القواعد الفقهية - ج2

- محمد كاظم‏ المصطفوي المزيد...
184 /
55

حتى ينفى بحديث لا ضرر لاثبات الضمان في المسألة الاولى، و لا لاثبات جواز الطلاق في المسألة الثانية. (1)

أمّا ايراده الاول فغير وارد؛ لان عدم جعل الحكم في موضع قابل للجعل، جعل لعدم ذلك الحكم- و الجعل هو الاعتبار لا الايجاد- فيكون العدم مجعولا، و لا سيما بملاحظة ما ورد من أنّ اللّه سبحانه لم يترك شيئا بلا حكم، فقد جعل الحكم من قبل الشارع لجميع الاشياء، غاية الامر أن بعضها وجودي و بعضها عدمي، كما أن بعضها تكليفي و بعضها وضعي.

و عليه فلا مانع من شمول دليل لا ضرر للاحكام العدمية ايضا ان كانت ضررية هذا من حيث الكبرى الّا انّ الصغرى لهذه الكبرى غير متحققة، فانّا لم نجد موردا كان فيه عدم الحكم ضرريا- من قبل الشرع- حتى نحكم برفعه و بثبوت الحكم بقاعدة لا ضرر.

و أما إيراده الثاني فوارد،- ذلك لان- الحكم بالضمان في المسألة الاولى انما هو لتدارك الضرر الواقع على المحبوس من ناحية الحابس، و قد- ثبت- أنّ حديث لا ضرر لا يشمل مثل ذلك، و لا يدل على وجوب تدارك الضرر الواقع في الخارج بأي سبب، بل يدل على نفي الضرر من قبل الشارع في عالم التشريع. و كذا الحال في المسألة الثانية فان امتناع الزوج عن النفقة- يكون من قبل الزوج- و لم يرخص فيه الشارع، فليس من قبل الشارع ضرر في عالم التشريع حتى يرفع بحديث لا ضرر.

هذا مضافا إلى أنّ التمسك بحديث لا ضرر- لاثبات الضمان في المسألة الاولى، و لاثبات جواز الطلاق للحاكم في المسألة الثانية- معارض بالضرر المترتب على جواز الطلاق على الزوج من زوال سلطنته على الطلاق، و لا ترجيح لاحد الضررين على الآخر.

هذا ما تقتضيه القاعدة، و لكنه وردت روايات خاصة في المسألة الثانية.

تدلّ على زوال سلطنة الزوج عند امتناعه عن النفقة على الزوجة، و أنه للحاكم أن‏

____________

(1). منية الطالب، ج 3، ص 420

56

يفرق بينهما، و لا مانع من العمل بها في موردها.

و اما ما ذكره المحقق النائيني (رحمه اللّه)، من معارضتها للروايات الدالة على أنها ابتليت فلتصبر، ففيه أن هذه الروايات الآمرة بالصبر واردة فيما إذا امتنع الزوج عن المواقعة، فلا معارضة بينها، فيعمل بكل منها في موردها. (1)

نعم الروايات الدالة على أن الطلاق بيد من اخذ بالساق معارضة لها، لكنها أخص منها، فتقدم عليها، و نتيجة التقديم أن يجبر الزوج على الانفاق، و إن امتنع فيجبر على الطلاق و إن امتنع عنه أيضا يفرق الحاكم بينهما.

و الظاهر أنّ الروايات الدالة على جواز الطلاق للحاكم مختصة بما إذا امتنع الزوج عن الانفاق بلا عذر، فلا تنافي بينها و بين الروايات الدالة على أنها إن غاب زوجها، فليس للحاكم طلاقها، إلّا بعد التفحص عنه اربع سنوات، فلعل عدم الانفاق من الزوج الغائب يكون لعذر. (2)

فاستبان لنا أنّ شمول نفي الضرر للاحكام العدمية مما يمكن المساعدة عليه ذلك؛ لان الحكم العدمي قابل للجعل و الاعتبار، و قد المحنا أنّ الجعل الشرعي هو الاعتبار- المشروع القانوني- و ليس الجعل هناك الايجاد، حتى يختص بالحكم الوجودي. و أمّا في مرحلة التطبيق لم يوجد في نطاق الاحكام العدمية ضرر من أثر التشريع حتى يفسح المجال لنفي الضرر.

____________

(1). الوسائل، ج 15، ص 223

(2). مصباح الاصول، ج 2، ص 559- 562

57

الخلاصة

1. ان شمول القاعدة للاحكام العدمية محل النظر و الاشكال.

2. قد يقال أن هناك عدة أحكام عدمية ضررية و لا واقع لها.

3. التحقيق: أنه لا مانع من الشمول هناك في مقام الثبوت و لا يوجد مصداق في مقام الاثبات.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على عدم شمول القاعدة للاحكام العدمية؟

2. ما هو الدليل على الشمول هناك؟

3. ما هو الحكم عند امتناع الزوج عن نفقة الزوجة؟

58

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

59

10 التنبيه الثالث في أنّ المقصود من الضرر هو الشخصى لا النوعي‏

يتحدث هناك عن ان الضرر الذي يستوجب رفع الحكم هو الضرر الشخصي أو النوعي؟

و التفصيل بما يلي:

قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): إن ظاهرهم- الفقهاء- من الضرر المنفي الضرر النوعي لا الشخصي، فحكموا بشرعية الخيار للمغبون نظرا إلى ملاحظة نوع البيع المغبون فيه، و إن فرض عدم تضرره في خصوص مقام.

كما إذا لم يوجد راغب في المبيع و كان بقاؤه ضررا على البائع؛ لكونه في معرض التلف، و كما إذا لم يترتب على ترك الشفعة ضرر على الشفيع، بل كان له فيه نفع.

و بالجملة فالضرر عندهم في بعض الاحكام حكمة لا يعتبر اطرادها، و في بعض المقامات يعتبرون اطّرادها، مع أن ظاهر الرواية- لا ضرر و لا ضرار- اعتبار الضرر الشخصي. (1) الذي يستبين لنا أن الاقوى بحسب الاستظهار عند الشيخ هناك هو الضرر الشخصي، لاستناده الحكم الى ظهور الرواية.

و قال المحقق النائيني (رحمه اللّه): هل المدار في الضرر المنفي هو الضرر النوعي او

____________

(1). الرسائل، ص 316

60

الشخصى؟ وجهان، الحق هو الثاني؛ لما قد ظهر من اول المبحث الى هنا من حكومة ادلة نفي الضرر على الاحكام الثابتة في الشريعة على نحو العموم، و مقتضى الحكومة ان يكون كل حكم نشأ منه الضرر مرفوعا دون ما لم ينشأ منه.

نعم قد يكون الضرر في بعض الموارد منشأ لجعل الحكم مطّردا في جميع الموارد.

و لكنّه تبيّن أنّ هذا الجعل وظيفة الشارع كجعله الضرر في بعض الموارد حكمة لتشريع الخيار للشريك، و جعله الحرج في الجملة حكمة لتشريع الطهارة للحديد.

و على هذا فلا يمكن القول بان المدار على الضرر النوعي مع الالتزام بالحكومة فان الجمع بينها ممتنع.

و لا يقال: قد تمسك الاصحاب بهذه القاعدة لاثبات الخيار للمغبون و لو فرض عدم تضرره لعدم وجود راغب في المبيع فعلا مع كون بقائه ضررا عليه.

لانا نقول: الجمع بين كونه مغبونا و كونه غير متضرر ممتنع، فان الغبن عبارة عن الشراء، بأزيد من ثمن المثل أو البيع بأقلّ من ثمن المثل و لا شبهة أنّ قيمة الاموال بحسب الازمان مختلفة، فلو لم يوجد راغب و باعه باقل ممّا يباع في غير هذا الزمان فلا يكون مغبونا.

و بالجملة: مقتضى الحكومة بل مقتضى كون الحديث واردا في مقام الامتنان ان يكون كل شخص ملحوظا بلحاظ حال نفسه. (1)

نهاية التحقيق‏

قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): أن الضرر كسائر العناوين الكلية المأخوذة في موضوعات الاحكام المتوقف ثبوت الحكم فعلا على تحقق مصداقها خارجا.

و من المعلوم أن الضرر لا يكون من الامور المتأصلة التي لا يفترق الحال فيها

____________

(1). منية الطالب، ج 3، ص 423

61

بالاضافة الى شخص دون شخص، كما في الوضوء، فانه يمكن أن يكون الوضوء ضررا على شخص دون آخر. فوجوبه منفي بالنسبة الى المتضرر به دون غيره.

فما كان مشتهرا- بين الفقهاء- من أن الضرر في العبادات شخصي، و في المعاملات نوعي، لا يرجع الى محصل، بل الصحيح أن الضرر في المعاملات ايضا شخصي؛ لما ذكرناه من أن فعلية الحكم المجعول تابعة لتحقق الموضوع.

و لا يظهر وجه للتفكيك بين العبادات و المعاملات في ذلك.

و كأنّ الوجه في وقوعهم في هذا التوهم هو ما وقع فى كلام جماعة من اكابر الفقهاء، و منهم الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) من التمسك بقاعدة نفي الضرر لثبوت خيار الغبن و حق الشفعة، مع أن الضرر لا يكون متحققا في جميع موارد خيار الغبن، و الشفعة فلأجل هذا الاستدلال توهموا أن الضرر في المعاملات نوعي لا شخصي.

و قد عرفت أنّ الصحيح كون الضرر شخصيا في المعاملات ايضا، و ليس المدرك لثبوت خيار الغبن و ثبوت حق الشفعة هي قاعدة لا ضرر.

بل المدرك لثبوت حق الشفعة هي الروايات الخاصة الدالة عليه في موارد مخصوصة.

و لذا لا نقول بحق الشفعة إلا في هذه الموارد الخاصة المنصوص عليها. (1)

لكون المبيع من الاراضي و المساكن دون غيرها من الفروش و الظروف و غيرها، و كونها مشتركا بين اثنين لا بين اكثر منهما، و قد تقدم أنّ ذكر حديث لا ضرر منضما الى قضائه (صلى الله عليه و آله) بالشفعة في رواية عقبة بن خالد (2) إنما هو من قبيل الجمع في الرواية لا الجمع في المروي، و لو سلم كونه من باب الجمع في المروي، فلا بد من حمله على الحكمة دون العلة.

و المدرك لخيار الغبن هو تخلف الشرط الارتكازي الثابت في المعاملات العقلائية من تساوي العوضين في المالية، فان البناء الارتكازي من العقلاء ثابت على‏

____________

(1). الوسائل، ج 17، ص 319

(2). المصدر السابق‏

62

التحفظ على الهيولى، و المالية عند تبديل الصور و التشخّصات لاغراض و حوائج تدعوهم إليه، فلو فرض نقصان احد العوضين عن الآخر في المالية، بحيث ينافى و يخالف هذا الشرط الارتكازي ثبت خيار تخلف الشرط. (1)

و قال الامام الخمينى (رحمه اللّه): لا يكون ثبوت خيار الغبن متقوما بدليل الضرر؛ بامكان دعوى كون خيار الغبن عرفيا عقلائيا. (2)

____________

(1). مصباح الاصول، ج 2، ص 534- 536

(2). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، ص 130

63

الخلاصة

1. ان المقصود من الضرر في القاعدة هو الضرر النوعي على مسلك الشيخ الأنصاري.

2. و المقصود من الضرر هناك هو الضرر الشخصي على رأي المحقق النائيني و السيد الخوئي.

3. المشهور بين الفقهاء أن الضرر في العبادات شخصي و في المعاملات نوعي.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على ان المقصود من الضرر في القاعدة هو الضرر النوعي؟

2. ما هو الدليل على أن المقصود من الضرر هناك هو الضرر الشخصي؟

3. ما هو الدليل على أن الضرر في العبادات شخصي و في المعاملات نوعي؟

64

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

65

11 التنبيه الرابع في أنّ المقصود هو واقع الضرر

انّ رفع الحكم وثيق الصلة بواقع الضرر، و لا صلة له بالضرر المعلوم؛ ذلك لان العلم لم يكن جزء للموضوع، بحسب الدليل.

قال المحقق النائيني (رحمه اللّه): مقتضى كون الالفاظ موضوعة للمعاني الواقعية دون المعلومة، أن يكون الضرر المنفي هو الضرر الواقعي، علم به المتضرر أو لم يعلم. (1)

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): إنّ لفظ الضرر المذكور في أدلة نفي الضرر موضوع للضرر الواقعي، كما هو الحال في جميع الالفاظ، و لهذا قلنا في محلّه ان مقتضى الادلة ثبوت الاحكام للموضوعات الواقعية، من دون تقييد بالعلم و الجهل.

غاية الامر أنّ الجاهل المستند في مخالفتها إلى الامارة و الاصل معذور غير مستحق للعقاب.

و اما الاحكام فهي مشتركة بين العالم و الجاهل، و عليه فيكون الميزان في دفع الحكم كونه ضرريا في الواقع، سواء علم به المكلف ام لا. (2)

و يؤكد ذلك كله قاعدة الاشتراك الفقهية. (3)

____________

(1). منية الطالب، ج 3، ص 409

(2). مصباح الاصول، ج 2، ص 543

(3). القواعد، ص 43

66

الاشكال على مطلوبية الضرر الواقعى‏

قد يقال أنه يوجد هناك بعض الموارد من الضرر الذي لا يكون رافعا للحكم بوجوده الواقعي، متسالما عند الفقهاء، كالوضوء الضرري و المعاملة الغبنية، و عليه فيشكل الالتزام بان الضرر المطلوب هو الضرر الواقعي، و التفصيل بما يلي:

قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) الاشكال هناك في موردين:

الاول: تقييد الفقهاء خيار الغبن و العيب بما اذا جهل المغبون. و أما مع العلم بهما، فلا يحكم بالخيار. فيقال ما هو وجه هذا التقييد؟ مع أنّ دليل لا ضرر ناظر الى الضرر الواقعي، بلا فرق بين العلم و الجهل.

و دعوى أنه مع العلم اقدم على الضرر مدفوعة، بأنّ إقدامه على الضرر غير مؤثر في لزوم البيع، بعد كون الحكم الضرري منفيا في الشريعة، و بعد كون اللزوم منفيا شرعا لا فائدة في اقدامه على الضرر.

الثاني: تسالم الفقهاء على صحة الطهارة المائية مع جهل المكلف بكونها ضررية، مع أنّ مقتضى دليل لا ضرر عدم وجوبها حينئذ و كون الوظيفة هي الطهارة الترابية.

فيلزم الحكم ببطلان الطهارة المائية مع جهل المكلف بكونها ضررية و وجوب اعاد الصلاة. (1)

و الجواب أما عن المورد الاول فهو أن الاشكال فيه مبني على انّ الدليل لثبوت خيار الغبن و العيب هو دليل نفي الضرر، و قد ذكرنا أن الدليل على ثبوت خيار الغبن تخلف الشرط الارتكازي، باعتبار أن بناء العقلاء على التحفظ بالمالية عند تبديل الصور الشخصية، فهذا شرط ضمني ارتكازي، و بتخلفه يثبت خيار تخلف الشرط.

و عليه فيكون الاقدام من المغبون مع علمه بالغبن اسقاطا للشرط المذكور- و هذا هو الذي ذكره المحقق النائيني. (2) فلا اشكال فيه.

____________

(1). مصباح الاصول، ج 2، ص 543، 544

(2). منية الطالب، ج 3، ص 413

67

و أما خيار العيب فان كان الدليل عليه هو تخلف الشرط الضمني، بتقريب أن المعاملات العقلائية مبنية على اصالة السلامة في العوضين، فاذا ظهر العيب كان له خيار تخلف الشرط، فيجري فيه الكلام السابق في خيار الغبن. و لا حاجة الى الاعادة.

و ان كان الدليل عليه الاخبار الخاصة، كما أنّ الامر كذلك غاية الامر أن الاخبار مشتملة على امر زائد على الخيار و هو الارش، فهو مخير بين الفسخ و الامضاء مع الارش. فالامر اوضح لتقييد الخيار في الاخبار بصورة الجهل بالعيب.

و اما الجواب عن الاشكال في المورد الثاني فذكر المحقق النائيني (رحمه اللّه) انّ مفاد حديث لا ضرر هو نفي الحكم الضرري في عالم التشريع. و الضرر الواقع في موارد الجهل لم ينشأ من الحكم الشرعي ليرفع بدليل لا ضرر. و انما نشأ من جهل المكلف به خارجا و من ثم لو لم يكن الحكم ثابتا في الواقع لوقع في الضرر ايضا. (1)

و فيه أنّ الاعتبار في دليل نفي الضرر انما هو بكون الحكم بنفسه أو بمتعلقه ضرريا، و لا ينظر إلى الضرر المتحقق في الخارج، و أنه نشأ من أي سبب.

و من الظاهر أن الطهارة المائية مع كونها ضررية لو كانت واجبة في الشريعة لصدق أن الحكم الضرري مجعول فيها من قبل الشارع. و عليه فدليل نفي الضرر ينفي وجوبها.

و الصحيح في الجواب أن يقال- كما قال به المحقق النائيني. (2)- ان دليل لا ضرر ورد في مقام الامتنان على الامة الاسلامية، فكل مورد يكون نفي الحكم فيه منافيا للامتنان لا يكون مشمولا لدليل لا ضرر.

و من المعلوم أن الحكم ببطلان الطهارة المائية الضررية الصادرة حال الجهل بكونها ضررية.

و الامر بالتيمم و باعادة العبادات الواقعة معها مخالف للامتنان فلا يشمله دليل لا ضرر.

____________

(1). منية الطالب، ج 3، ص 410

(2). منية الطالب، ج 3، ص 410

68

بل الحكم بصحة الطهارة المائية المذكورة و بصحة العبادات الواقعة معها هو المطابق للامتنان. (1)

قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): لو فرض المكلف معتقدا لعدم تضرره بالوضوء أو الصوم مثلا، فتوضأ ثم انكشف أنه تضرّر به، فدليل نفي الضرر لا ينفي الوجوب الواقعي المتحقق في حق هذا المتضرر؛ لان هذا الحكم الواقعي لم يوقع المكلف في الضرر، و لذا لو فرضنا هذا الوجوب واقعا على هذا المتضرر كأن يتوضأ هذا الوضوء؛ لاعتقاد عدم تضرر و عدم دخوله في المتضررين فلم يستند تضرّره الى جعل هذا الحكم، فنفيه ليس امتنانا على المكلف و تخليصا له من الضرر، بل لا يثمر الا تكليفا له بالاعادة بعد العمل و التضرر.

فتحصل: أن القاعدة لا تنفي إلّا الوجوب الفعلي على المتضرر العالم بتضرّره؛ لانّ الموقع للمكلف في الضرر هو هذا الحكم الفعلي دون الوجوب الواقعي الذي لا يتفاوت وجوده و عدمه في اقدام المكلف على الضرر، بل نفيه مستلزم لا لقاء المكلف في مشقة الاعادة. (2)

تبيّن لنا أن الحكم بصحة الوضوء مع عدم العلم بالضرر في الواقع، أوجب الالتزام بانّ المنفي هناك هو الوجوب الفعلي لا الوجوب الواقعي.

و التحقيق: أنّ الاحكام مشتركة بين العالم و الجاهل، و لم يكن للعلم دور في الموضوع كجزء منه، و القول بأنّ المنفي هو الحكم المعلوم- لا الحكم الواقعي- يوجب الالتزام بكون العلم جزء للموضوع، و هو مما لا يمكن الالتزام به.

____________

(1). مصباح الاصول، ج 2، ص 543- 545

(2). المكاسب، رسالة في نفي الضرر، ص 373

69

الخلاصة

1. المقصود من الضرر في القاعدة هو الضرر الواقعي لا الضرر المعلوم.

2. قد يقال: ان المقصود من الضرر هو الضرر المعلوم.

3. و التحقيق ان الاحكام مشتركة بين العالم و الجاهل.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على ان المقصود من الضرر في القاعدة هو الضرر الواقعي؟

2. ما هو الدليل على انّ المقصود من الضرر هناك هو الضرر شخصي؟

3. هل يكون مدرك خيار الغبن هو نفي الضرر؟

70

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

71

12 التنبيه الخامس في أن الضرر النافي هو الدنيوي‏

انّ الضرر المتحقق الذي يوجب نفي الحكم الشرعي هو الضرر الدنيوي و لا صلة له بالضرر الاخروي، ذلك للظهور و الانصراف، و لتناسبه بالامتنان.

و عليه فالضرر الذي يضر بحال العامل نتيجة للعمل هو المنفي امتنانا عليه.

و لا مجال لما يقال أن الضرر المتدارك بالنفع الاخروي لا يكون ضررا.

ذلك لان الموضوع هو الضرر الدنيوي، و لا صلة للتدارك بالموضوع.

كما قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): ان المراد بالضرر هو خصوص الضرر الدنيوي لا غير.

و أما النفع الحاصل في مقابل الضرر الدنيوي فهو إنما يوجب الامر بالتضرر، لا خروجه عن كونه ضررا. فدليل وجوب شراء ماء الوضوء باضعاف قيمته الموجب للنفع الاخروي مخصص لعموم نفي الضرر، لا رافع لموضوعه: بجميع ما اثبت التكاليف الضررية مخصصة لهذه القاعدة، كيف و لو كان الامر كذلك لغت القاعدة؛ لان كل حكم شرعي ضرري لا بد ان يترتب على موافقته الاجر، فاذا فرض تدارك الضرر و خروجه بذلك عن الضرر فلا وجه لنفيه في الاسلام؛ اذ يكون حينئذ وجود الدليل العام على التكليف الكاشف عن وجود النفع في مورد الضرر مخرجا للمورد عن موضوع الضرر.

72

فالتحقيق: أنّ المراد بالضرر خصوص الدنيوى، و قد رفع الشارع الحكم في موارده امتنانا، فتكون القاعدة حاكمة على جميع العمومات المثبتة للتكليف.

نعم لو قام دليل خاص على وجوب خصوص تكليف ضرري خصّص به عموم القاعدة. (1)

الاحكام الضررية

توجد هناك عدة أحكام تكون ذات صلة بالضرر كالحج و الجهاد و الخمس و غيرها.

فنواجه بمشكلة التعارض بينها و بين القاعدة.

و قد حاول الفقهاء في هذا المجال باتجاهات شتى، أجودها ما يقول به المحقق النائيني (رحمه اللّه) بالتقرير التالي: إنّ قاعدة لا ضرر ناظرة الى الاحكام و مخصصة لها بلسان الحكومة و لازم الحكومة، أن يكون المحكوم بها حكما لم يقتض بطبعه ضررا؛ لانه لو اقتضى جعله في طبعه ضررا على العباد لوقع بينهما التعارض.

و بعبارة واضحة: قاعدة نفي الضرر يرفع جعل الحكم الذي ينشأ منه الضرر بعد ما لم يكن ضرريا، لا الحكم الذي بنفسه و في طبع جعله يقتضي الضرر، أي الضرر الطارئ و ينفى بقوله (صلى الله عليه و آله): لا ضرر، فمثل وجوب الجهاد و الحج و الخمس و الزكاة مما يقتضي نفس جعله في طبعه ضررا لا يخصّص بقاعدة لا ضرر.

نعم لو اقتضى هذه الاحكام ضررا زائدا على ما تقتضيه نفسها لكانت قاعدة لا ضرر مخصصا لها أيضا، مثلا لو لم يكن في البلد هاشمي او فقير و استلزم نقل الخمس أو الزكاة إلى بلد آخر ضررا فهذا يرتفع بلا ضرر، دون اداء نفس الخمس و الزكاة، و هكذا لو استلزم الحج أو الجهاد ضررا زائدا على ما يقتضيه نفس وجوبهما، فلا محذور في القول بارتفاعهما كما لا يخفى.

هذا مضافا الى منع اصل الصغرى في اغلب الامثلة، فان باب الجنايات و الاتلاف‏

____________

(1). المصدر السابق، ص 374

73

و الخمس و الزكاة بل جميع الاحكام الوضعية المجعولة في باب التلف و نحوه ليس جعل الحكم فيها ضرريا؛ لان وجوب تدارك ما أتلفه المتلف و وجوب الدية على من جنى او قتل نفسا، و وجوب إخراج حق الفقراء ليس ضررا عرفا على العباد؛ لان الضرر في الماليات عبارة عن احداث نقص في مال الغير و حق الفقراء مثلا ليس مال الغير؛ لكون الفقير شريكا مع من عليه الخمس و الزكاة.

و بالجملة: كما ان أداء الدين و اداء الشريك حق شريكه ليس ضررا فكذلك اداء الخمس و الزكاة و اداء الدية و اداء ما أتلفه المتلف ليس ضررا على من عليه الاداء. (1)

الاتجاه الآخر

قال المحقق السيد المراغي (رحمه اللّه) إن: ما ورد في الشرع من التكاليف- الضررية- بعد وجود النفع الاخروي في الجميع بل النفع الدنيوي من دفع بلية و حفظ مال و زيادة نعمة كما هو مقتضى الآيات و الاخبار في الزكاة و الصدقة و نظائر ذلك، لا يعدّ ضررا حقيقة، و ذلك واضح، بل هذا في الحقيقة نفع؛ لأن ما يصل الى المكلف بذلك من الخير اضعاف ما اصابه من النقص ظاهرا. (2) و عليه فالحكم الضرري، بما أنه منجبر بالنفع الاخروي، لا يكون ضررا بحسب الحقيقة.

و قال المحقق النراقي (رحمه اللّه) ردا على هذا الاتجاه: إنّ الضرر هو الذي لم يكن بازائه عوض معلوم، او مظنون، و احتمال العوض لا ينفي صدق الضرر، مع أن العوض الاخروي معلوم الانتفاء بالاصل.

فان قيل هذا ينفع اذا لم يكن الحكم المتضمن للضرر داخلا في عموم دليل شرعي، و اما اذا كان داخلا فيه، الامر يدل على العوض- و يكشف عنه- فلا يكون ضررا.

قلنا: الامر تعلق بالحج و الصوم و لازمه تحقق الاجر، و اما حصول عوض في مقابل الضرر و أجر له، فلا دليل عليه. (3) و تم المطلوب.

____________

(1). منية الطالب، ج 3، ص 402، 403

(2). العناوين، ج 1، ص 314

(3). عوائد الأيام، ص 20، 21

74

الخلاصة

1. ان المقصود من الضرر المنفي هو الضرر الدنيوي و لا صلة له بالضرر الاخروي.

2. ان نفي الضرر يرفع الحكم الذي نشأ منه الضرر بعد ما لم يكن ضرريا، لا الحكم الذي يكون بطبعه ضرريا.

3. ان الحج و الجهاد و الخمس و الزكاة و اداء الدين كلّها لم تكن ضررية.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على عدم كون المقصود من الضرر هو الضرر الاخروي؟

2. ما هو الدليل على عدم شمول النفي للاحكام الضررية؟

3. ما هو معنى انجبار الضرر بالنفع الاخروي؟

75

13 التنبيه السادس في تعارض الضررين‏

يتحدث هناك عن معارضة الضررين التي تنتهي الى تزاحم الحكمين الالزاميين، و الحكم في نتيجة المعارضة، هو التخيير على أساس القاعدة. (1)

و تفصيل البحث بما يلي:

قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): لو دار الامر بين حكمين ضرريين بحيث يكون الحكم بعدم أحدهما مستلزما للحكم بثبوت الآخر، فان كان ذلك بالنسبة الى شخص واحد فلا اشكال في تقديم الحكم الذي يستلزم ضررا أقل مما يستلزمه الحكم الآخر؛ لان هذا هو مقتضى نفي الحكم الضرري عن العباد.

و إن كان بالنسبة الى شخصين فيمكن أن يقال: ايضا بترجيح الاقل ضررا؛ اذ مقتضى نفي الضرر عن العباد في مقام الامتنان عدم الرضا بحكم يكون ضرره اكثر من ضرر الحكم الآخر؛ لان العباد كلهم متساوون في نظر الشارع.

و مع التساوي فالرجوع الى العمومات الأخر- التي تحل المعارضة- و مع عدمها فالقرعة. و ما عثرنا عليه من كلمات الفقهاء في هذا المقام، لا يخلو عن اضطراب. (2)

و التحقيق أنه لا مجال هناك للقرعة؛ ذلك لتحقق الارضية للتخيير، و به تحلّ المشكلة.

____________

(1). البحث يحتاج الى تحقيق.

(2). المكاسب، رسالة في نفي الضرر، ص 374

76

التخيير

قال المحقق الخراساني (رحمه اللّه): لو تعارض- الضرر- مع ضرر آخر، فمجمل القول فيه، ان الدوران إن كان بين ضرر شخص واحد او اثنين، فلا مسرح الا لاختيار أقلهما لو كان، و إلّا فهو مختار. (1) فينتهي الامر بعد التنافي الى التخيير.

و التحقيق أن مواجهة الضررين هناك تكون على منهج التزاحم، فاذا لم يكن المرجح عندئذ، ينتهي الامر الى التخيير على اساس قاعدة الباب.

كما قال المحقق النائيني (رحمه اللّه): لو دار الامر بين حكمين ضرريين بحيث يلزم من الحكم بعدم احدهما الحكم بثبوت الآخر- يتعين- أقلهما ضررا سواء كان ذلك بالنسبة الى شخص واحد أم شخصين- لان نسبة المنة- بالنسبة الى كل عبد واحدة.

فلو لم يكن بينهما ترجيح فمقتضى القاعدة هو التخيير، لا الرجوع الى سائر القواعد؛ لانّه ليس المقام من باب تعارض الدليلين؛ لان عدم امكان الجمع لم ينشأ من عدم امكان الجمع في الجعل، بل انما نشأ من تزاحم الحقين، كتزاحم الفريقين، فلو كان في البين أهمية كدوران الامر بين الضرر على العرض و المال، فينفى الضرر على العرض، و لو لم تكن فالتخيير. (2) و الامر كما افاده.

فروع تعارض الضررين‏

قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): و مسائله- التعارض- ثلاث:

المسألة الاولى: ما اذا دار الامر بين ضررين محرّمين، و يكون المقام حينئذ من باب التزاحم، فلا بد له من اختيار ما هو اقل ضررا و الاجتناب عما ضرره اكثر، و حرمته اشد و اقوى؛ بل الاجتناب عما كان محتمل الاهمية.

نعم مع العلم بالتساوي او احتمال الاهمية في كل من الطرفين يكون مخيرا في الاجتناب عن أيّهما شاء، و الوجه في ذلك كله ظاهر.

____________

(1). كفاية الاصول، ج 2، ص 271

(2). منية الطالب، ج 3، ص 424

77

المسألة الثانية: ما لو دار امر الضرر بين شخصين- كأن تبلع الدجاجة عقيقا، و كان الاستخراج بحاجة الى الذبح و- يكون ذلك غير مستند الى فعل شخص- من مالكي الدجاجة و العقيق و شخص الاجنبي، و إلّا لكان العهدة على فاعل الفعل- و قد نسب الى المشهور في مثله لزوم اختيار اقل الضررين، و أن ضمانه على الآخر، و لا نعرف له وجها غير ما ذكره بعضهم‏ (1) من ان نسبة جميع الناس الى اللّه تعالى نسبة واحدة، و الكل بمنزلة عبد واحد، فالضرر المتوجه الى احد شخصين، كأحد الضررين المتوجه الى شخص واحد. فلا بد من اختيار أقل الضررين.

و هذا لا يرجع الى محصل، و لا يثبت به ما هو المنسوب الى المشهور من كون تمام الضرر على احد المالكين و هو من كانت قيمة ماله اكثر من قيمة مال الآخر.

و لا وجه لالزامه بتحمل تمام الضرر من جهة كون ماله اكثر من مال الآخر، مع كون الضرر مشتركا بينهما بآفة سماوية.

و الصحيح ان يقال: انه اذا تراضى المالكان باتلاف احد المالين بخصوصه و لو بتحملهما الضرر على نحو الشركة فلا اشكال حينئذ؛ لان الناس مسلطون على اموالهم. و الّا فلا بد من رفع ذلك الى الحاكم و له اتلاف ايهما شاء و يقسم الضرر بينهما بقاعدة العدل و الانصاف‏ (2) الثابتة عند العقلاء.

هذا فيما اذا تساوي المالان من حيث القيمة و اما اذا كان احدهما اقل قيمة من الآخر، فليس للحاكم إلّا اتلاف ما هو اقل قيمة؛ لان اتلاف ما هو اكثر قيمة سبب لزيادة الضرر على المالكين بلا موجب.

المسألة الثالثة: ما اذا دار الامر بين تضرر شخص و الاضرار بالغير من جهة التصرف في ملكه كمن حفر في داره بئرا يكون موجبا للضرر على الجار مثلا- و لا بد- ان يكون الداعي التحرز عن الضرر بان يكون في تركه ضرر عليه. (3)

____________

(1). التحقيق جدير هناك.

(2). القواعد، ص 40

(3). مصباح الاصول، ج 2، ص 562

78

المشهور الجواز، كما قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): ان حفر رجل بئرا في داره، و اراد جاره ان يحفر بالوعة او بئر كنيف بقرب هذه البئر لم يمنع منه و إن ادّى ذلك الى تغيير ماء البئر-، او استقذاره-، لانه له ان يتصرف في ملكه بلا خلاف. (1)

و قال العلامة الحلى (رحمه اللّه): و لا حريم في الاملاك؛ لتعارضها و لكل أحد ان يتصرف في ملكه كيف شاء. و ان تضرر صاحبه فلا ضمان. (2) و قال الشهيد (رحمه اللّه): لا حريم في الاملاك؛ لتعارضها، فلكل أن يتصرف في ملكه بما جرت العادة، و ان تضرر صاحبه فلا ضمان، كتعميق اساس حائطه و بئره. (3)

و قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): ان كان- تصرف المالك في ملكه- لدفع الضرر فلا اشكال بل لا خلاف في جوازه؛ لان الزامه بتحمل الضرر و حبسه عن ملكه لئلا يتضرر الغير حكم ضرر منفي مضافا الى عموم الناس مسلطون.

و اما ما كان- التصرف- لجلب المنفعة فظاهر المشهور الجواز، و يدل عليه ان حبس المالك عن الانتفاع بملكه و جعل الجواز تابعا لتضرر الجار حرج عظيم.

و لا يعارضه تضرر الجار؛ لما تقدم من أنه لا يجب تحمل الحرج و الضرر، لدفع الضرر عن الغير. (4)

و قال في تقرير آخر: و يمكن الرجوع الى قاعدة نفي الحرج؛ لان منع المالك لدفع ضرر الغير حرج و ضيق عليه، اما لحكومته ابتداء على نفي الضرر، و اما لتعارضهما و الرجوع الى الاصل. (5) و هو اصالة الاباحة.

قال المحقق الخراساني (رحمه اللّه): لو كان- التعارض- بين ضرر نفسه و ضرر غيره، فالاظهر عدم لزوم تحمله الضرر و لو كان ضرر الآخر اكثر، فان نفيه يكون للمنة على الامة و لا منة على تحمل الضرر، لدفعه عن الآخر، و ان كان اكثر. (6)

____________

(1). المبسوط، ج 3، ص 272

(2). القواعد، ج 1، ص 220

(3). الدروس، ج 3، ص 60

(4). المكاسب، رسالة في نفي الضرر، ص 375

(5). الرسائل، ص 315

(6). كفاية الاصول، ج 2، ص 273

79

و قال الامام الخمينى (رحمه اللّه): لا يبعد انصراف الحديث عمّا اذا كان ترك تصرفه في ملكه موجبا لتضرره او وقوع الحرج عليه؛ لانّ النهى عن الاضرار بالغير لا يقتضى تحمل التضرر او الحرج او المشقة؛ فلا يجب على المالك تحملهما بترك التصرف في ملكه، لاجل وقوع الضرر على جاره. (1)

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): المنسوب الى المشهور الجواز- فباحث عن مقالة المشهور مشبعا فاعترف بجواز التصرف و انكر عدم الضمان تجاه الاضرار قائلا- التحقيق: عدم شمول حديث لا ضرر للمقام؛ لما ذكرناه من كونه واردا مورد الامتنان و من المعلوم أن حرمة التصرف و المنع عنه مخالف للامتنان على المالك و الترخيص فيه خلاف الامتنان على الجار، فلا يكون شي‏ء منهما مشمولا لحديث لا ضرر.

فلا يمكن التمسك بحديث لا ضرر في المقام أصلا، بل لا بد من الرجوع الى غيره فان كان هناك عموم او إطلاق دل على جواز تصرف المالك في ملكه حتى في مثل المقام يؤخذ به، و يحكم بجواز التصرف، و إلا فيرجع الى الاصل العملي، و هو في المقام اصالة البراءة عن الحرمة.

هذا كلّه من حيث الحكم التكليفي. و أما الحكم الوضعي و هو الضمان فالظاهر ثبوته. حتى فيما اذا كان التصرف جائزا؛ لعدم الملازمة بين الجواز و عدم الضمان؛ فيحكم بالضمان؛ لعموم قاعدة الاتلاف. (2)

فاستبان لنا أن تصرف المالك في ملكه هناك متسالم عليه عند الفقهاء على شتى المباني و اما الضمان هناك فهو مقتضى القاعدة و مطابق للاحتياط.

____________

(1). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، ص 135

(2). مصباح الاصول، ج 2، ص 565- 567

80

الخلاصة

1. اذا تعارض الضرران مع التساوي ينتهي الامر الى القرعة على مسلك الشيخ الأنصاري.

2. و التحقيق: ان الامر هناك ينتهي الى التخيير.

3. فروع التعارض ثلاثة: 1) التعارض بين الضررين المحرمين 2) التعارض في ضرر واحد بين الشخصين 3) التعارض بين الضرر و الاضرار.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على أن الامر بعد التعارض ينتهي الى التخيير؟

2. ما هو الفرق بين الفرع الاول و الثاني موضوعا و حكما؟

3. ما هو الحكم في تعارض الضرر مع الاضرار؟

81

14 التنبيه السابع في كثرة التخصيص‏

قد يشكل بان التخصيص الوارد هناك كثير جدا، و هو بكثرته يوجب و هنا في القاعدة.

كما قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): انّ الذي يوهن فيها- القاعدة- هي كثرة التخصيصات فيها بحيث يكون الخارج منها اضعاف الباقي كما لا يخفى على المتتبع.

إلّا ان يقال: مضافا الى منع اكثرية الخارج، و ان سلّمت كثرته، ان الموارد الكثيرة الخارجة عن العام إنما خرجت بعنوان واحد جامع لها، و ان لم نعرفه- العنوان- على وجه التفصيل. و قد تقرّر ان تخصيص الاكثر لا استهجان فيه اذا كان بعنوان واحد جامع لافراد هي اكثر من الباقي، كما اذا قيل: اكرم الناس و دلّ دليل على اعتبار العدالة خصوصا اذا كان المخصص مما يعلم به المخاطب حال الخطاب و من هنا ظهر وجه صحة التمسك بكثير من العمومات مع خروج اكثر افرادها. (1)

و قال المحقق النائيني (رحمه اللّه): فالصواب في الجواب هو المنع عن كثرة التخصيص؛ لان ما توهم كونه مخصصا للقاعدة- من باب- الغرامات و الديات و الزكاة و الحج و الجهاد- لم يكن مشمولا للقاعدة من البداية-.

فالصواب هو الالتزام بالتخصيص في الجملة و المنع عن كثرته. (2)

____________

(1). الرسائل، ص 316

(2). منية الطالب، ج 3، ص 403، 404

82

نهاية التحقيق‏

قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): أما الجواب عن الاشكال- كثرة التخصيص- فهو أنه ليس في المقام تخصيص الّا فى موارد قليلة- و هي بما يلي-:

الاول: هو الحكم بنجاسة الملاقي للنجس، مع كونه مستلزما للضرر على المالك، كما لو وقعت فأرة في دهن او مرق، فالحكم بنجاستهما، كما هو المنصوص موجب للضرر على المالك، و كذا غير الدهن و المرق مما كان الحكم بنجاسته موجبا لسقوطه عن المالية أو لنقصانها.

الثاني: وجوب الغسل على مريض اجنب نفسه عمدا و إن كان الغسل ضررا عليه، على ما ورد في النص، (1) و ان كان المشهور اعرضوا عن هذا النص و حكموا بعدم وجوب الغسل على المريض على تقدير كونه ضررا عليه، فعلى القول بوجوب الغسل عملا بالنص كان تخصيصا للقاعدة.

الثالث: وجوب شراء ماء الوضوء و لو باضعاف قيمته، فانه ضرر مالي عليه، لكنّه منصوص و مستثنى من القاعدة. هذه هي موارد تخصيص القاعدة.

و أما غيرها مما ذكره شيخنا الأنصاري (رحمه اللّه) فليس فيه تخصيص للقاعدة.

أما باب الضمانات فليس مشمولا لحديث لا ضرر من اول الامر؛ لكونه واردا في مقام الامتنان، و الحكم بعدم الضمان موجب للضرر على المالك و الحكم بالضمان موجب للضرر على المتلف، فكلاهما منافيان للامتنان خارجان عن مدلول الحديث بلا حاجة الى التخصيص، و الحكم بالضمان مستند الى عموم ادلة الضمان من قاعدة الاتلاف أو اليد أو غيرهما مما هو مذكور في محله.

و لما ذكرناه من أنّ الحديث الامتناني لا يشمل كل مورد يكون منافيا للامتنان قلنا في باب البيع بصحة بيع المضطر و فساد بيع المكره، مع أن الاضطرار و الاكراه كليهما

____________

(1). يحتاج الى التحقيق فى نصوص الباب.

83

مذكوران في حديث الرفع؛ لان رفع الحكم عن بيع المضطر مناف للامتنان عليه، فلا يكون مشمولا لحديث الرفع. بخلاف بيع المكره، فان الرفع فيه لا يكون منافيا للامتنان عليه.

و أما الاحكام المجعولة في الديات و الحدود و القصاص و الحج و الجهاد، فهي خارجة عن قاعدة لا ضرر بالتخصص لا بالتخصيص؛ لانها من اول الامر جعلت ضررية لمصالح فيها، كما قال سبحانه و تعالى: و لكم في القصاص حياة يا اولي الالباب. (1)

و حديث لا ضرر ناظر إلى العمومات و الاطلاقات الدالة على التكاليف التي قد تكون و قد لا تكون ضررية، و يقيدها بصورة عدم الضرر على المكلف، فكل حكم جعل ضرريا بطبعه من اول الامر لا يكون مشمولا لحديث لا ضرر فلا يحتاج خروجه الى التخصيص.

و أما الخمس فتشريعه لا يكون ضررا على أحد؛ لانّ الشارع لم يعتبره مالكا لمقدار الخمس، حتى يكون وجوب اخراجه ضررا عليه.

و اما الزكاة فوجوب اخراجها ضرر عليه، و لكنه لا يكون مشمولا لحديث لا ضرر؛ لكونه مجعولا بطبعه ضرريا من أول الامر.

فتحصل مما ذكرناه أن ما ذكر من الموارد تخصيصا لقاعدة لا ضرر أمره دائر بين أن لا يكون فيه تخصيص أصلا، او لا يلزم من التخصيص به تخصيص الاكثر، فلا اشكال في التمسك بالقاعدة في غير الموارد المذكورة. (2) فاستبان لنا بكل وضوح أن الاشكال بالاستهجان و الوهن هناك نتيجة لتخصيص الاكثر مما لا مجال له؛ ذلك لعدم تحقق التخصيص بهذا المستوى.

و قد تمّت التنبيهات كمقتطفات من دراسات اعاظم الفقهاء و جهودهم الكبيرة.

و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، نعم المولى و نعم النصير.

____________

(1). البحث بحاجة الى التحقيق.

(2). مصباح الاصول، ج 2، ص 538- 540

84

الخلاصة

1. قد يشكل هناك بان كثرة التخصيص توجب ضعفا في قوام القاعدة.

2. و التحقيق أنه لم يكن هناك تخصيص اكثر قطعا و الذي خرج من نطاق القاعدة يكون اكثرها بالتخصص.

3. لم يكن هناك استهجان و لا وهن في القاعدة من ناحية تخصيص الاكثر.

الأسئلة

1. ما هو اتجاه الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) بالنسبة الى رفع الاستهجان تجاه التخصيص؟

2. ما هو الاتجاه بالنسبة الى عدم تخصيص الاكثر؟

3. هل يكون في اعطاء الخمس تخصيصا هناك؟

85

الباب الثاني قاعدة حجية البينة

86

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

87

1 مكانة حجية البينة

إن البينة من الأصول الهامة التي لها آثار ايجابية كثيرة في كافة الأصعدة الفقهية خاصة في الصعيد القضائي.

و تكون جدارتها موجبة لدراستها، فندرسها، و نتحدث عن معنى البينة و اعتبارها الشرعي و دورها الايجابي، و مكانتها العملية.

و تفصيل البحث بما يلى:

ما هي البينة؟

إن البينة بحسب اللغة عبارة عن الوضوح و الكشف، كما يرشدنا إلى ذلك المعنى النصوص التالية:

قال معلوف: البينة مؤنث بيّن: الدليل و الحجة. (1)

و قال الفيومي: بان الأمر، فهو بيّن- مذكر بينة- بمعنى الوضوح و الانشكاف. (2)

و قال ابن منظور: بان الشي‏ء بيانا: اتضح فهو بيّن. (3)

____________

(1). المنجد، ص 57

(2). المصباح المنير، ج 1، ص 97

(3). لسان العرب، ج 13، ص 67

88

و يؤكد ذلك كله قوله تعالى: ... هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ‏- الآيات الواضحات- (1) مِنَ الْهُدى‏ (2) و تمّ المطلوب.

المعنى الفقهي‏

إن البينة بحسب الاصطلاح الفقهي عبارة عن شهادة العدلين. و هذا هو المتبادر من الروايات. قال شيخ الشيعة الامامية الشيخ المفيد (رحمه اللّه): البينة تقوم بالشهود إذا كانوا عدولا. (3)

و يؤكد ذلك ما أصبح كقاعدة فقهية: البينة على المدعي و اليمين على من أنكر. (4)

فان المقصود من البينة هناك شهادة العدلين بحسب النصوص و الفتاوى.

قال السيد المراغي (رحمه اللّه): المراد من البينة شهادة العدلين، و هذا هو الذي يظهر من كلمة الأصحاب في سائر الأبواب. (5)

ما هو معنى الشهادة؟

بعد ما ألمحنا أن معنى البينة- بحسب الشرع- هو الشهادة، نتحدث عن معنى الشهادة حتى يستكمل شرح المعنى فنقول: إن الشهادة- بحسب اللغة- عبارة عن الحضور كما قال تعالى: ... فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... (6) أي من كان حاضرا في الشهر مقيما غير مسافر فليصمه.

و قال الفيومي: شهدت الشي‏ء اطلعت عليه و عاينته. (7)

و قال ابن منظور: الشاهد: العالم الذي يبين ما علمه.

و شهد الشاهد عند الحاكم أي بين ما يعلمه و أظهره.

و الشهادة خبر قاطع تقول منه: شهد الرجل على كذا

و المشاهدة: المعاينة، و شهده شهودا أي حضره فهو شاهد.

____________

(1). تفسير القرآن، ص 71

(2). البقرة، 185

(3). المقنعة، ص 725

(4). القواعد، ص 78

(5). العناوين، ج 2، ص 650

(6). البقرة، 185

(7). المصباح المنير، ج 1، ص 443

89

و أصل الشهادة الأخبار بما شاهده.

و الشاهد و الشهد الحاضر. (1)

و منه قول الامام الصادق (عليه السّلام) عند اعلام الحكم: فليبلغ الشاهد الغائب. (2) و تم المطلوب.

المعنى الشرعي‏

إن الشهادة بمعنى البينة، في الشرع، عبارة عن شهادة عدلين. بلا خلاف.

و الأصل في ذلك كلّه قوله تعالى: ... شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ .... (3)

أي الشهادة بينكم شهادة اثنين فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه. و يؤكده قوله تعالى: ... وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ .... (4)

و قال الشهيد (رحمه اللّه): معنى شهد حضر، و منه- آية الصوم- و أخبر، و منه الشهادة عند الحاكم. (5)

و المقصود من الشهادة هناك- في شهادة عدلين- هو إظهار العلم بالنسبة إلى حق عند الحاكم.

كما قال الشهيد الثاني (رحمه اللّه): الشهادة لغة الأخبار عن اليقين. و شرعا إخبار جازم عن حق لازم لغيره- عند حاكم- من غير حاكم.

و بالقيد الأخير- غير حاكم- يخرج اخبار اللّه و رسوله (صلى الله عليه و آله) و الائمة (عليه السّلام) و اخبار الحاكم حاكما آخر، فانّ ذلك لا يسمّى شهادة. (6)

و قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه): و هي- الشهادة- لغة الحضور و منه قوله تعالى:

... فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ .... (7) أو العلم الذي عبّر بعضهم- علماء اللغة- عنه بالاخبار عن اليقين، و شرعا: اخبار جازم عن حق.

____________

(1). لسان العرب، ج 3، ص 239، 240

(2). الوسائل، ج 6، ص 381

(3). المائدة، 106

(4). البقرة، 282

(5). القواعد، ص 111

(6). مسالك الافهام، ج 2، ص 220

(7). البقرة، 185

90

و قد- حققنا- أن المرجع فيها- الشهادة- العرف الذي يصلح فارقا بينها و بين غيرها من الأخبار. (1)

الفرق بين الشهادة و الرواية

قال الشهيد (رحمه اللّه): الشهادة و الرواية يشتر كان في الجزم، و ينفردان في أنّ المخبر عنه إن كان أمرا عاما لا يختص بمعين فهو الرواية كقوله (عليه السّلام): لا شفعة فيما لا يقسم. (2) و إن كان لمعيّن فهو الشهادة كقوله عند الحاكم: أشهد بكذا لفلان. و قد يقع لبس بينهما في صور- منها- رؤية الهلال. و من ثم اختلف في التعدد- فان كانت شهادة تحتاج إلى التعدد، و ان كانت رواية يكفى الراوي الواحد-.

و اما قبول الواحد في الهدية و الاذن في دخول دار الغير فليس هو رواية، بل شهادة لكن اكتفى فيها بالواحد عملا بالقرائن المفيدة للقطع. (3)

و قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه): المدار على تميز أفراد الشهادة و الرواية، العرف، فما كان من الأول اعتبر فيه التعدد؛ للأدلة الدالة على اعتبار ذلك فيها، من قوله تعالى:

... وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ... (4) و غيره.

و ما كان من الثاني اكتفى فيه الواحد؛ لاطلاق دليل قبول خبر العدل، و مع الشك فالظاهر لحوق حكم الشهادة عملا بالمتفق عليه. (5) فاستبان لنا أن البينة شرعا هي شهادة عدلين، و هي إخبارهما عن جزم عند الحاكم.

____________

(1). الجواهر، ج 41، ص 1

(2). الوسائل، ج 17، ص 315، كتاب الشفعة

(3). القواعد و الفوائد، ص 109، 110

(4). الطلاق، 2

(5). الجواهر، ج 40، ص 107، 108

91

الخلاصة

1. البينة لغة عبارة عن الوضوح و الانكشاف.

2. البينة بحسب الاصطلاح الفقهي عبارة عن شهادة العدلين.

3. الشهادة لغة عبارة عن الحضور و في الاصطلاح الفقهى عبارة عن اخبار جازم.

الأسئلة

1. ما هي صياغة البينة الصرفية؟

2. ما هو المقصود من البينات في الآيات الكريمة؟

3. ما هو الفرق بين الشهادة و الرواية؟

92

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

93

2 أدلة حجية البينة

إنّ البينة حجة شرعية هامة، و قد ثبتت حجيتها بالأدلة الأربعة، و أصبحت الحجية عند الفقهاء من المراسيل المسلمة بمستوى الضرورة الفقهية و ضرورتها عند الفقهاء لا تمنع من دراستها للطلاب و الأفاضل.

قال الشهيد (رحمه اللّه): البينة حجة شرعية. (1) و ها هو إرسال المسلّم.

و قال الشهيد الثاني (رحمه اللّه): و تعرض الكتاب و السنة للشهادة و أحكامها مستفيض. (2) و قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه): المستفيض في الكتاب و السنة ذكر الشهادة و ذكر أحكامها. (3) و تفصيل البحث بما يلي:

1. الآيات القرآنية

منها: قوله تعالى: ... وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ .... (4)

و منها قوله تعالى: ... وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ .... (5)

و منها قوله: ... فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ .... و قوله تعالى: ... فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ .... (6)

____________

(1). القواعد و الفوائد، ص 189

(2). مسالك الافهام، ج 2، ص 220

(3). الجواهر، ج 41، ص 1

(4). البقرة، 282

(5). البقرة، 283

(6). النساء، 6، 15

94

و منها قوله تعالى: وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً. و قوله تعالى: ... فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ .... (1)

و منها قوله تعالى: ... وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ .... (2) إنّ هذه الآيات السبعة دلت بكل وضوح على حجية البينة.

كلام الشيخ في كتاب الشهادة

قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه) في ذلك الكتاب: قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... (3) و معناه إذا تبايعتم بدين، لأن المداينة لا يكون إلّا في البيع، و قوله: فاكتبوه أي اشهدوا، ثم ذكر الشهادة في ثلاثة مواضع فيها. فقال: ... وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ .... (4) ثم أمر بالاشهاد على التبايع، فقال: ... وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ .... (5)

ثم توعد على كتمانها فقال: ... وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ .... (6)

فلو لا أنّها حجة ما توعّد على كتمانها.

و قال تعالى: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (7) فأمر بجلد القاذف، ثم رفع عنه الجلد بتحقيق قذفه بالشهادة في ذلك.

ثم قال: ... وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً ...، دلّ على أن غير الفاسق مقبول الشهادة.

ثم قال: ... إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ...،* يعنى تقبل شهادتهم. (8)

____________

(1). النور، 4، 6

(2). الطلاق، 2

(3). البقرة، 282

(4). البقرة، 282

(5). البقرة، 282

(6). البقرة، 283

(7). النور، 4، 5

(8). المبسوط، ج 8، ص 171

95

2. الروايات‏

إن الروايات التي تدلنا إلى الهدف المنشود واردة في كتابي الشهادة و القضاء و هي بما يلى:

روايات الشهادة

قد وردت النصوص‏ (1) حول الشهادة و ما له صلة بها في- 56- باب بعدد- 275- رواية، كلها تبين أحكام الشهادة و خصائصها، زائدة على حجتيها؛ ذلك لأن شرعية الشهادة عريقة في الكتاب الكريم و تكون من الضرورات.

و اول رواية من تلك النصوص هي صحيحة هشام بن سالم عن الامام الصادق (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: و لا يأب الشهداء، قال: قبل الشهادة. و قوله تعالى: ... وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ...، قال: بعد الشهادة. (2) دلت على وجوب أداء الشهادة عند الاستدعاء و المطالبة، بالمطابقة، و دلت على شرعية الشهادة بالتضمن.

روايات القضاء

و قد وردت في كتاب القضاء- أبواب كيفية الحكم- عشرات رواية تبيّن أحكام البينة و خصائصها، أولها الحديث الصحيح عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: إنما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان. (3)

دلت على كيفية القضاء مطابقة و على شرعية البينة و حجيتها تضمنا.

و بالتالي فقد وردت مئات رواية في محاولة الشهادة، و البينة و لها مكانة بارزة في النصوص.

استدلال الفقهاء على حجية البينة بالروايات‏

قد استدل جمع من المحققين على إثبات الحجية للبينة على الروايات التي تدل على المطلوب دلالة واضحة.

____________

(1). الوسائل، ج 18، ص 225- 306

(2). المصدر السابق، ص 225

(3). المصدر السابق، ص 199

96

منهم المحقق النراقي (رحمه اللّه): الحق هو- عموم الحجية- لا لما ذكروه من ظاهر الاجماع.

بل لحسنة حريز، بابراهيم بن هاشم التي هي صحيحة على الأقوى، و فيها بعد ما عاب أبو عبد اللّه (عليه السّلام) ابنه اسماعيل في دفعه دنانير له إلى رجل بلغه انه شارب الخمر، فاتلفها، أنه: لم فعلت ذلك، و لا اجر لك؟ فقال اسماعيل: يا ابت اني لم أره أنه يشرب الخمر، إنما سمعت الناس يقولون فقال: يا بني إن اللّه عزّ و جل يقول في كتابه يؤمن باللّه و يؤمن للمؤمنين‏ (1) يقول: يصدّق اللّه عزّ و جل و يصدّق المؤمنين فاذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم. (2)

امر (عليه السّلام): بتصديق المؤمنين إذا شهدوا عنده. و المؤمنون و إن كان جمعا معرفا باللام و لكن عموم الجمع المعرف و استغراقه إفرادي لا جمعي.

فالمعنى: كل مؤمن شهد عندك فصدّقه خرج المؤمن الواحد بالدليل، فيبقى الباقي.

و يؤكد المطلوب ايضا. الأخبار المتكثرة الواردة في موارد مختلفة.

كموثقة مسعدة: كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام- إلى قوله- الأشياء كلها على هذا حتى يتبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة. (3) و البينة و إن كانت حقيقة فيما يظهر و يعلم منه الشي‏ء، إلا أن المستعمل في الأخبار- بحسب التبادر- إنما هو الشاهد. (4) و تم المطلوب.

____________

(1). التوبة، 61

(2). الوسائل، ج 13، ص 230

(3). الوسائل، ج 12، ص 60

(4). عوائد الأيام، ص 814، 815

97

الخلاصة

1. إن حجية البينة ثابتة بالأدلة الأربعة و تكون حجيتها من المسلمات المرسلة.

2. إن البينة بمعنى الشهادة ذكرت في عدة من الآيات القرآنية منها قوله تعالى:

... وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ .... (1)

3. إن البينة كحجية شرعية ثابتة بالروايات الواردة في كتابي القضاء و الشهادة.

الأسئلة

1. هل تكون حجية البينة من الضروريات الفقهية؟

2. ما هو عدد الروايات الواردة في كتاب الشهادة تجاه البينة؟

3. ما هو مضمون موثقة مسعدة بن صدقه؟

____________

(1). الطلاق، 2

98

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

99

3 الاجماع على البينة

قال المحقق النراقي (رحمه اللّه): ربما يظهر من بعضهم- الأصحاب- الاجماع على أصالة حجية شهادة عدلين، و كون اعتبار قولهما ثابتا من شريعتنا. (1)

و قال المحقق السيد المراغي (رحمه اللّه): و الوجه في عموم حجيتها- البينة- إلا ما خرج يمكن أن يكون أمورا:

احدها: الاجماع المحصل من كلمة الأصحاب على هذا المعنى من دون نكير منهم في ذلك. (2)

و ثانيها: منقول الاجماع على حجيتها مطلقا في لسان بعض الأصحاب، بل الظاهر أنه بالغ حدّ الاستفاضة.

و جماعة من مشايخنا المعاصرين صرحوا بالاجماع على ذلك و هو الحجة. (3)

و في ضوء بيان العلمين المعاصرين استبان لنا أن حجية البينة ثابتة بالاجماع محصلا و منقولا.

و من الجدير بالذكر أنّ نطاق الاجماع هناك هو عموم حجية البينة، لا أصل الحجية الذي يكون من المسلمات المرسلة.

____________

(1). عوائد الأيام، ص 811

(2). البحث بحاجة إلى التحقيق.

(3). العناوين، ج 2، ص 650

100

النقد على الاجماع‏

انّ البحث عن الاجماع هناك لا ينتهي إلى نتيجة صحيحة؛ ذلك أولا: لان الاجماع التعبدي الذي يكون من الحجج الشرعية، مما لا مجال له حول حجية البينة، فإن الحجية لها بعد ما انطلقت من منطلق الآيات المتكاثرة و الروايات المتواترة لا يفسح المجال للاجماع بمعنى الكلمة.

و أما توافق الفقهاء كلهم آنذاك فهو من الاجماع المدركي الذي لا اعتبار له بحسب الذات، لعدم توفر شروط الحجية له.

و ثانيا: قد ألمحنا أنّ حجية البينة عند الفقهاء تكون من المسلمات المرسلة و عليه كان تسالم الفقهاء حول المطلوب- فوق مرتبة الاجماع- بمستوى الضرورة الفقهية.

و إذن فلا أرضية للاجماع جزما.

قال العلامة الحلي (رحمه اللّه): إن الحكم بشهادة الشاهدين معلوم في الشرع، فيجب العمل بها. (1)

و قال السيد المراغي (رحمه اللّه) و يؤيد عموم الحجية: ارسال الأصحاب هذه المسألة- حجية البينة- ارسال المسلمات. (2)

نعم قد يتحدث عن الاجماع بالنسبة إلى بعض الأحكام التي لها صلة بالبينة، لتحقق المجال اليه.

كما قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): و إن أتى بأربع نسوة- بدلا عن رجل و امرأتان في حق مالي- لم يحكم له بذلك إجماعا. (3)

بناء العقلاء

إن المدرك الوحيد بالنسبة إلى حجية خبر العادل هو السيرة العقلائية فقد استقرت السيرة في زمن المعصوم (عليه السّلام) على قبول ذلك الخبر، و لا زالت مستمرة لحد الآن، و لم تكن مردوعة من قبل الشرع، فتم لها الاعتبار بحسب الذات، فتصلح أن تكون مدركا

____________

(1). المختلف، ج 1، ص 16

(2). العناوين، ج 2، ص 650

(3). المبسوط، ج 8، ص 174

101

تاما للحجية هناك.

و بما أن كل شاهد مخبر عادل كانت تلك السيرة شاملة لكل واحد من الشهود بلا اشكال.

و عليه يمكننا أن نقول: أن من الأدلة التي تدلنا على حجية البينة هي السيرة العقلائية.

و لكن بما أن الحجية للبينة ثابتة بالكتاب و السنة، فلا تخضع بالسيرة، و عليه فيصبح الاستدلال بالسيرة هناك لغوا.

السيرة المتشرّعة

قد جرت السيرة من المتشرعة كافة بالاستناد إلى البينة في شتّى المجالات و لكن السيرة هناك لا توجب الاعتبار للبينة، بل البينة بما لها من المكانة البارزة تجرّ السيرة إليها.

102

الخلاصة

1. قد يقال: أن من أدلة البينة الاجماع المحصل و المنقول.

2. و التحقيق أن الاجماع هناك إجماع مدركي فلم يكن من الحجج الشرعية.

3. إنّ من الأدلة على حجية البيّنة السيرة العقلائية و السيرة المتشرعة.

الأسئلة

1. اذا كان حجية البينة من الضرورات فهل يفسح المجال للاجماع؟

2. هل تكون حجية البينة من المسلمات المرسلة؟

3. ما هي منهجية الاستدلال على المطلوب بالسيرة العقلائية؟

103

4 شروط البينة

توجد هناك عدة شروط تلعب دورا موضوعيا بالنسبة إلى تحقق البينة و اعتبارها، كحجة شرعية قطعية، و هي- الشروط- بما يلي:

الانطلاق عن العلم‏

لا بد في تحقق الشهادة أن تكون ناشئة عن العلم القطعي ذلك لأن كيان الشهادة وثيق الصلة بالعلم، كما قال ابن الأثير: الشهادة في الأصل: الأخبار عما شاهده و عاينه. (1) و إذن فالعلم هناك مقوم للموضوع. هذا من جانب و من جانب آخر تكون لدينا عدة آيات و روايات ترشدنا إلى أنّ البينة ذات صلة بالعلم.

قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): لا يجوز للشاهد أن يشهد حتى يكون عالما بما يشهد به حين التحمل و حين الأداء؛ لقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ .... (2)

و قال تعالى: ... إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ. (3)

و روي ابن عباس قال: سئل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) عن الشهادة فقال: هل ترى الشمس قال نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع. (4) إن هذا البيان قد صدر من أهله و وقع في محله.

____________

(1). النهاية، ج 2، ص 514

(2). الاسراء، 36

(3). الزخرف، 86

(4). المبسوط، ج 8، ص 180

104

و قال المحقق الحلي (رحمه اللّه) الكلام: فيما يصير شاهدا، و الضابط العلم، لقوله تعالى:- الآية المتلوة- و لقوله (عليه السّلام)- الحديث المتلو. (1)

و قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه) توجد هناك: النصوص الدالة صريحا و ظاهرا على اعتبار العلم في الشهادة.

بل هو الظاهر من معناه عرفا ايضا، و لذا نفي الخلاف عن اعتبار ذلك فيها غير واحد. (2)

و من الروايات خبر علي بن غياث عن الامام الصادق (عليه السّلام) قال: لا تشهدنّ بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك. (3) دلّ على عدم جواز الشهادة إلّا بعلم.

و منها خبر السكوني عن الامام الصادق (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): لا تشهدنّ بشهادة لا تذكرها. (4) دلّ على انّه لا تجوز الشهادة بلا علم.

و منها صحيحة معاوية بن وهب قال قلت له: إنّ أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان و تركها ميراثا و أنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له، فقال (عليه السّلام): اشهد بما هو علمك. (5) دلت على المطلوب دلالة تامة. و الحكم مفتى به.

قال سيدنا الأستاذ (رحمه اللّه): لا تجوز الشهادة إلّا بالمشاهدة؛ لأنّ الشهود؛ بمعنى الحضور و منه المشاهدة، و قد استعملت الشهادة بمعنى الحضور في عدة آيات. (6) منها قوله تعالى: ... عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ .... (7)

ما هو مستند العلم في الشهادة؟

يتحدث هناك عن منشأ العلم و مستنده في الشهادة خاصة، و تفصيل البحث بما يلي:

قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): إذا ثبت- اعتبار العلم في الشهادة- فالكلام فيما يصير به عالما فيشهد، يقع العلم له من وجوه ثلاثة، سماعا، أو مشاهدة، أو بهما.

____________

(1). شرائع الاسلام، ج 4، ص 132

(2). الجواهر، ج 41، ص 122

(3). الوسائل، ج 18، ص 250

(4). المصدر السابق، ص 235

(5). المصدر السابق، ص 246

(6). تكملة المنهاج، ج 1، ص 111، 112

(7). الجمعة، 8