ديوان الشريف الرضي - ج2

- الشريف الرضي المزيد...
528 /
255

يملن من اللّغوب كما تهادى # نساء الحيّ يثقلها الخدام‏ (1)

و كنّ، إذا رمين إلى عدوّ # طلبن أمام حتّى لا أمام‏

و لست لحاصن إن لم تروها # مواقر، حملها بيض و لام‏ (2)

توقّص تحتها القلل الرّوابي، # و تجدع من حوافرها الإكام‏ (3)

بنقع يظلم الإصباح منه، # على بيض يضي‏ء بها الظّلام‏ (4)

تفارط بالقنا متمطّرات # كما فاجاك بالدّوّ النّعام‏ (5)

حذار له، فبعد اليوم يوم # له شرر، و بعد العام عام‏

و ما ترك الرّماء قصور باع، # و لكن كي تراش له السّهام‏ (6)

فمنه البيض ماضية، و منكم، # يد الدّهر، المفارق و اللّمام‏

لنا تحت الصّفائح كلّ يوم، # مقيم لا يريم و لا يرام‏ (7)

كرائم من قلوب أو عيون # عليهنّ الجنادل و الرّجام‏ (8)

صموت لا يجاب لهنّ داع # أرنّ، و لا يردّ له سلام‏ (9)

فدم ما طاب للباقي بقاء، # و ما حسن التلوّم، و الدّوام‏

فلا كشف الضّياء على اللّيالي، # و لا عدم الغياث و لا القوام‏

يكون لك التّقدّم في المعالي، # و في الأجل التّأخّر و المقام‏

و كان لنا أمامك كلّ نقص # يكون من الرّدى و لك التّمام‏

____________

(1) اللغوب: التعب-الخدام: الخلاخيل، جمع خدمة.

(2) حاصن: امرأة عفيفة محصّنة-مواقر: محملة-اللام: الدروع، جمع لامة.

(3) توقص: تكسر.

(4) النقع: الغبار-البيض، جمع بيضة: الخوذة.

(5) تفارط: تقتل-فاجاك: فاجأك، هجم بغتة-الدو: الفلاة.

(6) تراش: تصلح، يوضع لها الريش و تهيّأ للرماية.

(7) يريم: يبرح.

(8) الجنادل و الرجام: الحجارة الكبيرة و الصغيرة، و هي توضع فوق القبر.

(9) أرن: صاح.

غ

256

ابن الطاهرين‏

(الكامل)

في هذه القصيدة يرثي الشاعر والده ذا المناقب أبا أحمد الحسين الموسوي، و قد توفي ليلة السبت لخمس ليال بقين من جمادى الأولى سنة 400 و له من العمر سبعة و تسعون عاما.

و سمتك حالية الرّبيع المرهم، # و سقتك ساقية الغمام المرزم‏ (1)

و غدت عليك من الحيا بمودّع # لا عن قلى، و من النّدى بمسلّم‏

قد كنت أعذل قبل موتك من بكى، # فاليوم لي عجب من المتبسّم‏ (2)

و أذود دمعي أن يبلّ محاجري، # فاليوم أعلمه بما لم يعلم‏ (3)

لا قلت بعدك للمدامع كفكفي # من عبرة و لو انّ دمعي من دمي‏

إنّ ابن موسى، و البقاء إلى مدى، # أعطى القياد بمارن لم يخطم‏ (4)

و مضى رحيض الثّوب غير مدنّس، # و قضى نقيّ العود غير موصّم‏ (5)

و حماه أبيض عرضه و ثنائه، # ضمّ اليدين إلى بياض الدّرهم‏

و غني عن الدّنيا، و كان شجى لها، # إنّ الغنيّ قذى لطرف المعدم‏

ملأ الزّمان منائحا و جرائحا، # خبطا ببؤسى في الرّجال و أنعم‏

و استخدم الأيّام في أوطاره، # فبلغن أبعد غاية المستخدم‏

اليوم أغمدت المهنّد في الثّرى، # و دفنت هضب متالع و يلملم‏ (6)

____________

(1) المرهم: المخصب-المرزم: الرعد الشديد.

(2) أعذل: ألوم.

(3) أذود: أدفع، أسوق.

(4) المارن: الأنف أو طرفه-يخطم: يوضع له زمام.

(5) الرحيض: المغسول-موصم: مصدوع.

(6) متالع و يلملم: جبلان.

257

و غدت عرانين العلى و أكفّها # من بين أجدع بعده أو أجذم‏ (1)

متبلّج كرما إذا سئل الجدا، # مطر النّدى أمما، و لم يتغيّم‏ (2)

جذلان تطلع منه أندية العلى # وجها كريم الخدّ غير ملطّم‏

يرمي المغارم بالتّلاد، و ينثني # ثلج الضّمير، كأنّه لم يغرم‏ (3)

الواهب النّعم الجراجر عادة، # من ذي يدين إذا سخا لم يندم‏ (4)

جاءت بها حمر الرّبيع مشيدة، # حمراء تحسبها عروق العندم‏ (5)

متبقّلات باللّديد و رامة # بين القنا المنزوع و المتلهذم‏ (6)

بيدي أغرّ يردّ ألوية القنا، # غبّ الوقائع، يعتصرن من الدّم‏

و يقول للنّفس الكريمة: سلّمي # يوم اللّقاء، و لا يقول لها: اسلمي‏

هتف الحمام به فكان وصاته # بذل الرّغائب و احتمال المغرم‏ (7)

هل يورث الرّجل الكريم إذا مضى # إلاّ بواقي من على و تكرّم‏

يأبى النّدى ترك الثّراء على الفتى، # و يقلّ ميراث الجواد المنعم‏

ملأت فضائلك البلاد، و نقّبت # في الأرض يقذفها الخبير إلى العمي‏

فكأنّ مجدك بارق في مزنة، # قبل العيون، و غرّة في أدهم‏

أنعاك للخيل المغيرة شزّبا # خبط المغار بهنّ من لم يجرم‏ (8)

كالسّرب أوجس نبأة من قانص # فمضى يلفّ مؤخّرا بمقدّم‏ (9)

____________

(1) الأجدع: المقطوع الأنف-الأجذم: المقطوع اليد.

(2) الأمم: الغزارة، الوضوح في العطاء.

(3) التلاد: المال الموروث.

(4) النّعم: الابل-الجراجر: الضخام.

(5) العندم: خشب نبات يصبغ به.

(6) متبقلات: يطلبن رعي البقل-اللديد: ماء لبني أسد-رامة: موضع بالبادية-المتلهذم: المقطوع.

(7) الوصاة: الموصى به.

(8) شزب، جمع شازب: خشن، ضامر.

(9) السرب: القطيع من الظباء-أوجس: أحسّ-النبأة: الصوت الخفي.

258

و اليوم مقذ للعيون بنقعه، # لا يهتدي فيه البنان إلى الفم‏ (1)

لم يبق غير شفافة من شمسه # كمضيق وجه الفارس المتلثّم‏

من خائض غمر الدّماء يبلّه، # بلّ النّدى مطر القنا المتحطّم‏

أو ناقش من جلده شوك القنا # عن كلّ فاغرة كشدق الأعلم‏ (2)

أو مفلت حمة السّنان نجت به # روعاء لا تدع العذار لملجم‏ (3)

ينزو به الفرع الكذوب و يتّقي # مرّ الحديث بكلّ يوم أيوم‏ (4)

و يروعه وصف الشّجاع لطعنة # من ذابل أو ضربة من مخذم‏ (5)

حتّى يظنّ الصّبح سيفا منتضى، # أهوى إليه مع الكميّ المعلم‏ (6)

و مقاوم عرض الكلام بروده # فيهنّ بين معضّد و مسهّم‏ (7)

أغضى لها المتشدّقون و سلّموا # لهدير شقشقة الفنيق المقرم‏ (8)

بالرّأي تقبله العقول ضرورة، # عند النّوائب لا بكيف و لا لم‏ (9)

حمل العظائم و المغارم ناهضا # و مضى على وضح الطّريق الأقوم‏

حتّى إذا أرمى الجذاب ملاطه، # و أوى الزّمام لأنفه و الملطم‏ (10)

طرح الوسوق فلم يدع من بعده # عند العظيمة حاملا للمعظم‏

____________

(1) القذى: ما يقع في العين فيؤذيها-النقع: الغبار.

(2) فاغرة: فاتحة فاها-الأعلم: مشقوق الشفة العليا.

(3) الحمة: السم.

(4) ينزو: يطمح-الأيوم: الشديد.

(5) ذابل: رمح-مخذم: سيف قاطع.

(6) الكمي: لابس السلاح-المعلم: الذي عليه علامات الحرب.

(7) المعضد: ثوب له أعلام في موضع العضد-المسهّم: الثوب المخطط.

(8) المتشدقون: الذين يلوون أشداقهم للتفصح-المقرم: الذي لا يذلّل.

(9) لم: لم، كسر حرف الميم للضرورة.

(10) الملاط: جانبا السنام-الملطم: موضع اللطم، الخد.

259

كالنّقض قد عرك الدّءوب صفاحه # عرك الضّباع من العنان المؤدم‏ (1)

رقد الملوك بحزم أبلج رأيه # فلق لعاشية العقول النّوّم‏

تنفضّ عنه النّائبات كأنّها # وبر الموقّع نشّ تحت الميسم‏ (2)

كانوا إذا قعد البكار بثقلهم # قالوا لذا العود الجلال: تقدّم‏ (3)

عمري لقد قذفوا الكروب بفارج # منه و قد رجموا الخطوب بمرجم‏ (4)

فكأنّما قرعوا القنا بعتيبة، # و لقوا العدا بربيعة بن مكدّم‏

رقّاء أضغان يسلّ شباتها، # حتّى يغيّر طبع سمّ الأرقم‏ (5)

سبع و تسعون اهتبلن لك العدا، # حتّى مضوا و غبرت غير مذمّم‏ (6)

لم يلحقوا فيها بشأوك بعد ما # أملوا، فعاقهم اعتراض الأزلم‏ (7)

إلاّ بقايا من غبارك أصبحت # غصصا و أقذاء لعين، أو فم‏

إن يتبعوا عقبيك في طلب العلى، # فالذّئب يعسل في طريق الضّيغم‏ (8)

هل من أب كأبي لجرح ملمّة # أعيا، و شعب عظيمة لم يلأم‏ (9)

إنّ الخطوب الطّارقات فجعننا # بحمى الأبيّ، و جنّة المستلئم‏ (10)

____________

(1) النّقض: المهزوم من السير و شدّته-الدءوب: الجد، التعب-المودّم:

السمر.

(2) نشّ: غلى، نضب-الميسم: المكواة-الموقّع: البعير الذي أثر الوبر في ظهره.

(3) العود: المسن من الإبل-الجلال: العظيم-

(4) المرجم: الشديد.

(5) الشباة: إبرة العقرب.

(6) اهتبلن: اغتنمن.

(7) الشأو: السبق، الغاية و الأمد-الأزلم: الدهر الكثير البلايا.

(8) يعسل: يسرع و يضطرب في عدوه و يهز رأسه.

(9) الشعب: الصدع-يلأم: يصلح.

(10) الجنة: الوقاية، الترس-المستلئم: اللابس لأمته أي درعه.

260

بممهّل في الغابرين مؤخّر، # و محفّز في السّابقين مقدّم‏ (1)

الطّاهر ابن الطّاهرين و من يكن # لأب إلى جذم النّبوّة يعظم‏ (2)

من معشر تخذوا المكارم طعمة، # و رووا من الشّرف الأعزّ الأقدم‏

من جائد، أو ذائد، أو عاقر، # أو ماطر، أو منعم، أو مرغم‏ (3)

وفروا على المجد المشيد همومهم، # و تهاونوا بالنّائل المتهدّم‏

عيص ألفّ تقابلت شعباته # في المجد، شجر مقوّم لمقوّم‏ (4)

يتعاورون المكرمات ولادة، # من بين جدّ في المكارم و ابنم‏ (5)

قد قلت للحسّاد حين تقارضوا # حرق القلوب جوى و حرق الأرّم‏ (6)

لا تحسدوا المترادفين على العلى، # و الغالبين على السّنام الأكوم‏ (7)

و الطّاعنين بكلّ جدّ مدعس، # و الماطرين بكلّ نيل مرزم‏ (8)

لكم الفضول، إذا تكون وقيعة، # أو غارة، و لهم صفيّ المغنم‏

عطرون ما لأنوفكم من طيبهم # بين المجامع غير شمّ المرغم‏ (9)

يتساندون إلى على عاديّة، # و مكارم قدم، و مجد قشعم‏ (10)

متزيّدين إلى السّؤال، و عندكم # أمّ العظاء، مفذّة لم تتئم‏ (11)

فتعلّقوا عجب المذلّة، و اتركوا # رفع العيون إلى البناء الأعظم‏ (12)

____________

(1) المحفّز: المدفوع.

(2) الجذم: الأصل.

(3) ذائد: دافع.

(4) العيص: منبت خيار الشجر-شجر مقوم لمقوم: أي ربط مقوّم بمقوم.

(5) يتعاورون: يتداولون-الابنم: الابن، و الميم زائدة.

(6) حرق الأزم: العض على الأصابع غيظا.

(7) الأكوم: المرتفع.

(8) المدعس: الطعان-النيل: السحاب-المرزم، من أرزم الرعد: اشتد.

(9) المرغم: الأنف.

(10) عادية: قديمة ثابتة-القشعم: المسن، القديم.

(11) المفذة: التي تلد واحدا، عكس التي تتئم.

(12) العجب: أصل الذنب.

261

تلك الأسود، فمن يجرّ فريسها، # أم من يمرّ بغابها المتأجّم‏

حطّت بأطراف البلاد قبورهم، # رقم النّجوم، سقوف ليل مظلم‏ (1)

و كفاك من شرف القبيل بأن ترى # بدد القبور لمنجد، أو متهم‏ (2)

عدّوا جبالا للعلاء، و إن غدوا # أمشاج مجد في رمائم أعظم‏ (3)

وضعت بتلك صفائحا و ضرائحا، # أثقال أوطف بالرّعود مزمزم‏ (4)

و سقت ثراهنّ الدّموع مرشّة، # فغنين عن قطر الغمائم و السّميّ‏ (5)

جدث ببابل أشرجت رجماته # طبقا على مطر النّدى المتهزّم‏ (6)

ضمن السّماحة في ملاث إزاره، # و المجد في نوّاره المتكمّم‏ (7)

لا تحسبن جدثا طواه ضريحه # قبرا، فذاك مغار بعض الأنجم‏

أعريت ظهري للعدا، و لو اتّقى # بزهاء مزدحم العديد عرمرم‏ (8)

و كشفت للأيّام عورة مقتلي، # حتّى رددن عليّ بعدك أسهمي‏

قد كنت ما بيني و بين سهامها، # فاليوم لا يخطين شاكلة الرّمي‏ (9)

هل تسمعنّ من الزّمان ظلامتي # فيما جنى، و إلى الزّمان تظلّمي‏

قل للنّوائب لا أقيلك عثرة، # فتشزّني لوقائعي، و استسلمي‏ (10)

____________

(1) رقم النجوم: أي أنهم كالنجوم التي تمتاز عن سواها بالبريق.

____________

(2) القبيل: الجماعة-المنجد: الذي يقصد بلاد نجد-المتهم: الذي يقصد تهامة.

(3) الأمشاج، جمع مشيج: المخلوط-الرمائم: البالية.

(4) الأوطف: السحاب المسترخي لكثرة مائه.

(5) السّمي، جمع سماء: المطر.

(6) أشرجت: أدخل بعضها في بعض-الرجمات: حجارة تنصب على القبر -الطبق: الغطاء.

(7) ملاث إزاره: مداره.

(8) العرمرم: الكثير العدد.

(9) الشاكلة: الخاصرة-الرمي: المرمى.

(10) تشزّني: اشتدي و انتصبي في الخصومة.

262

لا تصفحنّ عن الملمّ إذا جنى، # و إذا المضارب أمكنتك، فصمّم‏

فالغمر من ترك الجزاء على الأذى، # و أقام ينظر عذرة من مجرم‏ (1)

و محوكة كالدّرع أحكم سردها # صنع فأفصح في الزّمان الأعجم‏

عضّلتها زمنا لأطلب كفؤها، # و زففتها لك نعم بعل الأيّم‏ (2)

إنّي نزلت، و كنت غير مذلّل، # بيت المهان و أنت عين المكرم‏

رشتم سهمي‏

(الرمل)

وضع الشريف هذه القصيدة في مدح الملك قوام الدين، و فيها يشكره على ما أنعم به عليه، و قد أرسلها إليه إلى أرجان في رمضان سنة 400.

أعلى الغور تعرّفت الخياما، # و لدار الحيّ ملهى و مقاما (3)

منزل من آل ليلى لم يدع # ولع الدّهر به إلاّ رماما (4)

حبّذا الدّار، و إن لم يلقنا # قاطن الدّار بها إلاّ لماما

من رأى البارق في مجنوبة، # هبّة البارق قد راع الظّلاما (5)

كلّما أومض من نحو الحمى # أقعد القلب من الشّوق و قاما

ما على ذي لوعة نبّهه # بارق من قبل الغور، فشاما (6)

____________

(1) الغمر: من لا يجرّب الأمور.

(2) الأيّم: من لا زوج لها.

(3) الغور: اسم موضع.

(4) رماما: عظاما بالية، بقايا.

(5) المجنوبة: التي هبت بها ريح الجنوب.

(6) شام: ظهر.

263

يا خليليّ انظرا عنّي الحمى، # إنّ طرف العين بالدّمع أغاما

طال ما استسقوا لعيني دمعها # أينما استسقيت للدّار الغماما

أخلق الرّبع، و أثواب الهوى # مستجدّات ولوعا و غراما

آه من برق على ذي بقر، # نبّه الشّوق على القلب و ناما (1)

كم رعينا العيش فيه ناضرا، # و وردنا أوّل الحبّ جماما (2)

و غريمي صبوة قد قضيا # بعض دين الشّوق ضمّا و لزاما (3)

يا قوام الدّين قدها صعبة، # لم تكن تتبع من قبل الزّماما

أنت فينا هضبة اللّه التي # زادها قرع المقادير التئاما

و يد للدّهر موهوب لها، # إن أساء الدّهر يوما و ألاما (4)

ما يضرّ القوم أوقظت لهم # أن يكونوا عن حمى العزّ نياما

منبت تحرز عن أعراقه # حسب لا يقبل العار قداما (5)

إرث آباء علوا، فاقتعدوا # عجز المجد، و أعطوك السّناما (6)

أمطروا الجود مضيئا بشرهم، # فرأيناهم شموسا و غماما

شغلوا قدما عن النّاس العلى، # و رموا عن ثغر المجد الأناما

معشر تمّوا، فلم ينثلموا، # ثلم الأقمار ينظرن التّماما

كحميّا الطّود رأيا و حجا، # و رماح الخطّ غربا و قياما (7)

أفرج المجد لهم عن بابه، # و لقي الأعداء ضعفا و زحاما

____________

(1) ذي بقر: اسم واد.

(2) الجمام: الكثير.

(3) اللزام: العناق.

(4) ألام: أتى بما يلام عليه.

(5) تحرز: تحرس-الأعراق: الأصول-القدام: القديم.

(6) العجز: مؤخر الشي‏ء-السنام: أعلاه.

(7) حميا الطود: قوة الجبل و شدته-الخط: موضع باليمامة تنسب إليه الرماح-الغرب: الحد.

264

غائب مثلك من شهّاده، # ما قضى العمر و لا ذاق الحماما

لم يعش من عاش مذموما و لا # مات أقوام، إذا ماتوا كراما

يعظم النّاس، فإن جئنا بكم، # كنتم الرّاعين، و النّاس سواما (1)

أ و لم ينه العدا في أربق # لجب قاد الجماهير العظاما (2)

لججا يلغط فيهنّ القنا، # لغط الأوراد دفعا و لطاما (3)

يوم ولّى قومه في هوّة # مستغرّ دمر الجيل الطّغاما (4)

مستعيرا هامهم يحسبها # جفنات الحيّ ينقلن الطّعاما (5)

شهد الرّوع، فلم يعط القنا # نهز الطّعن و لم يرض الحساما (6)

و نجا الغاوي يفدّي مهره، # خزي الموقف قد ليم و لاما

طرح الدّرع ذميما و اتّقى # بمطاه الطّعن شمّا و عراما (7)

يستزيد الطّرف حتّى لو رأى # مهلة الواقف قد ألقى اللّجاما (8)

خلفة وطفاء يمريها الرّدى # مطر الطّعن رذاذا و رهاما (9)

دأبها في دار زين تنتحى، # شلّة الطّارد بالدّوّ النّعاما (10)

____________

(1) السوام: الإبل الراعية.

(2) أربق: اسم بلدة بفارس.

(3) اللجج: معظم الماء-يلغط: يحدث أصواتا مبهمة-الأوراد: الإبل الواردة للشرب.

(4) الطغام: الأوغاد-المستغر: الآتي على غرّة، على غفلة.

(5) جفنات، جمع جفنة: قصعة.

(6) الروع: القلب.

(7) شما: تكبرا-عراما: شراسة و شدّة.

(8) الطرف: الكريم من الخيل.

(9) الخلفة الوطفاء: الناقة الكثيرة الشعر، استعارها للسّحاب-يمريها: يمسح ضرعها لتدر-الرهام: المطر الدائم.

(10) الشلّة: الطرد-الدو: الفلاة.

غ

265

بتن بالشّدّ يخرّقن الثّرى، # دلج اللّيل، و يرقعن القتاما (1)

خلت أيديهنّ في معزائها، # أنمل الولدان يفلين اللّماما (2)

جاذبت فرسانها أعناقها، # كلّما نهنهن طالبن أماما (3)

و ليالي السّوس صبّحت بها، # صائحا يسقي دم الطّعن مداما (4)

تضمن الأعناق للسّيف، إذا # أخفر السّيف على الدّرع الذّماما

رشتم سهمي، و ضاعفتم له، # عقب النّعماء و الرّيش، اللّواما (5)

كلّ يوم نعم مشفوعة، # لاحقات، و توال و قدامى‏

أصبحت عندي ولودا ناتجا، # يوم تغدو نعم القوم عقاما

مثل رشق النّبل إلاّ جرحها، # تبرد الغلّ، و تستلّ الأواما (6)

كلّما شيّخ عندي ضيفها، # رجّعته جدد الطّول غلاما

يا جزت عنّي الجوازي معشرا # ملكوا الورد، فأعطوني الجماما

جئتهم في جفوة الدّهر، فلا # أوصدوا الباب و لا لطّوا القراما (7)

ضرب العزّ عليهم بيته، # ثمّ ألقى الرّحل فيهم، و أقاما

و عمرتم آمني ريب الرّدى، # يمطل الخطب بكم عاما فعاما

كلّما خفّ إليكم حادث، # غلّط النّهج و لم يعط المراما

ما رأينا سلكها من غيركم # جمع النّشر، و لا ضمّ النّظاما

لا طوت عنّا اللّيالي من غدا # للورى غيثا، و للدّين قواما

كلّما رحّلت اليوم فتى، # نوب الأيّام زادتك مقاما

____________

(1) أي يرقعن الغبار المتمزق بما يثرنه من الغبار في سيرهن ليلا، مخرقات للتراب بأخفافهن.

(2) المعزاء: الأرض الصلبة-اللمام، جمع لمة: الشعر المحاذي للأذنين.

____________

(3) نهنهن: كفكفن و زجرن.

(4) السوس: اسم بلدة في الأهواز.

(5) رشتم سهمي: ألزقتم عليه الريش-اللوام: اللوم.

(6) الأوام: العطش.

(7) لطوا: أغلقوا-القرام: الستر الأحمر.

غ

266

يا من رأى البرق‏

(السريع)

كتب الرضي هذه القصيدة إلى الملك قوام الدين، و فيها يطلب أن يعفى من تدبير أعمال أوكلت اليه، و ذلك في ذي القعدة سنة 400.

يا من رأى البرق على الأنعم # يطوي بساط الغسق المظلم‏ (1)

محمرّة منه كفاف الدّجى، # نضح جراح الفرس الأدهم‏

قام نساء الحيّ يقبسنه # نارا من الإيماض لم تضرم‏

تطاول المنجد ضنّا به، # و قد عطا للبلد المتهم‏ (2)

حتّى رمى الإصباح في ليلة، # لفّت إزار الرّجل المحرم‏

لا جاز مغناهم بذات النّقا # قطر الغوادي و طلال السّمي‏ (3)

ولّوا على قلبي عنيف الجوى، # يعاقب القلب، و لم يجرم‏

اللّه في طرف بكم دامع، # دام، و قلب بكم مغرم‏

لا يتعب العاذل في حبّهم، # قد ذهب السّهم بقلب الرّمي‏

عيني مع اليقظى غراما بهم، # و عين من يلحى مع النّوّم‏

لو لا قوام الدّين ما استوسقت # أعناقها في السّنن الأقوم‏ (4)

و لا رأينا النّجم ذا خفية، # من قارع الحافر و المنسم‏

يغير للمجد، إذا غيره # أغار للسّلّة و المغنم‏ (5)

____________

(1) الأنعم: اسم موضع.

(2) المنجد: القاصد نجدا-عطا: رفع-المتهم: القاصد تهامة.

(3) الغوادي: الغيوم الصباحية-السمي، جمع سماء: المطر.

(4) استوسقت: اجتمعت-الأعناق: الجماعة من الناس و الرؤساء-السّنن:

الطرق.

(5) السّلة: السرقة.

267

لا يصحب الأغماد من لم تزل # سيوفه في حلل من دم‏

للّه نعل حذيت في العلى # أخمص ذاك العارض المرزم‏ (1)

يودّ لو أصبح شسعا لها، # نجاد عنق الملك الأعظم‏ (2)

بنوا على مضطربات القنا، # بناء عزّ غير مستهدم‏

تشبّ بالمندل نيرانهم، # لطارق اللّيل، و لم يظلم‏ (3)

لا يدفع الأضياف منهم إلى # ممنون زاد و قرى معتم‏ (4)

قلّت عيون النّاس عن نيلهم، # فعوّذوا من أعين الأنجم‏

أساود تنتجها في العلى # أسد إلى أمثالها تنتمي‏

فيخرج الأرقم من ضيغم، # و يخرج الضّيغم من أرقم‏ (5)

سمّيت الغبراء في عهدهم # حمراء من طول قطار الدّم‏

تحمرّ منها كلّ مخضرّة، # كأنّ لا نبت سوى العندم‏

كلّ فتى يفضح أطواقه، # وجه مضي‏ء الجيد و الملطم‏ (6)

للبشر في ديباجه لامع، # طراز عصب اليمن المعلم‏ (7)

قوم رباط الخيل في دورهم، # كالبهم في غامد أو يقدم‏ (8)

من كلّ محبوك القرا محصف # أمرّ فتل الرّسن المبرم‏ (9)

____________

(1) العارض المرزم: الغيم الشديد الرعد.

(2) الشّسع: زمام النعل-النجاد: حمائل السيف.

(3) المندل: عود طيب.

(4) الممنون: المقطوع-المعتم: البطي‏ء.

(5) الأرقم: الحيّة-الضيغم: الأسد.

(6) الملطم: الخد.

(7) الديباج: ثوب موشى-العصب: من برود اليمن-المعلم: المطرّز.

(8) البهم، جمع بهمة: الضأن و المعز و البقر-غامد و يقدم: من القبائل.

(9) القرا: الظهر-المحصف: الشديد الركض-أمرّ: أحكم فتله.

268

كأنّه ينظر مستوجسا # ربيئة قام على مخرم‏ (1)

متى أراها كذئاب الغضا، # تحرّض الهائب بالمقدم‏ (2)

أعنّة الفرسان أعرافها، # عجلى عن المسرج و الملجم‏

من فارس يحمل أسد الشّرى # لملتقى يوم ردى أيوم‏ (3)

ترمي جبال الثّلج من قدحها # نار الوغى بالشّرر المضرم‏

أرعن قد كدّر ماء الحيا # في مزنه بالرّهج الأقتم‏ (4)

يوم يودّ القرن لو أنّه # يزيد في الرّمح من المعصم‏ (5)

كم قلّة ممتنع طودها # إلاّ على ذي الجدد الأعصم‏ (6)

قد أمست الخيل ضيوفا بها # للوعل العاقل و القشعم‏ (7)

ثلّمتها كيدا، و كم شابكت # أيدي المقادير و لم تثلم‏

يخال باقي روق أطوادها # باقي أنياب فم الأهتم‏ (8)

قد ينفذ الحلم على غرزة # بمحفظات الغادر المجرم‏ (9)

و طول نزف النّغب يفنى به # غمر جمام الغدق المفعم‏ (10)

____________

(1) مستوجسا: مستمعا الصوت الخفي-ربيئة: عين مراقبة-المخرم:

أنف الجبل.

(2) الهائب: الخائف.

(3) أيوم: شديد.

(4) الأرعن: الأحمق-الرهج: الغبار و السحاب بلا ماء-الأقتم: الأسود.

(5) القرن: الشجاع، صاحب الكفاية في الشجاعة.

(6) القلّة: أعلى الجبل-الجدد: العلامات-الأعصم: الوعل في قوائمه سواد و بياض.

(7) الوعل: تيس الجبل-العاقل: الصاعد-القشعم: النسر العتيق.

(8) الرّوق: القرن-الأهتم: المتكسّر الأسنان.

(9) الغرزة: الجهل.

(10) النزف: رشح الماء-النغب: شرب الطائر-الغدق: الماء الكثير- المفعم: المملوء.

269

أقدم للحين، و يا ربّما # أجلى الوغى، و الغنم للمحجم‏ (1)

يسلم كعب الرّمح مستأخرا، # و يوقع الإقدام باللّهذم‏ (2)

ما كان إقداما، و لكنّه # تسرّع العير على الضّيغم‏ (3)

ولّى، و قد أردف هدّارة، # يقظى على اللّيل لغوط الفم‏ (4)

لا يؤمنن، بعد كلال الشّبا، # كم صائل بالسّاعد الأجذم‏ (5)

قد يهلك النّسر، و في ريشه # عون الرّدى الجاري مع الأسهم‏

يثمّر المال، و يأبى الغنى، # إلاّ من الذّابل و المخذم‏

لا يدخر الضّيغم من قوته، # ما يدخر النّمل من المطعم‏

لا تستشر غيرك في كيّها، # قد بلغ الدّاء إلى الميسم‏ (6)

و اخطب على سيفك بكر العلى، # فقد تملّأت من الأيّم‏ (7)

حسامك النّصر، فصمّم به، # و درعك الإقبال، فاستلئم‏ (8)

لا يصلح النّاس لأربابهم، # غير بياض السّيف و الدّرهم‏

يا ملبسي النّعمى التي أورقت # عودي مرارا و كست أعظمي‏

و مطلعي في رأس عاديّة # تخسأ طرف الجذع الأزلم‏ (9)

نزع العلى عنّي كإلباسها، # و الغنم بالبذلة كالمغرم‏

____________

(1) الحين: الهلاك-المحجم: المتأخر، المتردد عن الاقدام.

(2) اللهذم: القاطع من الرماح و السيوف.

(3) العير: الحمار-الضيغم: الأسد.

(4) اللغوط: الكثير الجلبة و الأصوات المبهمة.

(5) الشّبا، جمع شباة: حد كل شي‏ء قاطع-الأجذم: المقطوع اليد أو الأنامل.

(6) الميسم: المكواة.

(7) الأيّم: التي لا زوج لها.

(8) استلئم: البس لأمتك أي درعك.

(9) العادية: البناء القديم المنيع-تخسأ طرفه: تجعله كليلا-الجذع الأزلم:

الدهر الشديد البلايا.

270

أكرم عنها، و بها مرّة، # كلاهما عندي من الأنعم‏

و كيف نوم المرء من تحته، # دون الكرى مضطرب الأرقم‏

بين خصافي نعله شوكة # إن شدّد الوطء عليها دمي‏

فاملك بها رقّي و حرّر بها # عنقي، و رقّ الحرّ للمنعم‏

و حز بها ما بقي العمر لي # صفاء قلبي، و صفايا فمي‏

غوثك منها يا غياث الورى، # قد ثقل العب‏ء على المهرم‏

صونوا بها عرضي و وجهي معا، # صونهما في الزّمن الأقدم‏

لا تحسبوا أنّي، على جرأتي، # أحجمت حتّى ضاق لي مقدمي‏

ما لان عودي في يدي غيرها، # يوما، و لا خار على معجم‏ (1)

عطفا علينا أن يقول امرؤ: # إنّ علوق المجد لم ترأم‏ (2)

يخدع بالشّهد مذاق الفتى، # و ربّما آل إلى العلقم‏

عظيمة ناديت من ثقلها # بالبازل النّاهض بالمعظم‏ (3)

عادات إحسانك أمثالها، # قد لؤم الدّهر بها، فاكرم‏

و طل وصل و اعف و هب و انتقم # و ابق و دم و اعل وثب و اسلم‏

____________

(1) خار: ضعف-المعجم: من عجم العود إذا عضه ليعرف صلابته.

(2) العلوق: الناقة التي تعطف على غير ولدها-لم ترأم: لم تحن.

(3) البازل: الجمل الذي برز نابه، البالغ.

غ

271

ندى و دم‏

(البسيط)

نظم الشريف الرضي هذه القصيدة بفارس، و فيها يمدح فخر الملك.

أحقّ من كانت النّعماء سابغة # عليه من أسبغ النّعمى على الأمم‏ (1)

و أجدر النّاس أن تعنو الرّقاب له # من استرقّ رقاب النّاس بالنّعم‏ (2)

إذا سما فإلى العلياء نهضته؛ # و إن مشى فعلى الأعناق و القمم‏

للّه أمّ تلقّته براحتها، # ما ذا تلقّت إلى الدّنيا من الكرم‏

في صبية للمعالي كان أولعهم # بالمكرمات، و ألقاهم إلى الدّيم‏

كم غبت عنه، و ما غابت مكارمه، # و نمت عنه بآمالي، و لم ينم‏

لا يتبع المال أنفاسا مصاعدة، # و لا يعير العطايا زفرة النّدم‏

يا ممرضا بالمساعي قلب حاسده، # على العلى، و مداوي الفقر و العدم‏

أقبلتها بسياط العزم تحفزها # للطّعن، لا بعراك العذر و اللّجم‏ (3)

من دومة بجبال الغور حاملة # حقائب الموت للأعداء و النّقم‏ (4)

على قطاهنّ صدّارون عن نهل # من القواضب ورّادون للقحم‏ (5)

طريدة للعلى جلّى، فأدركها # بعد المطال، جناح الأجدل الضّرم‏ (6)

أقام سوق المساعي، و هي بائرة، # مجال عزمك بين السّيف و القلم‏

ففي النّزال يد حمراء من علق؛ # و في النّوال يد بيضاء من كرم‏ (7)

أعيا الرّجال و إن عزّوا و إن كرموا، # مكان كفّيك فيها من ندى و دم‏

____________

(1) سابغة: كاملة، وافية، فائضة.

(2) تعنو: تخضع.

(3) تحفزها: تدفعها-العذر، جمع عذار: ما سال على الخد من اللجام.

(4) الحقائب، جمع حقيبة: الرفادة في مؤخرة ظهر البعير.

(5) القطا: مقعد الرديف من ظهر الدابة-القحم: عظائم الأمور.

(6) الأجدل: الصقر-الضرم: الجائع.

(7) العلق: الدم-النوال: العطاء.

غ

272

حرم اللّه‏

(الطويل)

لكم حرم اللّه المعظّم لا لنا، # و بطحاؤه و الأخشبان و زمزم‏ (1)

و ما ردّ شعب المأزمين على منى، # و جمع، و ما وارى السّتار المحرّم‏ (2)

لئن لم تصبّحكم بها مستغيرة، # كصكّة أنف المرء يتبعها الدّم‏

ولد المجد له‏

(الرجز)

في هذه القصيدة يشكر الشاعر الملك قوام الدين على النعوت الجديدة التي أسبغها عليه، و ذلك في ذي القعدة سنة 401.

ثوّرتها تنتعل الظّلاما، # لا نقو أبقين و لا سلامى‏ (3)

قودا، إذا اللّيل بها ترامى، # مرقن من ظلمائه سهاما

ترجّع الحنين و البغاما، # شكوى المريض ماطل السّقاما (4)

أعلقتها من النّدى زماما، # لا واهن العقد، و لا رماما

أي غياث الخلق و القواما، # إنّ بأرجان لنا غماما (5)

ها أوشكي أن تردي الحماما # غمرا، يزيد لجّه التطاما

____________

(1) الأخشبان: جبلان في مكة و هما أبو قبيس و الأحمر-زمزم: بئر في مكة.

(2) المأزمان: مضيق بين مكة و منى-جمع: اسم موضع.

(3) النقو: كل عظم له مخ-السلامى: عظام صغار في اليد و الرجل.

(4) البغام: من بغمت الناقة: قطعت الحنين و لم تمدّه.

(5) إي غياث: هكذا وردت و معها يختل الوزن، و الأصح: أيا غياث.

273

إن ناطح الأكراد و الأرواما، # يروّح الإحسان و الإنعاما (1)

إذا الرّجال روّحوا الأنعاما، # قوّم درء الدّين فاستقاما (2)

قد ولد المجد له تماما، # إذا رأينا الملك الهماما

نرى سريرا يحمل الأناما، # و السّؤدد القدامس القداما (3)

إنّ على أعواده الضّرغاما # تخدج من هيبته السّلامى‏ (4)

تعنو الملوك حوله إعظاما، # نستكثر اليوم له القياما (5)

أسدا تراها عنده بهاما، # شلّت يد الجاذب ما ذا راما (6)

من بازل قد منع الخطاما، # و أعجز الوراك و الزّماما (7)

لا يعرف الرّحل له سناما، # ولّى الأعادي منكبا حطّاما

يوم الضّغاط يأمن الزّحاما، # من معشر تفرّعوا الأعلاما (8)

مطاولا مجدهم الأيّاما، # حلّوا القصور البيض و الآطاما

يخالطون الشّرب و المداما، # و العازفات الغرّ و النّدامى‏

كرائما لاقينهم كراما، # حتّى إذا يوم الرّدى أغاما

محتزما قد لبس القتاما، # رأيتهم ضراغما تسامى‏

على الجياد تعلف الإلجاما # في البيد لا ظلّ، و لا خياما

غدوا يبارون بها النّعاما، # مرابعين الحامل الهماما (9)

____________

(1) يروح: يراوح بين أمرين.

(2) روّحوا: ردوا الإبل إلى المراح-الأنعام: الإبل الراعية-الدرء: العوج.

(3) القدامس: الشديد-القدام: القديم.

(4) تخدج: تنقص-السّلامى: عظم مجوّف.

(5) تعنو: تخضع، تنحني.

____________

(6) البهام، جمع بهمة: اولاد الضأن و المعز و البقر.

(7) الوراك: الموضع الذي يجعل عليه الراكب رجله إذ تعبت.

(8) تفرعوا الاعلام: تسلقوا الجبال.

(9) مرابعين، من رابعة الحمل: رفع معه العدل بالمربعة على ظهر البعير، و المربعة خشبة تستعمل لدعم الحمل.

274

من كلّ أقنى ينفض اللّجاما، # كالنّصل إلاّ الفوق و اللّؤاما (1)

إن قعد الخطب إليه قاما، # حتّى يروّي الرّمح و الحساما

يقظان مذ ذمّ الكرى ما ناما، # قد بعثوه شائما، فشاما (2)

من مقبس المجد لهم ضراما # جاء به يضطرم اضطراما

حلّوا الحبى بلّغتم المراما، # سعي كفى الآباء و الأعماما

كم قلّدوني النّعم الجساما، # سوابغا ترفع لي الأعلاما

أمطوني الغارب و السّناما، # و طال ما غاظوا بي الأقواما (3)

و جدّدوا الأحقاد و الأوغاما، # هم قدّموني في العلى أماما (4)

و أخّروا عن غايتي الإقداما، # فذّا من النّعماء أو تؤاما

كالسّلك ضاعفت به النّظاما، # إلى م مدّ بحركم إلى ما؟

ملئتم النّعماء و الدّواما، # عاما على رغم العدا، فعاما

تماطلون القدر و الحماما، # شمل الثّريّا ضمن المقاما

طوق الهلال لا يرى انفصاما، # لا روّع الدّهر لكم سواما (5)

يوما، و لا فضّ لكم نظاما، # حتّى يلاقي يذبل شماما (6)

____________

(1) الأقنى: المرتفع الأنف-الفوق: موضع الوتر من السهم-اللؤام: السهم الذي عليه ريش.

(2) الشائم، من شام مخايل الشي‏ء: تطلع نحوه مليا، و شام البرق: نظر إلى سحابته ليعلم أين تمطر.

(3) الغارب: ما بين السنام و العنق.

(4) الأوغام: الحروب، الضغائن.

(5) السوام: الماشية الراعية.

(6) يذبل و شمام: جبلان.

غ

275

خذ حياتي‏

(المنسرح)

كتب هذه الأبيات الى الملك قوام الدين و قد نالته علّة.

يا دهر!ما ذا الطّروق بالألم، # حام لنا عن بقيّة الكرم‏

إن كنت لا بدّ آخذا عوضا، # فخذ حياتي و دع حيا الأمم‏ (1)

لا درّ السّقام كيف رمى # طبيب آمالنا من السّقم‏

الجارية السوداء

(الطويل)

أسرف بعض حاضري مجلس الشريف الرضي في استحسان وصف ابن الرومي للجارية السوداء، فارتجل الرضي هذه القصيدة.

و لا مثل ليلي بالشّقيقة و الهوى، # يضمّ إلى نحري غزالا منعّما (2)

خلوت بكالغصن المرنّح فتّحت # أعاليه غبّ القطر نورا مكمّما

و أبيض برّاق النّظام كأنّه # حصى برد لو أنّه نقع الظّما (3)

فسقيا لألمى ذي غروب تخاله # غزالا رعى بالنّيّ مردا و عظلما (4)

____________

(1) الحيا: الخصب و المطر، و في القول كناية عن الكرم.

(2) الشقيقة: الفرجة المعشبة بين جبلين.

(3) النظام: الأسنان-نقع: سكن، هدأ.

(4) الألمى: المسود الشفة-النّي: السّمن، و قد يكون اسم موضع-المرد:

ثم الأراك-العظلم: نبت يصبغ به.

276

و لا نعم الحمر الشّفاه كأنّما # تبطّن داء، أو ولغن بها دما

أحبّك يا لون الشّباب، لأنّني # رأيتكما في القلب و العين توأما

سواد يودّ البدر لو كان رقعة # بجلدته، أو شقّ في وجهه فما

لبغّض عندي الصّبح ما كان مشرقا، # و حبّب عندي اللّيل ما كان مظلما

سكنت سواد القلب إذ كنت شبهه، # فلم أدر من عزّ من القلب منكما (1)

و ما كان سهم الطّرف لو لا سواده # ليبلغ حبّاب القلوب إذا رمى‏

إذا كنت تهوى الظّبي ألمى فلا تعب # جنوني على الظّبي الذي كلّه لمى‏ (2)

طول الغرام‏

(السريع)

يا قلب ما أطول هذا الغرام، # يوم نوى الحيّ، و يوم المقام‏

في القرب ليّان ديون الهوى، # و في نوى الدّار رجيع السّقام‏ (3)

مقيمة عندك أشجانهم، # و لا يلاقونك إلاّ لمام‏

لم ينقعوا الظّمآن من غلّة، # و لم يبالوا طرب المستهام‏ (4)

متى تفيق اليوم من لوعة، # و أنت نشوان بغير المدام؟

صبابة، و الحيّ قد قوّضوا # عن جانب الغور عماد الخيام‏ (5)

سقى المغاني بجنوب النّقا # ماء المآقي، ثمّ ماء الغمام‏ (6)

و زائر زار على نأيه، # بعد الأسى عاد بعيد الغرام‏

____________

(1) من عز: من عجز.

(2) لمى: سواد مستحسن في الشفة.

(3) الليّان: المطل، التسويف.

(4) ينقعون: يسكّنون، يروون العطش-طرب: حزن.

(5) قوّضوا: نزعوا الأعواد و الأطناب، و قد وردت في نسخة أخرى: قعقعوا.

(6) المغاني، جمع مغنى: منزل-النقى: المكان المرمل، و قد وردت أيضا:

الحمى.

277

أ منزل عند عقيق الحمى، # و مضجع عندي بأعلى الشّآم؟

زيارة زوّرها خاطري، # ما أقنع النّفس بزور المنام‏

خدائع أغضي على علمها، # لعلّها تنقع هذا الأوام‏ (1)

يا قاتل اللّه الغواني لقد # سقينني الطّرق بعيد الجمام‏ (2)

أعرضن عنّي حين ولّى الصّبا، # و اختلج الهمّ بقايا العرام‏ (3)

و شاعت البيضاء في مفرقي، # شعشعة الصّبح وراء الظّلام‏ (4)

سيّان عندي أبدت شيبة # في الفود أو طبّق عضب حسام‏ (5)

ألقى بذلّ الشّيب من بعدها # من كنت ألقاه بدلّ الغلام‏ (6)

ترى جميم الشّيب لمّا ذوى # يراجع العظلم بعد الثّغام‏ (7)

كم جدن بالأجياد لي و الطّلى، # فاليوم يبخلن بردّ السّلام‏ (8)

و كنت إن أقبلت أسمعنني # قعاقع الحلي وراء القرام‏ (9)

أيّام أغدو و الصّبا مقودي، # أسلس للقائد طوع الزّمام‏

في فتية تحسبهم لثّموا # على العرانين بدور التّمام‏ (10)

تخال أثوابهم في القنا # من شطط الخلق و مطّ القوام‏ (11)

____________

(1) الأوام: الحر.

(2) الماء الطرق: الذي خوضته الابل و بالت فيه-الجمام: الماء الكثير.

(3) اختلج: انتزع-بقايا العرام: بقايا اللحم من العظم.

(4) شعشعة الصبح وراء الظلام: كنّي عن الشيب بالصباح و عن سواد الشعر بالظلام.

(5) الفود: الشعر المحاذي للأذنين.

(6) الدل: التدلل.

(7) جميم الشيب: كثيره-الثغام: نبات جبلي إذا ابيض أمسى يشبه الشيب.

(8) الطلى: الأعناق.

(9) قعاقع الحلي: أصواتها-القرام: الستر الأحمر.

(10) العرانين: الأنوف.

(11) الشطط: تجاوز القدر-المط: المد.

278

إذا دعوا و الورد مستوبل، # دفّوا إلى الطّعن دفيف النّعام‏ (1)

و ظاهروا النّقع على زعفهم، # و رجّلوا بالدّم سود الجمام‏ (2)

و صاحب في الحيّ جثّامة، # معانق الخفض، بطي‏ء القيام‏

لبّاسة للعار لا يأنف الـ # ذّلّ، و لا يألم حرّ اللّطام‏

قد عاقد العجز على أنّه # يهون في الضّيم بطول الملام‏

لا يعقد المئزر في حادث، # و لا يرى النّصر، و لو بالكلام‏

ناب، إذا جرّبته في العدا، # و هو على عنقي ماض هذام‏ (3)

إذا رأى وطفاء علويّة # أيقظني شائم برق و نام‏ (4)

من معشر شبّوا على إحنتي، # و أوجروا بغضي عند الفطام‏ (5)

أقارب، إن وجدوا غمرة، # راشوا إلى قلبي مرط السّهام‏ (6)

و يعرقوني بالأذى كلّما # لان لهم مسّي عرق العظام‏ (7)

جوارهم مثل نسيم الصّبا، # و غيبهم مثل أجيج الضّرام‏

سماؤهم تشمس بي كلّما # أظلم جوّ، و بجودي تغام‏

سيذكروني إن نبا جانب # من العدا، و انحلّ عقد الزّمام‏

و أصحرت أعراضهم للأذى، # تصرد فيهنّ نبال المرام‏ (8)

من لهم مثلي، إذا استزلقت # أقدامهم يوم ذليل المقام‏

____________

(1) دفّوا: أسرعوا.

(2) النقع: الغبار-الزغف: الدروع-الجمام، جمع جمة: مجتمع شعر الرأس.

(3) الهذام: السيف القاطع.

(4) الوطفاء: السحابة المسترخية الجوانب لكثرة مائها.

(5) الإحنة: الحقد-أوجروا: أرضعوا، أشربوا.

(6) غمرة الشي‏ء: شدّته و مزدحمه-المرط من السهام: ما لا ريش فيه.

(7) يعرقني: يعرّيني من اللحم، و استعملت هنا بالمعنى المجازي-عرق العظام:

تعريتها من اللحم.

(8) أصحرت: برزت الى الصحراء لا يسترها شي‏ء-تصرد: تخطئ، تنفذ.

279

من لهم مثلي، إذا أصبحوا # بعارض يهضب بيضا و لام‏ (1)

و شلّت الأرماح من أرضهم، # طرد الغواني بعد طرد السّوام‏ (2)

و الخيل تستلدغ شوك القنا، # في يوم لا ظلّ بغير القتام‏ (3)

كأنّها سيل مضيق له # دون الثّنايا زجل و ازدحام‏ (4)

لأطعمنّ اللّيل عيديّة، # ضابعة تكسو البرى باللّغام‏ (5)

مثل نعام الدّوّ هاها به # مع الدّجى بارق حيّ ركام‏ (6)

آليت لا أحفل في نصّها # إن مرج الغرض و رثّ الخطام‏ (7)

فوق ذراها كصدور القنا # مخلصة من كلّ عاب و ذام‏ (8)

علّي ألاقي بعد إطراده # حظّي أو أبلغ بعض المرام‏

يا دهر كم تحدو بذي نقبة # معترق النّيّ أجبّ السّنام‏ (9)

بصفحتيه جلب قرّفت، # من اللّيالي، و كلوم دوام‏ (10)

____________

(1) عارض: غيم-يهضب: يمطر-لام: دروع، و بيض: سيوف.

(2) شلّت: طردت-السوام: الابل الراعية.

(3) القتام: الغبار.

(4) الثنايا، جمع ثنية: العقبة، الطريق الصاعدة و الصعبة-الزجل: الجلبة.

(5) العيدية: الناقة المنسوبة إلى العيدي بن مهرة بن حيدان-الضابعة: ذات أضباع أي أعضاد تبرز خلال السير-البرى: التراب-اللغام: لعاب الجمل.

(6) الدو: الفلاة-هاها: دعاها للعلف أو زجرها-ركام: متراكم. و قد وردت لفظة غيم بدل حي في نسخة أخرى.

(7) نصها: سيرها القوي-مرج: قلق-الغرض: الحزام.

(8) عاب و ذام: عيب و ذم.

(9) النقبة: أول الجرب-المعترق: قليل اللحم-الني: الشحم-أجب:

مقطوع.

(10) جلب، جمع جلبة: القشرة تعلو الجرح-قرفت: قشرت-كلوم دوام:

جراح دامية.

280

قد أغبط الميس على عقره # مع نقب المنسم عاما، فعام‏ (1)

في كلّ يوم ناشد همّة # أضلّها العاجز في ذا الأنام‏

يعضّ كفّيه على حظّه، # و يسأل الدّهر حظوظ اللّئام‏

يجرّ طمري عدم فيهما، # معذّل يفعل فعل الكرام‏ (2)

لا ضائع في الدّهر من ذلّة، # و لا خذول الرّجل يوم الزّحام‏ (3)

لو أنصف الدّهر لأوفى به # على رقاب من رجال و هام‏

و ما انتفاع المرء يمسي له # جدّ وراء، و طلاب أمام‏

و كان راعي كلّ ترعيّة # في النّاس، أو كان إمام الإمام‏ (4)

لعمر الطير

(الوافر)

هذه القصيدة مرثية لبعض أصدقاء الشاعر، و كان هذا الصديق قد قتله رجل من بني تميم.

لعمر الطّير، يوم ثوى ابن ليلى، # لقد عكفت على لحم كريم‏

و إنّ قنا العدا ليردن منه # دما لم يجر في عرق لئيم‏

كأنّ الرّمح يصدر منه عدوا # عن الأجميّ ذي اللّبد الكليم‏ (5)

____________

(1) الميس: التبختر، الخيلاء-العقر: أثر الحز في قوائم الجمل أو ظهره -النقب: رقة خف البعير-المنسم: خف البعير.

(2) الطمر: الثوب الخلق و الكساء البالي.

(3) الخذول: الرجل الذي لا تساعده رجلاه على السير لضعفه.

(4) الترعية: الرعاية الجيّدة.

(5) الأجمي، نسبة إلى الأجمة: الشجر الكثير الملتف-ذي اللبد: الأسد.

281

و أقسم أنّ ثوبك، يا ابن ليلى، # لمجموع على عرض سليم‏

رزئتك كالوذيلة لم تمتّع # بها، بعد الوجود، يد العديم‏ (1)

تنام، و تترك الأضغان يقظى # خماشات الذّوابل في تميم‏ (2)

إذا نزعوا الملابس أذكرتهم # دخول يديه آثار الكلوم‏

و من مطل الدّيون أعدّ صبرا # على عنت المطالب و الغريم‏ (3)

تداعت لي بمصرعه اللّيالي، # و أوعبت النّوائب في أديمي‏ (4)

و نابت رأسي الوفرات حتّى # تطأطأ، حنوة الرّجل الأميم‏ (5)

و تقترن القوارع في جناني، # قران النّبل في الغرض الرّجيم‏ (6)

أ أجزع إن حطمن حجاز أنفي، # و هنّ يقصن أعناق القروم‏ (7)

و ما لي لا أراع، و قد رمتني # يد الجلّى بقارعة التّميمي‏ (8)

أحنّ إليه، و اللّقيا ضمار، # حنين العود للوطن القديم‏ (9)

و أنشده، و أعلم أين أمسى، # مطالا للبلابل و الهموم‏

كأدماء القرا نشدت طلاها، # و ما وجدان جازية بغوم‏ (10)

____________

(1) الوذيلة: قطعة الفضة المجلوة.

(2) الخماشات: الجراح.

(3) العنت: المشقّة.

(4) أوعب الشي‏ء: أخذه بأجمعه-الأديم: الجلد.

(5) الأميم: الذي أصيب في أم رأسه.

(6) الغرض: الهدف-الرجيم: الشرير.

(7) يقصن: يكسرن-القروم: الأسياد الشجعان، جمع قرم.

(8) التميمي: إشارة إلى متمم بن نويرة التميمي، و القارعة هي المصيبة أي مقتل أخيه مالك، قتله خالد بن الوليد في حرب أهل الردّة.

(9) ضمار: لا ترجى عودتها-العود: المسن من الإبل.

(10) الأدماء: الظبية البيضاء-نشدت: طلبت-طلاها: ولدها-الجازية:

البقرة الوحشية-البغوم: التي تصيح لولدها بصوتها الرخيم.

282

تطيع اليأس ثمّ تعود وجدا # إليه، بالمقصّة و الشّميم‏ (1)

يعارضني بذكرك كلّ شي‏ء، # عداد الدّاء غبّ على السّليم‏

أجدّك أن ترى بعد ابن ليلى # طعانا بين رامة و الغميم‏ (2)

و لا نقعا يثور على مغير، # و لا بيتا يظلّ على مقيم‏

و لا لجّ الصّهيل مسوّمات # مججن دما على علك الشّكيم‏ (3)

جعلن ثياب بذلتها الدّياجي، # و قسطلها غمادا للنّجوم‏ (4)

و لا أسلا إسنّتها ظماء، # منعن منابت الكلإ العميم‏

و لا عودا من الأحساب يمسي # نقيّ اللّيط من عقد الوصوم‏ (5)

فكان كلبدة الضّرغام عزّا، # إذا ذلّ الموقّع للخصوم‏

إذا أرعى بأرض لم تجده # يشارك في الجمام و في الجميم‏

أ أرجو للحواضن كابن ليلى، # أحلت، إذا، على بطن عقيم‏

موتوا كراما

(المتقارب)

نظم الشريف هذه القصيدة في مدح الخليفة الطائع للّه، و يعاتبه على تأخير الإذن له في لقائه بمجلس خاص، و ذلك في سنة 379.

ضربن إلينا خدودا و ساما، # و قلن لنا: اليوم موتوا كراما

و لا تبركوا بمناخ الذّليل، # يرحّله الضّيم عاما، فعاما

____________

(1) المقصة، من قص أثره: تتبعه-الشميم: الشم.

(2) رامة و الغميم: موضعان.

(3) المسوّمات: الخيول المعلمة-الشكيم، جمع شكيمة: حديدة اللجام المعترضة في فم الفرس.

(4) البذلة: الثوب-الدياجي: الظلمات-القسطل: الغبار.

(5) الليط: قشر القصب-الوصوم: العقد في العود، جمع وصم.

283

إلى كم خضوع لريب الزّمان، # قعودا، ألا طال هذا مناما

و لا أنف تحمي لهذا الهوان، # و لا قلب يأنف هذا المقاما

فإن رابكم ما يقول النّصيح، # فسالوا القنا، و استشيروا الحساما (1)

و أدنوا العليق إلى المقربات، # تقل لكم ليس إلاّ اللّجاما (2)

تيقّظتم لدفاع الخطوب، # فلم تتركون الأعادي نياما

ألسنا بني البيض من هاشم # أعزّ جنابا و أوفى ذماما

و ما تفتلينا المنايا غلاما # يؤمّل إلاّ افتلينا غلاما (3)

لنا كلّ مغترب في العلا # ء لا يطرق الحيّ إلاّ لماما

و قد كان إن شمّ ضيما أبى، # فمن أين علّم هذا الشّماما

إلى الطّائع العدل أعملتهـ # نّ سوم القطا يدّرعن الظّلاما (4)

كأنّي أروع بها جنّة، # إذا التبست بالدّجى، أو نعاما (5)

يقول الرّفاق، إذا رجّعت # من الأين جرجرة أو بغاما (6)

لك اللّه جعجع بأنضائهنّ # تعفّ السّنام و تنق السّلامى‏ (7)

إلى أين خلفي أثني العنان، # إذا ما وجدت أمامي إماما

إذا ما أنخنا إلى ابن المطيع # حمدنا السّرى و أطلنا المقاما (8)

____________

(1) سالوا: اسألوا مسهّلة.

(2) المقربات: يقال فرس من مقربات الخيل أي التي يقرب مربطها و معلفها لكرامتها.

(3) تفتلينا، من افتلاه: عزله عن الرضاعة، فطمه.

(4) أعملتهن: سقتهن-السوم: السرعة-القطا، جمع قطاة: طائر كالحمام.

(5) الجنة: الجن.

(6) الأين: التعب-الجرجرة: صوت يردده البعير-البغام: من بغمت الناقة:

قطعت الحنين و لم تمده.

(7) جعجع: أنخ-الأنضاء، جمع نضو: المهزول-تعف، من عفاه: محاه -تنق، من نقى العظم: استخرج مخه.

(8) حمدنا السرى: شكرنا سير الليل الذي أوصلنا الى غايتنا. و في القول تذكير بالمثل: عند الصباح يحمد القوم السرى.

284

إمام ترى سلك آبائه، # بعيد الرّسول، إماما إماما

يعدّ لعليائه هاشما، # إذا ما الأذلاّء عدّوا هشاما

من الرّاكزين الرّماح الطّوا # ل، و الرّافعين العماد العظاما

إذا ما بنوا بيت أكرومة # أطالوا السّموك و مدّوا الدّعاما (1)

مع الشّمس قد فرشوه نجوما # من العزّ أو ظلّلوه غماما

كأنّك تلقى بدورا تضي‏ء، # إذا طلعوا، أو قروما تسامى‏ (2)

هم استيقظوا وحدهم للخطوب، # فقاموا بها، و أناموا الأناما

لهم نسب كاشتباك النّجوم # ترى للمناقب فيه ازدحاما

مضي‏ء كشعشعة المشرفيّ، # ينفي الظّلام، و يأبى الظّلاما (3)

يزرّ السّماح عليه الشّفوف، # و يلبسه العزّ بيضا و لاما (4)

عليه من المصطفى لامع # يميط الأذى و يجلّي القتاما (5)

إذا أنشئوا للعدا عارضا # أسال بواديهم، أو أغاما

و باتوا قد اكتحلوا بالطّعان، # و قد رجّلوا بالنّجيع الجماما (6)

و طارت بقلبهم المقربا # ت تركب أعقابهن القداما (7)

____________

(1) السموك، جمع سمك: السقف، أو من أعلى البيت إلى أسفله.

(2) قروم، جمع قرم: السيد العظيم.

(3) المشرفي: السيف، نسبة الى مشارف و هي مجموعة قرى في بلاد الشام -الظّلام: الظلم.

(4) الشفوف: الأثواب الرقيقة-البيض، جمع بيضة: الخوذة-اللام، جمع لأمة: درع.

(5) يميط: ينحّي، يبعد-القتام: الغبار.

(6) رجلوا: سرحوا-النجيع: الدم-الجمام، جمع جمة: مجتمع شعر الرأس.

(7) المقربات: يقال فرس من مقربات الخيل أي التي يقرب مربطها و معلفها لكرامتها.

غ

285

و قد طوّح الألمعيّ العنان # من الرّوع، و الأعوجيّ الحزاما (1)

كأنّ الرّماح بأعجازها، # يمانية تستهلّ الغماما (2)

شواح من الطّعن أفواهها، # كما جرّت النّاصحون الجلاما (3)

رموا في بيوتهم جمرة، # أطالوا القعود لها و القياما

إذا ذكروا الوتر حزّوا الرّقاب، # و إن ذكروا العفو جزّوا اللّماما (4)

علاؤك أعظم من أن يرام، # و مجدك أمنع من أن يضاما

و أنت المعظّم في هاشم، # إذا ما بدا بادءوه قياما

و أخلوا له معشبات العلا # ء يرعى الجميم و يسقى الجماما (5)

مشيت البراح، و راج الذّليـ # ل يوصد بابا، و يرخي قراما (6)

و ما كنتم، الدّهر، إلاّ الرّعاة، # و لا سائر الخلق إلاّ السّواما

حلفت بها كقسيّ النّبا # ع تحسب أعناقهنّ السّهاما

كحافلة المزن آنستها # مسمّحة في قياد النّعامى‏ (7)

و كلّ فنيق إلى ناقة # يساقطها زبدا، أو لغاما (8)

و كلّ ابن ليل على مقرم، # إذا ما ونى زاغ منه الزّماما (9)

____________

(1) الألمعي: الذكي، المتوقد الذهن، و هو هنا اسم فرس، و كذلك الأعوجي و كان لبني هلال.

(2) يمانية: بروق يمانية-تستهل: تستمطر.

(3) شواح أفواهها: فاتحات أفواهها-الناصحون: الخياطون-الجلام، جمع جلم: المقص.

(4) الوتر: الثأر، الظلم-اللمام، جمع لمة: الشعر المجاور للأذنين.

(5) الجميم: الكثير من كل شي‏ء-الجمام، جمع جم: معظم الماء.

(6) البراح: الأرض الواسعة-القرام: الستر الأحمر و الرقيق.

(7) النّعامى: ريح الجنوب.

(8) الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذى و لا يركب-اللغام: لعاب البعير.

(9) ابن ليل: مسافر ليلا-المقرم: البعير لا يحمل عليه و لا يذلل-زاغ:

جذب.

286

و للرّحل لحيان في دفّه، # إذا اجلوّذ اللّيل لاك السّناما (1)

يبيت كأنّ به أولقا، # من السّير، أو خابلا، أو عداما (2)

يؤدّي أشيعث جمّ الهموم، # حراما يزاول أرضا حراما

كنصل اليمانيّ أبلى القراب، # و ما أضمر الغمد منه كهاما (3)

يبيّن للمجد في وجهه # سفورا، و لم ينض عنه اللّثاما

و كبّ الهديّ لأذقانه، # يؤمّ به زمزما و المقاما (4)

تخال النّجيع لهذا صدارا، # إذا ما جرى، و لهذا زماما (5)

لأنتم أعزّ على مهجتي # من الماء ينقع منه الأواما (6)

و إنّي، و إن كنتم في البلا # د، أنأى ديارا و أبدى خياما

أ ليس أبوكم أبي، و العروق # تخلّط لحمي بكم و العظاما

نبتنا معا، فالتقينا عروقا، # بأرض العلى، و اختلطنا رغاما (7)

إذا عمّم المجد هاماتكم، # كفاني لوثا به و اعتماما (8)

لئن كان شخصي في غيركم، # فإنّ لقلبي فيكم مقاما

و إنّ لساني لكم و الثّناء، # و إنّ ولوعي بكم و الغراما

و كنت زمانا أذود الملوك # عن السّلك رقرقت فيه النّظاما

أريد الكرامة لا المكرمات؛ # و نيل العلى لا العطايا الجساما

____________

(1) اللحيان، مثنى لحي: عظم الحنك الذي عليه الأسنان-الدف: الجنب -اجلوّذ الليل: ذهب.

(2) الأولق: الجنون-الخابل: الجني-العدام: الفقر، الفقدان.

(3) الكهام: الكليل.

(4) كبّ: قلب، صرع-الهدي: ما يهدي إلى الحرم-يؤم: يقصد.

(5) النجيع: الدم-الصدار: ثوب يغطي الصدر.

(6) الأوام: العطش الشديد.

(7) الرغام: التراب.

(8) اللوث: عصب العمامة.

287

فحوزوا العقائل عن خاطري، # إلى م أماطل عنها إلى ما؟ (1)

لقد طال عتبي على ناظر # رأى بارقا غير دان، فشاما

إلى كم أجدّد وجدي بكم، # و أعلق منكم حبالا رماما (2)

أزيد معاقدها مرّة، # و تأبى العلائق إلاّ انجذاما (3)

و إنّي أعوذ بكم أن يعود # حبابي قلى، و ثنائي ملاما (4)

فهل صافق، فأبيع العرا # ق غير غبين و أشري الشّآما؟ (5)

إذا لم أزر مطلع المكرما # ت قد أخذ البدر فيه التّماما

فألبس عطفيّ ذاك الجلال، # و أورد عينيّ ذاك الهماما

فما أحفل الخطب من بعدها # إذا جلّ بل لا أبالي الحماما

أ تروي الغرائب من وردكم، # و ذودي على جانبيه يظامى‏ (6)

فلا تنكروا قلعة من فتى، # أقام على مطلكم ما أقاما (7)

سلام، إذا لم يكن لقية، # و إنّ يدا أن تردّوا السّلاما!

رب أخ‏

(الرجز)

ربّ أخ لي لم تلده أمّي، # ينفي الأذى عنّي، و يجلو همّي‏

و يصطلي دوني بالملمّ، # إذا دعيت اشتدّ ماضي العزم‏

كأنّ ما قال مناد باسمي‏

____________

(1) العقائل، جمع عقيلة: الكريمة المنحدرة.

(2) رمام، من رم الحبل رماما: بلي.

(3) مرّة: فتلا-انجذام: انقطاع.

(4) الحباب: الحب، و الحباب: المحبة-القلى: البغض.

(5) صافق: ضارب يده على يدي من أجل الدلالة على الاتفاق في عملية البيع.

(6) الذود: هو من الإبل من الثلاثة الى العشرة.

(7) القلعة: ما لا يدوم من المال.

غ

288

أشكو

(مجزوء السريع)

لا أشتكي ضرّي من الـ # نّاس، و هم من أعلم‏

إنّ إلها مسّ بالـ # ضّرّ جواد منعم‏

أشكو الّذي يرحمني # إلى الّذي لا يرحم‏

الغني الجبان‏

(الكامل)

قد يبلغ الرّجل الجبان بماله # ما ليس يبلغه الشّجاع المعدم‏

لا تخدعن عنه فربّ ضريبة # ينبو الحسام بها و يمضي الدّرهم‏

الحب الدخيل‏

(الطويل)

و لي كبد من حبّ ظمياء أصبحت # كذي الجرح ينكى بعد ما رقأ الدّم‏ (1)

أصاب الهوى قلبا بعيدا من الهوى، # و ما كلّ من يبغي السّلامة يسلم‏

أجمجم عن عوّاد قومي علّتي، # و حبّكم ذاك الدّخيل المجمجم‏ (2)

____________

(1) الظمياء من الشفاه: الذابلة في سمرة، و من العيون الرقيقة الأجفان- ينكى: يقشر قبل أن يبرأ-رقأ: خف، سكن.

(2) أجمجم: أخفي في صدري.

غ

289

أبا نزار

(الرجز)

أبا نزار تفسد القوم النّعم، # غفّلك الوجد، و زكّاني العدم‏ (1)

ترمّم المال، و بالعرض ثلم، # إنّي، إذا راحت على الحيّ النّعم‏

راح على بيتي الثّناء و الكرم، # لا سلم المال، إذا العرض سلم‏

قد كنت ناديتك، و الأمر أمم، # أما ترى خلف عقابيل الظّلم‏ (2)

لوث خمار الصّبح في رأس العلم؛ # نفسك إنّ الخيل بالقوم زيم‏ (3)

انج فعن لفتتك الرّمح الأصمّ، # ناشدتك اللّه و تحنان الرّحم‏

و قلت حد عن منهج غير لقم، # فلم تطعني، ربّ رأي متّهم‏ (4)

سمعك واع، و بعقلك الصّمم، # حتّى لقيت خطفة البازي الضّرم‏ (5)

أمّ الدّهيم حاملا بنت الرّقم، # أمرّها المقدار إمرار الوذم‏ (6)

أفلتّ منها بعد إنشاب القدم، # و بعد ما ضاق عليك المزدحم‏ (7)

منفلت الأظفور من شقّ الجلم، # أقسمت بالبيت الحرام و الحرم‏ (8)

و بالملبّين غدوا شعث اللّمم، # على رذايا من وجى و من سأم‏ (9)

____________

(1) غفّلك: صيّرك غافلا-الوجد: الغنى-زكاني: طهرني، أصلحني، جعلني زكيا أي ناميا طيبا-العدم: الفقر.

(2) أمم: قريب-خلف: مبنيّة على الضم لانقطاعها عن الاضافة-عقابيل:

شدائد.

(3) زيم: متفرقة.

(4) اللقم: معظم الطريق.

(5) الضّرم: الجائع.

(6) أم الدهيم: الداهية-الرقم: الداهية-أمرّها: فتلها-الوذم: السيور التي بين أذني الدلو.

(7) إنشاب: تعليق.

(8) الجلم: المقص، المقرض.

(9) اللمم: الشعر المجاور للأذنين-الوجى: الحفا.

290

يطلعن من أجبال رضوى و خيم # بها وقار بعد ما كان لمم‏ (1)

و ما جرى بالخيف من دمع و دم، # يوم يطير النّاس غربان الجمم‏ (2)

حيث ترى تلك المجالي و القمم، # يمسين غربانا، و يغدون رخم‏ (3)

و المستجار بعد ذا و الملتزم # تلقى به لأمم بعد أمم‏ (4)

مفترقا لا عن قلى و مصطدم # صكّ المجيل زلما بعد زلم‏ (5)

لأصدعن عرضك صدعا لا يلم، # عطّا كما عطّ الفزاريّ الأدم‏ (6)

دبيب نار القين طارت في الفحم، # أقرع فيه بشبا طعن و ذمّ‏ (7)

نهز الدّلاء تلتقي، و الماء جمّ، # ويل إذا، يوم النّطاح، للأجمّ‏ (8)

كم يلبث الأصل على ضرب القدم، # عرّضت منّي لبصير بالقيم‏ (9)

حامي الأوار منضج إذا وسم، # آسي الحفيظات، إذا الدّاء ألمّ‏

عاجل أدواء العروق، فحسم # حثحثة الذّئب عوى من القرم‏ (10)

آنس وهنا نسم ريح، فنسم، # ماض على اللّيل، إذا لم ير شمّ‏

من أسقم النّاس رموه بالسّقم، # و من رمي بالموقظات لم ينم‏

كم ضاف رحلي منكم طارق همّ، # بتّ له أخطم دائي و أزمّ‏

____________

(1) رضوى: اسم جبل-اللّمم: الجنون.

(2) الجمم: الشعر الطويل.

(3) الرخم، جمع رخمة: نوع من النسور.

(4) المستجار: طالب الحماية.

(5) قلى: بغض-المجيل: الذي يجيل و يوجّه سهام المسير-الزلم: السهم.

(6) العط: الشق-الفزاري: الذي يشق الثوب أو الجلد.

(7) القين: الحدّاد-الشبا، جمع شباة: إبرة العقرب.

(8) الأجم: الذي لا قرن له.

(9) القدم، جمع قدوم: آله للنجر.

(10) حسم الداء: قطعه-الحثحثة: الاضطراب-القرم: الجوع.

291

توجّس اللّيث استراب بالأجم، # أهدر عن شقشقة العود القطم‏ (1)

حتّى رميت، ربّ نبل عن كلم؛ # إنّ هموم القلب أعوان الهمم‏

قد يقدع المرء و إن كان ابن عمّ، # و يقطع العضو الكريم للألم‏ (2)

لألزمن، إن لم يغيّبك الرّجم، # لهزمتيك عاقرا من اللّجم‏ (3)

يسيل ذفراك دما، و ما ظلم # موارد الجهل مصادر النّدم‏ (4)

نفحة عار مثلها نفثة سمّ، # تشمّها بمارن غير أشمّ‏ (5)

إذا وعاها ضاحك القوم وجم، # يخافها، و ما جنى و لا جرم‏

خذها حروبا كأهاضيب الدّيم، # لا عزّ منّا اليوم من ألقى السّلم‏ (6)

إن كنت حرّا غير مغموز الشّيم، # فقل لنا من العبيد و القزم؟

جاءت به مخداجة غير متمّ، # لها الرّزايا، و لبطنها العقم‏ (7)

لا تنشر الداء

(الطويل)

و كم صاحب كالرّمح زاغت كعوبه، # أبى بعد طول الغمز أن يتقوّما (8)

تقبّلت منه ظاهرا متبلّجا، # و أدمج دوني باطنا متجهّما

____________

(1) الشقشقة: شي‏ء كالرئة يخرجه البعير من فمه إذا هاج-العود: المسن من الإبل-القطم: الهائج.

(2) يقدع: يكف.

(3) الرجم: القبر-اللهزمتان: عظمان ناتئان في اللحيين، تحت الأذنين.

(4) الذفرى: عظم نافر وراء الأذن.

(5) مارن: أنف-أشم: مرتفع.

(6) الأهاضيب، جمع أهضوبة: الدفعة من المطر-السلم: السلم، الاستسلام.

(7) المخداجة: التي ألقت ولدها قبل تمامه.

(8) الغمز: التليين.

292

فأبدى كروض الحزن رقّت فروعه، # و أضمر كاللّيل الخداريّ مظلما (1)

و لو أنّني كشفته عن ضميره # أقمت على ما بيننا اليوم مأتما

فلا باسطا بالسّوء، إن ساءني، يدا، # و لا فاغرا بالذّمّ، إن رابني، فما

كعضو رمت فيه اللّيالي بفادح، # و من حمل العضو الأليم تألّما

إذا أمر الطّبّ اللّبيب بقطعه، # أقول عسى ضنّا به، و لعلّما (2)

صبرت على إيلامه خوف نقصه، # و من لام من لا يرعوي كان ألوما

هي الكفّ مضّ تركها بعد دائها، # و إن قطعت شانت ذراعا و معصما

أراك على قلبي، و إن كنت عاصيا، # أعزّ من القلب المطيع و أكرما

حملتك حمل العين لجّ بها القذى، # و لا تنجلي يوما و لا تبلغ العمى‏

دع المرء مطويّا على ما ذممته، # و لا تنشر الدّاء العضال فتندما

إذا العضو لم يؤلمك إلاّ قطعته # على مضض لم تبق لحما، و لا دما

و من لم يوطّن للصّغير من الأذى، # تعرّض أن يلقى أجلّ و أعظما

يا عذولي‏

(الخفيف)

يا عذوليّ!قد غضضت جماحي، # فاذهبا حيث شئتما بزمامي‏

بعد لوثي عمامة الشّيب اختا # ل ببردي بطالة و عرام‏ (3)

خفّضت نزوة الشّباب، و حال الـ # همّ بين الحشا و بين الغرام‏ (4)

غالطوني عن المشيب، و قالوا: # لا ترع!إنّه جلاء الحسام‏

____________

(1) الحزن: موضع لبني يربوع كثير الرياض-الخداري: المظلم.

(2) الطّب: الطبيب.

(3) البطالة: التفرغ، عدم القيام بأي عمل-العرام: الأذى.

(4) نزوة: حماسة، طيش.

293

أيّها الصّبح زل ذميما فما أظ # لم يومي من بعد ذاك الظّلام‏

أرمضت شمسك المنيرة فود # يّ، فمن لي بظلّ ذاك الغمام‏ (1)

قلت: ما أمن من على الرّأس منه # صارم الجدّ في يد الأيّام‏

إنّ ذنبي إلى الغواني، بشيبي، # ذنب ذئب الغضا إلى الآرام‏ (2)

كنّ يبكين قبله من وداعي، # فبكاهنّ بعده من سلامي‏

أم المكارم‏

(الطويل)

تألّق نجديّ، كأنّ وميضه # قواعد رضوى أو مناكب ريم‏ (3)

أقول له، لمّا تفارط صوبه: # وراءك قد ألقحت كلّ عقيم‏ (4)

تبعّق حتّى خلت أنّ بعاقه، # على عدم الجدوى، أكفّ تميم‏ (5)

أتيتهم، و الجدب قد عضّد القرا، # و لا عهد للباغي النّدى بكريم‏ (6)

فما استحضروا العلاّت و هي كريمة، # و لا أطرقوا من روعة و وجوم‏

هم ضمنوا اللأواء، و الأزل راكد # على مقعد من عسرهم و مقيم‏ (7)

فما ولدت أمّ المكارم مثلهم، # كراما؛ و لم تغلط لهم بلئيم‏

____________

(1) أرمضت: أحرقت-الفودان: جانبا الرأس.

(2) الغضا، جمع غضاة: شجر ملتف-الآرام: الغزلان البيض، جمع رئم.

(3) رضوى: اسم جبل-ريم: اسم موضع.

(4) تفارط: نزل-صوبه: مطره.

(5) تبعّق: اندفع بقوة-البعاق: السيل.

(6) عضد: قطع-القرا: الظهر.

(7) اللأواء: الشدة.

غ

294

غرامي‏

(الطويل)

عطون بأعناق الظّباء، و أشرقت # وجوه عليها نضرة و نعيم‏ (1)

أمطن سجوفا عن خدود نقيّة # صفا بشر منها و رقّ أديم‏ (2)

شفوف على أجسادهنّ رقيقة، # و درّ على لبّاتهنّ نظيم‏ (3)

يجلن خلاخيل النّضار، و ملؤها # بواديّ غيل بينهنّ عميم‏ (4)

تأطّر أغصان الأراك أمالها، # و قد رقّ جلباب الظّلام، نسيم‏ (5)

غرامي جديد بالدّيار و أهلها، # و عهدي بهاتيك الطّلول قديم‏

يقولون: ما أبقيت للعين عبرة، # فقلت: جوى، لو تعلمون، أليم‏

أ يسمح جفني بالدّموع و أغتدي # ضنينا بها؟إنّي إذا للئيم‏

و لو بخلت عيني، إذا لعسفتها، # فكيف و دمع النّاظرين كريم‏ (6)

____________

(1) عطون: رفعن الرءوس و الأيدي.

(2) أمطن: نحين، أبعدن-السجوف، جمع سجف: الستر-البشر، جمع بشرة: ظاهر الجلد-أديم: جلد.

(3) اللبات، جمع لبة: موضع القلادة من الصدر.

(4) بوادي: ظاهرة-الغيل: الساعد الممتلئ-عميم: مجتمع، كثير.

(5) تأطّر: تثنّي.

(6) عسفتها: ظلمتها، أخذتها بالقوة.

غ

295

الخلافة بي يديك‏

(الكامل)

وضع الرضي هذه القصيدة في مدح الخليفة الطائع للّه، و فيها يشكره على ما أسداه إلى أبيه من الجميل عند دخوله إليه بعد عودته من فارس سنة 376.

هي سلوة ذهبت بكلّ غرام، # و الحبّ نهب تطاول الأيّام‏

و لقد نضحت من السّلوّ و برده # حرّ الجوى فبردت أيّ ضرام‏

من بعد ما أظمى الغليل جوانحي، # و أطال من ملل الزّلال أوامي‏ (1)

نشز الجنيب على ثنيّات الهوى، # و نجوت مرميّا إليّ زمامي‏ (2)

سلوان لا أعطي الجآذر لفتة، # أو نظرة إلاّ بعين لمام‏ (3)

نفض الصّبابة خاطري و جوانحي، # و أبى المذلّة منزلي و مقامي‏

و الحبّ داء يضمحلّ كأنّما # ترغو روازحه بغير لغام‏ (4)

لا يدّع العذّال نزع صبابتي، # بيدي حسرت عن الغرام لثامي‏

قد كانت الصّبوات تعسف مقودي، # فالآن سوف أطيل من إجمامي‏ (5)

هيهات يخفضني الزّمان، و إنّما # بيني و بين الذّلّ حدّ حسامي‏

لا أرتضي بالماء إلاّ جمّة، # و لربّ طافحة بغير جمام‏

____________

(1) الأوام: العطش الشديد.

(2) نشز: ارتفع-الجنيب: الغريب-الثنيّات: العقبات، المرتفعات، جمع ثنية.

(3) السلوان: النسيان-الجآذر: الغزلان، كناية عن النساء-لمام: من حين الى آخر.

(4) الروازح: الساقطات من التعب-اللغام: اللعاب.

(5) تعسف: تأخذ بقوة-الإجمام: البقاء من دون قيد.

غ

296

و أصدّ عن ماء القليب، و ماؤه # في حيّز الأكراب و الأوذام‏ (1)

و لقد لبست من القناعة جبّة # تضفو عليّ، و لا تبين لذام‏ (2)

كم ذلّل العدم العزيز، و عظّمت # نفحات هذا المال غير عظام‏

ما همّ من حرم الثّراء إذا سما، # و أحظّ من شرف و من إعظام‏

شحب الزّمان عليّ بعد غضارة، # و إذا نقضت فقد قضيت تمامي‏ (3)

و جرى الثّقاف على أوائل صعدتي، # فاقتصّ من طربي و فضل عرامي‏ (4)

عنّي إليك، فما الوصال بنافع # من لا يعذّب قلبه بغرام‏

ما كنت أسمح بالسّلام لمعرض، # و على أمير المؤمنين سلامي‏

ملك سما حتّى تحلّق في العلى، # و أذلّ عرنين الزّمان السّامي‏ (5)

يا ابن القماقم و الغطارفة الألى، # قمم العلى و دعائم الإسلام‏ (6)

الطّود أيّهم، و السّماء عريضة، # و اليوم أيوم، و القلمّس طام‏ (7)

سيماء مشتهر، و قلب مشيّع، # و أناة مقتدر، و رأي إمام‏ (8)

أمر الخلافة في يديك، و إنّما # هي عقبة تقضى بكلّ همام‏

____________

(1) القليب: البئر-الحيز: المكان-الاكراب: المل‏ء-الأوذام: السيور في أذني الدلو.

(2) تضفو: تطول-الذام: الذم.

(3) شحب: تغير لونه من هزال أو جوع-الغضارة: النعمة، الخصب.

(4) الصعدة: القناة المستوية، و كني بها عن جسمه و قامته-العرام: الشّدة، القوّة.

(5) العرنين: الأنف.

(6) القماقم، جمع قمقام: السيد الكثير الخير-الغطارفة: جمع غطريف:

السيد الشريف و السخي.

(7) الطود أيهم: الجبل صعب-أيوم: شديد-القلمّس: البحر-الطامي:

العالي.

(8) مشيّع: شجاع.

297

قد كان جدّك عصمة العرب الألى، # و الآن أنت لهم من الإعدام‏

حفظوا أياديك الجسام، و إنّما # وصّوا بحفظ الخيل و الأنعام‏

بالطّائع الهادي الإمام أطاعني # أملي، و سهّل لي الزّمان مرامي‏

من معشر ما فيهم إلاّ فتى، # أو جائد، أو ذائد، أو حام‏

قوم، إذا عزموا الغوار تراجعوا # يتقاسمون ضراغم الآجام‏ (1)

لا يستقرّ المال فوق أكفّهم، # كالسّيل يزلق عن ذرى الأعلام‏

البيت ذو العمد الطّوال يظلّهم، # بين القنا، و الحامل الهمهام‏ (2)

يفديك كلّ مزنّد و معرّد، # يوم الوغى، و مطاول و مسام‏ (3)

و مبخّل أعطى القليل، و ربّما # سمحت حروف التّاء للتّمتام‏ (4)

أثر النّدوب بصفحتيه و نحره، # لصفا مراد، أو سهام مرام‏

طلب الغنى لا للحباء، و لا النّدى، # ما كلّ عار جاء للإحرام‏

أ حسود ذي النّور المبين على العلى، # اربع على ظلع، و أنفك دام‏ (5)

إمّا تنازعه العلاء، فإنّه # قرم يخاطره بويزل عام‏ (6)

و لربّ قرن فات أطراف القنا، # حتّى أخذت عليه بالأقلام‏

و ولعت في جدّ الحديث و هزله، # ولع القواضب بالطّلى و الهام‏ (7)

في فيلق جمّ الذّوابل و الظّبى، # مثر من الإسراج و الإلجام‏ (8)

متدفّق القطرين يرجف نقعه، # بعصائب الرّايات و الأعلام‏ (9)

____________

(1) الغوار: الغارات.

(2) الهمهام: الأسد.

(3) المزنّد: البخيل-المعرّد: الهارب.

(4) التمتام: الذي يتردد في لفظ التاء.

(5) أربع على ظلع: تمكث و انتظر.

(6) قرم: سيّد شجاع-يخاطره: يباريه-بويزل، مصغر بازل: البعير برز نابه.

(7) القواضب: السيوف-الطلى: الأعناق.

(8) فيلق: جيش-الذوابل و الظبى: الرماح و السيوف.

(9) النقع: الغبار.

298

فكأنّه، و النّقع فوق رواقه، # سيل يساير مستطيل غمام‏

ما زلت تكشفه بمصقول القرا، # و الخيل بين مغيرة و صيام‏ (1)

قلقلت من أعطافه، فكأنّما # فجّرت ينبوعا على الأقدام‏

طرف يتيه على اللّجام تكبّرا، # فتكاد تركبه بغير لجام‏

و يد تصول على الحسام شجاعة، # فتكاد تبسطها بغير حسام‏

و الطّعن يرجع بالقنا، و صدورها # خطّاطة خلف الجياد دوام‏

حمر الكعوب، كأنّما ألوى بها # نضخ من الشيّان و العلاّم‏ (2)

إيها، و أنت حيا إلى أوطانه، # دفع الزّمان بمعرق و شآم‏

هذا الحسين، و قد جذبت بضبعه # جذبا يمرّ قرائن الأرحام‏

أعطيته محض المودّة و الهوى # و غرائب الإعزاز و الإكرام‏

و رددته بالقول ليس بخلّب # في عقبه، و الوعد غير جهام‏ (3)

متناولا طرف الفخار يجرّه، # و يقود مصعبه بغير زمام‏

لمّا رآك رأى النّبيّ محمّدا # في بردة الإجلال و الإعظام‏

و رأى بمجلسك المعرّق في العلى # حرم الرّجاء و قبّة الإسلام‏

أوسعت من خطواته في موقف # متغلغل بتضايق الأقدام‏

و رفعت ناظره إليك مسلّما # في أيّ أبّهة و أيّ مقام‏

و من القلوب سواكن و خوافق، # و من العيون غوامض و سوام‏

قرّبت من فمه أنامل راحة # معروفة بالنّقض و الإبرام‏

و خصصته بالبشر منك، و إنّما # بشر الإمام قرابة الإنعام‏

برّ الأقارب و الأباعد واجب، # و أحقّ بالنّعمى بنو الأعمام‏

لا تشمتنّ به الأعادي بعد ما # عرضوا من الأحقاد و الأوغام‏ (4)

____________

(1) القرا: الظهر-صيام: ممسكة عن السير.

(2) النضخ: أثر الطيب في الثوب-الشيان و العلاّم: من أنواع الطيب.

(3) الخلّب: الكاذب-الجهام: السحاب لا ماء فيه.

(4) الأوغام، جمع وغم: الحقد الثابت في الصدر.

299

هي قولة لا يستطاع رجوعها، # كالسّهم يخرج عن بنان الرّامي‏

و القول يعرض كالهلال، فإن مشى # فيه الفعال، فذاك بدر تمام‏

و لربّ فاعل فعلة لا تنثني، # لو رام رجعتها بكلّ مرام‏

و كذا الملوك تقوّضوا و استصعبوا # تقويض ما رفعوا من الآطام‏ (1)

و غدا سنان ابن المشلّل عاجزا # عن نقض ما عليّ من الأهرام‏

و كذاك عمرو ذو المعابل فاته، # بعد اضطراب النّزع، ردّ سهام‏ (2)

ويل لمغرور عصاك، فإنّه # متعرّض لمخالب الضّرغام‏

هيهات طاعتك النّجاة و حبّك الـ # تّقوى و شكرك أفضل الأقسام‏

فاسلم، أمير المؤمنين، لغبطة # معقودة بذوائب الأعوام‏

و تملّ أيّام البقاء، و لا تزل # تطغى بشكرك ألسن الأقوام‏

نفس يحرّمها الحمام مهابة، # ليس النّفوس على الرّدى بحرام‏

فاللّه يعلم أنّ نورك لم يزل # مستهزئا بالظّلم و الإظلام‏

و المجد يخبر عن فعالك أنّه # يدلي إليه بحرمة و ذمام‏

فاسمع، أمير المؤمنين، فإنّما الـ # أسماع أبواب إلى الأفهام‏

القول في الإطراء غير مبلّد، # و الشّكر للنّعماء غير عقام‏

جاءتك محصدة القوى حبّارة، # تستعبد الأرواح في الأجسام‏ (3)

من لي بإنشاديكها في موقف # أعتدّه شرفا مدى أيّامي‏

لا أدّعي فيه الغلوّ، و إنّما # يوفي على قلل الرّجال كلامي‏

____________

(1) تقوضوا: ذهبوا-التقويض: التهديم-الآطام: القصور، جمع أطم.

(2) ذو المعابل: ذو النصول العريضة.

(3) محصدة: محكمة الصنع-حبارة: سارة، من الحبور.

غ

300

أمير المؤمنين‏

(الوافر)

وضع الشريف الرضي هذه القصيدة في مدح الخليفة الطائع للّه.

أمير المؤمنين بثثت فينا # صنائع بعضها خطر عظيم‏

و ما اقتعد العلى إلاّ شجاع، # و لا بلغ المنى إلاّ كريم‏

لمثلك تحرز المال اللّيالي، # و أولى النّاس بالعدم اللّئيم‏

و أنت حميتنا من كلّ ضيم، # و قد ضربت على الطّمع الخصوم‏ (1)

أنفت بنا على قمم الأعادي، # و كاد الجدّ يدرك ما يروم‏

خلائق منك نعرفها يقينا، # و كلّ فتى بشيمته عليم‏

فداؤك كلّ منتحل المعالي، # يقطّع دونه النّسب الصّميم‏

بأخلاق كما دجت اللّيالي، # و أحساب كما نغل الأديم‏ (2)

و آخر هزّ عطفيه اغترارا # بحلمك يوم يفتقد الحليم‏

تبلّج فيه وسمك، و المطايا # تغلغل في حواركها الوسوم‏ (3)

و كم فوق البسيطة من شريف # أغرّ الوجه، شيمته بهيم‏

لك الجبل الممنّع إن تسامى # عدوّ لا ينام و لا ينيم‏

جذبت عن المطيع زمام عزّ # أطاع الوخد منه و الرّسيم‏ (4)

سما بك خير آباء، و لكن # مضوا طلقا، و مجدهم مقيم‏

دعوتك، يا إمام، و من ورائي # سفيه الرّأي يعذل، أو يلوم‏

____________

(1) ضريت: تعودت، أولعت.

(2) نغل: فسد-الأديم: الجلد.

(3) الوسم: الأثر، العلامة-تغلغل: تدخل-الحوارك: الكواهل، مفردها حارك.

(4) الوخد و الرسيم: ضربان من العدو.

301

و حسبي أن تعيش على اللّيالي # سليما، لا يطلّقك النّعيم‏

فإنّ العيش، ما جرّدت منه، # حمام، و الصّحيح به سقيم‏

رجوتك، و الرّجاء يمدّ باعي، # و أنت لكلّ مكرمة حميم‏

و إنّي، إن دعوتك للمعالي، # لأعلم أيّ بارقة أشيم‏

و قبلك ضاع حقّي في اللّيالي، # كما ضاع الغريب، أو اليتيم‏

و نعماء شقيت بها، و لكن # غدا حظّي من الرّيح السّموم‏

و من لي أن أراك، و لي مقام # بدارك لا أزول، و لا أريم‏ (1)

و ما لي لا أصول على الأعادي، # و أعلم أنّ دارك لي حريم‏

تداركني صنيعك، و الأماني # تفلّل من جوانبها الهموم‏

و لو لا ما أنلت مشت برحلي # نقيب الخفّ حليتها الكلوم‏ (2)

و إلطاف تساقط منك وهنا # عليّ، كما تهوّرت النّجوم‏ (3)

أعدت سواد أيّامي بياضا، # و أيّام الورى بيض و شيم‏ (4)

و قد عطفت عليّ بنات دهري، # كما عطفت على السّقب الرّءوم‏ (5)

و منك تولّت الأنواء ريّي، # و طبّق أرضي الكلأ العميم‏

فلا غرضت سنوك من اللّيالي، # و عمر عدوّ مجدك لا يدوم‏ (6)

تذوب على منازلك الغوادي، # و يركض في حدائقك النّسيم‏

____________

(1) رام المكان: برحه.

(2) نقيب الخف: رقيقته.

(3) وهنا: ليلا.

(4) الشيم: السود.

(5) السقب: ولد الناقة-الرءوم: الناقة التي تعطف على ولدها.

(6) غرضت: ضجرت، ملّت.

غ

302

غيث و ربيع‏

(الكامل)

هذه القصيدة المدحية وجهها الشاعر إلى الخليفة الطائع للّه سنة 380.

للّه ثمّ لك المحلّ الأعظم، # و إليك ينتسب العلاء الأقدم‏

و لك التّراث من النّبيّ محمّد، # و البيت و الحجر العظيم و زمزم‏

ما ناقلت ركب الرّكاب إلى منى، # و أراق من علق الدّماء الموسم‏

خطر من الدّنيا يجلّ و سورة # تعلو، و قدر زائد يتقدّم‏ (1)

تمضي الملوك و أنت طود ثابت، # ينجاب عنك متوّج و معمّم‏

ما ذاك إلاّ أنّ غربك منهم # أمضى، و أنّ علوّ مجدك أعظم‏

إنّ الخلافة مذ نهضت بعبئها، # هدأ الضّمير بها، و نام النّوّم‏

قد كان منبرها تضاءل خيفة، # و استلّ منه الهزبريّ الأعظم‏ (2)

حتّى تخمّط منك فوق سراته، # و الأرض راجفة، فنيق مقرم‏ (3)

للّه أيّ مقام دين قمته، # و الأمر مردود القضيّة مبرم‏

فكأنّما كنت النّبيّ مناجزا # بالقول أو بلسانه تتكلّم‏

أيّام طلّقها المطيع، و أوحشت، # مذ زال عن ذا الغاب ذاك الضّيغم‏

فمضى، و أعقب بعده متيقّظا # سجلاه بوسى في الزّمان و أنعم‏ (4)

كالغيث يخلفه الرّبيع، و بعضهم # كالنّار يخلفها الرّماد المظلم‏

لا تهتدي نوب الزّمان لدولة، # اللّه فيها و النّبيّ و أنتم‏

شرفا بني العبّاس مدّ رواقه # و على تساندها القنا و الأنجم‏

____________

(1) الخطر: الشرف-السورة: المنزلة.

(2) الهزبري، نسبة الى الهزبر: الأسد.

(3) تخمّط: اضطرب في مشيه-السراة: الظهر-المقرم: البعير الكريم.

(4) سجلاه، مثنى سجل: الدلو العظيمة.

303

كم مهمه لبست إليك ركابنا، # و الأرض برد بالمنون مسهّم‏ (1)

حتّى تراعفت المناسم و الذّرى، # فسواء الأعلى دما و المنسم‏ (2)

هنّ القسيّ من النّحول، فإن سما # طلب، فهنّ من النّجاء الأسهم‏

يضمنّ أمرا ما تضمّن مثله، # أيّام أيّام الجديل و شدقم‏ (3)

في حيث لا ورد العطاء مصرّد، # أبدا، و لا فعل الزّمان مذمّم‏ (4)

و أنا النّذير لمارق يمّمته # من ضوء نار، للطّغاة مضرّم‏

حمراء جاهلة الشّرار مهولة # للنّاظرين لها دخان أدهم‏ (5)

و ململم يرمي العدوّ بركنه، # ماض كفهر المنجنيق ململم‏ (6)

في معرك فقد التّكلّم تحته، # للرّوع، إلاّ أزمل و تغمغم‏ (7)

كثر الحديد به، فبعض يتّقي # كلم الطّعان بها و بعض يكلّم‏

من كلّ ضاحكة القتير كأنّها # برد أعاركه الشّجاع الأرقم‏ (8)

و طويل سالفة السّنان يئوده # خطل الكعوب و في الضّلوع يقوّم‏ (9)

و مرقرق الغربين، إلاّ كلفة # ممّا يطبّق دائما و يصمّم‏ (10)

في فتية ركبوا العلى من هاشم، # يرمون أقطار العدوّ كما رموا

____________

(1) المهمه: المفازة-مسهم: مخطط.

(2) تراعفت: نزفت.

(3) الجديل و شدقم: فحلان مشهوران.

(4) مصرّد: مقطع.

(5) أدهم: أسود.

(6) الفهر: الحجر-المنجنيق: آلة ترمى بها الحجارة في الحرب.

(7) الأزمل: الصوت المختلط.

(8) القتير: الدرع-الشجاع الأرقم: الحيّة المرقطة.

(9) الخطل: يقال رمح خطل أي طويل مضطرب.

(10) الغربين: الحدّين-الكلفة: الحمرة-يطبّق: يقطع و يبين ما في داخل الجسم.

304

يجري الحياء الغضّ في قسماتهم، # في حين يجري في أكفّهم الدّم‏

فإذا غضبت، فأنت أنت شجاعة # توفي على عضب الرّدى، و هم هم‏

بحمائل الملك الجليل مقلّد، # و بخاتم النّبإ العظيم مختّم‏

و عظمت قدرا أن يروقك مغنم، # أو أن يصرّ على بنانك درهم‏

هي راحة ما تستفيق من النّدى، # أبد الزّمان، و بدرة لا تختم‏

ملك تلاعب بالهوى عزماته، # بعدا به عمّا يقول اللّوّم‏

عال على نظر الزّمان مبرّأ # ممّا يمنّ به الزّمان و يثلم‏

بينا يضي‏ء على الزّمان، فينجلي، # حتّى يغير على الضّياء، فيظلم‏

النّفع و الإضرار شغل لسانه، # ليراش عاف، أو يضعضع مجرم‏ (1)

و يروح عنه وليّه و عدوّه: # هذا يزيد غنى، و هذا يعدم‏

فعلى المقارب مطلع متبلّج، # و على المجانب عارض متجهّم‏

في كلّ يوم خالع متأخّر # يردى، و جدّ غالب متقدّم‏

و فتوح أمصار تروح و تغتدي # عفوا إليك، و غيرها يتجشّم‏

لولاك لم يك مثلها ما يرتقى # علوا، و لم يك مثلها ما يغنم‏

ما كان يومي دون مدحك أنّني # صبّ بغير جلال وجهك مغرم‏

لكنّها نفس تصان لتنتضى، # و تجمّ من طول المقال، فتفعم‏ (2)

أنت العلى، فلقصدها ما أقتني # من جوهر، و لمدحها ما أنظم‏

ما حقّ مثلي أن يضاع، و قوله # باقي العماد على الزّمان مخيّم‏

و أجلّ ما أبقى الرّجال فضيلة # تمتاحها أذن، و يودقها فم‏ (3)

و أنا القريب قرابة معلومة، # و العرق يضرب و القرائب تلحم‏

إنّي لأرجو منك أن سيكون لي # يوم أغيظ به الأعادي أيوم‏ (4)

____________

(1) يراش: ينال خيرا-العافي: المحتاج، طالب المعروف.

(2) تنتضى: تسل، تجرّد-تجمّ: تترك-تفعم: تملأ.

(3) تمتاحها: تنتزعها، تفهمها-يودقها: يمطرها.

(4) أيوم: شديد.

غ