعد بينهم # إلاّ بكيت ليالينا بذي سلم‏

و لا استجدّ فؤادي في الزّمان هوى # إلاّ ذكرت هوى أيّامنا القدم‏

لا تطلبنّ لي الأبدال بعدهم، # فإنّ قلبي لا يرضى بغيرهم‏

اغتنام الأوقات‏

(الطويل)

نظمنا نظام العقد ودّا و ألفة، # و كان لنا البتّيّ سلك نظام‏ (2)

أخي و ابن عمّي و ابن حمد فإنّه # تباريح قلبي خاليا و غرامي‏ (3)

و سادسنا الأزديّ ما شئت من أب # جواد و من جدّ أغرّ همام‏

أحاديث تستدعي الوقور إلى الصّبا، # و تكسو حليم القوم ثوب عرام‏ (4)

فنضحي لها طربى بغير ترنّم، # و نمسي لها سكرى بغير مدام‏

تعالوا نولّ اللاّئمين تصامما، # و نعص على الأيّام كلّ ملام‏

و نغتنم الأوقات إنّ بقاءها # كمرّ غمام، أو كحلم منام‏

من اللّه أستبقي صفاء يضمّنا، # و طاعة أيّام و دار مقام‏

و أستصرف الأعداء عنّا، فإنّنا # مذ اليوم أغراض لكلّ مرام‏

____________

(1) الأمم: العودة.

(2) البتّي: بائع البت، و هو الطيلسان من خز و نحوه.

(3) التباريح: التوهج.

(4) العرام: الحدة و النشاط.

غ

244

لا و نعم‏

(مجزوء السريع)

ألمع برق أم ضرم # بين الحرار و العلم‏

تضحك عن وميضه # لمّاعة من الدّيم‏

كما استشبّ ناره # قين بضال و سلم‏ (1)

قد هدلت شفاهها # على القنان و الأكم‏ (2)

تهدر عن رعودها # هدر الفنيق ذي القطم‏ (3)

لها فساطيط على # ذرى الرّوابي و خيم‏ (4)

أشيمه لفتية # تضرّعوا على اللّمم‏ (5)

قد سوّروا أكفّهم # بليّ أطراف الخطم‏ (6)

و جلّلوا ميس الرّحا # ل بالشّعور و الجمم‏ (7)

أوقظهم، و للكرى # فيهم خبال و لمم‏ (8)

كأنّما يجذبهم # من الرّقاب و القمم‏

من كلّ معروق العظا # م أملس ولّى الزّلم‏ (9)

____________

(1) القين: الحدّاد-الضال و السلم: من الشجر.

(2) هدلت: أرخيت-القنان: القمم.

(3) الفنيق: الفحل المكرم من النياق لا يؤذى و لا يركب-القطم: الهيجان.

(4) فساطيط، جمع فسطاط: بيت من الشعر.

(5) تضرعوا: تقربوا-اللّمم، جمع لمة: جماعة الأصحاب في السفر.

(6) سوّروا أكفهم: ألبسوها الأساور-الخطم، جمع خطام: كل ما وضع في أنف البعير ليقاد به.

(7) الجمم، جمع جمة: مجتمع شعر الناصية.

(8) الخبال: البله-اللمم: طرف من الجنون.

(9) العظم المعروق: المجرّد من اللحم-الزّلم: الظلف، و أراد هنا القوائم على التشبيه بالأزلام و هي السهام.

غ

245

يلوك فوه مضغة # ضعيفة عن الكلم‏

إذا أراد قول لا، # من سكره قال: نعم‏

و الرّكب في مضلّة، # لا نضد، و لا علم‏ (1)

ما انتعلت بأرضها # خفّ بعير أو قدم‏

أقول لمّا أن دنا # من المصاب و عزم‏ (2)

يا برق إن صبت الحمى # فلا تصب إلاّ بدم‏

على ديار معشر # خانوا العهود و الذّمم‏

تجهّموا ضيف العلى # و امتهنوا زور النّعم‏ (3)

من كلّ راعي أمّة # أجهل من راعي غنم‏

ما بينهم في المكرما # ت نسب و لا رحم‏

و ما بهم إلى النّدى # لا ظمأ و لا قرم‏ (4)

كم أذكروني معشرا # كانوا قرارات الكرم‏

ما حملت أمثالهم # يوما غوارب النّعم‏ (5)

كم فيهم لمطرد # من وزر و معتصم‏ (6)

كانوا، إذا الخطب دجا # و جلجلت إحدى الغمم‏ (7)

مأمنة من الرّدى، # و نجوة من العدم‏

إذا هم تيقّظوا # فيها، فقل للجار: نم‏

هم وسموا ما أغفل الـ # نّاس على طول القدم‏

____________

(1) النضد: صخور بعضها فوق بعض يهتدى بها في السفر-علم: جبل.

(2) المصاب: مكان نزول المطر، و الصوب هو المطر.

(3) تجهّموا: عبسوا، استقبلوا بوجه عابس-امتهنوا: ابتذلوا.

(4) القرم: الشهوة إلى اللحم.

(5) غوارب، جمع غارب: الكاهل، ما بين السّنام و العنق-النّعم: الإبل.

(6) الوزر: الملجأ-المعتصم، من اعتصم بالشي‏ء: التجأ إليه و امتنع به.

(7) الغمم، جمع غمة: الحزن، الشدّة.

246

إذا أذمّوا ضمنوا # على الزّمان ما اجترم‏ (1)

و أمّنوا حتّى على الـ # قلوب من طارق همّ‏

أهل النّصول و القنا # و المعطيات في اللّجم‏

و السّامر الهبهاب في # الظّلماء و الشّرب العمم‏ (2)

جنّ، إذا تعانق الـ # أبطال بالبيض الخذم‏ (3)

في حيث لا يلذّنا # معتنق و ملتزم‏

من كلّ مطويّ على # عظيمة من الهمم‏

من عشقه يوم الوغى # يرى الطّعان في الحلم‏

محتمل الأعباء لا # يجرّها من السّأم‏

عفّ، فإن لم يحمه الـ # ضّيم سوى الظلم ظلم‏

صاحت بهم على الرّدى # مسمعة على الصّمم‏

و انتزعت من عزّهم # تلك العماد و الدّعم‏

باطشة بلا يد، # واعظة بغير فم‏

و قبل ما كبّت لها # قباب عاد و إرم‏ (4)

فاليوم مرمى دارهم # لا كثب و لا أمم‏ (5)

قل للعدوّ هربا: # قد زخر الوادي و طمّ‏

و شافهت أمواجه # ذرى القلال و الأطم‏ (6)

و من يكن تحت مجـ # رّ السّيل يوما لا يقم‏

____________

(1) أذموا: أجاروا، جعلوا في ذممهم.

(2) السامر: المحادث ليلا، و أراد به النجم-الهبهاب: المتلألئ-العمم:

الكثير.

(3) البيض الخذم: السيوف القاطعة.

(4) كبّت: صرعت، ذللت.

(5) الكثب: القرب-الأمم: القصد، القرب.

(6) القلال: التلال-الأطم: الحصون.

247

تسومني الضّيم، لقد # نفخت في غير ضرم‏

أ ما علمت أنّه # من كان حرّا لم يضم‏

أ بالمخازي أبدا # مدرّع و ملتثم‏

ثياب عار أبدا # فضفاضة على القدم‏

تجزيك في الصّبح و تسـ # تغني بها عن الظّلم‏

قبّحت من خلائق # لئيمة، و من شيم‏

يريد جهلا أن يسي # ء عامدا و لا يذمّ‏

هيهات أعيا ما يريـ # د قبله على الأمم‏

سيّان من قبّل عضـ # وا منكم و من عذم‏ (1)

و من سما بهامكم # إلى العلى و من وقم‏ (2)

جوامحا في العار لا # بقيا و لا رعي ذمم‏

أحرجتني، فهاكها # بنت عناق و الرّقم‏ (3)

و اللّيث لا يخرج إ # لا محرجا من الأجم‏

كلذعة الميسم في # شواظ نار و ضرم‏ (4)

و الحيّة الرّقطاء تر # دي أبدا بغير سمّ‏

حقّا على أعراضكم # تعطّها عطّ الأدم‏ (5)

فاستنشقوها نفحة، # تجدع مارن الأشمّ‏ (6)

تقرض من جنوبكم # طمّ اللّمام بالجلم‏ (7)

____________

(1) عذم: عض.

(2) وقم: قهر و أذل.

(3) أحرجتني: ألجأتني مكرها-العناق: الشدّة و الخيبة-الرقم: الداهية.

(4) الميسم: المكواة-الشواظ: لهب لا دخان فيه.

(5) تعطها: تشقّها-الأدم: الجلد.

(6) تجدع: تقطع-المارن: الأنف-الأشم: السيّد ذو الأنفة.

(7) تقرض: تقطع-الطم: الجز-اللمام، جمع لمة: الشعر المجاور للأذنين -الجلم: المقص.

248

كأنّما تضرب في العر # ض الأعزّ بالقدم‏ (1)

مذكورة ما بقيت # من غير عقد لرتم‏ (2)

ترى على عاري العظا # م وسمها، و هي رمم‏

فلو نزعت الجلد كا # ن رقمها كما رقم‏

كم جرّدت شفارها # لحم فتى بلا وضم‏ (3)

خابطة لا تتّقي # صدم أخ و لا ابن عمّ‏

تبيت من سماعها # تئنّ من غير ألم‏

لتندمنّ بعدها، # هيهات، حين لا ندم‏

كم سقم منك أتى # على عقابيل سقم‏ (4)

سلكت في محجّة # لا نهجا و لا لقم‏ (5)

صلعاء لا يعطى الهدى # دليلها، فلا جرم‏ (6)

____________

(1) القدم، جمع قدوم: آلة قاطعة في النجارة.

(2) عقد الرتم: هو أن يعقد المرء في إصبعه خيطا ليتذكر حاجة أو أمرا، جمع رتمة و رتيمة.

(3) الوضم: خشبة يوضع فوقها اللحم عند تقطيعه.

(4) العقابيل: بقايا السقم.

(5) المحجة: الطريق-النهج: الواضح-اللقم: معظم الطريق أو وسطه.

(6) الصلعاء: الأرض لا نبات فيها-لا جرم: لا محالة، لا بد.

غ

249

الركب الحرام‏

(مجزوء الرمل)

كتب الشريف هذه القصيدة إلى الملك قوام الدين، و فيها يذكره بوعد قطعه له، و ذلك في شوال من سنة 397.

زار، و الرّكب حرام، # أو داع أم سلام؟

طارقا، و البدر لا يحـ # فزه إلاّ الظّلام‏

بين جمع و المصلّى، # ريم سرب لا يرام‏

و حلول ما قرى نا # زلهم إلاّ الغرام‏

بدّلوا الدّور، فلمّا # نزلوا القلب أقاموا

يا خليليّ اسقياني، # زمن الوجد سقام‏

و صفا لي قلعة الرّكـ # ب و للّيل مقام‏

من ألال حفزوا العيـ # س كما ريع النّعام‏ (1)

فزفير، و نشيج، # و عجيج، و بغام‏ (2)

و منى، أين منى مـ # نّي، لقد شطّ المرام‏ (3)

هل على جمع نزول، # و على الخيف خيام‏

يا غزال الجزع لو كا # ن على الجزع لمام‏ (4)

أحسد الطّوق على جيـ # دك، و الطّوق لزام‏

____________

(1) ألال: جبل بعرفات-حفزوا: دفعوا.

(2) الزفير: مدّ النفس-النشيج: الاجهاش بالبكاء-العجيج: الصيام- البغام: صوت الظباء و الإبل.

(3) شط: بعد-المرام: الهدف، الغاية.

(4) اللّمام، جمع لمة: الصاحب و المؤانس في السفر.

250

و أعضّ الكفّ إن نا # ل ثناياك البشام‏ (1)

و أغار اليوم إن مـ # رّ على فيك اللّثام‏

أنا عرّضت فؤادي، # أوّل الحرب كلام‏

أن جعلت القلب مرمى # كثرت فيه السّهام‏

من يداوي داء أحشا # ئك، و الدّاء عقام‏ (2)

يا غياث الخلق!أيّا # مك في الأيّام شام‏ (3)

غرر واضحة الأعـ # لام، و الدّهر ظلام‏

أنت للدّنيا و للدّيـ # ن مساك و نظام‏

و بهاء، و ضياء، # و غياث، و قوام‏

إنّ أعداءك لمّا # قادهم ذاك الزّمام‏

و رأوا أنّ طريق الـ # مجد وعر و إكام‏

و استطالوا الغاي حتّى # جرجر الثّلب العبام‏ (4)

سلّموا الثّقل إلى العو # د، فما ناء، و قاموا (5)

مقرم إن قيد للور # د، و قد حرّ اللّطام‏ (6)

حبس الأوراد بالغـ # لّة، و الحيّ قيام‏ (7)

ليس بدر إن بغى أ # وّل من عزّ الحمام‏ (8)

____________

(1) البشام: شجر طيب الرائحة.

(2) عقام: عديم النفع.

(3) شام: علامة مميّزة.

(4) الثلب: البعير المنكسرة أسنانه من الكبر-العبام: العاجز، الثقيل.

(5) العود: المسن من الإبل-ناء: نهض بمشقة و ثقل، عجز.

(6) المقرم: البعير المكرم لا يحمل عليه-اللطام: ملاطمة الإبل بعضها بعضا عند التزاحم على شرب الماء.

(7) الأوراد، جمع ورد: الإشراف على الماء-الغلة: العطش.

(8) البدر: السيد-عزّ: غلب-الحمام: الموت.

251

جامح أقعصه من # قائم العضب لجام‏ (1)

كان ممّن أسكرته، # أمس هاتيك المدام‏

و نجا من زحمة المو # ت، و للموت زحام‏

طافيا تقذفه الغمـ # رة، و الماء جمام‏

منزع النّبلة قد طا # ر بها الرّيش اللّؤام‏

عجمة طوّحها المر # ضاخ، و العجم رمام‏ (2)

و إلى اليوم قذى نا # ظره ذاك القتام‏ (3)

قدّر العاجز أنّ الغيـ # ل يخليه الهمام‏ (4)

كان في معطسه الرّغـ # م، و في فيه الرّغام‏ (5)

أ ترى لم يكفه ما # لقي الخيل الطّغام‏ (6)

لا حديث القوم منسـ # يّ، و لا العهد قدام‏

جاش واديك، فسال الـ # سّيل، و القوم نيام‏

راكبا ظهرا من الغـ # يّ، مسيم و مسام‏ (7)

خطم الأوّل، و الآ # خر يبغيه الخطام‏ (8)

شمّه رئبال غاب، # أوّل الفرس شمام‏ (9)

____________

(1) أقعصه: قتله-العضب: السيف.

(2) عجمة: صخرة-طوّحها: رماها، فتتها-المرضاخ: حجر يكسر به النوى-الرمام: العظام البالية.

(3) القتام: الغبار.

(4) الغيل: الأجمة، غاب الأسد-الهمام: الأسد.

(5) المعطس: الأنف-الرغام: التراب.

(6) الطغام: أوغاد الناس.

(7) أسام الإبل: أخرجها الى المرعى-أسامة: رماه بنظرة. و قد أراد هنا سامه الخسف: أذله.

(8) الخطام: ما يوضع في أنف البعير ليقاد به.

(9) رئبال: أسد-الفرس، من فرسه: قتله.

252

يا دليل المجد إن ضـ # لّ عن المجد الكرام‏

و الّذي يرعي بدار الـ # عزّ، و النّاس بهام‏

لي مواعيد، و وعد الـ # غيب عقد و زمام‏

لويت عنّي، فيا للـ # نّاس!هل ضنّ الغمام‏ (1)

حبس القطر بأرضي، # و أرى الجوّ يغام‏

إنّما اللّوم لجدّي، # ما على الغيث ملام‏

قد تيقّظتم لأمري، # لكن الجدّ ينام‏

و عتاب القوم إلاّ # بالمعاريض خصام‏

عجبا كيف نبا اليو # م بكفّيّ الحسام‏

لا ذراعي رخوة الحبـ # ل، و لا السّيف كهام‏ (2)

موضع الذّمّ زماني، # و خلاك اليوم ذام‏

أيّها الزّارع سقيا، # فبذا الزّرع أوام‏ (3)

إنّما غرسك نبع، # و من الغرس ثمام‏ (4)

عد بما عوّدتني، منـ # ك أياديك الجسام‏

ثمّ دم ما حسن العيـ # ش، و ما طاب الدّوام‏

آمرا تخدمك الـ # أيّام طوعا و الأنام‏

إنّما الأقدار جند # لك، و الدّهر غلام‏

____________

(1) هل ضن الغمام: هل بخل الغيم بمطره؟و في ذلك إشارة إلى عدم إنجاز الوعد.

(2) كهام: كليل، لا يقطع.

(3) الأوام: العطش.

(4) النبع و الثمام: نبتتان.

غ

253

بعض النقص تمام‏

(الوافر)

وجّه هذه القصيدة إلى الملك قوام الدين و فيها يعزيه عن ابنة له توفيت و كان الخليفة القادر باللّه قد عقد عليها. و قد كتبها في شهر ربيع الآخر من سنة 400.

لهان الغمد ما بقي الحسام، # و بعض النّقص، آونة، تمام‏

إذا سلك العلى سلمت قواه، # فلا جزع، إذا انتقص النّظام‏

و أهون بالمناكب يوم يبقى # لنا الرّأس المقدّم و السّنام‏

و ما شكوى المناهل حين تمسي # مغيّضة، إذا بقي الغمام‏ (1)

و هل هو غير فذّ أخلفته # لك العلياء، و النّعم التؤام‏ (2)

و ما شرر تطاوح عن زناد، # بمفتقد، إذا بقي الضّرام‏ (3)

أفق، يا دهر، من أمسيت تحدو، # و قد منع الخزامة و الزّمام‏ (4)

قدعت مبرّز الحلبات يغدو # جموحا، لا ينهنهه اللّجام‏ (5)

ولودا مثل ما خالست منه، # و أنت بمثله أبدا عقام‏

من القوم الّذين أقام فيهم # عداد المجد و العدد اللّهام‏ (6)

إذا سلموا، فقد سلم البرايا، # و إن فقدوا، فقد فقد الأنام‏

____________

(1) مغيّضة: قليلة الماء.

(2) الفذ: الفرد-أخلفته: يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو شي‏ء يستعاض:

أخلف اللّه عليك أي رد عليك مثل ما ذهب.

(3) تطاوح: تناثر، ترامى.

(4) منع: أصبح منيعا قويا-الخزامة: حلقة يشد فيها الزمام.

(5) قدعت: كبحت-ينهنهه: يكفكفه.

(6) اللهام: العدد الكثير و الجيش العظيم.

254

لهم كرم تزيّده المعالي، # إذا لؤم المعاشر، أو ألاموا

و أيّام من الإحسان بيض، # لهم نسب إلى العليا قدام‏ (1)

مراجحة، و أصبية ملوك، # إليهم يعقد النّادي الكرام‏ (2)

و كلّ معمّم بالمجد قضّى # به ذمم العلاء أب همام‏

ربا بين الصّوارم و العوالي، # فجاء كأنّ توأمه الحسام‏

يروع سوامه بالسّيف، حتّى # تمنّى أن أسرّتها اللّئام‏ (3)

معاشر للسّوائم في ذراهم # أمان الطّير آمنها الحرام‏

يذمّ اللّؤم عندهم عليها، # و ليس لجارهم أبدا ذمام‏

و حادثة لها في العظم وقر، # كفضّ السّنّ ليس له التئام‏ (4)

كفى بعتاتها، و الموت دان، # و قد قعد الرّجال بها و قاموا (5)

فقل للحائن المغرور أمسى # بمارنك الرّغامة و الرّغام‏ (6)

أتعلم من تخاطر، أو تسامي # غرورا ما أراك به المنام‏

فخلّ عن الطّريق لسيل طود # تحدّر لا يخاض و لا يعام‏

أ لم يقنعك بالأهواز منه # قطار، غيم عارضه القتام‏ (7)

بأربق حطّ عارضه و أجلى # عن الأعداء و الأعداء هام‏ (8)

و أرسلها تخبّ بدار زين # عباب اليمّ لجّ به التطام‏

____________

(1) قدام: قديم. و قد وردت في نسخة أخرى: لهن إلى العلى نسب قدام.

(2) مراجحة: ذوو عقول راجحة، حلماء-النادي: مجلس القوم.

(3) السوام: الإبل الراعية.

(4) الوقر: الصدع، الأثر-الفض: الكسر.

(5) عتاتها: خصامها.

(6) الحائن: الأحمق-المارن: الأنف-الرغام: التراب.

(7) الأهواز: اسم منطقة-قطار، جمع قطر: ما يقطر-القتام: الغبار الأسود.

(8) أربق: اسم بلدة-هام: قرية باليمن.