ديوان الشريف الرضي - ج2

- الشريف الرضي المزيد...
528 /
305

و أنال عندك رتبة مصقولة # إن عاين الأعداء رونقها عموا

إنّي، و إن ضرب الحجاب بطوده # أو حال دونك يذبل و يلملم‏ (1)

لأراك في مرآة جودك مثلما # يلقى العيان النّاظر المتوسّم‏

و لقد أطاعك من عليّ ناصح # ماضي الجنان، إذا أظلّك، مغرم‏

يرضيك ظاهره، و بين ضلوعه # قلب، بما يدني إليك، متيّم‏

فاشدد يديك به يدم لك ناقض # فيما يؤدّ من الأمور و مبرم‏ (2)

علما أقول بديهة و رويّة، # و يضلّ عندك قائل لا يعلم‏

شعرا أثير به العجاج بسالة، # كالطّعن يدمي، و القنا يتحطّم‏

و فصاحة، لو لا الحياء لهجّنت # أعلام ما قال الوليد و مسلم‏

و خطابة للسّمع في جنباتها # شغل يعوق عن الذي يترنّم‏

فعلى م يطلب غايتي متسرّعا، # غلق الجنان، أقول ما لا يفهم‏ (3)

هيهات أقعدك الحضيض مؤخّرا # عنّي، و جاورني السّها و المرزم‏ (4)

أزداد فكرا في الزّمان، فإصبعي # لنواجذي، أبد اللّيالي ترأم‏ (5)

و أرى الحليم ينال من إعراضه، # و يسلّ مقوله السّفيه، فيعظم‏

يقتاد مخشيّ الرّجال مراده # عفوا، و يظلم كلّ من لا يظلم‏

قلب يسيغ الحادثات، و عنده # عزم على نوب الزّمان مصمّم‏

يا دهر!دونك قد تماثل مدنف، # و اقتصّ مهتضم، و أورق معدم‏

إنّي عليك، إذا امتلأت حميّة، # بندى أمير المؤمنين محرّم‏

و مذ ادّرعت عطاءه و فناءه، # أرمي و يرميني الزّمان، فأسلم‏ (6)

و إذا الإمام أعار قلبي همّة، # فالأمر أمري، و المعاطس ترغم‏

____________

(1) يذبل و يلملم: جبلان على مرحلة من مكة المكرمة.

(2) يؤد: يثقل-مبرم: ضد النقض و الناقض.

(3) غلق الجنان: مغلق القلب.

(4) السها و المرزم: نجمان.

(5) ترأم: تألف و تلزم.

(6) أدرعت: لبست الدرع.

غ

306

مخوّل النعم‏

(مجزوء الكامل)

في هذه القصيدة يمدح الشاعر الملك بهاء الدولة، و قد كتبها إليه و هو بواسط في جمادى الآخرة سنة 388.

أ ترى ديار الحيّ بالـ # جزعين باقية الخيام‏

أم فرّقتهم خلفة الـ # أيّام، أو نجع الغمام‏ (1)

ما ذا على الرّكبان لو # حيّوا طلولك بالسّلام‏

أو بلّغوا عن واجد # لفّ الضّلوع على الغرام‏

دار وصلت بها الهوى، # و قطعت أقران الملام‏

و بلوت من سكر الشّبا # ب أجنّ من سكر المدام‏

أيّام أنظر في معا # طف شملتي نظر القطامي‏ (2)

و أروح قائد فتية # سود الغدائر و الجمام‏

سقيا لأزمان بها # كنت الملقّب بالغلام‏

قد قلت للرّكب الهجو # د على الأماعز و الإكام‏ (3)

هبّوا، فقد تتيقّظ الـ # أجداد للقوم النّيام‏

زمّوا المطيّ و أحلسوا # منها على الدّبر الدّوامي‏ (4)

و دعوا نواظرها من الـ # إرقال تعمى باللّغام‏ (5)

____________

(1) الخلفة: الاختلاف-النجع: تتبع الغيث بحثا عن الكلأ.

(2) شملتي: ما اشتمل به، ألتف به-القطامي: الصقر.

(3) الهجود: النيام-الأماعز، جمع معزاء: الأرض الغليظة.

(4) أحلسوا، من أحلس البعير: غطاه بالحلس و هو كساء على ظهر البعير تحت البرذعة-الدبر، جمع دبرة: قرحة الدابة.

(5) الارقال: السير السريع-اللغام: اللعاب.

307

حتّى تنيخوا في حمى # صعب المراقي و المرامي‏ (1)

ملك الملوك به يرا # وح بين عفو و انتقام‏

ما إن أبالي من ورا # ئي بعد أن يضحي أمامي‏

كاللّيث يقتنص الرّجا # ل و لا يغير على السّوام‏ (2)

يظمي الرّواء، إذا سطا، # و إذا سخا أروى الظّوامي‏

القائد الجرد العتا # ق يجلن في بيض و لام‏ (3)

من كلّ ذي خصل مرا # ح السّوط مكدود اللّجام‏ (4)

و مسوّم الرّايات يخـ # فق في الجماهير العظام‏

و مخوّل النّعم الجسا # م و نازع النّعم الجسام‏

إنّ الجياد على المرا # بط تشتكي طول الجمام‏ (5)

ترمي بأعينها إلى # البلد اليماني و الشّآم‏

يصهلن من شوق إلى # قطع المفاوز و الموامي‏ (6)

و مصرّة الآذان تر # قب وثبة بعد القيام‏

فاصدم بها ثغر العدا، # بجوانب اللّجب اللّهام‏ (7)

يحملن أسد الغاب قد # عقدوا الدّوابر باللّمام‏ (8)

مستلئمين بها كأ # نّ رءوسهم بيض النّعام‏ (9)

____________

(1) المراقي: السلالم، المصاعد.

(2) السوام: الإبل الراعية.

(3) الجرد: الخيول الأصيلة، و أراد الفرسان-لام، تخفيف لأم: دروع.

(4) الخصل: الشعر المجتمع-المراح، من الاراحة: المكدود، المتعب.

(5) الجمام: الراحة.

(6) الموامي، جمع موماة: المفازة الواسعة.

(7) اللهام: الجيش العظيم.

(8) اللمام، جمع لمة: الشعر المجاور للأذنين.

(9) مستلئمين: لابسي الدروع-بيض النعام: كناية عن الخوذ البيضاء.

308

من كلّ هفّاف القميـ # ص أشمّ معروق العظام‏ (1)

ماض كأنّ ذراعه # من قائم العضب الحسام‏

يغدون في فيح الفلا، # متجارحين من الزّحام‏ (2)

يتفيّئون عجاجة # كجاجئ الغيم الرّكام‏ (3)

حتّى تقود من المطا # لب كلّ ممنوع الزّمام‏

لا تغررنّك من عد # وّك رمية من غير رام‏

أشلى بها الضّرغام حـ # تّى هبّ من طيب المنام‏ (4)

هي عنده سبب الشّبا # ب، و عندنا سبب الفطام‏

أنّى يقرطس ذو العمى # غرض المرامي بالسّهام‏ (5)

هيهات أن تطأ الذّئا # ب مرابض اللّيث الهمام‏

أين النّجوم من الحصى؛ # أين النّضار من الرّغام‏ (6)

غلبت على كرم المعا # رق فيه أخلاق اللّئام‏

فذوت نضارته، و غصـ # نك دونه ريّان نام‏

طلب العلى خبطا، فضـ # لّ ضلال عاشية الظّلام‏

يحدو بها سفها، و قد # علقت يمينك بالخطام‏ (7)

يا كاشف الكرب الملـ # مّ، و كافي الدّاء العقام‏

بلّغت غايات المنى، # و ورثت أعمار الأنام‏

____________

(1) معروق العظام: كناية عن نحول الجسم.

(2) فيح الفلا: الأرض الواسعة.

(3) عجاجة: كتلة من الغبار-الجآجئ، جمع جؤجؤ: الصدر-الركام:

المتراكم.

(4) أشلى بها: دعا بها.

(5) يقرطس: يصيب.

(6) الرغام: التراب.

(7) الخطام: الزمام في أنف البعير.

309

فاسلم على غيظ الزّما # ن، و دم على رغم الحمام‏

و تهنّ بالتّحويل غيـ # ر محوّل عن ذا المقام‏

متملّيا بالعمر يعـ # طيك الرّدى عقد الذّمام‏ (1)

لا زلت تلبس كلّ عا # م واعد ببلوغ عام‏

لو كان شي‏ء دائما # بشّرت ملكك بالدّوام‏

الفطام‏

(مخلع البسيط)

و ليلة ما خلصت منها # إلى خفوق و لا منام‏ (2)

يفعل فيها ضياء وجهي # ما يفعل البدر في الظّلام‏

عفت بها الخمر، و هي تجلى، # و الكأس محطوطة اللّثام‏

و حاش للبدر، و هو وجهي، # يخطب شمسا من المدام‏

غيري من الخمر في رضاع، # أرغب عنه إلى الفطام‏

أبا هرم‏

(المتقارب)

أبا هرم أنحها، إنّني # سأمطرها عن قليل دما

و لا تشمخنّ بأنف الأبيّ، # فأولى لأنفك أن يرغما

و إنّك يوم تنزّى عليّ # و تبغي لي المؤيد الصّيلما (3)

____________

(1) الذمام: الحرمة.

(2) الخفوق: تحريك الرأس من النعاس.

(3) المؤيد: الأمر العظيم، الداهية-الصليم: الأمر الشديد.

310

كمن صارع الأسد المستغيـ # ر في الغاب، أو ساور الأرقما (1)

بدأت، فعقّبت في المعضلات، # و كنت أرى البادئ الأظلما

و ما كنت أرمي بسهم العقو # ق إلاّ امرأ صابني إذ رمى‏

قذفتك في التّيه من بعد ما # سلكت بك السّنن الأقوما (2)

و قد كان أشرق جوّي عليك، # و لكن لظلمك ما أظلما

فقف حيث أنت، فما كلّ من # بغى أن يطول و يسمو سما

و لا من تقدّم نال العلى # رخيصا، و لكنّ من قدّما

سأبعثها ظبة تختلي الـ # خصائل، أو تعرق الأعظما (3)

فدونكها قاصفا عاصفا، # من الشّرّ، أو عارضا مرزما (4)

قوارص تنثر نظم الدّروع، # و تستنزل البطل المعلما (5)

فمن كان يسقيك ريّ الجنى، # فإنّي سألعقك العلقما

و من كان يلقاك مستسلما، # فإنّي ألاقيك مستلئما (6)

أ تطمع؟

(الطويل)

أ تطمع أن ألقي إليك مقادتي، # و لي مارن ما مرّنته الخزائم‏ (7)

و تكثر بالأمر العظيم تهدّدي، # و منّي تنفضّ الأمور العظائم‏

و قد عجم الأقوام بعدك صعدتي، # فما أثّرت فيها النّيوب العواجم‏ (8)

____________

(1) الأرقم: الحيّة.

(2) السنن: الطريق.

(3) ظبة: سيف-تعرق الأعظم: تنزع عنها اللحم.

(4) العارض المرزم: الغيم الشديد الرعد.

(5) قوارص الكلام: المؤلم منه-المعلم: الذي عليه علامات الحرب.

(6) المستلئم: لابس اللأمة، الدرع.

(7) مارن: أنف-الخزائم، جمع خزامة: ما يوضع على جانب أنف البعير.

(8) عجم: عض بالأسنان لاختبار الصلابة-الصعدة: القناة المستوية.

غ

311

أ أبقى‏

(الطويل)

أ أبقى على نضو الهموم كأنّما # سقتني اللّيالي من عقابيلها سمّا (1)

و أكبر آمالي من الدّهر أنّني # أكون خليّا لا سرورا و لا همّا

أكرّ أحاديث المطامع ضلّة، # و ألقح من هذي المنى أبطنا عقما

فلا جامعا مالا، و لا مدركا على، # و لا محرزا أجرا، و لا طالبا علما

بأرجوحة بين الخصاصة و الغنى، # و منزلة بين الشّقاوة و النّعمى‏ (2)

أبا مطر

(الوافر)

أبا مطر، و جذمك من معدّ، # كذات العرّ في السّرح السّليم‏ (3)

سراة أديم هذا الحيّ فهر، # و بعض القوم زعنفة الأديم‏ (4)

قناة نحن أملسها، و أنتم # مكان العاب منها و الوصوم‏ (5)

و ما وضعتك حاضنة، و لكن # تمطّق فوك من لبن لئيم‏ (6)

إذا المنتاج لم ينجب فتاها، # فليس الفضل إلاّ للعقيم‏ (7)

____________

(1) عقابيلها: شدائدها.

(2) الخصاصة: الفقر.

(3) جذمك: أصلك-ذات العر: الناقة المصابة بالجرب-السرح: الماشية.

(4) الزعنفة: طرف الجلد كاليدين و الرجلين-الأديم: الجلد.

(5) العاب: العيب-الوصوم: العار.

(6) تمطق: تذوّق.

(7) المنتاج: الكثير النتاج.

غ

312

قالوا

(البسيط)

قالوا: رجوت النّدى منه بلا سبب، # فقلت: هل سبب أقوى من الكرم‏

وسيلتي، أنّه غيث، و لي ظمأ، # و إن ظمئنا توسّلنا إلى الدّيم‏ (1)

قرعت بابك لا أخشى تمنّعه، # فإن تمنّع لم أعذل و لم ألم‏

لم أرم بالظّنّ إلاّ من يصدّقه، # و لا توخيت إلاّ موضع النّعم‏

ما الذّنب للمزن جازتني مواطره، # و إنّما الذّنب للأرزاق و القسم‏ (2)

اذا أرعدوا

(الطويل)

إذا أرعدوا يوما لنا بوعيدهم، # على النّأي، أبرقنا لهم بالصّوارم‏

و يوما على الأهواز كانت جياده # تودّج في لبّاتها باللّهاذم‏ (3)

قضى وطرا منها الحمام، و ما اشتفى # حسامك فيه من قراع الجماجم‏

طود تصدع‏

(البسيط)

في كلّ يوم أنوف المجد تصطلم، # و تستزلّ لأركان العلى قدم‏ (4)

طود تصدّع من صمّاء شاهقة، # تنبو من العزّ عن أقطاره القدم‏ (5)

جوائف من جراح الدّهر بالغة # إلى القلوب، و لا يجري لهنّ دم‏ (6)

____________

(1) الديم: الغيم الماطر.

(2) المزن: المطر.

(3) اللهاذم، جمع لهذم: القاطع و النافذ من الأسنة.

(4) تصطلم: تستأصل، تقطع.

(5) القدم، جمع قدوم: آلة للنجر.

(6) جوائف، جمع جائفة: الطعنة تبلغ الجوف.

غ

313

الراكب المتلثّم‏

(الكامل)

و كأنّما أولى الصّباح، و قد بدا # فوق الطّويلع، راكب متلثّم‏

و أذاع بالظّلماء فتق واضح، # كالطّعنة النّجلاء يتبعها الدّم‏

ترحلنا الأيام‏

(الطويل)

ترحّلنا الأيّام، و هي تقيم، # و يجرح فينا الخطب، و هو سليم‏

و يبقى على ريب الزّمان لهنّه # على ذي اللّيالي هيّنا لكريم‏ (1)

بعثت بها

(الوافر)

بعثت بها معرّقة الهوادي، # وقعن إلى المدى وقع السّهام‏ (2)

فمن شهب كغرّان المساعي، # و من دهم كأخلاق اللّئام‏ (3)

____________

(1) لهنّه: لأنه.

(2) معرقة، من عرق العظم: نزع ما عليه من اللحم-الهوادي: الأعناق.

(3) غران، من أغر: الأبيض من كل شي‏ء.

غ

314

اعقل قلوصك‏

(البسيط)

أعقل قلوصك بالأجراع من إضم، # حيث استسيغ النّدى و استلفظ اللّوم‏ (1)

تلقى على الماء بيضا من بني ثعل، # ديباج أوجههم بالبشر مرقوم‏

عماد أبياتهم سمر الرّماح، و من # أطنابها الخيل تعطو و الأناعيم‏ (2)

كأن أيديها

(الرجز)

كأنّ أيديها بوادي الرّمام، # بين جفافي جندل أو أرام‏ (3)

أنامل الولدان يفلين الهام‏

سود النواظر

(المتقارب)

و سود النّواظر حمر الشّفا # ه، تحسبهنّ ولغن الدّما

قريب لألوانهنّ الشّقيـ # ق، مفتضح عندهنّ اللّمى‏

____________

(1) القلوص: الناقة الفتية-اللوم: اللؤم مسهّلة.

(2) تعطو: ترفع الرأس و اليدين-الأناعيم: جمع جمع للنعم، أي الإبل.

(3) الرمام: البقل-حفافي: جوانب-أرام: جبل.

غ

315

ربما رد عنك‏

(الخفيف)

ربّما ردّ عنك سهم المرامي، # عاكس من عوائق الأيّام‏

حابس الفيل بالمغمّس، و الأحـ # بوش يزجرنه قدام قدام‏ (1)

كل يوم‏

(الخفيف)

كلّ يوم يجبّ منّي سنام، # و تداعى لثلمي الأيّام‏ (2)

واقفا كلّ موقف تتهاوى # دونه، أو تزلزل الأقدام‏

اتقوا بذلة العيون‏

(الخفيف)

اتّقوا بذلة العيون، فغابوا، # و بآرائهم يربّ الأنام‏ (3)

إنّ من خاضت النّواظر فيه # لحر أن تخوضه الأقدام‏

____________

(1) المغمس: موضع على طريق الطائف-الأحبوش: جماعة أبرهة و هم، عند العرب، أصحاب الفيل، و الأحبوش كذلك هم الأحباش-قدام:

اسم فعل بمعنى: أقدم.

(2) يجب: يقطع-الثلم: الخلل، الشق.

(3) بذلة العيون: العيون المبتذلة البعيدة عن الحشمة-يرب: يساس.

غ

316

الجد يعلم‏

(الخفيف)

يعلم الجدّ أنّني لا أضام، # و مجيري من الزّمان همام‏

لحماني أغرّ، شيمته الكـ # رّ، و نصل حليّه الإحرام‏

ربّ قول نمي إليّ، و عزمي # غافل، و الهموم عنّي نيام‏

و تعرّفت قائليه، و لكن، # آه لو كان في يميني حسام‏

كيف تخدي إليهم الذّبّل السّمـ # ر، و تعدى عليهم الأقلام‏ (1)

دون أن أقبل المذلّة؛ للعـ # زّ إباء و نخوة و عرام‏ (2)

و طعان تندقّ فيه العوالي، # و ضراب يزوّر منه الحمام‏ (3)

لست أدري ما ذا يقول لساني، # و فمي للمقال فيه ازدحام‏

و كأنّ الحمام فينا جنيب، # يتبع العيش، و الزّمان زمام‏ (4)

فاصرف الهمّ، إنّما العيش يوم، # ودع القول إنّما الدّهر عام‏

أيّها العاجز المكدّر وردي، # ربّما عرّفتك تلك الجمام‏ (5)

فانتفق في الوجار، و اقعد ذليلا، # قد كفاك الجلّى رجال قيام‏ (6)

بيني و بين الصوارم‏

(المنسرح)

بيني و بين الصّوارم الهمم، # لا ساعد في الوغى و لا قدم‏

لا تسبريني بغرب عذلك لي، # فما لجرحي من النّدى أ لم‏ (7)

____________

(1) تخدي: تسرع-الذبل السمر: الرماح الليّنة.

(2) العرام: الحدّة و الشراسة.

(3) يزورّ: يميل، يتنحّى.

(4) جنيب: غريب.

(5) الجمام: معظم الماء.

(6) انتفق في الوجار: ادخله-الوجار: جحر الضبع-الجلّى: الأمور العظيمة.

(7) السبر: امتحان عمق الجرح-الغرب: حد كل شي‏ء.

غ

317

و خائف في حماي قلت له: # كلّ ديار وطئتها حرم‏

يعجبني كلّ حازم الرّأي لا # يطمع في قرع سنّه النّدم‏

إن قام خفّت به شمائله، # أو سار خفّت بوطئه القدم‏

و لا أحبّ الغلام متّهما، # يشقّ جلباب سرّه الكلم‏

صدر كصدر الحسام ليس له # سرّ بنضح الدّماء منكتم‏

صفّت نطاف المنى فقلت لها: # ما أجنت في ديارنا النّعم‏ (1)

تجري اللّيالي على حكومتنا، # و في الزّمان النّعيم و النّقم‏

تلعب بالنّائبات أنفسنا، # كأنّها في أكفّنا زلم‏ (2)

و ليلة خضتها على عجل، # و صبحها بالظّلام معتصم‏

تطلّع الفجر من جوانبها، # و انفلتت من عقالها الظّلم‏

كأنّما الدّجن، في تزاحمه، # خيل لها من بروقه لجم‏ (3)

ما زالت العيس تستهلّ بنا، # و اللّيل في غرّة الضّحى غمم‏ (4)

فاض على صبغة الظّلام بنا # شيب من الصّبح و الرّبى لمم‏ (5)

يا زهرة الغوطتين تبخل بالبشـ # ر، و ما مسّ أرضك العدم‏ (6)

كم فيك من مهجة معذّبة، # هجيرها بالنّسيم يلتطم‏ (7)

و من غصون، على ذوائبها # يزلق طلّ الرّياض و الدّيم‏

و فتية علّموا القنا كرما، # فأصبحت من ضيوفها الرّخم‏ (8)

____________

(1) أجنت: تغيّرت.

(2) الزلم: السهم.

(3) الدجن: الظلمة. يشبه تزاحم الظلمات بالخيل و البروق باللجم.

(4) لقد شبه سيلان الظلام على الأرض بسيلان الشعر على الجبهة و القفا، حتى يضيق.

(5) الربى: التلال-اللمم، جمع لمة: الشعر المجاور للأذنين.

(6) الغوطتان، مثنى غوطة: احداهما لبني بكر و الثانية بأرض طي.

(7) مهجة: نفس-هجيرها: حرها.

(8) الرخم، جمع رخمة: طائر من نوع النسور.

318

تكاد إن أشرفت جباههم # تضي‏ء منها الشّعور و اللّمم‏ (1)

و كيف يخفيهم الظّلام، و في # جحافل اللّيل منهم رتم‏ (2)

إنّ يمين الحسين تنصفني، # إن جار أعداؤها و إن ظلموا

لا يطمع الذّلّ في جوار فتى # تلمع فيه الصّوارم الخذم‏ (3)

يثبت في كفّه الحسام كما # يعثر في غير كفّه الكرم‏

إذا تخطّى عجاجة زحفا # آراؤه، و الرّماح تنهزم‏ (4)

تضحك عن وجهه غياهبها، # كأنّه بالهلال ملتثم‏

فشقّها و الحديد مطّرد، # و خاضها و الضّراب مضطرم‏

و استلّ أسيافه محرّشة، # فاستلبتها الرّقاب و القمم‏ (5)

إذا المذاكي باحت محازمها، # و اضطرمت في شدوقها اللّجم‏ (6)

وقّرها، و الرّماح طائشة، # و كفّها، و السّيوف تزدحم‏ (7)

إذا ذبول الشّفاه شمّرها # في الغمرات الحفاظ و السّأم‏ (8)

قلّص عن ثغره مضاحكه، # كأنّه في العبوس مبتسم‏

إذا خمار الظّلام لثّمه، # تساقطت عن قميصه التّهم‏

كأنّه من سرور يقظته، # بشّره بالمدائح الحلم‏

إذا استطالت همومه سكرت # في كفّه البيض و انتشى القلم‏

و إن سرى أسفرت صوارمه، # و التثمت بالحوافر الأكم‏

____________

(1) أشرفت: وردت في نسخة أخرى أشرقت.

(2) الرثم: بياض حول شفتي الجواد.

(3) الصوارم الخذم: السيوف القاطعة.

(4) عجاجة: كتلة الغبار.

(5) القمم: الرءوس.

(6) المذاكي: الخيول.

(7) وقّرها: حمّلها-طائشة: حائدة عن الهدف.

(8) شمرها: أرسلها-الغمرات: الشدائد-الحفاظ: الدفاع عن المحارم.

319

ما ضجّ من طول مطله أمل، # و لا اشتكته العهود و الذّمم‏

لو فطنت بالقرى سوائمه، # لما مشت تحت وفده النّعم‏ (1)

يعارض الخيل، في عرضنتها، # قرم إلى نهب لحمها قرم‏ (2)

واسع خرق الضّمير حيث سرى، # تبحبحت في مراده الهمم‏

كأنّما بيضه ضراغمة، # غمودها في الكتائب الأجم‏

لارتشف الخمر، و هو يلفظها، # لو انّ ما تضمر الكئوس دم‏

إنّ العدا عن غروبه طلعوا، # و بعد ما غار سيفه نجموا

ما ألموا للوعيد فيك شبا الـ # طّعن، و بعد المصائب الألم‏ (3)

يا مخرس الدّهر عن مقالته، # كلّ زمان عليك متّهم‏

شخصك، في وجه كلّ داجية # ضحى، و في كلّ مجهل علم‏

إلى أبي أحمد صدعت بها # قلب الدّجى و الضّمير يضطرم‏

بزّ زهيرا شعري، و ها أنا ذا # لم أرض في المجد أنّه هرم‏ (4)

ليلة غاب بدرها

(السريع)

لا عادت الكأس عليل النّسيم # بعدي، و لا فضّت ختام الهموم‏

في ليلة غاب معي بدرها، # و حاربتها في الظّلام النّجوم‏

لا سحب النّشوان من ذيله # فيها، و لا درّت عليها الكروم‏

____________

(1) القرى: الضيافة-السوائم و النعم: الإبل الراعية.

(2) العرضنة: المشية النشيطة-القرم: الفحل-القرم: شديد الشهوة الى اللحم.

(3) الشبا، جمع شباة: حد كل شي‏ء.

(4) بزّ: غلب-زهير: الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى.

320

غبت، و شوقي عندها حاضر، # شيّعه القلب وراء الحريم‏

جاء و جلباب الدّجى شاحب، # و عاد و الجوّ صقيل الأديم‏ (1)

لو أنّ قلبي مطلق في الحشا، # جرى إليها في عنان النّسيم‏

يا ليلة تكسر ألحاظها، # كأنّها مكحولة بالغيوم‏

كم ليلة مثلك أنضيتها، # و الرّاح تزجى من إزار النّديم‏ (2)

يكاد من حسن، إذا زرتها، # تحدث برءا في الهلال السّقيم‏

في مجلس قوّم أعطافه، # تقارب الوصل و قرب النّعيم‏

يجلو عليّ الكأس من خدرها # أبيض سامي الفرع نامي الأروم‏ (3)

تعلّق الحسن بأطرافه، # فمال، و الأغصان لا تستقيم‏

موقّر الشّيمة إن جاذبت # مقاله، يوم الجدال، الخصوم‏

في حيث تنزو عذبات الحبا # بالقوم، حتّى تستطير الحلوم‏ (4)

يقرضني الودّ على نأيه، # و عند قرب الدّار نعم الحميم‏

حلّأني الأعداء عن ورده، # و بي إلى الماء نزاع مقيم‏ (5)

أذاد أن أرفل في أرضه، # و يرتعي ذاك الجناب العميم‏ (6)

إن دفعوا ظمئي، فيا ربّما # ذادت عن الماء الحقاق القروم‏ (7)

____________

(1) الأديم: السماء، ما يظهر من السماء و الأرض.

(2) أنضيتها: أبليتها-تزجى: تدفع، و قد وردت: ترخى.

(3) الأروم: الأصول.

(4) تنزو: تثب-عذبات، جمع عذبة: الطرف من كل شي‏ء-الحبا، جمع حبوة: ما يحتبى به-الحلوم: العقول.

(5) حلأني: أبعدني-ورده: شربه.

(6) أذاد: أمنع-أرفل: أجر ذيلي تبخترا-الجناب: الفناء-العميم: الكثير.

أي كثير من الناس يرتعون ذلك الفناء و هو ممنوع.

(7) ذادت: منعت-الحقاق: هو من الإبل ما طعن في السنة الرابعة- القروم، جمع قرم: البعير المكرم لا يحمل و لا يذلل.

321

من بعد ما مدّت حيازيمهم # على قلوب داميات الكلوم‏ (1)

في كلّ يوم تنتضى منهم # قوارص تعقر حلم الحليم‏ (2)

أحيت شآبيب الحيا منزلا # مات لنا فيه الزّمان القديم‏ (3)

أيّام يغدو الرّوض مستبشرا، # و نجتلي تلك الرّبى و الرّسوم‏

كم صبغ الدّهر قميص الثّرى، # و عاد رقّ الأرض ضاحي الوشوم‏ (4)

و الدّهر في أبياتنا جؤذر، # فالآن أضحى و هو ليث شتيم‏ (5)

أيّام نزجي من مواعيدنا # ضراغما تفرس عدم العديم‏

تنظر في أثناء أوطاننا، # لقاح جود للرّجاء العقيم‏

لي في حواشي البرق أنس، فلا # أدري أ أغضي دونه أم أشيم‏

أخاف من سطوة شؤبوبه، # و بيننا من دجنه هضب ريم‏ (6)

أجفو مغانيه، و ما بيننا # لا يغضب النّاقة فيه الرّسيم‏ (7)

و كنت لا أبرح أوطانه، # مطنّبا بين الضّحى و الصّريم‏ (8)

أسلب في الجري إلى ربعه، # سنطلة الذّئب و شأو الظّليم‏ (9)

يا دين قلبي لك من لوعة، # تعاود القلب عداد السّليم‏ (10)

قل لغريمي بديون الهوى: # يا حبّذا منك مطال الغريم‏

ذممت دهرا لم يزل صرفه # يطرقني؛ وفد الفعال الذّميم‏ (11)

____________

(1) الحيازيم، جمع حيزوم: ما استدار من الظهر و البطن-الكلوم: الجروح.

(2) القوارص: الكلام المؤلم.

(3) شآبيب الحيا: دفعات المطر.

(4) الوشوم: أراد به النبات على التشبيه بالوشم-الضاحي: الظاهر.

(5) الجؤذر: ولد البقر الوحشية-الليث الشتيم: الأسد العابس.

(6) الشؤبوب: الدفعة من المطر-دجنة: ظلامه-هضب ريم: مطر دائم.

(7) المغاني، جمع مغنى: المنزل-الرسيم: ضرب من العدو.

(8) مطنّبا: مقيما-الصريم: الليل.

(9) السنطلة: الطول-الشأو: الغاية-الظليم: ذكر النعام.

(10) الدين: الداء.

(11) يطرقني: يأتيني ليلا.

322

أرى الأسى إن جلّ خطب الأسى # أسمح من طبع العزاء اللّئيم‏

و القرب في الودّ، على نأينا، # أحسن من قرب العدا بالجسوم‏

أكرم ودّي دون خطّابه، # أن يصل الحبل بغير الكريم‏

بنو عامر

(الطويل)

بني عامر ما العزّ إلاّ لقادر # على السّيف لا تخطو إليه المظالم‏

ضجيع الهوينا يغلب الخصم رأيه، # و أكبر سلطان الرّجال الخصائم‏

أرى إبل العوّام تحدى على الطّوى، # و تأكل حوذان الطّريق المناسم‏ (1)

و تظمى على الإغذاذ أشداق خيله، # و تشرب من أفواههنّ الشّكائم‏ (2)

يحاول أمرا يرمق الموت دونه، # لقد زلّ عنه ما تروم المراوم‏

أقام يرى شمّ النّسيم غنيمة، # و لا بدّ يوما أن تردّ الغنائم‏

و تعجبه غرّ البروق يشيمها # سراعا، إذا مرّت عليها الغمائم‏

أمسّح عرنين الظّلام بعرعر، # و من دونه خدّ من اللّيل ساهم‏ (3)

و لي بين أخفاف المراسيل حاجة، # ستصحب، و الأيّام بيض نواعم‏ (4)

تحاربني في كلّ شرق و مغرب، # و أكبر ظنّي أنّها لا تسالم‏

____________

(1) العوّام: الإبل السريعة-الطوى: الجوع-الحوذان: نبات زهره أحمر تحبّه الإبل-المناسم، جمع منسم: خف البعير.

(2) الإغذاذ، من أغذ السير: أسرع-الشكائم، جمع شكيمة: الحديدة المعترضة في فم الفرس.

(3) عرنين الظلام: أنف الظلام، كناية عن أواخره-عرعر: اسم موضع- ساهم: متغير.

(4) المراسيل: النياق السهلة الركوب-ستصحب: ستنقاد، من أصحب.

323

أقول، إذا سالت مع اللّيل رفقة # تقاذفها حتّى الصّباح المخارم‏ (1)

دعي جنبات الواديين، فدونها # أشمّ طويل السّاعدين ضبارم‏ (2)

إذا همّ لم تقعد به عزماته؛ # و إن ثار لا تعيا عليه المطاعم‏

كأنّ على شدقيه ثغرا وراءه # ذوابل من أنيابه و صوارم‏

فما جذب الأقران منه فريسة، # و لا عاد يوما أنفه و هو راغم‏

يرى راكب الظّلماء في مستقرّة، # و تستنّ منه في العرين الغماغم‏ (3)

نمرّ وراء اللّيل نكتمه السّرى، # و قد فضحتنا بالبغام الرّواسم‏ (4)

له كلّ يوم غارة في عدوّه، # تشاركه فيها النّسور القشاعم‏ (5)

كأنّ المنايا إن توسّد باعه، # تيقّظ في أنيابه، و هو نائم‏

و ما اللّيث إلاّ من يدلّ بنفسه، # و يمضي، إذا ما بادهته العظائم‏

و ما كلّ ليث يغنم القوم زاده، # إذا خفقت تحت الظّلام الضّراغم‏

شوق الى الآرام‏

(الكامل)

وضع الشريف هذه القصيدة في مدح والده، و أنفذها إليه قبل دخوله بغداد بأيام على يد أصحابه.

شوق يعرّض لا إلى الآرام، # و جوى يخادعني عن الأحلام‏

و مقيل صبر شذّبته يد الهوى، # في غير ما طرب و لا استغرام‏ (6)

____________

(1) المخارم، جمع مخرم: الطريق في الجبل.

(2) أشم: عالي الأنف و الرأس-ضبارم: أسد.

(3) راكب الظلماء: المسافر-العرين: مأوى الأسد-الغماغم، جمع غمغمة:

أصوات.

(4) السّرى: السير ليلا-البغام، من بغمت الناقة: إذا قطعت صوت الحنين و لم تمدّه-الرواسم: الإبل تسير الرسيم: ضرب من العدو.

(5) القشاعم: المسنّة.

(6) شذبته: فرّقته.

324

بل في انتزاع المجد من سكناته # بمطالب تسطو على الأيّام‏

و مناقب تبقى، و يفنى أهلها، # إذ كلّ عيش فرصة لحمام‏

لعذرت من في المجد يمرض فكره، # و تكنّ فيه بواطن الآلام‏

يا راكبا تخدي به عيرانة # سرح تشقّ جلابب الآكام‏ (1)

خوصاء تحسب عينها ماويّة، # نظرت بها الفلوات شخص غمام‏ (2)

جار كأنّ ربابه متعلّم # شيم الرّياح الهوج في الإقدام‏ (3)

أقر السّلام فتى تخاوص هيبة # عنه عيون تحيّتي و سلامي‏ (4)

سيف صقيل أغمدته عداته، # فاستلّ، و هو، من الأعادي، دام‏

ما ضرّه من أن يشام و ما اقتنى # صدأ يشبّه نصله بكهام‏ (5)

إن غبت عنّا فالقلوب حواضر، # في حيث أنت، نوازع الأوهام‏

و نفوسنا مرضى تشبّث منكم # بثنا يطهّرها من الأسقام‏

يا أيّها ذا النّدب دعوة مدنف، # علقت ضمائره بكلّ غرام‏ (6)

لمّا ذكرتك عاد قلبي شوقه، # فبكين عنه مدامع الأقلام‏

خلّفتني زرعا، فطلت، و إنّما # ذاك الغرار نمي إلى الصّمصام‏ (7)

كم مدحة لي في علاك، كأنّما # تفترّ عن خلق الغمام الهامي‏

أكدت عليّ الأرض من أطرافها، # و تدرّعت بمدارع الإظلام‏ (8)

و عهدتها خضراء كيف لقيتها # أبصرت فيها مسرحا لسوامي‏ (9)

____________

(1) العيرانة: الناقة النشيطة-السرح: السريعة.

(2) خوصاء: صغيرة العينين، و هي صفة مستحبة في النياق-ماوية: مرآة.

(3) الرباب: السحاب الأبيض-الهوج، جمع هوجاء: الريح العاتية.

(4) تخاوص، تتخاوص: تغض.

(5) يشام: يغمد-الكهام: الكليل.

(6) الندب: السريع إلى الفضائل.

(7) زرعا: ولدا، و مراعاة لزرع قال: طلت أي نموت.

(8) أكدت: أجدبت.

(9) سوامي: إبلي الراعية.

325

أشكو، و أكتم بعض ما أنا واجد، # فأعاف أن أشكو من الإعدام‏

و إذا ظفرت من المناقب بالمنى # أهونت بالأرزاق و الأقسام‏

جاءتك تحدوها يدا ذي فاقة، # و هي السّفين له إلى الإنعام‏

فاعرف له ما متّ من شعري به، # فلقد أتاك بحرمة و ذمام‏ (1)

هو الدهر

(المتقارب)

هو الدّهر فينا خليع اللّجام، # فطورا يغير، و طورا يحامي‏

و إنّي أروّعه بالودا # ع، حتّى يخادعني بالسّلام‏

فمن عرف العيش خبّت به # عزائمه في طريق الحمام‏ (2)

أريد من الدّهر حظّ الجبا # ن، لا قدر حظّ الشّجاع الهمام‏

فأيّ منى لم يسمها نوالي، # و أيّ على لم يطأها اعتزامي‏ (3)

قطعت مفازة هذا الرّجاء، # و لكنّ جدّي بعيد المرام‏

أخفّض عزمي عن رتبة، # أبلّغها بالحظوظ السّوامي‏

لعا لمناي، و إن لم تصب، # فما عثرت برجاء اللّئام‏ (4)

و ما احتشمت من يديّ النّصو # ل، إلاّ مهزّة نصل كهام‏ (5)

أ ما عانقتني صدور السّيوف، # أ ما قبّلتني نصول السّهام‏

أ لم يشرب الصّبر قلبي، و لا انـ # ثنى مرحا، و العوالي ظوامي‏

____________

(1) متّ: أقام علاقة.

(2) خبّت: أسرعت-الحمام: الموت.

(3) يسمها، من سام السلعة: طلب ابتياعها.

(4) لعا: كلمة تقال للعاثر يدعى له بها لينتعش.

(5) كهام: كليل، لا يقطع.

326

أ لم أسر في ليلها، و العجا # ج يلحم بين الرّعيل اللّهام‏ (1)

أكلّل بالطّعن يوم النّزال # خدودا تشفّ لغير اللّطام‏ (2)

إذا عصفر الخوف ماء الوجوه، # رآها من الدّم حمر الوسام‏

عدوّي أقع على ذلّة، # فكم زلّ من أخمص عن مقامي‏ (3)

شمخت عليّ بأنف رأيـ # ت معطسه داميا من زمامي‏

و أصبحت تعطو بعين الأبيّ، # و ذفراك مقروحة من لجامي‏ (4)

تروم ابتزازي فضلي، و ذاك، # إذا، فكّ أطواق ورق الحمام‏

أ ما يحلم الدّهر في فتية، # أماتوا الملام بجهل المدام‏

عقار يلاحظ منها الكئو # س أفواهنا بجفون دوام‏ (5)

و أيّامنا من خمار الشّباب # نشاوى تجرّ ذيول العرام‏ (6)

أعيذك من خجلات الهوى، # إذا رمقته عيون الملام‏

و أن يرشف الهجر ماء الوصال؛ # و أن يهتك العذر سجف الذّمام‏ (7)

منحتك صدق وداد يتوق # إلى رنقه كلّ هذا الأنام‏ (8)

و كم ليلة قبل أثكلتها # و أثكلتها فيّ طيف المنام‏

إلى أن بدا فجرها مسفرا، # يمزّق عنها فضول اللّثام‏

تخادعنا نفحات النّسيم، # إذا عبقت بحواشي الظّلام‏

____________

(1) العجاج: الغبار-الرعيل: القطعة من الخيل-اللهام: العدد الكثير و الجيش العظيم.

(2) تشف: ترق.

(3) أقع: فعل أمر بمعنى ارتد إلى الوراء-أخمص: باطن القدم.

(4) تعطو: تتطاول-الذفرى: العظم النافر وراء الأذن.

(5) عقار: خمر.

(6) الخمار: ألم الرأس من جراء السكر، استعيرت للإشارة الى طيش الشباب -العرام: الأذى.

(7) السجف: الستر-الذمام: الحرمة.

(8) الرنق: الحسن و البهاء.

غ

327

و قد شملته شفوف الشّمال، # و رصّع قطريه قطر الرّهام‏ (1)

تثور إليه سوام اللّحاظ، # و تسرح من حسنه في مسام‏ (2)

و لو وجد الزّهر وجدي عليك # لاصفرّ فيه خدود الثّغام‏ (3)

ذعرت الهموم بخطّارة، # تسيل بها في قلوب الإكام‏ (4)

تلثّم منسمها بالدّماء، # إذا ما اطمأنّ، بقرع السّلام‏ (5)

خلطت بمنسمها في الثرى # على الرّكض ميسم أيدي النّعام‏ (6)

و أنكحت أخفافها سيرها # لعزم ولود و أمر عقام‏

تخايل بين غريريّة # زوافر تكسو الثّرى باللّغام‏ (7)

و ماء وردت على كورها، # و عرّجت عنه قتيل الأوام‏ (8)

مريض المشارع ممّا تريق # عليه الرّياح دموع الغمام‏ (9)

يخيّل لي أنّ نجم السّما # ء يرعد في صفو تلك الجمام‏ (10)

و طفل الدّجى في حجور البلا # د يطعم بالفجر مرّ الفطام‏ (11)

تزاحم أنجمه للأفو # ل، و البدر في إثر ذاك الزّحام‏

____________

(1) الشفوف: الثياب الرقيقة-الرهام: المطر الخفيف.

(2) السوام (في الأصل) : الإبل الراعية-المسامي: المراعي.

(3) الثغام: شجر أبيض الزهر، جمع ثغامة.

(4) الخطارة: الناقة التي تخطر في سيرها.

(5) السلام: الحجارة.

(6) الميسم: الأثر.

(7) تخايل، تتخايل: تتبختر-الغريرية: الإبل المنسوبة إلى غرير و هو فحل -الزوافر: التي تزفر من ثقل الحمل-اللغام: اللعاب.

(8) كورها: حملها-الأوام: العطش الشديد.

(9) المشارع، جمع مشرعة: مورد الشرب.

(10) الجمام: معظم الماء، جمع جم.

(11) طفل الدجى: أول الليل، و قد عمد إلى مراعاة النظير بين طفل و يطعم و الفطام.

328

و يهماء بالقيظ محجوبة # تطالعنا في هبوب السّهام‏ (1)

تعقّل شارد وهج الهجير # في جوّها بخيوط السّهام‏ (2)

و بكر من القطر حتّى كأنّ # ما افتضّها غير غيم جهام‏ (3)

مماطلة ركبها بالورو # د إلاّ إذا حان ورد القطامي‏ (4)

قطعت، و كالئتي همّة، # إذا أسمع الرّعب قالت: صمام‏ (5)

و ملتهب السّرد عاري الرّما # ح مرتعد البيض دامي الحوامي‏ (6)

قليل حيا الرّمح عند الطّعان، # وقور الجواد سفيه الحسام‏

تطرّز شمس الضّحى بيضه، # إذا انفرجت عنه سجف القتام‏ (7)

إذا سار، فالشّمس مستورة # و وجه الثّرى بارز الحدّ دام‏

حللت حبى نقعه بالطّرا # د لمّا احتبى فرسي بالحزام‏ (8)

و إنّي شقيق الوغى و النّدى، # رضيع لبان المعالي الجسام‏

إذا مضر ظلّلتني القنا، # و سالت قبائلها من أمامي‏

لبست بها جنّة لا يفـ # ضّ مسرودها بنبال المرامي‏ (9)

____________

(1) اليهماء: الفلاة-السهام: الحر، حر السموم و وهج الصيف.

(2) السّهام: أشعة الشمس.

(3) الجهام: الغيم لا مطر فيه.

(4) القطامي: الصقر.

(5) كالئتي: حافظتي-صمام: اسم فعل بمعنى تصاموا في السكوت.

(6) السرد: الدروع-البيض: السيوف-الحوامي: حوافر الخيل.

(7) السجف: الستار-القتام: الغبار.

(8) الحبى، جمع حبوة: ما يحتبى به، ما يلبس من عمامة أو غيرها-النقع:

الغبار.

(9) الجنّة: الترس-مسرودها: حلقاتها.

غ

329

يا بني جشم‏

(مجزوء الوافر)

لأمر يا بني جشم # حبست الماء في الأدم‏ (1)

و قلقلت الجياد دوا # مي الأشداق باللّجم‏

و أزعجت القطا الوسنا # ن بالمخطومة الرّسم‏ (2)

تفلّت في الدّياجي عن # عقال الأين و السّأم‏ (3)

و تقرو كلّ مجهلة، # بلا نضد و لا علم‏ (4)

و كم ليل رقدت به # خليّا من يد السّقم‏

و نار بتّ أرمقها # كليّ الرّيح بالعلم‏ (5)

ألمت بها، و موقدها # شفاء الدّاء من ألمي‏

و أين ضرامها ممّا # بأحشائي من الضّرم‏

قرير العين بالأحبا # ب أرعى روضة الحلم‏

و إمّا أن يراني العز # م بين ضمائر الخيم‏

و إمّا شاردا في البيد # حشو حيازم الظّلم‏ (6)

فدى عزمي و صدقي كـ # لّ معتزم و متّهم‏

و كلّ مشيّع يصبو # إلى المأثورة الخذم‏ (7)

____________

(1) الأدم: وعاء من جلد.

(2) القطا، جمع قطاة: طير يشبه الحمام-المخطومة: الناقة التي تقاد من خطمها-الرسم: حسن السير.

(3) الأين: التعب.

(4) تقرو: تقصد، تتبع-نضد: حجارة تنصب في المجاهل لإرشاد المسافر -العلم: ما ينصب في الطريق ليهتدى به.

(5) العلم: الراية.

(6) الحيازم، جمع حيزوم: وسط الصدر.

(7) المشيّع: الشجاع-المأثورة: السيوف-الخذم: القاطعة.

330

إذا بعد الكلام دنت # عليّ مسافة الكلم‏

و لي خلقان ما صلحا # لغير السّيف و القلم‏

و أيّ خميلة شرقت # على الأيّام من شيمي‏ (1)

أزاهير ترفّع عن # قبول مواهب الدّيم‏ (2)

نسيم نشره عبق # يجرّ سوالف النّعم‏

أنا ابن البيض، و البيـ # ض الظّبى، و الخيل و النّعم‏ (3)

و كلّ مطهّم تنبو # حوافره من الأكم‏ (4)

و كلّ مثقّف يحتـ # لّ حيث مواطن الهمم‏ (5)

و كلّ مهنّد يستـ # نّ في الأعناق و القمم‏

و كلّ أغرّ قد شرقت # خلائقه من الكرم‏ (6)

ضروب حيث تعثر شفـ # رة الصّمصام باللّمم‏ (7)

و طعّان، إذا ما النّقـ # ـع عصفر ثوبه بدم‏

و قومي الضّامنون الأمـ # ن إن هجموا على حرم‏

إذا ما خائف غلبت # عليه سطوة العدم‏

قروه بعد ما عقدوا # عليه تمائم الذّمم‏ (8)

إلى أن تكشف المكتو # م عن خدّاعة التّهم‏

و أصبح من أسرّ الغـ # يّ معتذرا من الجرم‏

____________

(1) الخميلة: الموضع الكثير الشجر.

(2) الديم: المطر.

(3) الظبى: السيوف-النعم: الإبل الراعية.

(4) المطهّم: الجواد التام الصفات.

(5) المثقّف: الرمح المقوّم.

(6) شرقت: زهت.

(7) اللمم، جمع لمة: الشعر المجاور للأذنين.

(8) قروه: أطعموه-التمائم، جمع تميمة: العوذة، ما يعلق في عنق الصبي لردّ العين.

331

و صارت غاية المغتـ # رّ جانحة إلى النّدم‏

و صرّح كلّ قول عن # غرور الحلف و القسم‏

أمانيّ استركّت كـ # لّ صبّار على الألم‏ (1)

كفاك بأنّ عرضك من # طروق العار في ذممي‏

و ذلك عصمة منّي # بحبل غير منجذم‏ (2)

و حسبك أن يفلّ شبا # ة هجوك أشعر الأمم‏ (3)

صل اليأس‏

(المتقارب)

أ ما آن للدّمع أن يستجمّ، # و لا للبلابل أن لا تلمّ؟ (4)

فتلهو عزائمنا بالخطوب، # و تهزأ أجفاننا بالحلم‏

فإنّا بنو الدّهر ما نستفيـ # ق من نشوة الهمّ حتّى نهمّ‏

و لا نصحب اللّيل حتّى نخال # كواكبه في الفيافي بهم‏ (5)

و لا بدّ من زلّة للفتى # تعرّفه كيف قدر النّعم‏

فحسن العلى بعد حال الخضوع، # و طيب الغنى بعد حال العدم‏

أ أرجو المعالي بغير الطّلاب، # و من أين يحلم من لم ينم‏

إذا صال بالجهل قلب الجهو # ل فاعذر فما كلّ جهل لمم‏ (6)

رأى الدّهر يعصف بالفاضلين، # فحبّ من النّقض أن يغتنم‏

____________

(1) استركت: استضعفت.

(2) غير منجذم: غير منقطع.

(3) شباة حد.

(4) يستجم: يجتمع-البلابل: الوساوس و الهموم-تلم: تأتي.

(5) البهم، جمع بهمة: أولاد الضأن و المعز و البقر.

(6) لمم: جنون.

332

ستقبرني الطّير كيلا أكون # سواء و أمواته في الرّجم‏ (1)

أذمّ رجالا بترك المديح، # و بعض السّكوت عن المدح ذمّ‏

صل اليأس و انهض بعب‏ء الخطوب، # فما يثقل الظّهر إلاّ الهرم‏

و لا تهجر العزم عند المشيب، # فليس عجيبا بهمّ يهمّ‏

و منّي في ثوب هذا الزّما # ن عضب، إذا ما سطا أو عزم‏

و ما حلية البيض صوغ اللّجين، # و لكن حلاها دماء القمم‏ (2)

أمرخي ذؤابة ذاك الهجير # على منكبي مجهل أو علم‏ (3)

أرحنا نرح و ترات المطيّ، # فإنّ بها ما بنا من ألم‏ (4)

و يا أهيفا رمقته العيون، # و رفّت عليه قلوب الأمم‏

تضرّم خدّاه حتّى عجبت # لعارضه كيف لم يضطرم‏

لئن لم تجد طائعا بالنّوال، # لقد جاد عنك الخيال الملمّ‏

و مثلك ظالمة المقلتين # تلاقى الجمال عليها و تمّ‏

لها في الحشا حافز كلّما # جرى الدّمع دلّ عليه و نمّ‏

أقول لها، و القنا شرّع، # و يرغم من قومها من رغم‏

لنا دون خدرك نجوى الزّفير، # و مجرى الدّموع و شكوى الألم‏

و إلاّ فقرع صدور القنا، # و وقع الظّبى و صليل اللّجم‏

و نقبلها كذئاب الرّدا # ه، تمري علالتهنّ الجذم‏ (5)

دفعن على غفلات الظّنو # ن يمضغن مضغ العليق الحكم‏ (6)

____________

(1) الرجم: القبر.

(2) البيض: السيوف-القمم: الرءوس.

(3) مجهل: مفازة-العلم: ما ينصب في الطريق ليهتدى به.

(4) الوترات، جمع وترة: عظم رخص في أعلى الأذن، حرف المنخر، عصبة تحت اللسان.

(5) الرداه، جمع ردهة: الحفرة في أعلى الجبل-تمري: تستخرج-العلالة:

جري الفرس-الجذم: السياط المتقطعة الأطراف.

(6) الحكم، جمع حكمة: ما أحاط بحنك الجواد من لجامه.

333

إلى أن تلطّمهنّ النّسا # ء بالخمر دون طريق الحرم‏

أجب أيّها الرّبع تسآلنا، # فلست على بعدهم متّهم‏

فكيف، و أنت مريض الطّلول، # ضجيع البلا، و نجيّ السّقم‏

كأنّك لم يعتنقك النّسيم، # و لا مال نحوك قطر بفم‏

و لا نشرت فيك تلك الرّياح # غدائر من مزنة أو جمم‏ (1)

تنثّر فيك سحاب الحيا، # فطوّق جيدك لمّا انتظم‏ (2)

و درّت عليك ثديّ الغمام، # كأنّ رباك سقاب الدّيم‏ (3)

ثرى يرمق الغيث عن مقلة # بها رمد من رماد الحمم‏ (4)

و من أين تعرفك اليعملا # ت، و الدّمع في خدّها مزدحم‏ (5)

و لكن أحسّت بأعطانها، # و أوطانها في اللّيالي القدم‏ (6)

أحنّ إليك، و تأبى المطيّ # بخدّ ترابك أن يلتطم‏

و خرق تدافعه المقربا # ت خوفا و تنفر منه الرّسم‏ (7)

تجلّلت فيه رداء الظّلام، # و سرت، و حاشيتاه الهمم‏

على كلّ خطّارة لم تزل # تجاذبنا السّير، حتّى انفصم‏ (8)

خرقنا مع الشّمس تلك الفلاة، # و جبنا مع اللّيل تلك الأكم‏

صلينا بجمرة ذاك الهجير، # و عدنا بفحمة هذي العتم‏

____________

(1) الغدائر: الذوائب-الجمم، جمع جمة: مجتمع شعر الرأس.

(2) الحيا: المطر.

(3) السقاب: أولاد النياق ساعة تولد، جمع سقب.

(4) الحمم: الفحم و كل ما يحترق.

(5) اليعملات: النياق.

(6) الأعطان: مبرك الإبل.

(7) الخرق: الفلاة الواسعة-المقربات: الخيل التي يقرب مربطها و معلفها لكرامتها-الرسم: ضرب من السير.

(8) خطّارة: ناقة تخطر في سيرها.

334

كأنّ مناسمها في السّرى # تلاعب بين الحصى بالزّلم‏ (1)

و مال النّهار بأخفافها، # إلى أدعج بالدّجى مدلهمّ‏ (2)

زحمن بنا اللّيل في ثوبه، # فكادت مناكبه تنحطم‏

نعانق بيضا كأنّ الصّدا # بأطرافها شحبة، أو غمم‏ (3)

و قد لمعت من حواشي الغمود # كما نصلت أنمل من عنم‏ (4)

و قلّص عنّا قميص الظّلام، # فكان بأنف الدّياجي شمم‏

و يوم يرفّ عليه الرّدى # بأجنحة المصلتات الخذم‏ (5)

متى انسلّ لحظ ذكاء به، # فأجفانه قادمات الرّخم‏ (6)

عليّ طعان يردّ الجوا # د بالدّم ألمى مكان الرّثم‏ (7)

و أيد تجيل قداح الرّماح، # و باع المعرّد عنها برم‏ (8)

قلوب كأسد الشّرى الضّاريات، # و أحشاؤهم دونها كالأجم‏

فما ترشف الماء إلاّ اعتلالا؛ # و لا تجرع الماء إلاّ قرم‏ (9)

إذا حسروا قال سيف الحمام؛ # و أعطافه علقا تنسجم‏ (10)

____________

(1) المناسم، جمع منسم: خف البعير-الزلم: الظلف أو السهم الذي لا ريش له.

(2) أدعج: أسود-مدلهم: مظلم.

(3) الشحبة، من الشحوب: تغير اللون-الغمم: سيلان شعر الرأس.

(4) العنم: شجرة لها ثمرة حمراء يشبّه بها البنان المخضوب.

(5) المصلتات: السيوف المجردة-الخذم: القاطعة.

(6) ذكاء: اسم علم للشمس-القادمات: الريش في مقدم جناح الطائر- الرخم، جمع رخمة: طائر كبير من نوع النسر.

(7) ألمى: مسود الشفة-الرثم: بياض في الرأس.

(8) المعرّد: الهارب-البرم: الذي لا يحضر الميسر لبخله و لؤمه.

(9) قرم: الشهوة إلى أكل اللحم، و قد استعارها للشهوة إلى الماء.

(10) قال سيف الحمام: تكلم-أعطافه: أعطاف السيف-العلق: الدم- تنسجم: تنصب.

335

أ للطّعن تهتك هذي النّحور، # و للضّرب تكشف هذي القمم‏

إذا صحبوا الدّم في الباترات، # فلا صحبوا ماءهم في الأدم‏

مضوا ما طوى العذل من جودهم # و لا أتبعوا المال عضّ النّدم‏

و سالت لمجدهم غرّة، # تكاد تكون حجال القدم‏

قد استحيت السّمر من طعنهم، # فكادت لإفراطه تحتشم‏

هو الطّعن يفترّ منه الجواد، # و لو كان ذا مرح لابتسم‏ (1)

ردي أحمر الماء، قبّ الجياد، # فأبيض غدرانه للنّعم‏ (2)

غناء ظبانا عويل النّساء، # و قرع قنانا لطام اللّمم‏ (3)

أ ليس أبونا أعزّ الورى # جنابا، و أكرم خالا و عمّ‏

كأنّك تلقى به السّمهريّ، # إذا مدّ يوم وغى، أو أتم‏ (4)

يقدّ، إذا ما نبا العاجزون، # و ضرب الظّبى غير ضرب القدم‏ (5)

أسرّة كفّيه عمر الزّمان، # جداول ماء الرّدى و الكرم‏

فإمّا تفيض بغمر النّوال # على المعتفين، و إمّا بدم‏ (6)

تعوّذ من خوفه العاصفات، # إذا عصفت في حماه الأشمّ‏

و كان، إذا رام خدع العلى، # تقنّصها، و العوالي خطم‏ (7)

يقي كلّ شي‏ء، فلو يستطيـ # ع غدا لخدود الأعادي لثم‏ (8)

____________

(1) يفتر: يبتسم-المرح: النشاط. أي أنه عبوس لشدة الطعن لأنه لو كان مرحا لكان مبتسما.

(2) قب: ضامرة-النعم: الإبل الراعية.

(3) الظبى، جمع ظبة: حد السيف، اللمم، جمع لمة: الشعر المجاور للأذنين.

(4) السمهري: الرمح.

(5) يقد: يقطع-القدم، جمع قدوم: آلة للنجر.

(6) الغمر: الكثير-المعتفين: المحتاجين.

(7) تقنصها: تصيدها-العوالي: الرماح-الخطم، جمع خطام: الزمام.

(8) لثم: جمع لثام.

336

و يرضى، إذا قيل يا ابن النّجاد، # و يدعو الجياد بنات الحزم‏ (1)

فتى لو أذمّ على صبحه # لما جاز في الضّوء أمر الظّلم‏ (2)

و أهيف، إن زعزعته البنا # ن أمطر في الطّرس ليلا أحمّ‏ (3)

يشيب، إذا حذّفته المدى، # و تخضب لمّته لا هرم‏ (4)

و تنطف عن فمه ريقة # سويداء تقتل من غير سمّ‏

له شفتان، فلو كانتا # لسانا لما بان عنه الكلم‏

و ربّتما ظنّها الخائفون # لسان فم الأرقم ابن الرّقم‏ (5)

له سبتة بين لهبي صفا، # يقولون نام، و لمّا ينم‏ (6)

و أنت ابنة الفكر قابلتنا # بعقد لجيد العلى منتظم‏

تروقين أسماعنا في النّشيد، # كأنّك من كلّ لفظ نغم‏

خبر من الغور

(الطويل)

ألا خبر عن جانب الغور وارد، # ترامى به أيدي المطيّ الرّواسم‏ (7)

و إنّي لأرجو خطوة لوذعيّة، # تجيب بنا داعي العلى و المكارم‏ (8)

____________

(1) النجاد: حمائل السيف.

(2) أذم: أخذ له على الذمة أي الأمان و العهد.

(3) الأهيف: السيف-أحم: أسود.

(4) حذفته: قطعت أطرافه-المدى: الشفرات، جمع مدية.

(5) الأرقم: الحيّة الخبيثة-الرقم: الداهية.

(6) السبتة: النومة-اللهب: الفرجة بين جبلين-الصفا: الحجارة، جمع صفاة.

(7) الرواسم: ضرب من السير.

(8) لوذعية: ذكية، خفيفة.

غ

337

نداوي بها من زفرة الشّوق أنفسا # تطلّع ما بين اللّهى و الحيازم‏ (1)

و إنّي، على ما يوجب الدّهر للفتى، # و لو سامه حمل الأمور العظائم‏

مقيم بأطراف الثّنايا، صبابة، # أسائل عن أظعانكم كلّ قادم‏

و أرقب خفّاق النّسيم، إذا حدا # من الغرب أعناق الرّياح الهواجم‏

بنات السّرى، هذا الذي كان قلبه # يسومك أن تصلي بنار العزائم‏

و من كلّ وضّاح الحسام مشمّرا # إذا شحبت فينا وجوه المظالم‏

يمسّح أضغان العدوّ، و إنّما # يقبّل ثغرا من ثغور الأراقم‏ (2)

إذا شهد الحرب العوان تدافعت # صدور المواضي في الطّلى و الجماجم‏ (3)

و عفّر فرسان العدا، و دماؤهم # جوامد ما بين اللّحى و العمائم‏ (4)

حدا فقده كلّ العيون إلى البكا، # فقطّع أرسان الدّموع السّواجم‏

و ما خطرت منه على المجد زلّة، # فيقرع في آثارها سنّ نادم‏

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة # ألاطم أعناق الرّبى بالمناسم‏

و هل تقذف البيداء رحلي إليكم، # تنفّس عن ليلي أنوف المخارم‏ (5)

و لا بدّ أن ألقى العدا في خميلة # من الخيل تولى بالقنا و الصّوارم‏ (6)

____________

(1) اللهى، جمع لهاة: اللحمة المشرفة على الحلق-الحيازم، جمع حيزوم:

الصدر.

(2) الأراقم: الحيّات الخبيثة.

(3) الحرب العوان: التي قوتل فيها مرة بعد مرة-الطلى: الأعناق.

____________

(4) عفّر: مرّغ بالتراب.

(5) المخارم: أنوف الجبال، الطريق الوعر، أوائل الليل.

(6) الخميلة: الشجر الكثيف.

غ

338

لولاك‏

(الطويل)

ألا ليت أذيال الغيوث السّواجم # تجرّ على تلك الرّبى و المعالم‏

و لولاك ما استسقيت مزنا لمنزل، # فأحمل فيه منّة للغمائم‏

و يا ربّ أرض قد قطعت تشقّ بي # جيوب الملا أيدي المطيّ الرّواسم‏ (1)

و ليل طويل الباع قصّرت طوله # إليك، و قد ألقى يدا في المخارم‏ (2)

و عيس خطت عرض الفلا بر حالنا # تزعزع في الأعناق رقش التّمائم‏ (3)

إذا فاح ريعان النّسيم رأيتها # إلى الجانب الغربيّ عوج الخياشم‏

يسير بها مستنجد بعصابة # أناملها ملويّة بالقوائم‏

تباري نجوم اللّيل بالبيض و القنا # و ضوء بدور هامها في العمائم‏

حقيق بأن لا يهتك الدّهر ثوبه؛ # عن العار كأس من عجاج الملاحم‏ (4)

فأين من الدّهر استماع ظلامتي، # إذا نظرت أيّامه في المظالم‏

فهل نافعي أن ينصر المجد عزمتي # على هذه العلياء، و المال ظالمي‏

أنا الأسد الماضي على كلّ فعلة، # تمشّي شفار البيض فوق الجماجم‏

و في مثلها أرضيت عن عزمي المنى، # و صافحت أطراف القنا و الصّوارم‏

و لم أدر أنّ الدّهر يخفض أهله، # إذا سكنت فيهم نفوس الضّراغم‏

و ما العيش إلاّ فرحة إن هجرتها # سطوت على الدّنيا بسطوة حازم‏

سأصبر حتّى يعلم الصّبر أنّني # ملكت به دفع الخطوب الهواجم‏

و آخذ ثاري من زمان تعرّضت # مغارمه بيني و بين المغانم‏

____________

(1) الرواسم، من رسمت الإبل رسيما: ضرب من السير-الملا: الصحراء.

(2) المخارم: أوائل الليل.

(3) عيس: نياق-تزعزع: تحرّك-الرقش: المزينة-التمائم، جمع تميمة:

ما يعلق في الأعناق لطرد العين.

(4) العجاج: الغبار-الملاحم: المواقع الهائلة.

339

و ما نام إغضاء عن الدّهر صارمي، # و لكنّني أبقي على غير راحم‏

و إن أنا أهلكت الزّمان فما الذي # يصدّع عزمي في صدور العظائم‏

و ركب سروا، و اللّيل ملق جرانه # على كلّ مغبرّ المطالع قاتم‏ (1)

حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها، # فصار سراهم في صدور العزائم‏

تريهم نجوم اللّيل ما يبتغونه # على عاتق الشّعرى و هام النّعائم‏ (2)

و غطّى على الأرض الدّجى فكأنّنا # نفتّش عن أعلامها بالمناسم‏

و فتية صدق من قريش، إذا انتدوا # أروك عطاء المال ضربة لازم‏ (3)

إذا طردوا في معرك المجد قصّفوا # رماح العطايا في صدور المكارم‏

و إن سحبوا خرصانهم لكريهة # تصدّع صدر الأرض عن قلب واجم‏ (4)

و تثبت في عليا معدّ غصونهم، # ثبات بنان في قلوب البراجم‏ (5)

أ يسمح لي هذا الزّمان بصاحب # طويل نجاد السّيف من آل هاشم‏ (6)

إذا أنا شيّعت الحسام بكفّه # مضى عزم مشبوح الذّراع ضبارم‏ (7)

و إن ضافه الهمّ النّزيع رمى بها # نزائع لا يعلفن غير الشّكائم‏ (8)

و لست بمستصف سوى كلّ خائض # إلى كلّ بحر بالقنا متلاطم‏

أنامله في الحرب عشر أسنّة، # و لكنّها في الجود عشر غمائم‏

____________

(1) سروا: مشوا ليلا-جرانه: أثقاله.

(2) الشعرى: كوكب، و هما شعريان: الشعرى العبور و الشعرى العميصاء- النعائم: من أماكن القمر.

(3) انتدوا: سئلوا الندى.

(4) الخرصان: الأسنة-الواجم: الممسك عن الكلام لحزنه.

(5) البراجم: مفاصل الأصابع.

(6) طويل نجاد السيف: كناية عن طول القامة.

(7) مشبوح الذراع ضبارم: الأسد العظيم الجسيم.

(8) النزائع: النجائب من الإبل-الشكائم، جمع شكيمة: حديدة اللجام المعترضة في فم الجواد.

340

طموح، إذا غضّ الشّجاع لحاظه، # و أطرق عن برق الظّبى كلّ شائم‏

أعاذل ما سمعي للومك مرتعا، # إذا كان مصروفا إلى غير لائم‏

أبثّك عن ليل تعسّفت متنه # كأنّي أمشي في متون الأراقم‏ (1)

يخيّل لي أنّ النّجوم ضمائر # تقلقل فيه خشية من عزائمي‏

لقيت ظلام اللّيل في لون مفرقي، # و فارقته و الصّبح في لون صارمي‏

أجوّب آجام المنايا، و أسدها # تروّعني من بينها بالهماهم‏

و بيني و بين القوم من آل يعرب # ضغائن تثنيني زهيد المطاعم‏ (2)

إذا ما جنوا من مالهم ثمر العلى، # جنيت المعالي من غصون اللّهاذم‏ (3)

أغرّ بني فهر وعيد مجاشع، # و أيّ وعيد بعد وقع الصّوارم‏

أ يوعدنا من عطّل البيض و القنا، # و أقسم لا ينجو بغير الهزائم‏

عشيّة خضنا بالضّوامر ليلهم، # و في كلّ جفن منهم طيف حالم‏

نريهم صدور السّمر بين نحورهم، # فما استيقظوا إلاّ بقرع الحلاقم‏

كأنّ الكرى يقتصّ من طول نومهم # فيسهر منه بالقنا كلّ نائم‏

و كلّ غلام خالط البأس قلبه، # يقطّع أقران الأمور الغواشم‏

و نحن دلفنا للأراقم فتية # يضيفون أطراف القنا في الحيازم‏ (4)

تطلّع من خلف العجاج كأنّما # تطالعهم منها عيون القشاعم‏

إذا اشتجر الضّرب الدّراك تمطّقت # إلى الطّعن أفواه النّسور الحوائم‏ (5)

و ولّوا على الخيل العتاق كأنّهم # تزاحم غيم العارض المتراكم‏

تفيض عيون الطّعن بالدّم منهم، # و يغلبها فيض العيون السّواجم‏

____________

(1) تعسّفت: خبطت على غير هداية-الأراقم: الحيّات الخبيثة.

(2) زهيد: نصبه بنزع الخافض، أي عن زهيد.

(3) اللهاذم، جمع لهذم: السيف القاطع.

(4) دلفنا: قطعنا-الحيازم، جمع حيزوم: ما اكتنف الحلقوم من جانب الصدر.

(5) اشتجر: اشتبك-الدراك: المتتابع-تمطقت: تذوقت.

غ

341

هذي الرماح‏

(البسيط)

هذي الرّماح عصيّ الضّال و السّلم، # لو لا مطاعنة الآراء و الهمم‏ (1)

إنّ الذّوابل و الأقلام أرشية # إلى العلى، لملوك العرب و العجم‏ (2)

ليس السّيوف عن الأقلام مغنية، # الفري للسّيف، و التّقدير للقلم‏

كالكوكب انتشرت منه ذوائبه، # و موقد النّار يذكيها على أضم‏ (3)

أو كالشّجاع تمطّى بعد هجعته # يرخي لسانا كغرب اللّهذم الخذم‏ (4)

غرّان ما اجتمعا إلاّ لمنصلت # على الحوادث صبّار على الألم‏

لهاشم غرر تلقى لسائلها # طلاّعة من ثنايا البأس و الكرم‏

و خضخض السّجل في قعر القليب فلم # ينزح له غير مكتوم من الوذم‏ (5)

و أصبح البرق يخفي حرّ صفحته # عن المرابع، أو يبرا من الدّيم‏

و أجدب القوم و اضطرّت أكفّهم، # و إن تطهّرن من إثم، إلى الزّلم‏ (6)

و قلّ عند كرام الحيّ نائلهم # حتّى جلا يوم نحر منزل البرم‏ (7)

و كلّ سائمة باتت تمسّحها # كفّ المسيم غدت لحما على وضم‏ (8)

و صوّح النّبت حتّى كاد من سغب # فيهم يصوّح نبت الهام و اللّمم‏ (9)

____________

(1) الضال و السلم: من أنواع الشجر.

(2) أرشية: حبال، جمع رشاء.

(3) أضم: جبل.

(4) الشجاع: ضرب من الحيّات-غرب: حد-اللهذم الخذم: السيف القاطع.

(5) السّجل: الدلو-القليب: البئر-المكتوم: الخرز الذي لا ينضح منه الماء-الوذم: سيور أذني الدلو.

(6) الزلم: السهم.

(7) البرم: الذي لا يشترك في الميسر لبخله.

(8) السائمة: الماشية-المسيم: الراعي-الوضم: خشبة اللحام.

(9) صوح: تشقق و تناثر-السغب: الجوع-اللمم، جمع لمة: الشعر المجاور للأذنين.

342

كانوا السّحائب ترمي من كنائنها # مقاتل المحل كالمثعنجر الرّذم‏ (1)

أرغت معدّ و أثغى من يناضلها، # و من يقايس بين الشّاء و النّعم‏

دنيا ترشّف عيشي، و هي كالحة # غضبى، و أبسم فيها بادي الكظم‏ (2)

كالخمر يعبس حاسيها على مقة، # و الكأس تجلو عليه ثغر مبتسم‏

الجدّ لا يقتضي إسماع ملهية، # و الهزل يكمن في الأوتار و النّغم‏

و ما ابن غيل تذيع الموت طلعته، # إذا تطلّع غضبانا من الأجم‏ (3)

يجلو دجى شدقه عن صبح عاصلة # مطرورة كشبا المطرورة الخذم‏ (4)

يوما بأقدم منّي في ململمة # شعواء تعرف بالعقبان و الرّخم‏ (5)

و اليوم قطّع قرع البيض حبوته # عن العجاج و خيل اللّه في الحرم‏ (6)

إذا العوالي على أشداقها هجمت # أعدى اللّمى بالدّم الجاري على الرّثم‏ (7)

و الطّعن ينتجع الأجساد أنفسها، # و الضّرب يبخل بالبقيا على القمم‏

و ربّ ليل كأنّ النّار مقلته، # و الكلب يسمعه النّائي عن الصّمم‏

سهرته، و الأماني ترتقي فكري، # حتّى تطلّع من همّي إلى هممي‏

أراقب الضّيف أن يرعى مطيّته # و بيننا منكب عال من الظّلم‏

أوحى الظّلام إلى الإصباح أنّ فتى # أسرى و ما خدعته لذّة الحلم‏

على جماليّة توفي الزّمام خطا، # تكاد تسبقه من خفّة الرّسم‏ (8)

____________

(1) المثعنجر: وسط البحر-الرذم: السائل.

(2) الكظم: الكرب و الغم.

(3) ابن غيل: الأسد.

(4) العاصلة: أراد أنيابه العوجاء-مطرورة: محددة-شبا: حد-الخذم:

القاطعة.

(5) الململمة: الكتيبة-الشعواء: المتفرقة لكثرتها.

(6) البيض: السيوف-الحبوة: ما يحتبى به-العجاج: الغبار.

(7) العوالي: الرماح-الرثم: بياض في طرف أنف الفرس.

(8) الرسم: نوع من السير.

343

حرف تبوّع بي في كلّ مجهلة، # كأنّني راكب منها على علم‏ (1)

تلقي الأجنّة قتلى في مسالكها، # دياتها في رقاب القصد و الأمم‏

متى تنسّم مسّ السّوط جلدتها، # زافت كما زاف عنق المصعب القطم‏ (2)

تطغي الخطام، إذا ما البرّ صافحه # تيّار بحر بأيدي العيس ملتطم‏ (3)

هوجاء ما التفتت يوما على ألم # من السّياط و لا حنّت إلى قرم‏ (4)

إذا جذبت لذكر السّير مقودها # كأنّما جذبتها سورة اللّمم‏ (5)

ما يطلب الدّهر و الأيّام من رجل # يعوذ بالحمد إشفاقا على النّعم‏

إذا اقتضته الأماني بعض موعده # غطّى بستر العطايا عورة العدم‏

من مدّ معصمه مستعصما بيدي # عصمته بإخاء غير منجذم‏

و من أشيّعه يأمن لوائمه، # و لو رموه بجرّاح من الكلم‏

و لو هتكت حجاب الغيب لافتضحت # أجفان كلّ مريب اللّحظ متّهم‏

كفى الذي سبّني أنّي صبرت له، # فاستنصر العذر و استحيا من الحرم‏

بردي عفيف إذا غيري لفجرته # كانت مناسج برديه على التّهم‏

أنا زهير، فمن لي في زمانك ذا # ببعض ما افترقت عنه يدا هرم‏

إذا العدوّ عصاني خاف حدّ يدي، # و عرضه آمن من هاجرات فمي‏

جعلت سمعي على قول الخنا حرما، # فأيّ فاحشة تدنو إلى حرم‏

يكاد أنفي إذا ما استاف مرتبة # من التّواضع ينضو خلعة الشّمم‏ (6)

جدّي النّبيّ، و أمّي بنته، و أبي # وصيّه، و جدودي خيرة الأمم‏

____________

(1) الحرف: الناقة الضامرة العقيمة-تبوع: تمد باعها.

(2) زافت: تبخترت-المصعب: الفحل الصعب-القطم: الهائج.

(3) الخطام: الزمام-العيس: النياق.

(4) الهوجاء: السائرة في خفة كأن بها جنونا-القرم: في الأصل شدّة الشهوة الى اللحم و استعارها هنا لشهوة المرعى.

(5) السورة: الحدّة، الشدّة-اللمم: طرف من الجنون.

(6) استاف: شم-ينضو: يخلع-الشمم: علو الأنف، الشموخ.

344

لقصدنا تتمطّى كلّ راقصة # هوجاء تخبط هام الصّخر و الرّجم‏ (1)

بكلّ أشعث منقدّ القميص، إذا # جدّ النّجاء به عن أطيب الشّيم‏

لنا المقام، و بيت اللّه حجرته # في المجد ثابتة الأطناب و الدّعم‏

و مولدي طاهر الأثواب تحسبني # ولدت في حجر ذاك الحجر و الحرم‏

قال الضمير

(مجزوء الكامل)

قال الضّمير بما علم: # أنت المحكّم فاحتكم‏

خجل ينمّق عذره، # و العذر شاهد من ندم‏

لا تلزمنّي زلّة، # سفهت عليّ بها القدم‏

فلقلّما غضبت على # أشبالها أسد الأجم‏

هل أنت إلاّ البدر يط # رف ضوأه مقل الظّلم‏

صافحت راحته، و حشـ # و بنانها عبق الكرم‏

فكأنّما جذبت يدي # بذؤابتي سيل العرم‏ (2)

جاءت كأنّ بعطفها # خجل المحول من الدّيم‏ (3)

حطّت إليك من الضّما # ئر في رشاء من ندم‏

____________

(1) تتمطى: تتمدد-الهوجاء: الناقة المسرعة في خفة-الرجم: الحجارة.

(2) العرم: السيل الذي لا يطاق دفعه.

(3) المحول من الديم: السحب غير الماطرة.

غ

345

عجزنا

(الوافر)

عجزنا عن مراغمة الحمام، # و داء الموت مغرى بالأنام‏

و ما جزع الجزوع، و إن تناهى، # بمنتصف من الدّاء العقام‏

و أين نحور عن طرق المنايا، # و في أيدي الرّدى طرف الزّمام‏

نوائب ما أصخن إلى عتاب # يطول و لا خدرن على ملام‏ (1)

هي الأيّام تأكل كلّ حيّ، # و تعصف بالكرام و باللّئام‏

و كلّ مفارق للعيش يلقى # كما لقي الرّضيع من الفطام‏

و كم ليد النّوائب من صريع # بداء السّيف أو داء السّقام‏

فمن ورد المنيّة عن وفاة # كآخر عاثر العرنين دام‏

و لو أمن الجبان من المنايا، # لأغمد سيفه البطل المحامي‏

و ما يغترّ بالدّنيا لبيب # يفرّ من الحياة إلى الحمام‏

تنافر ثمّ ترجع بعد وهن # رجوع القوس ترمح بالسّهام‏

خطوب لا أجمّ لها جوادي، # و عزم لا أحطّ له لثامي‏ (2)

رأيت الموت يبلغ كلّ نفس # على بعد المسافة و المرام‏

سواء إن شددت له حزيمي، # زماعا، أو حللت له حزامي‏ (3)

عزاءك ما استطعت، فكلّ حزن # يؤول به الغلوّ إلى الأثام‏ (4)

و عمر المرء ينقص كلّ يوم، # و لا عمر يقرّ على التّمام‏

و ما تنجي الدّموع من المنايا، # فترسلها بأربعة سجام‏

____________

(1) أصخن: استمعن-خدرن: فترن.

(2) أجم جواده: ترك ركوبه.

(3) الزماع: الخوف.

(4) الأثام: العقوبة.

346

و كنّا عند مختلف اللّيالي، # و كرّ الدّهر عاما بعد عام‏

إذا أخذ الرّدى منّا رجعنا # إلى صبر يشرّد بالغرام‏

و كان الصّبر يقبض كلّ وجد، # كما قبض الصّباح من الظّلام‏

و في حسن العزاء لنا مجير، # يخلّصنا من الكرب العظام‏

أ ساكنة التّراب، و كلّ حيّ # جدير أن يغيّب في الرّجام‏ (1)

تقنّصك الرّدى عرضا و أمسى # يجاذبك المسير عن المقام‏

و لجلج من نعاك، و كلّ ناع # يجمجم أو يلجلج في الكلام‏

و كلّ حشى عليك كأنّ فيه # سنان الرّمح أو طرف الحسام‏

أيا قبرا تقسّم كلّ صبر، # و قلقل عبرة المقل الدّوامي‏

أقامت فيك ماجدة حصان # كماء المزن من بيض الخيام‏

تطرّقك النّسيم من الخزامى، # و درّت فيك أنواء الغمام‏

و أصبحت الشّفاه عليك فوضى # تهافت بالتّحيّة و السّلام‏

فما بكت الحمام عليك إلاّ # كما غنّتك أصوات الحمام‏

ألا للّه كلّ فتى أبيّ # عزيز الأنف يغضب للذّمام‏

يجير من الزّمان، إذا تغاوى، # بصبر للنّوائب و اعتزام‏ (2)

و أيّام تفلّل من غروبي # على مضض و تنقص من عرامي‏

تلاعب بي أماما أو وراء، # طراد الشّيخ يلعب بالغلام‏

براني الدّهر سهما ثمّ ولّى، # فجرّدني من الرّيش اللّؤام‏

و ها أنا ذا أبثّك كلّ بيت # رقيق النّسج رقراق النّظام‏

____________

(1) الرجام، جمع رجم: القبر.

(2) تغاوى: تكلّف الغي، ضد الرشد.

غ

347

للّه جيد

(مجزوء الكامل)

للّه جيد ما تمـ # هّد غير أحشاء المكارم‏

فتطوّق العلياء، و هـ # و قريب عهد بالتّمائم‏

نيطت بعطفيه حما # لات المغانم و المغارم‏ (1)

ألبستني نعما

(الكامل)

ألبستني نعما على نعم، # و رفعت لي علما على علم‏

و علوت بي حتّى مشيت على # بسط من الأعناق و القمم‏

فلأشكرنّ نداك ما شكرت # خضر الرّياض، صنائع الدّيم‏

فالحمد يبقي ذكر كلّ فتى، # و يبين قدر مواقع الكرم‏

و الشّكر مهر للصّنيعة إن # طلبت مهور عقائل النّعم‏

نهنه عتابك‏

(البسيط)

نهنه عتابك إلاّ إن هفا جرم، # بعض العتاب على الإخلاص متّهم‏ (2)

ما لي أقول، فلا تصغي بسامعة، # تصامم بك عن ذا القول أم صمم؟

رفقا بأنفك لا تشمخ على مضر، # و انظر بعينك من زمّوا و من خطموا

____________

(1) نيطت: علقت-حمالات، جمع حمالة: الدية، الغرامة.

(2) نهنه: كفكف-هفا: ارتكب هفوة-جرم: أراد مجرما.

348

فلست أوّل من راقت له حلل؛ # و لست أوّل من راحت له نعم‏

من أضمر الصّدّ عمّن ليس يضمره # بغيا، مشى في نواحي سرّه النّدم‏

من أنهضته لقطع الودّ عذرته، # كان المذمّم منه الكفّ و القدم‏

من ساء ظنّا بمن يهواه فارقه، # و حرّضته على إبعاده التّهم‏

متى تهجّم غدرا سرّ عهدكم، # فإنّ عهدي على غدر بكم حرم‏

يصدّ عنّي من ودّي له صدد، # و لا أؤمّ الذي ودّي له أمم‏ (1)

سقى اللّه‏

(الطويل)

قليل من الخلاّن من لا تذمّه، # و كثر من الأعداء من أنت همّه‏

و غير بعيد منك ناء تزوره؛ # و غير قريب قاطن لا تؤمّه‏

مصافيك في الأيّام أنفك أنفه، # إذا جلّ ما تلقى، و رغمك رغمه‏

ألا ليت بين الحيّ لم يقض يومه، # و ليت ظليع الذّود لم يبر سقمه‏ (2)

و ليت أديم الأرض يعرى كما اكتسى # من النّاس أو يعفو كما بان رسمه‏

فما ذا الورى ممّن يراد بقاؤه، # و لا الموت معذول إذا جار حكمه‏

تباشر عيني فيهم ما يسوؤها، # و يلقى جناني منهم ما يغمّه‏

سقى اللّه قلبا بين جنبيّ ريّه، # و ما نافع قلبي من الماء جمّة

و لكنّ مشتاقا، إذا بلغ المنى # تقضّى أوام القلب أو زال و غمه‏ (3)

أ ما علم الغادون و القلب خلفهم، # يضمّ زفيرا يصدع الصّلد ضمّه‏

بأنّ وميض البرق ما لا أشيمه؛ # و أنّ نسيم الرّوض ما لا أشمّه‏

____________

(1) الأمم: القرب.

(2) الظليع: الذي يغمز في مشيه-الذود: هو من الإبل من الثلاثة الى العشرة.

(3) الوغم: الحقد الثابت.

349

و ربّ وميض نبّه الشّوق و مضه؛ # و ربّ نسيم جدّد الوجد نسمه‏

أضعت الهوى حفظا لحزمي، و إنّما # يصان الهوى في قلب من ضاع حزمه‏

و طيف حبيب راع نومي خياله، # و عرّفني طول اللّيالي ملمّه‏ (1)

و ما زارني إلاّ ليخجل طيبه # نسيم الصّبا أو يفضح اللّيل ظلمه‏ (2)

تطلّع من أرجاء عيني دمعها، # و ما كاد لو لا الوجد ينقاد سجمه‏ (3)

ألا هل لحبّ فات أولاه رجعة، # و إن زاد عندي أو تضاعف اسمه‏

ليالي أسري في أصيحاب لذّة # و مخّ الدّجى رار، و قد دقّ عظمه‏ (4)

و أغدو على ريعان خيل تلفّها # صدور القنا و النّقع عال أحمّه‏ (5)

رأيت الفتى يهوى الثّراء، و عمره # يرى كلّ يوم زائدا منه عدمه‏

عقيب شباب المرء شيب يخصّه، # إذا طال عمر أو فناء يعمّه‏

طليعة شيب بعدها فيلق الرّدى، # برأسي له نقع، و بالقلب كلمه‏

أغالط عن نفسي حمامي، و إنّما # أداري عدوّا مارقا فيّ سهمه‏ (6)

و ليس يقوم المرء يوما بحجّة، # إذا حضر المقدار، و الموت خصمه‏

و أولى بمن يستخلف الدّهر بعده # على صرمه أن يودع الأرض صرمه‏ (7)

فوا عجبا للمرء، و الداء خلفه، # و من حوله الأقدار و الموت أمّه‏ (8)

يسرّ بماضي يومه، و هو حتفه، # و يلتذّ ما يغذى به، و هو سمّه‏

ورود من الآجال لا يستجمّنا، # و ورد من الآمال لا نستجمّه‏ (9)

____________

(1) الملم: الآتي.

(2) ظلمه: بريق أسنانه.

(3) سجمه: قطره و سيلانه.

(4) رار: ذئب.

(5) الريعان: هو أول كل شي‏ء.

(6) مارقا، من مرق السهم أي خرج من الجانب الآخر.

(7) الصرم: الجماعة.

(8) أمّه: قصده، أمامه.

(9) يستجمنا: يتركنا.

350

إلى كم أذود السّيف عن هام عصبة، # أ ما فيهم من يطعم السّيف لحمه‏

و عندي عال من دم الجوف شربه، # و ماضي الظّبى من أسود القلب طعمه‏ (1)

أقول لغرّ بي: لففت بضيغم # يؤدّ الأعادي خطفه ثمّ حطمه‏ (2)

فدع هضبة منّا بنى اللّه سمكها، # فإنّ بناء اللّه يعييك هدمه‏

و من عجب الأيّام أنّي محسّد، # أعادى على ما يوجب الودّ حكمه‏

و ليس الفتى من يعجب النّاس ماله، # و لكنّه من يعجب النّاس علمه‏

تشفّ خلال المرء لي قبل نطقه، # و قبل سؤالي عنه في القوم ما اسمه‏

أساء جوار الذّلّ منّي ابن همّة # إذا همّ واطى بين رأييه همّه‏ (3)

و لو غير قلبي ضمّ ذا العزم شقّه، # و لكنّه لا يقتل الصّلّ سمّه‏

و أبلج لا يرضى عن العجز رأيه، # تمدّ على أضوى من البدر لثمه‏ (4)

إذا خلع اللّيل النّهار سمت به # مآرب مضّاء على ما يهمّه‏

و كم في نزار من نهيض نجيبة، # إذا سلّ عضبا سابق الضّرب عزمه‏

أنيس بلقيان الحروب كأنّما # تمطّت به في ناشر النّقع أمّه‏ (5)

إذا ضرع الأقوام من سوء نكبة # جلاها قويم الأنف فيها أشمّه‏ (6)

رفيع بيوت المجد كالجدّ جدّه، # فخارا، و في العلياء كالخال عمّه‏

مهيب وقار الجانبين أبيّه، # و مخول مجد الوالدين معمّه‏

فمن خائف عند اللّيالي نجيره، # و من شعث بين المعالي نلمّه‏ (7)

و إنّي لدفّاع بي العزم و المنى، # إلى كلّ ليل يعقد الطّرف نجمه‏

____________

(1) العالي: الرمح-الظبى، جمع ظبة: حد السيف.

(2) الغر: الشاب لا تجربة له-يؤد: يثقل-الحطم: الكسر.

(3) واطى: واطأ، وافق.

(4) لثمه، جمع لثام: ما كان حول الأنف و بعض الوجه من ستر.

(5) تمطّت به أمه: أراد ولدته.

(6) ضرع: ذل‏

(7) الشعث: التفرق، انتشار الأمر.

351

و ما تستدلّ النّجم عيناي في الدّجى # ضلالا، و لكن مثل عينيّ جرمه‏

شددنا بأيدي العيس كلّ ثنيّة، # و من دونها جون القرا مدلهمّه‏ (1)

و منخرق لا يقطع الطّرف عرضه، # و لا ينزوي عن أعين الرّكب خرمه‏ (2)

توهّمت عصف الرّيح بين فروجه # يسرّ إلى سمعي مقالا يصمّه‏

و جيش يسامي كلّ طود عجاجه، # و يفترّ عنه كلّ واد يضمّه‏

تخطّف أبصار الأعادي سيوفه، # و تملأ أسماع القبائل لجمه‏

إذا سار صبحا طارد الشّمس نقعه، # و إن سار ليلا طبّق الأرض دهمه‏ (3)

تراجع حمرا من دم الضّرب بيضه، # و تنجاب شقرا من دم الطّعن دهمه‏ (4)

صدمنا به الجبّار في أمّ رأسه، # و كان شفاء الرّأس ذي الدّاء صدمه‏

و ما ضاقت الأقطار من دون فوته # ظبانا، و لكن أوبق العبد ظلمه‏ (5)

عذيري ممّن ذمّ عهدي، و قد نبا # مرارا، و قلبي وادع لا يذمّه‏

تجرّم لمّا لم يجد لي زلّة، # و أقصدني باللّوم، و الجرم جرمه‏

تعمّدت بعدي عنه من غير سلوة، # ليعلمني يوم النّوى كيف طعمه‏

و أجممته لا عن غناء، و إنّما # لأشربه في حرّ خطب أجمّه‏ (6)

و إنّي، و إن والى على القلب حربه، # لمنتظر أن يعقب الحرب سلمه‏

و لا تيأسن من عفو حرّ، فإنّما # تحلّمه باق، إذا ضاع حلمه‏

أ أطمع أن أنساك يوما، و إنّما # هواك ضجيع القلب منّي و حلمه‏

يقرّ بعيني منظر أنت قيده، # و يعتاق قلبي مطلب أنت غنمه‏

و أنت الفتى لا عاجز عن فضيلة، # و غير قليل من معاليه قسمه‏ (7)

____________

(1) العيس: النياق-الجون: الأسود-القرا: ظهر الأكمة-مدلهمة: مظلمة.

(2) المنخرق: المفازة الواسعة تنخرق فيها الرياح-خرم الجبل: أنفه.

(3) دهمه: مفاجأته.

(4) دهمه، جمع أدهم: أسود.

(5) ظبانا: سيوفنا-أوبق العبد: هربه.

(6) أجممته: تركته يجتمع.

(7) القسم: الخلق و العادة.

352

تجاوز بعمد و اعف، فالعتب إن يدم # على الخلّ يفسد ظنّ قلب و وهمه‏

أرى آخر الخلاّن ودّا يسوؤني، # و يمدح عندي أوّلا طال ذمّه‏

على أنّني راض بما جرّ هجره، # و هل أنا إلاّ القلب يلتاث جسمه‏ (1)

لي عزيمة

(الطويل)

في هذه القصيدة يهنئ الوزير أبا منصور محمد بن الحسن بن صالح بالمهرجان سنة 378.

بعادا لمن صاحبت غير المقوّم، # و بعدا لكلّ الرّيّ إلاّ من الدّم‏

إذا ظلم لم أمض فيها عزيمة، # فساعة ليلي مثل حول مجرّم‏ (2)

و من شغفي بالطّعن أغدو، و ذابلي # إذا قلّ جرم مال بي في التّجرّم‏ (3)

و ما أنا ممّن يقبل الطّعم قلبه، # و لم تعلم الأرماح من أين مطعمي‏

سأقدم لا مستعظما ما لقيته، # توسّع لي في الرّوع أو ضاق مقدمي‏ (4)

فقد فجع الماضي لبيدا بأربد، # و عزّي قبلي مالك من متمّم‏ (5)

و عزم أعاطيه العوالي و حاجة # رميت بها ما بين أرض و منسم‏ (6)

و ليس الفتى إلاّ الّذي إن رأيته # رأيت غنيّ النّفس في ثوب معدم‏

قليل مقام بين أهل و ثروة، # كثير طلوع بين واد و مخرم‏ (7)

____________

(1) يلتاث: يلتف، يقوى.

(2) مجرّم: تام.

(3) الجرم: الخطأ و الذنب-التجرّم: التهمة بالذنب.

(4) الرّوع: القلب أو موضع الفزع منه.

(5) لبيد العامري: أحد شعراء الجاهلية و من أصحاب المعلقات-أربد: أخوه قتلته صاعقة-مالك بن نويرة: قتل فبكاه أخوه متمم.

(6) المنسم: الطريق.

(7) المخرم: أنف الجبل.

353

أ مطّلع يومي عليّ، و لم أخض # دماء الأعادي بالوشيج المقوّم‏ (1)

و لم أجهد السّيف الطّويل نجاده، # أمام الظّبى، و النّقع بالنّقع يرتمي‏ (2)

و ليس شفاء النّفس إلاّ مثقّف # يعدّ ليوم بالغبار ملثّم‏

و كم لي من رمّاحة تزعج الحصى # بوابلها في معلم بعد معلم‏ (3)

إذا اللّه لم ينصر حسامي على العدا، # فما أنا إلاّ عرضة المتهضّم‏ (4)

و إن هو نجّى من فم الموت مهجتي # نجوت، و إلاّ كنت أوّل مطعم‏

أبيت، و لي في كلّ أرض عزيمة # تزعزع أعناق المطيّ المحزّم‏ (5)

و مستوصيات بالذّميل كأنّما # يدارس إدآب الجديل و شدقم‏ (6)

ترى كلّ حمراء الملاط كأنّما # تخلّج في آماقها عرق عندم‏ (7)

بخفّ كشدق الأعلم استصعبت به # على ظلّ عنق ذي عثانين مرجم‏ (8)

كأنّ الغلام الضّرب في الرّحل ريشة # خفت فوق زور من ظليم مصلّم‏ (9)

إذا أوجست حسّ القطيع وراءها # ألاحت بخيشوم كريم و ملطم‏ (10)

____________

(1) الوشيج: الرماح.

(2) النجاد: حمائل السيف-الظبى: السيوف-النقع: الغبار.

(3) الرماحة: القوس الشديدة-بوابلها: بسهامها المنصبة كالمطر-معلم الشي‏ء: ما يستدل به.

(4) المتهضّم: الظالم، الغاصب.

(5) المحزّم: المشدود الحزام، ذكره مراعاة للفظ المطي و لا لمعناه.

(6) الذميل: السير اللين-الإدآب: الجد و التعب و العادة-الجديل و شدقم:

فحلان من الإبل كانا للنعمان بن المنذر و بهما يضرب المثل.

(7) الملاط: الجنب-تخلّج: اضطرب، تحرك-عندم: نوع من النبات.

(8) الأعلم: المشقوق الشفة العليا-العثانين، جمع عثنون: شعرات تحت حنك البعير-المرجم: الذي يرجم الأرض بحوافره.

(9) الضرب: الماضي في الأمور و الخفيف اللحم-خفت: خفيت-المصلم:

المقطوع الأذنين.

(10) أوجست: سمعت-القطيع: السوط-ألاحت: أشارت-الخيشوم:

أقصى الأنف-الملطم: مكان اللطم، الخد.

354

تخيّل من فضل الزّمام ابن رملة # له نهشات في مكان المخطّم‏ (1)

طلعن على ليل بنا و وصلنه # بأبلج لمّاع الجواشن معلم‏ (2)

و من جعل القلب الجري‏ء دليله، # فكلّ ظلام عنده غير مظلم‏

بليت، و أبلاني زماني، بعصبة # يخوضون بي في كلّ غيب مرجّم‏ (3)

مذاييع للسّرّ المصون، و ليتهم # أذاعوه طلق البرد لمّا ينمنم‏ (4)

قليل حديث مارق غير مكثر، # و بدء مقال وارد من متمّم‏ (5)

زمان الأذى عش فيه تشج بأهله، # و تغض على ذلّ، و مت فيه تعظم‏ (6)

على أنّني لا غالب الرّأي بالهوى، # و لا قائل للشّوق إن ضلّ يمّم‏ (7)

و لا قاطع بالظّنّ ما كنت واصلا، # و ربّ مغيظ قاطع بالتّوهّم‏

و إنّي ممّا آلف الجدّ باخل # بثغري فما يدري امرؤ أين مبسمي‏

فراق من الأحباب أمضى من الرّدى، # و أقطع للأقران من غرب مخذم‏

لك اللّه من واد تورّكن عرضه، # و نقّبن فيه عن عرار و عظلم‏ (8)

يبارين نفّاح الخزامى عشيّة، # بأطيب من ريح الخزامى و أنعم‏

أ غالب دمعي ثمّ يغلب جاريا، # و من لم يسل دمعا على الحبّ يظلم‏

و ما ذكرتك النّفس إلاّ و ضمّها # إلى القلب باع الموجع المتألّم‏

____________

(1) ابن رملة: الثعبان.

(2) الجواشن، جمع جوشن: الصدر-المعلم، من أعلم الفرس: علّق عليها صوفا ملونا في الحرب.

(3) المرجّم: الذي لا يقف على حقيقة.

(4) ينمنم: يزخرف و ينقش و يزيّن.

(5) المارق، من مرق السهم: نفذ.

(6) تشجى: تحزن و تطرب.

(7) يمم: أقصد.

(8) تورّكن: اعتمدن على أوراكهن-العرض: الجانب-العرار و العظلم:

ضربان من النبات.