الغاية القصوى في التعليق على العروة الوثقى

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
164 /
105

[يجب على المكلّف العلم بأجزاء العبادات و شرائطها و موانعها و مقدّماتها]

(مسألة 27): يجب على المكلّف العلم بأجزاء العبادات و شرائطها و موانعها و مقدّماتها و لو لم يعلمها لكن علم اجمالا انّ عمله واجد لجميع الاجزاء و الشرائط و فاقد للموانع صحّ و إن لم يعلمها تفصيلا (1).

الثاني فلا يجوز البقاء كما انّ مقتضى السّيرة كذلك فانّ السيرة امّا لا تفرق بين الحيّ و الميّت و امّا يسقط الميّت و امّا يشك في شمولها لقول الميّت امّا على الأوّل فقول الميّت بالحرمة ساقط من حيث السيرة و مع الشك لا مجال للعمل بقول الميّت و مع سقوط قول الميّت لا مجال للبقاء؛ فقول الميّت بالحرمة ساقط على جميع التقادير.

(1) هذا الوجوب وجوب عقلي لدفع الضرر المحتمل و بعبارة اخرى:

تارة لا يتوقّف وجود الواجب في الخارج على التعلّم و كذلك لا يتوقّف احرازه عليه فلا يجب التعلّم قطعا إذ قد سبق انّه لا يجب التمييز و انّما اللازم الاتيان بما هو واجب في الخارج و امّا لو فرض انّه لا يحصل له العلم بالفراغ الّا مع التعلّم أو لا يتحقّق ذلك الأمر في الخارج الّا بالتعلّم فلا بدّ منه لأنّ المفروض انّ التعلّم مقدّمة احرازيّة أو وجوديّة فيجب كي يأمن من العقاب و لكن لا يخفى انّ هذا المقدار من الادراك العقلي لا يقتضي التعلّم قبل وقت الواجب أو قبل حصول الشرط بل يكفي التعلّم بعد مجي‏ء زمان الواجب كما هو ظاهر؛ انّما الكلام فيما لا يتمكّن من التعلّم بعد حضور وقت الواجب و في هذا الفرض تارة يكون الملاك تامّا و المكلّف قادر على الاتيان بالواجب غاية الأمر ليس له طريق لإحرازه و اخرى لا يتمكّن كالقراءة إذ لا يمكن الاتيان بها الّا أن يتعلّم من قبل امّا في الصورة الأولى فلا شبهة في وجوب التعلّم إذ يعلم بوجود الملاك فانّه مع وجود الملاك يكون روح التكليف موجودا غاية الأمر يكون الخطاب ساقطا لكونه لغوا انّما الاشكال في الصّورة الثانية إذ المفروض انّه لا قدرة على الاتيان في وقته فلا خطاب و لا ملاك و لا يلزم ايجاد

106

الشرط على المكلّف فايّ دليل على وجوب التعلّم من قبل و نسب الى الأردبيلي انّ وجوب التعلّم نفسي لا طريقي و لكنّ الادعاء المذكور خلاف الظّاهر؛ لاحظ ما رواه مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن محمد (عليه السّلام) و قد سئل عن قوله تعالى‏ (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) فقال: ان اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي كنت عالما فان قال نعم قال له: أ فلا عملت بما علمت و إن قال كنت جاهلا قال: أ فلا تعلّمت حتى تعمل فيخصمه فتلك الحجة البالغة (1) فان المستفاد من هذه الرواية الوجوب الطريقي.

فالنتيجة: انّه لا دليل على وجوب المقدّمات المفوّتة نفسيا لا في المقام و لا في غيره من المقامات؛ بل الحقّ ان التعلّم واجب بالوجوب الطريقي بمقتضى الحديث و مقتضى اطلاقه الوجوب حتّى فيما يكون كذلك فظهر انّ التعلّم واجب طريقي لا نفسي؛ هذا كلّه مع العلم بالابتلاء.

و امّا لو شك في ابتلائه و عدمه فأفاد سيّدنا الاستاد بانّ البراءة العقليّة لا تجري إذ ليس على المولى الّا بيان الأحكام و على العبد أن يفحص فلا تجري البراءة.

و فيه: انّ الشبهة موضوعيّة و لا مجال لما أفاده؛ نعم بمقتضى ادلّة وجوب التعلّم لا تجري البراءة الشرعيّة فلا تجري العقليّة أيضا.

____________

(1) تفسير البرهان: ج 1 ص 560.

107

[يجب تعلّم مسائل الشك و السهو]

(مسألة 28): يجب تعلّم مسائل الشك و السهو (1).

(1) قد ذكرنا انّه لو أمكن الامتثال الإجمالي لا يجب التفصيلي فانّ الميزان بتحقّق المأمور به بأيّ نحو كان و عليه فلو لم يكن المكلّف عالما بمسائل الشك و السهو و أمكنه الامتثال و لو بتكرار الصلاة جاز و هذا على فرض عدم حرمة ابطال الصلاة أمر ظاهر و امّا لو استلزم ابطال الصلاة يشكل الأمر من هذه الناحية و معناه عدم الامكان إذ الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي؛ فعليه تارة يكون المكلّف جازما بعدم ابتلائه بمسائل الشك و السّهو و اخرى يكون عالما بابتلائه و ثالثة يشك امّا على الأوّل فلا شبهة في عدم لزوم التعلّم و الوجه فيه ظاهر كما انّه على الثاني يلزم التعلّم أيضا و الوجه فيه ظاهر و امّا في صورة الشك فهل يكون مجال لاستصحاب عدم الابتلاء أم لا.

لا يخفى انّه تارة يعلم علما اجماليا بالابتلاء و اخرى ليس له علم اجمالي امّا على الأوّل فلا مجال للأصل لعدم جريانه في اطراف العلم الإجمالي و امّا على الثاني فالظاهر انّه لا مانع لجريانه في حدّ نفسه إذ قد حقّق في بحث الاستصحاب انّ المجعول فيه الطريقيّة و عبرنا بانّه امارة حيث لا امارة و انّه يكفي في جريانه ترتّب أثر عليه امّا شرعا و امّا عقلا و في المقام الأثر العقلي موجود و هو عدم لزوم التعلّم بحكم العقل لكن هذا مع قطع النظر عن دليل وجوب التعلّم و امّا مع لحاظه فالظاهر انّه يجب فانّ اطلاق دليل وجوب التعلّم يقتضيه و مع وجود الدليل الاجتهادي لا تصل النوبة الى الأصل.

إن قلت: فعليه لو قامت بيّنة على عدم الابتلاء لا بدّ من الالتزام بالوجوب أيضا إذ لا فرق بين الامارة و الاستصحاب على هذا المبنى.

قلت: فرق بينهما من ناحية و هي انّ الامارة طريق في أمور الشك‏

108

بالمقدار الّذي هو محلّ الابتلاء غالبا (1) نعم لو اطمئنّ من نفسه انّه لا يبتلي بالشك و السهو صحّ عمله و إن لم يحصل العلم باحكامها (2).

و الاستصحاب موضوعه الشك و مع وجود الاطلاق لا يشك المكلّف في توجّه التكليف الطريقي اليه و إن شئت قلت: لا بدّ من احتمال الابتلاء كي يتوجّه الحكم الطريقي إذ مع القطع بعدم الابتلاء لا يجب التعلّم فانّه ليس واجبا نفسيّا و مع وجود البيّنة لا يكون الاحتمال موجودا حيث انّ من قام عنده الامارة لا يكون شاكا و امّا الاستصحاب فهو طريق في ظرف الشك و الاحتمال و مع الاحتمال المرجع اطلاق دليل الوجوب؛ و ليس موردا للاستصحاب لاحظ ما رواه مسعدة بن زياد (1)؛ اللهمّ إلّا أن يقال: انّه على القول بكون الاستصحاب امارة كما هو المفروض لا مجال لهذا البيان إذ مع الاستصحاب لا يكون المكلّف شاكا فلا وجه للتفصيل.

و يختلج بالبال أن يقال: ما المانع عن القول بانّ المكلّف حين الشروع في الصلاة يقصد الدخول في الصلاة بشرط عدم ابتلائه بمسائل الشك و السّهو و عليه لو لم يتّفق الشك أو السهو تكون صلاته صحيحة تامّة و امّا لو شك فيعلم انّه لم يكن قاصدا للصلاة.

(1) لا اعتبار بالغلبة فانّ الميزان في الوجوب العلم أو الاحتمال.

(2) قد ظهر الوجه فيه فانّ وجوب التعلّم و عدمه أمر و صحّة العمل أمر آخر فانّ المناط في صحّة العمل مطابقته للمأمور به.

بقي شي‏ء: و هو انّه نسب الى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) انّ تارك التعلّم فاسق و الذي يمكن أن يقال في وجهه أمور:

____________

(1) لاحظ ص 106.

109

[كما يجب التقليد في الواجبات و المحرّمات يجب في المستحبّات و المكروهات و المباحات‏]

(مسألة 29): كما يجب التقليد في الواجبات و المحرّمات يجب في المستحبّات و المكروهات و المباحات بل يجب تعلّم حكم كلّ فعل يصدر منه سواء كان من العبادات أو المعاملات أو العاديّات (1).

الأوّل: انّ التجرّي حرام من المحرّمات و فيه: انّه لا يمكن الالتزام به إذ لا دليل عليه؛ نعم التجرّي موجب لصحّة العقاب بحكم العقل فانّ المتجرّي لا ينقاد للمولى.

الثاني: انّ العدالة عبارة عن الملكة و كيف يمكن أن تكون الملكة موجودة و الشخص يتجرّى و بعبارة اخرى: كيف يمكن أن يرتكب أمرا مع احتمال أن يكون عصيانا؟ فلا يكون عادلا و هذا هو الصحيح إذ قلنا انّ العدالة عبارة عن كون الشخص على الجادة و معناه انّ اعماله على الموازين المقرّرة و مع احتمال الابتلاء كيف يترك التعلّم مع انّه لا مجوّز للترك بل الحكم الطريقي معناه الزام المكلّف بالعمل للوصول الى المقصود و لا شبهة في انّ مثل هذا الشخص لا يطلق عليه انّه على الجادّة فانّه لا يبالي و لا يمتثل الحكم الشرعي؛ و بعبارة اخرى: انّه متمرّد إذا ترك الامتثال فانّ العصيان يتحقّق بترك الامتثال و إن لم يكن محرّما بمعنى المبغوضيّة للمولى و هذا الوجه حسن.

الثالث: أن يكون التعلّم واجبا بالوجوب النفسي و فيه: انّ هذا المبنى باطل من أصله.

(1) الميزان الكلّي انّ المكلّف لا بدّ أن يستند في كلّ ما صدر عنه الى حجّة ذاتيّة أو غيرها اجتهادا كان أو تقليدا؛ و بعبارة أخرى: لو احتمل وجوب شي‏ء لا بدّ من الاتيان به الّا مع الحجّة على الخلاف كما انّه لو احتمل حرمة شي‏ء لا بدّ من تركه الّا مع الحجّة على عدمها و هذا هو الميزان الجاري في جميع الموارد.

ثمّ انّه لم يعلم الوجه في ذكر ما بعد كلمة بل الاضرابيّة فانّه ليس مفاده غير ما

110

[إذا علم انّ الفعل الفلاني ليس حراما و لم يعلم انّه واجب أو مباح أو مستحبّ أو مكروه يجوز له أن يأتي به لاحتمال كونه مطلوبا و برجاء الثّواب‏]

(مسألة 30): إذا علم انّ الفعل الفلاني ليس حراما و لم يعلم انّه واجب أو مباح أو مستحبّ أو مكروه يجوز له أن يأتي به لاحتمال كونه مطلوبا و برجاء الثّواب و إذا علم انّه ليس بواجب و لم يعلم انّه حرام أو مكروه أو مباح له أن يتركه لاحتمال كونه مبغوضا (1).

[إذ تبدّل رأي المجتهد لا يجوز للمقلّد البقاء على رأيه الاوّل‏]

(مسألة 31): إذ تبدّل رأي المجتهد لا يجوز للمقلّد البقاء على رأيه الاوّل (2).

[إذا عدل المجتهد عن الفتوى الى التوقّف و التردّد يجب على المقلّد الاحتياط أو العدول‏]

(مسألة 32): إذا عدل المجتهد عن الفتوى الى التوقّف و التردّد يجب على المقلّد الاحتياط أو العدول الى الأعلم بعد ذلك المجتهد (3).

ذكره أوّلا؛ و الأمر سهل جدّا.

و ممّا ذكرنا: علم الحال في المسألة التالية.

(1) ما أفاده ظاهر واضح و لا مجال للبحث حوله؛ فلاحظ.

(2) إذ لا رأي له حتّى يقلّده و هذا واضح لا ريب فيه.

(3) فانّه مع تردّده ليس له رأي و لا دليل على اعتبار ما أفتى به قبلا؛ و إن شئت قلت: لو قلنا بانّ العنوان المعتبر في المرجع يشترط الفعليّة فيه حىّ بقاء فالأمر ظاهر إذ المفروض عدم بقائه و عدم كونه عالما و فقيها و إن قلنا بأنّه يكفي الحدوث للبقاء فأيضا الأمر كذلك لانصراف الدّليل و عدم السيرة في مثل هذه الموارد.

و بعبارة ثالثة: انّ قوله غير حجّة بالنسبة الى نفسه فكيف بغيره و يمكن تقرير المدّعى بانّه مع التردّد ينكشف خطائه في اجتهاده و مجرّد احتمال مصادفته مع الواقع لا يكفي. و ملخّص الكلام انّه مع تبدّل الرّأي يرى خطائه و اشتباهه فيما افتى به فلا معنى لكونه حجّة.

111

[إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلّد تقليد أيّهما شاء]

(مسألة 33): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلّد تقليد أيّهما شاء و يجوز التبعيض في المسائل (1) و إذا كان أحدهما أرجح من الآخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك فالأولى بل الأحوط اختياره (2).

[إذا قلّد من يقول بحرمة العدول حتّى الى الأعلم ثمّ وجد أعلم من ذلك المجتهد فالأحوط العدول‏]

(مسألة 34): إذا قلّد من يقول بحرمة العدول حتّى الى الأعلم ثمّ وجد أعلم من ذلك المجتهد فالأحوط العدول الى ذلك الأعلم و ان قال الأوّل بعدم جوازه (3).

(1) قد مرّ بيان الحال فيما سبق؛ فانّه مع عدم العلم بالاختلاف يجوز أن يقلّد ايّهما شاء بلا فرق بين أن يكون احدهما أعلم و بين عدم العلم به؛ و امّا مسألة التخيير فلا أساس له؛ نعم لو قلنا بالتخيير و لو مع العلم بالمخالفة لا يجوز التبعيض فيما يستلزم بطلان العمل على رأي كليهما.

(2) قد مرّ انّه لا وجه للترجيح بالأورعيّة و أمّا الترجيح بالعدالة فلا نفهم معناه فانّه امّا أن يرجع الى الأورعيّة و امّا لا معنى له و على كلا التقديرين فيه ما فيه و على جميع التقادير لا وجه للترجيح.

(3) تارة نفرض صورة عدم العلم بالمخالفة و أخرى نفرض صورة العلم بالخلاف؛ امّا على الأوّل فيجوز له تقليد غير الأعلم بفتوى الأعلم بالجواز فانّ المجوّز لتقليده من أوّل الأمر مع وجود الأعلم، فتوى الأعلم و امّا مع العلم بالخلاف فلا اشكال في وجوب العدول و على كلا التقديرين لا أثر لفتوى غير الأعلم.

و ملخّص الكلام: انّه مع عدم العلم بالمخالفة يجوز الاستدامة كما يجوز الابتداء و أمّا مع العلم بالخلاف لا يجوز الابتداء كما لا يجوز الاستدامة و ذلك للسيرة

112

[إذا قلّد شخصا بتخيّل انّه زيد فبان عمروا فإن كانا متساويين في الفضيلة و لم يكن على وجه التقييد صحّ‏]

(مسألة 35): إذا قلّد شخصا بتخيّل انّه زيد فبان عمروا فإن كانا متساويين في الفضيلة و لم يكن على وجه التقييد صحّ و الّا فمشكل (1).

و أيضا مقتضى الدوران بين التعيين و التخيير هو الأوّل لأنّ الكلام في مرحلة الامتثال؛ نعم لو احتمل تعيّن البقاء لا بدّ من العمل بالاحتياط فالواجب عليه الأخذ بأحوط القولين؛ هذا بالنسبة الى المقلّد و امّا المجتهد فوظيفته الافتاء بالرجوع الى الأعلم مع العلم بالمخالفة و جواز الرّجوع الى ايّهما شاء مع عدم العلم و ذلك لسقوط الادلّة عن الحجيّة مع العلم بالخلاف فانّ مقتضى السيرة الرجوع الى الأعلم مع العلم بالخلاف؛ نعم لو لم يحرز السيرة يكفي لتعيين تقليد الأعلم الأصل و لو احتمل تعيّن البقاء و حرمة العدول يلزم الافتاء بالاحتياط.

(1) الظاهر انّه لا يتصوّر التقييد في أمثال المقام إذ الجزئي الخارجي لا يتقيد و هذا ظاهر فلا يتصوّر الّا الداعي؛ و ما أفاده سيّد المستمسك بانّ هذا الاشكال لا يجري في الصورة الذهنيّة فانّ ما ليس قابلا للتقييد هو الوجود الخارجي و امّا الصورة الذهنيّة فهي قابلة للتقييد غير تامّ إذ التقييد دائما يتعلّق بالماهيّة و الماهيّة انما تصير جزئيّة بالوجود فلا يعقل أن تتقيّد بقيد و هذا ظاهر لكنّ الحقّ ان التعليق لا مانع منه فانّ التقليد عبارة عن العمل مستندا الى قول الغير و الاستناد اختياريّ ففي الحقيقة في صورة الخلاف لم يتحقّق الاستناد فلا مجال لان يقال بانّ ما وقع لم يقصد كي يقال بانّ الوقوع كاف في الصحّة فيما يكون على الموازين بحسب الواقع كما عليه الاستاد بل لا بدّ من أن يقال بانّه لم يقع التقليد كما لو علّق البيع على كون المبيع بقرا فبان فرسا و هذا دقيق و بالتأمّل حقيق.

و لا يخفى: انّ البحث المذكور لا يترتّب عليه أثر إذ بعد تماميّة العمل لا بدّ أن‏

113

[فيما تعلم به فتوى المجتهد]

(مسألة 36): فتوى المجتهد تعلم بأحد الأمور الأوّل أن يسمع منه شفاها (1) الثاني أن يخبر بها عدلان (2) الثالث اخبار عدل واحد (3).

يستند المكلّف بقاء الى فتوى من يجوز له تقليده فنقول: المجتهد امّا يكون واحدا أو يكون متعدّدا و على الثاني امّا يكون احدهما أعلم من الآخر و امّا يكونان متساويين و على جميع التقادير امّا أن يعلم بالاختلاف في البين في الفتوى و امّا لا يعلم به امّا لو كان واحدا فلا بدّ من متابعة رأيه فان حكم بالصحّة و الّا يعيد إن كان في الوقت و يقضي إن كان خارج الوقت و امّا مع التعدّد و عدم العلم بالاختلاف يقلّد عمّن شاء منهما و امّا مع العلم بالاختلاف فمع التساوي في الفضيلة يأخذ بأحوط القولين و إن كان أحدهما أعلم يقلّده و ملخّص الكلام انّ التعليق أمر معقول كما ذكرنا لكن لا فرق بينه و التقييد في النتيجة كما هو ظاهر فلا تغفل.

(1) هذا فيما يكون ثقة فيكون قوله حجّة من باب حجيّة قول الثقة في الموضوعات؛ و امّا في كلام سيّدنا الاستاد من انّه داخل في الأخبار عن الامام (عليه السّلام) فيرد عليه: بانّ الأخبار عن الامام (عليه السّلام) لا بدّ أن يكون عن حسّ و المجتهد اخباره عن الامام (عليه السّلام) حدسي كما انّ الاستدلال بالسيرة بانّهم يعملون بقول أهل الخبرة ليس تامّا فانّ الميزان بالوثاقة و لولاها ليس دليل على حجيّة قوله و لو كان من أهل الخبرة فانّ العمل بقول أهل الخبرة يتوقّف على الأمن من الخيانة و الكذب نحو من الخيانة؛ و الأخبار الواردة التي ارجعت الى الرّواة انّما دلّت على العمل باجتهادهم و فتواهم و ليس فيها تعرّض بحجيّة قول الشخص في اخباره عن رأيه حتّى مع عدم الوثوق به.

(2) إذ قول العدلين حجّة كما مرّ و لا اشكال فيها.

(3) لم أفهم وجه التفرقة بين العدل الواحد و الثقة فانّ الظاهر انّه (قدّس سرّه) ممن يرى‏

114

بل يكفي اخبار شخص موثّق يوجب قوله الاطمينان و إن لم يكن عادلا (1).

تحقّق البيّنة بالعدلين و عليه فما الدليل على حجيّة قول العدل الواحد الّا أن تقول بانّ السيرة قائمة على العمل بقول العادل في الموضوعات.

(1) لا يتوقّف حجيّة قوله على حصول الاطمينان و الّا يكفي و لو لم يكن ثقة فانّ الاطمئنان حجّة عقلائية.

و ربّما يقال: كما في كلام الاستاد و سيّد المستمسك من انّه يشمله ما دلّ على حجيّة قول الثقة في الأحكام بتقريب انّ الأخبار عن الفتوى اخبار عن الحكم الكلّي؛ و يرد عليه: انّ الأخبار عن الحكم الكلّي لا بدّ من أن يكون عن حسّ و في المقام ليس اخبارا عن الحكم الكلّي حتى عن حدس لأنّه يمكن اشتباه المجتهد في استنباطاته و لا يقاس الأخبار عن الاجتهاد أو الفتوى بالاخبار عن قول الامام (عليه السّلام) إذ المفروض انّ الأخبار عن قول الامام (عليه السّلام) حجّة و يثبت بدليل الحجيّة و بعد ما ثبت يحصل للمجتهد حدس بالنّسبة الى الحكم الكلّي و في المقام المنقول ليس كلام الامام (عليه السّلام).

و ملخّص الكلام انّ الملازمة بين كلام زرارة المنقول عن الامام (عليه السّلام) و بين ذلك اللازم أمر جزمي و في المقام ليس كذلك لاحتمال اشتباه المجتهد.

إن قلت: الأصل عدم كونه مشتبها.

قلت: هذا الأصل لا يقتضي كون قوله في اسناده الحكم الى الامام (عليه السّلام) حسيّا؛ و ملخّص الكلام: تارة نبحث في حجيّة قول المفتي في افتائه و اخرى في أخباره حسيّا عن الامام (عليه السّلام) امّا بالنسبة الى الجهة الأولى فقد تقدّم الكلام في أدلّة اعتبار فتواه و رأيه و امّا الجهة الثانية فلا تشملها ادلّة حجيّة الأخبار و الشهادة؛ فلاحظ.

115

الرابع: الوجدان في رسالته و لا بدّ أن تكون مأمونة من الغلط (1).

[إذا قلّد من ليس له اهليّة الفتوى ثمّ التفت وجب عليه العدول‏]

(مسألة 37): إذا قلّد من ليس له اهليّة الفتوى ثمّ التفت وجب عليه العدول (2) و حال الأعمال السابقة حال عمل الجاهل الغير المقلّد (3) و كذا إذا قلّد غير الأعلم وجب على الأحوط العدول الى الأعلم (4).

و إذا قلّد الأعلم ثمّ صار بعد ذلك غيره أعلم وجب العدول الى الثاني على الأحوط (5).

[إن كان الأعلم منحصرا في شخصين و لم يمكن التعيين فان أمكن الاحتياط بين القولين فهو الأحوط]

(مسألة 38): إن كان الأعلم منحصرا في شخصين و لم يمكن التعيين فان أمكن الاحتياط بين القولين فهو الأحوط و الّا كان مخيّرا بينهما (6).

(1) فانّ انتساب الرسالة امّا باخباره كما هو المتداول بأن يكتب في أوّلها و امّا باخبار عدلين أو عدل واحد أو ثقة كذلك و الوجه في الكلّ يظهر ممّا مرّ؛ فلاحظ.

(2) فانّ الوجه فيه ظاهر إذ المفروض انّه غير واجد للشرائط.

(3) إذ المفروض انّه لم يكن عمله مستندا الى وجه صحيح فوجوده كالعدم؛ فلو كان مطابقا للمأمور به يكون صحيحا و الّا يكون فاسدا الّا بطريق ثانوي كقاعدة لا تعاد و يجي‏ء الكلام إن شاء اللّه تعالى حول المسألة.

(4) مع فرض العلم بالخلاف يجب العدول و مع عدم العلم بالخلاف لا وجه للعدول كما مرّ.

(5) بل على الأقوى لما تقدم؛ فلاحظ.

(6) الظاهر انّه فرض العلم بالاختلاف بين القولين و في مثله لا بدّ من الأخذ بالاحتياط لعدم حصول الأمن بغيره و مع امكانه لا أثر للظن بالأعلميّة

116

[إذا شكّ في موت المجتهد أو في تبدّل رأيه أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده يجوز له البقاء]

(مسألة 39): إذا شكّ في موت المجتهد أو في تبدّل رأيه أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده يجوز له البقاء الى أن يتبيّن الحال (1).

[إذا علم انّه كان في عباداته بلا تقليد مدّة من الزمان‏]

(مسألة 40): إذا علم انّه كان في عباداته بلا تقليد مدّة من الزمان و لم يعلم مقداره فان علم بكيفيّتها و موافقتها للواقع أو لفتوى المجتهد الذي يكون مكلّفا بالرّجوع اليه فهو و الّا فيقضي المقدار الّذي يعلم معه بالبراءة على الأحوط و إن كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقّن (2).

لعدم اعتباره و امّا مع عدم امكان الاحتياط فليس له الّا الأخذ بأحدهما و في هذا الفرض لا يبعد أن يكون الرّجحان في طرف يظنّ كونه أعلم أو يحتمل، فانّه أقرب الى الواقع في نظر العقل.

(1) للاستصحاب و عدم وجوب الفحص في الموضوعات؛ فلاحظ.

(2) الكلام في المقام يقع في موضعين:

الموضع الأول: في أنّه في أيّ مورد لا بدّ من القضاء أو الاعادة.

الموضع الثاني: في أنّه بعد البناء على فساد العمل و لزوم القضاء أي مقدار لا بدّ من قضائه هل يلزم الاتيان بالمتيقّن أو يلزم الاتيان بحدّ يقطع له بالبراءة؛ امّا الموضع الأوّل فنقول القاعدة الكلّية الأوّلية يقتضي عدم اجزاء غير المأمور به عنه فانّه كما انّ الاجزاء في صورة المطابقة عقلي و قهري كذلك عدم الاجزاء في صورة المخالفة أمر عقلي و قهري و الميزان في تشخيص المخالفة و الموافقة قول المجتهد الفعلي الّذي يكون مقتضى القاعدة الرجوع اليه و هذا الذي ذكرنا لا فرق فيه بين أن يكون العمل السابق مستندا الى تقليد صحيح أو غير صحيح أو لم يكن عن تقليد؛ و القول‏

117

بالأجزاء يحتاج الى دليل خارجي كما ادعي الاجماع على انّه لا يجب الاعادة في موارد تبدّل الرّأي و العدول عن مجتهد الى غيره فالميزان الكلّي عدم الأجزاء الّا مع دليل خارجي يقتضي الأجزاء و في باب الصلاة ببركة حديث لا تعاد يحكم بعدم الاعادة و القضاء في غير الموارد المستثناة كالأركان مثلا.

غاية الأمر في المقام اشكال: و هو ما بنى عليه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من اختصاص القاعدة بالناسي و عدم شمولها للجاهل القاصر و المقصّر بدعوى انّ حديث لا تعاد انّما متوجّه الى من يكون تكليفه الاعادة و القاعدة تنفي توجّه خطاب اعد و هذا يتصوّر في الناسي إذ الناسي حين النسيان لا يتوجّه اليه التكليف و بعد الالتفات يقال له أعد و القاعدة تنفي الاعادة و امّا الجاهل فليس كذلك إذ الجاهل يتوجّه اليه اصل التكليف لا الاعادة و ما أفاده مدفوع:

أوّلا: بأنّ ما ذكره لا يتمّ الّا في الملتفت و امّا في غيره فلا يتمّ ما ذكره.

و ثانيا: انّه لو فرض انّه صلّى و دخل في الركوع فانه يخاطب بخطاب اقرء أو لا يخاطب امّا على الأوّل فيلزم أن لا يكون الركوع مضرّا و امّا على الثاني فامّا يشمله حديث لا تعاد و اما لا تشمله القاعدة فليس توجه الأمر بالاعادة مختصّا بالناسي.

و الحقّ في المقام أن يقال: انّ حديث لا تعاد يشمل كلّ مورد يكون قابلا لتوجّه خطاب أعد و الظاهر انّه يصحّ أن يخاطب كلّ أحد صلّى بهذا الخطاب إذ الاعادة عبارة عن الوجود الثاني فلو تحقّقت الصلاة في الخارج بأيّ نحو كان امّا تقع صحيحة و امّا تقع فاسدة امّا على الأوّل فلا يصحّ أن يقال بانّها تعاد لعدم المقتضي و امّا على الثاني فتصحّ و لا وجه لما أفاده سيدنا الاستاد من ان الحديث انّما

118

يشمل موردا لو لا انكشاف الخلاف لا تجب الاعادة فلا يشمل الملتفت حين العمل و المناط في عدم الاعادة يمكن أن يكون من باب عدم امكان التدارك؛ بيان ذلك انّ المأتي به امّا يكون موافقا للمأمور به و امّا لا أمّا على الأوّل فيلزم الخلف إذ المفروض انّ المأتي به غير المأمور به و يلزم التصويب و امّا على الثاني فلا وجه لسقوط الاعادة الّا من باب انّ التدارك غير ممكن و هذا ممكن حتّى في المقصّر و عليه نقول لا شبهة في شمول الحديث للناسي فيما لا يكون النسيان عن تقصير كما انّه يشمل الجاهل بالموضوع و أيضا يشمل الجاهل بالحكم عن قصور و امّا الجاهل المقصّر فربّما يقال بانّ الاجماع قائم على عدم كونه مشمولا للحديث و لكن هذا الاجماع ليس اجماعا تعبّديا فلا بدّ من تقريب آخر.

و الّذي يمكن أن يقال في هذا المقام: انّ استفادة الشرطيّة و الجزئيّة في كثير من المقامات تكون من الأمر بالاعادة و تخصيص الاعادة بخصوص المتعمّد يوجب تخصيص الأكثر مضافا الى انّ المصلّي بحسب الطبع لا يفسد صلاته و الّا لا يصلّي؛ و امّا مع فرض أن يصلّي و مع ذلك لا يأتي بالجزء و الشرط فهو فرض غير واقع فلا يبقى الّا المقصّر و منه يظهر انّه لا يشمل الملتفت حين العمل لأنّه امّا قاصر و امّا مقصّر امّا الأوّل فلا يتصوّر القصور مع الالتفات و امّا على الثاني فغير مشمول للحديث مضافا الى انّه يمكننا أن نقول بانّ الاخلال عن تقصير لو كان موردا للحديث لشاع و ذاع و لم يكن مخفيا عند العامة؛ مضافا الى انّ العامد لا يمكنه شمول الحديث من جهة انّه كيف يتمشّى منه قصد القربة هذا فيما يعلم بالمخالفة و امّا لو علم بالموافقة علما أو تقليدا فيحكم بالصحّة و الاجزاء على القاعدة انّما الكلام فيما لو شك في الموافقة و المخالفة و في هذا الفرض تارة يحتمل انّه حين العمل مراعيا للجزء

119

و الشرط المحتملين و اخرى لا يحتمل بل يعلم بغفلته بحيث لو كان آتيا لكان حسب الاتّفاق و امّا على الأوّل فيجري قاعدة الفراغ الجارية في هذه المقامات و يحكم بالصحّة و امّا على الثاني فلا لما قلناه في محلّه من أنّ المستفاد من دليل القاعدة أنّ هذه القاعدة امارة عقلائية؛ لكن في بحث القاعدة في كتابنا المسمى بالأنوار البهية في القواعد الفقهية ذكرنا انّ المستفاد من الدليل جريان القاعدة حتى في صورة الغفلة فراجع ما ذكرناه هناك.

نعم لا بأس بالأخذ بحديث لا تعاد في بعض الصور؛ هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

و امّا المقام الثاني: فنقول القاعدة الاوليّة تقتضي الاكتفاء بالاقل لدوران الأمر بينه و بين الأكثر و البراءة في مثله محكمة و لكن نقل عن جمع انّه لا بدّ من الاتيان بالأكثر في باب الشك في مقدار فوت الصلاة؛ و ربّما يقال: في وجهه ما نسب الى صاحب الحاشية و هو انّ الشك في المقدار الفائت شك في مقام الامتثال بعد تنجّز التكليف حيث انّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة؛ و يرد على هذا الوجه انّ الاشتغال من الأوّل غير محرز الّا بالأقلّ فلا وجه للاحتياط.

و في المقام وجه آخر: و هو استصحاب عدم الاتيان فلا بدّ من الاتيان بالأكثر لهذا الاستصحاب؛ و اورد عليه سيّدنا الاستاد بانّ القضاء مترتّب في الدليل على عنوان الفوت؛ لاحظ ما رواه زرارة قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؛ قال: يقضي ما فاته كما فاته؛ إن كانت صلاة السّفر ادّاها في الحضر مثلها؛ و إن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة

120

الحضر كما فاتته‏ (1) و حيث انّ الفوت أمر وجودي و لا يمكن اثباته الّا بالأصل المثبت الّذي لا نقول به، لا يجب الّا الأقل.

و يرد عليه أوّلا: انّ الدليل غير منحصر في هذا الباب لاحظ ما رواه زرارة؛ عن أبي جعفر (عليه السّلام) انّه سئل عن رجل صلّى بغير طهورا و نسى صلوات لم يصلّها أو نام عنها؛ قال: يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار الحديث‏ (2) فانّ وجوب القضاء رتّب على عنوان الصلاة بغير طهور أو عنوان النّسيان حتّى لم يصل و أمثال هذه العناوين و من الظاهر انّ اشكال الأصل المثبت لا يتوجّه على هذا التقدير.

و ثانيا: انّا لا نسلّم انّ الفوت عبارة عن الأمر الوجودي فانّ الفوت على ما يظهر من اللّغة عبارة عن الذهاب و المضي يقال فات الأمر ذهب وقت فعله و الذهاب أمر وجداني و بالأصل يحرز عدم الاتيان؛ فالحقّ انّ مقتضى القاعدة الاتيان بالمقدار الذي تحرز به البراءة؛ نعم لو كان المورد مورد جريان قاعدة الفراغ تجري القاعدة و لا مجال للاستصحاب و الّا يلزم الاتيان بالأكثر لكن بمقدار لا يلزم الحرج و الّا يرتفع الوجوب بدليل رفع الحرج الّا فيما يكون عن تقصير فانّ دليل لا حرج لا ينصرف عن الحرج الاختياري المتحقّق بسوء اختيار المكلّف؛ و امّا الاتيان بالمقدار المظنون فلا وجه له ف إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً*.

هذا كلّه على تقدير كون القضاء بالأمر الجديد و امّا لو كان بالأمر الأوّل فالأمر أوضح أي يجب الاتيان بالأكثر لأنّ الاشتغال قطعي و الشك في الفراغ‏

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1.

(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1.

121

[إذا علم انّ اعماله السابقة كانت مع التقليد لكن لا يعلم انّها كانت عن تقليد صحيح أم لا بنى على الصحّة]

(مسألة 41): إذا علم انّ اعماله السابقة كانت مع التقليد لكن لا يعلم انّها كانت عن تقليد صحيح أم لا بنى على الصحّة (1).

[إذا قلّد مجتهدا ثمّ شك في انّه جامع للشرائط أم لا وجب عليه الفحص‏]

(مسألة 42): إذا قلّد مجتهدا ثمّ شك في انّه جامع للشرائط أم لا وجب عليه الفحص (2).

[من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الافتاء]

(مسألة 43): من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الافتاء (3).

فبحكم قاعدة الاشتغال على المشهور و الاستصحاب على التحقيق يلزم الإتيان به فافهم.

(1) لا يخفى انّ جريان الأصل انّما هو بلحاظ الأثر العملي فانّه لو عدل عن مقلّده الى غيره و كان رأي الثاني على خلاف الأوّل فان قلنا بانّ العمل المأتي به و لو كان عن تقليد صحيح لا أثر له و لا يجزي فلا أثر للأصل و إن قلنا إن كان مستندا الى تقليد صحيح يصحّ و يجزي فالأصل يجري و يترتّب عليه الأثر.

(2) إذ المفروض انّه لم يحرز كونه واجدا للشرائط فرجوعه اليه امّا من باب الغفلة و امّا مع العلم لكن طرأ الشك بنحو الشك الساري و امّا بنحو غير معتبر؛ نعم لو احرز كونه واجدا للشرائط بالعلم الوجداني أو التعبّدي ثمّ شك في الزّوال يجري الاستصحاب كما تقدّم.

(3) تارة لا يكون الشخص مجتهدا فلا ريب في حرمة افتائه لأنّه افتراء على اللّه و يكون مصداقا لقوله تعالى: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (1).

و من الروايات ما رواه أبو عبيدة قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام): من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر

____________

(1) يونس: 59.

122

و كذا من ليس اهلا للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس (1).

من عمل بفتياه‏ (1). و غيره من الروايات الواردة في الباب و لا يبعد أن يكون اشدّ حرمة لو قال نظري كذلك إذ المفروض انّه لا نظر له فيكون كذبا أيضا، و أمّا إن كان عالما بالحكم و كان مجتهدا فيجوز له الافتاء إذ المفروض انّ له الرأي فاذا فرض انّه فاسق عند نفسه و قلنا باشتراط العدالة في المرجع فهل يحرم الافتاء؟ ربما يقال: بانّ اخباره عن رأيه ظاهر في اخباره عن العدالة و ليس كذلك فانّه ليس اخبارا غاية الأمر إن افتائه ظاهر و ليس كلّ عمل ظاهر في شي‏ء مخالف للواقع كذبا و الّا ينسدّ باب التورية و إذا فرض انّ المقلّد جاهل بالحكم الشرعي و يريد أن يقلّد المجتهد الفاسق أفاد سيدنا الاستاد: بانّه يجب التنبيه من باب وجوب تبليغ الأحكام.

لكن يرد عليه: انّ تبليغ الأحكام وجوبه بهذا المقدار اوّل الكلام و على فرض وجوبه لا يتفاوت الحال بين الافتاء و عدمه بمعنى انّه لو كان جاهلا بهذا الحكم و قلنا بوجوب التبليغ يجب تعليمه.

و إذا فرضنا انّه عالم بالحكم من غير طريق متعارف شرعي كما لو علم بالحكم الشرعي من طريق الجفر فهل يجوز له الافتاء الظاهر هو الجواز لأنّه عالم بالواقع و العلم حجّة و حيث انّ الواقع لديه مكشوف فلا مانع عنده من ان يتحمّل مسئولية الغير؛ نعم لو سأله الغير عن جواز تقليده لا يجوز له أن يجب بالجواز إذ لا يجوز تقليد مثله بالأحكام كما تقدّم.

(1) و قد دلّ عليه بعض النصوص، منها ما رواه سليمان بن خالد؛ عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: اتّقوا الحكومة فانّ الحكومة انّما هي للإمام العالم بالقضاء

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

123

و حكمه ليس بنافذ (1) و لا يجوز الترافع اليه (2).

العادل في المسلمين لنبيّ [كنبيّ‏] أو وصيّ نبيّ‏ (1).

(1) لعدم الدليل على النفوذ و الأصل عدمه مضافا الى انّ فرض عدم أهليته يستلزم عدم نفوذ حكمه.

(2) تارة يترافعان عنده بعنوان انّه مشروع فيكون تشريعا و محرّما من هذه الجهة و امّا لو لم يكن بهذا العنوان فالحرمة بالعنوان الأوّلي محلّ اشكال الّا أن يصدق عليه عنوان التحاكم الى الطاغوت لكن لا يبعد أن لا يصدق الّا فيما يجعل القضاوة شغلا لنفسه أو يقال بانّه ناظر الى قضاة العامّة أو القضاة غير الواجدين للشرائط و امّا الاستناد الى كونه اعانة على الإثم كما في كلام سيّد المستمسك فيرد عليه: انّه لا دليل على حرمة الاعانة؛ هذا فيما يكون من لا أهليّة له شيعيّا و امّا لو كان من قضاة العامّة فتدلّ على حرمته جملة من الروايات؛ لاحظ ما رواه أبو بصير؛ عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال في رجل كان بينه و بين أخ له مماراة في حقّ فدعاه الى رجل من اخوانه فيحكم بينه و بينه فابى الّا أن يرافعه الى هؤلاء:

كان بمنزلة الّذين قال اللّه عزّ و جلّ: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) الآية (2).

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.

(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.

124

و لا الشهادة عنده (1) و المال الّذي يؤخذ بحكمه حرام و إن كان الآخذ محقّا (2).

(1) لو لم يتّصف بالعنوان الثانوي المحرم يشكل الجزم بالحرمة و كونه اعانة قد عرفت ما فيه من الاشكال.

(2) و هو المعروف عندهم و ادّعي عليه الاجماع و استدلّ عليه بخبر عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان أو الى القضاة أ يحلّ ذلك؟ فقال: من تحاكم اليهم في حقّ أو باطل فانّما تحاكم الى طاغوت و ما يحكم له فانّما يأخذ سحتا و إن كان حقّه ثابتا؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت و قد امر اللّه أن يكفر به قال اللّه تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) الحديث‏ (1).

و لا يخفى انّ الوجه المذكور مخدوش فالحقّ أن يقال: انّ المأخوذ إن لم يكن حقّا فلا يجوز كما هو ظاهر و إن كان حقّا فان كان عينا شخصيّة فلا اشكال في أخذه و إن كان دينا و حل أجله فإن كان بتشخيص الظّالم أو بتشخيص المحق فلا يترتّب عليه الأثر و امّا إن كان بتشخيص الغريم و لو باكراه الجائر فافاد سيدنا الاستاد بجوازه لعدم شمول دليل الاكراه ايّاه حيث انّه خلاف الامتنان بالنسبة الى الدائن؛ و يرد عليه: ما أوردناه عليه مرارا و ضعّفنا مقالته فالحقّ انّ المأخوذ بهذا النحو غير صحيح؛ نعم الأخذ و التشخيص باذن الحاكم صحيح.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 4.

125

الّا إذا انحصر استنقاذ حقّه بالترافع عنده (1).

[يجب في المفتي و القاضي العدالة]

(مسألة 44): يجب في المفتي و القاضي العدالة (2).

(1) نسب الجواز الى الشهيدين و بعض آخر و نقل عن الأكثر المنع بل نقل الاجماع عليه و مقتضى القاعدة الاوليّة عدم الجواز و امّا في غير هذه الصورة فانّ مقتضى اطلاق المنع الحرمة غاية ما في الباب حديث نفي الضرر و هو على مسلكنا غير دالّ على المقصود كما هو ظاهر و امّا على مسلك المشهور فلا مانع من التمسّك به لنفي الحرمة و لكن الحديث لا يفي باثبات نفوذ تصرف الجائر.

(2) امّا في المفتي فقد مرّ الكلام فيه و امّا في القاضي فاثبات هذا الشرط بالدليل في غاية الأشكال إذ شي‏ء من الوجوه المذكورة في هذا المقام ليس قابلا للاعتماد منها: الاجماع و حاله معلوم و منها: انّ هذا منصب عظيم و كيف يرضى الشارع بان يشغله الفاسق؛ و لا يخفى انّ هذا وجه ذوقي بل المعتبر في القاضي الوثاقة بأن لا يخون.

و منها: انّ العدالة معتبرة في امام الجماعة و الشاهد فكيف بالقضاء الذي يكون اهمّ منهما؛ و فيه انّ الملاكات الشرعيّة مجهولة عندنا؛ و منها: ما رواه سليمان بن خالد (1) فانّ المستفاد من هذه الرواية انّ هذا مجلس لا يجلسه الّا نبي أو وصيّ نبيّ؛ و الفاسق لا يكون وصيّا للنبيّ.

و فيه: انّ الأمر و إن كان كذلك لكن العادل أيضا لا يكون وصيّا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لو كنّا نحن و هذه الروايات لم يكن لنا طريق الى القول بجواز الحكومة للفقيه العادل.

و منها: ما رواه عن أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد اللّه (عليه السّلام) الى أصحابنا

____________

(1) لاحظ ص 122.

126

فقال: قل لهم: ايّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شي‏ء من الأخذ و العطاء ان تحاكموا الى أحد من هؤلاء الفسّاق؛ اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا؛ فانّي قد جعلته عليكم قاضيا؛ و ايّاكم أن يخاصم بعضكم بعضا الى السّلطان الجائر (1) حيث نهى (عليه السّلام) من التحاكم الى أحد من هؤلاء الفسقة بدعوى انّه يستفاد منه و لو بنحو الأشعار بأنّ الفسق مانع من جواز الحكومة؛ و فيه: انّه على فرض تماميّته مجرّد اشعار فلا يفيد؛ و منها: انّه ركون الى الظالم؛ و فيه: انّه لو كان هذا ركونا فلا يجوز الاستمداد بنحو الاطلاق من الفسقة فلا يجوز التداوي عند طبيب فاسق و هكذا و هو كما ترى.

إذا عرفت ما ذكرنا: يمكن اثبات المدّعى بنحو آخر و هو انّه لا دليل لنا يدلّ باطلاقه أو عمومه على جواز التحاكم الى الفاسق فالقدر المتيقّن أن يكون القاضي عادلا و الّا لا يكون حكمه نافذا إذ نفوذ الحكم على خلاف الأصل و حديث أبي خديجة سالم بن مكرم‏ (2) لا يثبت الإطلاق للأشكال في السند إذ التوثيقات الواردة في الرجل يعارضها تضعيفه من الشيخ (قدّس سرّه) و ما افاده سيدنا الاستاد في المقام لإثبات انّ كلام الشيخ (قدّس سرّه) راجع الى سالم بن أبي سلمة؛ لا سالم بن مكرم؛ لا يرجع الى محصّل؛ فإنّه اجتهاد و حدس و الظواهر حجّة و لذا تعرض لتضعيف الشيخ الشيخ الحر في رجاله فراجع.

نعم: قد تقدّم منّا في هذا الشرح انّ تضعيف الشيخ (قدّس سرّه) الرجل معارض بتوثيق الشيخ نفسه فلا أثر لتضعيفه فالمرجع توثيق غير الشيخ؛ اللهمّ الّا أن يقال‏

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.

(2) لاحظ ص 83.

127

و تثبت العدالة بشهادة عدلين و بالمعاشرة المفيدة للعلم بالملكة أو الاطمينان بها و بالشياع المفيد للعلم (1).

[إذا مضت مدّة من بلوغه و شكّ بعد ذلك في انّ أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا يجوز له البناء على الصحّة]

(مسألة 45): إذا مضت مدّة من بلوغه و شكّ بعد ذلك في انّ أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا يجوز له البناء على الصحّة في أعماله السابقة و في اللّاحقة يجب عليه التصحيح فعلا (2).

انّ إسناد الصدوق الى أحمد بن عائذ ضعيف على ما في كلام الحاجياني و السند الاخر ضعيف أيضا.

(1) قد مرّ الكلام فيما ذكر فلا نعيد.

(2) لو فرض أثر عملي للتقليد الصحيح في زمان الشك فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ مع وجود شرطها و هو احتمال الأذكريّة حين العمل على القول باشتراطها و لكن لا يتصوّر أثرا عمليّا للتقليد الصحيح الّا من ناحية وجوب التوبة و يكفي لعدم تحقّق الفسق الاستصحاب إذ لو فرضنا انه علم بكون تقليده كان على طبق الموازين المقرّرة لكن يكون رأي المرجع الفعلي مخالفا لذلك لا يكون وجه للأجزاء و بالنسبة الى الأعمال اللاحقة يكون مقتضى القاعدة أن تصحّح فعلا كما هو ظاهر.

128

[يجب على العامي أن يقلّد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الأعلم أو عدم وجوبه‏]

(مسألة 46): يجب على العامي أن يقلّد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الأعلم أو عدم وجوبه (1) و لا يجوز أن يقلّد غير الأعلم الّا إذا أفتى بعدم وجوب تقليد الأعلم (2) بل لو أفتى الأعلم بعدم وجوب تقليد الأعلم يشكل جواز الاعتماد عليه (3).

فالقدر المتيقّن للعامي تقليد الأعلم في الفرعيّات (4).

(1) فانّه كبقيّة الفروع و انّ الأدلّة عند التعارض تتساقط و مقتضى السيرة كما تقدّم هو الأخذ بقول الأعلم.

(2) و ظهر وجهه.

(3) ربما يقال: في وجه الاشكال بانّ مسألة التقليد ليست تقليديّة فانّه لا يجوز تقليد غير الأعلم في حدّ نفسه لعدم ثبوت حجيّة فتواه و لا يمكن اثبات حجيّته بقول الأعلم لاستلزامه الدور أو التسلسل؛ و الجواب عن هذا الاشكال انّه بمقتضى السيرة يرجع الى الأعلم و بقول الأعلم تثبت حجيّة قول غيره؛ و بعبارة أخرى: يكون التقليد في الحقيقة عن الأعلم و هذا نظير ما لو علم بحجيّة قول العادل و بقوله تثبت حجيّة قول مطلق الثقة؛ فلاحظ.

نعم: لو استنبط المقلّد انّ قول غير الأعلم لا يكون حجّة في حقه لا يجوز له تقليده حتّى مع فتوى الأعلم كما هو ظاهر.

(4) و هذا أيضا من الفروع و ليس من الأصول إذ لم يقع في طريق الاستنباط مضافا الى انّ جواز التقليد في الأصول وقع محلّ الكلام و قد تعرّض له المصنّف (قدّس سرّه) فيما بعده؛ فانتظر.

129

[إذا كانا مجتهدان أحدهما أعلم في أحكام العبادات و الآخر أعلم في المعاملات فالأحوط تبعيض التقليد]

(مسألة 47): إذا كانا مجتهدان أحدهما أعلم في أحكام العبادات و الآخر أعلم في المعاملات فالأحوط تبعيض التقليد و كذا إذا كان أحدهما أعلم في بعض العبادات مثلا و الآخر في البعض الآخر (1).

[إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه اعلام من تعلّم منه‏]

(مسألة 48): إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه اعلام من تعلّم منه و كذا إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام (2).

(1) امّا مع العلم بالاختلاف فالأظهر هو ما ذكره و قد مرّ مرارا و امّا مع عدم العلم بالاختلاف يجوز له التبعيض كما يجوز له عدمه؛ و الوجه ظاهر.

(2) يقع الكلام تارة فيما نقل الجواز و الحال انّه حرام أو أفتى بجواز شي‏ء ثمّ انكشف انّه حرام أو واجب و اخرى في عكس الفرض بان يخبر أو يفتى بالحرمة أو الوجوب ثمّ انكشف عدم الإلزام.

امّا المقام الأوّل: فما يمكن أن يستدلّ به على وجوب الاعلام أمور:

منها: ما يدلّ من الآيات و الأخبار على وجوب اعلام الناس.

و يرد عليه أوّلا: انّه لا يجب تبليغ الأحكام بمعنى ايصالها الى الناس بأيّ نحو كان بل يكفي التهيّؤ لبيان الحكم الشرعي و لا يجب الذهاب الى آحاد الناس و تبليغ الأحكام ايّاهم و ثانيا: انّه لا فرق فيما ذكر بين الناقل و المفتي و غيرهما فانّه على تقدير الوجوب لا يختص بخصوص شخص دون آخر.

و منها: ما في كلام سيدنا الاستاد و هو انّه استفيد من الأدلّة انّ التسبيب الى الحرام حرام أيضا فانّه يفهم من حرمة شرب الخمر حرمة إشرابه للغير.

و يرد عليه أوّلا: انّ ما ادّعاه أوّل الكلام و أوّل الأشكال، و ثانيا: انّه حين‏

130

الأخبار و الافتاء كان المباشر لهما معذورا و بعد الانكشاف لا تسبيب.

و منها: ما دلّ على كون المفتي ضامنا إذا أفتى بخلاف الحكم الشرعي روي عن عبد الرحمن ابن الحجّاج قال: كان أبو عبد اللّه (عليه السّلام) قاعدا في حلقة ربيعة الرّأي؛ فجاء اعرابيّ فسأل ربيعة الرّأي عن مسألة فاجابه؛ فلمّا سكت قال له الاعرابي: أ هو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة و لم يردّ عليه شيئا؛ فاعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك؛ فقال له الاعرابيّ: أ هو في عنقك؟ فسكت ربيعة فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): هو في عنقه؟ قال: أو لم يقل: و كلّ مفت ضامن‏ (1).

و هذه الرواية واردة في الافتاء و الكلام في الأعمّ منه مضافا الى انّه يستفاد منه انّ المسئولية على عنق المفتي و من الظاهر انّ الخطأ لا يكون موردا للمسئوليّة.

و منها: ما دلّ على انّ أثم من افتى بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه كما روي عن أبي عبيدة قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام): من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه؛ لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب؛ و لحقه وزر من عمل بفتياه‏ (2) و قد ظهر منه الجواب كما انّه يظهر الجواب عمّا ربما يتمسّك به ممّا ورد في باب الحجّ من انّ كفّارة تقليم اظفار المحرم على من أفتى بجوازه؛ روى عن اسحاق الصير في قال:

قلت لأبي ابراهيم (عليه السّلام): انّ رجلا احرم فقلّم اظفاره و كانت له اصبع عليلة فترك ظفرها لم يقصّه فافتاه رجل بعد ما احرم فقصّه فادماه؛ فقال: على الذي افتى شاة (3)، فإنه الحديث لا يدل على وجوب الأعلام.

____________

(1) الوسائل: الباب 7 من أبواب آداب القاضي، الحديث 2.

(2) الوسائل: الباب 7 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.

(3) الوسائل: الباب 13 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث 1.

131

و أمّا المقام الثاني: فقد ظهر الحال فيه ممّا ذكرناه في المقام الأوّل بل الأمر في هذه الصورة أهون لأنّه ليس في ترك المباح وزر كي يلحق المفتي كما انّه لا موضوع للضمان.

و حيث انجرّ الكلام الى هنا: ينبغي أن يقع الكلام في تنبيه الغافل و اعلام الجاهل؛ فانّه بحث مهمّ و لا يتعرّض له بنحو الاستقلال فنقول: تارة يقع الكلام في مورد الجهل بالموضوع و الغفلة عنه و اخرى في مورد الجهل بالحكم.

أمّا الأوّل: فلا شبهة في عدم وجوب الأعلام الّا في موارد علم من الشرع بالخصوص كما لو أراد أحد قتل احد بتصوّر انّه حيوان فإنّه يجب اعلامه بل يجب حفظ النفس المحترمة بأيّ نحو كان و قس عليه بعض أقسام الأعراض و الأموال و هذا لا يرتبط بهذا البحث كما هو ظاهر، و اما الجاهل بالحكم و الغافل فما يمكن أن يقال في هذا المقام أو قيل أمور: منها ما نسب الى السيّد الوالد (قدّس سرّه) من انّه بحكم العقل بتقريب انّه لو كان أحد في معرض الهلاك يجب انقاذه و هذا الدليل غير تام فانّا انكرنا حكم العقل و استقلاله في كشف الأحكام الشرعيّة و الذي يدلّ عليه انّه لو قام دليل على عدم الوجوب لا نرده و نلتزم بعدم الوجوب و الحال انّه كيف يمكن رد الحكم المستقلّ العقلي! و هذا ظاهر؛ و ملخّص الكلام؛ انّه لا بدّ من اقامة دليل على الوجوب فما دام لم يقم دليل من آية أو رواية لا يمكن الالتزام بالوجوب.

و منها: قوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏ (1) بدعوى انّه يلزم اقام الحجّة على الناس كي يتمّ الحجّة له تعالى و لا يكون للناس حجّة.

و الجواب عن هذا الدليل انّ المستفاد من مجموع الآيات المذكورة في المقام‏

____________

(1) النساء: 165.

132

انّه تعالى اتمّ الحجّة على الناس بإرسال الرسل و هذا الأمر تحقّق في الخارج بإرادة اللّه و امّا لزوم إيصال ما أتى به الرسل الى الغافلين فيحتاج الى الدليل، و بعبارة اخرى: لا يستفاد من الآية الشريفة انّه يجب علينا ان نتمّ الحجّة بل هذا فعله تعالى و قد فعله.

و منها: قوله تعالى‏ (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) (1) و التقريب فيه هو التقريب و الجواب اظهر فانّ المستفاد من الآية انّ اللّه تعالى تمّم الحجّة بالتكليف المستلزم للاختيار و ليس تكليفه مبنيا على الالجاء و على كلّ لا يرتبط مفاد الآية بما نحن بصدده.

و منها: قوله تعالى: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (2) بتقريب انّ المستفاد من الآية وجوب النفر و الانذار بعد الرجوع لاحتمال الحذر و الظاهر انّه لا بأس بهذا الاستدلال فانّ المستفاد من الآية انّه يجب التحذير، و لكن ترفع اليد عن اطلاق الآية بالضرورة الخارجية.

و منها: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (3) بتقريب انّ المستفاد من الآية انّه يحرم كتمان سبب الهداية و من الظاهر انّ الأحكام الشرعيّة و القوانين الالهيّة توجب السّعادة الابديّة.

____________

(1) الانعام: 149.

(2) التوبة: 122.

(3) البقرة: 159.

133

و يرد عليه أوّلا: انّ الكتمان على ما يستفاد من اللّغة عبارة عن الامساك و الاصرار على عدم بيان أمر فلو سئل أحد عن أمر بعلمه فلا يقول و يكتمه يصدق عليه الكتمان و لا يصدق على مطلق الامساك؛ و بعبارة اخرى عدم الاخبار عن امر و عدم اظهاره ليس بكتمان على نحو الاطلاق و الآية بمناسبة شأن نزولها حيث نزلت بالنسبة الى أحبار اليهود يستفاد منها انّ موردها ما يكون الكتمان سببا لضياع حقّ كأمر النبوة حيث انّ كتمان اليهود سبب لعدم ظهور أمر رسالة رسول الإسلام.

و ثانيا: انّ المذكور في الآية عبارة عن البيّنات و من الظاهر انه البيّنة عبارة عمّا يظهر به الشي‏ء فيناسب ما يرجع الى أمر الرسالة فانّ المذكور في القرآن الكريم عبارة عن الأحكام لا البيّنات و انّما ذكرت البيّنات في التوراة و الانجيل و المعطوف على البيّنات عبارة عن الهدى و يكون عطف تفسير و لا يناسب أن يراد منها سبب الهداية و هو الحكم الشرعي إذ البيّنات عبارة عن سبب الهداية و ارادة مطلق السبب عن لفظ الهداية يستلزم عطف العام على الخاص و هو أمر غير معهود بخلاف العكس.

إن قلت: يمكن أن يراد من البيّنات جميع البيّنات اعمّ ممّا ذكر في التوراة و ممّا ذكر في القرآن من الأدلّة الدالّة على وجوده تعالى و وجوده الحشر و النشر.

قلت: سلّمنا هذا المعنى لكن نقول بأيّ وجه نتعدّى الى الأحكام فانّ غاية هذا التقريب بيان ادلّة التوحيد و ما نحن فيه أوسع من هذا المقدار اللّهمّ الّا أن يقال:

انّ ادلّة الأحكام التي ذكرت في القرآن بنفسها بيّنات فانّ الأحكام الشرعيّة تظهر بآيات الأحكام فالعمدة هو الاشكال الأوّل.

و يؤيّد ما ذكرنا في معنى الكتمان ما أفاده سيد المستمسك من انّ المستفاد من‏

134

الآية حرمة الكتمان و وجوب الاظهار في مقام الاستعلام و إن شئت قلت: انّ المفهوم من هذا اللّفظ بماله من المعنى عدم الملكة أي عدم الاظهار في مورد كان شأنه الاظهار كما لو سئل فيمسك عن الجواب و في المقام روايتان إحداهما ما رواه طلحة بن زيد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ رواة الكتاب كثير و انّ رعاته قليل و كم من مستنصح للحديث مستغشّ للكتاب فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية و الجهلاء يحزنهم حفظ الرواية فراع يرعى حياته و راع يرعى هلكته فعند ذلك اختلف الراعيان و تغاير الفريقان‏ (1).

و ثانيهما: ما رواه طلحة بن زيد أيضا عن أبي عبد اللّه؛ عن آبائه (عليه السّلام) قال: قال علي (عليه السّلام): انّ العالم الكاتم علمه يبعث انتن اهل القيامة ريحا تلعنه كلّ دابّة من دواب الأرض الصّغار (2) و طلحة لم يوثّق.

و صفوة القول انّ الدليل على المدّعى منحصر في آية النفر على ما تقدّم.

ثمّ انّه يقع البحث في جهات المسألة و هي عديدة:

الأولى: انّه هل يلزم أن يكون قول المرشد حجّة للطرف أم لا يشترط بهذا الشرط؟ الظاهر انّه لا وجه لهذا الاشتراط؛ امّا لو استندنا الى آية النّفر فالمقدار اللّازم أن يكون في الاعلام رجاء الحذر لقوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) و امّا لو استند الى آية الكتمان فهو يقتضي وجوب الاعلام و لو مع العلم بعدم ترتيب الأثر الّا أن يقال: بانّ المفهوم من الآية عرفا أنّ الكتمان انّما يكون حراما من حيث انّ‏

____________

(1) الوافي: ج 1 ص 169، الحديث 91 (منشورات مكتبة الامام أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) العامة- اصفهان).

(2) الوسائل: الباب 40 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما، الحديث 2.

135

اظهار الحقّ يوجب هداية الناس فالاظهار المجرّد لا يكون واجبا.

الثانية: انّه هل يكون فرق بين أن يكون الطرف عالما و بين أن يكون جاهلا.

و بعبارة اخرى: هل يشترط الجهل في الطرف امّا لو استندنا الى آية الكتمان فلا اشكال في هذا الاشتراط إذ الكتمان انّما يصدق فيما يكون الطرف جاهلا.

و بعبارة أخرى: انّ الكتمان عبارة عن جعل الشي‏ء مستورا و مع كون الطرف عالما لا يتحقّق الستر كما هو ظاهر و امّا لو استندنا الى آية النفر فهو أيضا كذلك إذ مع كونه عالما لا معنى لأعلامه؛ نعم يدخل المقام في صغرى النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف.

ثمّ انّه هل يكون فرق بين الجاهل القاصر و بين الجاهل المقصّر الظاهر انّه لا وجه للفرق فانّ الجاهل المقصّر و لو كان واجبا عليه التعلّم لكن مقتضى وجوب التحذير و حرمة الكتمان وجوب الاظهار و الأعلام.

الثالثة: انّه يجب اعلام الجهّال بأيّ نحو كان و لو بالرواح الى بيوتهم و دق ابوابهم و اعلامهم أم لا؟ امّا المقدار الحرجي فغير واجب لقاعدة نفي الحرج و امّا لو لم يصل الى هذا الحدّ فمقتضى الاطلاق الوجوب لكن ترفع اليد عن الاطلاق بالضرورة الخارجيّة فانّه لم تكن سيرة الأئمة (عليهم السّلام) على هذا النحو من الأعلام فكيف بغيرهم، بل يكفي بالنّحو المتعارف المتداول المتّصل بزمانهم (عليهم السّلام) و عليه لا يجب الذهاب الى كلّ واحد واحد بل يكفي بيان المسائل و الأحكام في مجتمع أو في كتاب و عرضه الى الناس و الذي يكون موجبا للإشكال انّ مقتضى القاعدة وجوب الذهاب الى القرى و الأماكن البعيدة و انذارهم و اعلامهم بالأحكام اعاذنا اللّه من الزّلل.

136

[اذا اتّفق في أثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين‏]

(مسألة 49): اذا اتّفق في أثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة و انّه إذا كان ما أتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته فلو فعل ذلك و كان ما فعله مطابقا للواقع لا يجب عليه الاعادة (1).

الرابعة: انّه هل يختصّ الوجوب بالأحكام الالزاميّة أو يعمّ الترخيصيّة أيضا؟ الظاهر هو الأوّل امّا لو استندنا الى آية النفر فلأنّ الانذار انّما يكون في ترك الواجب و فعل الحرام و امّا في الترخيصيّات فلا معنى للإنذار و لو استندنا الى آية الكتمان فالأمر كذلك أيضا لأنّ ما يكون موجبا للهدى عبارة عن الالزاميّات.

(1) في هذه المسألة جهات من الكلام:

الأولى: انّه لو اتّفق مسألة في الأثناء لا يعلم حكمها و يحتمل انّ البناء على كلّ من الطرفين يوجب البطلان ما حكمه؟ و الحقّ أن يقال: انّه لو قلنا بحرمة ابطال الصلاة لا يمكن أن يقال انّ البناء على أحد الطرفين يجوز شرعا إذ يمكن انّ البناء على أحد الطرفين يوجب بطلان الصلاة و معه كيف يمكن أن يجوز شرعا.

إن قلت: لا محيص.

قلت: لو كان جاهلا مقصرا يعاقب على ترك التعلّم؛ نعم في الجاهل القاصر لا يتوجّه هذا الاشكال إذ لا يتوجّه عليه التكليف ففي المقصّر لا يمكن الالتزام بالجواز الشرعي؛ نعم الجواز العقلي صحيح بمعنى انّ الأمر يدور بين المحذورين و بحكم العقل لا بدّ من اختيار أحد الطرفين.

الثانية: انّه لو بنى على أحد الطرفين و طابق الواقع هل يكون صحيحا أم لا؟

الحقّ انّه لو طابق المأتيّ به المأمور به يصحّ و يجزي فانّ الأجزاء عقليّ لكن هل يشترط بهذا النحو المذكور في المتن بحيث لو لم يكن بانيا على الاعادة لا يصحّ و لو

137

[يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد أو عن الاعلم أن يحتاط في أعماله‏]

(مسألة 50): يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد أو عن الاعلم أن يحتاط في أعماله (1).

كان مطابقا للواقع؟ الحقّ انّه ليس مشروطا بهذا الشرط بل مقتضى القاعدة هي الصحّة مطلقا كان بانيا على الاعادة على فرض عدم المطابقة أولا متردّدا كان أو عازما على الخلاف أو غافلا ففي جميع الصّور لو اتى بأحد الطرفين ثمّ علم التطابق مع الواقع يكون العمل صحيحا و أيضا لا فرق بين أن يكون جاهلا قاصرا و بين أن يكون مقصّرا و الوجه في الصحّة على الاطلاق انّ العمل العبادي يشترط فيه أن يؤتى به بقصد القربة و مضافا الى المولى و الزائد على هذا المقدار لا يلزم.

الثالثة: انّه لو بنى على أحد الطرفين فلا شبهة في عدم جواز الاكتفاء به عقلا إذ المفروض انّ الاشتغال حاصل و الفراغ مورد للشك فلا بدّ من العلم بحصول الفراغ و هذا لا يحصل الّا بالاحتياط و الرجوع و السؤال عمّن يعلم الحكم.

الرابعة: انّه لو لم يطابق العمل الواقع فهل يجب الاعادة مطلقا أم لا الحقّ انّ الاعادة واجبة إذ قاعدة لا تعاد تختص بمن يكون حين العمل معتقدا بتمامية عمله و المفروض في المقام انّ المكلف حين العمل شاك في الصحّة فلاحظ.

(1) و الوجه فيه ظاهر إذ لا بدّ من تحصيل المؤمّن و لا يحصل الّا بالاحتياط كما مرّ في أوائل البحث من انّ كلّ مكلّف يجب عليه أحد الأمور الثلاثة.

138

[المأذون و الوكيل عن المجتهد في التصرّف في الأوقاف أو في أموال القصّر ينعزل بموت المجتهد]

(مسألة 51): المأذون و الوكيل عن المجتهد في التصرّف في الأوقاف أو في أموال القصّر ينعزل بموت المجتهد (1) بخلاف المنصوب من قبله كما إذا نصبه متولّيا للوقف أو قيّما على القصر فانّه لا تبطل توليته و قيمومته على الاظهر (2).

(1) فانّ الاذن لا معنى لبقائه مع فرض عدم الآذن كما انّ الأمر كذلك لو كان بنحو الوكالة فانّ الوكالة لا تبقى مع موت الموكّل.

(2) ما يمكن أن يكون وجها لهذا المدّعى امور:

الأوّل: انّ الفقيه له الولاية و مقتضاها تحقّق ما تصدّى له و بقائه حتّى بعد موته؛ و فيه: انّه لا دليل على ولاية الفقيه و لعلّه يقع الكلام فيه بعد ذلك و لو ملخّصا.

الثاني: انّه من مناصب القضاء و حيث انّ الفقيه قاض فله اعطاء هذا المنصب للغير؛ و فيه: انّه أوّل الدّعوى و ليس عليه دليل؛ إن قلت: انّ المقبولة تدلّ على هذا المعنى حيث قال (عليه السّلام): فانّي قد جعلته عليكم حاكما (1) و فيه: انّ الحاكم بمعنى القاضي مضافا الى انّ السند مخدوش كما مرّ.

الثالث: انّ جعل الفقيه كجعل الامام فلا يزول بزواله و فيه: انّه مصادرة و ليس عليه دليل.

الرابع: انّ عمل الفقيه واسطة في الثبوت بالنسبة الى جعله تعالى و يرد عليه انّه أيضا كسابقه.

الخامس: انّ السيرة جارية عليه و لم يردع عنها و فيه: انّ اثبات هذه السيرة اوّل الاشكال و الكلام.

____________

(1) التهذيب: ج 6 ص 218، الحديث 6.

139

[إذا بقى على تقليد الميّت من دون ان يقلّد الحيّ في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد]

(مسألة 52): إذا بقى على تقليد الميّت من دون ان يقلّد الحيّ في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد (1).

[إذا قلّد من يكتفي بالمرّة مثلا في التسبيحات الأربع و اكتفى بها ثمّ مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول بوجوب التعدّد لا يجب عليه اعادة الاعمال السابقة]

(مسألة 53): إذا قلّد من يكتفي بالمرّة مثلا في التسبيحات الأربع و اكتفى بها أو قلّد من يكتفي في التيمّم بضربة واحدة ثمّ مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول بوجوب التعدّد لا يجب عليه اعادة الاعمال السابقة و كذا لو اوقع عقدا أو ايقاعا بتقليد مجتهد يحكم بالصحّة ثمّ مات و قلّد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحّة، نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني (2).

السادس: الاستصحاب؛ و فيه: انّه لا يجري الاستصحاب في الحكم الكلّي مضافا الى انّ الموضوع غير محرز لاحتمال أن يكون الولاية للقيّم بتبع ولاية الفقيه و مع موته لا يبقى الموضوع؛ و ملخّص الكلام انّ ولاية الفقيه لا دليل عليها و على فرض تسلّمها لا دليل على ثبوتها على نحو الاطلاق بل المقدار المعلوم تحقّقه ما دام الفقيه حيّا.

(1) و الوجه فيه انا لو قلنا بانّ البقاء على تقليد الميّت يحتاج الى تقليد الحيّ فبقاء المقلّد على التقليد ليس على حسب الميزان و إذا لم يكن على حسب الميزان يكون كمن لا يكون مقلّدا.

(2) الميزان الأوّلي و القاعدة الاوّلية فيما لا يكون المأمور به منطبقا على المأتيّ به عدم الاجزاء فانّه كما انّ الاجزاء فيما طابق عقليّ و الانطباق قهريّ لا يكون المأتيّ به فيما يخالف المأمور به مجزيا عقلا و لا بدّ لإثبات الأجزاء من دليل؛ و عليه ما أفاده في المتن من عدم لزوم الاعادة و الاكتفاء بما أتى به محلّ اشكال و ما يمكن أن يقال أو

140

قيل في وجه الاجزاء أمور:

الأول: انّ الحكم الظاهري يقتضي الأجزاء و يرد عليه: انّ المحقّق في محلّه من الأصول عدم الاجزاء و لا فرق في عدم الاجزاء بين أن يكون مفاد الدليل الطريقيّة و بين أن يكون مفاده جعل الحكم كقاعدة الطهارة و الاباحة بل استصحابهما بدعوى انّ المجعول فيها تنزيل المشكوك منزلة الواقع؛ و بعبارة اخرى: بنحو الحكومة يجعل المشكوك منزلة الواقع فيكون الميزان الواقع فكيف يمكن الالتزام بعدم الاجزاء مدفوعة: بانّه و لو سلّمنا الحكومة في ما ذكر و لم نقل بانّ المجعول في مورد الاصلين الاباحة و الحلّية الظاهريّة و في الاستصحاب جعل الطريقيّة نقول بانّ الحكومة إذا لم تكن واقعيّة لا يقتضي الأجزاء كما هو ظاهر.

الثاني: دعوى الاجماع بل دعوى الضرورة و يرد عليه: انّه لو كان المراد من الضرورة انّ المسألة ضروريّة لا تحتاج الى البحث ففساده أوضح من أن يخفى مع هذا النزاع العريض الطويل في البين و إن كان المراد انّ كون المسألة اجماعية فيرد عليه انّ المنقول عن العلّامة و العميدي دعوى الاجماع على الخلاف.

الثالث: انّه لو لم يكن مجزيا لا يبقى وثوق بالفتوى و يرد عليه: اوّلا: النقض بموارد كشف الخلاف في الموضوعات. و ثانيا: انّ هذا استبعاد ليس دليلا مضافا الى انّ استبعاده في غير محلّه؛ فانّ مقتضى العبوديّة امتثال أوامر المولى بايّ نحو اقتضت.

الرابع: انّ عدم الاجزاء يوجب الحرج و هو مرفوع في الشريعة؛ و فيه: انّ الحرج شخصي فكلّ مورد تحقّق الحرج نرفع اليد و لا يختصّ بهذا المورد بل مقتضى‏

141

القاعدة ارتفاع كلّ حكم بالحرج كما حقّق في محلّه لكن هذا المقدار لا يقتضى الحكم بالاجزاء نعم لو كان المراد بالحرج النوعي منه لكان لهذا الكلام و الاشكال مجال.

الخامس: السّيرة بدعوى انّ السيرة قائمة و جارية على عدم نقض ما وقع سابقا و عدم الاعادة و القضاء و يرد عليه: انّه لو كان المراد بهذه السيرة السيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع فهو أوّل الكلام و الاشكال و إن كان المراد بها السيرة المتشرعيّة فهي على فرضها يمكن أن تكون مستندة الى فتوى المقلّدين بالفتح؛ و إن شئت قلت: كيف يمكن اثبات السيرة الشرعيّة المتّصلة بزمان المعصوم (عليه السّلام) بحيث يكشف عن عدم الرّدع عنها و هل وقع و لو مرّة في زمانهم ما يكون صغرى لهذه المسألة.

السادس: ما أفاده سيّد المستمسك و هو انّ المدرك للرجوع الى الحيّ امّا الاجماع و امّا حكم العقل بلحاظ الدوران بين التعيين و التخيير و القدر المتيقّن من الاجماع عدم نفوذ الرأي الأوّل في الوقائع الآتية و حكم العقل محكوم باستصحاب بقاء حجيّة قول الميّت بالنسبة الى ما مضى من الوقائع؛ و يرد عليه أوّلا: انّ الاستصحاب لا يجري في الشبهة الحكمية، و ثانيا: انّه لا مجال لهذا الكلام إذ المعدول اليه إن كان اعلم يجب الرجوع اليه بحكم السيرة بلا فرق بين الوقائع و إن كان الميّت أعلم يجب البقاء كذلك و مع التساوي يلزم الأخذ بأحوط القولين لعدم دليل على حجيّة أحدهما المعيّن و أيضا لا دليل على التخيير.

السابع: ما عن المحقق الاصفهاني (قدّس سرّه) و استدل على المدعى و هو الأجزاء في كل من الأحكام الوضعيّة و التكليفيّة بوجه امّا في الأحكام الوضعية فانّ المصالح فيها قائمة بنفسها فلو قامت الامارة على تحقق الاباحة بالمعاطات و بعد ذلك قامت‏

142

على انّ المتحقق بها الملكية لم تكشف الامارة الثانية عن كون الاباحة غير مطابقة للواقع إذ ليس في الأحكام الوضعية واقع سوى نفسها فلا معنى لكشف الخلاف و اما في الحكم التكليفي فكشف الخلاف فيه و إن كان متصورا لكن اعتبار الاجتهاد الثاني من حين صدوره و تحققه و لا يوجب سقوط السابق عن الاعتبار في ظرفه و بعبارة اخرى الاجتهاد الاوّل كان حجة في ظرفه و لا ينقلب و الاعادة و القضاء، و إن كانا متأخرين لكنهما من آثار بطلان العمل و قد فرض ان الاعمال الواقعة على طبق الاجتهاد الاوّل صحيحة و بتقريب أوضح انّ الحجة الثانية انما صارت حجة بعد سقوط الحجة الاولى عن الاعتبار فالمتأخرة لا تكون حجة الّا بعد موت المرجع الأوّل و كيف يمكن أن تكون الحجة اللاحقة موجبة لانقلاب الأعمال السابقة عن الصحة الى الفساد حتى على القول بالطريقيّة و صفوة القول انّ الحجة المتأخرة لا يمكن أن تكون مؤثرة في المتقدم عليها من الاعمال و المفروض انّ الاعادة و القضاء من آثار بطلان العمل المتقدم فإن لم يكن المتأخر مؤثرا في المتقدم فلا وجه للإعادة أو القضاء و يرد عليه اوّلا النقض بشهادة العادل الذي كان فاسقا في زمان ثم تاب و بعد صيرورته عادلا يشهد على امر مربوط بزمان فسقه فهل يشك في اعتبار شهادته و ثانيا يجيب بالحل و هو انه إن كان المراد من عدم تأثير المتأخر انه لا يوجب فساد ما وقع صحيحا فهو حق و إن كان المراد انّ المتأخر لا يمكن أن يكشف عن مخالفة الاعمال مع الواقع فهو غير صحيح فإن الامارة المتأخرة يمكن أن يكشف عن مخالفة المأتي به مع المأمور به و اما افيد في كلامه من انّ الأحكام الوضعية تابعة لمصالح في نفسها فالأمر كما افيد اي المصالح في نفس الجعل و لا واقع لها الّا تلك الأحكام لكن تمام الكلام في انّ المجعول ما هو مثلا في‏

143

المعاطات هل المجعول هي الاباحة أو الملكية و الميزان الاجتهاد الثاني اذ الاجتهاد الأوّل سقط عن الاعتبار على الفرض.

و امّا في الأحكام التكليفية فنقول انّ المكلف بعد سقوط الاجتهاد الأوّل عن الاعتبار يشك في وجوب الاعادة و القضاء عليه فلو ادّى الاجتهاد الثاني الى فساد الاجتهاد الاوّل تجب الاعادة و القضاء إذ بمقتضى الاجتهاد الثاني لم يتحقق الواجب و لم يتحقق الامتثال فتجب الاعادة و القضاء.

اذا عرفت ما تلوناه عليك نقول: مقتضى القاعدة عدم الاجزاء في العبادات و المعاملات فانّ حجيّة قول المجتهد من باب الامارية و الكشف و من الظاهر انّ الطريقيّة ماداميّة فلا مناص عن الالتزام بعدم الأجزاء نعم مقتضى قاعدة لا تعاد عدم الاعادة في جملة من الموارد.

و ضابطه: انّه لو كان الفاقد داخلا في الخمس و ما يلحق به فلا تشمله القاعدة و الّا يكون مقتضى هذه القاعدة عدم الاعادة فعليه لا بدّ من التفصيل فيما أفاده في المتن فما أفاده متين بالنسبة الى التسبيحات حيث انّه غير داخل في الخمس و امّا التيمّم فلا اذ الطّهور من الخمس و امّا العقد أو الايقاع لو كان باطلا بنظر الحيّ لا بدّ من البناء على البطلان و رفع اليد عن العقد و الايقاع الواقعين.

144

امّا إذا قلّد من يقول بطهارة شي‏ء كالغسالة ثمّ مات و قلّد من يقول بنجاسته فالصلوات و الأعمال السابقة محكومة بالصحّة و إن كانت مع استعمال ذلك الشي‏ء و امّا نفس ذلك الشي‏ء إذا كان باقيا فلا يحكم بعد ذلك بطهارته و كذا في الحلّية و الحرمة فاذا افتى المجتهد الأوّل بجواز الذّبح بغير الحديد مثلا فذبح حيوانا كذلك فمات المجتهد و قلّد من يقول بحرمته فان باعه أو أكله حكم بصحّة البيع و اباحة الأكل و امّا اذا كان الحيوان المذبوح موجودا فلا يجوز بيعه و لا أكله و هكذا (1).

(1) امّا ما أفاده في مسألة الغسالة فلو اغتسل أو توضّأ يلزم اعادة صلواته لعدم شمول القاعدة و لو غسل بها شيئا و صلّى فيه لا تجب اعادة تلك الصلاة و لكن يجب تطهيره فعلا؛ و امّا ما افاده بالنسبة الى اعادة تلك الصلاة و لكن يجب تطهيره فعلا؛ و امّا ما افاده بالنسبة الى الذّبح فمقتضى القاعدة الحكم بفساد البيع السابق؛ نعم لم يكن الاكل و لا البيع محرّما تكليفا لأنّه كان معذورا و مضافا الى ما قلنا يرد عليه ما الوجه في التفرقة بين الموارد فانّه لو كان العمل بفتوى المجتهد الأوّل صحيحا و لا يبطل فما وجه حرمة الأكل بقاء و فساد بيع اللّحم كذلك و إن كان الميزان قول المعدول اليه فيلزم الحكم بفساد ما وقع على خلاف رأيه و إن كان الميزان بالابتلاء و عدم الابتلاء فيلزم الحكم بالفساد في نكاح المرأة التي نكحت بالعقد الفارسي الّذي يكون باطلا بنظر المعدول اليه.

و صفوة القول: انّ مقتضى الاجتهاد الثاني فساد الرأي الأوّل؛ فكلّ عمل وقع على طبق الرأي السابق يحكم بالفساد و يكون الأجزاء على خلاف القاعدة الّا

145

[الوكيل في عمل عن الغير يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكّل‏]

(مسألة 54): الوكيل في عمل عن الغير كإجراء عقد أو ايقاع أو اعطاء خمس أو زكاة أو كفّارة أو نحو ذلك يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكّل لا تقليد نفسه إذا كانا مختلفين و كذا الوصيّ في مثل ما لو كان وصيّا في استيجار الصلاة عنه يجب أن يكون على وفق فتوى مجتهد الميّت (1).

فيما يقوم عليه دليل كحديث لا تعاد بالنسبة الى الأجزاء في جملة من الموارد؛ فلاحظ.

(1) لا يبعد أن يكون مقتضى القاعدة أن يفصل في المقام بأن يقال المتصدّي لأمر عن الغير امّا يكون متبرّعا و امّا يكون وليّا و امّا يكون وكيلا و أما يكون وصيّا و امّا يكون اجيرا؛ امّا الولي و المتبرّع فيعملان على طبق وظيفتهما و لا أثر لرأي المولى عليه و المتبرّع عنه كما هو ظاهر؛ و امّا الوكيل و الوصي فالظاهر انّه يلزم مراعاتهما نظر الموكّل و الموصي إذ هما بصدد افراغ ذمّتهما و هذه قرينة على وقوع الوكالة و الوصاية على حسب نظرهما فلا مجال للأخذ بمقدّمات الحكمة و اثبات جواز العمل على طبق ما يراه الوكيل أو الوصيّ صحيحا؛ و ممّا ذكر ظهر الامر بالنسبة الى الأجير فانّ الأجير يستأجر على الاتيان بما هو يراه من يقع له الأمر؛ نعم لو كان ما يراه المستأجر صحيحا لو كان باطلا في نظر الأجير واقعا و كان أمرا عباديّا يشكل صحّة الاجارة إذ يعتبر في الاجارة القدرة على التسليم و المفروض انّ الأجير لا يقدر عليه فكيف تصحّ الاجارة؟

و ملخّص الكلام: انّ الميزان بنظر الموكّل و الموصي من رعاية نظر هما نعم لو كان الموكّل أو الموصي ممّن يرى الحجّة الجامع بين الأقوال غاية الأمر اختار أحدهما فردا منها و الآخر فردا آخر منها فالظاهر جواز العمل بكلّ من النّحوين‏

146

لأنّ المفروض تماميّة الأمر بالنسبة الى كليهما؛ اللهمّ الّا أن يقال انّ المفروض وقوع الاجارة أو الوصيّة على حصّة خاصّة نعم إذا وقع العقد أو الايقاع على الجامع يتمّ الأمر.

ثمّ انّه يشكل الأمر في فرعين يتصوران في المقام:

الأوّل: انّ الميّت لو أوصى بعمل كالحجّ مثلا ممّا يخرج عن الأصل فتارة يكون نظر الموصي اضيق دائرة من نظر الوصي لكن يكون مورد نظره صحيحا في نظر الوصي فلا اشكال في نفوذ الوصيّة إذا لم يكن زائدا على الثلث و امّا إن كان زائدا يشكل النفوذ و لو دار الأمر بين المتباينين فالظاهر لزوم الاتيان بكلا الفردين امّا ما كان صحيحا بنظر الوصي فلأنّ الواجب اخراج الواجب المالي عن الأصل التركة لكن باذن الحاكم الشرعي و امّا ما كان صحيحا في نظر الميّت فلنفوذ الوصيّة في الثلث.

الثاني: انّه لو شك فيما يراه الميّت صحيحا فإن كان دائرا بين المتباينين بانّ ما يراه الوصيّ صحيحا يباين الفرد الآخر الذي يحتمل أن يكون مورد نظر الموصي فاللّازم أن يعمل على طبق نظره باذن الحاكم لأنّ المفروض اخراج الحجّ عن أصل التركة و في نظر الوصيّ الصحيح هذا الفرد و يعمل على طبق نظر الميّت احتمالا إن كان الثلث وافيا به؛ الّا أن يقال انّه مع الشك يرجع الى البراءة حيث انّ الأمر يدور بين الأقلّ و الأكثر فانّ الاحجاج بطريق يراه الوصيّ قطعيّ و غيره مشكوك و الأصل عدمه؛ نعم لو احرز انّه يرى الصحيح غير ما يراه الوصيّ لا مجال لجريان الأصل المذكور.

147

[إذا كان البائع مقلّدا لمن يقول بصحّة المعاطات مثلا و المشتري مقلّدا لمن يقول بالبطلان لا يصحّ البيع بالنسبة الى البائع أيضا]

(مسألة 55): إذا كان البائع مقلّدا لمن يقول بصحّة المعاطات مثلا أو العقد بالفارسي و المشتري مقلّدا لمن يقول بالبطلان لا يصحّ البيع بالنسبة الى البائع أيضا لأنّه متقوّم بطرفين فاللّازم أن يكون صحيحا من الطرفين و كذا في كلّ عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه و مذهب الآخر صحّته (1).

[في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدّعي‏]

(مسألة 56): في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدّعي (2).

(1) ما أفاده غير تامّ فان التلازم انّما يكون في الحكم الواقعي لا في الحكم الظاهري فالحقّ جواز التفكيك بين الموجب و القابل في الصحّة و البطلان و كلّ منهما يعمل على طبق عقيدته و مسلكه.

(2) لو فرض التساوي بين الحكّام في الفضيلة و فرض أحد المتداعيين مدعيا و الآخر منكرا فعن المستند دعوى الاجماع على كون اختيار الحاكم بيد المدّعي و هذا هو العمدة في الدليل و يؤيّده انّه لو رفع أحد الخصمين أمره الى الحاكم فطلب الحاكم الخصم يجب عليه الاجابة و ليس الأمر كذلك في طرف المنكر فانّه لو رفع أمره الى الحاكم لا يجب على الحاكم اجابته؛ و ربما يقال بانّ المدعى له الحقّ فإن كان المراد انّ الحقّ للمدّعي فهو أوّل الكلام و انّه ليس دليل على هذه الدّعوى و إن كان المراد انّ له حقّ الدعوى فهو متين لكن ليس دليلا على المطلوب.

و أفاد سيّدنا الاستاد في المقام وجها: و هو انّ أمر الاستدلال بيد المدّعي كما انّ الأمر كذلك في الاستدلالات العلمية الى آخر كلامه؛ و هذا وجه ذوقي يناسب مجلس الخطابة و ليس برهانا فان تمّ الاجماع فهو و الّا يشكل الامر و تماميّة الاجماع في غاية الاشكال؛ فلاحظ.

148

الّا إذا كان مختار المدّعى عليه أعلم (1) بل مع وجود الاعلم و إمكان الترافع اليه الأحوط الرّجوع اليه مطلقا (2).

[حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه و لو لمجتهد آخر]

(مسألة 57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه و لو لمجتهد آخر (3) الّا إذا تبيّن خطائه (4).

(1) و استدلّ عليه بمقبولة عمر بن حنظلة (1) و يرد على الاستدلال أوّلا: انّها ضعيفة سندا و ثانيا: انّه فرض في الرواية اختلاف الحكمين و اختار كلاهما الحكمين و المفروض في المقام انّ كلا منهما اختار حكما غير مختار الآخر فالحديث لا يرتبط بالمقام و ثالثا: انّه يلزم الالتزام بجميع ما ذكر في الحديث من الاعدليّة و غيرهما.

(2) قد تعرّض (قدّس سرّه) لاشتراط الاعلميّة في القاضي «في مسألة 68» فانتظر لكنّ الأحوط ما أفاد في المقام فانّه لو لم يكن دليل على عدم الاشتراط فالقدر المتيقّن نفوذ حكم الأعلم و مقتضى الاستصحاب عدم نفوذ حكم غير الأعلم.

(3) تارة يستدلّ بالإجماع و اخرى بالمقبولة و في كليهما ما لا يخفى؛ فانّ الاجماع على فرض تحصيله مدركي و لو احتمالا و المقبولة ضعيفة سندا و لكن يمكن اثبات الدّعوى بانّه لا شبهة في مشروعيّة القضاء و لولاها يلزم الهرج و المرج و من الظاهر انّه لو لا نفوذه لا يترتب عليه الأثر؛ نعم هذا فيما يكون الحكم على طبق الموازين و امّا لو لم يكن على طبق الميزان المقرّرة فوجوده كعدمه و لا يترتب عليه الأثر؛ و ملخّص الكلام انّ حكم الحاكم لو كان قابلا للنقض لا أثر للحكم و لا يرتفع النزاع و هذا أمر ظاهر.

(4) توضيح الحال انّ لحكم الحاكم جهتين:

____________

(1) لاحظ ص 59.

149

الأولى: رفع الخصومة و فصل الدعوى.

الثانية: ترتيب آثار الواقع عليه.

امّا الجهة الأولى: فان اشكال في انّ الحكومة إذا كانت على الموازين يتمّ الامر و ترتفع مادّة النزاع و لو مع العلم بخطاء الحاكم و يشهد له انّ الغالب انّ المتخاصمين يدّعي كلّ منهما كذب الاخر فلو كان العلم بالخطاء مجوّزا لعدم ترتيب الأثر على الحكم لم يكن الحكم مؤثرا في أكثر الموارد و هو كما ترى؛ نعم لا بدّ أن يكون الحكم على طبق الموازين الشرعية فلو لم يكن على طبقها امّا قصورا أو تقصيرا لا يترتّب عليه الأثر لأنّه يترتب على الحكم الشرعي كما قال (عليه السّلام) في ذلك الخبر «احكم بحكمنا»؛ مضافا الى انّه مع التقصير يخرج القاضي عن العدالة و ليس قابلا للقضاوة و الحكومة.

و اما الجهة الثانية: فالحقّ انّ الواقع لا ينقلب عمّا هو عليه امّا أوّلا: فلعدم الدليل و مع عدم الدليل، المتّبع الموازين الاوّليّة و امّا ثانيا: فالدليل يدلّ على انّ الواقع على ما هو عليه، لاحظ ما رواه هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): انّما اقضي بينكم بالبيّنات و الايمان؛ و بعضكم الحن بحجّته من بعض؛ فايّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فانّما قطعت له به قطعة من النار (1).

فانّ هذه الرواية تدلّ على انّ الحكم لا موضوعيّة له بل الواقع على ما هو عليه فلو حكم لأحد لا يجوز له أن يتصرّف في مال الغير بلحاظ الحكم فنقول امّا يعلم بالمطابقة و امّا يشك و امّا يعلم بالخلاف امّا بالوجدان أو بالأصل امّا مع العلم‏

____________

(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدّعوى، الحديث 1.

150

بالمطابقة فلا اشكال في الجواز و امّا مع الشك فكذلك امّا لأصالة الصحّة و امّا للسيرة و امّا للزوم اللّغوية.

و امّا مع العلم بالخلاف فلا دليل على رفع اليد عن الموازين الاوّلية و لا فرق فيما ذكرنا بين الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة فلو ادّعى احد بطلان البيع لنجاسة المبيع حيث يرى تماميته اجتهادا أو تقليدا أو ادّعى الآخر عكسه فحكم الحاكم بالصحّة لا يجوز للمحكوم عليه ترتيب أثر الطهارة كما انّه لو حكم الحاكم على انّ الدّار الفلانية ملك للمدّعي و المنكر يعلم خلافه يجوز له أن يسرقه أو يقتص اذا قلنا بجوازه مع كون الطرف معذورا أو في مورد يعلم انّه ظالم، و بعبارة اخرى تارة نقول بجواز التقاص على الاطلاق و اخرى نقول باختصاصه بمورد يكون المقتص منه ظالما فعلى الاول يجوز بلا فرق و على الثاني يختص بمورد كونه ظالما، و قد يقال بالفرق: بين أن يكون منشأ الحكم البيّنة و بين ما يكون المنشأ اليمين بأن يقال يجوز التقاص في الأوّل و لا يجوز في الثاني لدلالة الدليل على ذهاب الحقّ باليمين و التفصيل موكول الى محلّه.

151

[إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره ثمّ تبدّل رأي المجتهد في تلك المسألة لا يجب على النّاقل اعلام من سمع منه الفتوى الاولى‏]

(مسألة 58): إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره ثمّ تبدّل رأي المجتهد في تلك المسألة لا يجب على النّاقل اعلام من سمع منه الفتوى الاولى و إن كان أحوط (1) بخلاف ما اذا تبيّن له خطائه في النقل فانّه يجب عليه الاعلام (2).

[إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا]

(مسألة 59): إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا و كذا البيّنتان و اذا تعارض النّقل مع السّماع عن المجتهد شفاها قدّم السماع و كذا اذا تعارض ما في الرسالة مع السماع و في تعارض النقل مع ما في الرسالة قدّم ما في الرسالة مع الأمن من الغلط (3).

(1) لو لم يصدق التسبيب على عدم الاعلام بقاء لا وجه للوجوب و مع صدقه يدخل في المسألة المتقدّمة؛ نعم يجب الاعلام من باب وجوب اعلام الجاهل على القول بوجوبه و لا فرق فيه من هذه الناحية بين المكلّفين و لا خصوصيّة للناقل.

(2) تكلّمنا في هذا الفرع عند التكلّم في مسألة (48) فراجع.

(3) في كلّ مورد يتحقّق التّعارض يقدم المتأخّر إذا احتمل العدول فلو تعارض السماع مع النقل و كان النقل متأخرا و احتمل العدول يقدم النقل اذ استصحاب بقاء الرّأي لا مجال له مع وجود الامارة على الخلاف و في بعض الحواشي كتب انّه اذا حصل الوثوق من أحدهما يؤخذ به و لا يخفى انّ الوثوق عبارة عن الاطمينان و هو حجّة عقلائية و لا مجال مع الحجّة أن يعمل على طبق الامارة و لا يخفى انّه لو استشكل احد في العمل بالخبر الواحد في الموضوعات لكان المناسب أن يمنع عن العمل بنقل الناقل لما في الرسالة و احتمال كونه داخلا في الرواية

152

مدفوع كما مرّ سابقا؛ و ملخّص الكلام انّه مع تأخّر أحد الأمور المذكورة عن الآخر يقدم المتأخّر مع احتمال العدول؛ نعم مع العلم بعدم العدول أو وحدة التاريخ يقع التعارض و في مثله الأمر كما افاده في المتن بالنسبة الى تعارض النقلين و التبيين فانّ مقتضى التعارض التساقط، و بعبارة اخرى: التعارض في مثله امّا يكون بين فردين من سنخ واحد و امّا يكون بين سنخين؛ امّا على الأوّل فمقتضى القاعدة التساقط كما ذكرنا و امّا على الثاني فكما في المتن له صور:

الاولى: أن يقع التعارض بين النقل و السماع؛ و فيه: يقدّم السماع و الوجه فيه انّ النقل امارة على السماع فمع التعارض يقدّم السماع لأنّ السماع قطعي فيقطع بانّ الناقل امّا مشتبه و امّا كاذب في نقله؛ و لا يخفى انّ التقريب المذكور يختصّ بصورة القطع بانّ السماع مطابق مع الواقع و لولاه لا وجه لتقديم السماع؛ هذا فيما يكون تاريخ السماع و النقل واحدا و امّا مع الاختلاف و العلم بعدم العدول فيشكل الأمر إذ قول المجتهد حجّة بالنسبة الى رأيه و المفروض انّ قول الناقل أيضا حجّة و نقله طريق الى قوله فالتعارض متحقّق و لا يبعد أن كون مقتضى السيرة العمل بالقول؛ و الانصاف انّ العرف لا يرجّح القول الّا مع العلم بالواقع.

الثانية: أن يقع التعارض بين السماع و ما في الرسالة مع امنها من الغلط و في هذه الصورة تارة يكون الكاتب الرسالة غير المجتهد و اخرى يكون نفس المجتهد؛ امّا على الأوّل فيدخل في تعارض النقل مع السماع و امّا في الثاني فيقع التعارض بين السماع و خط المجتهد و ربما يقال: بانّ ما في الرسالة مقدّم إذ الكتابة اضبط؛ و الانصاف انّ الجزم به مشكل.

الثالثة: أن يقع التعارض بين الرسالة و النقل و في مثله تارة يكون الكاتب‏

153

[إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها و لم يكن الاعلم حاضرا فان أمكن تأخير الواقعة الى السؤال يجب ذلك‏]

(مسألة 60): إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها و لم يكن الاعلم حاضرا فان أمكن تأخير الواقعة الى السؤال يجب ذلك و الّا فان أمكن الاحتياط تعيّن و إن لم يكن يجوز الرجوع الى مجتهد آخر الأعلم فالأعلم و إن لم يكن هناك مجتهد آخر و لا رسالته يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء إذا كان هناك من يقدر على تعيين قول المشهور و إذا عمل بقول المشهور ثمّ تبيّن له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الاعادة و القضاء و إن لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع الى أوثق الأموات و إن لم يمكن ذلك أيضا يعمل بظنّه و إن لم يكن له ظنّ بأحد الطّرفين يبني على أحدهما و على التقادير بعد الاطّلاع على فتوى المجتهد إن كان عمله مخالفا لفتواه فعليه الاعادة أو القضاء (1).

للرسالة نفس المجتهد و اخرى يكون غيره، امّا على الأوّل فلا اشكال في تقدّم ما في الرسالة إذ المفروض انّ الكاتب نفس المجتهد و كتابته كقوله و قد مرّ انّه مقدّم على النقل بشرط حصول القطع بالواقع و امّا على الثاني فيدخل في تعارض النّاقلين و القول بانّ ما في الرسالة مقدّم لأضبطيّة الكتابة مشكل.

(1) الّذي يختلج بالبال في هذه العجالة أن يقال: تارة يفرض العلم بالمخالفة بين الأعلم و غير الأعلم و اخرى يفرض عدم العلم بها امّا في الصورة الأولى فلا بدّ من العمل بقول الاعلم مع الامكان و مع عدمه لا بدّ من الاحتياط و الرجوع الى الأعلم لا فرق فيه بين الرجوع الى الأعلم في الأموات أو في الأحياء إذ نحن لا نفرق بين الحياة و الموت و امّا مع عدم العلم بالخلاف فلا يلزم تقليد الأعلم بل يجوز تقليد من يكون اهلا له بلا فرق بين كونه حيّا أو ميّتا؛ نعم إذا فرض الانسداد و لم نقل‏

154

[اذا قلّد مجتهدا ثمّ مات فقلّد غيره ثمّ مات فقلّد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميّت أو جوازه فهل يبقى على تقليد المجتهد الأوّل أو الثاني الاظهر الثاني‏]

(مسألة 61): اذا قلّد مجتهدا ثمّ مات فقلّد غيره ثمّ مات فقلّد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميّت أو جوازه فهل يبقى على تقليد المجتهد الأوّل أو الثاني الاظهر الثاني و الأحوط مراعاة الاحتياط (1).

بجواز تقليد الميّت يتوجّه ما أفاده في المتن من التفصيل؛ و الّذي يهون الخطب انّ باب العلمي غير منسدّ؛ فلاحظ.

(1) يمكن أن يكون الوجه في نظره في لزوم البقاء على تقليد الثاني انه العدول اليه يبطل التقليد الاوّل فالرجوع اليه يكون من التقليد الابتدائي الذي اجمع على بطلانه و قد عرفت سابقا انّه ليس عنوان التقليد و العدول في الأدلّة؛ لكن رجعنا عن هذه المقالة و بنينا على اعتبار حديث روي عن مولانا العسكري (عليه السّلام)؛ و كيف كان نقول انّ الأوّل إذا كان أعلم من الثاني يجب أن يبقى على الأوّل و إن انعكس الفرض يجب البقاء على الثاني و إن لم يعلم الاختلاف تخيّر بين تقليد ايّهما شاء لكنّ الظاهر انّ المفروض في كلام المصنّف (قدّس سرّه) صورة العلم بالاختلاف بين الأوّل و الثاني و عليه امّا يكون الأوّل اعلم و امّا يكون الثاني أعلم و امّا يكونان متساويين و امّا لا يعلم الحال امّا على تقدير كون الأوّل اعلم يجب البقاء عليه و العدول الى الثاني لم يكن على طبق القاعدة و كان حدوثه باطلا فكيف ببقائه؛ و امّا على الثاني فيجب البقاء على الثاني كما انّه كان العدول اليه واجبا و مع التساوي و عدم العلم بالمخالفة يكون مخيّرا و مع العلم بها لا بدّ من الأخذ بأحوط القولين كما انّ الأمر كذلك في صورة عدم العلم بالحال.

و قد فصّل بعض في المقام بانّ الثالث إن كان قائلا بوجوب البقاء يجب البقاء على تقليد الأوّل لأنّه يرى التقليد عن الثاني كلا تقليد و إن كان قائلا بجواز البقاء و جواز العدول يجب البقاء على الثاني أو العدول الى الثالث و لا يجوز البقاء على‏