ديوان الشريف الرضي - ج2

- الشريف الرضي المزيد...
528 /
355

خليليّ ليس الدّمع عنّي بدافع # ولوع غرام كالحريق المضرّم‏

و هل أنا إلاّ ربّ نفس معارة، # و قلب معار للجوى و التّألّم‏

إذا ما جوادي مرّ بي في ديارها، # تقاضى زفيري دائبا بالتّحمحم‏ (1)

أحنّ، و لا يرمى حنيني بتهمة، # و أدنو، و لا يعزى دنوّي بمأثم‏

و ما منظر الحسناء عندي برائق، # و لا نيلها و القرب عندي بمغنم‏

إلى كم تصبّاني الغواني، و بينها # و بيني عفاف مثل طود يلملم‏ (2)

و إنّي لمأمون على كلّ خلوة، # أمين الهوى و القلب و العين و الفم‏

و غيري إلى الفحشاء إن عرضت له # أشدّ من الذّؤبان عدوا على الدّم‏

و من كان إنعام الوزير حبيبه # أغار الغواني بين بكر و أيّم‏ (3)

أبيت بها هادي الحشا في نوائب # يبيت لها غيري بقلب مقسّم‏ (4)

وحيد العلى لا ينتجي غير نفسه # إذا عنّ خطب أو دنا يوم مغرم‏ (5)

و منتصر يرعى بحلم حقوده، # و يطرد أضغان العدا بالتّكرّم‏

إذا عظم الطّلاّب لم يثن كفّه؛ # و إن طال نطق القوم لم يتجهّم‏

يزمّ إلى العافين أعناق ماله، # و مال رجال مقرم لم يخطّم‏ (6)

كثير ارتياح القلب في عقب جوده، # إذا جائد ألقى يدا في التّندّم‏

سريع، إذا داعي الطّعان دعا به، # غدا طاعنا قبل العدا في التّلوّم‏

و ما همّ إلاّ قعقع البيض بالظّبى، # و ردّ القنا يجري على كلّ معصم‏ (7)

____________

(1) الزفير: إخراج النفس و مدّه-التحمحم: تردد صوت الفرس في صدره.

(2) يلملم: شامخ، و هو اسم جبل على مرحلتين من مكة المكرمة و باتجاه اليمن.

(3) الأيّم: من لا زوج لها.

(4) المقسم: الذي تقسمته الهموم.

(5) ينتجي: يناجي.

(6) يزم: يشد-العافون: المحتاجون، طالبو المعروف-المقرم: البعير المكرم لا يحمّل و لا يذلل.

(7) البيض، جمع بيضة: الخوذة-الظبى: السيوف، جمع ظبة.

غ

356

و لا ركز إلاّ أن تمير زجاجها # عواملها فضل النّجيع المحرّم‏ (1)

و كلّ صباح شاحب من عجاجة، # و شائع برد بالعوالي مسهّم‏ (2)

إذا عنّ جود قيل: دفّاع وابل؛ # و إن عنّ روع قيل: تقحيم ضيغم‏

يشنّ وجوه البيد في كلّ مسلك # بجرّ العوالي و الرّعيل المسوّم‏ (3)

فعال جريّ لا يزال مدافعا # إلى المجد، طلاّعا إلى كلّ معظم‏

و لكنّه بالعزّ و المجد و العلى # أحقّ و أولى من سماء بأنجم‏

أتته، و لم يمدد يدا في طلابها، # و ما انقاد من قاد العوالي بمخطم‏ (4)

و لو لم يقرّ الغابطون بمجده، # أقرّوا على رغم بفضل التّقدّم‏

و ما كذب الحسّاد للبدر ضائرا، # و ليس يضرّ الذّمّ غير المذمّم‏

و حيّ حلال قد ذعرت بكبّة # من الخيل، لا ترعى ذماما لمحرم‏ (5)

على حين حاصرت الظّلام إليهم، # بأرعن يردي في الحديد المنظّم‏ (6)

و ما افترّ يوم قطّ إلاّ لقيته # بوجه جليّ، أو بكفّ مغيّم‏

إذا مارق لاقاك غضّ عنانه، # و ردّ أظافير القنا لم تقلّم‏

و ربّ نسيب للرّماح مغامر، # خفيف الشّوى عاري الجناحين أعلم‏ (7)

إذا هزّ يوما للغوار رأيته # أنمّ إلى الأرواح من كلّ لهذم‏ (8)

____________

(1) الركز، من ركز الرمح: غرزه في الأرض-يمير: يأتي بالميرة، يجلب الطعام-الزجاج، جمع زج: الحديدة في أسفل الرمح و يقابلها السنان -العوامل: الرماح-النجيع: الدم.

(2) الوشائع: الزخارف-المسهم: المخطط.

(3) العوالي: الرماح-الرعيل: القطعة من الخيل-المسوم: المرعي.

(4) المخطم: الخطام، الزمام في الخطم أي الأنف.

(5) الكبّة: جماعة الخيل.

(6) الأرعن: الأهوج من الخيل أو الإبل-يردي: يرجم الأرض بحوافره.

(7) المغامر: الملقي بنفسه في الغمرات-الشّوى: الأطراف-الأعلم:

المشقوق الشفة العليا.

(8) الغوار: الغارة-اللهذم: القاطع من الرماح و السيوف.

357

يسرّك في فلّ الصّوارم و القنا، # و يرضيك في ردّ اللّهام العرمرم‏ (1)

له ريقة تجري بما شاء ربّه، # كما حال سمّ بين أنياب أرقم‏

أمالئ أيّام النّدى كلّ عارض، # و مالئ أيّام الوغى كلّ ملجم‏

تهنّ قدوم المهرجان، فإنّه # إليك على الأيّام ينمى و ينتمي‏ (2)

و ما زار هذا العيد إلاّ صبابة # إليك بقلب طامح الوجد مغرم‏

أتى يستفيد الجود منك و يجتلي # محاسنه من ثغرك المتبسّم‏

فلا عار أن تستنجد الكأس راحة # أضرّ بها حمل الجراز المصمّم‏ (3)

أراك بعين لا يسوؤك لحظها، # و أرعاك بالودّ الذي لم يذمّم‏

و في نظري عنوان ما بين أضلعي، # و ربّ لحاظ نائب عن تكلّم‏

و كم نظرة تستوهب القول في فمي # تكلّف نطقي في جواب المكلّم‏

و لست و لو خادعتني عن مطالبي # مطاوع عذّالي عليك و لوّمي‏

و أكرم مأمول و أشرف ماجد # جواد متى يندب إلى الجود يقدم‏

أعيذك أن تظمي فتى كان طرفه # عقيدا لبرق العارض المترنّم‏

و من غرّه مال رضي ببشاشة، # و عادم ماء قانع بالتّيمّم‏

ألا إنّ شعري فيك يبقى و غيره # تطير به أيدي اللّيالي و ترتمي‏

و تعقد طرفي منك في كلّ نظرة # طلاقة بدر بالمعالي معمّم‏

و لولاك ما فاقت ببغداد ناقتي، # و لا كنت إلاّ لاحقا بالمقطّم‏ (4)

و أولى بلاد بالمقام من الدّنا # بلاد متى ينزل بها الحرّ يغنم‏

مدحت أمير المؤمنين، و إنّه # لأشرف مأمول و أعلى مؤمّم‏

____________

(1) اللهام: العدد الكثير-العرمرم: الشديد.

(2) المهرجان: عيد الفرس، و هي كلمة فارسية مركبة من مهر أي محبّة و جان أي الروح، فيكون معناها: محبة الروح.

(3) الجراز: السيف-المصمم: الماضي.

(4) فاقت الناقة: اجتمعت الفيقة، أي اللبن، في ضرعها-المقطّم: اسم موضع.

358

فأوسعني قبل العطاء كرامة، # و لا مرحبا بالمال إن لم أكرّم‏

و إنّي، إذا ما قلت في غير ماجد # مديحا، كأنّي لائك طعم علقم‏

و إنّ رجائي زين ملّة هاشم # لنعمى، و حسبي من جواد و منعم‏

فكن شافعي يوما إليه لعلّه # يريش العواري من نبالي و أسهمي‏

أغار على عليائه من مقصّر # يقول و لم يرزق مقالي و لا فمي‏

فإن شاء فالوسم الذي قد عرفته، # مبين لعين النّاظر المتوسّم‏ (1)

أرواحنا دين‏

(الكامل)

يعزي الشاعر، في هذه القصيدة، الوزير أبا منصور محمد بن الحسن بن صالح عن والدته، و قد توفيت سنة 378.

هي ما علمت فهل تردّ همومها؟ # نوب أراقم لا يبلّ سليمها (2)

أرواحنا دين، و ما أنفاسنا # إلاّ قضاء، و الزّمان غريمها

فلأيّ حال تستلذّ نفوسنا # نفحات عيش لا يدوم نعيمها

يمضي الزّمان و لا نحسّ كأنّه # ريح تمرّ و لا يشمّ نسيمها

لم يشفع الدّهر الخئون لمهجة # في العمر إلاّ عاد و هو خصيمها

و كأنّما الدّنيا الغرورة بردة # بيدي بلى، و يروقنا تسهيمها (3)

و الأرض دار لا يلذّ نزيلها، # عمر الزّمان، و لا يذيم مقيمها (4)

____________

(1) الوسم: الأثر.

(2) يبل: يبرأ-سليمها: لديغها.

(3) تسهيمها: تخطيطها.

(4) يذيم: يعاب.

359

كم باع أبّاء تفلّ بطونها، # و أديم جبّار يقدّ أديمها (1)

قبر على قبر لنا، و أواخر # يلقى رميم الأوّلين رميمها

إنّ الوزير، و إن تطرّقه الرّدى، # وعدا عليه من الخطوب ذميمها

مستلئم لقيته، أو لم تلقه # بنوائب، بيض المنون و شيمها (2)

الدّمع أعظم من تحارب جرأة، # فانظر لعين ما أبيح حريمها

و تعزّ، إنّ من العزاء شجاعة، # و أعزّ ما عزّى نفوسا خيمها (3)

بمكارم غرّ الوجوه تنيلها، # و مقاوم غلب الرّقاب تقومها

كم ذاهب أبكى النّواظر مدّة # و مضى، و طاب لمقلة تهويمها (4)

أو ثغر محزون تبسّم سلوة، # و العين لمّا يرق بعد سجومها (5)

إنّي لأرجو أن يكون مقامها # في حفرة خضل الغمام نديمها

من كلّ غادية سلافة بارق، # و من الرّياض رطيبها و عميمها

في رفقة لا يستطيل سفيهها # أبدا، و لا يدري المقال حليمها

مثل الكبير من الرّجال صغيرها، # يبلى، و كالعبد الذّليل زعيمها

ما ضرّ راحلة، و أنت وراءها، # من أن يكون على المنون قدومها

تركتك طودا لا يرام و جمرة # لا تصطلى و يدا يذلّ مضيمها

هل خبّرت لمّا أتت بك ما الذي # في مهدها، أو ما يضمّ حزيمها (6)

أم هل درت أنّ الحسام جنينها # طلقا، و أنّ أبا العلاء فطيمها

و كأنت فلتلد النّساء نباهة، # أو لا، فمنجبة النّساء عقيمها

صبرا فما اعتاض المصاب كصبره # شيئا، إذا غمر القلوب همومها

____________

(1) أبّاء: صاحب الإباء-أديم: جلد.

(2) مستلئم: لابس اللأمة أي الدرع-شيمها: سودها.

(3) الخيم: السجية و الطبيعة.

(4) التهويم: هز الرأس من النعاس، النوم القليل.

(5) سجومها: دموعها.

(6) الحزيم: مكان شد الحزام.

360

في الذّاهب الموروث سلوة وارث، # و أمرّ ما ورث الرّجال غمومها

ما ساجلتك من المقاول عصبة # إلاّ و ضلّ مقالها و غريمها

إن قيل إقدام، فأنت شجاعها، # أو قيل إعطاء، فأنت كريمها

هذا، و كم لك من عزائم جمّة # في كلّ حادثة تضي‏ء نجومها

و تهزّ أحشاء البلاد بضمّر # يرد الطّعان أغرّها و بهيمها

غرثى ينازعها النّجاء نجائب، # قد هلّلت بعد الرّواء جرومها (1)

إن كان رزؤك ذا جسيما، فالذي # ينمى إليك من الأمور جسيمها

و لأنت أنجد صابر لملمّة، # و أعزّ من ينجاب عنه أرومها

للنّائبات من الرّجال جريئها، # يوم اللّقاء، و للعظيم عظيمها

نفس تتوق الى النجوم‏

(الوافر)

أرى نفسي تتوق إلى النّجوم، # سأحملها على الخطر العظيم‏

و إنّ أذى الهموم على فؤادي # أضرّ من النّصول على أديمي‏

و إنّي، إن صبرت ثنيت قلبي # على طرف من البلوى أليم‏

و لي أمل كصدر الرّمح ماض، # سوى أنّ اللّيالي من خصومي‏

و يمنعني المدام طروق همّي، # فما يحظى بها إلاّ نديمي‏

و ما أوفت على العشرين سنّي، # و قد أوفى على الدّنيا غريمي‏

و نجوى قد شهدت و عدت ألقي # عنان فمي إلى قلب كتوم‏ (2)

و هول يرعد النّسيان منه، # ركبت معارض الجدّ المروم‏ (3)

____________

(1) غرثى: جائعة-النجاء: الإسراع-النجائب: النياق الكريمة-الجروم، جمع جرم: الجسد.

(2) النجوى: السر.

(3) النّسيان، مثنى نسا: عرق من الورك الى الكعب.

361

إذا ما حاجة قضيت بسيفي، # شكرت لها يد اللّيل البهيم‏

و يعرفني العدوّ بوقع رمحي # إذا ما الوجه موّه بالسّهوم‏ (1)

و ما لي همّة إلاّ المعالي، # و ذبّ الضّيم عن نسب صميم‏

و قود الخيل تركع من وجاها # و قد غلب النّجيع على الكلوم‏ (2)

تصبّح في الطّلى بدراك طعن # كرمح الشّول زغن عن المسيم‏ (3)

و يذهلها، إذا التقت العوالي، # ضرام الطّعن عن مضغ الشّكيم‏

و كلّ نحيلة كالسّهم تصمي # عرانين الأماعز و الخروم‏ (4)

تريني الشّمس أوّل من يراها، # و آخر شأوها طلق الظّليم‏

و حثّ العيس تستلب الفيافي، # بإملاء الذّميل على الرّسيم‏ (5)

جزعن اللّيل، و الآفاق خلس، # كأنّ نجومها نغل الأديم‏ (6)

و أبلج مثل فرق الرّأس نهج # قطعن و ما قلقن من السّئوم‏

و ماء قد تخفّر بالدّياجي، # عن الطّرّاق و السّلم المقيم‏ (7)

وردن، و لا دلاء لهنّ إلاّ # مشافرهنّ في الورد الجموم‏ (8)

و عدن، و قد وهى سلك الثّريّا، # و كرّ الصّبح في طلب النّجوم‏

و قد لاحت لأعيننا ذكاء # وراء الفجر كالخدّ اللّطيم‏ (9)

____________

(1) السهوم: العبوس.

(2) الوجى: الحفا-النجيع: الدم-الكلوم: الجراح.

(3) الدراك: المتوالي-الرّمح، من رمحته الدابة: رفسته-الشول: الإبل مرّ على حملها سبعة أشهر-المسيم: الراعي.

(4) الأماعز: الأراضي الغليظة-الخروم، جمع خرم: أنف الجبل.

(5) العيس: النياق-الاملاء، من أملى البعير: أرخى له و وسع في قيده- الذميل و الرسيم: ضربان من العدو.

(6) جزعن: قطعن-خلس: أراد اختلاط النور بالظلمة-نغل الأديم: فاسده.

(7) تحفّر: تحرز، استجار-السلم: نوع من الشجر.

(8) الجموم: الكثير الماء.

(9) ذكاء: اسم علم للشمس.

362

و مختلط النّدى أرج الخزامى # رطيب ذوائب الكلإ العميم‏

أبحت حريمه إبلي، فأمست # تغير شفاههنّ على الجميم‏

ألا هل أطرق السّمرات يوما # بري‏ء القلب من عنت الهموم؟ (1)

و ألصق بالنّقا كبدي، و يهفو # إليّ من النّقا ولع النّسيم‏

و أطلق عقلها بربى تراها # من الأنواء ضاحكة الوشوم‏ (2)

أرى الأيّام عادية علينا، # ببيض من نوائبها وشيم‏ (3)

يضلّ نفوسنا داء عقام، # فيسلمنا إلى أرض عقيم‏

و نتبع بالدّموع، و أيّ دمع # يجير، و لو أقام على السّجوم‏

و يفردنا الزّمان، بلا قريب # يذمّ من الزّمان و لا حميم‏

و نلقى قبل لقيان المنايا # رماح الدّاء تطعن في الجسوم‏

فلو كانت خصوصا سرّ قوم، # و لكنّ العناء على العموم‏

و يكثر مطلي الغرماء، إلاّ # إذا راح الرّدى، و غدا غريمي‏

رأيت المال يرفع من سفيه، # و عدم المال ينقص من حليم‏

فليت كريم قوم نال عرضي، # و لم يدنس بذمّ من لئيم‏

يلوم، و قد ألام، و شرّ شي‏ء # إذا لاقاك لوم من مليم‏

أشبّ، لأحرق الأعداء، لحظي، # فيرجعني إلى الإغضاء خيمي‏ (4)

أبى لي الذّمّ آباء تساموا # إلى عنقاء طيّبة الأروم‏ (5)

إذا اشتملوا على الأعداء عادوا، # و قد غمروا الضّغائن بالحلوم‏

ألا من مبلغ الأحياء أنّي # قطعت قرائن الزّمن القديم‏

____________

(1) السمرات، جمع سمرة: نوع من الشجر، و هو هنا اسم موضع.

(2) الوشوم، جمع وشم: أول طلوع النبات.

(3) شيم: سود.

(4) خيمي: سجيّتي، طبعي.

(5) إلى عنقاء، أي إلى هضبة عنقاء: مرتفعة طويلة-الأروم: الأصول، جمع أرومة.

363

و أنّي قد أبيت مقام رحلي # بوادي الرّمث أو جبل الغميم‏ (1)

و عن قرب سيشغلني زماني، # برعي النّاس عن رعي القروم‏ (2)

و ما لي من لقاء الموت بدّ، # فما لي لا أشدّ له حزيمي‏

سألتمس العلى إمّا بعرب # يروّون اللّهاذم أو بروم‏ (3)

و لو أنّي أعنت بآل عكل # رغبت عن الذّوائب من تميم‏ (4)

حذاركم بني الضّحّاك أنّي # إلى الأمر الذي تومون أومي‏

فلا تتعرّضوا بذراع عاد # مدلّ عند خيسته شتيم‏ (5)

فإن تك مدحة سبقت فإنّي # بضدّ نظامها عين الزّعيم‏ (6)

و قافية تخضخض ما ترامت # به الأيّام في عرض اللّئيم‏

تردّد ما لها ممّن يعيها، # سوى الإطراق منها و الوجوم‏

لها في الرّأس سورات يطاطي # لها الإنسان كالرّجل الأميم‏ (7)

ليعلم من أناضل أنّ شعري # يطالع بالشّقاء و بالنّعيم‏

____________

(1) وادي الرمث: اسم موضع-الغميم: واد بين الحرمين على مرحلتين من مكة المكرمة.

(2) القروم، جمع قرم: البعير المكرم لا يحمّل و لا يذلل.

(3) اللهاذم: الأسنة القاطعة.

(4) آل عكل: قوم ضعاف-الذوائب: الأسياد.

(5) العادي: الأسد-المدل: الشجاع-خيسته: غابته-الشتيم: العابس.

(6) الزعيم: الكفيل.

(7) سورات، جمع سورة: غضب-الأميم: الذي أصيب في أم رأسه.

غ

364

بياض في عذار

(الطويل)

رأت شعرات في عذاري طلقة، # كما افترّ طفل الرّوض عن أوّل الوسمي‏ (1)

فقلت لها: ما الشّعر سال بعارضي، # و لكنّه نبت السّيادة و الحلم‏

يزيد به وجهي ضياء و بهجة، # و ما تنقص الظّلماء من بهجة النّجم‏

الحياة ظل‏

(البسيط)

في هذه القصيدة يرثي الشاعر الملك أبا الفوارس شرف الدولة ابن عضد الدولة، و قد توفي في جمادى الآخرة سنة 379.

هل كان يومك إلاّ بعد أيّام، # سبقت فيها بإنعام و إرغام‏

و هل أزالك عن هذا سوى قدر # تناول الأسد من غيل و آجام‏

إنّ المنايا مغرّات لأنفسنا، # و إن أمدّت بأعوام و أعوام‏

نسعى بأقدامنا عنها فتدركنا، # سبق الجياد و ما تسعى بأقدام‏

ما لي بطيّ اللّيالي غير مكترث، # و ما ورائي منها كان قدّامي‏

أظنّ شخص الرّدى فردا فأحذره، # و الموت أكبر من ظنّي و أوهامي‏

إنّ الحياة، و إن غرّت مخائلها، # ظلّ، و إنّ المنى أضغاث أحلام‏

نامي البقاء إلى الذّاوي تراجعه، # كلاّ، و لا يرجع الذّاوي إلى النّامي‏

أبا الفوارس ما أعلى يدا عصفت # من المنون بأعلى عزّك السّامي‏

إنّ المنيّة ما زالت مفوّقة، # حتّى رمتك، و لا عدوى على الرّامي‏

____________

(1) الوسمي: مطر الربيع.

365

كرّت، فلم تثنها بالسّمر مشرعة، # و لم ترعها بإسراج و إلجام‏ (1)

ألاّ اتّقيت بما سوّمت من عدد، # و ما تعلّمت من نقض و إبرام‏ (2)

هيهات ألقى حمام كلّ مارنة # تدمى، و أبطل موت كلّ إقدام‏

تملي المقادير أعمارا، و تنسخها، # و يضرب الدّهر أيّاما بأيّام‏

فمن كمين ردى تسري عقاربه، # و من طلوع برايات و أعلام‏

أين السّرير و قد قام السّماط له، # إجلال أروع عالي القدّ بسّام‏ (3)

أين الجياد تنزّى في أعنّتها، # يطلبن يوما قطوبا وجهه دام‏

أين الفيول كأنّ الممتطين لها # على ذوائب أطواد و أعلام‏

أين الوفود على الأبواب مذكرة # بالفرط من مجد أخوال و أعمام‏

أين المراتب، و الدّنيا على قدم، # موقوفة بين أرماح و أقلام‏

مضى و لم يغن ما عدّدت عنه، و لا # كسب العلى و اجتناب اللّوم و الذّام‏

و عاد أعظم من في جيشه جرة، # و ليس يملك إلاّ عضّ إبهام‏ (4)

و كان أقطع من صمصامة ظبة # فينا و أمضى مضاء منه في الهام‏ (5)

لم يجر يوما بأطراف العراق دما، # إلاّ و راع دماء القوم بالشّام‏

و كان إن حاف عدم ثمّ عذت به # ملأت أرضك من خيل و أنعام‏

يحنو رحم مجفوّة، و يرى # قطع الرّقاب و لا قطعا لأرحام‏ (6)

تبكي الرّكاب و قد ردّت أزمّتها، # فالرّكب ما بين إعوال و إرزام‏ (7)

اليوم يرتاح من كانت أضالعه # على قوادم أحقاد و أوغام‏

____________

(1) مشرعة: مرفوعة و مسدّدة.

(2) العدد، جمع عدة: ما أعددته لحوادث الدهر من مال و سلاح.

(3) السماط: صف القوم.

(4) الجرة: الشجاعة، الجرأة.

(5) الصمصامة: السيف-الظبة: حد السيف-الهام: الرءوس.

(6) حاف: جار، ظلم.

(7) الإرزام، من أرزم الرعد: اشتد صوته.

غ

366

يموت قوم، فلا يأسى لهم أحد، # و واحد موته حزن لأقوام‏

سقى الحيا منك أوصالا مفرّقة # فيها مجامع إجلال و إعظام‏

غيثان: ذا جامد تخفى مخائله # عن العيون، و ذا بادي الذّرى هامي‏ (1)

للّه درّك من غرّاء أحرزها # موسومة قلب ضرغام لضرغام‏

قد كدت أعقلها لو لا محافظة # على يد سلفت منه و إنعام‏

أعاد عزّ أبي غضّا و خوّله # ما شاء من بذل إعزاز و إكرام‏

و كنت أجممته للعزّ أطلبه، # و إنّما كان للمقدور إجمامي‏ (2)

و دون ما تشتهيه النّفس متعبة، # إنّ اللآلي وراء الأخضر الطّامي‏ (3)

فاذهب كما ذهب البدر استبدّ به، # برغم أعيننا، جلباب إظلام‏

فما لدارك منّا غير مقلية، # و لا لقربك منّا غير إلمام‏ (4)

لكم أرجاء زمزم‏

(الوافر)

يمدح الشريف الخليفة الطائع للّه و يطلب منه الاذن للقائه و يهنئه بشهر رمضان سنة 380.

متى أنا قائم أعلى مقام # و لاق نور وجهك بالسّلام‏

و منصرف، و قد أثقلت عطفي # من النّعماء و المنن الجسام‏ (5)

و لي أمل أطلت الصّبر فيه، # لو انّ الصّبر ينقع من أوامي‏ (6)

____________

(1) الذرى: الدمع المصبوب-الهامي: السائل بكثرة.

(2) أجممته: تركته، من أجمّ الماء اذا تركه يجتمع.

(3) الأخضر الطامي: البحر الهائج.

(4) الإلمام: النزول.

(5) المنن، جمع منة: الإحسان.

(6) ينقع: يسكن-أوامي: عطشي.

367

و ما خفت النّوائب ترتمي بي، # و قد أقعى بجامحها لجامي‏ (1)

أ يعرقني الطّوى و الرّوض حال، # و يغلبني الظّما و البحر طام؟ (2)

و لي قربى رءوم كنت أرجو # يمينك أن تقرّب لي مرامي‏

و باب الإذن منّي، كلّ يوم # يقعقع بالقوافي و النّظام‏

لكم أرجاء زمزم و المصلّى # و بطحاء المشاعر و المقام‏

و أنتم أطول العظماء طولا، # و أندى في المحول من الغمام‏

و أبعد موطنا من كلّ عار، # و أمنع جانبا من كلّ ذام‏

و أجرى عند مختلف العوالي، # و أفلج عند معترك الخصام‏ (3)

بآباء مضوا، و هم عوار # من القول المهجّن و الملام‏

و أمّات درجن على اللّيالي، # و هنّ أصحّ من بيض النّعام‏

و عزّ لا يزعزع بالرّزايا، # و طود لا يضعضع بالزّحام‏

و فخر شامخ العرنين عال، # و مجد طائر العزمات سام‏

تسيل إليهم أيدي المطايا، # بكلّ أشمّ معروق العظام‏ (4)

يغلّبن البعاد على التّداني، # و يؤثرن المسير على المقام‏

و يعلفن الذّميل، و لا سبيل # إلى الغدران و النّطف الطّوامي‏ (5)

و ينصل ليلها عن كلّ عنس # غضيض الطّرف فاترة البغام‏ (6)

أحفّت من جوانبها الفيافي، # و ساقط نحضها خوض الظّلام‏ (7)

____________

(1) أقعى فرسه: رده-جامحها: الفرس المتغلب على راكبه، الذاهب لا ينثني.

(2) أ يعرقني الطوى: أ يضعفني الجوع.

(3) أفلج: أظفر.

(4) معروق العظام: كناية عن النحول و عدم الترهل.

(5) الذميل: السير اللين-النطف: الماء الصافي.

(6) ينصل: يذهب صباغه-العنس: الناقة الصلبة-البغام، من بغمت الناقة:

قطعت حنينها و لم تمدّه.

(7) أحفت من جوانبها: أخذت منها-نحضها: لحمها.

368

تناخ بمالئ الدّنيا نوالا، # و صادع بيضة الملك الهمام‏ (1)

ببأس مثل غرب السّيف ماض، # و جود مثل ماء المزن هام‏

و صولات أمرّ من المنايا # على بشر، ألذّ من المدام‏

أمير المؤمنين، و أنت أولى # بغايات الفخار من الأنام‏

و أنت مملّك شرقا و غربا، # حريم الأرض و البلد الحرام‏

أجب صوتي إليك، فكلّ ملك # يلذّ على مسامعه كلامي‏

و جرّدني تلاق الدّهر منّي # بمسموم مضاربه حسام‏

و لا تتغاضينّ عن القوافي، # فقد أربت على طول الجمام‏ (2)

و إنّي نعم دامغ كلّ قرن # يرادي بالعداوة، أو يرامي‏

و دافع كلّ داهية نآد، # و قائد كلّ ذي لجب لهام‏ (3)

لعلّي بالغ أمري و لاق # منى نفسي من النّعم العظام‏

و أمرا منك يحذره الأعادي، # فيلحظه بأجفان دوام‏

فأعينهم لبغضته غواض، # و هنّ لعظم منظره سوام‏

تهنّ قدوم صومك، يا إماما، # يصوم على الزّمان من الأثام‏

إذا ما المرء صام من الدّنايا، # فكلّ شهوره شهر الصيام‏

ألان جذبت من أيدي اللّيالي # عناني، و اشتملت على زمامي‏

فما أخشى الزمان، و لو تلاقت # يداه من ورائي أو أمامي‏

و لا سيما و قد أمسى عليّ # ظهيري، و السّفير إلى إمامي‏ (4)

____________

(1) البيضة: الخوذة.

(2) أربت: زادت-الجمام: الراحة.

(3) النآد: الداهية، و هي من باب إضافة المعنى الى نفسه.

(4) علي و السفير: جبلان.

غ

369

حلفت‏

(الطويل)

يمدح الشاعر والده و يهنئه بعيد الفطر سنة 381.

حلفت بها صيد الرّءوس سوام، # طوال الذّرى يمددن كلّ زمام‏ (1)

بكلّ غلام حرّم النّوم هزّة # إلى بلد نائي المزار حرام‏

لأستمطرنّ العزّ نفسا مريغة # ورود علاء، أو ورود حمام‏ (2)

و استنزلنّ المجد من قذفاته # و لو كان أعلى يذبل و شمام‏ (3)

مللت مقامي غير شكوى خصاصة، # و إنّي لأمر ما أملّ مقامي‏ (4)

نزاعا عن الدّار التي أنا عندها # كثير لبانات طويل غرام‏ (5)

صريع هموم يحسب النّاس أنّني # لما أخذت منّي صريع مدام‏

نوائب أيّام نسرن خصائلي، # مغالبة، حتّى عرقن عظامي‏ (6)

و دون ولوج الضّيم فيّ ذوابل، # طوال بأيدي منجبين كرام‏

و إنّ زماني يوم يحرق نابه # أعاذمه حتّى يمدّ عذامي‏ (7)

و كم يستفزّ الذّلّ قلب ابن همّة، # له أمل نائي المدى مترام‏

يذاد عن الماء الذي فيه ريّه، # و يرمي إلى الغدران مقلة ظامي‏

و تعرض غرّات العلى، و هو كانع، # فيلحظها شزرا بعين قطامي‏ (8)

____________

(1) صيد الرءوس: رافعة الرءوس كبرا.

(2) مريغة: طالبة-الورود: الشرب.

(3) القذفات: رءوس الجبال-يذبل و شمام: جبلان.

(4) الخصاصة: الفقر.

(5) لبانات: حاجات، جمع لبانة.

(6) نسرن، من نسر البازي الطائر: نتف لحمه بمنسره.

(7) حرق نابه: حكّه حتى سمع له صريفه-عاذمه: بادله اللوم أو الشتيمة.

(8) كانع: متشنج-القطامي: الصقر.

370

و لست براض عن منازل جمّة # أمرّ بها في الأرض مرّ لمام‏

سوى منزل حصباء أرضي بجوّه # نجوم، و أظلال الغمام خيامي‏

فذاك مكاني، إن أقمت بمنزل، # و إلاّ ففي أيدي الطّلاب زمامي‏

خفيف على ظهر الجواد تسرّعي، # ثقيل على هام الرّجال قيامي‏

خليليّ رودا باليفاع، فأشرفا # على قلل بالأبرقين سوام‏ (1)

لبرق كتلويح الرّداء يشبّه # تضايق مرنان الرّعود ركام‏

تربّض أن يلقي بنجد بعاعه # و ساق إلى البيضاء عير غمام‏ (2)

زفته النّعامى، فاستمرّ جمامه، # تجفّل سربي ربرب و نعام‏ (3)

يضي‏ء إلى الرّبع الذي كنت آلفا # به برء أسقامي و بلّ أوامي‏ (4)

منازل كان الطّرف يرتاح بينها # لخضر جميم، أو لزرق جمام‏ (5)

سقى تربها حتّى استثار خبيئه # سقيط رذاذ دائم و رهام‏ (6)

و راقت بها الأنواء كلّ صبيحة، # و رقّت بها الأرواح كلّ ظلام‏

تضمّ رجالا كالرّماح، إذا دعوا # إلى الحرب لفّوا نارها بضرام‏

لهم عدد جمّ من البيض و القنا، # و زافرة باللّيل ذات بغام‏ (7)

إذا غضبوا جاشت ربى الأرض منهم # ببيض، و بيض كالنّجوم و لام‏ (8)

____________

(1) رودا، من راد الأرض: تفقد ما فيها من المراعي و المياه-اليفاع: التل -الأبرقان: موضعان في اليمامة.

(2) بعاعه: ما فيه من مطر-البيضاء: الأرض-عير غمام: قوافل السحب.

(3) زفته: ساقته، طردته-النعامى: ريح الجنوب-الربرب: قطيع الغزلان.

(4) أوامي: عطشي.

(5) الجميم: النبت الكثير-الجمام: الماء الكثير.

(6) الرذاذ: المطر الخفيف-الرهام: المطر.

(7) الزافرة: الناقة التي تزفر في سيرها-البغام: هو أن تقطع الناقة حنينها و لا تمدّه.

(8) البيض: الخوذ-اللام: الدروع، جمع لأمة.

371

بأيّ سراة أحمل الخطب إن عرا، # و قد جبّ منهم غاربي و سنامي‏ (1)

و كانوا دروعي إن رمتني ملمّة، # و نبلي إن رامى العدا و سهامي‏

و لو لا ابن موسى ما اعتصمت بجنّة، # و لا علقت كفّي بعقد ذمام‏ (2)

ملاذي إن أعطي الزّمان مقادتي، # معاذي إن جرّ العدوّ خطامي‏

من القوم ما زرّوا الجيوب على الخنا، # و لا قرعت أسماعهم بملام‏

سريعون إن نودوا ليوم كريهة، # جريئون إن قيدوا ليوم خصام‏

لهم شرف آب على النّاس أقعس، # و فضل عديد للعدوّ لهام‏ (3)

نجومهم في العزّ غير غوارب، # و أجدادهم في المجد غير نيام‏

يهاب بهم مستلئمين إلى الرّدى # على عارفات بالطّعان دوام‏ (4)

عناجيج قد طوّحن كلّ حقيبة # من الرّكض و استهلكن كلّ لجام‏ (5)

نزائع ما تنفكّ تفري صدورها # جيوب ظلام، أو ذيول قتام‏ (6)

يخالطن بالفرسان كلّ طريدة، # و يبلغن بالأرماح كلّ مرام‏

أحاسد ذا الضّرغام دونك فاجتنب # بوادر مقدام الجنان محامي‏

حذارك من ليث ترى حول غيله # سواقط أيد للرّجال، و هام‏

له العدوة الأولى التي تحطم القنا، # و تجلي الأعادي كلّ يوم مقام‏

هنيئا لك العيد الجديد، و لا تزل # تخلّص من عام يمرّ و عام‏

تلثّمت من فضل العفاف عن الهوى، # نجاء من الدّنيا، أعزّ لثام‏

____________

(1) السراة: الظهر-جب: قطع-الغارب: الظهر.

(2) الجنة: الترس، الوقاية.

(3) أقعس: منيع، ثابت-اللهام: الجيش العظيم.

(4) مستلئمين: لابسين الدروع.

(5) العناجيج: جياد الخيل-طوّحن: ألقين في الهواء، ضيعن-الحقيبة:

ما يرفد في مؤخر الحمل.

(6) النزائع: النجائب-القتام: الغبار.

372

و خالفت في ذا الصّوم سنّة معشر # صيام، عن العوراء غير صيام‏

ألا إنّني غرب الحسام الذي ترى # و غارب هذا الأرعن المتسامي‏ (1)

كلانا له السّبق المبرّ إلى العلى، # و إن كان في نيل العلاء إمامي‏

و ما بيننا يوم الجزاء تفاوت # سوى أنّه خاض الطّريق أمامي‏

صبر معشر

(الكامل)

ما إن رأيت كمعشر صبروا # لقوارع اللّزبات و الأزم‏ (2)

بسطوا الوجوه و في ضلوعهم # حرق الجوى و مآلم الكلم‏

جمحت بهم خيل الأسى فثنوا # أعناقها بأعنّة الحزم‏

الراضون بالذل‏

(الرمل)

قعد الرّاضون بالذّلّ فقم، # إنّما الماضي إذا همّ عزم‏

ما مقامي غير ممضي نيّة # دائبا أهدر كالفحل السّدم‏ (3)

أعرض الآمال مشغوفا بها، # ثمّ أنساها إذا الخطب ألمّ‏

طال لبثي سادرا في غمّة، # و قديما كنت فرّاج الغمم‏ (4)

لا ألوم الهمّ إن لازمني، # فهموم المرء يبعثن الهمم‏

____________

(1) غرب الحسام: حدّه-الغارب: الكاهل-الأرعن: الجبل الطويل.

(2) اللزبات، جمع لزبة: الشدة، القحط-الأزم، جمع أزمة: الشدة و الضيق.

(3) الفحل السدم: الجمل الهائج.

(4) السادر: المتحير-الغمّة: الحزن.

373

لست بالواني، و لكنّي فتى # ظلمته نائبات، فانظلم‏ (1)

و زمان شرّع أنيابه، # أبدا، يعرقنا عرق السّلم‏ (2)

المعازيل كرام عنده؛ # و المناجيب كملفوظ العجم‏ (3)

خضع الدّهر لنا ثمّ نبا، # و كذا الدّهر إذا ساف عذم‏ (4)

أنا من أبنائه في معشر # يتواصون بإخفار الذّمم‏

إن طواني الغيب عن ألحاظهم # مزّقوا عرضي تمزيق الادم‏

لا يلاقوني إلاّ خائضا # أخطم الأقوال منهم و أزمّ‏ (5)

إن تراني مطرقا عن سورة # كقبوع الصّلّ أغضي و أرمّ‏ (6)

فهمومي ساعيات جهدها، # ليس كلّ السّعي يوما بالقدم‏

قد يجيب العزّ من أقعده # عن طلاب العزّ خوف و عدم‏

و يجيب الطّالب المثري، و قد # يدرك الشّأو أخو العجز الهرم‏

أبقت الأيّام منّي صعدة، # تزبن العاجم عنها إن عجم‏ (7)

و إذا زعزعها الدّهر سمت # لدنة تنمي على طول القدم‏

لست للزّهراء إن لم ترها # كوعول الهضب يعجمن اللّجم‏ (8)

تستجنّ البيد من فرسانها # بين بغداد إلى أرض الحرم‏ (9)

____________

(1) الواني: المتعب.

(2) يعرقنا: يجرد لحمنا-السلم: شجر ذو شوك.

(3) المعازيل: من لا رماح لهم، جمع معزال-العجم: النوى.

(4) ساف و عذم: عض.

(5) أزم: أضع الزمام.

(6) السورة: الحدة، الغضب-قبوع الصل: هو أن تجمع الحية نفسها و تدخل رأسها في عنقها-أرم: أسكت.

(7) الصعدة: القناة المستوية-تزبن: تصدم-العجم: مختبر العود بأسنانه ليعلم صلابته.

(8) الزهراء: الكتيبة-يعجمن: يلكن.

(9) تستجن: تجن.

374

بعجاج يملأ الأفق دجى # و طعان يخضب الأرض بدم‏

شرّعا تفترّ عن أعناقها # قلل القور و غيطان الأكم‏

كالرّدى أقدم، و الغيث همى، # و الدّجى طبّق، و السّيل هجم‏

حاملات كلّ غضبان به # من لمام الغيظ مسّ و لمم‏ (1)

كالصّقور الغلب ألحاظهم # كالجذى يلمعن من خلف اللّثم‏ (2)

بدّدوا ما جمع البأس لهم # بأنابيب العوالي في الكرم‏

لست بالعاذر جدّي إن هوى، # و جدودي في العلى أعلى الأمم‏

و بناني خلقت أطرافها # عقبا للرّمح، طورا، و القلم‏ (3)

لا يرى مثلي إلاّ طالبا # ذروة المنبر أو قعر الرّجم‏ (4)

طامح الرّأس على أعواده، # أو على عالية الرّمح الأصمّ‏

خطّة: إمّا علاء، أو ردى، # معجلي أن أقرع السّنّ النّدم‏

بن من النّاس بعزّ و على، # ستساويهم غدا بين الرّمم‏

هبني الرّمح بكفّي فارس # بطل أكرهه حتّى انحطم‏

هبني العضب ذليقا حدّه # ثلّم البيض ضرابا و انثلم‏ (5)

أ تراني دون من رام العلى # في اللّيالي منذ عاد و إرم‏

و دنيّ ضارع عن أمره # أخذ العرب بتيجان العجم‏

كم أب لي جدّ في إحرازها # يحرق النّاب عليها و ابن عمّ‏

طلبوها فهوى بعضهم، # و رمى بعض إليها فغنم‏

صبروا فيها على كلّ أذى، # و لقوا من دونها كلّ ألم‏

إن يكن ملك، فمثلي ناله، # أو يكن حتف، فإنّي لم ألم‏

____________

(1) لمم: جنون.

(2) الجذى، جمع جذوة: الجمرة الملتهبة.

(3) عقبا: متعاقبا، أي يتعاقب على أطراف بنانه الرمح و القلم.

(4) الرجم: القبر.

(5) العضب: السيف القاطع.

375

إنّما يهلك منّي ماجد # يولغ السّيف عراقيب النّعم‏ (1)

ناقص الأموال في بذل النّدى، # زائد الخطو إلى ضرب القمم‏

نحن قوم قسم اللّه لنا # بالرّزايا، و رضينا بالقسم‏

إنّما قصّر من آجالنا # أنّنا نأنف من موت الهرم‏

نصف عيش المرء حلم، و الذي # يعقل العاقل منه كالحلم‏

تأبى الليالي‏

(المجثث)

في هذه القصيدة يذكر الرضي تعتب الوزير أبي القاسم علي بن أحمد المعروف بالبرقوهي لأمر بلغه فأوحشه، و هو يصف أفعاله و يستصوب رأيه.

تأبى اللّيالي أن تديما # بؤسا لخلق، أو نعيما

و نوائب الأيّام يطرقـ # ن الورى بيضا و شيما (2)

و الدّهر يوجف فيه معو # جّ الطّريق و مستقيما (3)

و المرء بالإقبال يبـ # لغ وادعا خطرا جسيما

و ينال بغيته، و ما # أنضى الذّميل و لا الرّسيما (4)

و إذا انقضى إقباله # رجع الشّفيع له خصيما

____________

(1) العراقيب، جمع عرقوب: هو من الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها -النعم: الإبل الراعية.

(2) الشيم: الأسود.

(3) يوجفه: يجعله يعدو عدوا سريعا.

(4) أنضى: أهزل-الذميل و الرسيم: نوعان من العدو.

غ

376

بينا يسيغ شرابه، # حتّى يغصّ به وجوما (1)

و هو الزّمان إذا نبا # سلب الذي أعطى قديما

كالرّيح ترجع عاصفا، # من بعد ما بدأت نسيما

يستكهم العضب القطو # ع، و يزلق الرّمح القويما (2)

و يعود بالرّأس الطّمو # ح العين مطراقا أميما (3)

كم ذابل قاد الجيا # د القبّ يعلكن الشّكيما (4)

كعواسل الذّؤبان يذرعـ # ن الأماعز و الخروما (5)

و مجمّر للجيش قد # نسيت ضوامره الجموما (6)

قلق على الأنماط حـ # تّى يدرك الثّار المنيما (7)

لا يصدر الرّايات حـ # تّى يعتصرن دما جموما (8)

عصف الحمام به، و فـ # رّق ذلك الجمع العميما

و رمى به غرض الرّدى، # عريان قد خلع النّعيما

زال الوزير، و كان لي # وزرا أجرّ به الخصوما

فالآن أغدو للعدا # و نبالها غرضا رجيما

سدّ العلى، و أنار لا # فظّ القضاء، و لا ظلوما

حتّى، إذا لم يبق إ # لا أن يلام و أن يليما

____________

(1) الوجوم: العبوس و الامساك عن الكلام.

(2) يستكهم العضب: يجعل السيف القاطع كليلا.

(3) الأميم: المصاب برأسه.

(4) الذابل: الرمح اللين-القب، جمع أقب: الجواد الضامر.

(5) العواسل: المضطربة من سيرها-يذرعن يمددن الأيدي في السير- الأماعز: الأراضي الغليظة-الخروم، جمع خرم: أنف الجيل.

(6) جمّر الجيش: حبسه في أرض العدو-الجموم: الراحة.

(7) الأنماط، جمع نمط: ضرب من البسط.

(8) الجموم: المتجمع.

377

طرح العناء على اللّئا # م مجانبا و مضى كريما

لم يعتقله الحبس ممـ # تهنا، و لم يعزل ذميما

أفنى العدا، و قضى المنى، # و بنى العلى، و نجا سليما

الحامل العب‏ء الذي # أعيا المصاعب و القروما (1)

سئموه، فاحتمل المغا # رم لا ألفّ، و لا سئوما (2)

أنقاهم جيبا، إذا # عدّوا، و أملسهم أديما

وجه كأنّ البدر شا # طره الضّياء، أو النّجوما

لو قابل اللّيل البهيـ # م لمزّق اللّيل البهيما

يجلو الهموم، و ربّ وجـ # ه إن بدا جلب الهموما

خلص النّجيّ مشاورا # قلبا على النّجوى كتوما (3)

و منبّها عزما، إذا # ما هزّ لم يوجد نئوما

في الأمر يتّهم القريـ # ب عليه، و الخلّ الحميما

حتّى سما، فحدا بها # بزلاء ناجية سعوما (4)

كان العظيم، و غير بد # ع منه إن ركب العظيما

خطط يجبّنّ المشـ # جّع، أو يسفّهن الحليما

و الحرّ من حذر الهوا # ن يزايل الأمر الجسيما

و يليح من خوف الأذى # فرقا، و يدّرع الكلوما (5)

و الضّيم أروح منه مط # رور الظّبى بلغ الصّميما

بعثوا سواك لها فكا # ن مبلّدا عنها مليما

____________

(1) القروم: الفحول.

(2) الألفّ: العاجز، البطي‏ء.

(3) النجي: حامل الأسرار.

(4) البزلاء: الناقة التي برز نابها-الناجية: السريعة-السعوم: التي تسير السعم و هو ضرب من السير.

(5) يليح: يظهر.

378

و العاجز المأفون أقـ # عد ما يكون إذا أقيما (1)

فسقى بلادك حيث كنـ # ت المزن منبعقا هزيما (2)

فلقد سقى خدّيّ ذكـ # رك دمع عينيّ السّجوما

و رعتك عين اللّه مقـ # لاق الرّكائب، أو مقيما

انا ابن الألى‏

(الطويل)

من الرّكب ما بين النّقا و الأناعم # نشاوى من الإدلاج ميل العمائم‏ (3)

وجوه كتخطيط الدّنانير لاحها، # مع البيد، إضباب الهموم اللّوازم‏ (4)

كأنّ القطاميّات فوق رحالهم، # سوى أنّها تأبى دنيّ المطاعم‏ (5)

على مصغيات للأزمّة ساقطت # من النّيّ ما بين الذّرى و المناسم‏ (6)

ذكرناكم، و العيس تهوي رقابها، # و أيماننا مبلولة بالقوائم‏ (7)

فأضعفنا عن حمل أسيافنا الهوى، # و نقّض منّا مبرمات العزائم‏

إذا هزّنا الشّوق اضطربنا لهزّه # على شعب الرّحل اضطراب الأراقم‏

و خفّت قلوب من رجال كما هفت # نزائع طير غدوة بالقوادم‏

فمن صبوات تستقيم لمائل؛ # و من أريحيّات تهبّ بنائم‏

____________

(1) المأفون: الضعيف الرأي و العقل.

(2) منبعقا: مندفعا بقوة-هزيما: راعدا.

(3) النقا و الأناعم: موضعان-الادلاج: السير ليلا.

(4) الإضباب، من أضب اليوم: صار ذا ضباب.

(5) القطاميات، جمع قطامي: الصقر.

(6) الني: الشحم، السمن-المناسم: الطرق، جمع منسم.

(7) تهوي: تسرع.

379

و في الجيرة الغادين كلّ ممنّع # يشير إلينا عن بروق المباسم‏

و يجلو لنا لمع الغمام و بشره، # و أين لنا منه بجود الغمائم‏

صفحن إلينا عن خدود أسيلة، # دنوّ العواطي من ظباء الصّرائم‏ (1)

و رفّعن أطراف السّجوف فصرّحت # عن الوجد أدواء القلوب الكواتم‏ (2)

و كيف تراهنّ العيون، و إنّما # شغلن المآقي بالدّموع السّواجم‏

يعاطين إعطاء الذّلول طماعة، # و يصددن صدّات الجياد القوادم‏

تزودّن منّا كلّ قلب و مهجة، # و زوّدننا للوجد عضّ الأباهم‏

خليليّ هل زال الأراك و قد عفت # مغارز أعناق اللّوى و المخارم‏

و كيف أعالي الرّمل منذ تحدّبت # عليها الزّباني بالغمام الرّوائم‏ (3)

أحبّ ثرى أرض أقام بجوّها # حبيب إلى قلبي، و إن لم يلائم‏

و أستشرف الأعلام حتّى تدلّني # على طيبها مرّ الرّياح الهواجم‏

و ما أنسم الأرواح إلاّ لأنّها # تجوز على تلك الرّبى و المعالم‏

برغمي أنزلت الهوى عند مانع، # و دمت على عهد امرئ غير دائم‏

كأنّي أداري مهرة عربيّة، # تحايد عنّي من مناط الشّكائم‏ (4)

و هذا، و ما ابيضّ السّواد، فكيف بي # إذا الشّيب أمسى ليلة من عمائمي‏

و كنت أرى أنّ الشّباب وسيلة، # لمثلي، إلى بيض الخدود النّواعم‏

أنا ابن الألى إن ما دعوا يوم معرك # أمدّوا أنابيب القنا بالمعاصم‏

من القوم تعلو في المجامع منهم # مناصب أعناق رزان الجماجم‏

مليئون في يوم القضاء إذا انتدوا # بجدع القضايا من أنوف المظالم‏

____________

(1) العواطي، جمع عاطية: الظبية تتطاول من الشجر لتتناول منه.

(2) السجوف: الأستار.

(3) الزباني، جمع زبون: الناقة التي تزبن حالبها أي تدفعه عنها.

(4) المناط: موضع التعليق-الشكائم، جمع شكيمة: حديدة اللجام المعترضة في فم الفرس.

380

و إن منعوا النّصف اقتضوه و أفضلوا # على النّصف بالأيدي الطّوال الغواشم‏ (1)

إذا نزلوا بالماحل استنبتوا الرّبى، # و كانوا نتاجا للبطون العقائم‏

قروا في حياض المجد و استدرعوا القنا # إلى نيل أعناق الملوك القماقم‏ (2)

يسيرون بالمسعاة لا السّعي بالخطى، # و يرقون بالعلياء لا بالسّلالم‏ (3)

و ما منهم إلاّ امرؤ شبّ ناشئا # على نمطي بيضاء من آل هاشم‏

فتى لم تورّكه الإماء، و لم تكن # أعاريبه مدخولة بالأعاجم‏ (4)

إذا همّ أعطى نفسه كلّ منية، # و قعقع أبواب الأمور العظائم‏

و ما اتّخذوا إلاّ الرّماح سرادقا، # و لا استنوروا إلاّ بضوء اللّهاذم‏ (5)

و ما فيهم من يقسم القوم أمره، # و لا ضارع ينقاد طوع الخزائم‏ (6)

و لا واهن إن عضّه الأمر هابه، # و ألقى مقاليد الذّليل المسالم‏

يبيت على خور الحشايا، و غيره # على ظهر جماح من اللّيل عارم‏ (7)

لنا عفوات الماء من كلّ منهل، # موارد آساد العرين الضّراغم‏ (8)

أبى العزم إلاّ وثبة في ظهورها، # إذا أثقلت أعناقها بالمغارم‏

عوابس إن قلّقن يوما لغاية، # هتمن بنا روق الرّبى و المخارم‏ (9)

و كيف أخاف اللّيل أنّى ركبته، # و بيني و بين اللّيل بيض الصّوارم‏

____________

(1) النّصف: الانصاف-الغواشم: الظوالم و الغواصب.

(2) قرى الماء في الحوض: جمعه-القماقم: الأسياد.

(3) المسعاة: المكرمة.

(4) تورّكه: تجعله على أوراكها، أي تربيه.

(5) السرادق: ما يمد فوق البيت-اللهاذم: الأسنة القاطعة.

(6) الخزائم، جمع خزامة: حلقة من شعر تجعل في أنف البعير يشد فيها الزمام.

(7) الخور: المنخفض من الأرض-الحشايا: الفرش المحشوّة.

(8) عفوات الماء: صفوته.

(9) هتمن: كسرن-الروق: القرن-المخارم: جمع مخرم: أنف الجبل.

381

و جمع، إذا هزّوا اللّواء تجاوبت # جوانبه من أزمل و زمازم‏ (1)

له لغط من اصطكاك رماحه، # تنقّ عواليها نقيق العلاجم‏ (2)

و تحسبه ممّا تضايق واقفا، # و ما ردّ من غرب الجياد الصّلادم‏ (3)

به كلّ هفّاف القميص شمردل # تفرّج عن وجه نقيّ المقادم‏ (4)

بطعن كما انعطّ الأديم أرقّه # تعاور أيدي الخارزات الخوازم‏ (5)

و تعرف في عرنينه المجد ساهما، # على عقب الإدلاج، أو غير ساهم‏

لويت إلى ودّ العشيرة جانبي، # على عظم داء بيننا متفاقم‏

و نمت عن الأضغان حتّى تلاحمت # جوائف هاتيك النّدوب القدائم‏

و قلّمت أظفاري، و كنت أعدّها # لتمزيق قربى بيننا و المحارم‏

و روّحت حلمي بعد ما غرّبت به # ذنوب بني عمّي غروب السّوائم‏

و أوطأت أقوال الوشاة أخامصي، # و قد كان سمعي مدرجا للنّمائم‏

و سالمت لمّا طالت الحرب بيننا؛ # إذا لم تظفّرك الحروب، فسالم‏

و قد كنت أصميهم بعوز نوافذ # تئنّ لها الأعراض يوم الخصائم‏ (6)

صوائب من نبل العداوة لم تزل # تعطّ قلوبا من وراء الحيازم‏ (7)

____________

(1) الأزمل: الصوت المختلط-الزمازم: الأصوات البعيدة التي لها دوي.

(2) اللغط: الأصوات المبهمة-تنق: تصيح كالضفادع-العلاجم، جمع علجوم: ذكر الضفادع.

(3) غرب: حدة-الصلادم: الصلبة الحوافر، جمع صلدم.

(4) الهفاف: الرقيق الشفاف-الشمردل: الفتى الحسن الخلق-تفرج:

تكشف-مقادم الوجه: ما استقبلت منه.

(5) انعط الأديم: انشق الجلد-تعاور: تداول-الخارزات، من خرزه:

ثقبه بالمخرز و خاطه-الخوازم، من خزم النعل: جعل لها خزامة و هي سير رقيق يخزم، أي يجمع بين أقسام الحذاء.

(6) العور، جمع عوراء: الكلمة القبيحة.

(7) تعط: تشق.

382

سيرضون منّي عن أياد كوامل # و من قبل ما نيلوا بأيد كوالم‏

قضيت بهم حقّ الحفائظ مدّة، # و لا بدّ أن أقضي حقوق المكارم‏

فإن عاودوا رجمي بغيب، فإنّها # جنادل عندي مل‏ء كفّ المراجم‏

و كم عجموني، فانسللت مهذّبا، # و أتّر عودي في النّيوب العواجم‏

و بي يستسيغ الرّيق قوم، و إنّني، # إذا شئت، من قوم شجا في الحلاقم‏

إذا لم يكن إلاّ الحمام، فإنّني # سأكرم سمعي عن مقال اللّوائم‏

و ألبسها حمراء تضفو ذيولها # من الدّم بعدا عن لباس الملاوم‏

فمن قبل ما اختار ابن الاشعث عيشه # على شرف باق رفيع الدّعائم‏

فطار ذميما قد تقلّد عارها، # بشرّ جناح يوم دير الجماجم‏ (1)

و جاءهم يجري البريد برأسه، # و لم يغن إيغال به في الهزائم‏

و قد حاص من خوف الرّدى كلّ حيصة، # فلم ينج، و الأقدار ضربة لازم‏ (2)

و هذا يزيد بن المهلّب نافرت # به الذّلّ أعراق الجدود الأكارم‏ (3)

و قال، و قد عنّ الفرار أو الرّدى، # لحى اللّه أخزى ذكرة في المواسم‏

و ما غمرات الموت إلاّ انغماسة، # و لا ذي المنايا غير تهويم نائم‏ (4)

رأى أنّ هذا السّيف أهون محملا # من العار يبقى وسمه في المخاطم‏

و ما قلّد البيض المباتير عنقه # سوى الخوف من تقليدها بالأداهم‏ (5)

فعاف الدّنايا و امتطى الموت شامخا، # بمارن عزّ لا يذلّ لخاطم‏ (6)

____________

(1) دير الجماجم: موضع قرب الكوفة كانت فيه وقعة بين الحجاج و ابن الأشعث، هزمه الحجاج فيها.

(2) حاص: عدل و حاد.

(3) يزيد: هو ابن المهلب بن أبي صفرة، عامل لبني أمية، حارب هو و ولداه يزيد و المغيرة الخوارج.

(4) التهويم: تحريك الرأس من أثر النعاس.

(5) المباتير: القواطع-الأداهم: القيود.

(6) المارن: الأنف.

383

و قد حلّقت خوف الهوان بمصعب # قوادم أبّاء كريم المقاوم‏ (1)

على حين أعطوه الأمان، فعافه، # و خيّر، فاختار الرّدى غير نادم‏

و في خدره غرّاء من آل طلحة، # علاقة قلب للنّديم المخالم‏ (2)

تحبّب أيّام الحياة، و إنّها # لأعذب من طعم الخلود لطاعم‏

ففارقها و الملك لمّا رآهما # يجرّان إذلال النّفوس الكرائم‏

و لمّا ألاح الحوفزان من الرّدى # حداه المخازي رمح قيس بن عاصم‏ (3)

و غادرها شنعاء إن ذكرت له # من العار طأطأ رأس خزيان واجم‏ (4)

لذاك مني بعد الفرار أميّة # بشقشقة لوثاء من آل دارم‏ (5)

و سلّ لها سلّ الحسام ابن معمر # فكرّ على أعقاب ناب بصارم‏

تورّد ذكري كلّ نجد و غائر، # و ألجم خوفي كلّ باغ و ظالم‏

و هدّد بي الأعداء في المهد لم يحن # نهوضي، و لم أقطع عقود تمائمي‏ (6)

و عندي يوم لو يزيد و مسلم # بدا لهما لاستصغرا يوم واقم‏ (7)

على العزّ مت لا ميتة مستكينة، # تزيل عن الدّنيا بشمّ المراغم‏

و خاطر على الجلّى خطار ابن حرّة، # و إن زاحم الأمر العظيم، فزاحم‏

____________

(1) مصعب: هو مصعب بن الزبير أخو عبد اللّه بن الزبير.

(2) غراء من آل طلحة: هي عائشة بنت طلحة، و كانت زوج مصعب بن الزبير، اشتهرت بأدبها و جمالها-المخالم: المصادق.

(3) ألاح: أعرض-الحوفزان: أحد أبطال العرب المشهورين-قيس بن عاصم: من كبار سادات العرب و أبطالها.

(4) شنعاء: زوج الحوفزان.

(5) الشقشقة: هدير الفحل-اللوثاء: المسترخية، البطيئة-دارم: هي من تميم.

(6) التمائم، جمع تميمة: ما يعلق في عنق الصبي لرد العين. و قوله: لم أقطع عقود تمائمي: كناية عن أنه كان بعد فتيا.

(7) واقم: حصن بالمدينة المنوّرة.

غ

384

قافية النون‏

الدهر المخوف‏

(الرجز)

تأمل أن تفرح في دار الحزن، # و توطن المنزل في دار الظّعن‏

هيهات يأبى لك جوّال الرّدى، # لبث المقيمين، و خوّان الزّمن‏

لا تصحبن دهرك، إلاّ خائفا # فراق إلف و نبوّا عن وطن‏ (1)

و كن إلى نبأة كلّ حادث # كالفرس الأروع صرّار الأذن‏ (2)

قام به الخوف، و لم يرض بأن # قام على أربعة حتّى صفن‏ (3)

خف شرّها، آمن ما كنت لها، # إنّ الضّنين لمكان للظّنن‏

نحن مع الأيّام في وقائع # من المقادير و غارات تشنّ‏

إنّ رماح الدّهر يلقين الفتى # بغير عرفان الدّروع و الجنن‏ (4)

داخلة بين القرينين، و إن # لزّا على الدّهر بإمرار القرن‏ (5)

ما استأخرت شدّاتها عن معشر # بعد قطين اللّه، أو آل قطن‏ (6)

____________

(1) النبو: البعد.

(2) صرار الأذن، من صرّ الفرس أذنه: نصبها للاستماع.

(3) صفن الفرس: قام على ثلاث قوائم و طرف حافر الرابع.

(4) الجنن، جمع جنّة: الترس، الوقاية.

(5) لزّا: قرنا، ألصقا-الامرار: الفتل.

(6) قطين اللّه: أهل مكة المكرمة-آل قطن: أراد قطن النار أي أقام على نار المجوس.

385

و لا نبت أطرافها عن حجر # من مضر ذات القوى، و لا اليمن‏

رمت بني ساسان عن مربعهم # رمي المغالي آمن الطّير الثّكن‏ (1)

و استلبت تاج بني محرّق، # بعد قياد الصّعب من آل يزن‏

و صدّعت غمدان عن مرضومة، # جوبك بالمقراض أثواب الرّدن‏ (2)

و آل مروان غطاهم موجها، # لمّا نزت بآل مروان البطن‏ (3)

ثمّ بنو القرم العتيكيّ، و قد # ردّوا يزيد العار مخلوع الرّسن‏

لاقى خبيب و يزيد روقها # من غيبة ماطرها القنا اللّدن‏

أبوا إباء البزل فاقتادتهم # من المقادير مطاعات الشّطن‏

ألاّ ذكرت، إن طلبت أسوة، # ما يضمن الأسوة للقلب الضّمن‏ (4)

يوم بني الصّمّة في عرض اللّوى، # و يوم بسطام بن قيس بالحسن‏

و يوم خوّ أسلمت عتيبة # خصاصة الدّرع الذي كان أمن‏ (5)

أوجره رمح ذؤاب طعنة # تلغط لغط الأعجميّ لم يبن‏ (6)

و بالكديد ملتقى ربيعة # تحمي بعيد الموت آبار الظّعن‏ (7)

كأنّني لم تبك قبلي فارسا # عين، و لا حنّ فتى قبلي و أنّ‏ (8)

____________

(1) المغالي، جمع مغلاة: السهم يرمى به إلى أقصى الغاية-الثكن، جمع ثكنة: السرب من الحمام.

(2) غمدان: قصر باليمن-مرضومة: صخرة-جوبك: قطعك-الردن:

الغزل و الخز.

(3) البطن: الأشر، المتموّل، من همّه بطنه.

(4) الضمن: العاشق، المبتلي.

(5) الخصاصة: كل خلل في باب أو برقع أو نحوهما، و الخصاصة: الشي‏ء القليل.

(6) أوجره: طعنه بالرمح-اللغط: الكلام المبهم.

(7) الكديد: ما بين الحرمين الشريفين-الظعن، جمع ظعينة: الهودج فيه امرأة.

(8) أنّ: توجّع.

غ

386

هل كان كلّ النّاس إلاّ هكذا: # ذو شجن باك لباك ذي شجن‏

سائل بقومي لم نبا الدّهر بهم # عن غير ضغن و رماهم عن شزن‏ (1)

لم راشهم ريش السّهام للعدا، # ثمّ براهم بالرّدى بري السّفن‏ (2)

و كيف أمسوا حفنات من ثرى، # من بعد ما كانوا رعانا و قنن‏ (3)

سوم السّفا طاحت به في مرّها # زفازف الرّيح و بوغاء الدّمن‏ (4)

هم أجلسوا على الصّفاح و الذّرى # إذ رضي القوم بما تحت الثّفن‏ (5)

لهم على النّاس، و ما زال لهم # مشارف الرّأس على جمع البدن‏

عماعم لمّا تزل أسيافهم # عماعم الصّيد و أقياد البدن‏ (6)

بالقدم الأولى إلى شأو العلى، # و الأذرع الطّولى إلى عقد المنن‏ (7)

كيف أماني للمرامي بعدهم # من نوب الدّهر، و قد زال المجنّ‏

الدّاخلين البيت باباه القنا، # على الخناذيذ الطّوال و الحصن‏ (8)

و الفالقين الصّبح عن مغيرة، # لها من النّقع ظلام مرجحنّ‏ (9)

و الضّاربين الهام في مشعلة، # لها بلا نار ضرام و دخن‏ (10)

____________

(1) الشزن: الإعياء الشديد.

(2) السّفن: كل ما ينحت به.

(3) الرعان، جمع رعن: أنف يتقدم الجبل، أشار بها الى رفعة المقام- القنن: الجبال.

(4) السوم: مر الرياح-السفا: التراب-زفازف الريح: الرياح الشديدة الهبوب-البوغاء: التراب الثائر.

(5) الثفن: داء في الثفنة و هي الركبة و مجتمع الساق و الفخذ.

(6) العماعم: الجماعة المتفرقة-الصيد، جمع أصيد: الذي يرفع رأسه كبرا، الأسياد-البدن، جمع بدنة: الناقة المسمّنة، و هي من الإبل و البقر كالأضحية من الغنم تهدى الى مكة.

(7) الشأو: الغاية، الأمد.

(8) القنا: الرماح-الخناذيذ، جمع خنذيذ: رأس الجبل المشرف، و الحصن.

(9) النقع: الغبار-مرجحن: ثقيل.

(10) المشعلة: من أشعل الخيل في الغارة أي أطلقها-الدخن: الدخان.

387

كم فاض في أبياتهم منتجع # يقرن بالنّعمى و قرن في قرن‏ (1)

إذا تنادوا للّقاء فيلق # تداولوا الأعناق من أسر و منّ‏

ما درنت أعراضهم من الخنا، # و لا انجلت أسيافهم من الدّرن‏ (2)

كلّ عظيم منهم محجّب # تأذن أبواب الغنى إذا أذن‏

ذو نسب تستخجل الشمس به # أصفى على السّائغ من ماء المزن‏

له القدور الضّامنات للقرى، # مبارك البزل الجرار بالعطن‏ (3)

من كلّ دهماء لها هماهم، # تلقّم البازل جمعا كالفدن‏ (4)

إنّ العشار لا تقي من سيفه # دماءها، عام الجدوب باللّبن‏ (5)

أما ترى هذا الصّفيح المجتلى # يدرجنا درج الزّميل الممتهن‏ (6)

كأنّما النّاس به من ذاهب # و واهب يجري على ذاك السّنن‏

مزبورة تطوى على أشطارها، # يبطن باديها و يبدو ما بطن‏ (7)

ما أعجب النّاس الذي نسكنه # يجمع ما بين الوهاد و القنن‏

بين عظامي ملك و سوقة # لم يدر ما العزّ و نام و يفن‏ (8)

لو علم النّاظر يوما ما هما # أفظعه الخطب، و قال: من و من‏

____________

(1) المنتجع: طالب المعروف-القرن: الكفؤ بالشجاعة-القرن: الحبل يجمع بين بعيرين.

(2) درنت: اتسخت-الدرن: الدم.

(3) الجرار: المجترة-العطن: مبرك الإبل.

(4) الجمع: القبضة من الشي‏ء-الفدن: المسمن من الإبل، و الفدن أيضا هو البناء المشيّد.

(5) العشار، جمع عشراء: هي التي مضى على حملها عشرة أشهر.

(6) الصفيح: وجه السماء-يدرجنا: يقرضنا-الزميل: الجبان-الممتهن:

المحتقر.

(7) المزبورة: البئر المردومة بالحجارة.

(8) اليفن: الشيخ الكبير.

388

أقسمت لا أنساهم ما طلعت # حمراء من خدر ظلام و دجن‏

إمّا بكاء بالدّموع ما جرت، # أو بالفؤاد إن أبى الدّمع و ضنّ‏

أنكرت أفراح الزّمان بعدهم، # من طول بلواي بروعات الحزن‏

زدن الرّزايا، فنقصن دفعة، # و وطّن القلب عليها، فاطمأنّ‏

قل للزّمان: ارحل بهم من بازل # و احمل على غاربه، فقد مرن‏

نعوه‏

(المتقارب)

يرثي الرضي هنا أبا عبد اللّه الحسين بن أحمد بن الحجاج الشاعر المشهور علي البديهة. و قد توفي بمصر في جمادى الآخرة سنة 391 و حمل تابوته الى بغداد، و كانت بينهما صداقة.

نعوه على ضنّ قلبي به، # فللّه، ما ذا نعى النّاعيان‏

رضيع ولاء له شعبة # من القلب فوق رضيع اللّبان‏

بكيتك للشّرّد السّائرا # ت تعبق ألفاظها بالمعاني‏

مواسم تعلط منها الجباه، # بأشهر من مطلع الزّبرقان‏ (1)

جوائف تبقى أخاديدها # عماقا و تعفو ندوب الطّعان‏ (2)

تبضّ إلى اليوم آثارها # بأحمر من عاند الطّعن قاني‏ (3)

____________

(1) تعلط: توسم-الزبرقان: القمر.

(2) الجوائف: جمع جائفة: الطعنة تبلغ الجوف-تعفو: تمحى آثارها- الندوب، جمع ندبة: أثر الجرح الباقي على الجلد.

(3) تبض: تسيل-العاند: العرق لا ينزف.

389

قعاقعهنّ تشنّ الحتوف، # إذا هنّ أوعدن لا بالشّنان‏ (1)

و ما كنت أحسب أنّ المنون # تفلّ مضارب ذاك اللّسان‏

لسان هو الأزرق القعضبيّ، # تمضمض من ريقة الأفعوان‏ (2)

له شفتا مبرد الهالكيّ، # أنحى بجانبه غير واني‏ (3)

إذا لزّ بالعرض مبراته # تصدّع صدع الرّداء اليماني‏ (4)

يرى الموت أن قد طوى مضغة، # و لم يطو إلاّ غراري سنان‏ (5)

فأين تسرّعه للنّضال، # و هبّاته للطّوال اللّدان‏

يشلّ الجوائح شلّ السّياط، # و يلوي الجوانح ليّ العنان‏ (6)

فإن شاء كان حران الجماح، # و إن شاء كان جماح الحران‏ (7)

يهاب الشّجاع غذاميره، # على البعد منه، مهاب الجبان‏ (8)

و تعنو الملوك له خيفة، # إذا راع قبل اللّظى بالدّخان‏ (9)

و كم صاحب كمناط الفؤاد، # عناني من يومه ما عناني‏

قد انتزعت من يديّ المنون، # و لم يغن ضمّي عليه بناني‏

فزل كزيال الشّباب الرّطيـ # ب، خانك يوم لقاء الغواني‏

ليبك الزّمان طويلا عليك، # فقد كنت خفّة روح الزّمان‏

____________

(1) القعاقع: صوت السلاح عند تحريكه-تشن: تفرق، توزع-الحتوف، جمع حتف: الموت-الشنان: القرب البالية.

(2) الأزرق: النصل-القعضبي: الشديد-الأفعوان: ذكر الحيّات.

(3) الهالكي: الحداد-انحى: اعتمد.

(4) لزّ: ألصق، تصدع، انشق.

(5) الغرار: حد السيف أو الرمح.

(6) الجوائح: الشدائد، جمع جائحة-الجوانح: أضلاع الصدر، جمع جانحة، و قد جانس بين اللفظتين.

(7) الحران: وقوف الدابة في المكان لا تبرحه-الجماح، من جمح الفرس:

استعصى ركوبه.

(8) الغذامير: الغضب، جمع غذمرة.

(9) تعنو: تخضع.

غ

390

ريب الزمان‏

(الرجز)

أصيب بهاء الدولة بوعكة ثم زالت عنه، فوضع الشاعر في ذلك هذه القصيدة.

أقول، و الأقدار ترتمينا، # و الدّهر لا يحفل ما لقينا:

ما بال قلبي يطلب الحنينا؛ # وجد القرين افتقد القرينا

و ما لدمعي يقرب الشّئونا، # قد كاد أن يطّلع الجفونا (1)

من خبر لا جاءنا يقينا، # بأنّ عين الكرم اليمينا

تقذى، و قد أقرّت العيونا، # قلوبنا أسمعننا الأنينا

و قمن يا آمالنا، فابكينا، # هيهات يلقى من زمان لينا

لا نهضت عن مثله السّنونا، # أعيا العقيم أن ترى البنينا

يا من لنا اليوم نلاقي الهونا، # يؤمّنا بعدك أو يأبونا (2)

أم من على أيّامنا يعدينا، # و يعكس السّهم إلى رامينا (3)

أم من يعيد النّعم العزينا، # جوافلا تشجر بالقنينا (4)

شجر المداري القطط الدّهينا، # اللّه يا ريب الزّمان فينا (5)

أبق على الدّنيا و حاب الدّينا، # ما لك لا تنظرنا الدّيونا

____________

(1) يقرب الشئون: يقربها للامتلاء-الشئون، جمع شأن: مجرى الدمع -يطلع الجفون: يتدفق منها.

(2) يؤمّنا: يتخذنا أما-يأبونا: يتخذنا أبا.

(3) يعدينا: ينصرنا.

(4) النعم: الماشية-العزين: الجماعات المتفرقة-تشجر: تتشابك-القنين، الواحدة قنة: رأس الجبل.

(5) المداري: الأمشاط-القطط: الشعر المجعّد-الدهين: المدهون.

391

تأخذ منّا كلّ ما تعطينا؛ # لا غضت ذاك الثّغب المعينا (1)

يا ليته يوقى، و لا وقينا، # بين يديه، نرد المنونا

لا كان ما نحذر أن يكونا

أسقى دموعي‏

(البسيط)

في هذه القصيدة يصف الرضي اليوم الذي قبض فيه على الخليفة الطائع للّه، و خروجه من داره سليما و قد سلبت ثياب أكثر القضاة و الأشراف و امتهنوا، و يذم الزمان. و كان ذلك في شعبان سنة 381.

لواعج الشّوق تخطيهم و تصميني، # و اللّوم في الحبّ ينهاهم و يغريني‏ (2)

و لو لقوا بعض ما ألقى نعمت بهم، # لكنّهم سلموا ممّا يعنّيني‏

و بالكثيب إلى الأجزاع نازلة # علقت منها بوعد غير مضمون‏ (3)

ما سوّغوني برد الماء مذ حظروا # عليّ برد اللّمى و الشّوق يظميني‏ (4)

يا منشظ الشّيح و الحوذان من يمن، # حيّيت فيك غزالا لا يحيّيني‏ (5)

ترى الغريم الذي طال اللّزوم له # في الحيّ موّل من بعدي فيقضيني؟

إنّ الخليّ، غداة الجزع، عيد به # إلى ضمير معنى اللّبّ مفتون‏

لو لا ظباء معاطيل سنحن لنا # ما كان يذهل عن عقل و عن دين‏ (6)

____________

(1) غضت، من غاض الماء: نقص-الثغب: غدير الماء-المعين: الجاري.

(2) تصميني: تصيبني.

(3) الأجزاع، جمع جزع: منعطف الوادي.

(4) سوغوني: أساغوا غصتي و أزالوها-حظروا: منعوا.

(5) منشظ، من نشظ النبات: ظهر-الشيح و الحوذان: نوعان من النبات.

(6) معاطيل: لم يكن عليهن حلي-سنحن: برزن من على اليمين.

392

قد كاد ينجو بجدّ من عزيمته، # فعارضته عيون الرّبرب العين‏ (1)

ماء النّقيب، و لو مقدار مضمضة، # شفاء و جدي، و غير الماء يشفيني‏ (2)

و نشقة من نسيم البان فاح بها # جنح من اللّيل تجري في العرانين‏

أسقى دموعي إذا ما بات في سدف # صرير أثل بداريّا يغنّيني‏ (3)

و صاحب و قذ التّهويم هامته، # ناديته، و رواق اللّيل يؤويني‏ (4)

فقام قد غرغرت في رأسه شده، # يمضي على الكره أمري، أو يلبّيني‏ (5)

لا غرّ قومك، كم نوم على ضمد # سقما و لو بطرير الغرب مسنون‏ (6)

و ضاربات بلحييها على أضم # من اللّغوب نحاف كالعراجين‏ (7)

أبلى أزمّتها بعد المدى، و غدت # من الوجى بين معقول و مرسون‏ (8)

مغرورقات المآقي كلّما نظرت # برقا يضي‏ء كفاف الغرّ و الجون‏ (9)

هيهات بابل من نجد لقد بعدت، # على المطيّ، مرامي ذلك البين‏ (10)

سلني عن الوجد إنّي، كلّ شارقة، # يريشني الوجد، و الأيّام تبريني‏

من لي ببلغة عيش غير فاضلة # تكفّني عن قذى الدّنيا و تكفيني‏

____________

(1) الربرب: قطيع بقر الوحش-العين، جمع عيناء: المرأة الجميلة الواسعة العينين.

(2) النّقيب: موضع بين تبوك و عمان.

(3) السدف: الظلمة-الأثل: نوع من الشجر-داريا: قرية بالشام.

(4) و قذ التهويم: غلبه النعاس-التهويم: هز الرأس من النعاس.

(5) غرغر: صاح بصوت فيه بحّة-الشدة: الحيرة.

(6) الضمد: الحقد و الغيظ و الظلم-الطرير: المحدد-الغرب: الحد.

(7) لحييها، مثنى لحي: عظم الحنك الذي عليه الأسنان-أضم: حقد، حسد-اللغوب: التعب-العراجين، جمع عرجون: عنقود العنب المأكول.

(8) الوجى: الحفا-معقول و مرسون: مربوط.

(9) الكفاف، جمع كفة: حرف الشي‏ء-الغر: البيض-الجون: السود.

(10) البين: الناحية، القطعة من الأرض التي تكون بقدر مد البصر.

393

أخيّ، من باع دنياه و زخرفها # بصونه، كان عندي غير مغبون‏

قالوا: أتقنع بالدّون الخسيس، و ما # قنعت بالدّون بل قنّعت بالدّون‏

إذا ظننّا و قدّرنا جرى قدر # بنازل غير موهوم و مظنون‏

أعجب لمسكة نفس بعد ما رميت # من النّوائب بالأبكار و العون‏ (1)

و من نجائي، يوم الدّار، حين هوى # غيري و لم أخل من حزم ينجّيني‏

مرقت منها مروق النّجم منكدرا، # و قد تلاقت مصاريع الرّدى دوني‏ (2)

و كنت أوّل طلاّع ثنيّتها، # و من ورائي شرّ غير مأمون‏

من بعد ما كان ربّ الملك مبتسما # إليّ، أدنوه في النّجوى و يدنيني‏

أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه، # لقد تقارب بين العزّ و الهون‏

و منظر كان بالسّرّاء يضحكني، # يا قرب ما عاد بالضّرّاء يبكيني‏

هيهات أغترّ بالسّلطان ثانية، # قد ضلّ ولاّج أبواب السّلاطين‏

ما للحمام غدا، فاعتام زافرتي، # و اختار ما كان يعطيني و يمطيني‏ (3)

خلّى عليّ مرارات الحيا، و مضت # أحداثه بالمطاعيم المطاعين‏

يشجّعون عليّ الدّهر إن جبنت # خطوبه، و توقّى أن يناديني‏

إذا رأوا مدّه نحوي يدا وضعوا # فيها عظام جلاميد لترميني‏

أقارب لم يزل بي شرّ عرقهم، # عرق من اللّؤم يعديهم و يعدوني‏

تملّحوا بي كأنّي حمضة قطعت، # لا بدّ بعد مدى أن يستمرّوني‏ (4)

عزوا إليّ نصابا بعد تشظية، # و ألصقوا بي أديما بعد تعييني‏ (5)

هبوا أصولكم أصلي على مضض، # ما تصنعون بأخلاق تنافيني؟

أعطاكم السّجل قبل النّهر غرفته، # فارضوا بروق جمامي و استجمّوني‏ (6)

____________

(1) المسكة: الرأي، العقل الوافر، و مسكة النفس أيضا: البقية منها.

(2) المنكدر: المنقض.

(3) اعتام: اختار-زافرتي: عشيرتي-يمطيني: يركبني الدابة.

(4) الحمضة: المالح و المر من النبات-يستمروني: يستمرءوني أي يستسيغوني.

(5) التشظية: التفريق.

(6) السّجل: الدلو العظيمة.

394

كم الهوان كأنّي بينكم جمل، # في كلّ يوم قطيع الذّلّ يحدوني‏

لا تأمننّ عدوّا لان جانبه، # خشونة الصّلّ عقبى ذلك اللّين‏

و احذر شرارة من أطفأت جمرته، # فالثّار غضّ، و إن بقّي إلى حين‏

أنّى تهيب بي البقيا و أتبعها، # فلم أباق بها من لا يباقيني‏ (1)

توقّعوها، فقد شبّت بوارقها # بعارض كصريم اللّيل مدجون‏

إذا غدا الأفق الغربيّ مختمرا، # من الغبار، فظنّوا بي و ظنّوني‏

لتنظرنّي مشيحا في أوائلها، # يغيب بي النّقع أحيانا و يبديني‏

لا تعرفوني إلاّ بالطّعان، إذا # أضحى لثامي معصوبا بعرنيني‏

إقدام غضبان كظّته ضغائنه، # فمال يخلط مضروبا بمطعون‏ (2)

فإن أصب، فمقادير محجّزة، # و إن أصب، فعلى الطّير الميامين‏

أسل بدمعك‏

(البسيط)

أسل بدمعك وادي الحيّ، إن بانوا، # إنّ الدّموع على الأحزان أعوان‏

لا عذر بعد تنائي الدّار من سكن # لمدّعي الوجد لم يدمع له شان‏ (3)

حيّ الطّوالع من نجد تصونهم، # عن النّواظر، أنماط و كيران‏ (4)

رموا جيوب المطالي عن ميامنهم، # وشيحة الحزن يسراهم، و نجران‏ (5)

____________

(1) تهيب: تزجر.

(2) كظّته: ملأته.

(3) الشان: مجرى الدمع.

(4) الأنماط، جمع نمط: ثوب يطرح على الهودج-الكيران، جمع كور:

الرحل.

(5) الجيوب، جمع جيب: مدخل في الأرض-المطالي، جمع مطلى: مسيل ضيق-شيحة: اسم ماء قرب حلب-نجران: اسم موضع.

غ

395

سارت بقلبك في الأحشاء زفرته، # و استوقفتك بأعلى الرّمل أظعان‏

لمّا مررنا على تلك السّروب ضحى، # نضت إلى الرّبع أجياد و أعيان‏ (1)

من كلّ غيداء قد مال النّعيم بها، # كما تخايل بالبردين نشوان‏

كأنّما انفرجت عنهم قبابهم، # يوم الأنيعم، آجال و صيران‏ (2)

مستشرفات يعرّضن الخدود لنا، # كما تشوّف صوب المزن غزلان‏

لا يذكر الرّمل إلاّ حنّ مغترب، # له بذي الرّمل أوطار و أوطان‏

نهفو إلى البان من قلي نوازعه، # و ما بي البان بل من داره البان‏

أسدّ سمعي، إذا غنّى الحمام به، # ألاّ يبيّن سرّ الوجد إعلان‏

و ربّ دار أولّيها مجانبة، # و بي إلى الدّار أطراب و أشجان‏

إذا تلفّتّ في أطلالها ابتدرت # للعين و القلب أمواه و نيران‏

كلم بقلبي أداويه و يقرفه # طول ادّكاري لمن لي منه نسيان‏ (3)

لا للّوائم إقصار بلائمة # عن العميد، و لا للقلب سلوان‏

على مواعيدهم خلف، إذا وعدوا، # و في ديونهم مطل و ليّان‏

هم عرّضوا بوفاء العهد آونة، # حتّى إذا عذّبوني بالمنى خانوا

لا تخلدنّ إلى أرض تهون بها، # بالدّار دار، و بالجيران جيران‏

أقول للرّكب، قد خوّت ركابهم # من الكلال، و مرّ اللّيل عجلان‏ (4)

مدّوا علابيّها، و استعجلوا طلبا، # إذا رضي بالهوينا معشر هانوا (5)

نرجو الخلود، و باقينا على ظعن، # و الدّار قاذفة بالزّور، مظعان‏

إن قلّص الدّهر ما أضفاه من جدة، # فصنعة الدّهر إعطاء و حرمان‏ (6)

____________

(1) السروب: الطرق، جمع سرب-نضت: سبقت.

(2) الأنيعم: اسم موضع-الآجال، جمع إجل: قطيع بقر الوحش-الصيران:

قطيع البقر، جمع صوار.

(3) كلم: جرح-يقرفه: يقشّره.

(4) خوت: ضمرت بطونها-الكلال: التعب.

(5) العلابي، جمع علباء: عصب العنق.

(6) الجدة: الغنى، القدرة.

396

كم من غلام ترى أطماره مزقا، # و العرض أملس و الأحساب غرّان‏

إذا الفتى كان في أفعاله شوه، # لم يغن إن قيل: إنّ الوجه حسّان‏

لا تطلب الغاية القصوى فتحرمها، # فإنّ بعض طلاب الرّبح خسران‏

و العزم في غير وقت العزم معجزة، # و الازدياد بغير العقل نقصان‏

و اجعل يديك مجاز المال تحظ به، # إنّ الأشحّاء للورّاث خزّان‏

سيرعب القوم منّي سطو ذي لبد، # له بعثّر أعراس و ولدان‏ (1)

لا يطعم الطّعم إلاّ من فريسته، # إن يعدم القرن يوما فهو طيّان‏ (2)

ماشى الرّفاق يراعي أين مسقطهم، # و السّمع منتصب و القلب يقظان‏

يستعجل اللّيلة القمراء أوبتها، # إذا بنو اللّيل من طول السّرى لانوا

حتّى إذا عرّسوا في حيث تفرشهم # نمارق الرّمل أنقاء و كثبان‏ (3)

دنا كما اعتسّ ذو طمرين لمّظه # من فضلة الزّاد، بالبيداء، ركبان‏ (4)

ثمّ استقرّت به نفس مشيّعة، # لها من القدر المجلوب معوان‏

فعاث ما عاث، و استبلى عقيرته، # يجرّها مطعم للصّيد جذلان‏ (5)

قرن إذا طلب الأوتار عن عرض، # لم تفد منه دماء القوم ألبان‏ (6)

و غلمة أخذوا للرّوع أهبته، # لفّ البطون على الأعواد خمصان‏ (7)

طارت بأشباحهم جرد مسوّمة، # كأنّما خطفت بالقوم عقبان‏

من كلّ أعنق ملطوم بغرّته، # كأنّه من تمام الخلق بنيان‏

يمدّ للجرس مثل الآستين، إذا # خان التّوجّس أبصار و آذان‏ (8)

____________

(1) عثّر: اسم مأسدة.

(2) يطعم: يأكل-الطيان: الجوعان.

(3) عرّسوا: باتوا-النمارق: البسط، استعارها للرمل.

(4) اعتس: طاف بالليل-لمظه: أعطاه شيئا ليذوقه.

(5) عاث: أفسد-العقيرة: الطريدة القتيلة.

(6) القرن: الكفؤ-عن عرض: كيفما اتفق.

(7) الروع: القلب أو موضع الفزع منه-الخمص: الجوع.

(8) الجرس: الصوت الخفي-الآستين: أي أذنين كالآستين، مثنى آس- التوجس: التسمّع الى الصوت.

397

فاستمسكوا بنواصيها، و قد سقطت # من غائر الجري ألباب و أرسان‏

كأنّما النّخل تزفيه يمانية، # فاهت به ثمّ أعقاب و عيران‏ (1)

كعمت فاغرة الثّغر المخوف بهم، # يهفو بأيمانهم نبع و مرّان‏ (2)

كأنّ غرّ المعالي في بيوتهم، # بيض عقائل يحميهنّ غيران‏

يا فاقد اللّه بين الحيّ من يمن، # أنساهم الحلم أحقاد و أضغان‏

إلى كم الرّحم البلهاء شاكية، # لها من النّعي إعوال و إرنان‏ (3)

حيرى يضلّونها ما بيننا و لها # منّا على عدواء الدّار نشدان‏ (4)

النّجر متّفق، و الرّأي مختلف، # فالدّار واحدة، و الدّين أديان‏ (5)

و ثمّ أوعية الإحسان مكفأة، # فوارغ، و وعاء الشّرّ ملآن‏ (6)

إنّا نجرّهم أعراضنا طمعا # في أن يعودوا إلى البقيا كما كانوا (7)

أنّى يتاه بكم في كلّ مظلمة، # و للرّشاد أمارات و عنوان‏

ميلوا إلى السّلم، إنّ السّلم واسعة، # و استوضحوا الحقّ، إنّ الحقّ عريان‏

يا راكبا ذرعت ثوب الظّلام به # هوجاء، مائلة الضّبعين مذعان‏ (8)

____________

(1) تزفيه: تستخفّه-يمانية: ريح آتية من جهة اليمن-فاهت به: نطقت به-أعقاب، جمع عقب: مؤخر القدم. و قد تكون أعقاب جمع عقبة:

المرقى الصعب-العيران: الجماعات المتفرقة من الجراد، و قد تكون عيران جمع عير: الحمار.

(2) كعمت: شددت فاها لئلا تعض-النبع و المران: من الشجر.

(3) البلهاء: صفة للناقة الهادئة.

(4) العدواء: البعد-النشدان: الطلب.

(5) النجر: الأصل و الحسب.

(6) مكفأة: مكبوبة.

(7) نجرهم أعراضنا: نتركهم يصنعون ما يريدون.

(8) الهوجاء: الناقة المسرعة-الضبعين: العضدين-المذعان: المنقادة، السلسة.

398

أبلغ على النّأي قومي إن حللت بهم، # أنّي عميد بما يلقون أسوان‏

يا قوم إنّ طويل الحلم مفسدة، # و ربّما ضرّ إبقاء و إحسان‏

ما لي أرى حوضكم تعفو نصائبه، # و ذودكم، ليلة الأوراد، ظمآن‏ (1)

مدفّعين عن الأحواض من ضرع، # ينضو بهامكم ظلم و عدوان‏ (2)

لا يرهب المرء منكم عند حفظته، # و لا يراقب يوما و هو غضبان‏ (3)

إنّ الألى لا يعزّ الجار بينهم، # و لا تهاب عواليهم، لذلاّن‏

كم اصطبار على ضيم و منقصة؛ # و كم على الذّلّ إقرار و إذعان‏

و فيكم الحامل الهمهام مسرحه # داج و من حلق الماذيّ أبدان‏ (4)

و الخيل مخطفة الأوساط ضامرة، # كأنّهنّ على الأطواد ذؤبان‏

اللّه اللّه أن يبتزّ أمركم # راع، رعيّته المعزيّ و الضّان‏

ثوروا لها، ولتهن فيها نفوسكم؛ # إنّ المناقب للأرواح أثمان‏

فمن إباء الأذى حلّت جماجمها # على مناصلها عبس و ذبيان‏ (5)

و عن سيوف إباء الضّيم حين سطوا # مضى بغصّته الجعديّ مروان‏ (6)

فإن تنالوا، فقد طالت رماحكم، # و إن تنالوا، فللأقران أقران‏

____________

(1) النصائب: حجارة تنصب حول الحوض و يسد ما بينها-الذود: هو من الإبل ما بين الثلاث و العشر.

(2) الضرع: الذل و الخضوع و الاستكانة-ينضو: يسلّ.

(3) الحفظة: الغضب و الحمية.

(4) الحامل الهمهام: الأسد-الماذي: السلاح من حديد-الأبدان: الدروع.

(5) جلّت: عظمت.

(6) الجعدي مروان: هو مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة.

غ

399

الدهر ينصبني‏

(الكامل)

كان الملك بهاء الدولة قد خلع على الرضي خلعا جليلة القدر، ثم رفع قوم الى الملك أقوالا عن الرضي راح يعتب من أجلها. فكتب إليه من بغداد ينفي ما قيل عنه و يتنصل مما نسب إليه، و ذلك في رمضان سنة 388.

ملك الملوك، نداء ذي شجن، # لو شئت لم يعتب على الزّمن‏

الخطب هين مع صفائك لي، # و إذا كدرت عليّ لم يهن‏

ألقى زماني باللّيان، و يلـ # قاني الزّمان بجانب خشن‏

عدة على الأيّام أطلبها، # و الدّهر يفتلني و يمطلني‏

ما لي رأيت الدّهر ينصبني، # و لغير وجد ما يؤرّقني‏ (1)

و أبيت كالملسوع، في كبدي # من شدّة الإقلاق، لا بدني‏

إنّي أتاني عنك، آونة، # لذع يضيق بوقعه عطني‏ (2)

و تنكّر بدرت بوادره # من غير ذنب كان من لدني‏

أهدى إلى قلبي لواذعه، # و أطار عنّي واقع الوسن‏

إنّي، و ما رفع الحجيج له، # عند الجمار، شعائر البدن‏

و البيت ذي الأستار يمسحه الـ # نّزّاع من شام و من يمن‏

ما زلت عن سنن الحفاظ، و كم # زال المعادي لي عن السّنن‏ (3)

ستر الذي أظهرت من كرم، # و طوى الذي أبديت من حسن‏

لم أوت من نصح و لا شفق، # فالشّرّ و الأعداء في قرن‏

____________

(1) ينصبني: يعاديني.

(2) يضيق عطني: يضيق ذراعي.

(3) السنن: الطريقة.

400

إحباط أجري، مع زكا عملي، # طرف من الخسران و الغبن‏

إن كان لي ذنب، فلا نظرت # عيني، و لا سمعت، إذا، أذني‏

أنسى بأيّ يد رددت يدي، # لمّا نزعت إليك من وطني‏

ألبستني النّعماء في قفلي، # و أنلتني العلياء في ظعني‏

و من العجائب أنت بالإحسان تبـ # نيني، و بالإعراض تهدمني‏

أنا عبد أنعمك التي نشطت # أملي، و أنهض عزّها منني‏ (1)

و الحرّ، إمّا شئت تملكه، # بالمنّ يملك، ليس بالثّمن‏

و غرستني بندى يديك، فلا # تدع الزّمان يعيث في غصني‏

أ يجرّني عن رعي أنعمه، # من كان قبل أجرّه رسني‏

لا أتّقي طعن الخطوب، إذا # لاقيتها، و رضاك من جنني‏ (2)

لو رمت ليّ الجيد عنك لقد # عطفته أطواق من المنن‏

لا تسمعن قول الوشاة، و من # غرس الأضالع لي على الإحن‏

يتطلّبون لي العيوب، و ير # موني بأفراد من الظّنن‏

النّقص أخّرهم على ظلع # من غايتي، و الفضل قدّمني‏

فالفرق ما بيني و بينهم، # كالفرق بين العيّ و اللّسن‏

إنّي أرى الأيّام مومضة # لك عن بوارق عارض هتن‏ (3)

فكأنّني بعداك قد حبطوا # حبطا لما شبّوا من الفتن‏

و كأنّني بالهام قد جعلت # منهم عمائم للقنا اللّدن‏

تبكي ديارهم كما بكيت # مطموسة الأطلال و الدّمن‏

فاسلم، بهاء الملك، ما سلمت # عاديّة الأطواد و القنن‏

الوجه طلق، و البنان ند، # و الوعد نقد، و العطاء هني‏

سترى مخالصتي، و تخبرني # طبعا على غير النّفاق بني‏

و إذا الزّمان رمى بنائبة، # و نأى الأقارب فالتفت ترني‏

____________

(1) المنن، جمع منة: الضعف.

(2) جنني: ستري، وقايتي.

(3) العارض: الغيم الماطر.

غ

401

حزنا طاعة الدهر

(الهزج)

أ ما كنت مع الحيّ # صباحا، حين ولّينا

و قد صاح بنا المجد: # إلى أين، إلى أينا

إلى أن أدرك العرق، # فثبنا، ثمّ لاقينا (1)

حمينا بالحفيظات، # فقارعنا و حامينا (2)

فلا تسأل عن الكا # س التي فيها تساقينا

تناكينا، فلمّا غـ # لب الأمر، تباكينا

عن الحلم تحاجزنا، # و بالضّغن تلاقينا (3)

و لو لا أطّة الأرحا # م، أعذرنا و أبلينا (4)

إذا ناشدت القربى، # تباقينا، و أبقينا

بني أعمامنا!مهلا، # سينأى بين دارينا

و يغدو رهج الرّوع # لحاما بين غارينا

إذا ما ضرب النّقع # على الحرب رواقينا (5)

عسى الأرحام تثنينا، # إذا نحن تباغينا

تبالوا لتلاقونا، # فإنّا قد تبالينا

فلم يلق لنا العا # جم رعديدا و لا هينا (6)

لنا كلّ غلام هـ # مه أن يرد الحينا

____________

(1) العرق: أصل كل شي‏ء، و هو الجبل الذي يصعب ارتقاؤه-ثبنا: رجعنا.

(2) الحفيظات، جمع حفيظة: الحمية و الغضب.

(3) الضغن: الحقد.

(4) أطة الأرحام: حنينها، صوتها.

(5) النقع: الغبار.

(6) الرعديد و الهين: الجبان و الذليل.

402

يخال موفّيا نذرا، # به، أو قاضيا دينا

حديد السّمع في حيث # تكون الأذن العينا

غرار النّوم يجلو عن # لحاظ الضّرم الرّينا (1)

إذا السّير حذا أيدي الـ # رّكاب الدّم و الأينا (2)

أ ذات الطّوق!تجلو فيـ # ه برّاق الطّلى لينا (3)

قفي أخبرك عن صبري # إذا أوعدتني البينا

سلي عن هيئة السّيف # شجاع القوم لا القينا (4)

لنا السّبق بأقدام # إلى المجد تساعينا

تري زمجرة الآسا # د همسا بين غابينا

إذا ساومنا الضّيم # على الأعراض غالينا

و إن نازعنا الحقّ # عنان المال ألقينا

إذا ما روّح الرّعيا # ن، أعطينا و أمطينا

يظنّ المجتدي أنّا # على الجود تواطينا (5)

ملكنا مقطع الرّزق، # فأفقرنا، و أغنينا

و حزنا طاعة الدّهر، # فأغضبنا، و أرضينا

متى لم يطع الجود # سخونا، أو تساخينا

سراعا، فتفاقدنا # جميعا، و تناعينا

إذا ما ثوّب الدّاعي # إلى الموت، تداعينا

و ما ينفعنا يوما، # إذا نحن تفادينا

و ما أعلمنا أنّا # إلى الغاية أجرينا

____________

(1) غرار النوم: قليله-يجلو: يكشف-الضرم: الجائع-الرّين: النعاس.

(2) حذاها الدم: ألبسها حذاء من الدم و التعب-الأين: التعب.

(3) الطلى: الأعناق.

(4) القين: الحدّاد.

(5) المجتدي: طالب الحاجة.

غ

403

كل يوم رزيئة

(الخفيف)

يرثي الشاعر في هذه القصيدة صديقه من بني العباس، و هو أبو عبد اللّه ابن الإمام المنصوري، و قد توفي في جمادى الآخرة سنة 391.

ما أقلّ اعتبارنا بالزّمان، # و أشدّ اغترارنا بالأماني‏

وقفات على غرور و أقدا # م على مزلق من الحدثان‏

في حروب على الرّدى، و كأ # نّا اليوم في هدنة مع الأزمان‏

و كفانا مذكّرا بالمنايا، # علمنا أنّنا من الحيوان‏

كلّ يوم رزيئة في فلان، # و وقوع من الرّدى بفلان‏

كم تراني أضلّ نفسا، و ألهو، # فكأنّي وثقت بالوخدان‏ (1)

قل لهذي الهوامل: استوثقي للـ # سّير و استنشزي عن الأعطان‏ (2)

و استقيمي قد ضمّك اللّقم النّهـ # ج، و غنّى وراءك الحاديان‏ (3)

كم محيد عن الطّريق و قد صـ # رّح خلج البرى و جذب العران‏ (4)

ننثني جازعين من عدوة الدّهـ # ر و نرتاع للمنايا الدّواني‏

جفلة السّرب في الظّلام و قد زعـ # زع روعا من عدوة الذّؤبان‏

ثمّ ننسى جرح الحمام، و إن كا # ن رغيبا، يا قرب ذا النّسيان‏ (5)

كلّ يوم تزايل من خليط # بالرّدى، أو تباعد من دان‏

____________

(1) الوخدان: الخطو الواسع.

(2) استنشزي: ابتعدي-الأعطان، جمع عطن: مبرك الإبل.

(3) اللقم: معظم الطريق.

(4) الخلج: الجذب-البرى: حلق يجعل في أنوف الجمال-العران: عود يجعل في أنف البعير.

(5) رغيبا: واسعا.

404

و سواء مضى بنا القدر الجـ # دّ، عجولا، أو ماطل العصران‏ (1)

يا لقومي لهذه الصّيلم الصّ # مّاء عنّت، و النّازل الأرونان‏ (2)

هل مجير بذابل، أو حسام، # أو معين بساعد، أو بنان؟

مضرب من مضاربي، فلّه الدّهـ # ر، و غصن أبين من أغصاني‏ (3)

نسب ضارب إلى هاشم الجو # د، و فرع نام إلى عدنان‏

حفرة أطبقت على واضح الأثـ # واب في المجد طيّب الأردان‏

خلق كالرّبيع روّضه القط # ر و صدرن صاف من الأضغان‏

و جنان ماض على روعة الخط # ب، و نفس كثيرة النّزوان‏ (4)

لازم شرعة الوفاء، يرى حفـ # ظ التّصافي دينا من الأديان‏

شيّعوه بالدّمع يجري كما شـ # يّع غدوا بواكر الأظعان‏

كلّ عين قريحة تتلقّا # ه بواد من دمعها ملآن‏

قد مررنا على الدّيار خشوعا، # و رأينا البنى، فأين الباني‏

و جهلنا الرّسوم ثمّ عرفنا، # فذكرنا الأوطار بالأوطان‏

جمحت زفرة بغير لجام، # و جرت دمعة بغير عنان‏

فالتفاتا إلى القرون الخوالي، # هل ترى اليوم غير قرن فاني؟

أين ربّ السّدير و الحيرة البيـ # ضاء، أم أين صاحب الإيوان؟

و السّيوف الحداد من آل بدر، # و القنا الصّمّ من بني الدّيّان‏

طردتهم وقائع الدّهر عن لعـ # لع طرد السّفار عن نجران‏

و المواضي من آل جفنة أرسى # طنبا ملكهم على الجولان‏

يكرعون العقار من فلق الإبـ # ريز كرع الظّماء في الغدران‏ (5)

____________

(1) الجد: المبالغ فيه-العصران: الغداء و العشي، الليل و النهار.

(2) الصليم: الداهية، الأمر الشديد-الأرونان: الصعب من الأيام.

(3) المضرب: السيف-أبين: أزيل.

(4) النزوان: الوثوب.

(5) العقار: الخمر-الابريز: الذهب الصافي.

غ