المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
451

مفرده، لا شموله لكلّ ما ينطبق عليه لفظ العام و كم فرق بينهما فإنّ العام لا ينطبق إلّا على ثلاثة، ثلاثة، و مفرده ينطبق على كلّ واحد واحد.

و لأجل ذلك عدل المحقّق البروجردي إلى تعريف آخر و قال كون اللفظ بحيث يشمل مفهومه لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه مفهوم الواحد فلفظة» العلماء «عام لكونها شاملة لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه مفهوم واحدها أعني» العالم «.

الثالث: في انقسامه إلى أقسام ثلاثة:

إنّ العام ينقسم إلى استغراقي، و مجموعي و بدلي، فإن لوحظ كلّ واحد من أفراد العام بحياله و استقلاله أي بوصف الكثرة، فهو استغراقي، و إن لوحظ الأفراد لا بحياله بل بنعت الجمع فهو مجموعي و إن لوحظ واحد من الأفراد لا بعينه فهو بدلي.

و إن شئت قلت: إنّ اللاحظ تارة يلاحظ المفهوم من دون أن يكون مشيراً إلى الأفراد، فهذا ما نسمّيه بالكلي الطبيعي، الذي يناسب البحث عنه في باب الإطلاق.

و أُخرى يلاحظ المفهوم بما هو مشير و مرآة إلى الأفراد و عند ذلك تتوارد عليه لحاظات ثلاثة فتارة يلاحظ المتكثّرات من الأفراد بما هي متكثّرات، بأن لا يلاحظ كلّ واحد مستقلًا بما هو كما في متن الواقع كذلك، و أُخرى يُضفى على الكثرات وصفُ الوحدة و يلاحظ كتلة واحدة، و ثالثة ينظر إلى الأفراد لا بما أنّها تقع في عرض واحد حتى يكون من قبيل القسم الأوّل، و لا بما أنّها مجموعة واحدة حتى يكون من قبيل الثاني بل يلاحظ كلّ فرد و لكن لا يقف النظر عنده بل ينتقل إلى فرد آخر فيكون المنظور إليه هذا أو ذاك فيصير العام بدلياً.

452

الرابع: في بيان ملاك الانقسام:

قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ انقسام العام إلى الأقسام الثلاثة باعتبار ذات العام و لحاظه بوجوه مختلفة، مع قطع النظر عن الحكم و كونه موضوعاً، و إن كانت الثمرة تترتّب على التقسيم باعتبار تعلّق الحكم عليه. و مع ذلك فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الاختلاف باعتبار اختلاف كيفية تعلّق الأحكام به و إلّا فالعموم في الجميع بمعنى واحد و هو شمول الحكم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه، غاية الأمر انّ تعلّق الحكم به تارة بنحو يكون كلّ فرد موضوعاً على حدة للحكم، و أُخرى بنحو يكون الجميع موضوعاً واحداً، بحيث لو أخلّ بإكرام واحد في» أكرم كلّ فقيه «مثلًا لما امتثل أصلًا بخلاف الصورة الأُولى فانّه أطاع و عصى، و ثالثة بنحو يكون كلّ واحد موضوعاً على البدل بحيث لو أكرم واحداً منهم لقد أطاع و امتثل كما يظهر لمن أمعن النظر و تأمّل. (1) يلاحظ عليه: أنّ ذلك غير تامّ لا من جهة رتبة الموضوع، و لا من جهة الملاك الداعي إلى الإنشاء، و لا من جهة وضع ألفاظ لهذه الغايات.

أمّا من جهة الموضوع فلأنّ الموضوع في رتبة سابقة على الحكم، و الحكم متأخّر عنه رتبة و تصوّراً، فعندئذ إمّا أن يكون الحكم علّة (واسطة في الثبوت) لانقسام الموضوع إلى الأقسام الثلاثة و واسطة في الثبوت فيلزم عِلّية المتأخّر لانقسام الموضوع إلى أقسام ثلاثة و هو دور لتوقّف الحكم على الموضوع، و المفروض توقّف الموضوع، على الحكم.

فإن قلت: إنّ الحكم موقوف على ذات الموضوع، و وصفه و عنوانه و انقسامه إلى الأقسام الثلاثة موقوف على الحكم فلا دور.

قلت: إنّ المفروض أنّ الموضوع عبارة عن العام الاستغراقي أو المجموعي‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 332/ 1.

453

أو البدلي فالعام بأوصافه موضوع لا أنّ ذاته موضوع و الأوصاف خارجة عنه.

فإن قلت: إنّ الدور محال في عالم التكوين دون عالم الاعتبار.

قلت: صحيح، لكنّه خلاف الأصل في الأُمور الاعتبارية بأن يكون المتأخّر سبباً لانقسام المتقدّم رتبة.

و إمّا أن يكون الحكم واسطة في العروض كما في كلام العلّامة الطباطبائي (رحمه الله) في تعليقته. (1) مصححاً بذلك توصيف الموضوع بالأوصاف الثلاثة، فهو أيضاً غير تام لأنّه يستلزم، كون اتّصاف العام بالأوصاف الثلاثة مجازاً و اتّصاف الحكم بها حقيقة مع أنّه خلاف الوجدان كما لا يخفى.

و أمّا من جهة الملاك فلأنّ المولى قد يرى أنّ المصلحة الباعثة إلى الإنشاء قائمة بكلّ واحد من أفراد العام مستقلًا، فيأمر بإكرام كلّ واحد على سبيل الاستقلال، و قد يرى أنّ المصلحة قائمة بإكرام المجموع من حيث المجموع بحيث لو تخلّف عن إكرام واحد من الأفراد لما حصلت المصلحة الداعية، و قد تكون قائمة بإكرام واحد من الأفراد على سبيل البدل و عندئذ يأمر بواحد على البدل فيأتي حديث الانقسام قبل تعلّق الحكم.

و أمّا من جهة وضع الألفاظ لهذه الغايات فلأنّ الوضع يتّبع الغرض فربّما يكون الغرض ببيان وقوعه موضوعاً بنحو الشمول الاستغراقي أو المجموعي أو البدلي فلا محالة يستلزم وضع لفظ بازائه و لأجل ذلك نجد في اللغة العربية ألفاظاً مفردة موضوعة لكلّ واحد من الأقسام الثلاثة.

فلفظ» الكل «و» التمام «و» الجميع «دالّ على العام الاستغراقي كما أنّ لفظ» المجموع «دالّ على العام المجموعي و أنّ الأفراد ملحوظة بنعت الاجتماع كما أنّ لفظ» أيّ «دال على العام البدلي و أنّ كلّ فرد من الأفراد ملحوظ على البدل مثل‏

____________

(1)- التعليقة على الكفاية ص 160.

454

قوله تعالى: (قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏) (النمل/ 38).

و على ذلك فدلالة كلّ واحد من هذه الألفاظ على كيفية الموضوع بنفسها، لا باعتبار تعلّق الحكم به حتّى لو لوحظ كلّ واحد مفرداً و تصوّراً، لا تصديقاً و باعتبار تعلّق الحكم، تتبادر المفاهيم الثلاثة من هذه الألفاظ.

نعم ذكر سيّدنا المحقّق البروجردي في درسه الشريف على ما ببالي أنّ العام المجموعي عند القدماء من الأُصوليين ما يكون ذا أجزاء كالبيت لا ذا أفراد مثل العلماء و لم يذكر مصدراً لكلامه.

الخامس: في أنّ البدلي من أقسام العام‏

قال المحقّق النائيني: إنّ في عدّ القسم الثالث أي العموم البدلي من أقسام العموم مسامحة واضحة، بداهة أنّ البدلية تنافي العموم، فإنّ متعلّق الحكم في العموم البدلي ليس إلّا فرداً واحداً أعني به الفرد المنتشر، و هو ليس بعام نعم البدلية عامة فالعموم إنّما هو في البدلية لا في الحكم المتعلّق بالفرد على البدل. (1) يلاحظ عليه: أنّه مبني على تفسير العام بشمول الحكم لجميع الأفراد في عرض واحد، إمّا بنحو الاستقلال أو بنحو الجمع. و لكنّه مصطلح خاص و هو لا يمتنع عن اصطلاح آخر و هو شمول الحكم لجميع الأفراد على نحو البدليّة أيضاً و قد اختار هو بأنّ ملاك اتّصاف الموضوع بالأقسام الثلاثة، باعتبار الحكم، فيصحّ عندئذ اعتبار العموم في نفس الحكم فإنّه يعمّ و يسع كلّ فرد، لكن على وجه البدليّة، مقابل اختصاص الحكم بفرد واحد.

____________

(1)- أجود التقريرات: 443/ 1.

455

السادس: لو دار الأمر بين كون العام من أحد الأقسام‏

فهل هنا أصل يعيّن به أحدها قال المحقّق النائيني: إنّ الأصل اللفظي الإطلاقي يقتضي الاستغراقية لأنّ المجموعية تحتاج إلى عناية زائدة و هي لحاظ جميع الأفراد على وجه الاجتماع و جعلها موضوعاً واحداً. (1) يلاحظ عليه: أنّ الأصل اللفظي لا موضوع له، لما عرفت من أنّ لكلّ من الأقسام ألفاظاً معيّنة، فيحمل كلّ لفظ على معناه، و أمّا النكرة الواقعة تحت النفي، فالمتبادر منه هو الاستغراقي.

نعم يتصوّر الدوران فيما إذا كان الدليل لُبيّاً كالإجماع و السيرة و دار أمر الواجب بين الوجوه الثلاثة فيقع الكلام في مقتضى الأصل العملي و هل هو قاعدة الاشتغال أو أصل البراءة؟ مثلًا إذا شككنا في أنّ الواجب في كفارة اليمين هو صيام ثلاثة أيّام متوالية على حسب العام المجموعي، أو وجوب ثلاثة أيّام و إن كانت غير متوالية على نحو العام الاستغراقي.

قال سبحانه: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَ احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ‏) (المائدة/ 89). فالمرجع هو البراءة، لرجوع الشكّ إلى شرطية التوالي و الأصل عدمها.

و الحاصل أنّ مورد البراءة إذا كان الشكّ في الكلفة الزائدة و لا شكّ أنّ صيام ثلاثة أيّام واجب على كلا الاحتمالين إنّما الشكّ في وجوب شي‏ء آخر و هو الاتّصال و التوالي و هو كلفة زائدة يجري فيها البراءة. نعم على مبنى من قال بأنّ الاستغراق و الجمع من كيفيّات الحكم، لا الموضوع، يعود الشكّ إلى الشكّ في الخروج عن الامتثال و قد عرفت عدم تماميّة المبنى.

____________

(1)- فوائد الأُصول: 515/ 1.

456

السابع: في أنّ العشرة و أمثالها ليست بعام‏

أخذ المحقّق الخراساني في تعريف العام، الشمول و الانطباق بمعنى أنّ العام عبارة عن انطباقه لكلّ ما يشمله و بذلك أخرج كون لفظ العشرة من ألفاظ العموم، لعدم صلاحيتها بمفهومها للانطباق على كلّ ما تشمله تلك اللفظة، فانّها تشمل الآحاد و لا تنطبق عليها.

يلاحظ عليه: أنّ أخذ هذا القيد و إن كان يخرج العشرة عن كونها من ألفاظ العموم إلّا أنّه يوجب خروج الجمع المحلّى باللام من تحته، لأنّه شامل لكلّ واحد من أفراده لكنّه غير منطبق عليه.

و الحقّ أن يقال: إنّ العام في مصطلح الأُصوليين ما يدلّ على الكثرة من حيث الأفراد و المصاديق و يكون مبهماً من حيث الكميّة و المقدار، و ذلك مثل لفظ» العلماء «و النكرة الواقعة في سياق النفي و أمّا العشرة فهي محدودة من حيث الكميّة لا يحتمل فيها القلّة و الكثرة.

نعم يمكن عدّها من ألفاظ العموم إذا أُريد منها مجموعات من العشرة كالعشرات بحيث يكون كل عشرة مصداقاً و فرداً فلاحظ.

الثامن: الفرق بين العام و المطلق‏

ثمّ إنّ المعروف تقسيم الإطلاق إلى الشمولي و البدلي أيضاً ففي مثل قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏) يشمل الحكم جميع أفراد البيع كما أنّ في قوله: أكرم عالماً يشمل جميع الأفراد على البدل.

و عندئذ يطرح هذا السؤال: ما الفرق بين العام الشمولي و المطلق الشمولي و مثلهما البدليان منهما؟ و يجاب عليه بأنّ الشمول في العام بالوضع، و في المطلق بمقدّمات الحكمة.

457

و الحقّ أن يقال: إنّه لا صلة للإطلاق بالشمول و البدلية أبداً، إذ الإطلاق كما سيجي‏ء عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الحكم تمام الموضوع للحكم لا جزؤه، و هذا هو حقيقة الإطلاق من غير فرق بين أن يكون ما وقع تحت دائرة الحكم موضوعاً كلّياً أو جزئياً فلو قال: أكرم زيداً، فمعنى الإطلاق إنّ زيداً وحده بلا ضمّ ضميمة موضوع للحكم سواء أ كان قائماً أو قاعداً و هكذا.

نعم إذا كان الموضوع كلياً، فربّما تدلّ القرائن على أنّ الحكم من شئون كلّ واحد واحد، كحلّية البيع و جوازه، أو من شئون فرد ما أيَّ فرد كان، كما في قوله:» أكرم العالم «و استفادة البدليّة لأجل أنّ المأمور به لمّا كان إكرام العالم و المفروض أنّ الطبيعة توجد بفرد ما، فإيجاب فرد آخر غيره يحتاج إلى الدليل.

و الحاصل أنّ الإطلاق باب، و استفادة الشمول و البدليّة من الإطلاق نتيجة له فمعنى الإطلاق كون» العالم «تمام الموضوع لا العالم الأبيض أو الهاشمي، و هذا لا ارتباط له بالبدلي و الشمولي كما لا يخفى. إذا وقفت على هذه الأُمور فلندخل في صلب الموضوع، فصلًا بعد فصل.

458

الفصل الأوّل: هل للعام صيغة تخصّه؟

اختلفت كلمتهم في أنّه هل للعموم صيغة تخصّه فذهب قوم إلى أنّ له صيغة تخصّه كلفظة» كل «و الجمع المحلّى باللام و ذهب آخرون إلى أنّ الصيغ المدّعاة للعموم موضوعة للخصوص و صار آخرون إلى أنّها مشتركة بينهما و الحقّ هو الأوّل و ذلك بوجهين:

1 التبادر.

2 حكمة الوضع، فانّه ربما تمسّ الحاجةُ لبيان العام فلا بدّ للواضع من وضع لفظ أو ألفاظ يدلّ عليه.

و استدل للقول الثاني أيضاً بوجهين:

1 إرادة الخصوص في مقام الاستعمال متيقّنة و لو في ضمن العموم و جعل اللفظ حقيقة فيه أولى من جعله حقيقة في المشكوك.

يلاحظ عليه: أنّه استحسان و ليس بدليل فإذا كان العموم هو المتبادر، يؤخذ به و يترك الاستحسان على أنّ البحث في مقام الوضع، فكيف يستدلّ على كيفية الوضع بما له صلة بالاستعمال أعني كون إرادة الخاص متيقّنة؟

2 التخصيص قد شاع حتى قيل ما من عام إلّا و قد خُصّ و جعله حقيقة في الغالب أولى من جعله حقيقة في غيره.

459

يلاحظ عليه: أنّه لا ملازمة بين كثرة التخصيص و كثرة المجاز، لما سيوافيك من أنّ التخصيص لا يوجب المجاز و استعمال العام في غير ما وضع له، فالعام يستعمل في ما وضع له بالإرادة الاستعمالية، و التخصيص يرد على الإرادة الجديّة من غير فرق بين التخصيص المتّصل أو المنفصل. و سيوافيك توضيحه.

و أمّا الخصوص فيظهر من المحقّق الخراساني أنّ له صيغة خاصة، و لعلّه أراد منه لفظ الخصوص أو البعض و إلّا فليس له لفظ مثل العام و ليس بينهما تقابل حتى يُخصّ كلّ بلفظ و إنما يراد منه العام المخصَّص بمخصِّص متصل كالاستثناء و الوصف و غير ذلك.

قد ذكروا للعام صيغاً لا بأس بالاشارة إليها و البحث فيها إجمالًا:

1 وقوع النكرة في سياق النفي و اليمين.

2 لفظة كل و ما يعادلها في اللغة العربية كلفظ الجميع.

3 الجمع المحلّى باللام.

4 المفرد المحلّى باللام كقوله تعالى: (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏) (البقرة/ 275)، أو (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) (العصر/ 2).

و إليك دراسة الجميع.

1 وقوع النكرة في سياق النفي‏

المعروف أنّ» لا «النافية إذا دخلت على اسم الجنس تفيد العموم، لأنّها لنفي الجنس و هو لا ينعدم إلّا بنفي الجميع.

و إن شئت قلت: إنّ (لا) النافية موضوعة لنفي مدخوله و لمّا كان دخول (لا) على النكرة سبباً لحذف تنوينها الدالّ على الوحدة يصير المدخول متمحّضاً في الدلالة على الطبيعة و من المعلوم أنّ نفيها عقلًا و إن كان يحصل بنفي فرد ما،

460

و لكنّه في نظر العرف لا يحصل إلّا بنفيها عن صفحة الوجود بنفي جميع الأفراد.

هذا ما أفاده المحقّق الخراساني‏ (1) بإيضاح منّا، و لكن يرد عليه أنّ عدّها من ألفاظ العموم مسامحة و ذلك لما عرفت من أنّها عبارة عمّا يدلّ على الكثرة و السعة بالدلالة اللفظية لا بالدلالة العقلية، و استفادة السعة هنا بدليل العقل حيث يرى أنّ نفي الطبيعة رهن نفي جميع الأفراد.

و هناك بحث آخر و هو أنّه هل يتوقّف استفادة العموم على أخذ الطبيعة مرسلة لا مبهمة قابلة للتقييد أو لا؟ ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّها لا تفيد إلّا إذا أخذت مرسلة لا مبهمة قابلة للتقييد و إلّا فسلبها لا يقتضي إلّا استيعاب السلب لما أُريد منها يقيناً لا استيعاب ما يصلح انطباقها عليه من أفرادها و هذا لا ينافي كون دلالتها عليه عقلية فإنّها بالإضافة إلى أفراد ما يراد منها لا الافراد التي تصلح لانطباقها عليها.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني عمّم ذلك إلى مدخول كلّ أيضاً فقال: كما لا ينافي دلالة مثل لفظ كل على العموم وضعاً، و كون عمومه بسبب ما يراد من مدخوله و لذا لا ينافيه تقييد المدخول بقيود كثيرة.

نعم لا يبعد أن يكون ظاهراً عند إطلاقها في استيعاب جميع أفرادها.

ثمّ عمّمه إلى أنّه هو الحال في المحلّى باللام جمعاً كان أو مفرداً (2)، و توضيح ما أفاده انّ (لا) النافية موضوعة لنفي مدخولها فإذا كان المدخول مطلقاً و أُريد منه الطبيعة على وجه السريان، يعم النفي جميع الأفراد، و إذا كان مهملًا و مبهماً أو مقيّداً يعمّ النفي كذلك، و لأجل ذلك لا يثبت أنّ المتكلّم أراد من المدخول، الطبيعة السارية إلى جميع أفرادها لا مهملها و لا مقيّدها إلّا بمقدّمات‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 334/ 1.

(2)- المصدر.

461

الحكمة.

و إن شئت قلت: إنّ سعة العموم و ضيقه تابع لما أُريد من المدخول فإن أُريد منه الشياع يعمّ النفي جميع الأفراد، و إن أُريد منه الطبيعة المهملة أو المقيّدة يستوعبه النفي كذلك.

و كان السيّد المحقّق البروجردي مصرّاً على عدم الحاجة إلى إجراء مقدّمات الحكمة، و أنّ وقوع الطبيعة تحت النفي، يغني من أخذ الطبيعة مرسلة. (1) حاصله: أنّ المقصود هو استيعاب السلب لكلّ ما يصلح أن تنطبق عليه الطبيعة، و هذا لا يتحقّق إلّا بأخذها مرسلة، لا مبهمة قابلة للتقييد و إلّا يلزم استيعاب السلب لما أُريد منها و هو ليس بمقصود.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التفريق» بين استيعاب السلب لما أُريد منها، و استيعاب السلب لما يصلح انطباقها عليه من أفرادها «يخالف ما سيجي‏ء منه في الفصل القادم، من أنّ العام مطلقاً يستعمل فيما يصلح أن ينطبق عليه من الأفراد لا فيما أُريد منه جدّاً، و إنّما يشير المتكلم لما أراده جدّاً بلفظ آخر متّصل نحو لا رجل شجاع في الدار أو منفصل، كما في المخصِّص المنفصل، و لأجل ذلك ذهب إلى أنّ العام المخصَّص حقيقة مطلقاً، متّصلًا كان المخصِّص أو منفصلًا.

و بذلك يظهر عدم الحاجة إلى أخذ الطبيعة مرسلة، بل يكفي أخذها مبهمة قابلًا للتقييد. إذ على كلا التقديرين يلزم استيعاب سلب ما يصلح أن ينطبق عليه من أفرادها.

و مع القول بعدم توقف استفادة العموم على أخذ الطبيعة مرسلة لا ينتفي احتمال المخصِّص المتصل إلّا بجريان مقدّمات الحكمة فلو احتملنا أنّ الرجل ليس تمام الموضوع بل هو مع قيد آخر كالأبيض و الأسود، فلا ينتفي القيد إلّا به.

____________

(1)- نهاية الأصول: ص 285.

462

فتلخّص أنّه لا حاجة إلى أخذ الطبيعة مرسلة، و لكن لا ينتفي احتمال القيد المتّصل إلّا بجريان مقدمات الحكمة.

2 لفظة كلّ و ما يعادلها

إنّ لفظة» كلّ «وضعت لاستيعاب المدخول، فلو كان المدخول مطلقاً، تعمّ جميع الأفراد كقولك: أكرم كلّ عالم و إن كان مقيّداً تعمّ جميع أفراده كقولك: أكرم كلّ عالم عادل، و التفاوت بينه و بين ما سبق أنّ استفادة العموم في السابق بدلالة العقل و هنا بدلالة اللفظ، و أمّا لزوم أخذ المدخول مرسلًا فلا حاجة إليه فانّ لفظة كلّ تقوم مقامه و مع ذلك احتمال كون الموضوع مقيّداً فلا ينتفي إلّا بمقدّمات الحكمة و لا تغني عنه لفظة» كل «لأنّها وضعت لاستيعاب المدخول، من دون دلالة على أنّ المدخول، هو المطلق، أو المقيّد. فقد حصل الخلط في كلام المحقّق الخراساني بين توقف استفادة العموم على أخذها مرسلة، و بين توقّف رفع احتمال القيد على جريان مقدّمات الحكمة. فلاحظ.

3 الجمع المحلّى باللام‏

و مما عُدّ من أدوات العموم، الجمع المحلّى باللام نحو قولك: جمع الأمير الصاغة، و الدليل عليه هو التبادر نحو قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة/ 1) و قوله سبحانه: (قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) (التوبة/ 32) و التبادر هو الدليل الوحيد على كونه مفيداً له. و قد استدلّ المحقّق الخراساني على نفي إفادته للعموم، بقوله:» دلالته للعموم وضعاً محلّ منع بل إنّما يفيده فيما إذا اقتضته الحكمة أو قرينة أُخرى لعدم اقتضائه وضع اللام، و لا مدخوله، و لا وضع آخر للمركب منهما. (1)

____________

(1)- كفاية الأصول: 334/ 1 335.

463

يلاحظ عليه: أنّ التبادر هو الدليل الرصين على ذلك، فلا تجد مورداً ورد فيها الجمع المحلّى باللام إلّا و قد أفاد العموم، كقوله سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات/ 10) و قوله تعالى: (وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) (الأنعام/ 112).

و أجاب عنه سيّدنا الأُستاذ بوجه آخر و قال: بأنّ الدالّ عليه ليس هو اللام و لا نفس الجمع و لذا لا يستفاد ذلك من المفرد المحلّى و لا الجمع غير المحلّى، بل إنّما يستفاد من تعريف الجمع و وجه دلالتها هو أنّ الجمع له عرض عريض، و اللام وضعت لتعريفه و ما هو معين إنّما هو أقصى المراتب و غيره لا تعيين فيه حتى أدنى المراتب. (1) و أمّا عدم تعيين أدنى المراتب فلأنّ أقلّه الثلاثة مثلًا و هو مردّد بين ثلاثة و ثلاثة و ... فلا يكون معرفة بل يكون بحكم النكرة.

و المقام أيضاً كوقوع النكرة في سياق النفي فلا حاجة في استفادة العموم إلى أخذ الإرسال، و أمّا الحاجة إلى مقدّمات الحكمة فلأجل نفي القرينة المتّصلة و مع ذلك كلّه فالمعتمد في إفادة العموم هو التبادر.

4 المفرد المحلّى باللام‏

و قد عدّ من ألفاظ العموم، المفرد المحلّى باللّام و استدل له بوجوه قاصرة، كوصفه بالجمع في المثل الدارج: أهلك الناس الدينار الصفر و الدرهم البيض، و صحّة ورود الاستثناء عليه كقوله سبحانه: (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) (العصر/ 2 و 3)، و أنّ اللام للتعريف و المعرّف هو أقصى المراتب.

و الظاهر أنّ استفادة العموم في الموردين الأوّلين بالقرينة الخارجية إذ لا فرق‏

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 467/ 1.

464

بين دينار و دينار و درهم و درهم في أنّه يَغرّ الإنسان، و بما أنّ الإنسان طبيعة واحدة، فيكون تمام أفرادها في خسر و الوجه الثالث دليل عقلي لا يركن إليه في باب الدلالات. و التبادر لا يساعد العموم في جميع الموارد فالأولى القول بقابليته لإفادة العموم كما في قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏) (البقرة/ 275) بالبيان المنقول عن المحقّق في المعالم فلاحظ فالأولى تسميته مطلقاً، لا عاماً و حذفه من جدول أدوات العموم.

465

الفصل الثاني: هل العام المخَصَّص حجّة في الباقي أو لا؟

إنّ الفرد الذي يتمسّك فيه بالعام عند التخصيص على قسمين:

1 نعلم أنّه غير داخل في المخصِّص قطعاً و مع ذلك نشكّ في حجّية العام فيه بعد التخصيص.

2 ما نشكّ في دخوله تحت المخصِّص أيضاً مثلًا نحتمل أن يكون عالماً فاسقاً عند ما ورد لا تكرم العالم الفاسق و الفصل منعقد لبيان القسم الأوّل. أمّا القسم الثاني و هو الموسوم بالشبهة المصداقية للمخصص فيأتي الكلام فيه في الفصل التالي:

استدل القائل بعدم حجّية العام في الباقي بأنّه بعد التخصيص يكون مجملًا لتعدّد المجازات حسب مراتب الخصوصيات و تعيّن الباقي من بينها بلا معيّن، ترجيح بلا مرجح.

و حاصل الاستدلال: أنّ العام بعد التخصيص يصير مجازاً و مستعملًا في غير ما وضع له، و لمّا كان» غير ما وضع له «متعدّداً حسب مراتب الخصوصيات، لا تتعيّن مرتبة منه حتى يكون العام حجّة فيه.

و لمّا كان الاستدلال مبنياً على تسليم مجازية الخاص بعد العام، يجب علينا البحث فيها، ثمّ الانتقال إلى النتيجة و أنّه حجّة في الباقي أو لا فنقول هنا

466

مسألتان:

المسألة الأُولى: اختلفوا في أنّ العام بعد التخصيص مجاز أو لا إلى ثلاثة أقوال: 1 مجاز مطلقاً 2 حقيقة مطلقاً 3 حقيقة في المخصِّص المتّصل مجاز في المنفصل منه.

و ذهب المحقّق الخراساني إلى القول بأنّه حقيقة مطلقاً لكن بيانه في المتّصل، يختلف مع بيانه في المنفصل.

أمّا الأوّل فذهب فيه إلى أنّه لا تخصيص في أداة العام لأنّها وضعت لاستيعاب المدخول، فلو كان المدخول مطلقاً، يدلّ على استيعابه و إن كان مقيّداً فكذلك، فلفظة كلّ في قولنا:» أكرم كلّ ضيف «، و» أكرم كلّ ضيف عالم «استعملت في العموم فسواء قيّد الموضوع أو اطلق، فلا يحصل أيّ فرق في ناحية أداة العموم وضعاً أو استعمالًا و إن كان هناك تفاوت بين سعة المدخول و ضيقه أو إطلاق المدخول و تقييده و أمّا بالنسبة إلى الحكم فلا تخصيص أصلًا، فلا يبقى موضوع للبحث الثاني و هو حجّية العام بعد التخصيص في الباقي، بل انعقد له الظهور في المعنى الحقيقي من بدء الأمر في شي‏ء واحد و هو إكرام الضيف العالم فليس هنا شي‏ء يصادم ظهوره.

و أمّا الثاني: فقد ذهب فيه إلى وجود التخصيص، لكنّه في جانب الإرادة الجدّية لا الاستعمالية.

توضيحه: أن‏ (1) المشهور بين الأُصوليين كون العام المخصَّص مجازاً سواء كان المخصِّص متّصلًا أم منفصلًا بتوهم أنّ التخصيص، قرينة على أنّ العام مستعمل في الخاص، مع أنّه موضوع للعام. غير أنّ المتأخّرين من الأُصوليين اختاروا أنّه حقيقة مطلقاً متّصلًا كان المخصِّص أم منفصلًا.

____________

(1)- كفاية الأصول: 335/ 1 336.

467

بيانه: أنّ المتكلّم إذا قال: أكرم العلماء فهو يستعمل مفرداته في معناه الحقيقي، و لا يريد من العلماء إلّا نفس العالم بلا قيد سواء خصّصه بعدئذ بدليل منفصل أم لا و على كلّ حال لا يستعمله إلّا في نفس العموم.

لكنّه إذا كان إكرام بعض الآحاد و الأصناف فاقداً للملاك، أشار إلى إخراجه بدليل آخر و يقول: لا تكرم زيداً العالم أو لا تكرم الفساق من العلماء غير أنّ الدليل المنفصل لا يكشف عن تضييق الإرادة الاستعمالية التي بها يناط كون الاستعمال حقيقة أو مجازاً، بل أقصاه أنّه يكشف عن تضييق الإرادة الجدّية و تخصيصها.

و إن شئت قلت: إنّ للمتكلّم إرادتين إرادة استعمالية تعدّ مقوّمة للاستعمال و هو إطلاق اللفظ و إرادة معناه و يشترك فيها كلّ من تكلّم عن شعور و إرادة من غير فرق بين الهازل و غيره و الممتحن و غيره، و لا يتوجّه إليها التخصيص و لا التقييد غير أنّ له إرادة أُخرى في موارد وراء تلك الإرادة و هي الإرادة المسمّاة بالجدّية، فربّما يكون المتكلّم فاقداً لتلك الإرادة الجدّية من رأس كما في الهازل و الآمر امتحاناً و ربّما يكون واجداً مطلقاً كقوله: زيد كثير الرماد، و ربّما يكون واجداً في حقّ بعضها دون بعض، كما في العام المخصَّص، و عند ذلك يشير إليه بدليل مستقلّ، و يكشف عن تضيق الإرادة الجدّية من رأس، و الملاك في توصيف الاستعمال بالحقيقة و المجاز، هو الإرادة الأُولى و هي لم تخصَّص لا الثانية.

فإن قلت: ما الدليل على تعدّد الإرادة، و أنّ الاستعمالية منها، غير الجدية.

قلت: يدلّ على تعدّدهما، وجود الكنايات فإنّ المراد الاستعمالي، غير المراد الجدّي، فإذا قال: زيد كثير الرماد، فكثرة الرماد مراد استعمالي لا جدّي ليكون طريقاً إلى الانتقال إلى المراد الجدّي، و هو السخاء و الجود.

468

و إن شئت قلت: إنّ الإرادة الاستعمالية، تارة تكون فاقدة للإرادة الجدّية، كما في الهازل، و أُخرى واجدة لها مائة بالمائة، كما في مورد الكناية و ثالثة، تكون واجدة لبعض، دون البعض كما في العام المخصَّص بالمنفصل.

فإن قلت: لما ذا يستعمله من بدء الأمر في العموم ثمّ يشير إلى التخصيص بدليل آخر، و لما ذا لا يستعمله في الخاص ابتداءً، و ما هو متعلّق الإرادة الجدّية؟

قلت: إنّما يستعمله كذلك لضرب القاعدة و إعطاء الضابطة حتّى يتمسّك به المخاطب في موارد الشكّ فإنّه لو استعمل من أوّل الأمر في معناه الحقيقي، يكون الأمر حجّة في حقّ كلّ الآحاد و الأصناف، فعند ما شكّ في خروج فرد أو صنف يتمسّك بالعموم حتّى يثبت خلافه و لا يصحّ رفع اليد عن العموم إلّا بمقدار دلّ الدليل على خروجه، و إلى ما ذكرنا يشير في الكفاية بقوله:» بل من الممكن قطعاً استعماله معه في العموم قاعدة « (1) أي لضرب القاعدة لموارد الشكّ.

و بما ذكرنا يظهر عدم تمامية ما أورده المحقّق النائيني على الإرادة الاستعمالية و أنّ الإرادة أمرها دائر بين الجدّ و الهزل، فالمستعمل إن أراد المعاني الواقعة تحت الألفاظ فهو (جدّ) و إلّا كان هازلًا. (2) وجه الدفع، أنّ المراد منه الإرادة التفهيمية المشتركة بين جميع من يتكلّم عن شعور و علم غاية الأمر تارة يكون فاقداً للجدّ من رأس كالهازل، و أُخرى يكون واجداً لها تماماً، كالكناية حتّى المجاز على التحقيق.

و ثالثة يكون واجداً في مورد دون مورد كما في العام المخصَّص.

و إن شئت قلت: إنّها عبارة عن إرادة المعاني المفهومة من الألفاظ، و لا نسلّم أنّها مطلقاً مرادة جدّاً، بل يتصوّر على أقسام ثلاثة كما مرّ فالإرادة الاستعمالية هي‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 336/ 1.

(2)- أجود التقريرات: 447/ 1.

469

الطلب الإنشائي الموجود في مورد الهزل و التسخير، و التعجيز، و الكناية و المجاز، غير أنّ المتكلّم تارة يقف عندها كما في مورد الهزل و أُخرى يتجاوز عنها إلى إفادة أمر بالجدّ، كالتعجيز و التسخير، و المكني عنه. و الفرد الادّعائي في مورد المجاز، أو إفادة أنّ المراد استعمالًا مراد بالجدّ في مورد دون مورد كما في العام المخصَّص.

نعم يرد على المحقّق الخراساني أنّ القول بعدم التخصيص في المتّصل إنّما يتمّ في بعض الأقسام دون البعض ففيما إذا كان المخصِّص، مثل الاستثناء لا مناص من القول بالتخصيص كما إذا قال: أكرم العلماء إلّا زيداً فقد أخرج زيد عن الوجوب المستفاد من الأمر، و لأجل ذلك ذهب الرضي إلى أنّ الحكم تعلّق به بعد الاستثناء كأنّه قال العلماء غير زيد أكرمهم.

إذا تبين حال المسألة الأُولى فلنبحث عن الثانية.

العام المخصص حجّة في الباقي‏

و بهذا البيان تبيّن حال النتيجة و إن شئت قلت: حال المسألة أيضاً و هو كون العام حجّة في الباقي و ذلك لأنّ العام حسب الفرض استعمل في العموم بالإرادة الاستعمالية و انعقد ظهوره فيه، و لا يمكن رفع اليد عن هذا الظهور إلّا بمقدار قام الدليل على خلافه و المفروض عدم ورود دليل إلّا في حقّ صنف واحد، لا صنف آخر.

فإن قلت: إنّ الإرادة الاستعمالية إنّما تكون حجّة إذا لم ينكشف خلافها، و مع قيام الدليل الخاص، الكاشف عن عدم تطابقهما لا اعتبار بهذه الإرادة.

قلت: إنّ الأصل العقلائي بمعنى أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجديّة، جارية في كلّ واحد واحد من أفراد العموم التي تعلّق بها الحكم، و ليس هنا أصل واحد حتى لا يجري عند الوقوف على عدم تطابقهما في مورد أو صنف، فهناك حسب الأفراد و الآحاد أصل يدل على تطابقهما و لأجل ذلك ترى‏

470

العقلاء لا يشكّون في حجّية العام في الباقي و إن عُلم بخروج فرد أو صنف.

فإن قلت: إنّ استعمال العام في العموم بالإرادة الاستعمالية، مع وجود المخصِّص، مجرّد احتمال و ذلك لاحتمال أن يستعمله في خصوص مرتبة من مراتب العام فيكون العام مجملًا.

قلت: إنّ احتمال استعماله في مرتبة من مراتب العام لا يوجب إجماله، و ذلك لاستقرار ظهور اللفظ في العام، لأجل انفصال المخصِّص فهو حجّة ما لم يدلّ دليل على خلافه.

فإن قلت: كيف يمكن التمسّك بظهور اللفظ في العموم مع أنّ المخصِّص المنفصل يزاحمه؟

قلت: إنّ الخاص لا يزاحم ظهور العام في العموم و إنّما يزاحم حجّيته فيه، تحكيماً لما هو الأقوى أعني الخاص و إن شئت قلت: إنّ المخصِّص المنفصل لا يزاحم إرادة العموم من اللفظ بالإرادة الاستعمالية، بل يزاحم إرادة العموم منه بالإرادة الجدّية كيف و المفروض أنّه انعقد للعام ظهور. و جاء المخصِّص بعد مدّة.

فمقدار ما قام الدليل على عدم حجّيته نرفع عنه اليد و في غيره نتمسّك باتحاد الإرادتين كما قرّرناه.

و الحاصل أنّ الفرق بين المخصّص المتصل و المنفصل هو عدم انعقاد الظهور في الأوّل إلّا في الخصوص، و انعقاد الظهور في العام في الثاني، لكنّه ليس بحجّة فيما كان الخاص حجّة فيه.

هذا توضيح و تحقيق لما أفاده المحقّق الخراساني.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من البيان، عبارة أُخرى لما ذكره بعضهم من» أنّه يراد العموم من العام المخصَّص إرادة تمهيدية ليكون ذكر العام توطئة لبيان مخصِّصه «و ليس‏

471

وجهاً آخر كما يظهر من كلام المحقّق النائيني. (1) كما أنّ المراد من كون العام مستعملًا في معناه قانوناً ليكون حجّة في ظرف الشكّ، ليس بمعنى كون الشكّ مأخوذاً في موضوع العام كما في قوله: كلّ شي‏ء طاهر، كما أفاده المحقّق المزبور (2) بل المراد أنّ الداعي لاستعماله في العموم هو كونه حجّة في المتيقّن و المشكوك، لا حجّة في خصوص صورة الشكّ كما لا يخفى.

دليل القول بجواز التمسّك على القول بالمجازية

هذا كلّه إذا قلنا بأنّ العام المخصَّص حقيقة في الباقي فقد عرفت أنّه يسهل استنتاج حكم المسألة الثانية منه. إنّما الكلام إذا قلنا بأنّه مجاز فهل هنا طريق لإثبات حجّية العام في الباقي أو لا؟ فهناك وجهان:

الأوّل: إنّه حجّة في الباقي، لأنّه إذا تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى و هو الباقي.

يلاحظ عليه: كما أفاده الشيخ الأعظم و تبعه في الكفاية أنّ المراد من الأقربية، هو الأقرب للحقيقة حسب زيادة الأُنس الناشئة من كثرة الاستعمال، لا الأقرب من جهة الكثرة.

و بعبارة أُخرى: إنّ انعقاد الظهور للفظ في معنى، معلول لأحد أمرين، إمّا كون اللفظ موضوعاً له أو كونه مستعملًا فيه بكثرة، و ليس الباقي أحد الأمرين فينفى ظهوره فيه.

الثاني: ما ذكره الشيخ الأعظم من أنّ دلالة العام على كلّ فرد من أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده، و لو كانت دلالة مجازية، إذ هي بواسطة عدم شموله للأفراد المخصوصة لا بواسطة دخول غيرها في مدلوله، فالمقتضي‏

____________

(1)- أجود التقريرات، ص 449444.

(2)- أجود التقريرات، ص 449444.

472

للحمل على الباقي موجود و المانع مفقود، لأنّ المانع في مثل المقام إنّما هو يوجب صرف اللفظ عن مدلوله، و المفروض انتفاؤه بالنسبة إلى الباقي لاختصاص المخصِّص بغيره فلو شكّ فالأصل عدمه فليس ذلك على حدّ سائر المجازات حتى يحتاج إلى معيّن آخر بعد الصرف مع تعدّدها فإنّ الباقي متعيّن على حسب تعيّن الجميع عند عدم المخصِّص مطلقاً. (1) و أورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:

1 بأنّ دلالته على كلّ فرد إنّما كانت لأجل دلالته على العموم و الشمول فإذا لم يستعمل فيه و استعمل في الخصوص كما هو المفروض مجازاً و كانت إرادة كلّ واحد من مراتب الخصوصيات ممكناً، كان تعيين بعضها بلا معيّن ترجيحاً بلا مرجّح.

2 لا مقتضى لظهوره في الباقي لأنّ الظهور (و مثله الدلالة) يحصل بأحد الأمرين إمّا بالوضع و إمّا بالقرينة و الأوّل مفقود لعدم وضعه للباقي، و أمّا القرينة فإنّما قامت على عدم إرادة الخارج لا على إرادة الباقي، و على ضوء هذا فالمانع و إن كان مدفوعاً بالأصل إلّا أنّه لا مقتضي له بعد رفع اليد عن الوضع.

نعم يتمّ ما ذكره لو قال بما قلناه من منع استعمال العام في الخاص و أنّه مستعمل في العموم بالإرادة الاستعمالية، كما مرّ. (2) و قد قام المحقّق النائيني بالدفاع عن مقالة الشيخ حيث قال: إنّ هناك دلالات عرضية فإذا سقطت إحداها عن الحجّية بقيت غيرها من الدلالات على حجّيتها ضرورة أنّه إذا لم تكن دلالة العام على ثبوت الحكم لفرد، دخيلة في دلالته على ثبوته لفرد آخر، لم يكن خروج فرد ما عن الحكم، منافياً لبقاء دلالته على حكم‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 196.

(2)- كفاية الأصول: 338/ 1.

473

الفرد الآخر فخروج بعض الأفراد إذا استلزم المجاز، لا يوجب ارتفاعَ دلالته على ثبوت الحكم لبقية الأفراد التي لا يعمّها المخصِّص. (1) يلاحظ عليه: بأنّه ما ذا يريد من الدلالات العرضية؟ هل يريد منها، الدلالات العرضية اللازمة للأوضاع المستقلّة كالمشترك اللفظي و هو غير صحيح جدّاً و لا يلتزم به القائل إذ ليس لفظ العام موضوعاً بأوضاع متعدّدة.

و إن أراد الدلالات العرضية الضمنية، في ضمن دلالة لفظ العام على الكل، ففيه انّه إذا سقطت الدلالة الثانية لأجل كون العام مستعملًا في غير معنى الكلّ حسب الفرض، تبطل الدلالات التبعية.

***

____________

(1)- أجود التقريرات: 452/ 1.

474

الفصل الثالث: في سراية إجمال المخصِّص إلى العام و عدمها

إذا كان المخصِّص مجملًا، فهل يسري إجماله إلى العام أو لا؟ و قبل الورود في صلب البحث نذكر صور المسألة فنقول:

إنّ المخصِّص إمّا منفصل عن العام أو متّصل به، و على التقديرين فالمخصِّص إمّا لفظي أو لبّي (و اللبّي المتّصل كالعقل و المنفصل عنه كالإجماع و السيرة) و على التقادير الأربعة فالإجمال تارة مفهومي و أُخرى مصداقي و كلّ من الإجمال المفهومي و المصداقي على قسمين فإنّ إجمال المفهوم تارة يكون ناشئاً من تردّد مفهوم المخصِّص بين الأقل و الأكثر و أُخرى من دورانه بين المتباينين و مثله إجمال المصداق و تصير الصور ست عشرة صورة.

و إن شئت قلت: المخصِّص إمّا منفصل أو متصل، و الكلّ إمّا لفظيّ أو لبيّ هذه أربعة أقسام.

ثمّ الإجمال إمّا مفهومي أو مصداقي و كلّ منهما أمره دائر بين الأقل و الأكثر، أو بين المتباينين، هذه أربعة أقسام أيضاً تضرب في الأربعة المتقدّمة فتكون الصور ست عشرة.

غير أنّ الإجمال المفهومي بكلا قسميه من التردّد بين الأقل و الأكثر أو

475

المتباينين لا يتصوّر في المتّصل اللبّي كالعقل فإنّ العقل عارف بسعة موضوعه أو ضيقه، و لا يتردّد في موضوعه بين شيئين. نعم يتصوّر التردّد في الموضوع من حيث المصداق بين الأقلّ و الأكثر أو المتباينين.

و على ذلك ينحصر البحث في أقسام لا تتجاوز عن أربعة عشر قسماً:

فلنقدّم البحث.

أوّلًا: عن المخصِّص اللفظي المنفصل بأقسامه؛ و ثانياً: عن المخصِّص اللفظي المتّصل بأقسامه؛ و ثالثاً: عن المخصِّص اللبّي المنفصل بأقسامه؛ و رابعاً: عن المخصِّص اللبّي المتصل بقسميه؛ و إليك دراسة الجميع.

و قبل الخوض في بيان أحكام الصور نذكر مختار المحقّق الخراساني و كيفية وروده في البحث.

و اعلم أنّه (قدس سره) قدّم الكلام في الشبهة المفهومية على المصداقية و جعل الكلام في مقامات ثلاثة:

الأوّل: في الإجمال المفهومي و جعله أقساماً أربعة،

لأنّ الإجمال تارة يكون ناشئاً من دوران المفهوم بين الأقلّ و الأكثر، و أُخرى من دورانه بين المتباينين و على كلّ تقدير فالمخصِّص إمّا متّصل أو منفصل.

ثمّ إنّه اختار رأياً ثلاثياً:

1 إذا كان الإجمال دائراً بين الأقل و الأكثر و كان المخصِّص منفصلًا فلا يسري إجماله إلى العام لا حقيقة و لا حكماً.

2 إذا كان المخصِّص منفصلًا و كان دائراً بين المتباينين فيسري إليه الإجمال‏

476

حكماً.

3 إذا كان المخصِّص متّصلًا يسري إجماله إلى العام حقيقة سواء كان الإجمال دائراً بين الأقل و الأكثر، أو بين المتباينين.

الثاني: الإجمال المصداقي‏

ثمّ إنّه بعد ما فرغ من البحث في الإجمال المفهومي، ورد في البحث عن الإجمال المصداقي فجعل عدم جواز التمسّك في المتّصل مورد اتّفاق، و أمّا المنفصل فجعل عدم جواز التمسّك موافقاً للتحقيق و لم يذكر عن تردّد الإجمال بين الأقل و الأكثر و المتباينين شيئاً.

الثالث: المخصّص اللّبي‏

ثمّ فصّل فيه بين المتّصل فقال بعدم جواز التمسّك فيه و بجوازه في المنفصل، و لم يذكر عن الإجمال المفهومي شيئاً. بل خصّه بالمصداقي فقط و لم يذكر من المصداقي قسم التردّد بين المتباينين بل خصّ كلامه بالأقل و الأكثر فلاحظ. (1)

1 المخصِّص اللفظي المنفصل المجمل مفهوماً المردّد بين الأقلّ و الأكثر

إذا كان المخصِّص اللفظي المنفصل مجملًا مفهوماً دائراً أمره بين الأقل و الأكثر كما إذا قال: أكرم العلماء، و قال منفصلًا: لا تكرم فسّاق العلماء، و دار مفهوم الفسق بين اختصاصه بالكبائر أو عموميته لها و للصغائر، فهل إجمال المخصِّص يسري إلى العام في مورد الشكّ أو لا، و بعبارة أُخرى هل العامُّ حجّة في مرتكب الصغيرة أو لا؟ الحقّ، عدم السراية لا حقيقة و لا حكماً بل العام حجّة في مورد الشكّ، و ذلك لأنّ العام شمل بالإرادة الاستعمالية مرتكب الصغيرة و بما أنّ‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 339/ 1 345.

477

الأصل هو تطابق الإرادتين فهو مراد جدّاً أيضاً فصار العامّ حجّة في هذا، ثمّ قام دليل آخر على التخصيص، و دار أمره بين الأقلّ و الأكثر و بما أنّ حجّيته مشكوكة في الأكثر أي مرتكبِ الصغيرة فلا ترفع اليد عن الحجّة القطعية، بالحجّة المشكوكة، لأنّ الثانية ليست حجّة إلّا في مرتكبي الكبائر دون الصغائر.

و إن شئت قلت: إنّ العام لأجل استعماله في العموم حسب الإرادة الاستعمالية، انعقد ظهوره في العموم و بما أنّ الأصل هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الجدّية يكون حجّة فيه قبل صدور المخصّص، ثمّ إذا قام دليل على عدم التطابق في مورد، ترفع اليد عن الحجّة بقدر ما قام الدليل و ليس هو إلّا الأقلّ لا الأكثر.

و إلى ذلك ينظر كلام المحقّق الخراساني من أنّه لا يسري إجمال الخاص إلى العام لا حقيقة و لا حكماً بل كان العام متّبعاً فيما ليس الخاص فيه متّبعاً. (1) و بعبارة ثالثة: إنّ الخاص لو ورد منفرداً من دون سبق عام لا يكون حجّة في مورد مرتكبِ الصغيرة فكيف يكون حجّة إذا سبقه العام، و انعقد ظهوره فيه و صار حجّة لأجل أصالة التطابق بين الإرادتين.

ثمّ إنّ شيخ مشايخنا العلّامة الحائري تنظّر في دليل القوم، فقاس المخصِّص المنفصل، بالمتصلِ فكما أنّه يسري إجمال المخصِّص المتّصل إلى العام فكذلك المنفصل بشرط أن تكون عادة المتكلّم على ذكر المخصِّص منفصلًا، فعندئذ يكون حكمُ المنفصل، حكم المتّصل، و يجب إحراز عدم المخصِّص في مورد التمسّك. (2) يلاحظ عليه: أنّ إجمال المخصِّص المتّصل يزاحم ظهور العام فلا يثبت ظهور له في مورد الصغيرة حتّى يتمسّك به. و هذا بخلاف ما إذا كان منفصلًا، فانّه لا يزاحم إلّا حجّية العام في العموم لا ظهوره فيه، لانعقاد ظهوره، و أمّا

____________

(1)- كفاية الأصول: 339/ 1.

(2)- الدرر، ص 340.

478

المزاحمة فإنّما يزاحم حجّية العام فيما ثبتت حجّيته فيه و هو مرتكب الكبيرة و أمّا الصغيرة فلم تثبت حجّيته فيه حتى يزاحمه فيما هو ظاهر فيه.

أضف إليه ما ذكره هو (قدس سره) في تعليقته، من أنّه لو صحّ ما ذكر لما جاز لأحد من أصحاب الأئمة التمسّك بكلام إمام زمانهم من العموم و الإطلاق لاحتمال ورود مخصِّص أو مقيّد في كلام إمام آخر و المفروض أنّ هذا المنفصل كالمتّصل فيجب الوقف حتى يتمّ كلام تمام الأئمّة (عليهم السلام) و هو خلاف المتّفق عليه.

2 المخصِّص اللفظي المنفصل المجمل مفهوماً المردّد بين المتباينين‏

إذا كان المخصِّص اللفظي المنفصل، مجملًا مفهوماً مردّداً بين المتباينين كما إذا قال: أكرم العلماء و لا تكرم زيداً العالم و دار أمره بين زيد بن عمرو و زيد بن بكر العالمين فهل يسري أو لا، الحقّ أنّه يسري حكماً، بمعنى أنّه لا يكون العام حجّة في حقّ هذين الشخصين، للعلم التفصيلي بسقوط العام عن الحجّية في حقّ أحدهما و معه كيف يمكن أن يكون العام حجّة في مورد أحدهما أو كليهما. و على ذلك يجب إعمال قواعد العلم الإجمالي فلو كان لسان المخصِّص رفع الوجوب، يجب إكرام كلا الرجلين حتى يحصل البراءة، و إن كان لسانه، تحريم إكرامه، يدور الأمر بين المحذورين فيعمل بحكمه من التخيير أو القرعة.

فإن قلت: ما الفرق بين صورة تردّده بين الأقل و الأكثر، و تردّده بين المتباينين حيث قلنا بعدم السراية في الأُولى دون الثانية.

قلت: الفرق انحلال العلم الإجمالي في الأوّل إلى المتيقّن و هو مرتكب الكبيرة و إلى المشكوك و هو مرتكب الصغيرة، فيعمل في الثاني بالعام المقطوع حجّيته لو لم يكن هناك حجّة أقوى، و هذا بخلاف هذه الصورة لبقاء الإجمال بحاله و تردّده بين المتباينين كما لا يخفى.

479

3، 4 المخصِّص اللفظي المنفصل المجمل مصداقاً، بكلا قسميه‏

إذا كان المخصِّص اللفظي منفصلًا و لكن دار أمره بين الأقلّ و الأكثر أو المتباينين حسب المصداق، كما إذا تردّد الفاسق بين تسعة و عشرة أشخاص أو تردّد عنوان المخصِّص المبيّن مفهوماً مثل، زيد بن عمر بين نفرين، فهل يجوز التمسك بالعام في مورد الشكّ، أو لا، خلاف بين المتقدّمين و المتأخّرين حيث إنّ الظاهر من القدماء التمسك دون المتأخّرين. و مورد البحث هو ما إذا أحرز عنوان العام كما إذا علم أنّ مورد الشكّ عالم، و لكن شكّ في انطباق عنوان المخصِّص أعني الفاسق عليه و يكون المورد شبهة مصداقية للمخصِّص، و أمّا إذا كان نفس عنوان العام مورداً للشبهة كما إذا شكّ في أنّه عالم أو لا، فهو شكّ في مصداق العام و هو خارج عن محلّ البحث و لم يقل أحد بالتمسّك فيه بالعام.

دليل القائل بجواز التمسّك بالعام‏

استدل القائل بالتمسّك بما هذا حاصله: أنّ الخاص إنّما يزاحم العام فيما كان فعلًا حجّة فيه و لا يكون حجّة فيما اشتبه أنّه من أفراده فخطاب لا تكرم العالم الفاسق لا يكون دليلًا على حرمة إكرام من شكّ في فسقه فلا يزاحم العام، للشكّ في كونه مصداقاً، فلا يزاحم العام للقطع بكونه مصداقاً له فلو زاحمه يكون من قبيل مزاحمة الحجّة باللاحجّة.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ الخاص و إن لم يكن دليلًا في الفرد المشتبه فعلًا، إلّا أنّه يوجب اختصاص حجّية العام في غير عنوانه من الأفراد فيكون قوله: أكرم العلماء دليلًا و حجّة في العالم غير الفاسق فالمصداق المشتبه و إن كان مصداقاً للعام بلا كلام إلّا أنّه لم يعلم أنّه من مصاديقه بما هو حجّة

480

لاختصاص حجّيته بغير الفاسق. (1) و حاصل كلامه: أنّ الفرد المشتبه مصداق للعموم بما هو ظاهر في العموم و لم يحرز كونه مصداقاً له بما هو حجّة فإنّه حجّة في غير عنوان المخصِّص و هو بعد غير محرز.

و لا يخفى ما في ظاهر هذا الجواب من الإشكال، لأنّه خلط بين باب التخصيص و التقييد، و ما ذكر في الجواب صالح للاستدلال به في باب التقييد لا التخصيص.

توضيحه: أنّ تقييد المطلق يوجب تركّب موضوعه من موضوع المطلق، و قيد المقيّد، فإذا قال: إذا ظاهرت أعتق رقبة، ثمّ قال: إذا ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة، يكون الموضوع بعد التقييد مركباً من رقبة و مؤمنة فإذا شكّ في إيمان الرجل و عدمه يكون التمسّك بالمطلق، تمسّكاً بالدليل مع الشكّ في مصداقه، لأنّ المطلق بعد التقييد، صار بمنزلة المقيّد فالشكّ في الإيمان شكّ في قيد الموضوع و جزئه.

و هذا بخلاف التخصيص فإنّه لا يوجب تعنون العام بقيد زائد على ما جاء في لسان الدليل، بل يوجب خروج من ينطبق عليه عنوان الفاسق، و السرّ في ذلك، أنّ الحكم في العام متعلّق بالأفراد، خصوصاً في مثل قوله: أكرم كلّ عالم، و المخصِّص يخرج كلّ من صدق عليه الفاسق، من دون إيجاب تقييد في ناحية العام.

و من ذلك يظهر الخلط في كلام المحقّق النائيني عند الإجابة عن الاستدلال حيث قال: إنّ تمام الموضوع في العام قبل التخصيص هو طبيعة العالم فإذا ورد عليه المخصِّص يكشف عن أنّ العالم بعض الموضوع و بعضه الآخر هو العادل فيكون الموضوع، هو العالم العادل فالتمسّك في الشبهة المصداقيّة للخاص يرجع‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 342/ 1 343.

481

إلى التمسّك فيها لنفس العام. (1) و لا يخفى أنّ ذاك التقرير يناسب التقييد لا التخصيص و ما يوجب تركّب الموضوع من جزءين إنّما هو باب التقييد و أمّا التخصيص فبما أنّ الحكم متعلّق بأفراد العام أي أفراد مدخول كلّ يكون التخصيص موجباً لإخراج مصاديق الخاص من دون حدوث تركّب في الموضوع أو تعنون في ناحيته.

و التحقيق أن يقال و لعلّه أيضاً مراد المحقّق الخراساني: أنّ الاحتجاج بشي‏ء يتوقّف على إحراز أُمور:

1 كون ما يحتجّ به ظاهراً في معناه، و غير مجمل في مفهومه.

2 عدم قيام قرينة على خلاف الظاهر و لأجل ذلك لا يمكن الاحتجاج في محرز الفسق بالعموم.

3 إحراز كون الإرادة الجدّية مطابقة للإرادة الاستعمالية و لأجل ذلك لا يمكن الاحتجاج بكلام الهازل و اللاعب، لأجل عدم التطابق بين الإرادتين.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المرحلتين الأُوليين محرزتان في المقام و لكن الإشكال في المرحلة الثالثة و أنّ الإرادة الاستعمالية في هذا الفرد المشكوك هل هي مطابقة للإرادة الجدّية أو لا، و مع الشكّ في التطابق لا يمكن الاحتجاج بالدليل.

و الحاصل أنّ هنا تقريبين:

الأوّل: تقريب المحقّق الخراساني و حاصله أنّ الفرد و إن أحرز كونه مصداقاً للعام بما هو ظاهر فيه، لكنّه لم يحرز كونه مصداقاً بما هو حجّة فيه، فإنّه حجّة في غير عنوان المخصِّص و هو بعد لم يحرز.

____________

(1)- فوائد الأُصول: 525/ 1، و أجود التقريرات: 459:» انّ اثبات الحكم لشي‏ء خارجاً إنّما هو فرع إحراز تحقّق تمام موضوعه و بما أنّ المفروض في محل البحث أن تحقّق تمام الموضوع مشكوك فيه في الخارج، لا يمكن التمسّك بعموم العام لإثبات الحكم للفرد المشكوك.

482

الثاني: ما ذكرناه و حاصله: أنّ أساس الاستدلال هو إحراز التطابق بين الإرادتين و هو بعدُ غير محرز إذا شكّ في بقاء الفرد تحت العام المخصَّص، أو بقائه تحت عنوان المخصِّص، فهو بعد من الشبهة المصداقية لإحدى الإرادتين و يمكن إرجاع التقريبين إلى تقريب واحد.

فإن قلت: ما الفرق بين القسم الأوّل و الثالث أي الإجمال المفهومي و الإجمال المصداقي إذا دار الأمر بين الأقل و الأكثر، و قد قلنا بجريان أصل التطابق هناك دون هنا.

قلت: إنّ الإجابة عنها واضحة، لأنّ القصور هناك في أصل الحجّة الشرعية حيث إنّ الدليل لم يقم إلّا على مرتكب الكبيرة دون الصغيرة فلا وجه لرفع اليد عن الثانية بالشكّ، مع قيام الحجّة على العموم الذي يعمّه و غيره، بخلاف المقام إذ لا قصور فيه في البيان فقد قامت على حرمة إكرام الفاسق بما هو هو، و القصور في علم المكلّف و اطّلاعه و قلّة احاطته بالمصاديق و عندئذ يكون الفرد المشكوك مردّداً بين كونه مصداق الدليل الأوّل، أو مصداق الدليل الثاني و مع هذا التردّد، لا يجري أصل التطابق إذ ليس الشكّ في أصل التخصيص، لأنّ المفروض ورود التخصيص على عنوان الفاسق و إنّما الشكّ في وقوعه تحت أحد الدليلين أو إحدى الإرادتين فتدبّر.

تقريب للمحقّق النهاوندي لجواز التمسّك‏

ثمّ إنّ للمحقّق النهاوندي‏ (1) تقريباً لجواز التمسّك نقله شيخ مشايخنا العلّامة الحائري في درره و المشكيني في تعاليقه على الكفاية و حاصله: أنّ عنوان» العلماء «شامل لمصاديقه الواقعية بجميع عناوينها الأوّلية و الثانوية و الأُولى مثل‏

____________

(1)- مؤلف تشريح الأُصول المطبوع.

483

العالم العادل واقعاً و العالم الفاسق واقعاً، و الثانية مثل العالم المشكوك عدالته و فسقه و انعقد له ظهور في جميع ذلك بحسب العموم الحالي نعم لا يشمل مقطوع الجهل كما لا يشمل الجاهل الواقعي و كذا لا يشمل مشكوك العلم و إن كان يشمل العالم الواقعي.

و أمّا الخاص فهو شامل لمصاديق الفاسق الواقعي سواء كان أبيضَ واقعاً أو أسودَ كذلك أو مشكوكهما و لا يشمل مشكوك الفسق الذي يشمله العام و إن كان شاملًا للفاسق الواقعي.

فحينئذ العالم مشكوك الفسق مصداق واقعي للعام و مصداق مشكوك للخاص فحينئذ لا يكون الخاصّ حجّة في مشكوك الفسق مطلقاً لأنّه لا يشمله من حيث عنوان مشكوك الفسق، و إن كان يشمله من حيث كونه فاسقاً واقعاً على تقدير كونه كذلك إلّا أنّه تمسّك به في الشبهة المصداقية التي لا يجوز فيها التمسّك قطعاً، و هذا بخلاف العامّ فإنّه يشمله من حيث عنوان مشكوك الفسق و لا يقدح كونه تمسّكاً به في الشبهة المصداقية من حيث عنوان الفاسق الواقعي أو من حيث عنوان العادل الواقعي الذي كانا مشمولين للعام أيضاً. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ العموم الأحوالي، ليس شيئاً وراء الإطلاق الأحوالي و قد عرفت أنّ معنى الإطلاق كون الشي‏ء تمام الموضوع للحكم، و أمّا تفسيره بتسرية الحكم إلى جميع حالات الموضوع و أخذها فيه فغير صحيح لأنّ الإطلاق هو طرد القيود لا ضمّ القيود، فما يظهر من كلامه من تفسير العام بكونه الفرد واجب الإكرام في الأحوال الثلاثة معلوم العدالة، و الفسق و مشكوكهما غير واضح جدّاً.

____________

(1)- لاحظ تعليقة المشكيني على الكفاية 341/ 1 و درر الأُصول لشيخ مشايخنا العلّامة الحائري و تشريح الأُصول للمحقّق النهاوندي و بما أنّ ما حرّره المشكيني أوضح من الكلّ اكتفينا به.

484

و ثانياً: أنّ العموم الأحوالي فرع العموم الأفرادي، فلو علمنا ببقاء فرد تحت العام قطعاً و يقيناً يحكم بشمول حكم العام للأحوال الثلاثة و أمّا إذا شككنا في دخوله و خروجه فلا معنى للتمسّك بالعموم الأحوالي مع الشكّ في العموم الأفرادي، فلو كان واقعاً تحت العام ثبت له العموم الأحوالي و لو خرج من تحته، لا تكون له تلك الأحوال و يكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

و ثالثاً: أنّ العام إنّما يمكن أن يكون متعرّضاً لحكم صورة الشكّ إذا أخذ الشكّ في موضوعه، و المفروض أنّه لم يؤخذ في موضوعه الشكّ في ثبوت عنوان المخصِّص، و معه كيف يكون متعرّضاً لحكم تلك الحالة.

و إن شئت قلت: يلزم أن يكون الدليل الواحد متعرّضاً لحكمين، واقعي و ظاهري أمّا الأوّل، فهو حكم الأفراد حسب كونهم علماء، و أمّا الثاني فهو حكمهم بما أنّهم مشكوكو العدالة و الفسق، و هذا ممّا لا يحتمله قوله: أكرم العلماء.

تقريب ثالث لجواز التمسّك‏

إنّ هنا تقريباً ثالثاً لجواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصِّص ذكره الشيخ من جانب المجوّزين في التقريرات و حاصله؛ أنّ مقتضى استصحاب حكم العام فيما قطع باندراج المشكوك فيه ثمّ شكّ في خروجه، هو كون مورد الشكّ محكوماً بحكم العام.

يلاحظ عليه: الكلام في التمسّك بالعام، لا في استصحاب حكم العام. أضف إليه أنّه من قبيل الشكّ الساري أعني قاعدة اليقين، لا من قبيل الاستصحاب و لا دليل على حجّيّة القاعدة الأُولى فإنّ أدلّة الاستصحاب ظاهرة في وجود اليقين حال الشكّ و لأجل ذلك يقول: لا تنقض اليقين (أي اليقين الفعلي) بالشكّ (الفعلي) و الحال أنّه في قاعدة اليقين مرتفع.

485

و أمّا كون المقام من قبيل الشكّ الساري فلأجل أنّ اليقين و إن كان موجوداً في ظرف صدور العام أي اليقين بأنّ زيداً عالم و واجب إكرامه و لكن بعد صدور الخاص سرى الشكّ إلى نفس اليقين، و أنّه هل كان زيد في زمن صدور العام محكوماً بحكمه جدّاً أو كان محكوماً بإرادة استعمالية و غير جدّية. و معه لا تشمله أدلّة الاستصحاب.

التقريب الرابع لجواز التمسّك‏

إنّ ظاهر عنوان العام كونه مقتضياً للحكم و ظاهر عنوان المخصِّص كونه مانعاً فإذا شكّ في فرد على النحو المتقدّم يكون من قبيل ما أحرز فيه المقتضي و شكّ في المانع و الأصل عدمه.

يلاحظ عليه: أنّ هذا هو القاعدة المعروفة ب» قاعدة المقتضي و المانع «التي شيّد أركانها المحقّق الشيخ هادي الطهراني في رسائله، و هو بعد غير ثابت، لأنّ تلك القاعدة غير قاعدة الاستصحاب، و هما غير قاعدة اليقين و لا يمكن أن يكون اللسان الواحد متعرّضاً لقواعد ثلاث مختلفة و سوف يوافيك الفرق بين القواعد الثلاث في بحث الاستصحاب.

أضف إلى ذلك أنّه ربّما لا يكون المخصِّص بالنسبة إلى العام من قبيل المانع: كما إذا قال بعد قوله: أكرم العلماء و ليكن العلماء عدولًا، فالشكّ في كون زيد عادلًا شكّ في جزء المقتضي لا في وجود المانع.

إلى هنا تبيّن أحكام الأقسام الأربعة للمخصّص المنفصل اللفظي و إليك الكلام في الأقسام الأربعة للمخصِّص اللفظي المتّصل.

***

486

في أحكام المخصّص اللفظيّ المتّصل بأقسامه الأربعة

و يقع الكلام في الأقسام الأربعة:

1 لو كان المخصِّص اللفظي متّصلًا مجملًا من حيث المفهوم دائراً أمره بين الأقلّ و الأكثر كما إذا قال: أكرم العالم غير الفاسق أو إلّا الفاسق.

2 تلك الصورة و كان دائراً أمره بين المتباينين كما إذا قال:» غير زيد «أو» إلّا زيداً «و دار أمره بين زيد بن عمرو و زيد بن بكر، فلا كلام في عدم حجّيّة العامّ في مورد الشكّ فيهما.

أمّا الأوّل: فلأنّ التخصيص بالمتّصل أشبه شي‏ء بالتقييد حيث يعود الموضوع مركّباً من العام و عنوان غير الفاسق فلا بدّ في الحكم بوجوب الإكرام من إحراز كلا الجزءين و هو بعد غير محرز و إن كان عنوان العام محرزاً للشكّ في كون مرتكب الصغيرة فاسقاً.

فإن قلت: ما الفرق بين المخصّص المتصل و المنفصل حيث صحّ التمسّك به في الثاني دون الأوّل؟

قلت: الفرق واضح حيث إنّ اتصال المخصِّص، يوجب عدم انعقاد ظهور للدليل إلّا في العنوان المركّب و ليس هنا إلّا دليل واحد و له ظهور واحد، و هذا بخلاف ما إذا كان المخصِّص منفصلًا، فانّه ينعقد للعام ظهور فيه، و المخصِّص بانفصاله لا يزاحم ظهوره في العموم و إنّما يزاحم حجّيته فيه و بما أنّ المخصِّص المنفصل ليس حجّة إلّا في مرتكب الكبائر دون الصغائر حتّى لو لم يكن هناك عام لا يصحّ التمسّك بالمخصّص في الفرد المشكوك و عندئذ يتمسّك بالعموم فيه أخذاً بالعام الذي هو حجّة فيما لا حجّة أقوى منه و المفروض عدمه.

و أمّا الثاني: فيظهر حكمه ممّا سبق فلا يجوز التمسّك بالعام لأنّه كما يجب‏

487

إحراز كون الرجل عالماً هكذا يجب أن يحرز كونه غير زيد و بما أنّه مجمل مفهوماً، فلا يمكن إحرازه إلّا بعد الوقوف على مفهومه و هو بعد غير محرز.

3 ما إذا كان المخصّص لفظياً متّصلًا و كان أمره دائراً بين الأقل و الأكثر من حيث المصداق كما إذا قال: أكرم العلماء غير الفساق و شكّ في عدد الفساق و دار أمرهم بين عشرة و تسعة.

4 الصورة السابقة و لكن دار أمره بين المتباينين كما إذا قال: أكرم العلماء غير زيد بن بكر و تردّد مصداق ذلك المفهوم المبيّن بين رجلين، فلا يجوز التمسّك بالعام فيهما بعين ما قلناه في المنفصل.

في المخصص اللبيّ المتّصل بأقسامه الأربعة

و الصور المتصوّرة فيه في بدء النظر أربع:

1 إجمال المخصص من حيث المفهوم الدائر أمره بين الأقلّ و الأكثر.

2 إجمال المخصص من حيث المفهوم الدائر أمره بين المتباينين.

3 إجمال المخصص من حيث المصداق المردّد بين الأقل و الأكثر.

4 إجمال المخصص من حيث المصداق المردّد بين المتباينين.

غير أنّ الصورتين الأُوليين لا يتصوّران، لأنّ المراد من المخصِّص اللبي المتّصل هو العقل، و هو لا يتردّد في موضوعه حتّى يتردّد بين الأقلّ و الأكثر أو بين المتباينين، فيحكم بقبح الكذب مطلقاً أو بقبح الضارّ من غير تردّد و لأجل ذلك يسقط الكلام في القسمين الأوّلين.

و أمّا الصورتان الأخيرتان فيمكن التردّد بينهما كما في المخصِّص اللفظي إذ العقل و إن كان لا يتردّد في حكمه و موضوعه الكلّيين و أمّا الفرد الخارجي فيمكن التردّد فيه بكلتا الصورتين.

488

ثمّ المراد من المخصِّص اللبي المتصل، ما إذا كان موجوداً في ذهن المتكلّم و المخاطب حين إلقاء الخطاب و يصحّ للمتكلّم أن يتّكل عليه في مقام التخاطب كالحكم البديهي أو ما يقرب منه.

و أمّا إذا حصل القطع للعبد بعد زمان التخاطب و بعد التأمّل و التفكّر، كما إذا قال المولى: أكرم جيراني فقطع العبد بعد مدّة أنّه لا يريد أعداءه من الجيران فهو داخل في اللبي المنفصل.

و في القسم الأوّل لا ينعقد للعام ظهور إلّا في المقيِّد بغير عنوان الخاص و عندئذ يجب إحراز كلا القيدين و المفروض خلافه.

و ما عن الشيخ الأنصاري و المحقّق الخراساني، من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية فيما إذا كان المخصِّص لبيّاً راجع إلى غير هذه الصورة ممّا يشبه أن يكون كالمنفصل.

قال في الكفاية: و أمّا إذا كان المخصِّص لبيّاً فإن كان ممّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في مقام البيان فهو كالمتّصل حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعام إلّا في الخصوص و إن لم يكن كذلك فالظاهر بقاء العام في المصداق المشتبه على حجّيته كظهوره فيه و سيوافيك ضعفه. (1)

في المخصِّص اللبّي المنفصل بأقسامه الأربعة

و صوره أيضاً أربع مثل ما سبق. و المراد من اللبّي المنفصل هو قيام السيرة أو الإجماع أو حصول القطع على خلاف العام و حكم اللبي المنفصل، هو حكم اللفظي المنفصل، حذو النعل بالنعل فلا يسري الإجمال إلى العام إذا كان إجمال‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 343/ 1.

489

المخصِّص مفهومياً دائراً بين الأقل و الأكثر و إنّما يسري فيما إذا كان إجمال المخصِّص مفهومياً دائراً بين المتباينين كما إذا قام الإجماع على عدم إكرام زيد المردّد بين كونه ابن بكر أو ابن عمرو، كما لا يصحّ التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية في كلا الموردين.

غير أنّ الشيخ و المحقّق الخراساني أجازا التمسّك بالعام إذا دار إجمال المخصّص بين الأقل و الأكثر مصداقاً و أوضحه المحقّق الخراساني بقوله: إذا قال المولى: أكرم جيراني و قطع بأنّه لا يريد إكرام من كان عدوّاً له منهم كان أصالة العموم باقية على الحجّية بالنسبة إلى من لم يعلم بخروجه عن عموم الكلام للعلم‏ (1) بعداوته لعدم حجّة أُخرى بدون ذلك على خلافه، بخلاف ما إذا كان المخصِّص لفظياً فإنّ قضيّة تقديمه عليه هو كون الملقى إليه كأنّه كان من رأس لا يعمّ الخاص كما كان كذلك حقيقة فيما كان الخاص متّصلًا، و القطع بعدم إرادة العدوّ لا يوجب انقطاع حجّيّته إلّا فيما قطع أنّه عدوّه لا فيما شكّ فيه كما يظهر هذا من صحّة مؤاخذة المولى لو لم يكرم واحداً من جيرانه لاحتمال عداوته له و حسن عقوبته على مخالفته و عدم صحّة الاعتذار عنه بمجرّد احتمال العداوة كما لا يخفى على من راجع الطريقة المعروفة و السيرة المستمرّة بين العقلاء التي هي ملاك حجّية أصالة الظهور و بالجملة كان بناء العقلاء على حجّيتها بالنسبة إلى المشتبه هاهنا بخلافه هناك. (2) و السّر وجود التفاوت بين إلقاء حجّتين و تكون قضيّتهما بعد تحكيم الخاص على العام كأنّه لم يعمّه الحكم من رأس و كأنّه لم يكن بعامّ بخلافه هاهنا فإنّ الحجّة الملقاة ليست إلّا أمراً واحداً و القطع بعدم إكرام العدو لا يوجب رفع اليد عن عمومه إلّا فيما قطع بخروجه.

بل ربّما يمكن أن يقال: إنّ قضية عمومه للمشكوك أنّه ليس فرداً لما علم‏

____________

(1)- متعلق لقوله:» بخروجه «.

(2)- كفاية الأُصول: 344/ 1.

490

بخروجه من حكمه بمفهومه (كالمؤمن) فالحكم بعمومه، يوضح أنّه ليس بمؤمن.

و حاصل ما أفاده يتلخّص في أُمور:

1 إنّ المخصِّص المنفصل اللفظي يوجب تقيّد موضوع العام في مقام الحجّية بغير عنوان الخاص كما كان كذلك حقيقة فيما كان الخاص متّصلًا، و هذا بخلاف ما إذا كان المخصِّص لبيّاً فإنّه لا يوجب انقطاع حجّيته إلّا فيما قطع بعداوته.

2 جرت سيرة العقلاء على التمسّك بالعام في الموارد المشكوكة و عدم صحّة الاعتذار باحتمال العداوة.

3 إنّ إلقاء الحجّتين و تقديم إحداهما على الأُخرى يوجب كون الملقى إليه كأنّه كان من رأس لا يعمّ الخاص كما كان كذلك حقيقة فيما كان الخاص متّصلًا بخلاف إلقاء الحجّة الواحدة فانّه لا يوجب رفع اليد إلّا في المقطوع.

4 يتمسّك بعموم العام ويحكم للفرد المشكوك أنّه ليس من أقسام الفرد المقطوع خروجه. كما في مثال:» لعن اللّه بني أُميّة قاطبة «فلو شكّ في إيمان أحد، يحكم بعموم الحكم أنّه ليس مؤمناً.

يلاحظ عليه: أمّا أوّلًا فانّ المخصِّص اللبي المنفصل كالمخصِّص اللفظي المنفصل فانّه لا يصادم عموم العام و إنّما يصادم حجّيته حسب ما اختاره هو (قدس سره) عند البحث عن المخصِّص اللفظي المنفصل، لأنّه حجّة

491

من الحجج فكما أنّ اللفظي يجعله حجّة في غير عنوان الخاص حسب تقريره هكذا اللبي يجعله حجّة في غير عنوانه أعني العدو فعندئذ يجب إحراز كلا العنوانين و لا يكفي إحراز عنوان واحد.

و ثانياً: ما ذكره من الفرق بين إلقاء الحجّتين و إلقاء حجّة واحدة لا يرجع إلى شي‏ء فإنّ حكم العقل أيضاً حجّة مثل الحجّة اللفظية بل أقوى منها، لأنّه حجّة قطعية يفيد العلم بخلاف النقل فإنّه حجّة غير مفيد له.

و ثالثاً: دعوى جريان السيرة على التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية فيما إذا كان المخصِّص لبياً، ممّا لا دليل عليها.

و رابعاً: إنّ إحراز حال الفرد المشتبه بالأصل اللفظي فرع كونه حجّة في مثبتاته فإنّ الحكم بكفر المشتبه في آل أُميّة لازم عقلي لبقاء العموم في عمومه و لم تثبت حجّية الأصل اللفظي في لوازمه و إن ادّعى بعضهم حجّيته فيها.

ثمّ إنّ القول بعدم جواز التمسّك بالعام من جهة الشبهة المصداقية ممّا أثاره الشيخ الأعظم بعد ما كان المشهور عند القدماء هو جواز التمسّك و لأجل ذلك إذا دار أمر اليد بين أن تكون يد ضمان و عدمه حكموا بالضمان تمسّكاً بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « (1) كما حكموا بانفعال الماء إذا دار أمره بين كونه قليلًا أو كثيراً. و قد عرفت عدم صحّة التمسّك، إمّا لأنّ المخصِّص يوجب تعنون العام بعنوان خاص مشكوك وجوده في مورد الشكّ و إمّا لأنّ الاحتجاج مبني على إحراز أُمور ثلاثة، و الثالث منها غير موجود في مورد الشبهة على ما عرفت.

و على كلّ تقدير فهناك تفاصيل عن الأعلام نشير إليها:

1 تفصيل للشيخ الأعظم‏

ذهب الشيخ الأعظم إلى تفصيل آخر غير ما أفاده المحقّق الخراساني و هو أنّ التخصيص تارة يوجب تعدّد الموضوعين و تنويعهما كالعالم و الفاسق، و العالم غير الفاسق و أُخرى لا يوجب ذلك كما إذا لم يعتبر المتكلّم صفة في موضوع الحكم غير ما أخذه عنواناً في العام و إن علمنا بأنّه لو فرض في أفراد العام من هو فاسق‏

____________

(1)- سنن البيهقي: 90/ 6 و 95، و مسند أحمد: 8/ 5 و 13.

492

لا يريد إكرامه فعلى الأوّل لا وجه لتحكيم العام و أغلب ما يكون ذلك إنّما هو في التخصيصات اللفظية و على الثاني يجب تحكيم العام و أغلب ما يكون إنّما هو في التخصيصات اللبيّة. (1) و يمكن تحرير مقصده بوجه آخر و إن علّله هو (قدس سره) بغير هذا الوجه و حاصله: أنّه على الأوّل، لا يلزم من خروج المشكوك، تخصيص زائد لأنّ العام قد خصِّص بالعنوان الكلي المنطبق على الكثير و القليل فلو لم يحكّم العام في مورد الشك لا يلزم منه إلّا تخصيص واحد.

و هذا بخلاف القسم الثاني فإنّ كلّ فرد خرج بنفسه و بذاته، و دخوله تحت جامع كالفاسق ارتجالي، لا عبرة به في التخصيص و يكون عدد التخصيص بعدد الأفراد فلو لم يحكّم العام لزم التخصيص الزائد.

و على ذلك، التخصيص اللبي على قسمين تارة يقف العقل على علّة الخروج و ملاك التخصيص كأن يقف على أنّ الأفراد بما هم فسقة لا يرد إكرامهم و بما أنّ الحيثيات التعليلية، جهات تقييدية، يكون موضوع العام حسب نظرهم متقيداً بهذا القيد، و أُخرى يقف الإنسان على خروج عدّة من تحت العام من دون أن يقف على ملاك الحكم و إن كان يجمعهم عنوان الفاسق و عندئذ إذا شككنا في خروج بعض دون بعض يكون الشكّ في التخصيص الزائد و كان العامّ محكّماً، كما إذا وقف عن دليل نقلي على خروج زيد و بكر و شكّ في خروج ثالث، فبما أنّ خروج كلّ واحد، تخصيص على حدة، يكون الشكّ في خروج الفرد الثالث شكّاً في التخصيص الزائد و يكون العامّ هو المرجع.

و من هنا يظهر أنّه ليس الفارق هو اللفظي و اللبي، بل الفارق كون الخارج هو العنوان أو ذوات الأفراد.

____________

(1)- مطارح الأنظار: 198.

493

2 تفصيل للمحقّق النائيني‏

ثمّ إنّ للمحقّق النائيني تفصيلًا في مورد التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة و إليك بيانه: لو ورد عامّ و علم أنّ المولى لا يريد جميع ما ينطبق عليه عنوان العام كيف ما اتّفق و هذا على قسمين:

1 ما يصلح أن يكون قيداً للموضوع و لم يكن إحراز انطباق ذلك العنوان على مصاديقه من وظيفة الآمر و المتكلّم بل كان من وظيفة المأمور و المخاطب، كما إذا قال:» انظروا إلى رجل قد روى حديثنا ... «حيث علم أنّ العام غير مقصود و قام الإجماع على اعتبار العدالة في المجتهد الذي يرجع إليه في القضاء، ففي مثله يكون المخصِّص اللبي كالمخصِّص اللفظي، حيث يكون القيد جزءاً للموضوع و في مثله لا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بل يجب إحراز كونه عادلًا كما يجب إحراز كونه مجتهداً.

2 ما لا يصلح لأن يكون قيداً للموضوع بل يكون كاشفاً عن ملاك الحكم و علّته من دون أن يوجب ذلك تقييد موضوع الحكم به حيث إنّه لا يصحّ تقييد موضوع الحكم بما هو ملاكه و يكون إحراز العنوان من وظيفة الآمر و المتكلّم و هذا كما في قوله:» اللّهمّ العن بني أُميّة قاطبة «، حيث نعلم أنّ الحكم لا يعمّ كلّ بني أُميّة حتّى من كان مؤمناً منهم، و لكن العنوان الذي وقفنا به على خروج بعض الأفراد لا يصحّ أن يقع قيداً للموضوع، كعنوان غير الخيّر أو المؤمن و ذلك لأنّ حكم اللعن بنفسه لا يصلح أن يعمّ المؤمن أو الخيّر حتّى يصحّ تخصيصه بأحد هذين العنوانين و هذا بخلاف الفاسق، فانّه يصلح أن يكون قيداً بل لا يصلح إلّا لذلك.

كما أنّ إحراز وجود ملاك اللعن في بني أُميّة من وظيفة المتكلّم حيث إنّه لا يصلح له إلقاء مثل هذه الأُمور إلّا بعد إحراز ذلك، فلو فرض أنّه علمنا من‏

494

الخارج أنّ خالد بن سعيد مثلًا كان مؤمناً كان ذلك موجباً لعدم اندراجه تحت العموم و لكن المتكلّم لم يبيّنه بمصلحة اقتضت ذلك فلا يجوز لنا لعنه لمكان علمنا بعدم ثبوت ملاك الحكم فيه و أمّا إذا شككنا في إيمان أحد من بني أُميّة فاللازم الأخذ بالعموم و جواز لعنه لأنّه من نفس العموم يستكشف أنّه ليس بمؤمن و أنّ المتكلّم أحرز ذلك حيث إنّه من وظيفته كان إحراز ذلك، فلو لم يحرز أنّ المشكوك شقيّ لما ألقى العموم كذلك.

و الضابط الكلّي في بطلان التمسّك و صحّته هو أنّه لو كان القيد من العناوين المنوّعة الممكن أخذه في موضوع الحكم و كان إحراز انطباق العنوان على الأفراد بيد المكلّف لا يجوز فيه التمسّك.

و أمّا إذا لم يكن القيد منوّعاً للموضوع و كان إحراز وجود الملاك (العنوان) على عهدة المتكلّم و الآمر ففي مثل ذلك يجوز التمسّك لبساطة موضوع العامّ و عدم تركّبه و لا يفرق فيه بين أن يكون من العقل الضروري أو النظري أو الإجماع ففي الجميع يصحّ التعويل على العامّ في الشبهات المصداقيّة. (1) و حاصله: أنّ المخصِّص إذا كان كاشفاً عن تقييد موضوع العام فلا يجوز التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية أبداً و إذا كان كاشفاً عن ملاك الحكم فقط من دون تقييد فلا مانع من التمسك بالعموم بل يكون كاشفاً عن وجود الملاك في المشكوك.

ثمّ إنّه ذكر صورة ثالثة و هي أنّه إن تردّد أمره و لم يحرز كونه قيداً أو ملاكاً فلو كان من الأحكام العقليّة الضرورية يمكن الاتكال عليه فيكون قيداً و إن كان نظرياً أو إجماعيّاً لا يصحّ الاتكال عليه، فيلحق بالقسم الثاني فيتمسّك بالعموم‏

____________

(1)- فوائد الأُصول: 536/ 5391 و لاحظ أجود التقريرات: 475/ 1، و اللفظ للأوّل. و راجع في توضيحه المحاضرات: 203/ 2045.

495

لجواز أن يكون الفرد المشكوك قد أحرز المولى وجود الملاك فيه، مع احتمال أنّ ما أدركه العقل أو قام عليه الإجماع من قبيل الملاك.

يلاحظ عليه: أمّا أوّلًا: فلأنّ إلقاء العموم لو كان ملازماً لكون كلّ فرد فرد من بني أُميّة واجداً لملاك اللعن أعني بغض أهل البيت (عليهم السلام) أو كونهم غير مؤمنين، صحّ ما ذكره، لأنّ إحراز الملاك من وظائف المولى و أنّ إلقاء مثل هذا العموم لا يصحّ إلّا بعد إحراز ذلك.

و أمّا إذا كان إلقاء العموم لا لأجل كون كلّ فرد ملازماً للملاك، بل لوجود الملاك في أكثرهم لكن ألقى الحكم بصورة العامّ لوجود المصلحة في تأخير البيان (كما ذكره (قدّس اللّه سرّه) فلا يكون سكوت المولى عن حكم ذلك الفرد دليلًا على كونه واجداً لملاك اللعن بل يكون لأجل مصلحة مقتضية لإلقاء الحكم بصورة العامّ كما في المولى الحقيقي أو لجهله بعدم الملاك فيه كما ربّما يتفق في الموالي العرفيّة.

و حينئذٍ لا يكشف الحكم بالعموم أنّ المولى أحرز الملاك في كلّ واحد حتّى يصحّ لنا الأخذ به و يلعن الجميع حتّى الفرد المشكوك لعدم إحراز أنّ الملاك موجود في كلّ واحد بل من المحتمل أنّه غير موجود في بعضهم و أنّ المولى أخّر البيان لأجل مصلحة اقتضت ذلك التأخير.

و ثانياً: أنّ الموضوع للحكم لا يمكن أن يكون أعمّ من الملاك، فإذا كان الملاك لجواز اللعن هو بغض أهل البيت (سلام اللّه عليهم) و أمكن أن يكون أبناء أُميّة على قسمين، مبغضاً و غير مبغض كما اتّفق في خالد بن سعيد و غيره فلا يصحّ أن يكون الموضوع هو مطلق أبناء أُميّة بل ضيق الملاك يكشف عن وجود قيد في الموضوع من نحو» غير المؤمن «و عندئذ يلحق القسم الثاني بالقسم الأوّل، و يكون الشكّ في جواز لعن أحد ناشئاً من عدم إحراز جزء الموضوع كما لا يخفى.

496

و ثالثاً: أنّ الشكّ في خروج فرد في كلا القسمين لا يخلو عن إحدى صورتين: إمّا أن يكون الخروج تحت ضابط من الضوابط و عنوان من العناوين كالفاسق و غيره أو يكون الخروج أفرادياً، و يكون اجتماعها تحت عنوان أمراً ارتجالياً لا دخل له في الموضوع ففي الأوّل لا يصحّ التمسّك لأنّه شكّ في وجود جزء الموضوع بخلاف الثاني، لأنّه شكّ في التخصيص الزائد كما لا يخفى، و يتّحد مع تفصيل الشيخ الأعظم.

و رابعاً: أنّ ما ذكره من الصورة الثالثة أعني ما لا يتبيّن أنّه من ملاكات الأحكام أو من قبيل قيود الموضوع لا يتصوّر في الأحكام العقلية كما هو مفروض الكلام، لأنّه أعرف بحال موضوعه و لا يشكّ في كليّات الموضوع و خصوصياته.

*** تفصيل ثالث: إذا كان الحكم الذاتي للموضوع هو الحرمة و الفساد. و كانت الحلّية و الصحّة على خلاف طبع الموضوع، و كان الحكم بهما على وجه الندرة و القلّة، و بصورة الاستثناء ففي هذه الموارد لو شكّ في مورد أنّه باق تحت حكم العام، أو خارج عنه و واقع تحت موضوع المخصِّص، فالعام هو المحكّم حتى يثبت الخلاف و إن كان تمسّكاً بالعام في مورد الشبهة المصداقية و إليك بعض الأمثلة:

1 إنّ الأصل في النظر إلى المرأة هو الحرمة خرج عنه ما ورد في الآية المباركة أعني قوله سبحانه: (وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَ‏) (النور/ 31).

فلو شكّ في امرأة أنّها من المحارم أو لا، لا يجوز النظر إليها أخذاً بحكم طبع الموضوع و هو حرمة النظر.

2 الأصل في الوقف هو حرمة بيعه و فساده إلّا في موارد نادرة التي ذكرها الشيخ الأعظم في شرائط العوضين كالخوف من الفتنة و الفساد أو خروجه عن‏

497

حيّز الانتفاع أو غير ذلك فلو واجهنا أنّ هناك من يبيع الوقف و احتملنا اقترانه بواحد من المجوّزات لا يجوز بيعه تمسّكاً بطبع الحكم إلّا إذا أُحرز المجوّز.

3 الأصل في مال اليتيم هو حرمة التصرّف تكليفاً و وضعاً، للمولى و غيره من عدول المؤمنين إلّا إذا كانت هناك غبطة في التصرّف فلو قام أحد ببيع مال اليتيم و احتملنا اقترانه بالغبطة لا يجوز شراؤه إلّا بعد الإحراز و لا تجري في أمثال الموارد، أصالة الصحة في فعل المسلم، لأنّها إنّما تجري إذا لم يكن الأصل الأوّلي في المورد هو الحرمة و الفساد، كما إذا أراد الإنسان بيع مال نفسه فيحمل فعله على الصحّة.

4 لو تلف مال الغير تحت يد الإنسان فالأصل فيه هو الضمان إلّا إذا كانت اليد يد أمانة، فلو تلف مال و شكّ في كيفية اليد أنّها يد أمانة أو لا، فالأصل فيه الضمان، و لأجل ذلك حكم الفقهاء في مثل المورد بالضمان و إن كان المورد، من قبيل الشبهة المصداقية لقوله على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.

5 الأصل في اللحوم البحرية هي الحرمة إلّا السمك ذات الفلس، فلو شكّ في نوع سمك أنّه من ذوات الفلس أو لا، فالأصل فيه الحرمة حتّى يثبت الخلاف.

و بذلك يعلم وجه التفريق في كلام الشيخ في فرائده و متاجره، بين الصلاة على الميّت، و بيع مال اليتيم، حيث تجري أصالة الصحّة في الأُولى دون الثاني فلو قام أحد بإقامة الصلاة على الميّت و شككنا في صحّة صلاته و فسادها تحمل على الصحّة و لو قام هو ببيع مال اليتيم، أو الوقف، لا يحمل على الصحّة إذا كان هناك شك في وجود المسوّغ للبيع.

و هل الدليل في المقام هو العام كما عليه المشهور، أو الأصل المصطاد من الشرع في هذه الموارد وجهان و لعلّ الثاني أظهر. لما ذكر من لزوم إحراز الغبطة في بيع غير الولي دونه.

498

الفصل الرابع: في إحراز حال الموضوع بالأصل العملي‏

إنّ عدم صحّة التمسّك بالعام في مورد الشبهة المصداقية إنّما هو في مورد لم يحرز عنوان المخصِّص وجوداً أو عدماً بأصل موضوعي و إلّا فيتمسّك بالمخصِّص في الأوّل، و بالعام في الثاني.

فلو قال: أكرم العلماء و قال: لا تكرم الفساق منهم، و كان الفرد المشكوك مستصحب الفسق أو عدمه، فيحكم باستصحاب فسقه بأنّه لا يجب أو يحرم إكرامه، و باستصحاب عدمه بأنّه واجب الإكرام و هذا، ما يقال من أنّ الأصل الموضوعي ينقّح حال الموضوع من كونه فاسقاً أو غير فاسق، فيدخل المورد تحت أحد الدليلين، و المراد من الأصل المنقِّح للموضوع ما إذا كان حال كونه موجوداً، محكوماً بإحدى الحالتين ثمّ شكّ في بقاء تلك الحالة، كما مثّلناه و أمّا إذا لم يكن موجوداً في زمان و محكوماً بإحداهما فهل يمكن تنقيح حال الموضوع باستصحاب الحالة العدمية الأزلية بأن يقال: بأنّه عند ما لم يكن موجوداً، لم يكن فاسقاً، و لمّا انقلب العدم الأوّل إلى الوجود، نشكّ في انقلاب العدم الثاني إليه و عدمه فنستصحب بقاء العدم الثاني إلى زمن حدوث وجوده و تسريته إلى زمن الشكّ و هذا ما يطلق عليه استصحاب العدم الأزلي و قد وقع مجالًا للنقد و الإشكال و النقض و الإبرام، فذهب قوم منهم المحقّق الخراساني إلى جواز استصحابه، و أنّه ينقح به حال الموضوع فيتمسّك بأحد الدليلين، حسب مقتضى الاستصحاب،

499

و ذهب آخرون منهم المحقّق البروجردي إلى بطلانه، و أنّه ليس مصداقاً عرفياً لقوله:» لا تنقض اليقين بالشكّ «و لو خولف لا يقال أنّه نقض يقينه بالشك.

و على كلّ تقدير فقد استدل المحقّق الخراساني على جواز التمسّك به بما هذا توضيحه:

إنّ الباقي تحت العام على قسمين:

الأوّل: أن يكون الباقي تحته معنوناً بعنوان خاص، إذا كان المخصِّص متّصلًا و كان وصفاً للعام إمّا بصورة الموجبة المحصّلة كما إذا قال: أكرم العلماء العدول، أو بصورة الموجبة المعدولة كما إذا قال: أكرم العلماء غير الفساق و يجمع القسمان أنّ العام معنون بعنوان وجودي ففي هذين الموردين لا يجدي استصحاب العدم الأزلي لإثبات العنوان الوجودي، و ذلك لأنّ استصحاب عدم كونه فاسقاً بصورة العدم الأزلي لا يثبت شرعاً كونه عادلًا لأنّه نظير نفي أحد الضدّين و إثبات الضدّ الآخر، كما أنّ استصحابه لا يثبت كونه غير فاسق، لأنّ المستصحب أمر عدمي، و القيد المأخوذ في الموضوع أمر وجودي و تلازمهما عقلًا لا يكون دليلًا عليه شرعاً و المستصحب بما أنّه أمر أزلي، لا يتوقّف صدقه على وجود الموضوع بخلاف الموجبة المعدولة الواقعة نعتاً، فهو يتوقّف على وجود الموضوع، فاستصحاب أحدهما لا يثبت الآخر، لتغايرهما مفهوماً و حقيقة.

و أمّا إذا كان المخصِّص منفصلًا، أو كان متصلًا بصورة الاستثناء و شبهه، ففي هذين الموردين يصحّ التمسّك بالأصل لتنقيح حال الموضوع و أنّه باق تحت العام غير خارج عنه و ذلك للفرق بين المقام و ما سبق، فانّ التخصيص بالمنفصل أو بالاستثناء لا يوجب تعنون العام بعنوان خاص، بل جميع العناوين بالنسبة إليه سواسية، غير أنّه يجب أن لا ينطبق عليه عنوان الخاص فقط و عندئذ يكفي في سلب عنوان الخاص، نفس الأصل الأزلي، فيكون من قبيل إحراز أحد الجزءين بالوجدان، و الجزء الآخر (سلب عنوان الخاص) بالأصل العدمي.

500

و حاصل الفرق بين المقامين، أنّ الموضوع في القسم الأوّل يكون مركّباً من شيئين وجوديين: العلماء و العدول أو غير الفساق و أحد الجزءين و إن كان يمكن إحرازه بالوجدان إلّا أنّ الجزء الآخر، بما أنّه أمر وجودي لا يمكن إحرازه، بالأصل العدمي بخلاف القسم الآخر فإنّ موضوع العام باق على بساطته، و الأثر مترتب على أمر وجودي باسم العلماء و سلب عنوان وجودي و الأوّل محرز بالوجدان و الثاني بالأصل.

و على ضوء ذلك، إذا شككنا في أنّ المرأة قرشية أو لا، يمكن التمسّك بالأصل لتنقيح حالها فإذا ورد في الدليل:» المرأة ترى الحمرة إلى خمسين إلّا القرشية «أو قال:» المرأة ترى الحمرة إلى خمسين «ثمّ قال:» القرشية تحيض إلى ستّين « (1) ففي هذا المورد يكفي في تنقيح الموضوع بأصالة عدم تحقّق الانتساب بينها و بين القرشي و ذلك لأنّ المخصِّص لمّا لم يكن عنواناً و قيداً للعام، فلا يوجب تنويع العام و انقسامه إلى قرشية و غير قرشية، بل هو باق على عنوانه خرجت عنه القرشية، فيجب أن لا يصدق عليه عنوان القرشية و يكفي في ذلك نفي عنوان الخاص و لو باستصحاب عدمه الأزلي.

و الحاصل أنّه فرق بين كون الباقي تحت العام متعنوناً بعنوان وجودي و قيد خاص كما إذا قال: المرأة غير القرشية ترى الدم إلى خمسين على نحو الموجبة المعدولة فلا يمكن إثبات ذلك الأمر الوجودي بنفي ضدّه.

و أمّا إذا كان الباقي تحت العام، هو ذات الفرد غاية الأمر يجب بحكم التخصيص أن لا يصدق عليه عنوان الخاص مثلًا إذا كان الموضوع هو ذات المرأة مع عدم صدق عنوان الخاص و لو بنحو السالبة المحصّلة، فيكفي في إثبات حكم‏

____________

(1)- روى في الوسائل عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة إلّا أن تكون امرأة من قريش. لاحظ الوسائل، الجزء 2، الباب 21 من أبواب الحيض، الحديث 2.