الفوائد الرجالية (للسيد بحر العلوم) - ج2

- السيد بحر العلوم المزيد...
432 /
305

و الحسين بن عبيد اللّه أشهر المشايخ و أفقههم بعد المفيد- (رحمه اللّه)- و هو أحد القدماء القائلين بطهارة ماء البئر و عدم انفعاله بمجرد الملاقاة.

حكى الشهيد- (قدس سره)- في (غاية المراد) عن السيد الشريف أبي يعلى خليفة الشيخ المفيد- (رحمه اللّه)- أنه روى ذلك عنه (1)

و يستفاد توثيقه من تعظيم المشايخ له و إطرائهم في نعته و سماعهم منه و إجازته لهم و استناد النجاشي اليه في مواضع كثيرة من كتابه، و من توثيق الشهيد الثاني للمشايخ المشهورين من لدن عصر الكليني (ره) الى زمانه (2)

و وثقه السيد الجليل علي بن طاوس- (قدس سره)- في كتاب النجوم (3) و السيد الداماد في (رواشحه) (4) و حكى عن العلامة و من تأخر عنه من الأصحاب الى زمانه تصحيح حديثه في كتبهم الاستدلالية- قال-: «و هو أجل من ذلك فانه من أعاظم فقهاء الأصحاب و علمائهم».

و قال السيد في (الوسيط): و يستفاد من تصحيح العلامة- (رحمه اللّه)- لطريق الشيخ‌

____________

(1) ذكر ذلك الشهيد الأول في (غاية المراد) شرح إرشاد العلامة في باب المياه، طبع إيران، فراجعه.

(2) راجع كلام الشهيد الثاني في (دراية الحديث: ص 69) طبع النجف الأشرف

(3) قال العلامة الجليل السيد علي بن طاوس- (رحمه اللّه)- في كتابه «فرج المهموم في معرفة نهج الحلال من علم النجوم» ص 97، طبع النجف الأشرف سنة 1386 ه‍ ما نصه: «روينا باسانيد جماعة عن الشيخ الثقة الفقيه الفاضل الحسين بن عبيد اللّه الغضائرى ...» الخ.

(4) قال السيد الداماد- (رحمه اللّه)- في الراشحة الخامسة و الثلاثين من (رواشحه ص 111) طبع إيران ما نصه: «... الحسين بن عبيد اللّه بن ابراهيم الغضائرى العالم الفقيه البصير المشهور العارف بالرجال و الأخبار، شيخ الشيخ الأعظم أبي جعفر الطوسي و الشيخ أبي العباس النجاشي و سائر الأشياخ، الذى قد ذكرناه و قلنا: إن العلامة في-

306

الى محمد بن علي بن محبوب توثيقه قال: «و لم أجد الى يومنا من خالفه» (1).

و بالجملة فالأمر فيه واضح جلي.

الحسين بن المختار القلانسى أبو عبد اللّه

، كوفي، مولى أحمس من بجيلة، من أصحاب الصادق و الكاظم- (عليهما السلام)- كثير الرواية له كتاب، روى عنه أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، و الحسن بن علي بن زياد الوشاء، و حماد بن عيسى، و العباس بن عامر، و عبد اللّه بن مسكان و عبد اللّه بن المغيرة، و عبد اللّه بن محمد الحجال، و علي بن الحكم، و محمد بن أبي عمير، و موسى بن القاسم، و يونس بن عبد الرحمن، و غيرهم.

و قال المفيد- (رحمه اللّه)- في (الإرشاد): «إنه من خاصة الكاظم- (عليه السلام)- و ثقاته و أهل العلم و الورع من شيعته، و ممن روى النص على الرضا (عليه السلام)» (2).

و حكى العلامة «... عن ابن عقدة عن علي بن الحسن بن فضال:

أنه كوفي ثقة» (3).

____________

- (الخلاصة) و الحسن بن داود في كتابه صححا طريق الشيخ الى محمد بن علي بن محبوب و هو في الطريق، و العلامة و من تاخر عنه من الأصحاب إلى زماننا هذا في كتبهم الاستدلالية قد استصحوا أحاديث كثيرة هو في أسانيدها، و أمره أجل من ذلك، فانه من أعاظم فقهاء الأصحاب و علمائهم، و له تصانيف معتبرة في الفقه و غيره، و فتاواه و أقواله في الأحكام الفقهية منقولة محكية».

(1) انظر: العبارة المذكورة في الوسيط (المخطوط) للميرزا محمد الاسترآبادي

(2) راجع: باب ذكر الإمام القائم بعد أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- فصل: من روى النص على الرضا- (عليه السلام)-.

(3) رجال العلامة- الخلاصة-: الباب الثاني: ص 215 طبع النجف الأشرف

307

و في الكافي: «قال الحسين بن المختار: قال لي الصادق- (عليه السلام)- رحمك اللّه ...» (1)

و قد روى النص عنه على الرضا- (عليه السلام)- جماعة، منهم:

يونس بن عبد الرحمن، و عبد اللّه بن المغيرة و علي بن الحكم، و في رواية ابن المغيرة: قال: قال الحسين بن المختار: خرج الينا من أبي الحسن- (عليه السلام)- بالبصرة الواح مكتوب فيها بالعرض: عهدى الى اكبر ولدي: يعطي فلانا كذا، و يعطي فلانا كذا، و فلان لا يعطى حتى أجي‌ء أو يقضي اللّه علي الموت، إن اللّه يفعل ما يشاء» (2)

و ذكره الكشي و لم يطعن فيه (3) و النجاشي، و أسند كتابه الى حماد ابن عيسى (4)، و كذا الصدوق في (المشيخة) (5)، و الشيخ في (الفهرست) و أسنده الى حماد و محمد بن عبد اللّه بن زرارة (6) و ذكره في (كتاب الرجال)

____________

(1) راجع: أصول الكافي للكليني (ج 1 ص 67 حديث 8) طبع طهران (حيدري) سنة 1381.

(2) أصول الكافي: (ج 1 ص 313 حديث 9) طبع طهران حيدري.

(3) ذكره الكشي في (رجاله) طبع النجف الاشرف: (ص 31 ضمن ترجمة أبي ذر الغفاري) و (ص 267 ضمن ترجمة حيان السراج) و (ص 335 ضمن ترجمة عباد بن صهيب).

(4) قال في (ص 43 من رجاله) طبع طهران: «... له كتاب يرويه عنه حماد بن عيسى».

(5) قال في (المشيخة: ص 34) آخر كتاب من لا يحضره الفقيه، طبع النجف الاشرف: «و ما كان فيه عن الحسين بن المختار فقد رويته عن أبي- رضى اللّه عنه- عن سعد بن عبد اللّه ... عن حماد بن عيسى عن الحسين بن المختار القلانسي»

(6) راجع منه: (ص 8 برقم 206) طبع النجف الاشرف.

308

في أصحاب الصادق- (عليه السلام)- ثمّ في أصحاب الكاظم- (عليه السلام)- و قال فيه: «إنه واقفي» (1) و تبعه على ذلك ابن شهرآشوب في (معالم العلماء) (2) و أورده ابن داود في البابين. و نقل في الثاني: وقفه عن الشيخ (3) و ذكره العلامة في الباب الثاني، و حكم بوقفه، ثمّ روى توثيقه عن ابن عقدة عن ابن فضال- كما سبق- و قال: «و الاعتماد على الأول» (4). و ظاهره التضعيف بالوقف و عدم الاعتداد بالتوثيق المذكور، لكنه في (المختلف) قد احتج بروايته عن أبي بصير في: تحريم مس كتابة القرآن على المحدث قال: «... و هذا الحديث- و ان كان في طريقه الحسين بن المختار و هو واقفي- إلا أن ابن عقدة وثقه» (5) و هذا يقتضى أنه موثق لا ضعيف و أن حديث التوثيق معتبر.

و اعترضه شيخنا البهائي- (قدس سره)- بأن الاعتماد في توثيق واقفي‌

____________

(1) راجع منه ص 169 برقم 68 باب- أصحاب الصادق (عليه السلام)- و ص 346 برقم 3- باب أصحاب الكاظم (عليه السلام)- طبع النجف الأشرف.

(2) راجع: (ص 38 برقم 231) طبع النجف الاشرف.

(3) قال- في الباب الثاني من رجاله: ص 446 برقم 146- طبع طهران-:

«الحسين بن المختار القلانسي (جش) ضعيف واقفي» و عبر عنه في الباب الأول:

ص 127 ب‍ (مهمل).

(4) راجع: ص 215 برقم 1 من (الرجال- الخلاصة) طبع النجف الأشرف قال الشهيد الثاني- (رحمه اللّه)- فيما علقه بخطه على هذا الموضع من الخلاصة: «و لا منافاة بين الوقف و التوثيق، إلا أن يكون غرضه عدم الاعتماد على توثيق ابن عقدة لأنه زيدي. و يظهر من كلامه في (المختلف) في بحث مس المحدث خط المصحف أنه يعتمد على توثيقه له».

(5) راجع- هذه العبارة- في (المختلف ج 1 ص 31) طبع ايران سنة 1323 ه‍

309

على ما حكاه زيدي عن فطحي، لا يخفى ضعفه (1).

و أنت خبير بما فيه، فان الظاهر اعتبار توثيق الموثق و قبول روايته في ذلك، بناء على أن الجرح و التعديل من باب الروايات أو الظنون الاجتهادية، فتقبل روايته فيهما، كما تقبل في نقل الأحكام، خصوصا إذا كان الراوي مثل ابن عقدة، و الموثق مثل ابن فضال، لما علم من كونهما في غاية الثقة و الأمانة و الاعتماد حتى قالوا في (ابن فضال):

إنه فقيه الأصحاب و وجههم و ثقتهم و عارفهم بالحديث و المسموع قوله فيه، و إنه لم يعثر له على زلة و لا على ما يشينه، و إنه قلما يروي عن ضعيف. إلى غير ذلك مما قيل في مدحه و اعتبار قوله، و يظهر من الشيخ و غيره: الاعتماد عليه و على ابن عقدة في الجرح و التعديل.

نعم، قد يقال: إن توثيق الموثق لا يقتضي سلامة المذهب، بل ربما دل على موافقته لمن وثقه في مذهبه، فيكون توثيق الفطحى دليلا على الفطحية، كما أن توثيق الإمامي دليل على أن الموثق إمامي.

و هذا لا يتأتى هنا، فان الحسين بن المختار لا يحتمل كونه فطحيا، و انما الكلام في: أنه واقفي ام لا؟ و لا ريب أن الظاهر من توثيق ابن فضال نفي الوقف فيثبت بذلك التوثيق المطلوب، بانضمام ما علم من عدم كونه فطحيا.

____________

(1) راجع- هذا الاعتراض- في كتاب (مشرق الشمسين لشيخنا البهائي:

ص 34) طبع ايران سنة 1319 ه‍ و في الفائدة السادسة من (فوائده الرجالية المخطوطة). و لكن الظاهر أن اعتراض شيخنا البهائي- هذا- على قول العلامة في المختلف لا يستقيم، لأن ابن عقدة نقل ذلك عن علي بن الحسن بن فضال- كما ذكر البهائي في مشرق الشمسين- و الأصحاب قبلوا توثيق ابن فضال، لوثاقته و لما ورد عن الامام الحسن العسكرى- (عليه السلام)- في بني فضال: من الأخذ بما رووا، و ترك ما رأوا.

310

و يدل على ذلك توثيق المفيد- (رحمه اللّه)- و مدحه له بما مر و رواية حماد كتابه، و إكثار الفقهاء و الأجلاء عنه، و روايته النص على الرضا (ع) و قد تصفحنا أخبار الواقفة و الطعون عليهم، فلم نجد للحسين بن المختار فيها ذكرا و لا شيئا يشعر لذلك و لذلك لم يذكر ذلك الكشي، و لا النجاشي، و لا الشيخ في الفهرست، و لا في كتاب الرجال عند ذكره في أصحاب الصادق (عليه السلام).

و على هذا فالأقرب: أنه ثقة كما مال اليه في (التعليقة) (1) و صرح به في (الفوائد الطبرية) (2) و لا أقل من أن يكون موثقا كما رجحه في (المختلف) (3) و اختاره في (الوجيزة) (4) و غيرها جمعا بين التوثيق و الوقف كما هو المعهود في مثله (5).

____________

(1) أنظر عبارة الوحيد البهبهاني- (رحمه اللّه)- في تعليقته على (منهج المقال) للاسترابادي (ص 116) طبع ايران سنة 1306 ه‍

(2) ذكرنا في تعليقتنا على الجزء الأول (ص 454) أنه لم يوصلنا التحقيق إلى معرفة كتاب (الفوائد الطبرية) و لا إلى معرفة مؤلفه، و لعله من المخطوطات النادرة، و كانت في حيازة سيدنا- (قدس سره)- و نقل عنها في الموضعين.

(3) راجع عبارة كتاب (مختلف الشيعة في أحكام الشريعة) للعلامة- (رحمه اللّه)- في (ج 1 ص 31) طبع إيران سنة 1323 ه‍

(4) راجع (الوجيزة) للمجلسي الثاني الملحقة بخلاصة العلامة الحلي (ص 150) طبع ايران سنة 1311 ه‍.

(5) لا ينبغي الريب في وثاقة المترجم له: القلانسى. بعد ما ذكره سيدنا- (قدس سره)- في الأصل، فان للصدوق- (رحمه اللّه)- في (من لا يحضره الفقيه) طريقا اليه، كل رجاله من الأجلاء الثقات و هو مما يقوي جانبه، و يروي عنه ابن أبي عمير- كما في الكافي في باب ذكر اللّه في الغافلين- و عبد اللّه بن المغيرة- في-

- باب الإشارة و النص على أبي الحسن الرضا- (عليه السلام)- و يونس بن عبد الرحمن في باب الرواية على المؤمن، و حماد بن عيسى- كما في رجال النجاشي- و هؤلاء الأربعة من أصحاب الاجماع، و من الاجلاء عثمان بن عيسى، فانه يروى عنه- كما في الكافي- في باب اختلاف الحديث- و محمد بن سنان، و علي بن الحكم و أحمد بن حمزة، و موسى بن القاسم، و سليمان بن سماعة، و عبد اللّه بن مسكان و الحسن بن زياد الوشاء، و أحمد بن عائذ، و ابراهيم بن أبي البلاد، و محمد بن عبد اللّه بن زرارة، و محمد بن خالد البرقي، و غيرهم من الثقات، راجع فيهم (جامع الرواة) للمولى محمد بن علي الأردبيلى (ج 1 ص 254- 255) فلا مجال- إذن- للتشكيك في وثاقته بل و جلالته. أما ما ذكره الشيخ الطوسي- (رحمه اللّه)- في رجاله- باب أصحاب الكاظم (عليه السلام)- من أنه واقفي، يوهنه أنه ذكره في رجال الصادق- (عليه السلام)- و لم ينسبه الى الوقف، و كذا في الفهرست و كذا النجاشى، فانه لم يذكر أنه واقفي، و لو كان عنده واقفيا لكان ذكره أهم مع أن روايته التي رواها الصدوق- (رحمه اللّه)- في (عيون أخبار الرضا) و الكليني في (الكافي) في قضية خروج الألواح من أبي الحسن موسى (عليه السلام) و هو في الحبس و عهده الى اكبر ولده (اى الرضا (عليه السلام)) و ما رواه الشيخ الطوسى في (كتاب الغيبة) عن الكليني و استند اليه و الى نظائره في إثباته موت الكاظم- (عليه السلام)- و وصايته إلى ابنه الرضا- (عليه السلام)- ردا على الواقفة المنكرين الموت و الوصاية، مما يوهن كون القلانسى منهم.

و قال الشيخ أبو علي الحائري في رجاله (منتهى المقال)- عند ترجمة القلانسي هذا- ما هذا نصه: «... و في حواشي السيد الداماد على رجال الكشي- بعد ذكر كلام ابن عقدة و النجاشي و الشيخ (الطوسي) و شيخنا المفيد، و ما مر عن الكافي- قال: و قد روى جماعة من الثقات عنه نصا على الرضا- (عليه السلام)- (قلت):-

311

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

312

الحسين بن مفلح الصيمري

«فاضل عالم محدث عابد، كثير التلاوة و الصوم و الصلاة و الحج حسن الخلق واسع العلم له كتاب المنسك الكبير كثير الفوائد- و رسائل أخر، توفي سنة 933- و عمره يزيد على الثمانين» (قاله في أمل الآمل) (1).

و ذكره صاحب مشايخ الشيعة فقال: «الشيخ الفاضل نصير الحق و الملة و الدين حسين بن مفلح بن حسن الصيمري ذو العلم الواسع و الكرم الناصع.

صنف كتاب المنسك الكبير كثير الفوائد، و قد استفدت منه و عاشرته زمانا طويلا ينيف على ثلاثين سنة فرأيت منه خلقا حسنا و صبرا جميلا، و ما رأيت منه زلة فعلها و لا صغيرة اجترأ عليها، فضلا عن الكبيرة و كان له فضائل و مكرمات، كان يختم القرآن في كل ليلة الاثنين و الجمعة مرة، و كان كثير النوافل المرتبة في اليوم و الليلة، كثير الصوم و لقد حج مرارا متعددة- تغمده اللّه بالرحمة و الرضوان- و أسكنه بحبوحة الجنان. و مات ب‍ (سلماباد) احدى قرى البحرين، مفتتح شهر محرم الحرام من سنة ثلث و ثلاثين و تسعمائة و عمره ينيف على الثمانين سنة» انتهى (2)

____________

- فذلك يدافع كونه واقفيا، و لذا لم يحكم به النجاشي و لا نقله عن أحد على ما هو المعلوم من ديدنه (و بالجملة) الرجل من أعيان الثقات و عيون الآيات. انتهى» أي كلام السيد الداماد- (رحمه اللّه)-

(1) راجع أمل الآمل- القسم الثاني- في باب الحاء، طبع إيران سنة 1302 ه‍ و سنة 1307 ه‍ و طبع النجف الاشرف سنة 1385 ه‍.

(2) رسالة مشايخ الشيعة، هي في تراجمهم، ألفها الشيخ شرف الدين يحيى ابن عز الدين حسين بن عشرة بن ناصر البحراني نزيل يزد، و كان تلميذ المترجم له الحسين الصيمري، و تلميذ الشيخ علي الكركي المتوفى سنة 940 ه‍ و نائبه في بلدة يزد، ينقل عن رسالة مشايخ الشيعة- هذه- كثيرا صاحب (رياض العلماء)-

- بعنوان: بعض تلامذة المحقق الكركي، و من مؤلفاته: زبدة الأخبار في فضائل المخلصين الأخيار، و التحفة الرضوية في شرح الجعفرية لأستاذه المحقق الكركي، و له منه إجازة تاريخها سنة 932 ه‍ و تلخيص إرشاد القلوب الديلمية، و تلخيص علل الشرائع للصدوق- (رحمه اللّه)- و تلخيص كشف الغمة للاربلي، و تلخيص مجمع البيان للطبرسي و تلخيص معارف ابن قتيبة، و الشهاب في الحكم و الآداب مجموع من كلمات النبي (ص) القصيرة، و قد جمع قبل ذلك أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعي المغربي- المعروف بالقاضي القضاعي- (كتاب الشهاب) مما أثر عن النبي (ص) من الحكم و الآداب القصيرة، و هو كتاب مشهور مطبوع، و له شروح مطبوعة، و الظاهر أن الشيخ يحيى المذكور ذكر ما في كتاب القضاعي و زاد عليه شيئا مما روته الشيعة.

و الشيخ يحيى يروي عن أستاذه المحقق الكركي- كما عرفت- و عن أستاذه الشيخ حسين ابن الشيخ مفلح الصيمري، و يروي عنه السيد حسين ابن السيد حسن الحسيني الموسوى الكركي والد الميرزا حبيب اللّه الذي ترجم له و لأبيه السيد حسين صاحب (أمل الآمل).

و ترجم للشيخ حسين بن مفلح الصيمري أيضا الشيخ سليمان بن عبد اللّه الماحوزى البحراني المتوفى سنة 1121 ه‍، و المعروف ب‍ (المحقق البحراني) في رسالته المختصرة في تراجم علماء البحرين التي كتبها إجابة لملتمس المولى عبد اللّه أفندى صاحب (رياض العلماء) فقال: «الفقيه الصالح نصير الدين الشيخ حسين بن مفلح بن حسن بن راشد الصيمرى، له كتاب المناسك الكبرى، و رسالة المناسك، و رسالة في أن عدول المسلمين يتولون جميع ما يتولاه الفقيه عند فقده» و قال: (رأيتها بخطه طاب ثراه) و كتاب، درر الكلمات و غيرها».

و ترجم له صاحب (رياض العلماء) فقال: «كان فاضلا عالما، محبا للفقراء-

- و المساكين، و كان من عباد أهل زمانه و زهادهم، و له انقطاع عن الدنيا و حظوظها، و كان هو و والده من مشاهير العلماء، و أبوه هو شارح الشرائع بشرح مشهور، و كانا معاصرين للشيخ علي الكركي، و رأيت بعض الكتب الفقهية التي قرئت عليه و عليها إجازته بخطه، منها: القواعد للعلامة، و التحرير له».

و يحكى عنه القول بجواز القضاء لغير المجتهد مع فقد المجتهد للضرورة، فقد ذكر الشيخ يوسف البحراني في كشكوله (ج 1 ص 90) طبع النجف الأشرف ما نصه: «فائدة: هل لغير المجتهدين من طلبة العلم الناقلين عن المجتهدين الماضين القضاء بين الناس مع فقد المجتهد؟ قال بعض المتأخرين: بالجواز للضرورة و اختاره الشيخ الصالح الشيخ حسين بن مفلح الصيمري- عطر اللّه مرقده- في رسالة عملها في المسألة و نقل فيها عن الشيخ الفاضل الشيخ حسين بن منصور صاحب (الحاوى) الجواز، ثمّ قال: «قال شيخنا أبو الحسن (أى الشيخ سليمان بن الشيخ عبد اللّه الماحوزى البحراني)- (قدس سره)- في كتاب (الفوائد النجفية) بعد ذلك عنه: قلت: هذا الكتاب عندى بنسخة صحيحة في الغاية، و قد وجدت فيه العبارة المنقولة».

و له مؤلفات ذكرها أرباب المعاجم، منهم، سيدنا الحجة المحسن الامين في (أعيان الشيعة: ج 27 ص 286).

أما مشايخه فقد قرأ على أبيه و يروى إجازة عن المحقق الكركي- كما عرفت-

و أما تلاميذه فمنهم الشيخ يونس المفتي باصفهان، و الشيخ يحيى بن الحسين بن عشرة، قرأ عليه و أجازه بتاريخ (926 ه‍) رأى صاحب (رياض العلماء) إجازته له بخطه.

و الصيمرى: بصاد مهملة مفتوحة و مثناة تحتية ساكنة و ميم مفتوحة وراء و ياء (و في المغرب للمطرزى: و الضم خطأ) أى ضم الميم: منسوب الى (صيمرة)-

313

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

314

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

315

قلت: و له كتاب: محاسن الكلمات في معرفة النيات، و هو من محاسن الكتب، و قد حكى فيه كثيرا من فوائد والده الشيخ مفلح بن حسن في شرح الموجز و شرح الشرائع. و أما جواهر الكلمات فهو لوالده الشيخ مفلح المذكور.

حكيمة بنت الامام جعفر الثاني (عليه السلام)

على اسم عمة أبيها‌

____________

- اسم مكانين أحدهما: في البصرة على فم نهر معقل مشتمل على عدة قرى، و لعل المحلة المعروفة- اليوم- ب‍ (السيمر) في البصرة تحريف الصيمرة، و الآخر: بلد بين بلاد الجبل و خوزستان، و بلاد الجبل هي عراق العجم، و في المغرب للمطرزي:

كورة من كور الجبال.

و كان المترجم له يسكن مع أبيه في صيمرة، ثمّ انتقلا الى البحرين و سكنا في قرية (سلماباد) و توفي أبوه فيها حدود سنة 900 ه‍ و كان حيا سنة 873 ه‍ كما يظهر من إجازته لناصر بن إبراهيم البويهي التى هي بخطه، و توفي بعده ولده الشيخ حسين سنة 933 ه‍ و قبره بجنب قبر أبيه بسلم‌آباد، و هما معروفان- هناك- و يزاران.

و صيمرة- التي كان يسكنها المترجم له مع أبيه قبل انتقالهما إلى البحرين-:

هي صيمرة البصرة، كما ذكر ذلك الشيخ سليمان البحرانى في رسالته في تراجم علماء البحرين (المخطوطة)، و المحقق الشيخ علي بن الشيخ حسن البلادى البحراني المتوفى سنة 1340 ه‍، في كتابه (أنوار البدرين ص 75) طبع النجف الاشرف.

أما والد المترجم له الشيخ مفلح بن حسن فقد ترجم له في اكثر المعاجم الرجالية منهم صاحب (أمل الآمل) و منهم الشيخ سليمان ابن الشيخ عبد اللّه البحراني المتوفي سنة 1121 ه‍ فقد وصفه بالفقيه العلامة، و فتاواه و اقواله مشهورة مذكورة في كتب الفقهاء المبسوطة. و له مؤلفات عديدة، أوردها في ترجمته المغفور له العلامة الحجة المجاهد السيد المحسن الأمين العاملي في (أعيان الشيعة: ج 48 ص 92).

316

حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)، و هي التي حضرت ولادة القائم الحجة (عليه السلام) كما حضرت حكيمة عمتها ولادة أبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليه السلام). و حكيمة بالكاف في الموضعين. أما (حليمة باللام) فمن تصحيف العوام. قال السروى في (المناقب): «حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قالت: لما حضرت ولادة (الخيزران) ام أبي جعفر (عليه السلام) دعاني الرضا (عليه السلام) فقال لي:

يا حكيمة احضري ولادتها و ادخلي و إياها و القابلة بيتا، و وضع لنا مصباحا و أغلق الباب علينا، فلما أخذها الطلق طفئ المصباح، و بين يديها طست فاغتممت بطف‌ء المصباح فبينما نحن كذلك اذ بدر أبو جعفر (عليه السلام) في الطست، و اذا عليه شي‌ء رقيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتى أضاء البيت فابصرناه فأخذته فوضعته في حجري و نزعت عنه ذلك الغشاء فجاء الرضا- (عليه السلام)- ففتح الباب و قد فرغنا من أمره فأخذه، فوضعه في المهد، و قال لي: يا حكيمة الزمي مهده، قالت: فلما كان في اليوم الثالث رفع بصره الى السماء ثمّ نظر يمينه و يساره ثمّ قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أن محمدا رسول اللّه فقمت ذعرة فزعة، فأتيت أبا الحسن (عليه السلام)، فقلت له سمعت عجبا من هذا الصبي، فقال: و ما ذاك؟ فأخبرته الخبر، فقال: يا حكيمة ما ترون من عجائبه اكثر» (1) و قال العلامة المجلسي- (رحمه اللّه)- في مزار البحار: «ان في القبة الشريفة- يعني قبة العسكريين (عليه السلام)- قبرا منسوبا الى النجيبة الكريمة العالمة الفاضلة التقية الرضية: حكمية بنت أبي جعفر الجواد (عليه السلام). و ما أدرى لم‌

____________

(1) مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 394 ط ايران باب امامة أبي جعفر الجواد- (عليه السلام)- و نقل القصة ايضا العلامة المجلسي- (رحمه اللّه)- في (جلاء العيون) الفارسي المطبوع عن مناقب ابن شهرآشوب، فراجعها.

317

لم يتعرضوا لزيارتها مع ظهور فضلها و جلالتها و انها كانت مخصوصة بالأئمة- (عليهم السلام)- و مودعة أسرارهم، و كانت أم القائم- (عليه السلام)- عندها، و كانت حاضرة عند ولادته، و كانت تراه حينا بعد حين في حياة أبي محمد العسكري (ع)، و كانت من السفراء و الابواب بعد وفاته: فينبغي زيارتها بما أجرى اللّه على اللسان مما يناسب فضلها و شأنها و اللّه الموفق» (1) انتهى كلامه شرف مقامه.

قلت: عدم التعرض لزيارتها- رضي اللّه عنها- كما أشار اليه الحال المفضال- عجيب، و أعجب منه عدم تعرض الاكثر- كالمفيد في الارشاد و غيره في كتب التواريخ و السير و النسب لها- في اولاد الجواد- (عليه السلام)- بل حصر بعضهم بناته- (عليه السلام)- في غيرها:

قال المفيد- (رحمه اللّه)-: «و خلف أبو جعفر الجواد- (عليه السلام)- من الولد عليا- ابنه الامام من بعده- و موسى، و فاطمة، و امامة و لم يخلف ذكرا غير من سميناه» (2).

و قال الطبرسي في (اعلام الورى): «و خلف من الولد عليا- الامام- و موسى، و من البنات: حكيمة و خديجة و ام كلثوم. و يقال: خلف فاطمة و أمامة ابنتيه، و لم يخلف غيرهم» (3). و قال السروي في (المناقب) «و أولاده: على الامام، و موسى و حكيمة، و خديجة، و أم كلثوم. قال:

و قال أبو عبد اللّه الحارثى: خلف فاطمة و أمامة فقط» (4).

____________

(1) راجع: مزار بحار الأنوار (ج 22 ص 237- ص 238) طبع كمپاني سنة 1308 ه‍.

(2) راجع: ارشاد المفيد: آخر- باب ذكر وفاة أبي جعفر الجواد (ع)

(3) راجع: إعلام الورى (ص 338) طبع إيران سنة 1338 ه‍.

(4) و نص عبارته- كما في ج 4 ص 380 ط ايران-: «... و أولاده:-

318

باب الخاء

خالد بن زيد بن كليب: أبو أيوب الانصاري

، من أعيان الصحابة و أعاظمهم، شهد (بدرا) و (العقبة) و نزل عليه رسول اللّه (ص) لما قدم المدينة، و بركت ناقته على باب داره، و كانت مأمورة، فأقام النبي (ص) عنده شهرا، حتى بنيت مساكنه و مساجده (1).

____________

- على الامام و موسى و حكيمة و خديجة، و ام كلثوم، و قال أبو عبد اللّه الحارثي:

خلف فاطمة و أمامة فقط».

(1) راجع: سيرة ابن هشام بهامش شرحها (الروض الأنف) للسهيلي (ج 2 ص 12) طبع مصر سنة 1332 ه‍، و أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير الجزري (ج 2 ص 80)، و الإصابة في تمييز الصحابة بهامشها الاستيعاب (ج 1 ص 405) لابن حجر طبع مصر سنة 1328 ه‍ و تهذيب التهذيب له (ج 3- ص 91) طبع حيدرآباد دكن، و الاستيعاب لابن عبد البر القرطبي بهامش الإصابة (ج 1 ص 404)، و الطبقات الكبرى لابن سعد (ج 1 ص 236) طبع بيروت سنة 1376 ه‍.

قال ابن حجر العسقلاني في ترجمته (ج 1 ص 405) في باب الاسماء: «خالد ابن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن نجار، أبو أيوب الانصاري النجاري، معروف باسمه و كنيته، و أمه هند بنت سعيد بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج، من السابقين، روى عن النبي (ص) و عن أبي بن كعب، روى عنه البراء ابن عازب، و زيد بن خالد، و المقدام بن معدي كرب، و ابن عباس، و جابر ابن سمرة، و انس و غيرهم من الصحابة، و جماعة من التابعين، شهد العقبة و بدرا و ما بعدها، و نزل عليه النبي (ص) لما قدم المدينة فاقام عنده حتى بنى بيوته و مسجده، و آخى بينه و بين مصعب بن عمير، و شهد الفتوح و داوم الغزو و استخلفه علي ((عليه السلام)) على المدينة لما خرج الى العراق، ثمّ لحق به بعد، و شهد معه قتال الخوارج، قال ذلك الحكم بن عيينة، و روي عن سعيد بن المسيب-

- أن أبا أيوب أخذ من لحية رسول اللّه (ص) شيئا، فقال له: «لا يصيبك السوء يا أبا أيوب»، و أخرج أبو بكر بن أبي شيبة و ابن أبي عاصم- من طريق أبي الخير- عن أبي رهم: أن أبا أيوب حدثهم أن النبي (ص) نزل في بيته و كنت في الغرفة فهريق ماء في الغرفة فقمت أنا و أم أيوب بقطيفة لنا نتتبع الماء شفقا أن يخلص إلى رسول اللّه (ص) فنزلت إلى رسول اللّه (ص) و أنا مشفق فسألته فانتقل إلى الغرفة قلت: يا رسول اللّه كنت ترسل إلى بالطعام فأنظر فأضع أصابعي حيث أرى أثر أصابعك حتى كان هذا الطعام، قال: أجل إن فيه بصلا فكرهت أن آكل من أجل الملك، و أما انتم فكلوا، و روى احمد- من طريق حبير بن نفير- عن أبي ايوب قال: لما قدم النبي (ص) المدينة اقترعت الأنصار: أيهم يؤويه فقرعهم ابو ايوب (الحديث) و قال ابن سعد: اخبرنا ابن علية عن ايوب عن محمد: شهد ابو ايوب بدرا ثمّ لم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا و هو في أخرى إلا عاما واحدا استعمل على الجيش شاب فقعد فتلهف بعد ذلك، فقال: ما ضرني من استعمل علي فمرض و على الجيش يزيد بن معاوية فاتاه يعوده فقال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي إذا أنامت فاركب بي ما وجدت مساغا في ارض العدو فاذا لم تجد فادفني ثمّ ارجع ففعل، و رواه ابو إسحاق الفزاري عن هشام عن محمد، و سمى الشاب عبد الملك ابن مروان، و لزم ابو ايوب الجهاد بعد النبي (ص) إلى ان توفي في غزاة القسطنطينية سنة 50 ه‍ و قيل سنة 51 ه‍، و قيل سنة 52 ه‍ و هو الأكثر».

و مثله ما ذكره في (تهذيب التهذيب: ج 3 ص 91) طبع حيدرآباد دكن.

و ذكر مثله ابن الأثير الجزري في (اسد الغابة) و ابن عبد البر في (الاستيعاب) بتغيير يسير، و زاد قوله: «... و قبر ابي ايوب قرب سورها معلوم الى اليوم معظم يستسقون به فيسقون». و كذلك ابن سعد في (الطبقات الكبرى: ج 3 ص 484) طبع بيروت، و زاد قوله: «قال محمد بن عمر (اي الواقدي) ... و توفي ابو ايوب-

319

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

320

ذكره العلامة في القسم الأول من (الخلاصة) (1).

و عده الفضل بن شاذان من السابقين الأولين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هو من الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر، و احتجوا عليه (2).

____________

- عام غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية في خلافة ابيه معاوية بن ابي سفيان سنة 52 ه‍ ... و قبره باصل حصن القسطنطينية بارض الروم، فلقد بلغني ان الروم يتعاهدون قبره و يرمونه (اي يكنسونه) و يستقون به إذا قحطوا» كما زاد ابن سعد قوله:

«و شهد أبو أيوب العقبة مع السبعين من الانصار، في رواية موسى بن عقبة و محمد ابن إسحاق و أبي معشر و محمد بن عمر (أي الواقدي)».

(1) راجع: رجال العلامة- الخلاصة- ص 65- طبع النجف الأشرف و ذكره ايضا الشيخ الطوسي في رجاله: تارة من أصحاب رسول اللّه (ص) ص 18 و أخرى من أصحاب علي- (عليه السلام)- ص 40.

(2) و هم من المهاجرين: أبو ذر الغفاري، سلمان الفارسي، خالد بن سعيد ابن العاص، المقداد بن الأسود، بريدة الأسلمي، عمار بن ياسر و من الأنصار:

خزيمة بن ثابت، سهل بن حنيف، أبو الهيثم بن التيهان، قيس بن سعد بن عبادة أبي بن كعب، أبو أيوب الأنصاري.

قال أبو أيوب محتجا- كما في رجال البرقي (ص 63) طبع دانشكاه طهران سنة 1383 ه‍ «اتق اللّه ورد الأمر الى اهل بيت نبيكم، فقد سمعتم ما سمعنا: أن القائم مقام نبينا بعده علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- و أنه لا يبلغ عنه إلا هو، و لا ينصح لأمته غيره» و ذكر مثل ذلك رضي الدين علي بن طاوس الحسيني في (ص 112) من كتابه (اليقين في إمرة أمير المؤمنين) طبع النجف الأشرف سنة 1369 ه‍، راويا له عن احمد بن محمد الطبري المعروف بالخليلي، و قال: رواه ايضا محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ في مناقب أهل البيت- (عليهم السلام)-.

321

شهد مشاهد علي، و كان ممن شهد له بحديث الغدير في (الرحبة) (1).

و ممن سلم عليه بالولاية آخرا- كما سلم- أولا (2).

____________

(1) أي: رحبة الكوفة- و في الجامع- حينما قدم أمير المؤمنين (عليه السلام) اليها أيام خلافته. و هم زهاء ثلاثين صحابيا: أبو زينب بن عوف الانصاري، ابو عمرة ابن عمرو بن محصن الانصاري، أبو فضالة الانصاري، أبو قدامة الانصاري، أبو ليلى الأنصاري، أبو هريرة الدوسي، أبو الهيثم بن التيهان، ثابت بن وديعة الانصاري حبشي بن جنادة السلولي، أبو أيوب خالد الانصاري، خزيمة بن ثابت الانصاري أبو شريح خويلد بن عمرو الخزاعي، زيد- او يزيد- بن شراحيل الانصاري، سهل بن حنيف الانصاري، سعد بن مالك الانصاري، سهل بن سعد الانصاري، عامر بن ليلى الغفاري، عبد الرحمن بن عبد ربه الانصاري، عبد اللّه بن ثابت الانصاري، عبيد بن عازب الانصاري، عدي بن حاتم الطائي، عقبة بن عامر الجهنى، ناجية بن عمرو الخزاعي، نعمان بن عجلان الانصاري ... و غيرهم- كما ذكرته عامة المصادر التأريخية، كالغدير للاميني ج 1 ص 174 و 184، و تاريخ الخلفاء السيوطي ص 65 و تذكرة سبط ابن الجوزي ص 17 و السيرة الحلبية 3/ 302 و خصائص النسائي 26 و أسد الغابة لابن الاثير 3/ 321 و الاصابة لابن حجر:

2/ 421 و مسند أحمد 4/ 370 و مجمع الزوائد للهيثمي 9/ 104 و غيرها كثير.

(2) ترجم السيد علي خان المدني ترجمة مفصلة لأبي أيوب الأنصاري في الدرجات الرفيعة (ص 314- 320) طبع النجف الاشرف سنة 1381 ه‍ و مما ذكره:

«قال ابراهيم بن ديزيل في كتاب صفين: قال: حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثنا ابن فضيل، قال: حدثنا الحسن بن حكم النخعي عن رباح بن الحرث النخعي، قال: كنت جالسا عند علي- (عليه السلام)- إذ قدم قوم متلثمون، فقالوا: السلام عليك يا مولانا، فقال:

أو لستم قوما عربا؟ قالوا: بلى و لكنا سمعنا رسول اللّه (ص) يقول يوم غدير خم (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه و انصر من نصره، و اخذل من خذله) قال: فلقد رأيت عليا ضحك حتى بدت نواجده-

322

روى أبو عمرو الكشي باسناده: «عن محمد بن سليمان: قال:

قدم علينا أبو أيوب الأنصارى، فنزل ضيعتنا يعلف خيلا له، فأتيناه فأهدينا له و قعدنا عنده، فقلنا له: يا أبا أيوب، قاتلت المشركين بسيفك- هذا- مع رسول اللّه (ص) ثمّ جئت تقاتل المسلمين؟ فقال: ان النبي (ص) أمرني بقتال القاسطين و المارقين و الناكثين، فقد قاتلت الناكثين، و القاسطين‌

____________

- ثمّ قال: اشهدوا، ثمّ إن القوم مضوا إلى رحالهم فتبعتهم، فقلت لرجل منهم من القوم؟ قال نحن رهط من الانصار، و ذاك- يعنون رجلا منهم- أبو ايوب الانصاري صاحب منزل رسول اللّه (ص) قال فأتيته فصافحته».

ثمّ قال ص 315: «و روي هذا الخبر بعبارة أخرى عن رباح بن الحرث المذكور قال: كنت في الرحبة عند أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إذ أقبل ركب يسيرون حتى أناخوا بالرحبة، ثمّ أقبلوا يمشون حتى أتوا عليا- (عليه السلام)- فقالوا:

السلام عليك يا أمير المؤمنين و (رحمة اللّه) و بركاته، قال: من القوم؟ قالوا: مواليك يا أمير المؤمنين، قال: فنظرت اليه- و هو يضحك و يقول-: من أين و أنتم قوم عرب؟ قالوا سمعنا رسول اللّه (ص) يوم غدير خم و هو آخذ بعضدك يقول: (أيها الناس أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلنا: بلى يا رسول اللّه، قال: إن اللّه مولاي و أنا مولى المؤمنين و علي مولى من كنت مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه) فقال- (عليه السلام)- أنتم تقولون ذلك؟ قالوا: نعم، قال- (عليه السلام)- و تشهدون عليه؟ قالوا نعم، قال- (عليه السلام)- صدقتم. فانطلق القوم و تبعتهم، فقلت لرجل منهم من أنتم يا عبد اللّه؟ قال: نحن رهط من الانصار و هذا أبو أيوب صاحب رسول اللّه (ص) فاخذت بيده فسلمت عليه و صافحته».

و روى هذا الحديث- أيضا بنصه عن إبراهيم بن ديزيل المذكور- ابن ابي الحديد المعتزلي في (شرح نهج البلاغة ج 1 ص 289) طبع مصر سنة 1329 ه‍.

و روى الصدوق ابن بابويه القمي- (رحمه اللّه)- في المجلسي الثاني عشر من-

323

و إنا نقاتل انشاء اللّه بالسعفات بالنهروانات بالطرقات، و ما أدري أنى هى؟» (1).

و روى ابن البطريق في (كتاب العمدة) عن «عبد اللّه بن احمد ابن حنبل عن أبيه عن يحيى بن آدم عن رباح بن الحارث، قال: جاء‌

____________

- أماليه (ص 53)، طبع إيران (طهران) سنة 1380 ه‍ بسنده «عن كريزة بن صالح الهجري عن أبي ذر جندب- رضي اللّه عنه- قال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول لعلي- (عليه السلام)- كلمات ثلاثا لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من الدنيا و ما فيها، سمعته يقول: اللهم أعنه و استعن به، اللهم انصره و انتصر به فانه عبدك و أخو رسولك. ثمّ قال أبو ذر- (رحمه اللّه)- أشهد لعلي بالولاء و الإخاء و الوصية، قال كريزة بن صالح: و كان يشهد له بمثل ذلك سلمان الفارسي، و المقداد و عمار، و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و أبو الهيثم بن التيهان، و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، و أبو أيوب (أي الأنصاري) صاحب منزل رسول اللّه (ص) و هاشم بن عتبة المرقال، كلهم من أفاضل أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)»

و انظر أخبار أبي أيوب- مضافا إلى المصادر السابقة- في كتاب صفين لنصر بن مزاحم، و مستدرك الحاكم النيسابوري بعنوان (ذكر مناقب أبي ايوب الأنصاري) و هامش المستدرك للذهبي، و ذيل المذيل لتاريخ وفيات الاعيان لزين الدين العراقي، و تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، و مهذب تاريخ ابن عساكر الدمشقي، و وفيات الاعيان لابن خلكان و تاريخ ابن الأثير (الكامل)، و مروج الذهب للمسعودي و مجالس المؤمنين للقاضي نور اللّه التستري- نقلا عن تاريخ ابن أعثم- و أعيان الشيعة لسيدنا المجاهد الحجة المحسن الأمين العاملي- (رحمه اللّه)- فقد ترجم له ترجمة مفصلة في (ج 29 ص 72- ص 98) و غيرها من المعاجم الرجالية.

(1) راجع: رجال الكشي (ص 39) طبع النجف الاشرف، و روى ايضا (ص 40): أن أبا أيوب من السابقين الذين رجعوا الى أمير المؤمنين- (عليه السلام)-

324

رهط الى علي- (عليه السلام)- بالرحبة، فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال: و كيف أكون مولاكم، و أنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول اللّه (ص) يقول- يوم غدير خم-: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، قال رباح:

فلما مضو تبعتهم و سألت عنهم، قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري» (1).

توفي- (رحمه اللّه)- غازيا بالقسطنطنية من أرض الروم سنة 51 من الهجرة.

و نقم عليه بعض أصحابنا قتاله مع معاوية و دخوله تحت رايته (2).

و أجيب بانه انما عمل عملا لنفسه قاصدا به تقوية الاسلام و ليس عليه من معاوية شي‌ء- كان أو لم يكن- و هو كما ترى (3) و الاولى أن يقال:

إن الخطأ في الاجتهاد لا ينافي سلامة الأصول.

____________

(1) انظر: كتاب (العمدة) لابن البطريق (ص 46) طبع إيران سنة 1311 ه‍

(2) راجع ما ذكره الكشي في رجاله (ص 39) طبع النجف الاشرف، من قوله: «و سئل الفضل بن شاذان عن أبي أيوب خالد بن زيد الانصاري و قتاله مع معاوية المشركين، فقال: كان ذلك منه قلة فقه و غفلة، ظن أنه يعمل عملا لنفسه يقوى به الإسلام و يوهى به الشرك، و ليس عليه من معاوية شي‌ء كان معه أو لم يكن».

و حيث أن قتاله مع معاوية لم يكن باذن إمام زمانه الحسين- (عليه السلام)- نقم عليه بعض الأصحاب و لكن من أين ثبت له أنه لم يكن باذن الحسين- (عليه السلام)- و لعله كان باذنه، فان أبا أيوب أجل من أن يكون قليل الفقه و المعرفة.

(3) لعل سيدنا- (قدس سره)- أشار بقوله (كما ترى) إلى أن القتال مع غير إمام الحق غير مشروع حتى لتقوية الإسلام، و قد أطبق المؤرخون على أن الذين كانوا يحاربون أعداء الإسلام تحت راية الامام- (عليه السلام)- كانوا يطلبون-

325

خالد بن سعيد بن العاص:

أبو سعيد نجيب بني امية، من السابقين الأولين، و من المتمسكين بولاء أمير المؤمنين (عليه السلام). و كان سبب إسلامه أنه رأى نارا مؤججة يريد أبوه أن يلقيه فيها، و إذا برسول اللّه (ص) قد جذبه الى نفسه و خلصه من تلك النار. فلما استيقظ و عرف صدق رؤياه خرج الى النبي (ص) مبادرا ليعرض عليه إسلامه، فلقي أبا بكر، و قص عليه الرؤيا، فأقبل معه أبو بكر حتى أتيا الى رسول اللّه (ص) و أسلما (1).

ثمّ إن أباه سعيد بن العاص بن أمية لما سمع باسلامه أخرجه من داره و تبرأ منه و أمر بنيه أن لا يكلموه و لا يجالسوه، فكان خالد يصبح عند رسول اللّه (ص) و يمسي عنده حتى هاجر المسلمون الى الحبشة، فهاجر معهم هاربا من أبيه- و معه امرأته أميمة الخزاعية- فولدت له بأرض الحبشة ابنه سعيدا و ابنة له‌

ثمّ إن رسول اللّه (ص) كتب إلى النجاشي يدعوه إلى الاسلام و يخطب اليه ام حبيبة بنت ابي سفيان، و يأمره ان يحمل جعفرا و اصحابه، و يبعث بهم اليه. فأسلم النجاشي و آمن برسول اللّه (ص) و زوجه ام حبيبة و أصدقها اربعمائة دينار، و كان خالد هو الذي تولى التزويج و حمل جعفرا و أصحابه‌

____________

- الإذن منه حينما يريدون أن يبرزوا للقتال، و الحروب التي جرت بين النبي (ص) و الإمامين أمير المؤمنين علي و ولده الحسين (عليهما السلام) و بين أعداء الإسلام كانت على هذا النهج.

و لكنا ذكرنا- آنفا- أنه لعله استأذن من إمام زمانه الحسين- (عليه السلام)- في قتاله مع معاوية، فلاحظ.

(1) خالد بن سعيد بن العاص بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، ابو سعيد القرشي الأموي.

ابوه سعيد بن العاص، يكنى: ابا احيحة، مات على كفره، و كان أعز من بمكة، و كان شديدا عليه و على المسلمين. و لكن اللّه تعالى يخرج الحي من الميت-

- و هو الذي قال- حين مرضه-: لئن رفعني اللّه من مرضى هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة ببطن مكة أبدا، فقال ابنه خالد عند ذلك: اللهم لا ترفعه. فتوفى في مرضه ذلك (ذكر ذلك الجزري في (أسد الغابة)، و ابن عبد البر في (الاستيعاب) الحاكم في (المستدرك) على الصحيحين- عند ترجمة ابنه خالد).

أم خالد بن سعيد هي لبينة المعروفة بام خالد بنت حباب (أو خباب) بن عبد يا ليل بن ناشب بن غيرة بن معد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة و ذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى (ج 4 ص 94) طبع بيروت سنة 1377 ه‍:

أن إسلامه كان قديما، و كان إسلامه قبل إخوته، و في (الاستيعاب لابن عبد البر)- في ترجمته-: أنه أسلم قديما، يقال بعد أبي بكر فكان ثالثا أو رابعا، و قيل:

كان خامسا، و قال حمزة بن ربيعة: اسلم مع أبي بكر- و هذا القول هو الذي اختاره سيدنا- (رحمه اللّه)- في الأصل.

و ذكر الحاكم في (المستدرك على الصحيحين): أنه أسلم قبل أبي بكر، و في طبقات ابن سعد (ص 96) بسنده عن إبراهيم بن عقبة «قال: سمعت أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص تقول: كان أبي خامسا في الاسلام، قلت: فمن تقدمه؟ قالت: ابن أبي طالب و ابن أبي قحافة و زيد بن حارثة و سعد بن أبي وقاص و أسلم أبي قبل الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة، و هاجر في المرة الثانية و أقام بها بضع عشرة سنة، و ولدت أنا بها، و قدم على النبي (ص) بخيبر سنة سبع، فكلم رسول اللّه (ص) المسلمين فأسهموا لنا، ثمّ رجعنا مع رسول اللّه (ص) الى المدينة و أقمنا، و خرج أبي مع رسول اللّه (ص) في عمرة القضية، و غزا معه الى الفتح هو و عمي- تعني عمرا- و خرجا معه إلى تبوك، و بعث رسول اللّه (ص) أبي عاملا على صدقات اليمن، فتوفي رسول اللّه (ص) و أبي باليمن».

و روى أيضا «عن محمد بن عمر (الواقدي) قال: حدثني جعفر بن محمد-

- ابن خالد عن محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان قال: أقام خالد- بعد أن قدم من أرض الحبشة مع رسول اللّه (ص) بالمدينة، و كان يكتب له، و هو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف، و هو الذي مشى في الصلح بينهم و بين رسول اللّه (ص) ...».

و روى أيضا عن محمد بن عمر (الواقدي) بسنده أنه «توفي رسول اللّه (ص) و خالد بن سعيد عامله على اليمن» و بسنده «توفي رسول اللّه (ص) و خالد بن سعيد عامله على صدقات مذحج».

و كان بدء إسلامه- على ما ذكره ابن سعد في الطبقات (ج 4:- ص 94) عن محمد بن عمر (الواقدي) بسنده قال: كان إسلام خالد بن سعيد قديما و كان أول إخوته أسلم. و كان بدء إسلامه أنه رأى في النوم أنه واقف على شفير النار- فذكر من سعتها ما اللّه به أعلم- و يرى في النوم كأن أباه يدفعه فيها، و يرى رسول اللّه آخذا بحقويه لئلا يقع، ففزع من نومه فقال: أحلف باللّه إن هذه لرؤيا حق، فلقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له، فقال أبو بكر: أريد بك خير، هذا رسول اللّه (ص) فاتبعه فانك ستتبعه و تدخل معه في الإسلام الذي يحجزك من أن تقع فيها، و أبوك واقع فيها، فلقي رسول اللّه (ص) و هو باجياد، فقال:

يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى اللّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، و خلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع و لا يبصر و لا يضر و لا ينفع و لا يدري من عبده ممن لم يعبده. قال خالد: فاني أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أنك رسول اللّه، فسر رسول اللّه باسلامه».

و ذكر مثله الحاكم في المستدرك (ج 3 ص 248) طبع حيدرآباد دكن و زاد قوله: «و أرسل أبوه في طلبه من بقي من ولده ممن لم يسلم، و رافعا مولاه فوجده فاتوا به أباه أبا أحيحة فانبه و بكته و ضربه بصريمة في يده حتى كسرها-

- على رأسه، ثمّ قال: اتبعت محمدا و أنت ترى خلاف قومه و ما جاء به من عيب آلهتهم و عيبه من مضى من آبائهم؟ فقال خالد: قد صدق و اللّه و اتبعته، فغضب أبوه أبو أحيحة و نال منه و شتمه، ثمّ قال: اذهب يا لكع حيث شئت، و اللّه لأمنعنك القوت، فقال خالد: إن منعتني فان اللّه عز و جل يرزقني ما أعيش به، فاخرجه و قال لبنيه لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت به، فانصرف خالد إلى رسول اللّه (ص) فكان يكرمه و يكون معه».

و ذكر ذلك أيضا الذهبي في هامش المستدرك و لكن باختصار للقصة،

و ذكر القصة ابن الأثير الجزري مثل ما ذكره الحاكم في المستدرك (ج 2 ص 82- ص 83) من أسد الغابة، و ابن حجر- في ترجمته- من الإصابة، و لكن باختصار، و ابن عبد البر- في ترجمته- من الاستيعاب.

و روى قصة إسلامه أيضا- كما ذكرنا- السيد علي خان المدني في الدرجات الرفيعة (ص 392) طبع النجف الأشرف سنة 1381 ه‍، كما رواها اكثر أرباب المعاجم باختلاف يسير في بعض الجمل.

هذا ما ذكرناه في سبب إسلامه عن المصادر المذكورة، و لكن ابن عساكر الدمشقي يروي في سبب إسلامه غير ما ذكرنا، فنراه في (ج 5 ص 45 من تهذيب تاريخ دمشق طبع الشام سنة 1332 ه‍) يقول: «و أخرج من طريق الدارقطني و المحاملي عن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: لما كان قبيل مبعث النبي (ص) بينا خالد ابن سعيد ذات ليلة نائم، رأيت ظلمة غشيت مكة حتى لا يبصر امرؤ كفه، فبينما هو كذلك إذا خرج نور، ثمّ علا في السماء فاضاء في البيت، ثمّ أضاءت مكة كلها ثمّ إلى نجد، ثمّ الى يثرب فأضاء حتى أني لأنظر الى البسر في النخل (قال) فاستيقظت فقصصتها على أخي عمرو بن سعيد- و كان جزل الرأي- فقال: يا اخي إن هذا الأمر يكون في بني عبد المطلب. أ لا ترى انه خرج من حفيرة ابيهم، قال خالد-

- فانه لمّا هداني اللّه به للاسلام، قالت أم خالد: فكان أول من أسلم أبي، و ذلك أنه ذكر رؤياه لرسول اللّه (ص)، فقال: يا خالد و أنا- و اللّه- ذلك النور و أنا- و اللّه- رسول اللّه، فقص عليه ما بعثه اللّه به، فاسلم خالد و أسلم عمرو بعده».

ثمّ قال ابن عساكر- بعد أن ذكر الحديث المذكور-: «قال الدار قطني:

هذا حديث غريب من حديث موسى بن عقبة و لم يروه عنه غير محمد بن أبي شملة و هو الواقدي- تفرد به يعقوب بن محمد الزهري عنه، و رواه الحافظ من غير طريق الدار قطني، فأخرجه من طريق ابن سعد بسنده الى صالح بن كيسان عن خالد نفسه، قال: رأيت في النوم- قبل مبعث النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- ظلمة غشيت مكة حتى ما أرى جبلا و لا سهلا، ثمّ رأيت نورا خرج من زمزم مثل ضوء المصباح فلما ارتفع عظم و سطع حتى ارتفع فاضاء لي أول ما أضاء البيت ثمّ عظم الضوء حتى ما بقي من سهل و لا جبل إلا و أنا أراه، ثمّ سطع في السماء، ثمّ انحدر حتى أضاء لي نخل يثرب فيها البسر، و سمعت قائلا يقول في الضوء:

سبحانه سبحانه تمت الكلمة و هلك ابن مارد بهضبة الحصى بين (أذرح) (و الأكمة) سعدت هذه الأمة، جاء النبي الأمين، و بلغ الكتاب أجله، كذبته هذه القرية، تعذب مرتين تتوب في الثالثة، ثلاث بقيت ثنتان بالمشرق و واحدة في المغرب، فقصها خالد على أخيه عمرو بن سعيد فقال: لقد رأيت عجبا. و إني لأرى أن هذا الأمر يكون في بني عبد المطلب إذ رأيت النور خرج من زمزم».

ثمّ روى ابن عساكر في قصة اسلام خالد عن ابن سعد ما ذكرناه عن الطبقات آنفا. و روى أيضا (ص 51) انه كان خالد و هو يقاتل تلك الاعلاج من الروم يقول:

هل فارس كره النزال يعيرني * * * رمحا إذا نزلوا بمرج الصفر

و قال ايضا (ص 47): «... و وهب له عمرو بن معدي كرب الصمصامة و قال حين وهبها له:-

-

خليلي لم أهبه عن قلاة * * * و لكن التواهب للكرام

خليلي لم أخنه و لم يخني * * *كذلك ما خلالي أو تدامي

حبوت به كريما من قريش * * *فسر به و صين عن اللئام»

و قال ابن حجر في الإصابة- في ترجمته-: «... و ثبت في ديوان معدى كرب: أنه مدح خالد بن سعيد بن العاص لما بعثه النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مصدقا عليهم بقصيدة يقول فيها:

فقلت لباغي الخير إن تأت خالدا * * *تسر و ترجع ناعم البال حامدا

و أما إخوته فقد روى الحاكم في (المستدرك: ج 3 ص 250) بسنده عن أحمد بن سيار يقول: «إن خالد بن سعيد بن العاص كان لأبيه سعيد عشرون ابنا و عشرون ابنة»، و لكن المعروف أن له ثمانية أولاد ذكور، مات منهم ثلاثة على الكفر: أحيحة قتل في الجاهلية، و العاص، و عبيدة، قتلا ببدر كافرين، و أسلم خمسة: خالد، و عمرو، و سعيد، و أبان، و الحكم، قتل سعيد مع رسول اللّه (ص) بالطائف، و قتل خالد و عمرو و أبان بالشام، و قتل الحكم يوم بدر شهيدا (و قيل) استشهد باليمامة، و (قيل) استشهد يوم مؤتة. و قال ابن حجر في الاصابة في ترجمته- «كان الحكم يعلم الحكمة».

و أما مقتله فقد استشهد (باجنادين) (28) جمادى الأولى يوم السبت نصف النهار سنة 13 ه‍، و قيل: بل قتل (بمرج الصفر) في المحرم سنة 13 ه‍، أو سنة 14 ه‍ و هو ابن خمسين أو اكثر، على ان اهل التاريخ اختلفوا في وقعة (اجنادين) و (مرج الصفر) ايهما كان قبل. قاله في (اسد الغابة) و غيره.

و يقول ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق (ج 5 ص 51، طبع الشام) «اكثر الروايات على انه قتل بمرج الصفر، و هذا اصح ما قيل في موضع شهادته»

(و اجنادين) بفتح الهمزة و سكون الجيم و فتح النون بعدها الف و كسر الدال-

326

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

327

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

328

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

329

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

330

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

331

فوجدوه قد فتح خيبر، فكتبت تلك عزوة لهم، و أسهموا في الغنيمة.

و شهد خالد مع النبي (ص) الفتح، و غزاة حنين و الطائف و تبوك ثمّ ولّاه رسول اللّه (ص) صدقات اليمن، فكان في عمله ذلك حتى بلغه وفاة رسول اللّه (ص) فترك ما في يده و أتى المدينة و لزم عليا- (عليه السلام)- و لم يبايع أبا بكر حتى أكره أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على البيعة فبايع مكرها.

و روى الصدوق في (الخصال) و الطبرسي في (الاحتجاج) (1).

____________

- المهملة و سكون المثناة التحية بعدها نون، بلفظ الجمع و بلفظ المثنى- موضع بفلسطين كانت فيه الوقعة.

(و مرج الصفر)- بضم الصاد المهملة و تشديد الفاء المفتوحة بعدها راء-:

موضع بنواحي دمشق و حوران (و قيل) هو المعروف اليوم بارض المرج بجهة مرج عذرا.

و اخبار خالد بن سعيد- هذا- كثيرة، انظرها في: طبقات ابن سعد الكبرى و مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري، و الاستيعاب لابن عبد البر القرطبي و الإصابة لابن حجر، و مهذب تاريخ دمشق لابن عساكر، و هامش المستدرك للذهبى، و الاحتجاج للطبرسي، و الدرجات الرفيعة للسيد علي خان المدني- و أسد الغابة لابن الأثير الجزري، و مجالس المؤمنين للقاضي نور اللّه التستري، و اعيان الشيعة لسيدنا الأمين العاملي (ج 29 ص 101- 126) و غيرها من المعاجم.

(1) اللفظ الذي نقله سيدنا- (قدس سره)- للطبرسى في الاحتجاج (ص 41) طبع إيران سنة 1302 ه‍ و مثله ما في الخصال لابن بابويه الصدوق- (رحمه اللّه)- (ج 2 ص 228) طبع إيران سنة 1377 ه‍، إلا أن بينهما اختلافا في بعض الجمل و أورد هذا الاحتجاج- أيضا- البرقي في آخر كتاب رجاله بعنوان: (أسماء المنكرين على أبي بكر) (ص 63) طبع دانشكاه (طهران) سنة 1383 ه‍-

332

باسنادهما: «عن أبان بن تغلب: قال: قلت لأبي عبد اللّه جعفر بن محمد- (عليهما السلام)-: جعلت فداك هل كان أحد من أصحاب رسول اللّه (ص) أنكر على أبى بكر فعله و جلوسه مجلس رسول اللّه (ص)؟ فقال: نعم كان الذي أنكر على أبى بكر اثنى عشر رجلا: من المهاجرين: خالد بن سعيد ابن العاص- و كان من بنى امية- و سلمان الفارسى- رضي اللّه عنه- و ابو ذر الغفاري، و المقداد بن الاسود الكندى، و عمار بن ياسر، و بريدة الاسلمي و من الانصار: أبو الهيثم بن التيهان و سهل و عثمان- ابنا حنيف- و خزيمة ابن ثابت ذو الشهادتين، و أبى بن كعب، و أبو أيوب الانصاري: تشاوروا بينهم فقال بعضهم: لنأتينه و لننزلنه عن منبر رسول اللّه (ص). و قال آخرون منهم لئن فعلتم ذلك اذا و اللّه اعنتم على أنفسكم. فانطلقوا الى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأمرهم أن يذهبوا اليه و يحتجوا عليه بما سمعوا من رسول اللّه (ص) فانطلقوا حتى أحدقوا بمنبر رسول اللّه (ص) و كان يوم الجمعة. فلما صعد أبو بكر المنبر، قال المهاجرون للانصار: تقدموا، فقال الانصار: بل تكلموا أنتم، فان اللّه عز و جل بدأ بكم في القرآن. فقام اليه خالد بن سعيد بن العاص، فقال: اتق اللّه يا أبا بكر، فقد علمت أن رسول اللّه (ص) قال- و نحن محتوشوه-: يا معاشر المهاجرين و الأنصار، إني موصيكم بوصية فاحفظوها، و إني مؤد لكم أمرا فاقبلوه، ألا إن على بن أبي طالب- (عليه السلام)- اميركم بعدي و خليفتي فيكم بذلك أوصاني ربي، ألا و إنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتى و تؤازروه و تنصروه اختلفتم في احكامكم و اضطرب‌

____________

- و ذكره أيضا السيد علي خان المدني في (الدرجات الرفيعة: ص 394) طبع النجف الاشرف سنة 1381 ه‍، و ذكر- أيضا- في أكثر كتب الاحتجاج و التواريخ الشيعية و لكن سيدنا- (قدس سره)- أورد كلام خالد بن سعيد بن العاص- فقط- لأنه المترجم له.

333

عليكم أمر دينكم و وليكم شراركم، ألا إن أهل بيتي هم الوارثون لأمري و القائمون بأمر أمتى من بعدي، اللهم من أطاعهم من امتي و حفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتى و اجعل لهم نصيبا من مرافقتى يدركون به نور الآخرة، اللهم و من أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنة التى عرضها كعرض السماء و الارض. فقال له عمر بن الخطاب: اسكت يا خالد فلست من أهل المشورة و لا ممن يقتدى برأيه. فقال له خالد: بل اسكت أنت يا ابن الخطاب، فانك تنطق عن لسان غيرك. و أيم اللّه، لقد علمت قريش انك من ألأمها حسبا و أدناها منصبا و أخسها قدرا و أخملها ذكرا و أقلها غناء عن اللّه و عن رسوله، و إنك لجبان في الحروب بخيل بالمال، لئيم العنصر، مالك في قريش من فخر و لا في الحروب من ذكر، و إنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان «إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف اللّه رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها و ذلك جزاء الظالمين» قال: فأبلس عمر، و جلس خالد.

ثمّ ذكر- (عليه السلام)- قيام باقي القوم، و بحججهم واحدا بعد واحد حتى انتهى الى آخرهم. قال الصادق- (عليه السلام)-: فأفجم أبو بكر على المنبر فلم يحر جوابا، ثمّ قال: «وليتكم و لست بخيركم أقيلونى، أقيلوني» فقال له عمر: انزل يا لكع إذا كنت لا تقوم بحجج قريش فلم أقمت نفسك هذا المقام؟ و اللّه لقد هممت أن اخلعك و أجعلها في سالم مولى حذيفة.

قال فنزل و أخذ بيده و انطلق الى منزله، و بقوا ثلاثة ايام لا يدخلون مسجد رسول اللّه (ص). فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد و معه ألف رجل فقال لهم: ما جلوسكم فقد طمع فيها- و اللّه- بنو هاشم و جاءهم سالم مولى حذيفة و معه الف رجل، و جاءهم معاذ بن جبل و معه الف رجل. فما زال يجتمع اليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل‌

334

فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بباب مسجد رسول اللّه (ص) فقال عمر: و اللّه يا أصحاب على، لئن ذهب الرجل منكم يتكلّم بالذي تكلم به بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه. فقام اليه خالد ابن سعيد بن العاص، و قال: يا ابن صهاك. الحبشية، أ فبأسيافكم تهددوننا أم بجمعكم تفزعوننا؟ و اللّه إن أسيافنا أحد من أسيافكم، و إنا لأكثر منكم- و إن كنا قليلين- لأن حجة اللّه فينا، و اللّه لو لا أنى أعلم أن طاعة اللّه و رسوله و طاعة إمامي أولى بي، لشهرت سيفي و لجاهدتكم في اللّه إلى أن ابلى عذري فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: اجلس يا خالد، فقد عرف اللّه لك مقامك و شكر لك سعيك ...» (الحديث)

خبّاب بن الأرت التميمي:

أبو عبد اللّه (1) احد السابقين الأولين‌

____________

(1) خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم، هكذا قيل في نسبه كما يقول ابن سعد في الطبقات الكبرى (ج 3- ص 164 طبع بيروت) ناقلا عن محمد بن عمر الواقدي أنه قال:

كذلك يقول ولد خباب ايضا. و يكنى خباب: أبا عبد اللّه، و قيل: ابا محمد، و قيل ابا يحيى.

قال ابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة (ج 1 ص 423) طبع مصر سنة 1328 ه‍: «اختلف في نسبه، فقيل: هو خزاعي، و قيل: هو تميمي، و لم يختلف انه حليف لبني زهرة، و الصحيح انه تميمي النسب، لحقه سباه في الجاهلية فاشترته امراة من خزاعة و أعتقته، و كانت من حلفاء عوف بن عبد عوف بن الحرث بن زهرة، فهو تميمي بالنسب، خزاعي بالولاء، زهري بالحلف ... كان قينا يعمل السيوف في الجاهلية فاصابه سباء فبيع بمكة فاشترته ام انمار بنت سباع الخزاعية و ابوها سباع حليف عوف بن عبد عوف- كما ذكرنا- و قد قيل: هو مولى ثابت بن ام انمار، و قد قيل: بل ام خباب هي ام سباع الخزاعية و لم يلحقه-

335

الذين عذبوا في الدين فصبروا على أذى المشركين. روي: أن قريشا اوقدت له نارا و سحبوه عليها فما أطفأها الا و دك ظهره، و كان أثر النار ظاهرا عليه في جسده. قال ابن عبد البر في (الاستيعاب): «... و كان خباب فاضلا من المهاجرين الأولين شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد مع رسول اللّه (ص) ثمّ نزل الكوفة و مات بها سنة 37 سبع و ثلاثين بعد منصرف علي (عليه السلام) من صفين. و قيل: بل مات سنة تسع و ثلاثين بعد أن شهد مع علي صفين و النهروان، و كان عمره اذ مات ثلاثا و ستين سنة، و صلى عليه علي (ع)

____________

- سباء و لكنه انتمى إلى حلفاء امه بني زهرة. كان فاضلا من المهاجرين الأولين شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد مع النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و كان قديم الإسلام ممن عذب في اللّه و صبر على دينه، و كان رسول اللّه قد آخى بينه و بين تميم مولى خراش بن الصمة (و قيل): بل آخى بينه و بين جبر بن عتيك، و الأول اصح، و اللّه اعلم. نزل الكوفة و مات بها سنه 37 ه‍، منصرف علي (عليه السلام) من صفين (و قيل): بل مات سنة 39 ه‍، بعد ان شهد مع علي: صفين و النهروان و صلى عليه علي بن ابي طالب، و كان سنة إذ مات ثلاثا و ستين سنة، و سأل عمر بن الخطاب خبابا عما لقي من المشركين، فقال: يا امير المؤمنين انظر الى ظهري فنظر فقال: ما رايت كاليوم، قال خباب لقد اوقدت لي نار و سحبت عليها فما اطفأها إلا ودك ظهري»، (الودك: الشحم).

و ذكره ابن الجوزي في (صفوة الصفوة ج 1 ص 168)، طبع حيدرآباد دكن سنة 1355 ه‍.

و عده الشيخ الطوسى في (رجاله) من اصحاب رسول اللّه (ص): (ص 19 رقم 3).

و ترجم له ابن الأثير الجزري في (اسد الغابة ج 2 ص 98) و مما قال:

«... و هو من السابقين الأولين في الإسلام و ممن عذب في اللّه تعالى، كان سادس-

- ستة في الإسلام ... قال الشعبي: إن خبابا صبر (اي على العذاب) و لم يعط الكفار ما سألوا، فجعلوا يلصقون ظهره بالرضف (الحجارة المحماة) حتى ذهب لحم متنه».

و ذكر مثله السيد علي خان المدني في الدرجات الرفيعة (ص 404) طبع النجف الأشرف.

و روى الجزري ايضا عن زيد بن وهب انه قال: «سرنا مع علي حين رجع من صفين حتى إذا كان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا فقال:

ما هذه القبور؟ فقالوا: يا امير المؤمنين، إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك إلى صفين فاوصى ان يدفن في ظاهر الكوفة، و كان الناس إنما يدفنون موتاهم في أفنيتهم و على ابواب دورهم، فلما رأوا خبابا اوصى ان يدفن بالظهر فدفن الناس الى جنبه، فقال علي- رضي اللّه عنه-: رحم اللّه خبابا، اسلم راغبا و هاجر طائعا و عاش مجاهدا، و ابتلى في جسمه، و لن يضيع اللّه أجر من احسن عملا، ثمّ دنا من قبورهم، فقال: السلام عليكم يا اهل الديار من المؤمنين و المسلمين، انتم لنا سلف فارط و نحن لكم تبع عما قليل لاحق، اللهم اغفر لنا و لهم، و تجاوز بعفوك عنا و عنهم طوبى لمن ذكر المعاد، و عمل للحساب، و قنع بالكفاف، و ارضى اللّه عز و جل».

ثمّ قال الجزري (ص 100): «قال ابو عمر: مات خباب سنة 37 ه‍.

بعد ما شهد صفين مع علي- رضي اللّه عنه- و النهروان، و صلى عليه علي، و كان عمره إذ مات ثلاثا و سبعين سنة ... قلت: الصحيح إنه مات سنة 37 ه‍ و إنه لم يشهد صفين، فانه كان مرضه قد طال به فمنعه من شهودها ... و قد أعقب عدة اولاد منهم عبد اللّه، و قتلته الخوارج ايام علي- رضي اللّه عنه- و له رواية عن النبي (ص) ...»

و ذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفين (ص 610) مثل ما رواه الجزري عن زيد بن وهب مما ذكرناه آنفا.-

- و قال الحاكم في المستدرك (ج 3- ص 382): «مات خباب بن الأرت سنة 37 ه‍، و هو اول من قبره علي بالكوفة من اصحاب رسول اللّه (ص) و اول من صلي عليه بعد مرجع امير المؤمنين من صفين».

و روى ابن سعد في الطبقات الكبرى (ج 3 ص 165، طبع بيروت) عن الشعبي قال: «دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب فاجلسه على متكئه و قال:

ما على الارض احد احق بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد، قال له خباب: من هو يا امير المؤمنين؟ قال: بلال (قال): فقال له خباب: يا امير المؤمنين ما هو باحق منى، إن بلالا كان له في المشركين من يمنعه اللّه به و لم يكن لي احد يمنعنى، فلقد رأيتني يوما أخذوني و اوقدوا لي نارا ثمّ سلقوني فيها ثمّ وضع رجل رجله على صدري فما اتقيت الأرض- او قال برد الأرض- إلا بظهري قال: ثمّ كشف عن ظهره، فاذا هو قد برص».

و ذكر مثله الذهبي في (تاريخ الاسلام: ج 2 ص 176) طبع مصر سنة 1368 ه‍ ثمّ روى ابن سعد في الطبقات الكبرى (ص 167) عن محمد بن عمر (الواقدى) بسنده عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل قال: «سألت عبد اللّه بن خباب متى مات أبوك؟ قال: سنة 37 ه‍، و هو يومئذ ابن ثلاث و سبعين سنة، قال محمد ابن عمر (الواقدي): و سمعت من يقول: هو أول من قبره علي بالكوفة و صلى عليه منصرفه من صفين».

ثمّ روى أيضا ابن سعد بسنده «... قال حدثني ابن الخباب قال لي: أي بني إذا أنامت فادفني بهذا (الظهر)، فانك لو قد دفنتني بالظهر، قيل: دفن بالظهر رجل من أصحاب رسول اللّه (ص) فدفن الناس موتاهم، فلما مات خباب- (رحمه اللّه)- دفن بالظهر فكان أول مدفون بظهر الكوفة خباب».

و أما روايات خباب و الراوون عنه، فقد جاء في (الاصابة) لابن حجر-

336

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

337

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

338

روي: أنه وقف على قبره، و قال: رحم اللّه خبابا أسلم راغبا و هاجر طائعا، و عاش مجاهدا و ابتلى في جسمه أحوالا، و لن يضيع اللّه أجر من أحسن عملا (1).

____________

- أنه روى عن النبي (ص)، و في (ذيل المذيل) لوفيات الأعيان تاريخ ابن خلكان لزين الدين العراقى أنه روى عن رسول اللّه (ص) حديثا كثيرا، و في (أسد الغابة) لابن الأثير الجزري أنه روى عنه ابنه عبد اللّه، و مسروق بن الأجدع، و قيس بن حازم، و شقيق و عبد اللّه بن سخبرة، و أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل، و الشعبي، و حارثة بن مضرب و غيرهم، و زاد ابن حجر العسقلاني في (تهذيب التهذيب): أنه روى عنه أبو أمامة الباهلي، و أبو معمر عبد اللّه بن الشخير، و علقمة بن قيس، و أبو وائل، و حارثة ابن مضرب، و أبو الكنود الأزدي، و أبو ليلى الكندي، (قال) و أرسل عنه مجاهد، و الشعبي، و سليمان بن أبي هند.

و خباب: بخاء معجمة مفتوحة و باء موحدة مشددة و الف و باء موحدة، و (الأرت) بهمزة و راء مهملة مفتوحتين و مثناة فوقانية مشددة، و أصل الأرت من في لسانه عقدة و حبسة لا يطاوعه لسانه عند إرادة الكلام فاذا شرع فيه اتصل كلامه و لعل أباه كان كذلك.

و أخبار خباب بن الأرت كثيرة، انظرها في كتب التاريخ و في المعاجم الرجالية.

(1) روى ذلك أبو نعيم الأصفهاني في ترجمته من كتاب (حلية الأولياء) و ابن الأثير الجزري في (أسد الغابة: ج 2 ص 100) و ابن حجر في (الاصابة ج 1 ص 416 بهامشها الاستيعاب) و قال: «روى الطبراني من طريق زيد بن وهب قال: لما رجع علي- (عليه السلام)- من صفين مر بقبر خباب فقال ...» ثمّ أورد الحديث المذكور. و روى ذلك أيضا نصر بن مزاحم في كتاب (وقعة صفين) ص 610، طبع مصر سنة 1365 ه‍، عن عبد الرحمن بن جندب.

339

و فيه و في سلمان و أبي ذر (1) و عمار أنزل اللّه تعالى: «و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه» (2) و ذلك: إن المؤلفة قلوبهم جاءوا الى رسول اللّه (ص) و فيهم عيينة بن حصين و الاقرع بن حابس، فقالوا: ان نحيت عنا هؤلاء- و كانت عليهم جباب الصوف- جلسنا نحن اليك و أخذنا عنك فلا يمنعنا من الدخول عليك الا هؤلاء، فنزلت هذه الآية، فكان رسول اللّه (ص) يجلس و يجلسون معه حتى اذا أراد أن يقوم، قام و تركهم، فأنزل اللّه تعالى: «وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» الآية. فلما نزلت قام رسول اللّه (ص) يلتمسهم فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون اللّه عز و جل، فقال: الحمد للّه الذي لم يمتنى حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتى، معكم المحيا و معكم الممات. و كان رسول اللّه (ص) يقعد معهم حتى كادت ركبهم‌

____________

(1) تقدمت ترجمة أبي ذر جندب بن جنادة ص 143 من هذا الجزء، و كان قد ذكر سيدنا- (قدس سره)- أنه «كان بينه و بين عثمان مشاجرة في مسألة من مسائل الزكاة فتحا كما عند رسول اللّه (ص) فحكم لأبي ذر على عثمان» و قد فاتنا ذكر صورة المخاصمة في التعليق، و هي: «في صحيحة زرارة: و قد خاصمه عثمان بن عفان الخليفة في زكاة التجارة حيث قال ابو ذر: لا تجب إلا أن يكون المال كنزا و قال عثمان: تجب مطلقا. فتحا كما عند رسول اللّه (ص)، فقال (ص): القول ما قال أبو ذر» و قد ذكر هذه المحاكمة المولى أحمد الأردبيلي في (مجمع الفوائد) شرح الارشاد في المطلب الرابع فيما يستحب فيه الزكاة من كتاب الزكاة، طبع ايران سنة 1272 ه‍، فراجعها.

(2) أنظر تفسير: (مجمع البيان) للطبرسي في سورة الأنعام (ج 4 ص 305) طبع إيران (إسلامية) سنة 1380 ه‍، و انظر أيضا: كتاب (أسباب النزول) للواحدي النيسابوري في سورة الأنعام (ص 162 و 163) طبع مصر سنة 1315 ه‍.

340

تمس ركبتيه. فاذا بلغ الساعة التى يقوم فيها قاموا عنه و تركوه حتى يقوم.

روى ذلك الطبرسي (ره) في مجمع البيان (1).

و قال اليافعي في تأريخه: «و فضائل صهيب و سلمان و أبى ذر و خبّاب لا يحيط بها كتاب» (2).

خزيمة ذو الشهادتين:

أبو عمارة من كبار الصحابة، شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد، و هو من السابقين الأولين الذين رجعوا الى امير المؤمنين (عليه السلام) (3).

و ممن شهد له في (الرحبة) بحديث الغدير (4) و هو أحد الاثنى عشر‌

____________

(1) راجع: تفسير (مجمع البيان) للطبرسي في سورة البقرة (ج 6- ص 465) طبع إيران (إسلامية) سنة 1380 ه‍، و قد أطبق المفسرون على نزول هذه الآيات في خباب و أصحابه المذكورين.

(2) إن أراد سيدنا- (قدس سره)- بتاريخ اليافعي المعروف ب‍ (مرآة الجنان) الذي طبع أخيرا بحيدرآباد دكن سنة 1334 ه‍، فانا لم نجد هذه الجملة فيه- رغم التتبع في أجزائه الأربعة- و لم يذكر المترجمون لليافعي تاريخا غيره.

(3) قال العلامة الحلي- (رحمه اللّه)- في (الخلاصة: ص 66 برقم 3) في لقسم الأول، طبع النجف الأشرف: «خزيمة- بضم الخاء و فتح الزاي- ابن ثابت من السابقين الذين رجعوا الى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قاله الفضل بن شاذان» و ذكر الكشي في (رجاله- في ترجمة أبي أيوب الانصاري- ص 40) جماعة من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- وعد منهم: خزيمة بن ثابت الانصاري، و مثله ذكر السيد علي خان المدني في (الدرجات الرفيعة: ص 310) طبع النجف الأشرف، ناسبا ذلك الى الفضل بن شاذان.

(4) مر عليك آنفا (ص 321) أسماء الذين شهدوا لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- بالرحبة، و هم قرابة ثلاثين رجلا من الصحابة، و منهم خزيمة، و انظر: رجال الكشى-

- أيضا (ص 46) طبع النجف الأشرف في ضمن ترجمة البراء بن عازب.

و خزيمة- هذا- هو ابن ثابت بن الفاكة بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن غيان ابن عامر بن خطمة، و اسم خطمة عبد اللّه بن جشم بن مالك بن الأوس. و أم خزيمة كبيشة بنت أوس بن عدي بن أمية بن عامر بن خطمة، فولد خزيمة بن ثابت:

عبد اللّه، و عبد الرحمن، و أمهما جملة بنت زيد بن خالد بن مالك من بني قوفل، و عمارة بن خزيمة، و أمه صفية بنت عامر بن طعمة بن زيد الخطمي.

و كان خزيمة بن ثابت و عمير بن عدي بن خرشة يكسران أصنام بني خطمة و خزيمة بن ثابت هو ذو الشهادتين.

و روى ابن سعد (كاتب الواقدي) في الطبقات الكبرى (ج 4 ص 380) طبع بيروت بسنده: «عن الزهري عن عمارة بن خزيمة عن عمه: أن خزيمة بن ثابت رأى فيما رأى النائم كأنه يسجد على جبهة النبي (ص) فأخبر النبي (ص) فاضطجع له و قال: صدق رؤياك، فسجد على جبهته».

و روى أيضا مثله بسنده عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، و ذكر نحوه الحاكم بسنده في (المستدرك ج 3 ص 99) طبع حيدرآباد دكن، و ابن حجر في (تهذيب التهذيب: ج 3 ص 141) طبع حيدرآباد دكن. ثمّ قال ابن سعد (ص 381):

«قال محمد بن عمر (أي الواقدي): و كان راية بني خطمة مع خزيمة بن ثابت في غزوة الفتح، و شهد خزيمة بن ثابت (صفين) مع علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- و قتل يومئذ سنة 37 ه‍، و له عقب، و كان يكنى أبا عمارة».

و قال ابن عساكر الدمشقي في (تهذيب تاريخ دمشق: ج 5 ص 132) طبع الشام سنة 1332 ه‍ أنه «شهد مع النبي (ص) أحدا و ما بعدها، و شهد غزوة الفتح و كان يحمل راية بني خطمة، و شهد غزوة موتة» و قال (ص 134): «... و قال محمد بن عمارة بن خزيمة: ما زال جدي كافا سلاحه يوم الجمل حتى قتل عمار-

- بصفين، فسل سيفه فقاتل حتى قتل، و قال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول:

يقتل عمارا الفئة الباغية (و في رواية) أنه قال- يوم قتل عمار- قد بانت لي الضلالة»

و ذكر مثله ابن عبد البر في (الاستيعاب) بهامش الإصابة (ج 1 ص 418) و الجزري في (أسد الغابة ج 2 ص 114)، و ابن حجر في (تهذيب التهذيب: ج 3 ص 140) طبع حيدرآباد دكن.

و من هذه الروايات يفهم: أن خزيمة كان كافا عن القتال حتى قتل عمار، و لكن ذكر المسعودي في (مروج الذهب)- عند ذكر حرب الجمل-: «و لحق بعلي من أهل المدينة جماعة من الأنصار فيهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين». فهل لحوقه بعلي- (عليه السلام)- ليشيم سيفه و يكون من المتفرجين كما يقول من قال: «إنه لم يقاتل حتى قتل عمار بصفين»؟

ثمّ قال المسعودي- في صفة دخول علي- (عليه السلام)- البصرة- بسنده عن ابن المنذر بن الجارود- بعد ما ذكر جماعة:- «ثمّ تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء و ثياب بيض، متقلدا سيفا متنكبا قوسا معه راية، على فرس أشقر، في نحو الف فارس، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين» ثمّ قال- عند أخذ علي- (عليه السلام)- الراية من ابنه محمد ابن الحنفية-: «و جاء ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت الى علي فقال: يا أمير المؤمنين، لا تنكس اليوم رأس محمد و اردد اليه الراية، فدعا به وردها عليه».

كما أن ابن أبي الحديد المعتزلي في (شرح نهج البلاغة: ج 1 ص 48) طبع مصر سنة 1329 ه‍ ذكر لخزيمة بن ثابت أشعارا قالها يوم الجمل، منها قوله:

ليس بين الأنصار في جمجمة الحر * * * ب و بين العداة إلا الطعان

و قراع الكماة بالقضب البي‍ * * *ض إذا ما يحطم المرّان

فادعها تستجب فليس من الخز * * *رج و الأوس يا علي جبان

-

يا وصي النبي قد أجلت الحر * * * ب الأعادى و سارت الأظعان

و استقامت لك الأمور سوى الشا * * *م و في الشام يظهر الإذعان

حسبهم ما رأوا و حسبك منا * * *هكذا نحن حيث كنا و كانوا

و قوله مخاطبا عائشة:

أ عايش خلي عن علي و عيبه * * * بما ليس فيه إنما أنت والد

وصي رسول اللّه من دون أهله * * *و أنت على ما كان من ذاك شاهده

و حسبك منه بعض ما تعلمينه * * *و يكفيك لو لم تعلمي غير واحده

إذا قيل ما ذا عبت منه رميته * * *بخذل بن عفان و ما تلك آيده

و ليس سماء اللّه قاطرة دما * * *لذاك و ما الأرض الفضاء بمائدة

و من المتواتر: أن خزيمة بن ثابت ممن شهد صفين و قتل في الحرب، لا يختلف في ذلك احد، قال ابن أبى الحديد المعتزلي في (شرح نهج البلاغة ج 2 ص 539) طبع مصر سنة 1329 ه‍- بعد ان ترجم لخزيمة بن ثابت- ما هذا نصه: «... قلت:

و من غريب ما وقعت عليه من العصبية القبيحة أن أبا حيان التوحيدي قال في (كتاب البصائر): إن خزيمة بن ثابت المقتول مع علي- (عليه السلام)- بصفين، ليس هو خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين بل آخر من الأنصار، اسمه خزيمة بن ثابت (و هذا خطأ) لأن كتب الحديث و النسب تنطق بانه لم يكن في الصحابة من الانصار و لا من غير الانصار خزيمة بن ثابت إلا ذو الشهادتين، و إنما الهوى لا دواء له، على أن الطبري- صاحب التاريخ- قد سبق أبا حيان بهذا القول، و من كتابه نقل أبو حيان، و الكتب الموضوعة لأسماء الصحابة تشهد بخلاف ما ذكراه، ثمّ اي حاجة لناصري أمير المؤمنين أن يتكثروا بخزيمة و أبي الهيثم و عمار و غيرهم، و لو انصف الناس هذا الرجل و رأوه بالعين الصحيحة لعلموا أنه لو كان وحده و حاربه الناس كلهم أجمعون، لكان على الحق و كانوا على الباطل».-

- و ابن حجر في (الاصابة)- بعد ما ذكر خزيمة بن ثابت بن الفاكة المترجم له- ذكر ترجمة ثانية، فقال: «خزيمة بن ثابت الأنصاري آخر، روى ابن عساكر في تاريخه- من طريق الحكم بن عيينة: أنه قيل له: أشهد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين الجمل؟ فقال: لا، ذاك خزيمة بن ثابت آخر، و ماث ذو الشهادتين في زمن عثمان، هكذا اورده من طريق سيف صاحب الفتوح عن محمد بن عبيد اللّه عن الحكم، و قد وهاه الخطيب في (الموضح): و قال: أجمع علماء السير أن ذا الشهادتين قتل بصفين مع علي، و ليس سيف بحجة إذا خالف (قلت) لا ذنب لسيف، بل الآفة من شيخه و هو العرزمي، نعم أخرج سيف ايضا في (قصة الجمل) عن محمد ابن طلحة: أن عليا خطب بالمدينة لما أراد الخروج الى العراق- فذكر الخطبة- قال: فأجابه رجلان من أعلام الانصار: ابو الهيثم بن التيهان و هو بدري، و خزيمة ابن ثابت، و ليس بذي الشهادتين، و مات ذو الشهادتين في زمن عثمان، و جزم الخطيب بأنه ليس في الصحابة من يسمى خزيمة و اسم أبيه ثابت سوى ذى الشهادتين»

و أورد ابن أبي الحديد المعتزلي في (ج 2 ص 280 من شرح النهج) أبياتا لضبيعة بنت خزيمة ابن ثابت ذى الشهادتين ترثى بها أباها، تقول:

عين جودي على خزيمة بالدم‍ * * *ع قتيل الأحزاب يوم الفرات

قتلوا ذا الشهادتين عتوا * * *أدرك اللّه منهم بالترات

قتلوه في فتية غير عزل * * *يسرعون الركوب في الدعوات

نصروا السيد الموفق ذا العد * * *ل و دانوا بذاك حتى الممات

لعن اللّه معشرا قتلوه * * *و رماهم بالخزي و الآفات

و روى لخزيمة بن ثابت أشعارا كثيرة، كل من نصر بن مزاحم في (كتاب صفين) و الحاكم النيسابوري في (المستدرك) و المرزباني في (النبذة المختارة من شعراء الشيعة) و ابن شهرآشوب في (المناقب) و البيهقي في (المحاسن و المساوى)-

341

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

342

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

343

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

344

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

345

الذين انكروا على ابي بكر. شهد صفين مع امير المؤمنين- (عليه السلام)- و استشهد- يومئذ- بعد عمار.

و لتسميته بذي الشهادتين قصة معروفة. و هي: ان النبي (ص) اشترى فرسا من اعرابي فأنكر الأعرابي بيعه، و قال: هلم من يشهد- و لم يحضر شراءه احد- فشهد خزيمة و أمضى رسول اللّه (ص) شهادته، و اقامها مقام اثنتين، فلقب بذي الشهادتين، و قال له رسول اللّه (ص): كيف شهدت بما لم تحضر؟ قال: صدقناك يا رسول اللّه (ص) في خبر السماء و لا نصدقك في خبر الارض؟ (1).

____________

- ذكرها سيدنا الحجة المحسن الأمين العاملي في ترجمته من (اعيان الشيعة: ج 29 ص 242- 245) فراجعها.

يروي خزيمة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و يروي عنه ابنه عمارة، و جابر بن عبد اللّه الانصاري، و عمارة بن عثمان بن حنيف، و عمرو بن ميمون الأودي، و إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، و أبو عبد اللّه الجدلي، و عبد اللّه بن يزيد الخطمي- على اختلاف فيه- و عبد الرحمن بن ابي ليلى، و عطاء بن يسار، و غيرهم ذكر ذلك ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمته، و ذكر الشيخ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقى المتوفي سنة 806 ه‍ في ذيل المذيل لوفيات الأعيان لابن خلكان (ص 52) انه روى عن رسول اللّه (ص) احاديث، ثمّ ذكرها.

(1) انظر القصة في (طبقات ابن سعد الكبرى: ج 4 ص 379) طبع بيروت، و في (اسد الغابة: ج 2 ص 114)، و في (الاصابة: ج 1 ص 425) و في الدرجات الرفيعة للسيد علي خان المدني (ص 310) طبع النجف الأشرف نقلا عن ربيع الأبرار للزمخشري (مخطوط) و عن كتاب الأذكياء لابن الجوزي و قد ذكرها ابن الجوزى في الكتاب المذكور- الباب الثامن- ص 22- ص 23، طبع مصر سنة 1306 ه‍ و ذكرها ايضا: ابن عساكر الدمشقي في (تهذيب تاريخ دمشق: ج 5 ص 133)-

346

و في حديث الاثني عشر الذين احتجوا على ابي بكر و اصحابه، قال خزيمة: أ لستم تعلمون ان رسول اللّه (ص) قبل شهادتي- وحدي- و لم يرد معي غيري؟ قالوا بلى، قال: فأشهد انى سمعت من رسول اللّه (ص) يقول اهل بيتي يفرقون بين الحق و الباطل، و هم الائمة الذين يقتدى بهم و قد قلت ما سمعت، و ما على الرسول الا البلاغ المبين» (1).

____________

- طبع الشام سنة 1332، و بعض هؤلاء روى القصة بلفظ: «... فقال له: ما حملك على الشهادة و لم تكن معنا حاضرا؟ فقال: صدقت بما جئت به و علمت انك لا تقول إلا حقا».

(1) راجع في تفصيل هذا الحديث: تعليقتنا (ج 1 ص 466- ص 470) في ترجمة ابي بن كعب.

347

باب الزاى

زكريا بن إدريس بن عبد اللّه بن سعد الأشعري

. لم يذكره الشيخ في الرجال، و لا نص عليه النجاشي في ترجمته بتوثيق و لا مدح، لكن العلامة ذكر في (الخلاصة): أنه كان وجها (1) و الظاهر أنه أخذه من كلام النجاشي- (رحمه اللّه)- في ترجمة أبيه إدريس بن عبد اللّه، حيث قال:

«إدريس بن عبد اللّه بن سعد الأشعري، ثقة له كتاب، و أبو جرير القمى هو زكريا بن إدريس هذا، و كان وجها له كتاب، روى عنه محمد بن الحسن بن أبى خالد» (2) و هو مع عدم صراحته في التوثيق (3) ليس نصا في رجوعه إلى الابن (4).

____________

(1) و قد ذكره في القسم الأول من كتابه الذي أعده للذين يعتمد عليهم و يترجح عنده قبول قولهم، كما ذكر في مقدمته راجع (الخلاصة: ص 76 برقم 8) طبع النجف الأشرف.

(2) راجع: (رجال النجاشي: ص 81) طبع إيران.

(3) لأن بعض علماء الرجال جعلوا كلمة (وجه) تفيد المدح لا التوثيق فهي- إذن- ليست صريحة في التوثيق.

(4) بل الظاهر رجوع ضمير (كان) إلى الأب و هو (إدريس) لأنه صاحب العنوان و المترجم له في عبارة النجاشي و ذكر النحاة: أنه إذا دار الأمر بين رجوع الضمير الى البعيد أو القريب، فالرجوع الى القريب أولى، فاذن ليس نصا في الرجوع الى الابن و هو (زكريا)، فلاحظ.-

348

زياد بن مروان القندي الانباري (1)

مولى بني هاشم، يكنى: أبا الفضل، و قيل: أبا عبد اللّه من أصحاب الصادق و الكاظم- (عليهما السلام)- كثير الرواية، له كتاب، روى عنه ابراهيم بن هاشم و أحمد بن أبي عبد اللّه‌

____________

- و زكريا بن إدريس- هذا- ذكره الشيخ الطوسي- (رحمه اللّه)- في رجاله:

تارة من أصحاب الصادق- (عليه السلام)- (ص 200) برقم (72) طبع النجف الاشرف، و أخرى من أصحاب الرضا- (عليه السلام)- (ص 377، برقم (2) و ذكره أيضا في (الفهرست ص 99 برقم (311) طبع النجف الأشرف، و ترجم له النجاشي أيضا في (رجاله: ص 131) طبع إيران، و سمى جده سعيدا بالياء المثناة التحتانية بعد العين المهملة. و الصحيح (سعد) بغير ياء لأن كل من نقل عن رجال النجاشي من أرباب المعاجم ذكروه بغير ياء، و النسخة المطبوعة من رجال النجاشي كثيرة الأغلاط، فلاحظ.

و ترجم له أيضا ابن داود في (رجاله) و السيد مصطفى التفريشي في (نقد الرجال) و الاسترآبادي في (منهج المقال) و أبو علي الحائري في (منتهى المقال) و القهپائي في (مجمع الرجال) و جعله المجلسى الثاني في (الوجيزة) ممدوحا، كما أن المحقق البحراني في (بلغة المحدثين) جعله ممدوحا و وجيها، و غير هؤلاء من أرباب المعاجم.

يروي عن محمد بن خالد البرقي- كما في فهرست الشيخ الطوسي، و رجال النجاشي، و (جامع المقال) للشيخ فخر الدين الطريحي- و زاد تلميذه الشيخ محمد أمين الكاظمي في (هداية المحدثين): رواية صفوان بن يحيى، و إبراهيم بن هاشم و عبد اللّه بن المغيرة الثقة، و عبد اللّه بن سنان، و محمد بن حمزة بن اليسع، و محمد ابن أبي عمير، عنه.

(1) بفتح القاف ثمّ النون و الدال المهملة بعدها الياء، ذكره الشيخ في رجاله (منه (قدس سره))

349

و أحمد بن محمد بن عيسى و الحسين بن محمد بن عمران و عبد الرحمن بن حماد و على بن الحكم و علي بن سليمان و محمد بن أبي عمير و محمد بن اسماعيل الزعفراني و محمد بن عيسى بن عبيد و يعقوب بن يزيد و يونس بن عبد الرحمن وعده المفيد في (الارشاد) من خاصة الكاظم- (عليه السلام)- و ثقاته و من أهل الورع و الفقه من شيعته و ممن روى النص عنه على الرضا (عليه السلام) (1).

و في حديث الاتمام في المواطن الاربعة عنه «قال أبو الحسن (عليه السلام): يا زياد أحب لك ما أحب لنفسي و اكره لك ما اكره لنفسى.» (2)

و المشهور أنه واقفي، قاله الشيخان (3)

____________

(1) راجع: (الارشاد) باب: ذكر الامام القائم بعد أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- فصل: فيمن روى النص على الرضا- (عليه السلام)-.

(2) الحديث رواه الشيخ الطوسى- (رحمه اللّه)- في (الاستبصار: ج 2 ص 335) طبع النجف الاشرف سنة 1375 ه‍، بسنده «عن زياد القندي قال: قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: يا زياد أحب لك ما احب لنفسي، و أكره لك ما أكره لنفسي، أتم الصلاة في الحرمين و بالكوفة و عند قبر الحسين بن علي- (عليهما السلام)».

و الحكم في تقصير المسافر للصلاة و إتمامها في هذه المواطن الأربعة على أقوال:

وجوب الإتمام، و وجوب التقصير، و التخيير بينهما، و أفضلية الإتمام، و أفضلية التقصير لكن المشهور بين القدماء و المتأخرين: التخيير و أفضلية الإتمام قال الشيخ في (الجواهر: ج 14 ص 329)، طبع النجف الاشرف- تعليقا على قول المحقق- (رحمه اللّه)- (... فانه مخير و الإتمام أفضل): «على المشهور بين الأصحاب نقلا عن المختلف و المصابيح و غيرهما، و تحصيلا، بل في ظاهر الروض، و عن التذكرة و الذكرى، و في صريح السرائر، و عن الخلاف الإجماع عليه، بل في الوسائل:

لأنه مذهب جميع الإمامية أو أكثرهم، و خلاف الصدوق شاذ نادر ...»

(3) الشيخان: هما الشيخ النجاشي، و الشيخ الطوسي- رحمهما اللّه- فقد ذكر-

350

و الكليني، و الصدوق (1) و حكى الكشي عن حمدويه عن الحسن بن موسى أنه احد اركان الوقف (2).

و قال العلامة- بعد ما حكم عليه بالوقف و حكاه عن غيره-: «و بالجملة هو عندى مردود الرواية» (3).

و في الوجيزة: «انه موثق» (4) جمعا بين الوقف و التوثيق. و عزاه في (البلغة) الى المشهور، و لم يثبت.

و يشكل التوثيق بأن المنقول عنه: أنه سمع النص و أظهره، ثمّ خالفه و انكره، و هذا لا يجتمع مع الوثاقة. قال الصدوق في (العيون): حدثنا أبي- رضي اللّه عنه- قال حدثنا سعد بن عبد اللّه عن محمد بن عيسى بن عبيد عن زياد بن مروان القندى قال: دخلت على ابي ابراهيم- (عليه السلام)-

____________

- ذلك النجاشي في (رجاله: ص 129) طبع طهران، و الشيخ الطوسي في (رجاله في باب أصحاب الكاظم- (عليه السلام)- ص 350، برقم (3) طبع النجف الأشرف)

(1) أما الكليني فقد ذكر وقفه في (أصول الكافي: ج 1 ص 312) في كتاب الحجة: باب النص على أبي الحسن الرضا- (عليه السلام)- طبع طهران الجديد سنة 1381 ه‍.

و أما الصدوق فقد ذكر وقفه في كتابه (عيون أخبار الرضا) في باب نص أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- على ابنه الرضا- (عليه السلام)-: ج 1 ص 31، الحديث ال‍ (25) طبع النجف الاشرف، و قد ذكر الحديث سيدنا- (قدس سره)- في الأصل عن كتاب العيون للصدوق- (رحمه اللّه)-.

(2) راجع: رجال الكشي (ص 396، برقم 333) طبع النجف الاشرف.

(3) راجع: رجال العلامة (الخلاصة ص 223) برقم (3) طبع النجف الاشرف.

(4) راجع: الوجيزة للمجلسي الثاني الملحقة بكتاب الخلاصة ص 153 طبع إيران.

351

و عنده علي ابنه- (عليه السلام)- فقال لي: يا زياد، هذا كتابه كتابي و كلامه كلامي و رسوله رسولي و ما قال فالقول قوله».

ثمّ قال: «قال مصنف هذا الكتاب: إن زياد بن مروان روى هذا الحديث، ثمّ أنكره بعد مضي موسى- (عليه السلام)- و قال بالوقف و حبس ما كان عنده من مال موسى بن جعفر- (عليه السلام)(1).

و روى الكليني: عن أحمد بن مهران عن محمد بن علي عن زياد بن مروان: مثله (2). و الطريق اليه في (العيون) صحيح، إذ ليس فيه من يتوقف في شأنه سوى العبيدى. و الأصح توثيقه (3).

و روى الكشى: «عن محمد بن اسماعيل عن ابن أبي سعيد الزيات قال: كنت مع زياد بن مروان القندي حاجا، و لم نكن نفترق- ليلا‌

____________

(1) ذكرنا- آنفا- أن الصدوق- (رحمه اللّه)- ذكر الحديث في (عيون أخبار الرضا: ص 31) طبع النجف الاشرف. باب: النص من موسى بن جعر على ابنه الرضا- (عليهما السلام)-.

(2) راجع: اصول الكافي: باب الاشارة و النص على أبي الحسن الرضا (ع) و نص الحديث: «أحمد بن مهران عن محمد بن علي عن زياد بن مروان القندي- و كان من الواقفة- قال: دخلت على أبي ابراهيم- و عنده ابنه أبو الحسن (ع)- فقال لي: يا زياد، هذا ابني فلان، كتابه كتابي، و كلامه كلامي، و رسوله رسولي و ما قاله فالقول قوله».

(3) العبيدي- الذي وقع في طريق الحديث في (العيون)-: هو محمد بن عيسى بن عبيد. و قد وثقه النجاشي- في ترجمته-: ص 256 طبع إيران. و قال:

«ثقة، عين، كثير الرواية، حسن التصانيف، روى عن أبي جعفر الثاني- (عليه السلام)- مكاتبة و مشافهة» و وثقه المجلسي في (الوجيزة) و قال العلامة في (الخلاصة):

«و الأقوى عندي قبول روايته».

352

و لا نهارا- في طريق مكة و بمكة و في الطواف. ثمّ قصدته ذات ليلة فلم أره حتى طلع الفجر، فقلت له: غمني إبطاؤك، فأي شي‌ء كانت الحال؟ قال: ما زلت بالأبطح مع أبي الحسن- يعني: أبا إبراهيم (ع) و علي ابنه على يمينه، فقال: يا أبا الفضل- أو يا زياد- هذا ابني علي قوله قولي، و فعله فعلي، فان كانت لك حاجة، فأنزلها به، و اقبل قوله فانه لا يقول على اللّه إلا الحق. قال ابن أبي سعيد: فمكثنا- ما شاء اللّه- حتى حدث من أمر (البرامكة) ما حدث (1) فكتب زياد إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا- (عليه السلام)- يسأله عن ظهور هذا الحديث او الاستتار فكتب اليه أبو الحسن- (عليه السلام)-: أظهر. فلا بأس عليك منهم.

فأظهر زياد. فلما حدث الحديث، قلت له: يا أبا الفضل، أي شي‌ء يعدل بهذا الأمر؟ فقال لي: ليس هذا أوان الكلام فيه. قال: فلما ألححت عليه بالكلام في الكوفة و بغداد، و كل ذلك يقول لي مثل ذلك، الى أن قال لي- في آخر كلامه-: ويحك، فتبطل هذه الاحاديث التي رويناها» (2).

و روى الشيخ في (كتاب الغيبة): «عن ابن عقدة عن على بن الحسن‌

____________

(1) و هم أولاد خالد بن برمك و احفاده. و لما تولى الرشيد الخلافة سنة 170 ه‍ قرب البرامكة و استوزرهم، و زوج أخته العباسة لجعفر بن يحيى بن خالد البرمكي و بلغ بالبرامكة الطغيان و السيطرة بحيث كان الناس يرجونهم و يخشونه اكثر من الرشيد- نفسه- الأمر الذي حدا بالرشيد أن يقوض سيطرتهم، فقتل وزيره و صهره جعفر سنة 187 ه‍، و بعده قبض على عامة البرامكة فسجنهم و ضيق عليهم حتى ماتوا. فمدة سيطرة (البرامكة) ما بين استخلاف الرشيد، و قتل جعفر، و هي قرابة الثمانية عشرة سنة (عن عامة كتب التاريخ).

(2) راجع: رجال الكشي: ص 396 رقم 333 طبع النجف الاشرف

353

ابن فضال عن محمد بن عمر بن يزيد و علي بن أسباط- جميعا- قالا: قال لنا عثمان بن عيسى الرواسي: حدثنى زياد القندى و ابن مسكان قالا: كنا عند أبي ابراهيم- (عليه السلام)- اذ قال: يدخل عليكم- الساعة- خير أهل الارض، فدخل أبو الحسن الرضا- (عليه السلام)- و هو صبي فقلنا: هذا خير اهل الارض؟ ثمّ دنا فضمه اليه، فقبله، و قال: يا بني تدري ما قال ذان؟ قال: نعم يا سيدى، هذان يشكان في. قال علي بن أسباط: فحدثت بهذا الحديث الحسن بن محبوب، فقال: بتر الحديث لا و لكن حدثني على بن رئاب: ان أبا ابراهيم- (عليه السلام)- قال لهما إن جحدتماه حقه أو خنتماه فعليكما لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، يا زياد لا تنجب أنت و أصحابك أبدا. قال علي بن رئاب: فلقيت زياد القندي فقلت له: بلغني أن أبا ابراهيم (ع) قال لك كذا و كذا. فقال: أحسبك قد خولطت، فمرّ و تركني فلم أكلمه و لا مررت به. قال الحسن بن محبوب: فلم نزل نتوقع لزياد دعوة أبي ابراهيم- (عليه السلام)- حتى ظهر منه أيام الرضا- (عليه السلام)- ما ظهر، و مات زنديقا» (1).

و في هذه الروايات دلالة واضحة على جحده للنص الصريح و معاندته للحق الصحيح، و كذبه في الرواية و موته على الزندقة، و الرواية الاخيرة معتبرة الاسناد كالاولى، فان الطريق الى ابن محبوب موثق، و الظاهر:

أن الشيخ أخذها من (كتاب ابن عقدة) كما يظهر من كلامه في (الفهرست) في ترجمته. (2)

____________

(1) انظر: كتاب الغيبة للشيخ الطوسى- (رحمه اللّه)- (ص 45) طبع النجف الاشرف سنة 1385 ه‍.

(2) قال- في ص 52 رقم 86 في أثناء ترجمة- احمد بن محمد بن سعيد بن عقدة-: «... اخبرنا بنسبه احمد بن عبدون عن محمد بن احمد بن الجنيد و امره في الثقة و الجلالة و عظم الحفظ اشهر من ان يذكر ...».

354

و ايضا فالتوثيق إنما يجتمع مع فساد المذهب لو كان السبب فيه اعتراض الشبهة، و المعروف في سبب وقف زياد و أضرابه من رؤساء الواقفة خلاف ذلك: قال الشيخ (في كتاب الغيبة): «روى الثقات أن أول من أظهر الوقف علي بن أبي حمزة البطائنى و زياد بن مروان القندي و عثمان ابن عيسى الرواسى طمعوا في الدنيا و مالوا الى حطامها و استمالوا قوما فبذلوا لهم شيئا مما اختانوه من الأموال، نحو حمزة بن بزيع و ابن المكاري و كرام الخثعمي، و أمثالهم» (1).

و روى الكليني و الكشى في (كتابيهما) (2) و الشيخ في الكتاب المذكور (3) و الصدوق (في العيون)- في باب السبب الذى من أجله قيل بالوقف- بأسانيدهم:

«عن يونس بن عبد الرحمن قال: مات ابو ابراهيم و ليس من قوّامه احد الا و عنده المال الكثير و كان ذلك سبب وقفهم و جحدهم موته طمعا في المال، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون الف دينار، و عند علي بن أبي حمزة ثلاثون الف دينار، فلما رأيت ذلك و تبينت الحق و عرفت من أمر أبي الحسن- (عليه السلام)- ما علمت تكلمت و دعوت الناس اليه فبعثا اليّ و قالا: (ما يدعوك الى هذا؟ إن كنت تريد المال فنحن نغنيك) و ضمنا لي عشرة آلاف دينار، و قالا: كف فأبيت و قلت لهما: إنا روينا عن الصادقين- (عليهم السلام)- انهم قالوا: اذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه فان لم يفعل سلب نور الايمان. و ما كنت لأدع الجهاد و أمر‌

____________

(1) انظر: كتاب الغيبة للشيخ الطوسى- (رحمه اللّه)- (ص 42) طبع النجف الأشرف.

(2) ذكره الكشى في رجاله (ص 416) طبع النجف الاشرف.

(3) يعنى: كتاب الغيبة، نقله الشيخ عن الكليني، و رواه الصدوق في كتاب (عيون اخبار الرضا: ج 1 ص 113) طبع ايران سنة 1377 ه‍