المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
51

أمر بإيجاده مطلقاً في زمان الأمر بضدّه كذلك و إمّا أمر بإيجاده مشروطاً بترك الآخر، أمّا الأوّل فلا يلتزم به كلّ من أحال التكليف بما لا يطاق و الثاني على قسمين إمّا أن يكون الشرط في ناحية الأمر المشروط هو الترك الخارجي للأهمّ، أو كون المكلّف بحيث يترك في علم اللّه.

أمّا الأوّل، فهو خارج عن الترتّب لأنّه يدّعى تحقّق الأمرين في زمان واحد.

و أمّا الأخير، فلازمه القول بإطلاق الأمر المتعلّق بالمهم، في ظرف تحقّق شرطه. و المفروض وجود الأمر بالأهم أيضاً، لأنّه مطلق. ففي زمان تحقّق شرط المهم، يجتمع الأمران المتعلّقان بالضدّين، و كلّ واحد منهما مطلق. أمّا الأمر المتعلّق بالأهم، فواضح. و أمّا الأمر المتعلّق بالمهم، فلأنّ الأمر المشروط يصير بعد تحقّق شرطه مطلقاً.

ثمّ إنّه (قدس سره) أورد عليه بما لا يهمنا التعرض له فعلًا غير أنّا نختار أنّ الشرط هو الثاني أي كون المكلّف بحيث يترك في علم اللّه لكنّه إنّما ينقلب إلى الواجب المطلق لو كان العصيان شرطاً بوجوده الآني و على حسب مصطلحنا إذا كان الشرط مقارناً، و أمّا إذا كان الشرط هو العصيان الممتدّ إلى آخر الصلاة فهو لا ينقلب إلى الواجب المطلق إلّا بعد الفراغ و هو ظرف سقوط الأمر بالمهمّ بالطاعة.

فإن قلت: كيف يكون الأمر بالمهم فعلياً، مع عدم حصول شرطه تماماً. و هل هذا إلّا تفكيك المشروط و هو فعلية الأمر بالمهم عن شرطه؟

قلت: إنّ حلّ العقدة يحصل بما اخترناه من صحّة الشرط المتأخّر في الأُمور الاعتبارية، و عدم المانع فيها من كون الأمر المتأخّر شرطاً للمتقدّم، فيؤثر بوجوده المتأخر في فعلية الأمر بالمهم المتقدّمة.

و قد عرفت عند البحث عن الشرط المتأخّر أنّ حديث المقارنة إنّما هو في‏

52

الأُمور التكوينية، لا الأُمور الاعتبارية، كالبعث الاعتباري و فعليته. نعم يجب في الإرادة التكوينية أن يكون الشرط مقارناً، و هو غير البعث و الأمر الاعتباريين.

أضف إليه من إمكان جعل الأمر بالمهم من قبيل الواجب المعلّق، بأن يكون الوجوب مطلقاً و الواجب مقيّداً متأخّراً عن الإيجاب. و كون الأمر بالمهم مطلقاً، لا يضرّ، مع كون المطلوب مقيّداً بصورة ترك الأمر بالأهمّ.

إلى هنا ظهر لك من تحليل دليل المانع، اتقان الترتّب و صحّته. و لا نحتاج مع ذلك إلى دليل أو أدلّة المصححين للترتّب، و لكننا نذكرها إكمالًا للبحث.

53

أدلّة القائلين بجواز الترتّب‏

ذكروا لصحّة الترتّب تقريبات نذكرها فيما يلي:

الأوّل: ما نقل عن بعض الأُصوليين:

و لخّصه المحقّق الاصفهاني بما حاصله: أنّ اقتضاء كلّ أمر لإطاعة نفسه، في رتبة سابقة على إطاعته. كيف لا، و هي مرتبة تأثيره و أثره. و من البديهي أنّ كلّ علّة، منعزلة في مرتبة أثرها، عن التأثير، و إنّما اقتضاؤها، في مرتبة ذاتها المقدّمة على تأثيرها و أثرها. و لازم ذلك كون عصيان المكلّف و هو نقيض طاعته أيضاً في مرتبة متأخرة عن الأمر و اقتضائه.

وعليه، فإذا أُنيط أمر بعصيان مثل هذا الأمر، فلا شبهة أنّ هذه الإناطة تُخرج الأمرين عن المزاحمة في التأثير. إذ في رتبة الأمر بالأهم، لا وجود للأمر بالمهم. و في رتبة وجود الأمر بالمهم، لا يكون اقتضاء للأمر بالأهم. فلا مطاردة بين الأمرين، بل كلّ يؤثر في رتبة نفسه على وجه لا يوجب تحيّر المكلّف في امتثال كلّ منهما، و لا يقتضي كلّ من الأمرين إلقاء المكلّف فيما لا يطاق، بل كلّ يقتضي موضوعاً لا يقتضي غيره. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ التأخّر الرتبي يحتاج إلى وجود الملاك في نفس الشي‏ء، و إلّا فمجرّد كونه مقارناً لما هو متأخّر رتبة عن شي‏ء آخر، لا يوجب اتصافه‏

____________

(1)- نهاية الدراية: 233/ 1.

54

بالتأخّر الرتبيّ. و المقام كذلك، لأنّ تأخّر الإطاعة عن الأمر ناشئ من كونها بمنزلة أثر الأمر و معلوله، فتتأخر عن الأمر تأخّر المعلول عن علّته. و أمّا العصيان، فليس فيه هذا الملاك، إذ ليس الأمر مقتضياً لعصيان المكلّف، حتى يتأخّر عنه، فبقي كونه مصاحباً و مقارناً للإطاعة المتأخرة رتبة، و قد عرفت أنّه لا يقتضي التأخّر الرتبي.

و التمسك بقانون المساواة في الرتب العقلية غير صحيح، إذ هذا القانون إنّما هو راجع إلى الكمّيات المتّصلة كما في المسائل الهندسية فإذا كانت زاوية (أ) مساوية لزاوية (ب)، و كانت زاوية (ب) مساوية لزاوية (ج) فيُنتج أنّ زاوية (أ) مساوية لزاوية (ج) قطعاً، أو الكميّات المنفصلة، كما لو كان زيد متأخّراً عن عمرو تأخّراً زمانياً، و كان زيد و بكر من حيث الزمان متقارنين، فيكون بكر أيضاً متأخّراً عن عمرو. و ليس كذلك في التأخّر العقلي، فإنّ الشي‏ء لا يوصف به إلّا إذا كان فيه ملاك التأخّر، و لأجل ذلك لا يكون ملازم المعلول متأخّراً عن العلّة، و لا عدم المعلول متأخّراً عنها، مع أنّ ملازم المعلول وجوداً و عدماً، مع المعلول كذلك في رتبة واحدة.

نعم كان عليه (قدس سره) أن يسلك مسلكاً آخر و هو التمسك بالتقدّم الطبعي (مكان التقدّم العلي و المعلولي و أنّ ملازم المعلول، متأخّر عن العلّة مثل المعلول) و المراد منه أن يكون للمتقدّم وجود، و لا يكون للمتأخّر وجود، و لا عكس. فالأمر يتحقّق بلا عصيان، و لكن العصيان لا يتحقّق بلا موضوع، و هو الأمر، هذا. و لكن الكلام في المقام هو في التقدّم و التأخر الرتبيين.

و ثانياً: أنّ التزاحم و التضادّ ليسا في المعيّة العقليّة حتى يرتفعا بالتأخّر الرتبي للأمر بالمهم. بل موردهما هو المعية الزمانية، إذ الزمان الذي يكون الأمرُ بالأهم فيه فعليّاً، يكون الأمر بالمهم فيه أيضاً باعثاً، فاللازم رفع التضاد في ذلك الظرف، لا رفع التضاد باختلاف الرتب.

55

و الحاصل، أنّ مجرّد تأخّر الأمر بالمهم، عن الأمر بالأهم بحسب الرتبة العقلية، مع المعيّة في الاقتضاء بحسب الزمان، لا يدفع المطاردة، إذ مناط الاستحالة هي المعيّة الكونية في المتزاحمات و المتضادات، لا في الرتب العقلية من المراتب الوجودية.

الثاني: ما نقله المحقّق الاصفهاني أيضاً:

و حاصله: أنّ مرجع إطلاق الأمر بالأهم، إلى سدِّ باب عدمه من جميع الجهات، حتى العدم الآتي من قبل الأمر بالمهم، فهو بإطلاقه يدعو إلى حفظه مطلقاً.

و أمّا الأمر بالمهمّ، فلمّا كان مترتّباً على عدم الأهم و تركه، فإطلاقه يقتضي سدَّ باب عدمه من كلّ الجهات إلّا من ناحية الإتيان بالأهم.

و إن شئت قلت: إنّ الأمر بالمهمّ يقتضي سدّ باب عدمه في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتّفاق، و لا منافاة بين قيام المولى بسدِّ باب عدم الأهم مطلقاً، و سدّ باب عدم المهم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق. فالأمر بالمهم و إن كان فعليّاً غير منوط بشي‏ء، لكنّه حيث تعلّق بسدِّ باب عدم المهم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتّفاق، فلا محالة لا محركية للأمر بالمهم نحو طرد عدم المهمّ إلّا في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتّفاق.

توضيحه: (1) إنّ لكلّ شي‏ء أعداماً: من جانب فقد المقتضي، و فقد الشرط، و وجود المانع، و هو الضدّ هنا.

و الأمر بالأهمّ يقتضي سدَّ كلّ عدم يتطرق إليه من أيّة جهة كان حتى من جانب وجود المانع.

____________

(1)- نهاية الدراية: 235/ 1.

56

و أمّا الأمر بالمهم فهو يقتضي سدَّ باب عدمه من جانب المقتضي، و من جانب الشرط. و أمّا من ناحية المانع أعني الأهم فانّه يقتضي سدَّ عدم المهم، إلّا فيما إذا كان سببُ عدمه هو وجود الأهم فلا يقتضي عند ذاك سدّ عدمه. فحينئذ، لا محركية للأمر بالمهم نحو طرد عدم نفسه، إلّا إذا تطرق العدم إلى الأهمّ من باب الصدفة.

يلاحظ عليه: نحن نركِّز على الصورة التي تطرق العدم على الأهم من باب الاتفاق. فهل الأمر بالأهم عندئذ ساقط أو لا، و الأوّل خلاف المفروض، و الثاني يستلزم وقوع المطاردة حيث إنّ الأمر بالأهم يطلب قلبَ عدمه إلى الوجود، مع التحفظ على عدم المهم، لكون وجوده مانعاً. مع أنّ الأمر بالمهم في هذه الحالة يقتضي حسب اعترافه سدّ باب عدمه أي قلب عدمه إلى الوجود، فتقع المطاردة بين الاقتضائين.

و الحقّ أنّ الترتب الذي هو أمر عرفي لا يتوقّف على هذه الدقائق العقلية، بل صحّته تبتني على أحد البيانين التاليين:

1 أن لا يكون مفاده طلب الجمع بين الأمرين، و إن كان جمعاً بين الطلبين.

2 أن لا يكون فيه تزاحم، لا في مقام الجعل و الإنشاء، و لا في الفعلية، و لا في مقام الإطاعة و الامتثال، على ما عرفت تفصيله، فلا نعيد.

الثالث: ما ذكره المحقّق الاصفهاني أيضاً:

حيث قال: إنّ الأمر بالإضافة إلى متعلّقه، من قبيل المقتضي بالإضافة إلى مقتضاه.

و إذا كان المقتضيان مترتبين بأن كان أحد المقتضيين لا اقتضاء له إلّا عند

57

عدم تأثير الآخر، فلا مانع من فعلية مقتضي الأمر المترتب. و حيث إنّ فعلية أصل اقتضاء المترتّب منوطة بعدم تأثير المترتب عليه، فلا محالة تستحيل مانعيته عن تأثير الأمر المترتّب عليه (أي المهم) لأنّ ما كان اقتضاؤه منوطاً بعدم فعلية مقتضي سبب من الأسباب، يستحيل أن يزاحمه في التأثير، و لا مزاحمة بين النقيضين إلّا من حيث التأثير، و إلّا فذوات المقتضيات بما هي، لا تزاحم بينهما. (1) و هذا التقريب يتّحد روحاً مع ما ننقله عن المحقّق البروجردي، و الاختلاف إنّما هو في التعبير، و سيوافيك أنّه تقريب متين.

الرابع: ما عن المحقّق البروجردي (قدس سره):

إنّه لا إشكال في أنّ التكليف بالمحال، بنفسه محال، فإنّ التكليف الحقيقي إنّما يصدر من المولى بداعي انبعاث المكلّف و تحرّكه نحو العمل، فإذا كان نفس المكلّف به محالًا، كالجمع بين السواد و البياض، أو الصعود إلى السماء بلا وسيلة، فلا محالة لا تنقدح الإرادة في نفسه جدّاً، و إن تكلّم به فإنّما يتكلّم به لدواع أُخر.

و مثله إذا كان هناك تكليفان و كان كلّ واحد منهما أمراً ممكناً، و الزمان لا يتّسع إلّا لواحد منهما. فهذا أيضاً لا يصدر من المولى، لا لأنّ المكلّف به أمر محال، لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد منهما أمر ممكن، و ليس الجمع هو المأمور به حتّى يكون الامتناع لأجل طلب الجمع، بل من جهة تزاحمهما في مقام التأثير و إيجاد الداعي، فإنّ كلّ واحد من الضدّين، و إن كان بحياله أمراً ممكناً، لكن لمّا كان قيامه بهذا الواجب و ذاك الواجب في زمان لا يسع إلّا واحداً منهما، أمراً غير ممكن، كان صدور الطلب من المولى بهذا النحو، أمراً محالًا بعد التفاته إلى الحال.

و أمّا إذا فرض البعثان غير متزاحمين في مقام التأثير، بل كان تأثير أحدهما

____________

(1)- نهاية الدراية، ص 243، ط طهران.

58

عند عدم تأثير الآخر و خلوّ الظرف من المزاحم، فلا محالة ينقدح في نفس المولى طلب آخر يتعلّق بالضدّ، إذ الفعل مقدور للمكلّف، و الأمر الأوّل غير باعث و لا داع، و الزمان خال عن الفعل بحيث لو لم يشغله المهمّ، لكان الزمان فارغاً عن الفعل مطلقاً. فأيّ مانع من طلب المهم عند عدم تأثير الأهم و عدم باعثيته؟

و بالجملة: امتناع الترتّب لأجل أحد أُمور:

الأوّل: من جهة امتناع التشريع.

الثاني: من جانب التزاحم في مقام التأثير.

الثالث: من جهة القصور في جانب الامتثال.

و الكلّ منتف.

أمّا الأوّل، فلأنّ المفروض أنّ كلّ واحد من الضدّين أمر ممكن. و ليس الجمع» مكلّفاً به «حتى يكون من التكليف بالمحال.

و أمّا الثاني، فلأنّ المفروض أنّ تأثير الأمر الثاني و داعويته، عند سقوط الأمر الأوّل عن التأثير و عند عدم داعويته و باعثيته.

و أمّا الثالث، فلأنّ المفروض عدم القصور في الامتثال، بمعنى أنّه لو امتثل الأمر بالأهم، لما كان هناك أمر بالمهم حتى نبحث عن امتثاله. و لو أتى بالمهم، فلا محذور أيضاً، لأنّه لا يريد إلّا امتثال الأمر بالمهمّ، و الوقت يسعه نعم، هو في هذه الحالة عاص من جهة، و مطيع من جهة أُخرى. (1) و لقد أحسن (قدس سره) حيث لم يجعل المسألة مبتنية على اختلاف رتبة الأمرين، فقد عرفت أنّ الاختلاف في الرتبة لا يفيد، لأنّ التزاحم و التعارض ليسا في مقام الرتبة حتى يرتفعا باختلاف الرتبتين، بل التزاحم المتوهم إنّما هو في زمان الامتثال.

____________

(1)- ما ذكرناه من البيان، موافق لما ذكره هو نفسه عند البحث في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري و قد سمعناه منه (قدس سره) شفاهاً لاحظ في المقام نهاية الأُصول: 203/ 2041.

59

و قد عرفت عدم التزاحم بين الأمرين، لا في مقام التشريع، و لا في مقام التأثير، و لا في ظرف الامتثال.

و هذا البيان لا غبار عليه، و هو يفيد القطع بجواز الترتّب لمن أمعن و نظر.

و كون الأمر بالمهم فعلياً مع فعلية الأمر بالأهم، ممّا لا يضرّ بعد عدم كون مفادهما طلباً للجمع بين الضدّين.

كما أنّ كون الأهمّ فعليّاً في ظرف فعلية المهم، أيضاً غير مضرّ، لأنّ مفادهما ليس أمراً بالجمع بين الضدّين، و إن كان جمعاً بين الطلبين، و لكن النتيجة هي طلب التفرقة بين الضدّين.

نزيد بياناً، فنقول: إنّ» الأوامر «من الأُمور الاعتبارية التي لا يتحقّق بينها التنافي و لا التلاؤم من حيث أنفسها، إذ لا نفسية لها. و إنّما يتحقّق بينها من حيث الآثار المترتبة عليها، كالتلاؤم بين المتعلّقين، و التنافي و التضادّ بينهما. فالتدافع و التضادّ إنّما هما بين المتعلّقين في مقام الامتثال، و اتصاف الأمر بهما من باب المجاز.

إذا عرفت ذلك، فاعلم: إذا كان هناك تدافع بين المتعلّقين في مقام الامتثال، بأن يتّحد ظرف امتثالهما، لاتّصف الأمران بالتضادّ، و استحال طلبهما. و أمّا إذا لم يكن هناك تزاحم في مقام الامتثال، فلا مانع من طلب الشيئين على ذاك الوجه. و قد عرفت أنّ تقييد أحد الأمرين بالعصيان يوجب اختلاف ظرف المتعلّقين من حيث الامتثال.

و هذا هو الحقّ القراح، و إن شئت فاجعله وجهاً مستقلًا، أو توضيحاً لما رامه السيّد البروجردي (رحمه الله).

و لعلّ ما ذكرنا من التحليل حول دليل المانع و ما نقلناه من التقريبات الأربعة جعل صحّة الأمر بالترتّب أمراً واضحاً، و صيّر المخالف في هزيمة نكراء

60

لكن بقي هنا أمران:

1 ما ذكره المحقّق النائيني من التقريب لصحّة الترتّب بتنظيم مقدّمات خمسة.

2 ما قام به سيّدنا الأُستاذ بتأسيس أصل آخر، و هو جواز اجتماع أمرين عرضيين.

و لإكمال البحث، نتعرّض لهما، خاتمين به بحثَ الترتّب و إن طال الكلام و و طال مقامنا مع القرّاء الكرام في المقام.

الخامس: تقريب للمحقّق النائيني (قدس سره):

قد وقفت على التقريبات الأربعة لتصحيح الترتّب، بقي هناك تقريب خامس، قد أسّس بنيانه، المحقّق المجدّد الشيرازي (13121224 ه)، و قد أوضحه المحقّق النائيني (13551274 ه) بترتيب مقدّمات مؤثرة في استنباط الترتّب و بما أنّها حاوية لمطالب مفيدة نذكر كلّ مقدّمة برأسها بتلخيص، منضمّاً بذكر ما يخطر بالبال حولها، قال (قدس سره):

المقدّمة الأُولى: في بيان محطّ البحث‏

لا إشكال في أنّ الّذي يوجب وقوع المكلّف في مضيقة المحال و استلزام التكليف بما لا يطاق إنّما هو إيجاب الجمع بين الضدّين و على ذلك لا إشكال في سقوط ما هو منشأ إيجاب الجمع ليس إلّا، و لا يمكن سقوط ما لا يوجب ذلك و هذان الأمران ممّا لا كلام فيهما بل الكلام كلّه في أنّ الموجب لإيجاب الجمع بين الضدّين هل هو نفس الخطابين و اجتماعهما و فعليتهما مع وحدة زمان امتثالهما لمكان تحقّق شرطهما؟ أو أنّ الموجب لإيجاب الجمع ليس نفس الخطابين بل‏

61

الموجب هو إطلاق كلّ من الخطابين لحالتي فعل متعلّق الآخر و عدمه.

فلو قلنا بأنّ الموجب لإيجاب الجمع هو إطلاق الخطابين يسقط الإطلاق و يبقى أصل الخطاب و يصحّ الترتّب و لو قلنا بأنّ الموجب هو نفس الخطابين و اجتماعهما و فعليتهما مع وحدة زمان امتثالهما يسقط الخطابان من رأس وعليه يبتني بطلانه.

ثمّ قال: و من الغريب ما صدر من الشيخ (قدس سره) حيث إنّه أنكر الترتّب في الضدّين اللذين يكون أحدهما أهمّ. و لكنّه في مبحث التعادل و التراجيح التزم بالترتّب من الجانبين عند التساوي و فقد المرجّح حيث قال في ذيل قوله:» إنّ الأصل في المتعارضين عدم حجّية أحدهما «: ما لفظه:» لكن لما كان امتثال التكليف بالعمل بكلّ منهما كسائر التكاليف الشرعية و العرفية مشروطاً بالقدرة، و المفروض أنّ كلًّا منهما مقدور في حال ترك الآخر، و غير مقدور مع إيجاد الآخر، فكلّ منهما مع ترك الآخر مقدور، يحرم تركه ويتعيّن فعله و مع إيجاد الآخر يجوز تركه و لا يُعاقب عليه، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلّة وجوب الامتثال و العمل بكلّ منهما بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة، و هذا ممّا تحكّم به بديهة العقل كما في كلّ واجبين اجتمعا على المكلّف و لا مانع من تعيين كلّ منهما على المكلّف بمقتضى دليله إلّا تعيين الآخر عليه كذلك. (1) أقول: ما ذكره في بيان محطّ البحث لا غبار عليه، لكن رمي الشيخ بالقول بالترتّب من جانبين، مع أنّه أنكره من جانب واحد في المقام غير تام، إذ ما ذكره راجع إلى لزوم الأخذ بأحد المتعارضين بناء على حجّية الأخبار من باب السببيّة و إلّا فالأصل على الطريقية هو السقوط، و لكن ما ذكره لا يمتُّ إلى الترتّب بصلة و ذلك لأنّ الترتّب متقوّم باشتراط التكليف بعصيان الآخر و ما ذكره الشيخ متقوّم بتقييد كلّ واحد من الدليلين بعدم إتيان الآخر، و الأوّل مناط الترتّب لأنّ الأمر

____________

(1)- فوائد الأُصول: 337/ 1 338.

62

بالمهمّ يتأخّر عن شرطه (العصيان) و هو يتأخّر عن نفس الأمر المتعلّق بالأهم (تأخر إطاعة و عصيان كلّ أمر، عن نفسه) و الثاني مناط التخيير و نتيجته من دون أن يكون أحد الأمرين في طول الآخر و لكن لما كان حيازة المصلحتين أمراً غير ممكن، حكم العقل بحيازة أحدهما عند ترك الآخر، من دون أن يكون هناك ترتّب و عصيان، نعم يجمعهما اشتمال كلا الأمرين على المصلحة، لما عرفت من أنّ محط بحثه هو حجّية الأمارات من باب السببيّة فلو أردنا التمثيل لنا أن نقول: لو أشرف النبي و الإمام على الغرق فالأمر بنجاة الإمام مقيّداً بعصيان الأمر الأوّل من باب الترتّب، و لو أشرف رجلان مسلمان عاديان عليه، فالأمر بنجاة أحدهما عند ترك الآخر أشبه بالعمل بأحد الخبرين على القول بالسببيّة.

*** المقدّمة الثانية: في أنّ الواجب المشروط باق على ما كان بعد تحقّق شرطه‏

إنّ الواجب المشروط بعد تحقّق شرطه، حاله كحاله قبل تحقّق شرطه من حيث إنّه بعد على وصف الاشتراط و ذلك مبنيّ على أمرين:

1 الأحكام الشرعية مجعولة على نهج القضايا الحقيقية و ليست من قبيل القضايا الشخصية، بل هي أحكام كلية مجعولة أزلية على موضوعاتها المقدّرة.

2 إنّ الشرط في الواجب المشروط يرجع إلى الموضوع، فالبلوغ و العقل و الاستطاعة و إن كانت شرائط للتكليف، لكنّها من أجزاء الموضوع فيكون الواجب المشروط عبارة عن الحكم المجعول على موضوعه المقدّر وجوده على نهج القضايا الحقيقيّة فوجوب الحجّ إنّما أُنشئ أزلًا على العاقل البالغ المستطيع و الحكم المجعول على موضوعه، لا ينقلب عمّا هو عليه، و لا يخرج الموضوع عن كونه موضوعاً، و لا الحكم عن كونه مجعولًا على موضوعه، و وجود الشرط عبارة عن تحقّق‏

63

موضوعه خارجاً، و بتحقّق الموضوع خارجاً لا ينقلب الواجب المجعول الأزلي عن الكيفية التي جعل عليها و لا يتّصف بصفة الإطلاق بعد ما كان مشروطاً لأنّ اتصافه بذلك يلزم خروج ما فرض كونه موضوعاً عن كونه موضوعاً.

و ما يقال من أنّه بعد حصول الاستطاعة لزيد، لا معنى لكون الوجوب في حقّه، مشروطاً بالاستطاعة صحيح لو كانت الأحكام الشرعية، أحكاماً شخصية و قد عرفت خلافه. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ إرجاع جميع القيود إلى الموضوع خلاف المفهوم من القيود الواردة في الكلام فانّ القيود على أقسام أربعة: منها: ما يعدّ قيداً لمتعلّق الحكم لا قيداً للموضوع كما إذا قال: صلّ في المسجد، إذا كانت المصلحة مترتّبة على الصلاة فيه فبما أنّ الحكم مطلق يجبُ عليه إيجاد المتعلّق مع قيده أي الصلاة في المسجد، حتى لو لم يكن هناك مسجد وجب عليه بناؤه، و الصلاة فيه أخذاً بإطلاق الحكم.

منها: ما يعدّ قيداً للحكم الإنشائي المعبِّر عن الإرادة، كما إذا قال: إذا نزل بك الضيف فأكرمه، فانّ المتبادر من ظاهره أنّ غرضه لم يتعلّق بإكرام الضيف على الإطلاق بل ربّما لا يريده، و لكن عند ما نزل الضيف، من دون اختيار، يأمر عليه بإكرام ضيفه، فالنزول قيد الحكم و الوجوب و بالتالي قيد الإرادة، فلم تتعلّق إرادته بإكرام الضيف على وجه الإطلاق، حتّى يستحصل وجوده، بل تعلّقت إرادته عليه، في فرض خاص و هو نزوله به، من دون أن يطلب منه إكرامه على أيّ تقدير.

منها: ما يعدّ موضوعاً للحكم ككونه إنساناً عاقلًا بالغاً. مما يقال من أنّ الشروط من قيود الموضوع، إنّما يصحّ في هذا القسم لا في كلّ شرط.

و منها: ما يعدّ غايات للحكم و من دواعي الجعل كقوله سبحانه في آية

____________

(1)- فوائد الأُصول: 339/ 1 340.

64

الطهارة من الحدثين: الأصغر و الأكبر (ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏) (المائدة/ 6).

فإذا كانت حقيقة الشرط ثبوتاً على أقسام أربعة، فلا وجه لجعلها قسماً واحداً و هو إرجاعه إلى الموضوع.

و ثانياً: أنّ بقاء الواجب المشروط بعد حصول شرطه على ما كان عليه، مبني على حصر الحجج الإلهية بالقضايا الكلية، أعني قوله سبحانه: (وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران/ 97). فانّه قضيّة شرطية، باقية على شرطيتها سواء أ حصلت الاستطاعة لزيد أو لا و أمّا لو قلنا بانحلالها إلى أحكام جزئية حسب اختلاف أحوال الأفراد، فلا شكّ أنّه ينحلّ قبل الاستطاعة إلى حكم جزئي شرطي، و بعدها إلى حكم جزئي مطلق حسب اختلاف أحوال الأفراد.

و ثالثاً: أنّ رحى الترتّب إثباتاً و نفياً لا يدور على بقاء الواجب المشروط بعد حصول شرطه، على ما كان عليه، و عدم بقائه، بل يدور على أنّ الشرط المأخوذ في موضوع الأمر بالمهمّ، بل يقتضي طلب الفعلين أو يقتضي طلب الجمع بينهما فلو اقتضى الأوّل لصحّ الترتّب سواء تمّت هذه المقدّمة أو لا، و لو اقتضى الثاني لبطل الترتّب و إن صحّت هذه المقدّمة فكان اللازم، التركيز على دراسة خصوصية الشرط و مقتضاه لا على بقاء الواجب المشروط على ما كان و عدمه.

و يرشدك إلى ما ذكرنا أنّه إذا كان الشرط مشتملًا على خصوصية مستلزمة لطلب الجمع بين الفعلين، كما إذا كان امتثال أمر الأهمّ شرطاً على وجه الشرط المتأخّر لإيجاب الأمر بالمهم، لما صحّ الترتّب، و إن قلنا بأنّ الواجب المشروط لا يخرج عمّا هو عليه بعد حصول شرطه، و لكنّه إذا كان الشرط مشتملًا على خصوصية مستلزمة لطلب الفعلين لا على نحو الجمع بينهما، لصحّ الترتّب، و إن قلنا بخروج الواجب المشروط عن كونه واجباً مشروطاً بعد حصول شرطه كما إذا

65

أوجب المولى المهمّ، إذا وقف أنّ دواعي العبد مصروفة عن امتثال الأمر بالأهمّ.

و هذا ينتج أنّ هذه المقدّمة ليست مؤثرة في استنباط الترتّب.

*** المقدّمة الثالثة: في تقسيم الواجب المضيّق على قسمين:

الأوّل: ما يكون فيه الشي‏ء شرطاً للواجب المضيّق لكن لا بلحاظ حدوثه بل بلحاظ انقضائه كالقتل بالنسبة إلى الحدّ و القصاص فانّهما مترتّبان على القتل لا بلحاظ حدوثه بل بلحاظ انقضائه و لو آناً ما.

الثاني: ما يكون الشي‏ء شرطاً للواجب المضيّق لكن بلحاظ حدوثه، فيكون التكليف بالمضيّق مقارناً لوجود الشرط و حدوثه و لا يتوقف على انقضائه كالصوم بالنسبة إلى الفجر ففي مثله يستحيل تخلّف التكليف من الشرط آناً ما. و يعلم ذلك ممّا ذكر في المقدّمة الثانية، من أنّ كلّ شرط موضوع، و نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلّة إلى المعلول، و لو تخلّف يلزم أن لا يكون ما فرضناه موضوعاً، بموضوع و هو خلف.

بل يتّحد في الفرض (شرطية الفجر بوجوده الحدوثي) زمان الشرط، و التكليف كما عرفت و زمان الامتثال لأنّ نسبة التكليف إليه، كنسبة اقتضاء حركة اليد إلى حركة المفتاح.

ثمّ إنّه (قدس سره) رتّب على هذه المقدّمة دفع إشكالين عن القول بالترتّب و إليك بيانهما و كيفية ذبِّهما.

الإشكال الأوّل:

الترتّب مبنيّ على القول بالواجب المعلّق و الشرط المتأخّر.

بيانه؛ إنّ تصحيح الترتّب مبنيّ على أمرين باطلين:

66

1 القول بالواجب المعلّق الذي يتقدّم فيه زمان التكليف على زمان الامتثال.

2 الشرط المتأخر أي ما يتقدّم الشرط لحاظاً و تصوراً و يتأخّر وجوداً.

و ذلك لأنّ الالتزام بأصل في باب التكليف و شرطه، (سبق التكليف و شرطه على زمان الامتثال) صار سبباً لاشتمال الترتّب على أمرين باطلين أي القول بالواجب المعلّق و الشرط المتأخّر.

أمّا الأوّل، فلأنّ الالتزام على سبق التكليف على زمان امتثاله، بصورة أصل موضوعي يوجب تقدّم الأمر بالمهمّ على ظرف امتثاله الذي هو عبارة أُخرى عن زمان عصيان الأمر بالأهم و لا نعني من الواجب المعلّق إلّا هذا.

و أمّا الثاني، فلأنّ الالتزام بسبق التكليف و شرطه على زمان الامتثال صار سبباً لعدم صلاحية جعل العصيان شرطاً و ذلك لأنّ عصيان الأمر بالأهم، نفس ظرف امتثال الأمر بالمهم، و ما يكون متّحداً مع ظرف امتثال التكليف، لا يمكن أن يكون شرطاً لنفس التكليف، لأنّ التكليف و شرطه يجب أن يكونا سابقين على ظرف الامتثال، و ما هو (عصيان الأمر بالأهم) واقع في رتبة الامتثال، لا يصلح أن يقع شرطاً للتكليف فلا محيص عن جعل الشرط عنواناً مقارناً مع التكليف و ليس هو إلّا العلم بالعصيان المقارن مع التكليف لحاظاً، المتأخّر عنه وجوداً، المتّحد وجوده مع ظرف امتثال الأمر بالمهم.

هذا هو الذي استحصلناه من كلا التقريرين‏ (1) مقتصرين باللب:

ثمّ إنّه (قدس سره) أجاب عن الإشكالين أمّا عن الإشكال الأوّل ففيه مضافاً إلى أنّه لا يختصّ بباب الترتّب إذ لو صحّ لزوم سبق زمان التكليف على زمان الامتثال لأصبح جميع التكاليف واجبات معلّقة من غير فرق بين الموسّع و المضيّق أنّ المبنى‏

____________

(1)- الكاظمي: فوائد الأُصول: 341/ 3491؛ الخوئي: أجود التقريرات: 288/ 1 290.

67

باطل إذ لا يلزم سبق التكليف على زمان امتثاله كما هو الحال في باب الصوم لما عرفت من أنّ زمان التكليف و الامتثال واحد.

و أمّا الثاني، فهو أيضاً مبني على سبق التكليف و بالتالي شرطه (عصيان الأمر بالأهم) على زمان الامتثال، و لذلك لم يصحّ عند المستشكل جعل العصيان شرطاً لتأخّره عن التكليف، لاتّحاده مع ظرف امتثاله و أمّا إذا أنكرنا ذلك و قلنا بكفاية التقارن، فالتكليف بالمهم، و شرطه و هو عصيان الأمر بالأهم، و ظرف امتثاله واحد.

و الحاصل أنّ الالتزام بسبق التكليف و شرطه على زمان الامتثال مبدأ لبروز إشكالين كما أنّ إنكاره موجب لرفعهما.

الإشكال الثاني:

إنّ خطاب المهمّ لو كان مشروطاً بنفس عصيان الأهم لم يلزم محذور طلب الجمع، لأنّ امتثال خطاب المهم اعتبر في زمان خلوّ المكلّف عن الأهم فلا يُعقل اقتضاؤه لطلب الجمع و أمّا إن أُخذ الشرط هو العنوان الانتزاعي و وصف التعقّب أي كون المكلّف ممّن يعصي فيلزم محذور طلب الجمع، لأنّ خطاب المهمّ يكون فعليّاً قبل عصيان الأهم إذا كان ممّن يعصي بعد ذلك، فلم يعتبر (في ظرف امتثاله) (1) خلوّ المكلّف عن الأهم بل يلزم اجتماع كلّ من الأهم و المهمّ في زمان واحد. (2) ثمّ أجاب و قال:

إنّا نختار الشقّ الأوّل، و لا وجه لعدم كونه شرطاً إلّا توهم لزوم تقدّم زمان‏

____________

(1)- الأولى أن يقول:» فلم يعتبر في ظرف فعليته خلو المكلّف عن الأهم «.

(2)- الكاظمي: فوائد الأُصول: 347/ 1.

68

التكليف على زمان الامتثال و لمّا كان العصيان شرطاً للتكليف يلزم تقدّمه على زمان الامتثال فلا يمكن أن يكون العصيان شرطاً لاستلزامه الشرط المتأخر فلا بدّ أن يكون الشرط العنوان الانتزاعي المقارن للتكليف، لكنّك عرفت أنّه لا ملزم لسبق التكليف فضلًا عن سبق الشرط على زمان الامتثال، وعليه يصحّ أن يكون العصيان شرطاً، المقارن مع التكليف المقارن مع زمان الامتثال.

و نختار الشقّ الثاني، و لا يلزم منه طلب الجمع بين الضدّين بداهة أنّ عنوان التعقّب بالمعصية إنّما ينتزع من المكلّف بلحاظ تحقّق عصيانه في ظرفه المتأخّر، فإذا فرض وجود المعصية في ظرفها و كون التعقيب لها شرطاً لخطاب المهمّ فيكون الحال فيه كالحال في فرض كون العصيان شرطاً لطلب المهمّ.

يلاحظ على ما أفاده حول الشقّ الأوّل أوّلًا: أنّ الجواب لا صلة له بالإشكال، لأنّ الإشكال عبارة عن التفريق بين كون العصيان شرطاً، أو كون العنوان الانتزاعي شرطاً و أنّ الأوّل، لا يستلزم طلب الجمع، بخلاف الثاني، فالإجابة عنه بأنّه لا وجه لعدم جعل العصيان بنفسه شرطاً إلّا توهم لزوم تقدّم التكليف و شرطه على زمان الامتثال ... كأنّه لا صلة له بالإشكال أبداً، و سيوافيك أنّ المحقّق الخوئي قرّر هذا الشق بشكل آخر.

و ثانياً: أنّ عدم صحّة اشتراط نفس العصيان ليس لأجل استلزامه الشرط المتأخّر حتى يندفع بما ذكر بل الوجه هو أنّه لو كان العصيان بوجوده الخارجي شرطاً، يلزم هدم أساس الترتّب لأنّ العصيان لو كان أمراً تدريجياً فهو عبارة عن ترك المأمور به في مقدار من الزمان الذي يفوت بمضيّه الأهمّ فلا بدّ من تعلّق الأمر بالمهم بعد مضي زمان يتحقّق فيه العصيان و عندئذ يسقط الأمر بالأهم و لا يبقي في البين إلّا الأمر بالمهم و هو خلف الفرض، و كذا لو كان العصيان أمراً آنيّاً فتحققه، و إن كان متّحداً مع فعلية الأمر بالمهم، لكنّه متّحد مع سقوط الأمر بالأهم، و على كلّ تقدير ليس هنا أمران فعليان:

69

و أمّا الشقّ الثاني فلأنّ العنوان الانتزاعي (التعقّب) الذي يعبّر عنه بمن يعصي إذا كان ثابتاً للمكلّف من أوّل الأمر ففي هذا الظرف يكون الأمران فعليين الأمر بالأهم لعدم سقوطه إلّا بالعصيان الخارجي لا العصيان الفرضي، و الأمر بالمهم، لحصول شرطه و مجرّد اتّخاذ العنوان الانتزاعي من العاصي بلحاظ ظرف العصيان لا يدفع التضادّ لأنّ المعصية الاستقبالية لا توجب سقوط الأمر إلّا في ظرفها، لا في ظرف العنوان المنتزَع منها و ما هذا إلّا إسراء حكم منشأ الانتزاع إلى زمان الانتزاع.

اللّهمّ إلّا أن يكون نظره إلى ما قدّمناه من عدم المطاردة في المقامات الثلاثة مقام الإنشاء و الفعلية و الامتثال، و إن كانت عبارته غير وافية.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قد قرّر الشقّ الأوّل للإشكال بشكل آخر و لعلّه ألصق بالمقدّمة الثانية و حاصله: أنّه لو كان الشرط نفس العصيان، لزم خروج المورد عن خطاب الترتّب لاستلزامه سقوط الأمر بالأهم و انحصار الأمر بالمهم و هو خلف. (1) ثمّ نقل جواباً عن الإشكال فمن أراد فليرجع إلى تقريراته.

المقدمة الرابعة: [إثبات أنّ الأمر بالمهمّ في طول الأمر بالأهمّ لا في عرضه‏]

الهدف من تأسيس هذه المقدّمة إثبات أنّ الأمر بالمهمّ في طول الأمر بالأهمّ لا في عرضه زاعماً بأنّ كونه في طوله كاف في رفع الغائلة، كما أنّ الهدف من تأسيس المقدّمة الخامسة، إثبات أنّ فعلية الأمرين لا تقتضي إيجاب الجمع، و على ضوء ذلك فما يرتبط من المقدّمات الخمس إنّما هو الثانية و الرابعة و الخامسة، فأمّا الأُولى فإنّما هو لبيان محلّ النزاع كما أنّ الثالثة، لأجل دفع بعض الإشكالات الجانبيّة عنه كاستلزام صحّة الترتّب الواجب المعلّق، و الشرط المتأخّر، المتعيّن‏

____________

(1)- المحقّق الخوئي: أجود التقريرات: 291/ 1.

70

عند القائل و سيوافيك في آخر هذه المقدّمة مدخلية المقدّمة الثانية و الرابعة في إثبات طولية الأمر الثاني.

قال (قدس سره): إنّ انحفاظ كلّ خطاب أو حكم فيما يُتصوّر له من التقادير و الصور، يتصور على أحد أنحاء ثلاثة:

الأوّل: أن يكون العامل لحفظ الخطاب في صورة خاصة (التقييد) أو جميع الصور (الإطلاق) لحاظ الآمر اختصاص الحكم بها أو سعته لها و لغيرها و هذا ما يسمّى بالإطلاق و التقييد اللحاظيين لأنّ سعة الحكم و ضيقه و بالتالي انحفاظه فيهما قائمة بلحاظ الآمر و تصوّره. ذلك في الانقسامات الطارئة على المتعلّق قبل تعلّق الحكم و إن شئت قلت في القيود الواقعة تحت دائرة الطلب و ذلك كتقييد الصلاة بالوقت و الطهارة و الاستقبال أو كإطلاقها و إرسالها بالنسبة إلى ذاك المكان أو ذلك، فانّ انحفاظ الخطاب أو الحكم في كلتا الصورتين إنّما بلحاظ كون الصلاة إمّا مقيّدةً أو مرسلةً أوّلًا، ثمّ يتعلّق بها الخطاب أو الحكم.

الثاني: أن لا يكون الانحفاظ بالإطلاق و التقييد اللحاظيين بل بدليل خارجي، تكون نتيجته الإطلاق أو التقييد و ذلك في الانقسامات الطارئة على المتعلّق بعد تعلّق الخطاب به بحيث لا يكون لذلك التقدير وجود إلّا بعد ورود الخطاب و إن شئت قلت في الانقسامات الواقعة فوق دائرة الطلب كتقدير العلم و الجهل بالخطاب أو الحكم، حيث إنّه لا يعقل تقدير الجهل أو العلم بالحكم إلّا بعد وجوده ففي مثله لا يُمكن الإطلاق أو التقييد اللحاظيّ السابق، نعم يتوسل إلى أحدهما بدليل خارجي يفيد سعة الحكم إلى حالتي العلم و الجهل، إذا كانت المصلحة موجودة في كلتا الحالتين و كما هو الحال في غالب الأحكام حيث دلّ الإجماع و دليل الاشتراك على كون أحكام اللّه مشتركة بين العالم و الجاهل، أو تخصيصه بحالة العلم كما هو الحال في مسألتي القصر و الإتمام و الجهر و المخافتة، حيث دلّ الدليل على صحّة صلاة من أتمّ في موضع القصر، أو جهر في موضع‏

71

المخافة أو العكس. حيث إنّ الملاك الملزم محفوظ في صورة العلم لا في صورة الجهل بالحكم، فالآمر يصل إلى نتيجة الإطلاق أو التقييد، لكن لا بنفس الدليل بل بدليل خارجي.

الثالث: ما كان انحفاظ الخطاب لا بالإطلاق و التقييد اللحاظيين و لا بنتيجة الإطلاق و التقييد و ذلك بالنسبة إلى كلّ تقدير يقتضيه نفس الخطاب و هو الفعل أو الترك الذي يطالب به حيث إنّ انحفاظ الخطاب في حالتي الفعل و الترك بنفسه، و باقتضاء هويّته الذاتية لا بإطلاقه لحاظاً أو نتيجة إذ لا يعقل الإطلاق و التقييد بالنسبة إلى تقديري فعل متعلّق الخطاب و تركه بل يؤخذ المتعلّق معرّى من حيثيّة فعل و ترك و يلاحظ نفس ذاته، نظير حمل موجود على الإنسان، فإذا قلنا الإنسان موجود بالإمكان، فليس الموضوع مقيداً بالوجود، و إلّا لانقلبت النسبة إلى الضرورة و لا بالعدم و إلّا لانقلبت إلى الامتناع بل الماهية المعرّاة عن كلّ قيد و منه الوجود و العدم.

و هكذا المقام فانّه لا يمكن تقييد المتعلّق، بالفعل في مقام البعث إليه، و لا تقييده بالترك و لا إطلاقه بالنسبة إلى تقدير الفعل و الترك لاستلزامه طلب الحاصل في الأوّل، و طلب الجمع بين النقيضين في الثاني، و كلا المحذورين في الثالث، فلا بدّ من لحاظ ذات المتعلّق مهملًا معرّى عن كلا تقديري الفعل و الترك و مع أنّه ليس فيه تقييد و لا إطلاق لا لحاظاً و لا نتيجةً و لكن مع ذلك، يكون الخطاب محفوظاً في كلتا حالتي الفعل و الترك ما لم نتحقّق العصيان فانّه عند ذلك يسقط الخطاب.

ثمّ إنّه (قدس سره) بعد ما ذكر الفرق بين القسم الثالث الذي يكون الخطاب محفوظاً عنده باقتضاء ذاته و بين الوجهين الأوّلين اللذين يكون الخطاب محفوظاً عندهما أثبت ما هو الهدف من ترتيب هذه المقدّمة من كون الخطاب الثاني في طول الأوّل و ذلك بالبيان التالي:

72

إنّ مقتضى إطلاق خطاب الأهم بالنسبة إلى صورتي الفعل و الترك (العصيان) كونه متعرضاً لموضوع خطاب المهم و طارداً و مقتضياً لهدمه و رفعه في عالم التشريع و أمّا خطاب المهمّ فهو إنّما يكون متعرّضاً لحال متعلَّقه و لا تعرّض له لحال موضوعه لأنّ الحكم لا يتكفّل حال موضوعه من وضع أو رفع بل هو حكم على تقدير وجوده و مشروط به، و بما أنّ كلّ شرط موضوع، و بما أنّ الواجب المشروط لا ينقلب بعد حصول شرطه إلى الواجب المطلق، فالخطاب بالمهم مشروط بوجود الموضوع و معناه: إنّه إن وجد موضوعي و تحقق خارجاً يجب فعل متعلّقي و هذا بخلاف لسان الخطاب بالأهم و هو أنّه عليك أن لا توجد موضوع خطاب المهمّ. فيكون خطاب الأهمّ في رتبة متقدّمة على موضوع خطاب المهم (العصيان) و موضوع خطاب المهمّ مقدّم على حكمه، تقدّم الحكم على الموضوع فينتج تقدم حكم خطاب الأهمّ على خطاب المهم برتبتين و هذا هو الذي يرتئيه صاحب المقدّمة من طرحها. (1)

يلاحظ عليه بوجهين:

الأوّل: إنّ الإطلاق و التقييد اللحاظيين، لا أساس لهما فإنّ الإطلاق عبارة عن كون ما وقع متعلّقاً للحكم أو موضوعاً له، تمامهما. بلا مدخلية قيد فيهما، و يكفي في ذلك كون المتكلّم في مقام البيان من دون لحاظ القيود وضعاً و رفعاً، و بعبارة أُخرى الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود، و على ذلك فتفسير الإطلاق، بكون الشي‏ء واجباً سواء في هذا المكان أو ذاك،، لا أساس له.

و بذلك يعلم أنّ مرجع ما سمّاه نتيجة الإطلاق أو التقييد، إلى ما ذكرنا لأنّ دلالة الدليل على أنّ المتعلّق أو الموضوع تمامهما ليست باللفظ بل بالعقل وعليه لا فرق بين ما أمكن بيان ما له دخل في نفس الدليل أو في الدليل المنفصل، فمآل‏

____________

(1)- فوائد الأُصول: 348/ 1 352.

73

القسمين إلى أمر واحد و هو أنّ ما جاء متعلّقاً للحكم أو موضوعاً له تمام الموضوع و المتعلّق و إلّا كان عليه البيان مع الدليل.

الثاني: إنّ مجرّد كون خطاب المهم في طول خطاب الأهمّ لا ينفع، ما لم ترفع غائلة طلب الجمع بين الفعلين و ذلك بشهادة أنّه لو كان الشرط في الأمر الثاني، امتثال الأمر الأوّل، بأن يقول: أزل النجاسة و إن امتثلت فصلّ، لا بمعنى الامتثال الخارجي بل من سيمتثل كما هو الحال في العصيان فلا ترتفع الغائلة بل يلزم طلب الجمع بين الفعلين و لأجل ذلك لا بدّ من دراسة المقدّمة الخامسة الّتي هي بصدد إثبات أنّ مقتضى الأمرين ليس إيجاب الجمع بينهما.

المقدّمة الخامسة: في أنّ الخطاب الترتبي لا يقتضي الجمع‏

هذه المقدّمة كما قلنا سابقاً و يفصح عنوانُها، سيقت لإثبات أنّ الخطابَ المقدّميّ لا يقتضي إيجابَ الجمع و لعلّها تحمل روح الترتّب و لها أهمية خاصة و قد فصّل المستدل الكلام في بيان مقصوده، و نحن نقتصر على ما هو اللازم المؤثر في إثبات المدّعى.

إذا كان أحد الدليلين متعرّضاً لحال الدليل الآخر فإمّا أن يكون نفس الخطاب رافعاً أو دافعاً لموضوع الآخر و إمّا أن يكون امتثاله، فإن كان الأوّل فهذا ممّا يوجب عدم اجتماع الخطابين في الفعلية و لا يعقل أن يكون كلّ من الخطابين فعليّاً، لأنّ وجود أحد الخطابين رافع لموضوع الآخر فلا يبقى مجال لفعلية الآخر حتى تقع المزاحمة و و هذا كما إذا ربح الرجل و كان عليه دين من عام الربح، فخطاب أدّ دينك، رافع لموضوع خطاب الخمس لأنّه بعد المئونة (1) و أداء الدين من المئونة.

____________

(1)- الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

74

فإن كان الثاني، أي كان أحد الخطابين بامتثاله رافعاً لموضوع الآخر فهذا هو محلّ البحث في الخطاب الترتّبي حيث يتحقّق اجتماع كلّ من الخطابين في الفعلية، لأنّه ما لم يمتثل خطاب الأهمّ لا يرتفع خطاب الآخر لعدم ارتفاع موضوعه بعد فيجتمع الخطابان في الزمان و في الفعلية بتحقّق موضوعهما فيقع الكلام عن أنّ اجتماع مثل هذين الخطابين يوجب إيجاب الجمع أو لا و الحقّ أنّه لا يوجب لوجوه ثلاثة:

1 يستلزم المحال في جانب المطلوب فلأنّ مطلوبية المهمّ و وقوعه على هذه الصفة إنّما يكون في ظرف عصيان الأهم و خلوّ الزمان عنه، بداهة أنّ ما يكون قيداً للطلب (فإن عصيت فصلّ) يكون قيداً للمطلوب فيكون الواجب» الصلاة بعد العصيان «، كالحجّ بعد الاستطاعة، فلو فرض وقوعه على صفة المطلوبية في حال وجود الأهم و امتثاله، يلزم الجمع بين النقيضين إذ يلزم أن يكون مطلوباً مقيداً بكونه بعد العصيان و في الوقت نفسه مطلوباً و لو حال عدمه.

2 يستلزم المحال في ظرف الوجوب و ذلك لأنّ خطاب الأهمّ يكون من علل عدم خطاب المهم لاقتضائه رفع موضوعه، فلو اجتمع خطاب الأهم و المهم و صار المهمّ في عرض خطاب الأهمّ كما هو لازم إيجاب الجمع لكان من قبيل اجتماع الشي‏ء مع علّة عدمه.

3 البرهان المنطقي أيضاً يقتضي عدم إيجاب الجمع فانّ الخطاب الترتبي بمنزلة المنفصلة المانعة الجمع، بين النسبة الطلبيّة في جانب المهمّ و النسبة الفاعليّة في جانب الأهم فصورة القضية هكذا: إمّا أن يكون الشخص فاعلًا للأهم، و إمّا أن يجب عليه المهم و معه كيف يعقل إيجاب الجمع. (1) يلاحظ على الوجه الأوّل، منع كون العصيان قيداً للطلب و المطلوب، و إنّما

____________

(1)- الكاظمي: فوائد الأُصول: 357/ 1 361.

75

هو قيد للطلب دون المطلوب بشهادة أنّه لو تمكّن عن طريق الإعجاز الجمع بين الأهم و المهمّ لوقع المهمّ على وصف المطلوبية فما يظهر منه (قدس سره) من عدم كونه مطلوباً في غير صورة العصيان كما ترى.

و على الثاني، أنّ ما ذكره من أنّ خطاب الأهم من علل عدم خطاب المهم لاقتضائه رفع موضوعه.

لا يوافق من جعله المقام من القسم الثاني أي كون أحد الخطابين بامتثاله رافعاً لموضوع الآخر، فكيف يصحّ أن يقول إنّ خطاب الأهم من علل عدم خطاب المهم لاقتضائه رفع موضوعه.

و الحقّ أن يقال: إنّ المحقّق النائيني أتعب نفسه الشريفة في ترتيب هذه المقدّمات لتصحيح الترتّب، لكن تصحيحه و استنباطه، لا يتوقّف على هذه المقدّمات المفصّلة، و كان في وسعه أن يرد من أقصر الطرق و أسهلها كما عرفت منّا. شكر اللّه مساعي علمائنا الماضين و حفظ اللّه الباقين منهم.

*** ثمرات بحث الترتّب‏

الفروع الفقهية المترتّبة على صحّة الترتّب‏

إنّ أدلّ دليل على إمكان الشي‏ء وقوعه، و نحن إذا راجعنا الفقه نرى أنّ هناك أحكاماً شرعية أفتى بها العلماء و لا يصحّ الإفتاء بها إلّا على القول بصحّة الترتّب، و إليك بعض ما عثرنا عليه أو ذكره غيرنا:

1 المسألة المعروفة أعني ما إذا رأى المكلّف نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة، فلا شكّ أنّه تجب المبادرة إلى إزالتها قبل أن يصلي مع سعة الوقت،

76

و مع الضيق يقدّم الصلاة، و لكن لو ترك الإزالة مع سعة الوقت و اشتغل بالصلاة عصى لأنّه ترك الأهمّ و إنّما الكلام في صحّة صلاته، فتحكم بالصحّة على الترتّب. (1) 2 إذا كان بدن المكلّف أو ثوبه نجساً، و من جانب آخر كان محدثاً و ليس عنده من الماء إلّا بقدر أحد الأمرين: رفع الحدث أو الخبث. فبما أنّ لرفع الحدث بدلًا و هو التيمّم، يجب استعمال الماء في رفع الخبث، فصار رفع الخبث أهمّ، و رفع الحدث هو المهم. فلو عصى و استعمل الماء في رفع الحدث بالتوضؤ أو الاغتسال، فصحّتهما مبنيّة على القول بالترتّب، أي توجّه الأمر إلى رفع الحدث عند العزم على عصيان الأمر بالأهم. (2) 3 إذا كانت وظيفة المكلّف التيمّم لضيق الوقت عن استعمال الماء، و مع ذلك خالف فتوضأ أو اغتسل، فصحّة الوضوء أو الغسل مبنية على صحّة الترتّب أو الاكتفاء بالملاك. (3) 4 إذا كان وضوء الزوجة مفوِّتاً لحقّ الزوج، مع سعة الوقت فتوضأت، فصحّة وضوئها مبنيّة على صحّة الترتّب، أو القول بكفاية الملاك، كما هو الحال في عامة المسائل. (4) 5 لو انحصر ماء الوضوء بما يوجد في الآنية المغصوبة، فإن اغترف منها لأجل التوضؤ ما يكفيه للوضوء، فيجب عليه الوضوء، و إن عصى في الاغتراف و لا صلة للصحّة هنا بالترتّب لسقوط النهي عن الاغتراف بالعصيان و أمّا إذا كان بناؤه على الاغتراف تدريجياً، فاغترف مرّة ما يكفيه لغسل الوجه، فصحّة وضوئه‏

____________

(1)- لاحظ العروة الوثقى، كتاب الطهارة، فصل» يشترط في صحّة الصلاة ... «المسألة الرابعة.

(2)- لاحظ العروة الوثقى، كتاب الطهارة، فصل في التيمم و مسوغاته، في ذيل المسألة 22.

(3)- المصدر السابق، المسألة 29.

(4)- لاحظ العروة الوثقى، كتاب الطهارة، شرائط الوضوء، المسألة 36.

77

بهذا الشكل بأن يغترف مرّة أُخرى بعد غسل الوجه، لغَسْل اليمنى ثمّ اليسرى مبنية على صحّة الترتّب، فانّ القدرة على كلّ غسلة من غسلات الوضوء حاصلة عند كلّ غسلة بالعصيان بالتصرّف في الآنية المغصوبة. (1) و نظيره الاغتراف من آنية الذهب أو الفضّة، و ليست القدرة الفعلية على مجموع العمل قبل الشروع فيه شرطاً، بل تكفي القدرة عند كلّ جزء من أجزائه.

6 إذا توقف حفظ نفس محترمة على ترك الصلاة أو قطعها، فلو عصى و اشتغل بالصلاة، مبتدأ بها أو مستمرّاً فيها، فالصحّة مبنية على صحّة الترتّب أو القول بكفاية الملاك. (2) 7 إذا كان المكلّف في حال الصلاة فسلّم عليه شخص، وجب عليه ردّ السلام، و لو عصى و استمرّ في الصلاة، صحّت لمكان الأمر الترتبي. (3) 8 لو شرع في اليومية مع سعة وقتها ثمّ ظهر له ضيق وقت صلاة الآية، يجب عليه قطعها و الاشتغال بصلاة الآية، فلو لم يقطعها و استمرّ في الصلاة، فالصحّة مبنية على القول بالترتّب أو كفاية الملاك. (4) و مثله كلّ صلاة موسّعة عارضت صلاة مضيّقة، كالنافلة في وقت الفريضة مع ضيق وقتها.

9 إذا وجب السفر في شهر رمضان بإيجاب أهم من صومه، كسفر الحجّ، فلو عصى و لم يسافر توجّه إليه الأمر بالصوم بحيث لو أفطر وجبت عليه الكفارة، كما يجب عليه الإتمام و لا يصحّ منه القصر، فكأنّ المولى يقول:» سافر، و أفطر،

____________

(1)- لاحظ فوائد الأُصول، للمحقّق الكاظمي: 378/ 1.

(2)- لاحظ العروة الوثقى، فصل لا يجوز قطع صلاة الفريضة اختياراً، المسألة 4.

(3)- لاحظ العروة الوثقى، فصل في مبطلات الصلاة، المسألة 16.

(4)- العروة الوثقى، فصل في صلاة الآيات، المسألة 12.

78

و قصّر، و لو عصيت فصم و أتمم «. (1) 10 إذا زاحم الصوم، حفظ نفس الغير أو عرضه أو زاحمه حفظ مال أهمّ في نظر الشارع من الصوم، و مع ذلك صام، فالصحّة مبنية على أحد الأمرين الترتّب أو القول بكفاية الملاك. (2) 11 إذا كان اعتكاف الزوجة منافياً لحقّ الزوج، أو اعتكاف المستأجر منافياً لحقّ الأجير، فلو خالف و صام و اعتكف، فتصحيح العبادة بأحد الأمرين كما مرّ. (3) 12 إذا كان عليه خمس من عام الربح الماضي، و كان عليه دين حال، فيقدّم الدين على الخمس، فلو خالف و لم يؤدّ الدين يمكن القول بوجوب الخمس مترتّباً على العصيان. (4) 13 لو صلّى العصر قبل الظهر في الوقت المشترك نسياناً فلا مانع من الإتيان بالظهر في الوقت المختصّ بالعصر.

فلو ترك الإتيان بالظهر في هذا الوقت و اشتغل بصلاة أُخرى قضاءً فيمكن أن يقال إنّ اشتغال الذمّة بالواجب الفوريّ أعني: صلاة الظهر لا ينافي صحّة عبادة أُخرى مضادّة له بناء على تعلّق الأمر بالموسّع أعني: صلاة القضاء فعلًا أيضاً على الترتّب. (5) 14 لو بنينا على بطلان الصلاة في اللباس المغصوب، يعتبر فيه أن لا

____________

(1)- لاحظ فوائد الأُصول: 357/ 1، و أجود التقريرات: 302/ 1.

(2)- لاحظ العروة الوثقى، كتاب الصوم، فصل في شرائط صحّة الصوم، في ذيل قوله:» الشرط السادس «.

(3)- لاحظ العروة الوثقى، كتاب الاعتكاف، فصل: يشترط في صحّته أُمور: السابع.

(4)- لاحظ فوائد الأُصول: 358/ 1.

(5)- الحائري اليزدي: كتاب الصلاة، ص 16.

79

يكون معذوراً فيه عقلًا أو شرعاً ... أمّا في صورة العذر الشرعي بأن يكون المورد ممّا رخّص شرعاً فواضح و أمّا في صورة العذر العقلي فلأنّه لا مانع من فعلية الأمر بالصلاة في مورد تحقّق العذر للمكلّف عن الحرام الواقعي بقاعدة الترتّب التي حقّقناه في الأُصول. (1)*** ثمّ إنّ المحقّق النائيني طرح أمثلة ثلاثة، ثالثها ما مرّ منّا برقم 12، و أمّا الآخران فإليك نصّ كلامه.

15 لو فرضت حرمة الإقامة على المسافر من أوّل الفجر إلى الزوال، فلو فرض أنّه عصى هذا الخطاب و أقام فلا إشكال في أنّه يجب عليه الصوم و يكون مخاطباً به فيكون في الآن الأوّل الحقيقي من الفجر قد توجّه إليه كلّ من حرمة الإقامة و وجوب الصوم و لكن مترتّباً، فيكون وجوب الصوم أو وجوب التمام مترتّباً على عصيان حرمة الإقامة. و كأنّه يقول تحرم عليك الإقامة، و إن عصيت بنيّة الإقامة، فصُم و أتمم.

16 لو فرض وجوب الإقامة على المسافر من أوّل الزوال، فلو عصى و لم ينو الإقامة وجب عليه القصر و إفطار الصوم و كأنّه يقول أقم و إن عصيت فقصّر و أفطر. (2)

يلاحظ عليه بأُمور:

أ: إنّه (قدس سره)، ممّن قال بأنّ الشرط هو العصيان الخارجي لا العزم عليه حيث قال: إنّ ظرف عصيان الأهم و الشرط و امتثال الأمر بالمهمّ واحد، و على ضوء هذا

____________

(1)- الحائري اليزدي: كتاب الصلاة، ص 48 49.

(2)- فوائد الأُصول: 357/ 1 358 و ما جاء تحت رقم 13، غير ما مرّ منا تحت رقم 9 فلاحظ و لا يختلط عليك الأمر.

80

يخرج المثال الأوّل من الخطاب الترتبي لأنّ عصيان حرمة الإقامة من الفجر إلى الزوال لا يتحقّق إلّا بمضيّ آن من أوّل الفجر، ثمّ يحدث بعده الأمر بالصوم و ذلك الأمر بالصوم فرع تحقّق الشرط و هو يتحقّق بالآن الأوّل، و عندئذ كيف يصحّ الصوم مع أنّ الجزء الأوّل كان فاقداً للأمر. و هو ظرف تحقّق الإقامة بعصيان حرمتها.

اللّهمّ إلّا أن يقال: بأنّه (قدس سره) قائل باقتران الأمر مع شرطه و هو العصيان الذي هو ظرف امتثال الأمر بالمهم، كما مرّ نقله عنه و على مختاره يكفي الاقتران، و لا يشترط تقدّم العصيان على الأمر بالمهمّ.

و منه يظهر حال المثال الثاني، فانّ عصيان وجوب الإقامة يتحقّق بمضي أوّل جزء من الزوال و هو فاقد للنيّة و لا تنفع نيّة الإقامة بعد مضيّ الآن الأوّل ثمّ يحدث بعده الأمر بالقصر و الإفطار و من المعلوم أنّه خارج عن الخطاب الترتّبي لأنّ فعلية الأمر الثاني، مترتّب على سقوط الأمر الأوّل و هو من الجواز بمكان إنّما الكلام في فعلية الأمر بالمهمّ، مع عدم سقوط الأمر الأوّل. نعم لو كان الشرط هو» من سيعصي «المتحقّق قبل الفجر و الزوال، لما توجّه هذا الإشكال.

ب: إنّ الاستدلال بهذين المثالين هو استدلال على الإمكان عن طريق برهان الإنّ لأنّ أدلّ دليل على إمكان الشي‏ء وقوعه، مع أنّ الواقع لا يمتّ إلى الترتّب بصلة لأنّ الأمر بالصوم في المثال الأوّل لم يترتّب على عصيان حرمة الإقامة. و إنّما ترتّب على شهود الشهر قال سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏) (البقرة/ 185) و هو بنيّة الإقامة شهد الشهر. كما أنّ الأمر بالقصر في المثال الثاني لم يترتّب على حرمة الإقامة بل على الضرب في الأرض، و هو كان ضارباً في الأرض قبل الزوال و استمرّ عليه من دون أن يقطع السفر بنيّة الإقامة فوجب عليه القصر.

ج: لا تكون الإقامة بعنوانها محرّمة أو واجبة، لعدم تعلّق النهي و الأمر بها

81

بعنوانها و أمّا حرمتها أو وجوبها بالعناوين الطارئة كالنذر و اليمين فليس بتام لأنّ الواجب هو الوفاء بالنذر و اليمين، و يتحقّق الوفاء تارة في ضمن عدم الإقامة كما في المثال الأوّل، فلو أقام لزم نقض النذر، أو في ضمن الإقامة كما في المثال الثاني، فلو استمرّ في سيرة سفره، لزم النقض.

تصحيح امتثال المهم لا بنحو الترتّب» الأمر بالضدّين عرضاً «

كان الكلام فيما تقدم تصحيح امتثال المهم عن طريق الترتّب. و هناك نظرية أُخرى تصحِّح امتثال المهمّ لا عن طريق الترتّب، بل عن طريق توجّه أمرين عرضيّين إلى الأهم و المهمّ بلا تقييد أحدهما بعصيان الآخر، و هي نظرية جديدة أبدعها سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه بعد أن لم يرتض التقريبات الخمسة المتقدّمة لتصوير الترتّب، نستعرضها فيما يلي.

تبتني هذه النظرية على مقدّمات:

الأُولى: في أنّ الأوامر و النواهي متعلّقة بالطبائع‏

إنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع، لأنّ الغرض قائم بنفس الطبيعة بأيّ خصوصية تشخّصت، و في ضمن أيّ فرد تحقّقت فلا معنى لإدخال أيّة خصوصية تحت الأمر بعد عدم مدخليتها في الغرض. على أنّ الهيئة تدل على البعث، و المادّة على الماهية، فلا دالّ على الخصوصية.

الثانية: في أنّ الإطلاق جعل الطبيعة تمام الموضوع‏

إنّ الإطلاق هو رفض القيود و جعل الطبيعة تمام الموضوع للحكم بلا

82

مدخلية دخالة شي‏ء آخر سواها، لا الجمع بين القيود. و ما ربّما يقال: إنّ الطبيعة تتخذ مرآة لأفرادها، أو لحالات أفرادها خروج عن تفسير الإطلاق، و هو موجب لخلط العموم بالإطلاق.

فمعنى الإطلاق في قولنا:» أزل النجاسة «جعل الإزالة تمام الموضوع لوجوبها، من دون دخالة شي‏ء في الحكم سواها، لا أنّ الإزالة في هذا المكان أو ذاك المكان، أو أنّ الإزالة وحدها أو مع الاجتماع مع الصلاة، موضوعات لوجوبها.

و بما ذكرنا في تفسير الإطلاق، يتّضح أنّ اللفظ الموضوع للطبيعة، ليس ناظراً إلى أفرادها، و لا إلى حالات أفرادها، و ليس مفادُه إلّا كون الموضوع للوجوب هو نفس الإزالة فقط، و هو بنفسه حجّة على وجوب الإزالة في جميع الأفراد و الحالات. و كونها حجّة في جميع الموارد، غير كون اللفظ الموضوع للطبيعة ناظراً إلى الأفراد و الحالات.

الثالثة: في أنّ الدليل غير ناظر لحال التزاحم‏

إنّ التزاحمات الواقعة في الخارج بين أفراد الطبائع، غير ملحوظة في تلك الأدلّة، لأنّ الحكم مجعول على العناوين الكلية، و هو مقدّم على التزاحم الواقع بين الأفراد برتبتين، لأنّه بعد تعلّق الحكم بالعنوان، يحصل ابتلاء المكلّف بالواقعة ثمّ التزاحم بين الأفراد و هما مرتبتان متأخّرتان عن تعلّق الحكم بالعنوان، و ما له هذا الشأن من التقدّم لا يتعرض لحال ما يتأخر برتبتين. على أنّ الأمر له هيئة و مادة، و لا دلالة بشي‏ء منهما على الأفراد الخارجية حتى تكون له دلالة على صورة تزاحم الأفراد و علاجها.

الرابعة: في أنّ الحكم ليس له إلّا مرتبتان‏

إنّ القوم جعلوا للحكم مراتب أربع، لكن ليس للحكم عندنا إلّا

83

مرتبتان: الإنشاء و الفعلية و نعني من الأوّل ما حاز مرتبة الجعل، و لكن لم يعلن إمّا برمَّته كما في الأحكام المخزونة عند الصاحب (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) أو لم تُعلن مخصصاته أو مقيّداته، كالعمومات الواردة في الكتاب و السنّة، التي جاءت مخصصاتها أو مقيداتها في لسان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و نعني بالثاني ما تمّ جعله و بيانه من قبل المولى و لم يبق منه شي‏ء. و أمّا مرتبة الاقتضاء من ملاكات الأحكام و مصالحها و مفاسدها فهي مرتبة قبل الحكم، كما أنّ التنجّز هو حكم العقل به الذي يستحقّ به الثواب و العقاب و لا صلة له بالحكم.

الخامسة: في أنّ الخطاب الشرعي، خطاب واحد لا خطابات‏

إنّ الخطابات القانونية، خطاب واحد متعلّق بعام، مثل:» الناس «و» المؤمنون «و أمثالهما، و ليست هناك كثرة في ناحية الخطاب، و إن كانت هناك كثرة في ناحية المتعلّق. فانّ المولى يضع التكليف بخطاب واحد، على كلّ من صدق عليه عنوان» الناس «و» المؤمن «، من دون حاجة إلى تكثير الخطاب بتعداد المكلّفين.

و يشهد على ذلك وجدان الإنسان، حيث ترى أنّ من يريد إنجاز عمل، أو رفع بليّة، يخاطب الجمع الكثير بخطاب واحد يدعوهم به إلى ما رامه، و لا يدعو كلّ فرد منهم بخطاب خاص.

و توهم أنّ الخطاب الواحد ينحلّ إلى خطابات متعدّدة، لا يرجع إلى محصّل، لكفاية الخطاب الواحد بلا حاجة إلى انحلال. و لو قلنا بالانحلال في جانب الإنشاء فيجب أن نقول به في جانب الإخبار، فيلزم إذا أخبر عمرو مثلًا كذباً عن شي‏ء له أفراد كثيرة، بأن يقول:» النار باردة «أو» إنّ القوم جاءوا «، مع أنّهم لم يجيئوا، أن يكذب بعدد أفراد النار و القوم، مع أنّه واضح البطلان، بل هو لم يكذب إلّا كذبة واحدة.

و يؤيّد ذلك أنّ الأحكام الشرعية شاملة للكفّار و العصاة، مع أنّ الخطاب‏

84

الخصوصي بالنسبة إليهم مستهجن، فظهر أنّ الخطابات المتوجهة إلى المكلّفين خطابات قانونية كلية، لا خطابات شخصية. و الخطاب الواحد المتعلّق بالعنوان العام، حجّة على الكل، أي كلّ من صدق عليه ذلك العنوان، من دون حاجة إلى تعدّد الخطاب حسب تعدّد المكلّفين.

السادسة: في أنّ الأحكام غير مقيّدة بالقدرة شرعاً و عقلًا

إنّ الأحكام الشرعية غير مقيدة بالقدرة لا شرعاً و لا عقلًا و إن كان حكم العقل بالإطاعة و العصيان في صورة القدرة، بل الأحكام الشرعية تشمل القادر و العاجز بإطلاقها و توهّم أنّها بالإرادة الاستعمالية تعلّقت بالمطلق إلّا أنّ الجدّية متعلّقة بالمقيدة بالقدرة، مدفوع بأنّ التقييد إمّا من جانب الشرع أو من جانب العقل. و لو قلنا بالأوّل، لزم القول بجريان البراءة عند الشكّ في القدرة و القوم لا يلتزمون بذلك بل قائلون بالاحتياط مع الشكّ فيها و لو قلنا بالثاني لزم تصرّف العقل في حكم الغير و إرادته مع كون الشرع غيره و لا معنى لتصرف العقل في إرادة الغير.

السابعة: في أنّ الأمر بكلّ من الضدّين أمر بالمقدور

إنّ الأمر بكل من الضدّين، أمر بالمقدور، و الذي يكون غير مقدور هو الجمع بين المتعلّقين، و هو ليس متعلّق التكليف فإذا قامت الحجّة في أوّل الزوال على وجوب الصلاة، و قامت حجّة أُخرى على وجوب الإزالة عن المسجد فكلّ واحد حجّة في مفاده مستقلًا لا في الجمع بينهما و ليس قيام الحجّتين على الضدّين، إلّا كقيامهما على الأمرين المتوافقين غير المتزاحمين (كالصلاة و الصوم) في أنّ كلّ واحد حجّة في مفاده لا في الجمع بينهما.

ثمّ إذا كان التكليفان متساويين في المصلحة، فالعقل يستقلّ في صورة الابتلاء بالتخيير فإذا اشتغل بأحدهما يكون في مخالفة الأمر الآخر معذوراً عقلًا

85

من غير تقييد. و أمّا لو كان أحدهما أهمّ من الآخر، فلو اشتغل بالأهمّ فهو معذور في ترك الآخر، و لو اشتغل بالمهمّ، فقد امتثل أحد التكليفين الكليين، و إن كان غير معذور في ترك الأهمّ. و مع عدم اشتغاله بذلك لا يكون معذوراً في ترك واحد منهما، لأنّه كان قادراً على إتيان واحد منهما، فترك كلّ واحد يكون بلا عذر.

إذا عرفت هذا، فنقول:

إنّ هنا فرقاً واضحاً بين الخطابات الشخصية و الخطابات القانونية. فانّ تكليف المكلّف بأمرين، و بخطابين شخصيين، في وقت لا يسع إلّا واحداً منهما، قبيح. و أمّا تكليفه بأمرين في وقت لا يسع إلّا واحداً منهما، بخطاب قانوني، فصحيح عقلًا و واقع عرفاً. فانّ الخطاب الشخصي لا يهدف إلّا صورة الابتلاء بالضد من عدم سعة الوقت إلّا لشي‏ء واحد. و أمّا الخطاب القانوني، فبما أنّه تختلف فيه حالات المكلفين حسب الابتلاء و عدمه، و القدرة و عدمها، فيصحّ تعلّق الخطاب بالعنوان العام، و لا يعدّ كونه حجّة في مقام الابتلاء بالمزاحم قبيحاً. غاية الأمر أنّه يجب على العبد عند إقامة الحجّتين أن يجعل نفسه معذوراً في المخالفة، كما إذا اشتغل بالأهم و صار معذوراً في مخالفة المهم، و يشتغل بأحدهما مخيّراً، إذا لم يكن في البين أمر أهم.

و على ضوء هذا يكون الأهم و المهم نظير المتساويين في أنّ كلّ واحد مأموراً به في عرض الآخر و هذان الأمران العرضيان، فعليّان متعلّقان بعنوانين كليين من غير تعرّض لهما لحال التزاحم و عجز المكلّف إذ المطاردة التي تحصل في مقام الإتيان لا توجب تقييد الأمرين أو أحدهما أو اشتراطهما أو اشتراط أحدهما بحال عصيان الآخر لا شرعاً و لا عقلًا بل تلك المطاردة لا توجب عقلًا إلّا المعذورية العقلية في ترك أحد التكليفين حال الاشتغال بالآخر في المتساويين، و في ترك المهم حال اشتغاله بالأهم. (1)

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 302/ 1 312.

86

نظرنا في هذا التقريب‏

هذه عصارة ما أفاده في ضمن المقدّمات السبع و ما له مدخلية تامّة في استنباط ما اختاره من صحّة توجّه الأمرين العرضيين إلى المكلّف، مع التضادّ في المتعلّق و المهم من هذه المقدّمات، هو المقدّمة الثالثة و الخامسة و ما بعدها و لنا في بعض ما أفاده (قدس سره) نظر نأتي به تالياً:

الأوّل: ما أوردناه عليه في سالف الزمان في مجلس درسه و حرّرناه في» التهذيب «بصورة السؤال و حرّرنا ما أجاب عنه أيضاً (1) لكنّه غير قالع للإشكال.

و حاصل الإشكال: أنّ الإهمال في مقام الثبوت غير ممكن، (و إن كان بالنسبة إلى مقام الإثبات أمراً متصوّراً ممكناً) و اللفظ و إن كان غير ناظر إلى حالات المكلّف، من الابتلاء و التزاحم، إلّا أنّ المولى يمكنه أن يتفطّن إلى صورة الابتلاء و يتصوّرها، و يرى موقف المكلّف من ابتلائه بالحجّتين مع عدم سعة الوقت إلّا لواحد منهما. أ فهل يرى من نفسه صحّة إلزامه بكلا الدليلين أو لا؟ فعلى الأوّل، يلزم التكليف بغير المقدور و على الثاني، يلزم رفع اليد عن إحدى الحجّتين تعييناً أو تخييراً.

و إن شئت قلت: إنّ اللفظ و إن كان لا يدلّ على شرطية قدرة المكلّف أو علمه بالمكلّف به باعتبار أنّ الحاكم بذلك هو العقل و لكن طلب المولى مقصور على ما إذا وجد فيه هذان الشرطان.

و على ضوء ذلك، فلو سئل المولى عن انبساط طلبه و شموله لصورة التزاحم، فإن أجاب بالإيجاب، لزم منه الأمر بغير المقدور بالنتيجة، و هذا ما لا يرضى به أحد. و إن أجاب بالسلب، فقد رفع يده عن إحدى الحجّتين تعييناً أو تخييراً، و هذا ينتج عدم التحفظ على كلا الأمرين، و هو خلاف مختاره (قدس سره).

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 313/ 1، ط جماعة المدرسين.

87

و إن شئت فعبّر بعبارة ثالثة، و هي أنّ الإطلاق اللحاظي و إن كان أمراً باطلًا، لأنّ اللفظ غير ناظر إلى حالات المكلّفين، و المكلّف به لا يدلّ إلّا على صرف الطبيعة دون الخصوصيات، و قد عرفت أنّ الإطلاق هو رفض القيود لا الجمع بينها، إلّا أنّ الإطلاق الذاتي و هو سريان الحكم إلى أفراد الطبيعة بلا استثناء أمر لا مفرّ عنه. و ليس الإطلاق الذاتي دائراً مدار دلالة اللفظ حتّى يقال إنّ اللفظ غير موضوع إلّا لنفس الطبيعة، و لا للحاظ الآمر كلّ واحد بحياله و خصوصياته، بل تابع لتحقّق نفس الطبيعة في أيّ مكان و زمان.

و على ذلك، إمّا أن تكون صورة التزاحم محكومة بحكم كلتا الحجّتين حسب الإطلاق الذاتي، فيلزم التكليف بغير المقدور. أو لا، فيلزم رفع اليد عن إحداهما تعييناً أو تخييراً.

و كما أنّ الخطاب الشخصي لا يجوز توجيهه إلى الشخص المبتلى بالأمرين، فكذا الإطلاق الذاتي قاصر عن أن يعمّ المبتلى بالمزاحم. و التفكيك بين الخطاب الشخصي و الخطاب القانوني بأنّه يوجد في مورد الثاني آحاد من المكلّفين غير مبتلين بصورة التزاحم، فيصحّ خطاب الكل به لوجود الملاك في أكثرهم، بخلاف الخطاب الشخصيّ فانّ التزاحم فيه دائميّ غير مفيد، فانّ المولى و إن كان غير ناظر إلى حالات الأشخاص، إلّا أنّه غير غافل عن حالات نوعهم، من واجدي القدرة و غير واجديها، و واجدي العلم و غير واجديه، و المبتلين بالمزاحم و غير المبتلين. و لو كان غافلًا ثمّ التفت إليه، لما جوّز شمول الخطاب لغير القادرين، فلا محالة تنسحب إحدى الإرادتين من مورد الابتلاء.

الثاني: ما استدلّ به على عدم الانحلال في الإنشاء، بأنّه لو قلنا به لزم القول به في الإخبار و عندئذ لو كان الخبر كاذباً، يلزم أن يكون الخبر الواحد أكاذيب متعددة في متن الواقع مع أنّ القوم لا يلتزمون به فلو قال النار باردة، فعلى القول بالانحلال، يلزم أن يكذب بعدد وجود النار في العالم، ماضيه، و حاضره‏

88

و مستقبله، غير تام و ذلك لعدم الملازمة بين الانحلال و تعدّد الكذب، لأنّ الكذب من صفات الكلام المتفوّه به، فإذا كان الكلام المتفوّه به واحداً و إن كان المضمون أوسع لا يلزم إلّا كذب واحد.

الثالث: ما أفاده من أنّ الأحكام الشرعية غير مقيّدة بالقدرة لا من جانب الشرع و إلّا تلزم صحّة جريان البراءة عند الشكّ في القدرة و لا من جانب العقل و إلّا يلزم أن ينصرف العقل في حكم الغير، غير تام، لأنّ موقف العقل في المقام ليس موقف التصرف بل موقف الكشف فانّ العقل إذا وقف على صفات الشارع يستكشف بحكمته، عن توجّه أحكامه إلى القادر فقط، لا العاجز، فالأحكام الشرعية مقيدة عندنا بالقدرة، و أمّا عدم صحّة جريان البراءة فلما قلنا من أنّ كلّ شرط لا يعلم وجوده و عدمه إلّا بالفحص يجب هناك الفحص كالاستطاعة في الحجّ، و النصاب في الزكاة و القدرة في كلّ الأحكام و إلّا يلزم تعطيل قسم كبير من الأحكام، و قد نقل هو (قدس سره) ذلك الاستثناء عن شيخه العلّامة الحائري (قدس سره).

هذا تمام الكلام في مبحث الترتّب و أمّا البحث عن الفرق بين التعارض و التزاحم فقد مضى الكلام فيه***

89

الفصل السادس: في جواز الأمر مع العلم بانتفاء شرطه، و عدمه‏

هل يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه أو لا؟

أقول: إنّ هذه المسألة من فروع مسألة مطروحة في الكتب الكلامية و هو جواز التكليف بما لا يطاق و عدمه فالأشاعرة على الأوّل و العدلية على الثاني.

ثمّ إنّ الأُصوليين اختلفوا في تفسير عنوان البحث إلى وجوه ثلاثة ذكر المحقّق الخراساني منها احتمالين، و إليك ذكر الجميع:

1 إنّ الضمير في قوله:» شرطه «يرجع إلى الأمر، و المراد من شرط الأمر، ما يعدّ من علل وجوده و هو يدور بين كونه شرطاً للجاعل و قائماً به كتصوّر المأمور به، و التصديق بفائدته، ثمّ الشوق إليه، ثمّ إرادته و طلبه، أو شرطاً للمكلَّف سواء كان عقلياً، كالعلم و القدرة، أو شرعيّاً، كالبلوغ و الاستطاعة.

و على هذا يكون المراد من الجواز هو الإمكان الوقوعي، و من المعلوم، عدم جوازه، لأنّ صدور الأمر الجديّ من الآمر، مع وجود الخلل في مبادئ وجوده، معناه تحقّق المعلول بلا علّته التامة و هذا لا يليق أن يطرح على بساط البحث، و يبحث عنه المفكِّرون.

و احتمال أنّ المراد من الجواز في عنوان البحث، هو الإمكان الذاتي، الذي‏

90

يجتمع، مع عدم العلّة بعيد عن محلّ الخلاف، لوضوح كونه ممكناً ذاتيّاً و إن لم يكن ممكناً وقوعياً إذ ما سوى الواجب و الممتنعات كلّها، ممكنات بذاتها، ممتنعات، وقوعاً إذا لم يقترن بعللها.

2 أن يرجع الضمير في» شرطه «إلى الأمر مثل الاحتمال الأوّل لكن يراد من المرجع بعض مراتب الأمر، و من الضمير الراجع إليه بعض مراتبه الأُخر كأن يكون النزاع في أنّه يجوز الأمر الإنشائي مع العلم بعدم بلوغه إلى مرتبة الفعلية لانتفاء شرطه.

و اختاره المحقّق الخراساني قائلًا: بأنّ داعي إنشاء الطلب لا ينحصر بالبعث و التحريك جدّاً حقيقة، بل قد يكون صورياً امتحاناً، و ربّما يكون غير ذلك. (1) و أورد عليه المحقّق الخوئي: بأنّ محلّ البحث في جوازه و عدمه إنّما هو في الأوامر الحقيقية التي يكون الداعي فيها البعث و التحريك نحو إيجاد متعلّقاتها في الخارج حقيقة، و أمّا الأوامر الصورية التي ليس الداعي فيها البعث نحو إيجاد متعلّقاتها في شي‏ء، فلا إشكال في جوازها مع علم الآمر بانتفاء شروط فعليتها. (2) يلاحظ عليه: أنّ استدلال القائلين بالجواز بأمر إبراهيم بذبح ولده مع عدم تحقّق شرط الأمر و هو انتفاء النسخ دليل على صحّة ما ذكره المحقّق الخراساني. فانّ الإنشاء و الفعلية و إن كانا من مصطلحات المتأخّرين، لكن واقعهما كانا موجودين عند القدماء، فيكون محلُّ النزاع حينئذ، هو البحثُ عن صحّة أمر المولى بشي‏ء في المستقبل الذي يكون في ظرف وجوده فاقداً لشرط الوجوب مع علمه بذلك في ظرف الإنشاء، كما في أمره تعالى إبراهيم (عليه السلام) بذبح ولده إسماعيل، مع علمه تعالى بفقدانه شرط الفعلية و هو عدم النسخ.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 221/ 1.

(2)- المحاضرات: 6/ 4.

91

و ممّا ذكر يظهر أنّ ما احتمله العلّامة الطباطبائي من رجوع الضمير إلى الامتثال‏ (1)، ليس احتمالًا مغايراً، فانّه يرجع إلى ما اختاره المحقّق الخراساني.

3 الأمر بشي‏ء مع علم الآمر بفقدان شرط المأمور به، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة و أمّا جوازه و عدمه فمبني على تمكّن المكلّف و عدمه فانّه لا يخلو إمّا أن يكون المكلّف متمكّناً من تحصيله أو لا.

فعلى الأوّل، يجوز. بل الغاية من الأمر، جعل الداعي لتحصيل ما ليس موجوداً.

و على الثاني، يكون التكليف محالًا و لغواً.

ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه قد اختار الوجه الثالث و قال:» و يناسبه ما استدل عليه من الأوامر الامتحانية لا سيّما تطبيق قضية خليل الرحمن لأنّه قد أمر بشي‏ء مع انتفاء ما هو كشرط المأمور به و هو عدم النسخ «. (2) يلاحظ عليه: أنّ الاستشهاد بقضية الخليل، يناسب كون النزاع في انتفاء شرط بعض مراتب الأمر، حيث إنّ عدم النسخ من شرائط الفعلية أو التنجز لا من شرائط المكلّف به.

و كان عليه أن يمثّل، بشهود الشهر في الأمر بالصوم مع أنّه يعلم أنّه يسافر و على كلّ تقدير ثمّ إنّه دام ظلّه فرّق بين الأمر الشخصي، و الأمر القانوني فلو كان الأمر شخصياً متوجّهاً إلى شخص معيّن فالحقّ هو القول بالامتناع لأنّ الغاية في الأمر هو الانبعاث و هو لا يجتمع مع العلم بعدم شرائط التكليف أو المكلّف به و أمّا إذا كان الأمر قانونياً متوجّهاً إلى عامة المكلّفين فلو كان الجميع فاقدين للشرط فلا يجوز أيضاً و أمّا إذا كانوا مختلطين بين واجد و فاقد فيجوز التكليف‏

____________

(1)- التعليقة على الكفاية: 133.

(2)- تهذيب الأُصول: 329/ 1.

92

العام و إن كان بعض الأفراد فاقداً للشرط. (1) يلاحظ عليه: بما مرّ في مبحث الترتّب من أنّ الإهمال في مقام الثبوت غير معقول و اللفظ و إن كان قاصراً عن الدلالة على حالات المكلّفين من حيث الفقدان و الوجدان، لكن المولى الحكيم إذا توجّه إلى أصناف المكلّفين، و وقف على اختلافهم في الشرائط، فهل تكون إرادته شاملة للصنف الفاقد أو لا؟ و الأوّل يستلزم المحال و الثاني يستلزم عدم الجواز و هو خلاف مطلوبه.

ثمرة البحث‏

ثمّ إنّ الثمرة تظهر على ما قيل في لزوم الكفارة على من أفطر في يوم شهر رمضان، مع عدم تمامية شرائط الوجوب له إلى الليل، كما إذا سافر قبل الظهر، أو مرض، أو مات و قد أفطر قبله بلا عذر فعلى القول بصحّة التكليف مع عدم شرطه، تجب عليه الكفّارة للإفطار في اليوم الذي وجب عليه. لا على القول بعدم كون التكليف صحيحاً لفقدان شرطه.

و لكن الثمرة باطلة، و الظاهر لزوم الكفّارة مطلقاً، لأنّ الظاهر من أدلّة الكفّارة هو لزومها على من أفطر شهر رمضان بلا عذر مسوغ، و هو هنا كذلك. و لا يدور مدار وجوب الصوم و عدمه. و الصوم و القصر متساويان في المقام، فكما لا يجري عليه حكم القصر ما لم يسافر، فهكذا في الصوم.

ثمّ إنّ ما جاء في كتب الأُصوليين من فروع مسألة كلامية، مذكورة في كتب الكلام و قد أشار إلى ما ذكرنا، السيّد المرتضى في ذريعته و الشيخ الطوسي في عدّته.

قال السيّد المرتضى:» و في الفقهاء و المتكلّمين من يجوز أن يأمر اللّه تعالى،

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 330/ 1.

93

بشرط أن لا يمنع المكلف في المستقبل من الفعل، أو بشرط أن يُقْدِره. و يزعمون أنّه يكون مأموراً بذلك مع المنع «. (1) و قال الشيخ الطوسي في العدّة:» أمّا ما يجب أن يكون عليه الآمر، فإن كان ممّن يعلم العواقب، و هو اللّه تعالى، فلا بدّ من أن يكون عالماً بأنّ المأمور يتمكّن من أداء ما أُمر به «. (2) و الداعي للأشعري و أتباعه لتجويز التكليف بما لا يطاق هو اختيار عدم تأثير قدرة العبد في فعله و أنّه مخلوق للّه و ليس للعبد دور إلّا كونه ظرفاً للفعل و كون الخلق من اللّه سبحانه، مقارناً لإرادة العبد فرتّبوا على ذلك الأساس جواز التكليف بما لا يطاق، و فرّعوا عليه، تلك المسألة الأُصولية.

و لمّا أخذ الأشعري موقفاً مسبَّقاً في المقام أخذ يتفحّص في الآيات لعلّه يجد ما يدعمه من الآيات فاستدلّ بآيات أربع ذكرناها في الإلهيات، و قمنا بتحليلها بوجه رائع فلاحظ. (3)***

____________

(1)- الذريعة: 163/ 1، ط جامعة طهران.

(2)- عدّة الأُصول: 93/ 1.

(3)- الإلهيات: 302/ 1.

94

الفصل السابع: هل الأوامر و النواهي تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟

قبل الدخول في المقصود، نقدّم أُموراً:

الأمر الأوّل: في أنّ النزاع ليس لفظياً

الظاهر أنّ النزاع ليس لفظياً حتى يعود البحث إلى تعيين مفاد هيئة الأمر و مادّته، بل يعمّ ما إذا لم يكن هناك أيّ لفظ، كما إذا أمر بالإشارة أو بجملة خبرية.

و الشاهد عليه أنّ السكاكي نقل الاتفاق على أنّ المصدر المجرّد عن اللام و التنوين لا يدلّ إلّا على نفس الماهية و مع ذلك وقع النزاع في متعلّق الأوامر و النواهي، و ليس في المقام إلّا المصدر المجرّد و هذا يشعر بأنّ النزاع ليس لفظيّاً، و إلّا لما كان للنزاع بعد الاعتراف المذكور وجه.

الأمر الثاني: ليس النزاع مبنيّاً على المسائل الفلسفية

ربّما يتصوّر أنّ النزاع في المقام مبنيّ على مسألتين فلسفيتين:

1 هل الأصيل في الخارج و المنشأ للآثار، هو الوجود أو الماهية التي تعدّ

95

حدّاً للوجود و بما أنّ المحصِّل للغرض هو الأصيل، فعلى الأوّل يتعيّن كون المتعلّق هو الفرد، و على الثاني يتعيّن كونه الطبيعة.

2 هل الطبيعي موجود في الخارج أو لا؟ فعلى الأوّل يكون المتعلّق هو الطبيعة دون الثاني إذ عليه يكون المتعلّق، هو الفرد.

يلاحظ على ذلك: أنّ البحث، إنّما هو في متعلّق الأوامر و النواهي الواردة في كلام العقلاء بما هم عقلاء لا بما هم علماء أو فلاسفة، و أين هؤلاء من هذه المسائل الفلسفية العويصة التي لا يصل إلى كنهها إلّا العباقرة من الفلاسفة.

و بذلك يعلم أنّ ما أتعب به المحقّق الأصفهاني نفسه الزكيّة لإثبات أنّ النزاع مبني على أنّ الطبيعي بنفسه موجود، أو هو موجود بوجود أفراده‏ (1) ليس بتام.

و الحاصل أنّ البحث مركّز على متعلّق الأوامر هل هو ذات الشي‏ء أو هو مع ملازماته و ضمائمه، من غير فرق بين أن يكون الأصل هو الوجود أو الماهية، أو أنّ الموجود هو الطبيعي أو الموجود هو الفرد.

الأمر الثالث: ما هو المراد من الطبيعة في عنوان البحث؟

ليس المراد من الطبيعي، ما هو المصطلح في المنطق، فانّ المراد منه هناك هو الماهية الحقيقية التي لو وجدت تكون من الحقائق العينية، و تكون داخلة تحت مقولة واحدة.

بل المراد منه هنا هو الأعمّ من المنطقي، و من الماهيات المخترعة التي لا تقع تحت مقولة واحدة، فانّ القراءة من مقولة الفعل، و الجهر و الإخفات من مقولة الكيف، و الركوع و السجود من مقولة الوضع، و لأجل ذلك ليس لتلك الماهية

____________

(1)- نهاية الدراية: 228/ 1.

96

المخترعة وجود حقيقي يساوق الوحدة، بل وجودات و وحدات منضمّ بعضها إلى بعض.

و على ذلك، يصير المراد من الطبيعي هنا هو العنوان، سواء أ كان أصلياً واقعاً تحت مقولة واحدة أم كان عنواناً منتزعاً من مقولات كثيرة.

الأمر الرابع: ما هو المراد من الأفراد في عنوان البحث؟

ما هو المراد من الأفراد في عنوان البحث؟ فهنا احتمالات:

1 المراد هو الأفراد الخارجية المتحقّقة كما هو المراد إذا قلنا زيد و عمرو و بكر من أفراد الطبيعة.

يلاحظ عليه: أنّ الفرد بهذا المعنى هو المصطلح في المنطق مقابل الكلّي و لكنّه بهذا المعنى لا يصلح أن يكون مورداً للنزاع، فانّ محوره هو تعيين متعلّق الأمر في ظرف حدوثه و عروضه، و الفرد بالمعنى المنطقي هو ظرف سقوطه و إن شئت قلت: إنّ محوره هو تعيين ما يحصل به الغرض في المستقبل، و الظرف بهذا الاصطلاح، ظرف حصوله و تحقّقه.

2 المراد هو الطبيعي مع مشخصاته الفردية، لانّ الطبيعة لا تنفك في الخارج عن بعض المشخصات الفردية من زمان و مكان، و لا يمكن لنا إيجاد الطبيعة في الخارج منفكة عنها. فالنزاع في أنّ متعلّق الأمر هو نفس الطبيعة الصرفة بحيث لو قدر المكلّف على الإتيان بها مجرّدة عن هذه المشخصات الفرديّة لكان ممتثلًا و آتياً بمطلوب المولى؟

أو أنّ متعلّقه هو الطبيعة مع المشخصات الفردية، فالأمر بالطبيعة أمر بهذه المشخصات، فالمراد من الطبيعيّ هو ذاته، بلا ضمّ هذه المشخصات، و المراد من الفرد، ذاك الطبيعي منضمّاً إلى هذه المشخصات الفردية.

97

و قد أورد صاحب المحاضرات على هذا الوجه: أنّ تشخص الطبيعي بنفس وجوده، و تشخص الوجود بذاته. و أمّا الأُمور الملازمة للوجود الجوهري خارجاً التي لا تنفكّ عنه، كأعراضه من الكمّ و الكيف و الأين و الإضافة و الوضع و غيرها، فهي موجودات أُخرى في قبال ذلك الموجود و مباينة له ذاتاً و حقيقة، و متشخصات بنفس ذواتها، و أفراد لطبائع شتّى، لكلّ منها وجود و ماهية، فلا يعقل أن تكون الأعراض مشخصات لذلك الوجود، لما عرفت من أنّ الوجود هو نفس التشخص، فلا يعقل أن يكون تشخصه بكمِّه و كيفه و أينه و وصفه. (1) يلاحظ عليه: أنّه خلط بين مصطلح الفلاسفة، و ما عليه الأُصوليون. و الكلّ حقّ حسب اختلاف مشاربهم. فقد كان القدماء قبل الفارابي، يرون أنّ الأعراض مشخصات للجواهر، فالإنسان الطبيعي يتشخّص بالكيف و الكم و سائر الإضافات. ثمّ تحوّلت النظرية في عصره إلى نظرية أُخرى و هي أنّ الأعراض أيضاً أُمور كلية، و لا يكون ضمّ كلّي إلى كلّي مفيداً للتشخّص، و لأجل ذلك صاروا إلى القول بأنّ التشخص بالوجود، و تشخّصه بذاته، و الإنسان الطبيعي ما لم يوجد، يصلح لأن يصدق على كثيرين. فإذا وجد، تشخّص في ذاك الفرد و الموجود من الطبيعي في ضمن الفرد المعيّن، لا يصلح لأن يصدق على كثير.

و لأجل ذلك يقال: تعيّن الجوهر بوجوده، و تعيّن العرض بوجوده، و لا يتشخّص الجوهر بوجود العرض و لا العرض بوجود الجوهر بل تشخّص كلّ بوجوده. و هذا هو الحقّ القراح.

و لكنّ هنا مصطلحاً آخر، و هو مبني على مشرب الأُصوليين، المبتني على المفاهيم العرفية، و هو إطلاق المشخّصات على الأعراض القائمة بالجوهر، استلهاماً من العرف، حيث إنّ تميّز الإنسان الموجود، عن إنسان آخر عندهم بلونه و طول قامته و وضعه و إضافته إلى زيد و عمرو، فإطلاق المشخّصات عليها

____________

(1)- المحاضرات: 19/ 4.

98

إنّما هو بضرب من التسامح الذي لا يلتفت إليه إلّا العقل الدقيق، فلا مشاحة في الاصطلاح، و لا يكون الاختلاف فيه سبباً لعدم طرح النزاع و هو أنّ المتعلّق نفس الطبيعة أو هي مع الضمائم الكلية.

3 ما اختاره السيّد الأُستاذ دام ظلّه و هو أنّ المراد من الأفراد هو المصاديق المتصوّرة بنحو الإجمال من الطبيعة بحيث تكون الطبيعة وسيلة إلى تعلّقه بالمصاديق الملحوظة بنحو الإجمال كما هو الحال في الوضع العام و الموضوع له الخاص فيكون معنى» صلّ «أوجد فرد الصلاة و مصداقها، لا بمعنى أنّ الواجب هو الفرد الخارجي أو الذهني بما هو كذلك بل ذات الفرد المتصوّر إجمالًا فانّ الأفراد قابلة للتصور إجمالًا قبل وجودها كما أنّ الطبيعة قابلة للتصوّر كذلك. (1) أقول: ما ذكره أيضاً احتمال بشرط أن لا ينتهي النزاع إلى كونه، نزاعاً لفظياً بأن لا يقع النزاع في دلالة اللفظ الموضوع للطبيعة، على الأفراد إجمالًا أو لا، فتدبّر.

إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الحقّ هو أنّ الأمر يتعلّق بالطبيعة دون الفرد، لأنّ البعث و الطلب لا يتعلّقان إلّا بما هو دخيل فيهما، و لا يتعلّقان بما هو أوسع و لا بما هو أضيق منهما. و مثلهما الإرادة و الشوق، فلا يتعلّقان إلّا بما هو محصِّل لغرضه، و هو ذات الطبيعة دون مفرداتها و مشخصاتها، بحيث لو أمكن للمكلّف الإتيان بذات الطبيعة بدونها، لكان ممتثلًا. و على هذا فالطبيعة بما هي هي، متعلّقة للطلب و البعث، و بذلك يعلم متعلّق الزجر و النهي.

و الحاصل، أنّ محصل الغرض هو المحدّد لموضوع الأمر، و قد عرفت أنّ المحصِّل هو نفس الطبيعة لا المشخصات و لا الضمائم استدل للقول الثاني بأمرين:

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 343/ 1.

99

1 انّ الطبيعي ليس في الخارج و إنّما الموجود فيه، هو الفرد، فكيف يكون ما ليس له وجود أبداً متعلّقاً للأمر؟

يلاحظ عليه: أنّ الطبيعي موجود و متعدّد بتعدد الأفراد غاية الأمر أنّ وجوده في الخارج لا ينفكّ عن عدّة لوازم أو ضمائم فيقع الكلام في تعلّق البعث بها و عدمه و قد عرفت عدمه لعدم تعلّق الغرض بها.

2 إنّ المتلازمين يجب أن يكونا متّحدين في الحكم فإذا تعلّق البعث بالطبيعة، يجب أن يتعلّق بلوازمها و ضمائمها.

يلاحظ عليه: ما مرّ في مبحث وجوب المقدّمة من أنّ المتلازمين يجب أن يكونا غير متضادّين في الحكم كأن يكون أحدهما واجباً و الآخر محرّماً. أمّا اتحادهما في الحكم فلا.

إجابة عن إشكالين‏

إذا وقفتَ على دليل المدعى و ثبت بوضوح أنّ متعلّق الأوامر و النواهي هو الطبائع دون الأفراد بمعنى عدم سراية الأمر من متعلّق الغرض إلى اللوازم و الضمائم، فاعلم أنّ هنا إشكالين مطروحين في المقام نذكرهما واحداً تلو الآخر:

الإشكال الأوّل: قد اشتهر بين الفلاسفة أنّ الطبيعة بما هي هي ليست إلّا هي لا موجودة و لا معدومة، لا مطلوبة و لا مبغوضة، فإذا كان هذا مقامها و شأنها فكيف يكون متعلَّقاً للأمر، و موضوعاً للبعث؟

الجواب: إنّ المقصود أنّ الطلب ليس نفس الطبيعي و لا جزءه، كما أنّ الوجود و العدم كذلك، فانّ هذه الرتبة، هي رتبة الذات، و الذاتيات، و ليس في هذه الرتبة إلّا الشي‏ء نفسه، و لا يحمل عليه سوى الذات و الذاتيات لا العناوين العارضة عليه. و أمّا أنّه لا يتعلّق به الطلب، فليس بمقصود، و ذلك لأنّه بعد

100

هذه المرحلة يتعلّق به الطلب أو الزجر، كما يكون موجوداً أو معدوماً. فالطبيعيّ حسب الحمل الأوّلي ليس مطلوباً و لا مزجوراً و لا موجوداً و لا معدوماً، و لكنّه بالحمل الشائع يصير مطلوباً و مبغوضاً، واجباً و حراماً ...، كما لا يخفى.

و الحاصل: أنّا إذا قصّرنا النظر على مرتبة الذات، فلن نجد في تلك المرتبة سوى الذات. و أمّا إذا لوحظ الشي‏ء بالإضافة إلى شي‏ء آخر، فيحمل عليه ما سوى الذات و الذاتيات أيضاً، و لأجل ذلك يوصف بالمطلوب بعد إضافة الطلب إليه.

و الحاصل أنّ الطبيعي بالحمل الأوّلي ليس بمطلوب و لا مبغوض، و لكن بالحمل الشائع الصناعي مطلوب و مبغوض و ليس هذا السلب و الإيجاب متناقضين لعدم وحدة الحمل كما قرّر في محلّه إذ أنّ من شرائط التناقض وحدته، مثلًا مفهوم الجزئي جزئي بالحمل الأوّلي و ليس بجزئي بالحمل الشائع.

الإشكال الثاني: الطبيعي الصرف الذي لا يخرج عن حدّ المفهوم، عديم الأثر، غير قاض لحاجة الإنسان. و ما يقضي حاجته هو الطبيعي بوجوده الخارجي، و ليس للمفهوم هذا الشأن و المقام. و معه كيف يكون الطبيعي الصرف، متعلّقاً للبعث و الزجر.

الجواب: إنّ الطبيعي أُخذ متعلّقاً للأمر و النهي بما هو مرآة للخارج لا بما هو موجود في الذهن، بل هو مغفول عنه من هذه الجهة كما هو شأن كلّ المفاهيم. و البعث إلى الطبيعي بما هو مرآة، يلازم عند العقل تحصيله و إيجاده في الخارج. فإذا قال المولى:» اسقني «فهو يجعل عنوان السقي مرآة إلى الحيثية الوجودية، و الجهة العينية من الطبيعي، فيطلب الطبيعي بما هو حاك عن الخارج و مرآة له.

و بالجملة: متعلّق البعث هو الماهية لا بشرط التحقّق و عدمه، و الوجود و عدمه. و لكن تعلّق البعث بها، مرآة إلى الحيثية التقييدية، أعني الوجود، فيدلّ على أنّ المراد الجدّي هو مصاديقها و أفرادها، و ليست مصاديقها إلّا الوجودات‏