المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
101

الخارجية، بداهة أنّ المعدوم ليس مصداقاً لها.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (قدس سره) لمّا وقف على الإشكال الثاني حاول أن يدفعه بالتفريق بين متعلّق الأمر و متعلّق الطلب فقال: إنّ متعلّق الأمر هو الطبيعة و أمّا متعلّق الطلب فهو وجود الطبيعة و إليك نصّه:

» فانقدح بذلك أنّ المراد بتعلّق الأوامر بالطبائع دون الأفراد أنّها بوجودها السعي بما هو وجودها (قبالًا لخصوص الوجود) متعلّقة للطلب لا أنّها بما هي هي، كانت متعلّقة له كما ربّما يتوهم فانّها كذلك ليست إلّا هي نعم هي كذلك تكون متعلّقة للأمر فانّه طلب الوجود «. (1) يلاحظ عليه: أنّه إن أراد أنّ الهيئة تدلّ على أخذ الوجود في متعلّق الطلب فهو غير تام لأنّ الهيئة وضعت للطلب و البعث المجرّدين عن الوجود و إن أراد أنّ القرينة الخارجية تدلّ على أخذ الوجود في مفهوم الأمر و هي أنّ الطبيعة بما هي هي لا تُؤمِّن الغرض فالجواب أنّه يكفي في ذلك جعل المتعلّق مرآة للخارج من دون حاجة إلى تقدير الوجود، فالبعث إلى الطبيعة التي أخذت مرآة إلى ما وراءها يبعث الإنسان إلى الإيجاد من دون حاجة إلى تقدير الوجود.

*** ثمرة البحث‏

تظهر ثمرة النزاع في موردين:

الأوّل: في باب اجتماع الأمر و النهي، فعلى القول بأنّ متعلّق الأمر و النهي، هو نفس الطبيعة، لا المشخّصات الفردية، يكون متعلّق الأمر، غير متعلّق النهي، لأنّ الصلاة تتشخص تارة بالمباح و أُخرى بالمغصوب، و الكلّ من الملازمات‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 222/ 2231، ط المشكيني.

102

المتّحدة معها في الوجود، فلا يتجاوز الأمر عن متعلّقه إلى ملازماته و مشخّصاته.

بخلاف ما لو قلنا بتعلّق الأمر بالأفراد، بالمعنى الذي عرفت، فتكون الملازمات المتّحدة، متعلّقة له، و عندئذ يلزم أن يتعلّق الأمر بنفس ما تعلّق به النهي، و هو غير جائز.

و أورد عليها صاحب المحاضرات: بأنّ الأمر على كلا القولين تعلّق بالصلاة أو بفرد ما منها، و لم يتعلّق بفرد ما من هذه الطبيعة و فرد ما من الطبائع الأُخرى الملازمة لها في الوجود الخارجي. و على ذلك فالقائل بتعلّق الأمر بالطبائع يدّعي تعلّقه بطبيعة الصلاة مع عدم ملاحظة أيّة خصوصية من الخصوصيات و القائل بتعلّقه بالأفراد يدّعي أنّه تعلّق بفرد ما من أفرادها، و لا يدّعي أنّه تعلّق بفرد ما من أفرادها، و فرد ما من الطبائع الأُخرى كالغصب أو نحوه. فالخصوصيات من الأعراض على كلا القولين خارجة عن مصبّ الأمر. (1) يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على تفسير» الفرد «بالفرد الخارجي، في مقابل الكلي، و أنّ مدار القولين هو تعلّق الأمر بالطبيعي، أو فرد ما منه. و قد عرفت أنّ الفرد بهذا المعنى ليس متعلّقاً للأمر، حتى المردّد منه.

بل المراد من الفرد هنا، هو الطبيعي مع قيد آخر، و هو المشخِّصات و اللوازم المتحدة معه. و على كلّ تقدير، فمتعلّق الأمر هو المفهوم الكلي على كلا القولين. غاية الأمر، أنّ المتعلّق على القول الأوّل هو نفس الكلي الصرف، و على الآخر هو الطبيعي مع قيد كلي آخر و هو المشخِّصات و اللوازم.

فعندئذ يصحّ ما ذكرناه من الثمرة من أنّ متعلّق الأمر على القول الأوّل هو نفس الطبيعة لا مشخِّصاتها أعني الغصب و على الثاني، يكون المتعلّق هو الطبيعي المقيّد بها.

____________

(1)- لاحظ المحاضرات: 20/ 4.

103

و سراية الحكم من الطبيعي إلى اللوازم ليس من باب سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر بل من باب سراية الحكم من الكلّ إلى الجزء، ضرورة أنّ المشخِّصات على هذا، من أجزاء الموضوع فافهم و اغتنم.

و هذا من غير فرق بين تسمية هذه الأُمور مشخِّصات، أو ملازمات متّحدة مع الطبيعي، لأنّ المفروض أنّ هذه الأُمور من متعلّقات الموضوع.

نعم، الحقّ مع الاجتماعي، لأنّ المادة أعني الصلاة لا تدلّ إلّا على نفس الطبيعة الصرفة. و تعلّق الأمر على شي‏ء زائد عليها يحتاج إلى دليل يدلّ عليه، و ليس هنا شي‏ء يدلّ عليه.

و أمّا الإرادة فقد عرفت عدم تعلّقها بأوسع ممّا يفي بحاجة المريد و هو نفس الطبيعة.

و على كلّ تقدير، فالتخيير بين الأفراد، تخيير عقلي، لأنّ المأمور به هو نفس حيثية الجهة الخارجية، و هو موجود في عامة الأفراد من غير ميز، فالتخيير بينها حينئذ عقلي.

نعم الفرد الخارجي مصداق للمأمور به بما فيه تلك الجهة، و أمّا الجهات الملازمة، فليست ملاكاً للمصداقية بل هي كالحجر في جنب الإنسان، كما هو واضح.

الثاني: في باب الضمائم كما إذا توضّأ في الصيف بماء بارد و قصد القربة في أصل الوضوء لا في الضمائم فلو قلنا بتعلّق الأمر بالطبائع يكفي وجود القربة في أصل التوضؤ بالماء و أمّا لو قلنا بتعلّقه مضافاً إلى الطبائع بالأفراد أي اللوازم و المقارنات يبطل الوضوء لعدم القربة فيها بل الغاية منها هو التبريد.

تمّ الكلام في المسألة، بقي هنا شي‏ء و هو أنّ الدائر في لسان بعض المحقّقين من الأُصوليين كالشيخ ضياء الدين العراقي، و المحقّق الخوئي و غيرهما (قدّس اللّه‏ أسرارهم)

104

وجود الحصص للطبيعة، و قد بنوا على هذه الفكرة، بعض القواعد فيناسب تحليلها لتعلم حقيقة الحال و الذي أوصلنا إليه التحقيق أنّ القول بها من مضاعفات القول برأي الرجل الهمداني في الكلي الطبيعي، و أمّا على القول بالمختار عند المحقّقين، فالحصص أمر غير صحيح و إنّما الصحيح هو الأفراد و إليك البيان.

هل للطبيعي حصص أو له أفراد؟

إنّ المراد من الطبيعي في المنطق هو المفهوم المنتزع من الأفراد من حيثية اشتراكها في جهة من الجهات. و هذه الجهة تارة تكون نفس ماهيتها، كما في النوع، كالإنسان المنتزع من جهة الإنسانية المنحلّة إلى الحيوان الناطق. و أُخرى تكون جزء ماهيتها، كما في الجنس، كالحيوان المنتزع عن الحيوانية المنحلّة إلى الجسم النامي المتحرّك بالإرادة.

ثمّ إذا لوحظ ذلك المفهوم معرّى عن كلّ قيد، سمّى نفس الطبيعي و إذا لوحظ بقيد الكلية و عروضها عليه، سمّى كلّياً عقلياً. و الكلّي المنطقي هو نفس مفهوم» الكلّي «، الذي هو خارج عن البحث.

ثمّ إنّ الطبيعي لمّا كان في ذاته معرّى عن كلّ قيد، فهو غير مقيّد لا بالاشتراك، و لا بالتعيّن، و لا بالوجود، و لا بالعدم. نعم، يعرضه الاشتراك في الذهن، كما يعرضه التعيّن في الخارج، و كذلك يعرضه الوجود و العدم، فيقال: الإنسان موجود و الإنسان معدوم، و ليس ذلك إلّا لتجرّده عن كلّ قيد.

و هكذا، بما أنّه غير مقيّد بشي‏ء من الكثرة و الوحدة، يتكثّر بتكثّر الأفراد، و يتوحّد بتوحّدها، فهو مع الكثير كثير، و مع الواحد واحد. فلو كان هناك على أديم الأرض فرد واحد من نوع ما، فالطبيعي أيضاً واحد، و لو كانت له أفراد كثيرة، كان الطبيعي كثيراً.

105

و على ذلك، فالإنسان الطبيعي، كثير بتكثّر الأفراد، و واحد بوحدتها.

و لأجل ذلك، فإنسانية زيد غير إنسانية عمرو، و إنسانيته غير إنسانية بكر. و الكلّ إنسان تام الإنسانية في جميع أبعادها، لما عرفت من قبول المفهوم للتكثّر حسب تكثر الأفراد، فكلّ فرد هو نفس الإنسان و يحمل عليه و يقال:» زيد إنسان «، و» عمرو إنسان آخر «.

و بذلك تُعلم صحّة ما ذكره الشيخ الرئيس من أنّ نسبة الطبيعي إلى الأفراد، نسبة الآباء إلى الأولاد، لا نسبة الأب الواحد إلى الأولاد.

و الفرق بين الطبيعي المتحقّق بالفرد، و نفس الفرد، عبارة عن أن تحققه بالفرد لا يأبى عن صدقه على فرد آخر، لأنّه ليس واحداً شخصيّاً حتى يمتنع صدقه على كثيرين، بخلاف الفرد، لأنّه واحد شخصي.

و إن شئت قلت: إنّ الطبيعي واحد نوعي، و الفرد واحد شخصي، و مع ذلك، فالطبيعي نفس الفرد، و الفرد يحتوى على نفس الطبيعي بأسره.

و هذا هو الحقّ الذي حقّقه الشيخ الرئيس و ألّف فيه رسالة. و في مقابل هذا الرأي الصائب، نظريتان خاطئتان:

الأُولى: ما نقله الشيخ الرئيس عن رجل لاقاه في مدينة همدان و هو يزعم أنّ الطبيعي واحد شخصي قائم بجميع الأفراد، و ليس كلّ فرد إلّا جزء من ذلك الطبيعي.

و فسادها أوضح من أن يبيّن، حيث إنّها مستلزمة لأن لا يكون كلّ فرد من الأفراد إنساناً، بل جزء منه، و إنّما الإنسان أمر واحد قائم بالجميع، و هذا بيّن البطلان كما لا يخفى.

الثانية: ما نراه في كلمات المشايخ المعاصرين أمثال المحقّق العراقي و المحقّق الخوئي، من التفريق بين الطبيعي و الحصة و الفرد، و حاصله:

106

إنّ هنا طبيعيّاً، و هو أب الآباء، و إنّ هنا حصصاً، و هي بالتحليل العقلي تنحلّ إلى ماهية و إضافة إلى الوجود. و تلك الإضافة توجب صيرورتها حصّة و فرداً، بحيث لو لم تكن تلك الإضافة، فلا حصة في الخارج و لا فرد. فملاك فردية زيد مثلًا و كونه حصة من الإنسان إنّما هو إضافة الوجود الواقعي إليه. (1) و لا يخفى أنّه ليس هاهنا إلّا أمران: الطبيعة و الفرد، و ليس من المتوسط بينهما، الذي أسماه بالحصّة خبر. و ذلك لأنّه ليس للطبيعي إضافة إلى الوجود، بل هو متحقّق بالوجود و يكون به عيناً خارجية، لا مضافاً إليه.

و ما ذكره من أنّ الطبيعي حسب إضافته إلى الوجود، يتحصص، غير صحيح، بل الصحيح أن يقول: يتكثر و يصير عيناً من الأعيان بعد ما لم يكن كذلك و ليعذرني الإخوان حيث خرجنا عمّا تعهدنا من عدم إدخال مسألة علم، في علم آخر، و لكن كثرة ورود الحصة و الحصص في كلماتهم ألجأتنا إلى عقد هذا البحث.

***

____________

(1)- لاحظ المحاضرات: 14/ 4.

107

الفصل الثامن: إذا نسخ الوجوب فهل يبقي الجواز أو لا؟

يقع الكلام في هذه المسألة في موضعين:

الأوّل: إمكان بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب.

الثاني: هل هناك دليل يدلّ على بقاء الجواز أو لا؟

و قبل البحث في واحد من الموضعين نأتي مثالًا للبحث.

أوجب سبحانه على كلّ من أراد النجوى مع النبيّ الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يقدّم صدقة، حتى يصون بذلك وقت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن المساررة حيث كان كثير من المسلمين يطلبونها منه قال سبحانه:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏) (المجادلة/ 12). أي إذا أردتم المساررة فقدِّموا قبل أن تسارّوه صدقة. و احتمل الطبرسي أن يكون إيجاب الصدقة لأجل تعظيم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم). (1)

____________

(1)- الطبرسي: مجمع البيان: 252/ 5.

108

و لما نهوا عن المناجاة حتى يتصدّقوا، ضنّ كثير من الناس و كفّوا عن المسألة فلم يناجه أحد إلّا علي بن أبي طالب كان ذلك ليالي عشراً ثمّ نسخت الآية بما بعدها و كانت الصدقة مفوّضة إليهم غير مقدّرة قال سبحانه:

(أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ‏) (المجادلة/ 13).

فعندئذ يقع الكلام في جواز الصدقة بنفس هذا العنوان بعد نسخ وجوبها و عدمه، و إن كان حكم الصدقة المطلقة واضحاً.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ركّز على مقام الإثبات و الدلالة، و تسلّم إمكان بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب و قال:» ضرورة أنّ ثبوت كلّ واحد من الأحكام الأربعة الباقية بعد ارتفاع الوجوب واقعاً ممكن « (1) و لكن المختار عندنا التفصيل بين كون الوجوب أمراً بسيطاً و كونه أمراً مركّباً و لأجل ذلك عقدنا للبحث موضعين:

الموضع الأوّل: إمكان بقاء الجواز

إذا قلنا إنّ الوجوب مركب من جواز و رجحان و إلزام، يصحّ ارتفاع فصل مع بقاء الجنس في ضمن فصل آخر.

فإن قلت: إنّ بقاء الجنس مع ذهاب الفصل غير صحيح في عالم التكوين، فإنّ الجنس أمر مبهم دائر بين هذا النوع و ذاك. و إنّما يخرج عن الإبهام بفضل الفصل. فهو متّحد مع الفصل اتّحاداً تامّاً، اتحاد المتقوّم مع المقوّم. و مع ذلك، كيف يمكن بقاء المتقوّم مع ذهاب المقوّم، و لو مع فرض قيام فصل آخر مقامه،

____________

(1)- كفاية الأُصول: 224/ 1.

109

فانّ آن الذهاب غير آن القيام، و ليس هو مثل إقامة الخيمة بدعامتين مترتبتين.

قلت: ما ذكرته صحيح في عالم التكوين دون الاعتباريات. و في مقامنا، إذا كان الوجوب مركّباً من ثلاثة أُمور، بحيث يكون إنشاء الوجوب عبارة عن إنشاء أُمور ثلاثة، فلا مانع من ذهاب الفصل و قيام فصل آخر مقامه مع بقاء الجنس.

نعم إذا قلنا ببساطة الوجوب، فبقاء الجواز غير ممكن إلّا باعتبار جديد. لأنّ الوجوب على هذا أمر بسيط، ينتزع منه مفاهيم عديدة و هي الجواز و الرجحان و الإلزام، و ليس معنى انتزاع هذه المفاهيم منه، وجودها بكثرتها فيه وجود الأجزاء في الكلّ، بل بمعنى أنّ طبائع الجواز و الرجحان و الإلزام موجودة بعين وجود الوجوب، و باقية ببقائه، و ذاهبة بذهابه، فكيف يمكن أن يبقي الجواز مع ذهاب الوجوب الجامع بين هذه المراتب، اللهمّ إلّا أن يكون هناك اعتبار آخر.

و إن شئت قلت: إنّ مفاد الأمر هو البعث إلى المراد، غير أنّه إذا ضمّ إليه حكم العقل بأنّ بعث المولى، يحتاج إلى الجواب، ينتزع الوجوب، فإذا ارتفع البعث البسيط فكيف يمكن أن يبقى فيه الجواز و الرجحان.

و الحاصل أنّ القول بالإمكان فرع وجود القيود الثلاثة بكثراتها في الوجوب، نظير الأجزاء التركيبية للمركبات الصناعية أو الكيمياوية، بحيث يمكن سحب جزء و إبقاء جزء آخر، و ليس الوجوب المنشأ من هذين القسمين.

فتلخّص إمكان البقاء، على التركيب، و عدمه، على البساطة إلّا باعتبار جديد.

غير أنّ المحقّق الخوئي قال بأنّه لا موضوع لهذه المسألة لأنّ المجعول في باب الواجبات و المحرّمات ليس إلّا اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف أو محروميته عنه. و الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة جميعاً منتزعة من اعتبار الشارع، بحكم العقل، و ليس شي‏ء منها مجعولًا شرعياً، فالمجعول إنّما هو نفس ذلك الاعتبار، غاية الأمر إن نصب الشارع قرينة على الترخيص في الترك، فينتزع العقل‏

110

منه الاستحباب، و إن لم ينصب قرينة عليه، فينتزع منه الوجوب.

و على ذلك، لا يعقل القول بأنّ المرفوع إنّما هو فصل الوجوب دون جنسه، ضرورة أنّ الوجوب ليس مجعولًا شرعياً ليكون هو المرفوع بتمام ذاته أو بفصله. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: نحن نوافقه في أنّ الوجوب و الاستحباب ليسا من الأُمور الجعلية، لا لما ذكره بل لما ذكرناه من أنّهما من الأحكام العقلائية ينتزعان من البعث مع السكوت عن المرخِّص و عدمه. و لكن لا نوافقه في القول بأنّ كون المجعول في باب الواجبات و المحرّمات هو كون الفعل في ذمّة المكلّف أو محروميته منه، فانّه لا يساعده التبادر، فإنّ المتبادر من قوله:» له عليه دين كذا «أو» له عليه عمل يوم «هو اعتبار الدين أو الفعل في ذمّة المكلّف. و المتبادر من قوله:» أدّ دينَك «أو» اعمل في هذا اليوم «هو البعث إلى أداء ما في ذمّته بعد الفراغ عن كونه على ذمّته، أو البعث إلى العمل، من دون لزوم اعتبار أنّ الفعل على ذمّته.

فتفسير الجميع من باب واحد لا يساعده التبادر.

و ثانياً: أنّ الالتزام بعدم الجعل في ناحية الحرمة، و أنّه ينتزع من محرومية المكلّف عن الفعل، لا يساعده الكتاب العزيز، فانّ الظاهر منه إنشاء نفس الحرمة بالمصطلح الدارج في عدّة موارد، منها: قوله تعالى: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ‏) (البقرة/ 173).

و قوله تعالى: (وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا) (البقرة/ 275).

و قوله تعالى: (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ‏) (الأعراف/ 33).

و اعتبار تحريم الفعل نفسه غير اعتبار محرومية المكلَّف عنه، و بينهما تفاوت واضح، و ليس كلامه منحصراً بالتحريم بصيغة النهي بل يعمّ تفسير جميع‏

____________

(1)- المحاضرات: 23/ 4.

111

المحرّمات بأي صيغة أنشأت.

و ثالثاً: لو صحّ ما ذكر، فإنّما يصحّ في الأحكام الأربعة دون الإباحة، إذ ليس فيه أيّ واحد من اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف أو محروميته منه، بل مفاده حينئذ المجال للمكلّف و كونه مخيّراً بين الفعل و الترك.

هذا كلّه في الموضع الأوّل.

الموضع الثاني: هل هناك دليل يدلّ على بقاء الجواز أو لا؟

لو افترضنا إمكان البقاء يقع الكلام في الدليل الدال على البقاء فهو إمّا دليل داخلي أو خارجي أمّا المراد من الداخلي هو دلالة كلّ من الناسخ و المنسوخ على البقاء و أمّا الدليل الخارجي فهو عبارة من الاستصحاب.

أمّا الأوّل ربّما قال: إنّ القدر المتيقّن من دليل الناسخ، هو رفع خصوص الإلزام و أمّا ما عداه فيؤخذ من دليل المنسوخ. نظيره: ما إذا دلّ دليل على وجوب شي‏ء، و دلّ دليل آخر على عدم وجوبه، كما إذا ورد: أكرم زيداً، و ورد:» لا بأس بترك إكرامه «فيحكم بأظهرية الدليل الثاني ببقاء الجواز و الرجحان.

يلاحظ عليه: أن ليس للأمر إلّا ظهور واحد و هو البعث نحو المأمور به. و أمّا الوجوب فإنّما يستفاد من أمر آخر و هو كون البعث عند العقلاء تمام الموضوع لوجوب الطاعة و الالتزام بالعمل، فإذا دلّ الناسخ على أنّ المولى رفع اليد عن بعثه، فلا معنى للالتزام ببقاء الجواز أو الرجحان، إذ ليس له إلّا ظهور واحد، لا ظهورات متعدّدة طولية أو عرضية حتّى يؤخذ بالباقي.

و أمّا قياس المقام بالدليلين المتعارضين إذا دلّ أحدهما على الوجوب و الآخر على عدمه، فقياس مع وجود الفارق، لأنّ استكشاف الجواز هناك إنّما هو لاتّفاق الدليلين على الجواز.

و بالجملة: إنّ بقاء الجواز في المقيس عليه، لأجل تحكيم الأظهر على الظاهر،

112

و ليس المقام منه قطعاً، و إنّما هو من قبيل نفي الدليل الأوّل بالدليل الثاني.

و إن شئت قلت: إنّه لا دليل على بقاء الجواز، فإنّ الدليل إمّا هو المنسوخ، و المفروض أنّه ارتفع. و إمّا هو الناسخ، و المفروض أنّ مفاده منحصر في رفع الوجوب لا إثبات أمر آخر.

و أمّا الثاني أعني اثبات الجواز بالاستصحاب فنقول:

لو فرضنا قصور الدليل الاجتهادي عن إثبات الجواز، فهل يصحّ التمسك في إثبات الجواز بالاستصحاب أو لا؟

الظاهر، لا. لأنّ الجواز الجامع بين الأحكام الأربعة، أمر عقلي ينتزعه العقل من البعث إلى المأمور به، الكاشف عن الإرادة الحتمية، الكاشفة عن جوازه عند المولى، فلا يكون حكماً شرعياً قابلًا للاستصحاب، إذ يعتبر فيه أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي.

أضف إليه ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّه من قبيل القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، لأنّ المتيقّن لنا هو الجواز في ضمن الوجوب، و المفروض انتفاؤه، فبقاء الجواز لا يمكن إلّا بإقامة فرد آخر من الأحكام مقام الوجوب، كالاستحباب و الإباحة، و معه لا يصحّ الاستصحاب، لعدم اتّحاد القضيتين عند العقل و العرف.

و ليست الإباحة بالنسبة إلى الوجوب من قبيل نسبة المرتبة الضعيفة إلى الشديدة، حتّى يصحّ استصحابها. و الاستصحاب و إن كان بالنسبة إلى الوجوب من هذا القبيل عند العقل، إلّا أنّهما متباينان عند العرف الذي هو المتّبع في هذه الميادين. (1)***

____________

(1)- كفاية الأُصول: 224/ 2251.

113

الفصل التاسع: الواجب التخييري‏

ينقسم الواجب إلى: تعييني و تخييريّ.

و قد عرفت الواجب التعييني بأنّه ما لا بدل له، و لا يسقط بالإتيان بغيره، بخلاف التخييريّ فانّه عبارة عمّا له بدل، و يسقط بالإتيان ببدله. و لا شكّ في وقوعه في الشرعيّات و العرفيات فخصال كفّارة الصوم الثلاث، ودية قتل العمد المخيّر بين الأُمور الستّة، و التخيير بين الحمد و التسبيح في الركعتين الأخيرتين من هذه المقولة. و أمّا وقوعه في العرف فحدِّث عنه و لا حرج.

مشاكل في تصوير الواجب التخييري‏

ثمّ إنّ الذي دعاهم إلى عقد البحث عن تحليل الوجوب التخييري عدّة أُمور:

1 تعلّق الإرادة أو البعث بالأمر المردّد، و هو أمر محال.

توضيحه: إنّ الإرادة من الأُمور الإضافية لا تتعلّق إلّا بشي‏ء معيّن في لوح النفس. و إن شئت قلت: إنّ تشخّص الإرادة في الضمير، بالمراد، فلا يحصل لها التشخص إلّا إذا تعلّقت بشي‏ء معيّن. مع أنّ الظاهر في الواجب التخييري غير ذلك، حيث يظهر أنّ الإرادة قد تعلّقت فيه بأحد الفعلين أو الأفعال، لفرض أنّ الواجب ليس شيئاً معيّناً.

114

هذا في جانب الإرادة، و أمّا جانب البعث فيقال: إنّ البعث يجب أن يتعلّق بشي‏ء معيّن، إذ لا معنى للبعث إلى المردّد. و الظاهر في الواجب التخييري هو أنّ البعث تعلّق بشي‏ء مردّد.

2 كون الشي‏ء واجباً و في الوقت نفسه يجوز تركه.

3 مسألة وحدة العقاب أو تعدده إذا ترك الكلّ أو وحدة الثواب أو تعدّده إذا أتى بالجميع.

هذه الأُمور دعتهم إلى عقد فصل حول تحليل الواجب التخييري بشكل، ترتفع هذه المشاكل ثمّ إنّ لهم في بيان ما هو الواجب في الواجب التخييري و واقعه آراء مأثورة عن القدماء و هي:

أ: كلّ واحد واجب على التخيير بمعنى عدم جواز تركه إلّا إلى بدل و هو خيرة المحقّق الخراساني و المحقّق النائيني، و المحقّق الاصفهاني لكن بتقريبات مختلفة كما ستوافيك و حاصله، أنّه سنخ من الوجوب يتّصف به كلّ واحد من البدلين إلّا أنّه لا يقتضي امتثال كلّ بعينه، بل الامتثال المردّد بينه و بين غيره.

ب: وجوب الواحد لا بعينه و هو خيرة المحقّق الخوئي بشرط أن يراد منه المفهومي لا المصداقي.

ج: وجوب كلّ منهما تعينيّ إلّا أنّه يسقط بفعل أحدهما و لم يعلم قائله و قد أعرضنا عن ذكره.

د: وجوب المعين عند اللّه. أي ما يعلم اللّه انّ العبد يختاره.

و لنذكر مختار المحقّق الخراساني، ثمّ سائر النظريات للمحقّقين من أصحابنا المتأخّرين.

115

النظرية الأُولى: نظرية المحقّق الخراساني‏

حاصلها: أنّ الوجوب التخييري سنخ من مطلق الوجوب، يتّصف به كلّ واحد من العدلين، و تتعلّق إرادة خاصة بكلّ واحد معيّناً. إلّا أنّ إطلاق وجوب كلّ منهما مقيّد بعدم الإتيان بالآخر. و إن شئت قلت: إنّ كلّ واحد من العدلين واجب، إلّا أنّه بنحو يمكن تركه إلى بدل، مطلقاً، فلا يمكن تحصيلهما معاً، كما لا يمكن تركهما.

و أوضحها القائل بقوله: إذا أمر بأحد الشيئين كأن يقول: أوقد النار أو أسرج المصباح بملاك أنّ هناك غرضاً واحداً يقوم بكلّ واحد منهما، بحيث إذا أتى بأحدهما، حصل به تمام الغرض و يسقط به الأمر، كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما، و كان التخيير بحسب الواقع عقلياً لا شرعياً: و ذلك لوضوح أنّ الواحد (الغرض) لا يكاد يصدر من الاثنين بما هما اثنان، ما لم يكن بينهما جامع في البين، لاعتبار نحو من السنخية بين العلّة و المعلول. فجعلهما متعلّقين للخطاب الشرعي، لبيان أنّ الواجب هو الجامع بين هذين الاثنين.

و أمّا إن كان الأمر بملاك أنّه يكون في كلّ واحد منهما غرض خاص غير ما في الآخر لا يكاد يحصل مع حصول الغرض في الآخر، بإتيانه، كان كلّ واحد واجباً بنحو من الوجوب، تستكشف من هذا النحو تبعاتُه من عدم جواز تركه إلّا إلى الآخر، و ترتّب الثواب على فعل الواحد منهما، و العقاب على تركهما.

فلا وجه للقول في مثله، بكون الواجب هو أحدهما لا بعينه مصداقاً و لا مفهوماً إلّا أن يرجع هذا القول إلى ما ذكرناه فيما إذا كان الأمر بأحدهما بالملاك الأوّل من أنّ الواجب هو الواحد الجامع بينهما لا أحدهما معيّناً. مع كون كلّ منهما مثل الآخر في أنّه واف بالغرض. (1)

____________

(1)- لاحظ كفاية الأُصول، ص 245، طبعة المشكيني.

116

حاصل ما أفاده أنّه إذا كان الغرض واحداً بالذات قائماً في الظاهر بواجبين مختلفين نستكشف بفضل قاعدة» الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد «، أنّه قائم بسبب جامع بين الواجبين، و هو الواجب في الحقيقة و الأمر بالواجبين حسب الظاهر، إرشاد إلى ما هو الواجب واقعاً.

و أمّا إذا كان الغرض متعدداً، و كلّ غرض قائماً بفعل خاص فلا وجه لتصوير الجامع بين العلل المؤثرة فيها. كما هو الحال في خصال كفارة الصوم غير أنّ الأغراض لمّا كانت متزاحمة في مقام تعلّق التكليف، و في رتبة قبل الخطاب، يكون الأمر بكلّ واحد، مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر. فيُصبح الواجب التخييري كواجبين مشروطين فوجوب كلّ مشروط بعدم الإتيان بالآخر.

و هذا التزاحم غير التزاحم المعروف في باب الترتّب، فإنّ التزاحم هناك ليس في مقام تعلّق الحكم و جعل الأحكام بل التزاحم في مقام الامتثال من دون أيّ مزاحمة بين الملاكين في مقام الجعل مثل قولك: أنقذ هذا الغريق و أنقذ ذاك الغريق فقوله (قدس سره):» نحو من الوجوب «إشارة إلى هذا الوجوب المشروط.

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ ذكر القسم الأوّل في المقام، لا وجه له فانّ البحث في التخيير الشرعي دون التخيير العقلي فإنّ القسم الأوّل من قبيل التخيير العقلي إلّا أن يكون الداعي، استيعاب أقسام التخيير، أو كان مقدّمة لبيان التخيير الشرعي.

ثانياً: أنّ استكشاف الجهة الجامعة بين الفعلين إذا أمر بهما بنحو الترديد لكونهما مبدأ لغرض واحد تمسّكاً بقاعدة:» لا يصدر الواحد إلّا عن الواحد «، من غرائب الكلام. فإنّ مصبّ تلك القاعدة حسب دليلها صدور الواحد الشخصي البسيط البَحْت، فإنّ الواحد بذاك المعنى، لا يمكن أن يصدر من كثير، لاشتراط الرابطة و السنخية و لو كانت ظلّية بين المعلول و العلّة، و صدوره عن الكثير يستلزم رابطتين فما زاد، في الواحد البسيط فيلزم أن يكون مركّباً، و هو

117

خلف.

و أمّا المقام، فالأثر المترتّب على الإيقاد و الإسراج في المثال ليس واحداً شخصياً، بل متعدداً وجوداً، واحداً في النوع أعني النور فيكون خارجاً عن القاعدة.

و بذلك يعلم أنّ استكشاف الجهة الجامعة في الصلاة، لأجل كونها مبدأ لأثر واحد، كمعراج المؤمن ليس بتام، لأنّه ليس بواحد شخصي بسيط، بينما مصبُّ القاعدة هو الواحد الشخصي، كما لا يخفى.

و ثالثاً: أنّه لا تزاحم في المقام لا في مقام تعلّق الحكم، و لا في مقام الامتثال.

توضيحه أنّه أشار في كلامه إلى تزاحمين:

1 التزاحم و التمانع في المرتبة السابقة على الخطاب، كما إذا كان لكلّ من الصيام و العتق و الإطعام ملاك يخصّه، و لكن لا يمكن الجمع بين الملاكات و كان استيفاء واحد منها مانعاً عن استيفاء الآخر و ذلك لا لقصور في قدرة العبد، بل لوجود التضاد و المطاردة بين المناطات.

2 التزاحم الواقع في المرتبة المتأخرة عن الخطاب لمكان عدم القدرة على الجمع بين متعلّقي الخطابين كما في إنقاذ الغريقين، من دون أن يكون هناك أيّة مطاردة بين الملاكين.

و قد فسر المحقّق الخراساني الواجب التخييري بالتزاحم في المرتبة السابقة على الخطاب، و لأجل التزاحم و عدم إمكان استيفاء كلا الملاكين أمر بالتخيير و لم يؤمر بالجمع، للتزاحم المزبور، و صار وجوب كلّ واحد من أفراد التخيير مشروطاً بعدم فعل الآخر فيكون العتق واجباً عند عدم الصيام و الإطعام و بالعكس فتكون الإرادة قد تعلّقت بكلّ على نحو الواجب المشروط.

و أنت خبير، بأنّه لا تزاحم في المقام لا في المرتبة المتقدّمة على الخطاب و لا بعده أمّا الثاني فواضح لإمكان أن يقوم واحد من المكلّفين بالعتق مع الإطعام أو

118

الصيام و أمّا الأوّل فالظاهر أنّ ملاك التخيير هو التسهيل على العباد، و رفع الحرج عنهم و لأجل ذلك لو أفطر بمحرّم وجب عليه الجمع بين الخصال من دون تصور أيِّ تزاحم بين الملاكات.

و رابعاً: أنّ ظاهر كلامه أنّ الواجب التخييري من قبيل الواجب المشروط فالوجوب في كلّ واحد مشروط بعدم الإتيان بالآخر، و مثله الإرادة.

و أنت خبير بأنّ الوجدان حاكم على خلافه و أنّ سنخ الوجوب التخييري غير سنخ الوجوب المشروط، و إنّما هو قسم من الواجب المطلق على نحو لو أتى بأحد الأطراف يسقط الآخر. كما أنّ سنخ الإرادة فيه غير سنخ الإرادة في الواجب المشروط مثلًا إذا ابتلى الإنسان بانسداد عروق القلب، فالطبيب يأمره إمّا بشرب الدواء مستمرّاً أو بإجراء عملية جرّاحية على عروقه، فهذا نوع من الطلب لا يرجع إلى الواجب المشروط بأنّ كلًّا من العملين مشروط بعدم الآخر، كما هو واضح.

كيفية تخلّص الخراساني من الإشكالات الثلاثة

بقي الكلام في أنّ المحقّق الخراساني كيف تخلّص من الإشكالات الثلاثة المذكورة فنقول:

أمّا الأوّل أي تعلّق الإرادة، بالأمر المردّد مع أنّ وزان الإرادة الآمرية كالإرادة الفاعلية، فكما أنّ الثانية لا تتعلّق إلّا بالأمر المعيّن فهذه الإرادة الآمرية لا تتعلّق إلّا بالشي‏ء المعيّن.

أقول: إنّه (قدس سره) تخلّص من هذا الإشكال بالقول بتعدّد الإرادة و أنّه قد تعلّق بكلّ من الأطراف إرادة خاصة، لكن على وجه مشروط، بحيث لو أتى بأحدهما لانسحبت الإرادة الأُخرى عن مجال الدعوة.

و إن شئت قلت: إنّ هناك سنخين من الإرادة: إرادة لا تنسحب بالعمل‏

119

بمراد آخر. كما إذا صلّى، فلا تنسحب الإرادة المتعلّقة بالزكاة و إرادة خاصّة تنسحب عن مجال الامتثال إذا جرى على وفق إرادة أُخرى، و ما هذا إلّا لأنّ الغرض يحصل بالعمل بواحد منهما.

و منه يظهر اندفاع الإشكال الثاني و هو أنّه كيف يوصف كلّ بالوجوب مع أنّه يجوز تركه عند الإتيان بالآخر، لما عرفت من أنّ هنا سنخين من الطلب، فتارة لا ينسحب في مقام الدعوة بإجابة الطلب الآخر و أُخرى ينسحب و ما هذا إلّا لأجل حصول غرض المولى، و ليس معنى الواجب على الإطلاق لزوم الإتيان على كلّ حال و كلّ تقدير فتفسير الواجب على ذاك النحو خاطئ جدّاً.

و أمّا الثالث: فقد يعترض على المحقّق الخراساني بأنّ لازم كلامه (تعدّد الغرضين) هو تعدد العقاب عند ترك كلا الغرضين، بحجّة أنّ مقتضى كون كلّ من الغرضين ملزماً في نفسه هو وجوب كلّ من الفعلين، غاية الأمر أنّه من جهة المضادّة بين الغرضين و عدم إمكان الجمع بينهما في الخارج لا محالة يكون وجوب كلّ منهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر. و لازم هذا هو أنّ المكلَّف إذا ترك كلا الفعلين معاً، يستحقّ عقابين: عقاباً على ترك هذا، و عقاباً على ترك ذاك، لفرض أنّ وجوب كلّ منهما عندئذ فعليّ من جهة تحقّق شرطه و هو عدم الإتيان بالآخر.

و قد سبقه‏ (1) أُستاذه في الإشكال و قال معترضاً على النظرية:» لا يمكن أن يكون التكليف بكلّ واحد مشروطاً بعدم فعل الآخر إذ تلزم فعلية جميع التكاليف عند ترك فعل الكل، لتحقّق شرط الوجوب في كلّ واحد و لازم ذلك تعدد العقاب و هو ضروريّ البطلان إذ ليس في ترك الواجب التخييري إلّا عقاب واحد «. (2) و يلاحظ عليه: أنّ تعدد العقاب إمّا لأجل تفويت المصلحتين الملزمتين، أو لأجل مخالفة التكليفين الفعليين لحصول شرطهما و هو عدم الإتيان بالآخر،

____________

(1)- المحاضرات: 38/ 394.

(2)- الكاظمي: فوائد الأُصول: 234/ 1.

120

و كلاهما غير مفيد.

أمّا الأوّل، فلأنّ المفروض عدم إمكان الجمع بين الغرضين و تنافيهما في مقام التأثير في الغرض، و إذا كان كذلك، فلا يكون الواجب إلّا الممكن، و هو أحد الغرضين، دونهما معاً، إذ المفروض أنّ بينهما تضادّاً في مقام الملاك، تضادّاً يبطل كلّ واحد منهما أثر الآخر، و مع ذلك كيف يكون الواجب كلا الملاكين؟! و أمّا الثاني، فانّ كبراه ممنوعة إذ لا نسلّم أنّ ترك كلّ واجب فعلي موجب للعقاب، فإنّ مخالفة الحكم الفعلي إنّما توجب تعدّد العقاب، إذا لم يكتف المولى في مقام الامتثال بواحد منهما. و معه، لا ملاك لتعدّده.

و إن أبيت إلّا عن تعدّده فلا مانع من الالتزام بتعدّده بناءً على ما سبق من سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه من الالتزام به في باب الترتّب إذا ترك كلا الواجبين فلاحظ.

هذا كلّه حول نظرية المحقّق الخراساني. و إليك سائر النظريات في تحليل الواجب التخييري.

النظرية الثانية: نظرية المحقّق النائيني (قدس سره)

و حاصله: كلّ واحد واجب على وجه البدل.

إنّ الإرادة و الوجوب تعلّقا بكلّ واحد، لكن لا على سبيل التعيين، بحيث لا يمكن العدول منه إلى غيره بل تعلّقا على وجه البدلية.

توضيحه: إنّ الغرض ربّما تقوم بماهية أصليّة و جامع ذاتي، و يكون كلّ واحد من أفرادها كافياً في تحصيل الغرض، فعند ذاك يتعلّق الأمر بذاك الجامع، و يكون المكلّف مخيّراً في إيجاده في ضمن أيّ فرد شاء.

و ربّما يكون الغرض قائماً بفعلين (أو أحد أفعال) ليس بينهما جامع ذاتي، و لا يدخلان تحت ماهية أصلية، فعند ذاك يتوصّل الآمر إلى تحصيل غرضه بالأمر

121

بفعلين لكن على سبيل البدل كما إذا قال:» إن أفطرت فاعتق رقبة، أو أطعم ستّين مسكيناً «ففي الحقيقة إنّ هنا مصلحة واحدة نوعية قائمة بنوعين من الفعل متغايرين، يحصل بكلّ واحد منهما غرض المولى، و ليس بين الفعلين جامع قريب و عندئذ يتوصل به المولى إلى غرضه بإيجاب الفعلين أو الأفعال على سبيل البدلية.

و تصديق ذلك سهل إذا لوحظت الواجبات التخييريّة العرفية، بضميمة أنّ الوجوب أمر اعتباري يكفي في صحّته ترتب الأثر. و لذلك لو ارتكب إنسان جرماً، و تعلّق غرض المولى بتأديبه، فانّه يحصل تارة بدفع غرامة نقدية، و أُخرى بإلقاء القبض عليه و حبسه. و بما أنّه لا يوجد بين الفعلين جامع ذاتي قريب، يتوصل المولى إلى غرضه بجعل الوجوب على الأمرين على سبيل البدلية فإنّ المفروض أنّ الغرض و هو ارتداعه عن الخطأ و عدم تكراره يحصل بكلّ واحد من الأمرين.

و مثله ما إذا كان الغرض يحصل بطبخ كلّ من الأُرز، و اللحم، اللّذين ليس بينهما جامع ذاتي يشملهما و لا يشمل غيرهما، فلا محالة يتوصل المولى إلى غرضه بإيجاب الأمرين، و اعتبار نسبة بين نفسه و كليهما على سبيل البدل.

و هكذا فيمن أفطر في شهر رمضان بلا عذر، فانّ غرض المولى هو إزعاج المفطر و تأديبه، و هو يحصل بتكليف بدني، كما في صوم شهرين متتابعين، أو بتكليف مالي، كما في إطعام ستّين مسكيناً. و لكن لمّا لم يكن بين العملين جامع قريب، يتوصل المولى إلى غرضه بإيجاب الأمرين على وجه البدلية.

ثمّ إنّ الفرق بين هذه النظرية و نظرية المحقّق الخراساني واضح ثبوتاً و إثباتاً:

أمّا الفرق بينهما ثبوتاً فهو أنّ غرض المولى في نظريته (قدس سره) متعدّد و بما أنّه لا يمكن استيفاء كلا الغرضين، لم يأمر بالفعلين على وجه التعيين، بل أمر بهما على‏

122

نحو الواجب المشروط، و أمّا على هذه النظرية فالغرض واحد و يحصل بكلّ من الفعلين، لكن بما أنّه لا جامع بين الفعلين لم يمكن له الأمر الواحد بالجامع بينهما، المحصِّل للغرض فالتجأ إلى الأمر بكلّ على وجه البدلية، و ليس أحدهما أصلًا و الآخر بدلًا، بل الكلّ أصل بمعنى و بدل بمعنى آخر.

و أمّا الفرق في مقام الإثبات فقد جعل المحقّق الخراساني الأمرين بهما من باب الواجب المشروط و أمّا القائل بهذا القول فقد جعله من باب الواجب المطلق و قسّمه إلى قسمين، ما لا بدل له، و ما له بدل. هذا هو المختار عندنا و ما ذكرنا، هو الظاهر ممّا حرّره المحقّق الكاظمي في تقرير أُستاذه، نعم ما حرّره المحقّق الخوئي تقريراً عنه، يخالف ذلك و يوافق النظرية الثالثة التي توافيك عن قريب و إليك نصّ ما في تقريرات الكاظمي:

الوجه الرابع: هو الذي اختاره شيخنا الأُستاذ مدّ ظلّه و حاصله: أنّه لا مانع من تعلّق إرادة الآمر بكلّ واحد من الشيئين أو الأشياء على وجه البدلية، بأن يكون كلّ واحد بدلًا عن الآخر و لا يلزم التعيين في إرادة الآمر بأن تتعلّق إرادته بأمر معيّن بل يمكن تعلّق إرادة الآمر بأحد الشيئين منهما و إن لم يمكن تعلّق إرادة الفاعل بذلك و لا ملازمة بين الإرادتين على هذا الوجه. مثلًا لا إشكال في تعلّق إرادة الآمر بالكلي مع أنّ إرادة الفاعل لا يعقل أن تتعلّق بالكلي مجرّداً عن الخصوصية الفردية.

و الحاصل: أنّ بعض الخصوصيات من لوازم الإرادة الفاعلية حيث إنّ الإرادة الفاعلية إنّما تكون مستتبعة لحركة عضلاته و لا يمكن حركة العضلات نحو المبهم المردّد و هذا بخلاف إرادة الآمر فانّه لو كان كلّ من الشيئين أو الأشياء ممّا يقوم به غرضه الوحداني فلا بدّ أن تتعلّق إرادته بكلّ واحد لا على وجه التعيين بحيث يوجب الجمع فإنّ ذلك ينافي وحدة الغرض بل على وجه البدليّة

123

و يكون الاختيار حينئذ بيد المكلّف في اختيار أيّهما شاء و يتّضح ذلك بملاحظة الأوامر العرفية فإنّ أمر المولى عبده بأحد الشيئين أو الأشياء بمكان من الإمكان و لا يمكن إرجاعه إلى الكلي المنتزع كعنوان أحدهما فإنّ ذلك غير ملحوظ في الأوامر العرفية قطعاً و لا يلتفت إليه فلتكن الأوامر الشرعية كذلك فالإرادة في الواجب التخييري سنخ من الإرادة في قبال الإرادة المشروطة أو الإرادة المطلقة بشي‏ء معيّن فتأمّل جيّداً. (1) و كلامه ظاهر في هذا الوجه لو لا أنّ في عبارته أمرين ربّما يوهم خلاف هذه النظرية:

1 حاول أن يفرق بين الإرادة الآمرية و الإرادة الفاعلية، بوجهين مع أنّه لا حاجة إليه في هذه النظرية و إنّما يحتاج إليه على القول الثالث الذي يوافيك، فإنّ إرساء تلك النظرية مبني على إهداء الفرق بين الإرادتين.

2 أتى في ثنايا كلامه بأحد الشيئين، أو أحد الأشياء الموهم أنّ الواجب هو العنوان الانتزاعي و مع ذلك صرّح في ذيل كلامه بأنّ الواجب ليس ذاك العنوان الانتزاعي، و لأجل ذلك نسبنا هذه النظرية إليه.

و على كلّ تقدير فسواء كانت هذه النظرية موافقة لما اختاره أو لا، فهذه نظرية صحيحة، يندفع بها الإشكالات الثلاثة:

أمّا التردّد في متعلّق الإرادة، فالمفروض أنّ هنا إرادتين تعلّقتا بكلّ واحد لكن على سبيل البدل.

و أمّا تركه مع كونه واجباً فلأنّ ترك الواجب على وجه الإطلاق غير جائز لا تركه مع البدل.

و أمّا وحدة العقاب فلوحدة الغرض، و وحدة الواجب كما لا يخفى.

____________

(1)- الكاظمي: فوائد الأُصول: 235/ 1.

124

النظرية الثالثة: نظرية المحقّق الخوئي: الواجب عنوان أحدهما

إنّ متعلّق الوجوب في الواجبات التعيينية، الطبيعة المتأصّلة كالصلاة و الصوم و الحجّ و ما شاكلها. و في الواجبات التخييرية، الطبيعة المنتزعة كعنوان أحدهما. هذا إجماله و أمّا التفصيل فقد أوضحه بقوله:

الذي ينبغي أن يقال في هذه المسألة تحفظاً على ظواهر الأدلّة هو أنّ الواجب أحد الفعلين أو الأفعال لا بعينه، و تطبيقه على كلّ منهما في الخارج بيد المكلّف، كما هو الحال في موارد الواجبات التعيينية، غاية الأمر أنّ متعلّق الوجوب في الواجبات التعيينية الطبيعة المتأصلة و الجامع الحقيقي، و في الواجبات التخييرية، الطبيعة المنتزعة و الجامع العنواني، فهذا هو الفارق بينهما و تخيّل أنّه لا يمكن تعلّق الأمر بالجامع الانتزاعي و هو عنوان أحدهما في المقام، ضرورة أنّه ليس له واقع موضوعي غير تحقّقه في عالم الانتزاع و النفس، فلا يمكن أن يتعدى عن أُفق النفس إلى ما في الخارج، و من الواضح أنّ مثله لا يصلح أن يتعلّق به الأمر خيال خاطئ جدّاً، بداهة أنّه لا مانع من تعلّق الأمر به أصلًا بل تتعلّق به الصفات الحقيقية كالعلم و الإرادة و ما شاكلهما، فما ظنّك بالحكم الشرعي الذي هو أمر اعتباري محض. (1) يلاحظ عليه: أنّه لا مانع عمّا ذكره ثبوتاً و لكن لا يوافقه الإثبات، فإنّ الظاهر، أنّ الواجب نفس العناوين الواردة في الكتاب و السنّة، لا عنوان أحدهما، قال سبحانه: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (المائدة/ 89) فإنّ الظاهر أنّ الواجب نفس العناوين لا العنوان‏

____________

(1)- المحاضرات: 42/ 4 و 44.

125

المنتزع. و هكذا الحال في قوله سبحانه: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ) (البلد/ 1611).

أمّا اندفاع الإشكالات الثلاثة على هذا الوجه أيضاً فواضح غني عن البيان.

النظرية الرابعة: و هي للمحقّق الاصفهاني (قدس سره)

قال في تعليقته على الكفاية: يمكن أن يفرض غرضان، لكلّ منهما اقتضاء إيجاب محصَّله، إلّا أنّ مصلحة الإرفاق و التسهيل تقتضي الترخيص في ترك أحدهما، فيوجب كليهما لما في كلّ منهما من الغرض الملزم في نفسه، و يرخص في ترك كلّ منهما إلى بدل، فيكون الإيجاب التخييري شرعياً محضاً من دون لزوم الإرجاع إلى الجامع. (1) و هذه النظرية هي بعينها نظرية المحقّق الخراساني غير أنّه قال: إنّ» التزاحم الملاكي (دون الخطابي) بين الغرضين أوجب عدم لزوم تحصيل كليهما «، و هو يقول:» إن حديث الإرفاق أوجب عدم لزوم تحصيلهما معاً «.

و أورد عليه المحقّق الخوئي في» تعاليق الأجود «، و في» المحاضرات «، إيرادين:

الأوّل: إنّه يستلزم تعدّد العقاب عند عصيان الوجوب التخييريّ و عدم الإتيان بشي‏ء من الفعلين، ضرورة أنّ الجائز هو ترك كلّ منهما إلى بدل لا مطلقاً. (2) يلاحظ عليه: بأنّ تعدّد العقاب لا يحسن إلّا لأحد أمرين:

1 تفويت المصلحتين الملزمتين.

____________

(1)- نهاية الدراية: 254/ 1، ط طهران.

(2)- تعاليق الأجود: 182/ 1.

126

2 عصيان الخطابين الفعليين المطلقين.

أمّا الأوّل، فهو خلاف الفرض، لأنّ المفروض أنّ ما يلزم تحصيله هو إحدى المصلحتين لا كلتاهما، لأجل التسهيل.

أمّا الثاني: فهو إنّما يصحّ لو لم يقتصر المولى في مقام الامتثال على واحد منهما كما هو قضية ترك أحدهما بالإتيان بالآخر، فإذا اكتفى بأحدهما فكيف يعاقب بعقابين، نعم الجائز هو ترك أحدهما عند الإتيان بالآخر لا مطلقاً، لكنّه يدل على أنّ اللازم للامتثال هو أحدهما، لا كلاهما و إن كان الكلّ واجباً.

و بعبارة أُخرى: لا يعقل أن تكون دائرة التكليف أوسع من الملاك اللازم تحصيله. و المفروض أنّ ما هو اللازم، عبارة عن أحد الملاكين لا كليهما، و الواجبان و إن كانا فعليين، مطلقين، لكن لهما ضيقاً ذاتياً من جانب الملاك الملزم تحصيله، فلمّا كان واحد منهما واجب التحصيل يكون واحد من الأمرين لازم الإطاعة.

الثاني: ما ذكره في خصوص» المحاضرات «من أنّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك في كلّ من الطرفين إلّا بالأمر، و حيث إنّ الأمر فيما نحن فيه تعلّق بأحد الطرفين أو الأطراف، فلا محالة لا نستكشف إلّا قيام الغرض به. (1) يلاحظ عليه: أنّ القول بتعلّق الأمر بأحد الطرفين أو الأطراف، الذي اتخذ أساساً للإشكال، مخالف لصريح كلامه حيث قال:» فيوجب كليهما لما في كل منهما من الغرض الملزم في نفسه و يرخَّص في ترك كلّ منهما إلى بدل «وعليه لا مانع من استكشاف تعلّق الغرضين.

نعم يرد عليه أنّ تعلّق الأمرين بفعلين لا يلازم تعدّد الغرض لإمكان أن يكون الفعلان مشتملين على غرض واحد غير أنّه لما لم يكن بين الفعلين المحصِّلين لغرض واحد، جامع قريب أمر بالفعلين، فتعدّد الأمر، أعمّ من تعدّد

____________

(1)- المحاضرات: 28/ 4.

127

الغرض كما عرفت في تحقيق النظرية الثانية.

النظرية الخامسة:

أن يكون الواجب هو الواحد المعيّن من الفعلين أو الأفعال، و هو الذي يعلم اللّه أنّ العبد يختاره.

و يلاحظ عليها، أولًا: أنّها تستلزم عدم الاشتراك في التكليف، و أنّ تكليف من يختار العتق، يخالف تكليف من يختار صوم ستّين يوماً، و هو ممّا اتّفق الكلّ على خلافه.

و ثانياً: أنّه يستلزم عدم العقاب على من ترك التكليف رأساً، لأنّ الواجب هو ما يختاره في علم اللّه، فإذا لم يختر واحداً منهما، كشف عن عدم موضوع للتكليف في علم اللّه تعالى، و مع فقد الموضوع فلا عقاب.

اللّهمّ إلّا أن يقال إنّ الاختيار ليس قيداً للوجوب، حتى يلزم عدم توجّه تكليف إليه، إذا لم يختر بل هو قيد للواجب و أنّه من القيود التي يجب تحصيلها، مثل الطهارة التي يجب تحصيلها.

نتيجة البحث‏

هذه هي الأقوال و النظريات حول الواجب التخييري و تفسير ماهيته، و قد علمت أنّ الباعث لحدوث هذه الأقوال هو التخلّص عن تعلّق الإرادة بأمر مردّد بين الأمرين.

و الحقّ أن يقال: إنّ دفع الإشكال ثبوتاً يتحقّق بأحد وجهين:

الأوّل: تعلّق إرادتين مستقلّتين بكلّ واحد منهما كما في النظريات الثلاث: الأُولى و الثانية و الرابعة، غير أنّه لمّا كان الواحد منهما وافياً بالغرض، أراد كلّ واحد

128

منهما على وجه لو أتى المكلّف بواحد منهما تنسحب الإرادة الأُخرى، لحصول الغرض، فإنّ حصوله يوجب سقوط الأمر، سواء أ كان بفعل الغير، كما إذا أمر عبده بإنقاذ الغريق، فسبقه آخر إليه، أم بفعل نفسه كما في المقام.

الثاني: أن تتعلّق إرادة واحدة بعنوان أحد الفعلين، و يكون المراد أحد الفعلين مفهوماً، و يكون التطبيق بيد المكلَّف كما في النظرية الثالثة، و قد عرفت أنّ أحدهما المفهومي غير أحدهما المصداقي، فإنّ الأوّل يتعيّن في الذهن و يكون طرفاً للإرادة، بخلاف الثاني، إذ لا وجود له لا في الخارج، لأنّ الخارج يساوق التعيّن و التشخص، و التشخص رفيق الوجود، و لا في الذهن، لأنّه يرجع عندئذ إلى أحدهما المفهومي.

التخيير بين الأقل و الأكثر

إذا عرفت مفاد الواجب التخييري، فاعلم أنّه لا إشكال في التخيير بين المتباينين كما في خصال الكفّارة إنّما الكلام في جوازه بين الأقل و الأكثر كتخيير المصلّي بين تسبيحة واحدة أو ثلاث تسبيحات، وجه الإشكال أنّ الأقلّ يحصل دائماً قبل الأكثر فيسقط به الأمر، و لا تصل النوبة إلى الامتثال بالأكثر و لأجل ذلك حمل الزائد على التسبيحة الواحدة على اجتماع الواجب مع المستحب.

لكن المحقّق الخراساني حاول أن يصحِّح التخيير بينهما بالبيان التالي بتوضيح منّا:

إذا كان الأثر مترتّباً على الأقل بحدّه، و الأكثر بحدّه، و بعبارة أُخرى إذا كان الأثر مترتباً على الفرد التام من الأقل، و الفرد التام من الأكثر، يصحّ التخيير بين الفرد الأقلّ، و الفرد الأكثر، و ذلك لأنّ الأقل الموجود في ضمن الأكثر، لا يكون مصداقاً للواجب، و إنّما يكون مصداقاً له إذا وجد بحدّه، و بصورة فرد مستقل، و هو لا يتحقّق إلّا بفصله عن الزائد، و أمّا إذا وجد متّصلًا معه، فلا يكون فرداً

129

للأقل المأمور به و إن كان مصداقاً لذات الأقل.

نعم لو كان الأثر مترتّباً على مطلق الأقل الأعم من أن يكون مستقلًا، أو موجوداً في ضمن الأكثر فلا يصحّ التخيير إذ لا تصل النوبة في مقام الامتثال إلى الامتثال بالأكثر، لأنّ المأتي به لا يخلو إمّا أن يكون فرداً مستقلًا من الأقل فيسقط الأمر به أو يكون في ضمن الأكثر فيتحقّق قبل تحقّق الأكثر.

و بعبارة أُخرى يصحّ التخيير بين الفرد البشرطلا، و الفرد البشرط شي‏ء. و لا يصحّ التخيير بين الفرد اللابشرط و البشرطشي‏ء لأنّ الأقلّ يتحقّق دائماً قبل الأكثر.

ثمّ اعترض على نفسه بأنّ هذا التصوير إنّما يختصّ بما إذا كان للأكثر وجود واحد، و لم يكن للأقل في ضمنه وجود على حده كالخطّ القصير الذي هو في ضمن الأكثر، فإنّ للأكثر وجوداً واحداً، و ليس للأقل وجود مستقل في ضمنه فعندئذ يكون الآتي بالأكثر غير آت بالأقل الواجب. و أمّا إذا كان للأقل وجود مستقلّ في ضمن الأكثر، كالتسبيحة في ضمن ثلاث تسبيحات فلا يأتي التصوير المزبور، لأنّ الأقل يتحقّق قبل أن يتحقّق الأكثر دائماً و لا تصل النوبة إلى الامتثال بالأكثر، نظيره إذا رسم خط طويل، لكن مع تخلل العدم في وسطه، فإنّه يوجب سقوط الأمر بالأقل و لا تصل النوبة إلى الأكثر و الحاصل أنّه إنّما يتصوّر في الأقل الذي ليس له وجود مستقلّ في ضمن الأكثر كما في رسم الخط الطويل بلا تخلل العدم، و أمّا إذا كان له في ضمنه وجود مستقلّ كالتسبيحة في ضمن الثلاث أو ثلاثين دلواً في ضمن الأربعين أو رسم الخطّ الطويل مع تخلّل العدم في وسطه فلا.

ثمّ أجاب عنه بأنّه لا تختلف الحال بذلك الفرق الذي ذكر، أي كون الأقل في ضمن الأكثر على قسمين، غير مستقلّ تارة كما في الخط الطويل، و مستقلّ كما في التسبيحة، و ذلك لأنّ تصحيح التخيير في القسم الثاني يتوقف على أخذ الأقل‏

130

الذي هو عدل للتخيير على نحو بشرط لا، بأن لا ينضمّ إليه شي‏ء فحينئذ فالتسبيحة الواحدة، مصداق للأقل، و أمّا التسبيحة التي انضمّت إليها تسبيحة أُخرى، فليست مصداقاً له، بل مصداق للأكثر فقط.

ثمّ عطف عنان القلم إلى بيان أنّ التخيير تارة يكون عقلياً و أُخرى شرعياً. (1) يُلاحظ عليه: أنّ المحاولة فاشلة، و لا تجعل العدلين من قبيل التخيير بين الأقل و الأكثر، بل من قبيل التخيير بين المتباينين، من غير فرق بين الخط القصير و الطويل، و بين التسبيحة الواحدة و الكثيرة و ذلك لأنّ ملاك المحاولة هو اعتبار الأقل، بشرط لا، حتّى يختصّ بالأقل بحدّه، و لا يشمل على الأقل في ضمن الأكثر و من المعلوم أنّ التخيير بين الفرد البشرطلا، و الفرد البشرط شي‏ء ليس تخييراً بين الأقل و الأكثر بل تخييراً بين المتباينين.

و بعبارة أُخرى: إنّ الأقلّ الموجود بحدّه و بصورة» بشرط لا «ليس أقلًا بالنسبة إلى الأكثر، بل هو فرد مباين للأكثر. فالتخيير بينه و بين الأكثر، تخيير بين المتباينين، و هو خارج عن الفرض. و الأقل الواقعي، و هو الأقل اللابشرط، موجود في ضمن الأكثر، و قد عرفت أنّه لا يصحّ التخيير بينه و بين الأكثر للغوية الأمر به عندئذ.

و على ضوء هذا فالخط القصير المحدود بحدّ، و الطويل المحدود بحدّ، و إن كان يصحّ التخيير بينهما، لكنّهما ليسا من قبيل الأقل و الأكثر بل من قبيل المتباينين.

و ذات الخطّ القصير الأعمّ من المحدود، و الموجود في ضمن الأكثر، و إن كان بالنسبة إلى الأكثر من قبيل الأقل و الأكثر، لكنّه لا يصحّ التخيير بينهما

____________

(1)- كفاية الأُصول: 227/ 1 228.

131

لسقوط الأمر مطلقاً بالأقل الأعم من المحدّد، أو الموجود في ضمن الأكثر.

و مثله التسبيحات الأربع، فانّ الغرض، إذا كان مترتّباً على التسبيحة الواحدة المقيدة بالوحدة بحيث تخرج عن قابلية لحوق الزائد عليها بها، و إن صحّ التخيير لكنّه تخيير بين المتباينين. أمّا التخيير بين ذات الأقل و الأكثر، فقد عرفت لغوية الأمر بهذا النحو.

و على هذا فما يتجلّى أنّه من قبيل التخيير بين الأقل و الأكثر، أمره دائر ثبوتاً، بين التخيير بين المتباينين إذا كان الواجب هو الأقلّ بحدّه و التسبيحة بقيد الوحدة أو كونه من قبيل ضمّ المستحبّ إلى الواجب، إذا كان الواجب ذات الأقلّ سواء وجد بحدِّه أو في ضمن الأكثر.

و أمّا إثباتاً فيتبع لسان الدليل و كيفية الاستظهار منه.

***

132

الفصل العاشر: الواجب الكفائي‏

نقدّم أُموراً 1 لا شكّ في وجود الواجبات الكفائية بين العقلاء و الشريعة الإسلامية، فالوالد يأمر أولاده بالإتيان بالماء و تكريم الضيف و غلق الباب. و مثله، المولى بالنسبة إلى عبيده على وجه لو أتى به واحد منهم يسقط الأمر، و لو ترك الكلّ يعاقب الجميع. و أمّا الشريعة الإسلامية فإجراء الحدود، كقطع يد السارق و حدّ الزاني، و الأمر بالمعروف، و إقامة النظام من الواجبات الكفائية التي لا يشكّ في كفائيتها من له إلمام بها.

2 الواجب الكفائي تقسيم للواجب حسب الموضوع كما أنّ الواجب التخييريّ تقسيم له حسب المتعلّق و ذلك لأنّ للوجوب إضافة إلى الآمر، و إضافة إلى المأمور به الذي يسمّى:» المتعلَّق «و إضافة ثالثة إلى الموضوع و هو المكلَّف، فباعتبار إضافته إلى المتعلَّق و المكلَّف به، ينقسم إلى التعييني و التخييري، و باعتبار إضافته إلى» الموضوع «ينقسم إلى العينيّ و الكفائي بمعنى أنّه تارة يكون المطلوب صدور الطبيعة من مكلَّف معيّن، و تكون لصدوره عن هذا الفاعل و ذاك الفاعل مدخلية في حصول الغرض و أُخرى يكون المطلوب إيجاد نفس الطبيعة و تحقّقه في الخارج من دون التزام بصدوره من شخص خاص بحيث يحصل بفعل أيّ واحد من المكلّفين.

133

3 عرف الواجب الكفائي بأنّه عبارة عن الواجب الذي لو أتى به فرد من المكلّفين لسقط عن الباقين، و إن تركه الجميع، لعُوقبوا، فيكون الواجب الكفائي كالتخييري في وضوح المفهوم أوّلًا، و مشكلة كيفية تعلّق الإرادة و الوجوب ثانياً.

أمّا الأوّل أي وضوح المفهوم في كليهما، فواضح، و أمّا الثاني أي مشكلة تعلّق الإرادة و الوجوب، فيقال: إنّ الإشكال في التخييريّ يدور حول الواجب و أنّه هل هو أحد الأمرين أو كلاهما، و قد مرّ بيان الإشكال في كلّ واحد و أمّا المقام فيدور حول الموضوع فإن كان الموضوع هو الفرد المردّد، يلزم تعلّق الإرادة و الوجوب بالفرد المردّد، و إن كان الموضوع كل المكلّفين يجب قيام الجميع به مع أنّه يسقط بفعل واحد منهم. و لأجل ذلك جاء الأُصوليون بعدّة نظريات لتحقّق حقيقة الواجب الكفائي و درء إشكاله.

النظرية الأُولى: نظرية المحقّق الخراساني‏

إنّ الواجب الكفائي سنخ من الوجوب، و له تعلّق بكلّ واحد، بحيث لو أخلّ الكلّ بامتثاله، لعوقبوا على مخالفته جميعاً، و إن أتى به بعضهم لسقط عنهم، و ذلك لأنّه قضية ما إذا كان هناك غرض واحد حصل بفعل واحد صادر عن الكل أو البعض. (1) و حاصله: أنّه لا فرق بين العيني و الكفائي في أنّ الطلب متوجّه إلى الكلّ، غاية الأمر أنّ الغرض في الأوّل لمّا كان متعدداً، لا يسقط تكليف كلّ بفعل الآخر، بخلاف الثاني، فانّ مقتضى وحدة الغرض هو سقوط التكليف عن الباقي بفعل الواحد، إذ لا معنى لبقاء التكليف مع حصول الغرض. و على كلّ حال، الذي يركّز عليه المحقّق الخراساني في بيان الفرق بين العيني و الكفائي، هو تعدّد الغرض في الأوّل و وحدته في الثاني فلا يسقط الأمر العينيّ بفعل واحد من المكلّفين لبقاء

____________

(1)- كفاية الأُصول، 229، طبعة المشكيني.

134

الغرض، و يسقط في الكفائي لعدم بقائه.

أقول: كان عليه أن يضيف إلى وحدة الغرض، شيئاً آخر، و هو مدخلية قيام مكلَّف خاص بالمأمور به، في غرض المولى في العيني، دون الكفائي فلا مدخلية لقيامه به في غرضه و لهذا اقتصر بصدور الطبيعة عن أيّ واحد من أفراد المكلّفين.

و بهذا يعلم الفرق بين العيني و الكفائي فالغرض في الأوّل متعدّد دون الثاني، كما أنّ صدوره عن مكلّف خاص دخيل في الغرض في العيني، دون الكفائي.

فإن قلت: إذا كان الغرض واحداً قائماً بفرد من المكلّفين فلما ذا عمّم التكليف إلى الجميع، و جعله واجباً على الكلّ؟ و بعبارة أُخرى لو كان الغرض حاصلًا بفعل الواحد، فلا وجه لتوجه التكليف إلى الجميع.

و أمّا إذا كان لا يحصل إلّا بفعل الجميع فكيف يسقط بفعل الواحد؟

قلت: إنّ تخصيصه بفرد أو بصنف من المكلّفين، يناقض ما ذكرناه من عدم مدخلية صدور الفعل عن مكلّف خاص و لا محيص عن تعميم الحكم إلى الجميع و إلّا لزم أن يكون التخصيص بلا وجه، مضافاً إلى أنّ في هذا النوع من التكليف تحفظاً على الغرض بوجه أبلغ، إذ لو توجّه التكليف إلى لفيف خاص ربّما لا يقومون لأعذار مسموعة أو غير مسموعة بخلاف ما إذا جعل الجميع مسئولين أمام المكلِّف، و حذّرهم بأنّ تركه موجب لعقوبة الجميع، ففي هذا الظرف يقوم به الأمثل فالأمثل.

و ليعلم أنّ تفسير الواجب الكفائي بهذا المعنى، لا يرجع لُبّه إلى الواجب المشروط، كما يظهر من صاحب المحاضرات، بل هو واجب مطلق يختلف سنخه مع الواجب المطلق العيني. نعم ظاهر كلام المحقّق الخراساني في الواجب التخييري كونه من قبيل الواجبين المشروطين و لذلك عدلنا عنه و اخترنا نظرية

135

المحقّق النائيني حسب تقرير الكاظمي فلاحظ.

فإن قلت: إذا كان الموضوع في الواجب الكفائي، عموم المكلّفين فلما ذا خصّه سبحانه بأُمّة معيّنة و فئة خاصة و قال: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏) (آل عمران/ 104) و لو كان واجباً على الكلّ فلما ذا خصّ إجراء الحدود من القطع و الجلدِ بالحُكّام وذي المنعة و القوّة؟

قلت أوّلًا: الاستدلال مبني على كون» من «للتبعيض مع احتمال كونها نشوئية ابتدائية مثل قولك: و ليكن لي منك صديق أي كن صديقاً لي و المراد كونوا أُمّة يدعون إلى الخير و يؤيد ذلك قوله تعالى في آخر الآية: (وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏) لأنّه إذا سادت الدعوة إلى الخير، و الأمر بالمعروف في المجتمع يعمّ الفلاح الجميع، من غير فرق بين الآمر و المأمور و غيرهما.

و ثانياً: لو افترضنا أنّ» من «تبعيضية، و المقصود قيام لفيف من المجتمع الإسلامي، فإنّما هو بصدد بيان صورة تجسيد ذلك الواجب و تحقيقه فيها و ليس بصدد بيان متعلّق الوجوب و لأجل ذلك نرى في الآيات الأُخر يخاطب المؤمنين و المؤمنات بهذه الوظيفة الخطيرة و يقول: (وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏) (التوبة/ 71).

و ثالثاً: إنّ الآية راجعة لبعض مراتب الأمر بالمعروف لا كلّها، و لا مانع من أن يختصّ بعضها لفئة خاصة كما سيوافيك.

و أمّا اختصاص إجراء الحدود بالحكّام، فلأجل أنّ الأمر بالمعروف ذو مراتب فمرتبة منه يعمّ الجميع، على درجاته من الإنكار بالقلب و اللسان، و إظهار الاشمئزاز بالوجه و قد ورد في الحديث عن علي (عليه السلام): أمرنا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أن نلقي‏

136

أهل المعاصي بوجوه مُكْفَهِرَّة (1) و مرتبة منه تختصّ بأصحاب القدرة و فسّر الإمام الصادق (عليه السلام) الآية السابقة بالنحو التالي. يقول مسعدة بن صدقة:» و سُئل عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أ واجب هو على الأُمّة جميعاً؟ فقال: لا، فقيل له: و لم؟! قال: إنّما هو على القويّ المطاع، العالم بالمعروف من المنكر لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلًا إلى أيّ من أيّ يقول من الحقّ إلى الباطل، و الدليل على ذلك كتاب اللّه عزّ و جلّ قوله: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ). (2) يقول سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج/ 41).

و مع كون تلك المرتبة واجبة على لفيف من الناس، يصدق عليه حدّ الواجب الكفائي فلو قام أحد الحكّام بذلك، يسقط عن ذمّة الآخرين.

ثمّ ما اخترناه هو نفس مختار المحقّق النائيني حيث قال: البحث في الواجب التخييري كان بالنسبة إلى المكلّف به، و في الكفائي بالنسبة إلى المكلّف، و يكون المكلّف هو جميع الآحاد، و جميع الأشخاص على وجه يكون كلّ واحد بدلا عن الآخر. (3) و هذا يؤيّد أنّ مختاره في الواجب التخييري هو نفس ما استظهرناه منه حيث عطف الكفائي على التخييري، و أنّ المختار في كليهما واحد غير أنّ البدلية في الأوّل في المكلّف و في الثاني في المكلّف به.

____________

(1)- الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما، الحديث 1.

(2)- الوسائل: الجزء 11، الباب 2 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما، الحديث 1.

(3)- الكاظمي: فوائد الأُصول: 236/ 1.

137

الإشكال على توجّه الحكم إلى الآحاد

ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ أورد على توجّه التكليف إلى عامة المكلّفين و قال ما هذا حاصله: إنّ ما يسمّى واجباً كفائياً على أقسام:

1 ما لا يوجد إلّا مرّة واحدة، كقتل سابِّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم).

2 ما يمكن أن يتكثّر و لكن التكثّر ممنوع، كمواراة الميّت.

3 ما يمكن أن يتكثّر و لكن التكثر لا مبغوض و لا مطلوب، كالتكفين مرّتين.

4 ما يمكن أن يتكثّر و يكون التكثّر مطلوباً، كالصلاة على الميّت.

أمّا الأوّل، فلا يمكن بعث جميع المكلّفين إلى ما لا يتكرّر. و أمّا الثاني و الثالث، فمع مبغوضية الفرد الآخر أو عدم مطلوبيته، لا يصحّ بعث الجميع، لأدائه إلى نقض الغرض أو البعث إلى ما ليس بمطلوب. و أمّا الرابع، فإمكان بعث الجميع و إن كان لا ينكر، إلّا أنّ لازمه هو لزوم اجتماعهم في إيجاد صرف الوجود، و مع عدم اجتماعهم يكون المتخلِّف عاصياً لترك الأمر المطلق بلا عذر. (1) و لأجل هذه الأُمور اختار (قدس سره) النظرية الثانية كما سيوافيك.

يلاحظ عليه: أنّ بعث الجميع إلى الأمر الواحد ليس بمعنى أن يقوم به كلّ واحد في آن واحد، حتى يقال بأنّ الواجب الكفائي ربّما يكون غير قابل للتكرار، أو يكون التكرار مبغوضاً، أو غير مطلوب و بعبارة أُخرى: ليس جعل التكليف على جميع المكلّفين مثل جعله على الجميع في الواجب العيني بل يكون بعثُ الجميع في المقام على وجه البدلية، مثلها في الواجب التخييري و لكن النكتة لجعل الوجوب على الجميع مع حصول المطلوب بقيام واحد منهم أمران:

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 366/ 1 367، ط جماعة المدرسين.

138

1 عدم مدخلية خصوصية المكلَّف في حصول الغرض، فلأجل ذلك لم يخصّ واحداً بالتكليف، بل جعل الجميع مسئولًا.

فإن قلت: بناءً علي هذا لكفى أن يوجّهه إلى أحد المكلّفين من دون حاجة إلى تعميمه إلى جميعهم.

قلت: نعم، و سيوافيك أنّها أيضاً نظرية معقولة، و لكنّها تخالف ظواهر الأدلّة.

2 التحفظ على الغرض و صيانته عن الترك فانّ التسامح في الإتيان بالواجب أمر محتمل في قليل من الناس دون الكثير منهم، و لذلك عمّم التكليف للجميع.

و هاتان الجهتان صارا سببين لتوجيه التكليف إلى الجميع و إن كان غير قابل للتكرار، أو قابلًا له لكن كان مبغوضاً، أو لا مبغوضاً و لا مطلوباً.

و أمّا الصورة الرابعة: فليس معنى دعوة الناس فيها إلى شي‏ء هو اجتماعهم في إيجاد المطلوب بحيث يكون المتخلِّف عاصياً لترك الأمر المطلق بلا عذر، بل كون الجميع مسئولين أمام المولى و أمّا عدم لزوم اجتماعهم فلأجل أنّ المفروض أخذ البدلية في جانب المكلّف، كأخذها في جانب المكلّف به في الواجب التخييري.

النظرية الثانية:

إنّ التكليف على ذمّة واحد من المكلّفين لا بعينه الصادق على هذا و هذا ... نظير الواجب التخييري، من غير فرق بينهما إلّا من ناحية أنّ الواحد لا بعينه في الواجب التخييري هو متعلّق التكليف و في الواجب الكفائي موضوعه. و هذا واقع في العرف، كما إذا أمر المولى بقوله:» فليقم واحد منكم بالإتيان بالعمل‏

139

الفلاني « (1) و هو خيرة سيّدنا الأُستاذ، لكن بتفصيل خاص و هو أنّ المكلّف أحد المكلّفين بشرط لا فيما لا يقبل التكرار أو يقبل و لكنّه إمّا مبغوض، أو لا مبغوض و لا مطلوب، أو لا بشرط فيما إذا كان المطلوب صرف الطبيعة الصادق على الواحد و الكثير كالصلاة على الميّت. (2) و أورد عليه السيّد المحقّق البروجردي أنّ المراد من الأحد، إن كان مفهوم الأحد ففيه أنّ المفهوم غير قابل لأن يتوجّه إليه التكليف، و إن كان المراد الفرد المردّد، بحيث يكون التكليف متوجهاً واقعاً إلى الفرد المردّد، ففيه أنّه لا مصداق له في الخارج فلا يعقل البعث إليه. (3) يلاحظ عليه: أنّ عنوان التردّد في الفرد المردّد الذي هو عبارة أُخرى عن أحد المكلّفين ليس قيداً للموضوع أي المكلّف حتى يستحيل انطباقه على الخارج و يقال إنّه لا وجود في الخارج إلّا للمعيّن. و إنّما هو عنوان مشير إلى آحاد المكلّفين، فله وجود و مصداق في الخارج فإنّ كلّ واحد منهم مصداق ذلك العنوان.

نعم الذي يبعّد تلك النظرية أنّها على خلاف ظواهر الأدلّة في مورد الواجب الكفائي فلاحظ و إلّا فلا غبار عليها من حيث هي هي.

النظرية الثالثة:

إنّ التكليف متوجّه إلى عموم المكلّفين على نحو العموم الاستغراقي، غاية الأمر أنّه وجّه إلى كلّ مشروطاً بترك الآخر. و يظهر من المحقّق الخراساني عند

____________

(1)- اختاره العلّامة الطباطبائي في تعليقته على الكفاية، ص 137. و المحقّق الخوئي في المحاضرات: 53/ 4.

(2)- تهذيب الأُصول: 367/ 1.

(3)- نهاية الأُصول: 228.

140

البحث عن الشكّ في كون الأمر عينياً أو كفائياً ارتضاؤه لهذا التفسير، و إن لم يقل به في بحثنا هذا.

و يلاحظ عليه مضافاً إلى أنّه خلاف ظواهر الأدلّة إذ لا يوجد فيها من هذا الشرط عين و لا أثر أنّ الترك إمّا شرط للوجوب أو شرط للواجب. فعلى الأوّل يلزم على الجميع وجوب القيام بالفعل، دفعة واحدة لحصول الشرط. و على الثاني يلزم عدم حصول الامتثال إذا أتى به الجميع لعدم الإتيان بالواجب مع شرطه.

النظرية الرابعة:

إنّ التكليف الواحد متوجّه إلى مجموع آحاد المكلّفين من حيث المجموع، فالمكلّف هو مجموع الأشخاص على العموم المجموعي، غاية الأمر أنّه يتحقّق فعل المجموع بفعل الواحد منهم، و تركه بترك المجموع. و نسبت إلى قطب الدين الشيرازي في حاشية القوانين.

و ربّما يورد عليه بأنّ المجموع من حيث المجموع، لا وجود له في الخارج، و إنّما الموجود هو ذوات الأفراد، و عندئذ فلا معنى لتكليف المجموع. (1) يلاحظ عليه: أنّه و إن كان لا واقعية له عند الحكيم، لكن المجتمع شي‏ء له واقعية عند العرف، فيكفي وجوده عرفاً في صحّة توجيه الأمر إليه. و قد وقعت الأُمّة الإسلامية موضوعاً لأوصاف أو أحكام في القرآن و السنّة.

و الأولى أن يقال في جواب هذه النظرية: إنّ لازم ما ذكر فيها هو لزوم اشتراك المجموع في التكليف، لا سقوط التكليف بفعل واحد منهم، لأنّ المفروض هو توجّه التكليف إلى المجموع لا إلى البعض، فكيف يسقط عنهم بفعله؟ مع أنّ كثيراً من الواجبات الكفائية لا يمكن اشتراك المجموع فيها، كغسل الميّت‏

____________

(1)- نهاية الأُصول: 228.

141

و مواراته، فكيف يمكن أن يتوجّه التكليف في مثله إلى المجموع؟

و مع ذلك يمكن توجيه النظرية بالنحو التالي، على وجه لا يتوجّه إليه ذلك الإشكال و هو أنّ الواجبات إمّا تكاليف فرديّة و ليس المخاطب فيها إلّا نفس الفرد بما هو هو، أو تكاليف اجتماعية يطلبها الشارع من المجتمع بما هو هو. و الأُولى هي الواجبات العينيّة و الثانية هي الكفائية. و المجتمع و إن كان غير موجود في منطق العقل، لكنّه موجود في منطق العرف، فيكون الكلّ مسئولين عند التخلّف و العصيان، كما يكون الكل مبرّئين إذا قام به بعض الناس فتدبّر.

نرى أنّ الذكر الحكيم ربّما يطلب بعض الواجبات من الأُمّة لا الفرد و يقول: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ...) (آل عمران/ 110) و الخطاب و إن كان للأفراد لكن بما أنّهم أُمّة و يقول: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحجّ/ 41) و المقصود من التمكّن هو التمكّن الجماعي، لا الفردي فيكون إقامة الصلاة (لا الإتيان بها) من وظائف الأُمّة و المجتمع الإسلامي و هذا هو روح الواجبات الكفائية و قد أوضحنا حالها في مفاهيم القرآن فلاحظ. (1)

النظرية الخامسة:

إنّ التكليف متوجّه إلى واحد معيّن عند اللّه تعالى فإن قام هو بالفريضة و إلّا يسقط عنه بفعل غيره لأنّ المفروض أنّ الغرض واحد، فإذا حصل في الخارج فلا محالة يسقط الأمر.

و يلاحظ عليه: أنّه خلاف ظاهر الأدلّة، فانّ ظاهرها أنّ الموضوع هو عموم المكلّفين استغراقاً أو مجموعاً أو أحد المكلّفين الصادق على كلّ واحد واحد.

____________

(1)- مفاهيم القرآن: 198/ 2 203.

142

ثمرات المسألة

و في الختام نشير إلى أمرين:

الأوّل: [في أن المقصود من البدل هو الذي يكون مثل الأبدال الأُخر في توجّه الوجوب إليه‏]

إذا قلنا بأنّ الواجب الكفائي ما له بدل فإذا قام أحد يسقط الحكم عن الأبدال الأُخر فالمقصود البدل الذي يكون مثل الأبدال الأُخر في توجّه الوجوب إليه، فخرج وجوب أداء الدين عن التعريف فإنّه و إن كان يسقط بأداء البري‏ء، لكنّه ليس بدلًا بهذا المعنى، إذ ليس الأداءُ عليه واجباً و إنّما هو متبرّع له أن يؤدّي و له أن لا يؤدّي. (1)

الثاني: في ثمرات المسألة.

إنّ المحقّق القمي ذكر أقوالًا ثلاثة بالنحو التالي: 1 واجب على الجميع و يسقط بعمل البعض. 2 الوجوب متعلّق بالمجموع و نسبه في تعليقة القوانين إلى قطب الدين الشيرازي. 3 الوجوب متعلّق بغير المعيّن و نقله عن الفخر الرازي. ثمّ رتّب على الأقوال الثلاثة الثمرات التالية:

1 لو قلنا بوجوبه على الجميع، يجب على كلّ واحد و يتّصف عمل كلّ بالوجوب بخلاف ما لو قلنا بالأخيرين فلا يتّصف به، إذا صدر عن الكلّ، و على ذلك لو نذر أحد أن يعطي عشرة رجال لكلّ درهماً إذا أتى كلّ واحد منهم بواجب، فلو قام الكلّ بالصلاة على الميّت، و دفع لكلّ منهم درهماً فقد برّ نذره على القول الأوّل بخلاف القولين الأخيرين، لأنّ المكلّف إمّا المجموع، أو الواحد غير المعيّن فيبرّ بمقدار درهم واحد لأنّ المكلّف واحد يحسب عملًا واحداً. (2)

____________

(1)- لاحظ الفصول: 107.

(2)- القمي: قوانين الأُصول: 121.

143

يلاحظ عليه: مع أنّ ظهور الثمرة في النذر دليل على فقدان الثمرة أنّ ما ذكره إنّما يتمّ على الأقوال الثلاثة التي ذكرها دون ما ذكرناه فانّ من الأقوال، كونه واجباً على أحد المكلّفين و قد مرّ بيانه في النظرية الثانية، فلو كان مرجعه إلى أنّه واجب على فرد غير معيّن كما في كلامه صحّ ما ذكره غير أنّ معناه أنّ الموضوع هو هذا العنوان، القابل للانطباق على كلّ واحد فيتّصف عمل كلّ فرد، بالوجوب لأنّه من مصاديق أحد المكلّفين، و لقد سبق منّا أنّ النظرية الثانية، تتّحد نتيجةً مع الأُولى و إنّما الفرق في التصوير و تبيين متعلّق الوجوب.

2 ظهورها في تعدّد العقاب و وحدته، فلو قلنا بأنّ الخطاب متوجّه إلى كلّ واحد من المكلّفين فلو ترك الجميع، يكون الكلّ معاقباً، لأنّ كلّ واحد منهم ترك الواجب بلا عذر. و أمّا لو قلنا بأنّ الموضوع هو المجموع من حيث المجموع أو واحد غير معيّن، يكون التكليف واحداً و يتبعه العقاب في وحدته و كثرته، فيقسّط العقاب الواحد على الكلّ.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر من الثمرة إنّما يصحّ على الأقوال الثلاثة المذكورة في القوانين، و أمّا على ما ذكرنا من النظرية الثانية فلا فرق في تعدّد العقاب بين النظرية الأُولى و الثانية، لما عرفت من أنّ عنوان أحد المكلّفين منطبق على كلّ واحد منهم، فيتعدّد التمرّد حسب ترك الأفراد و بالتالي يتكثّر العقاب. و إن كان الغرض الفائت واحداً، لأنّ تعدّد العقاب و وحدته ليسا تابعين لوحدة الغرض و تعدّده، بل لتعدد التمرّد و وحدته و هو في المقام على القولين الأوّلين متعدّد، إلّا أن يكون مرجع القول الثاني إلى القول بوجوبه على فرد غير معين. و ليس كذلك.

3 في جواز قصد الأمر فيما إذا كان المتعلّق قابلًا للتكرار و مطلوباً، غير مبغوض كتحصيل علم الدين، مع قيام عدّة معه له، فلو كان التكليف متعلّقاً لكلّ واحد، فيجوز لكلّ، قصده ما لم يسقط الأمر، بخلاف ما لو كان الأمر متوجّهاً إلى فرد غير معيّن، فلا يصحّ قصده من الكلّ إذا أقاموا به دفعة.

144

يلاحظ عليه: أنّ عدم الجواز يختصّ على القول بتعلّقه بفرد غير معين، و أمّا على جميع الأقوال الباقية فيصحّ قصد الورود حتى على القول بتعلّقه بالجميع و كأنّ الموضوع مركّب، و كلّ فرد جزء منه، و الأمر متوجّه إلى المركّب، يقصده كلّ واحد من الأفراد الذين هم بمنزلة أجزاء الموضوع و أمّا على القول بتعلّقه بأحد المكلّفين، فتكثّر الأمر واضح لانطباقه على كلّ واحد منهم.

4 إنّ المحقّق النائيني ذكر في المقام فرعاً و إن لم يكن ثمرة النزاع و هو إذا كان رجلان متيمّمين فوجدا ماءً لا يفي إلّا بوضوء واحد منهما فهل يبطل تيمّم كلّ منهما أو لا يبطل واحد منهما، أو يبطل واحد منهما على البدل؟ فاختار الوجه الأوّل، و ذلك لأنّ بطلان التيمم مترتّب على وجدان الماء المحقّق في ظرف القدرة على الحيازة فيبطل التيممان معاً، و ليس بطلانه مترتّباً على الأمر بالوضوء حتى يقال بوجود التزاحم في تلك الناحية حيث إنّ الأمر بواحد منهما بالتوضؤ يزاحم الأمر بالآخر به.

و فصّل تلميذه الجليل في التعليقة بين صورة سبق أحدهما إلى الحيازة و عدمه ففي الأُولى يبطل تيمُّم السابق فقط و يستكشف به عدم قدرة الآخر على الوضوء و بقائه على ما كان عليه من عدم وجدانه الماء و أمّا الصورة الثانية فيبطل كلّ من التيمّمين، لتحقّق ما ترتّب عليه بطلانه و هو وجدان الماء فإذا تحقّق يترتّب عليه كلّ من الأثرين. (1) أقول: الفرع معنون في العروة الوثقى في باب أحكام التيمّم قال: إذا وجد جماعة متيمّمون ماءً مباحاً لا يكفي إلّا لأحدهم بطل تيممهم أجمع إذا كان في سعة الوقت و إن كان في ضيقه بقي تيمّم الجميع. (2) لا يخفى أنّ المتبادر من قوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً

____________

(1)- النائيني: أجود التقريرات: 189/ 1.

(2)- السيد الطباطبائي: العروة الوثقى، أحكام التيمّم، المسألة 22.

145

طَيِّباً) (المائدة/ 6) ليس هو وجدانه و إن لم يتمكّن عرفاً من استعماله، بل المقصود هو التمكّن من استعماله تمكّناً عرفياً بلا نزاع و على ذلك فلا بدّ أن يقال:

1 إذا كانوا منصرفين عن حيازته، يبطل تيمّم الكلّ، لتحقّق شرط البطلان في كلّ واحد.

2 إذا تسابقوا عليه، فسبق واحد منهم لحيازته بطل تيمّمه دون الآخرين.

3 تلك الصورة و لكن كان المسبوق قادراً على التغلّب فتسامح ففي تعليقة السيد الحكيم بطل تيمّمه و الحقّ صحّته لأنّ الوجدان محمول على الوجدان العرفي، المتحقّق على الوجه الطبيعي، لا عن طريق المغالبة.

***

146

الفصل الحادي عشر: تقسيم الواجب إلى المطلق و المؤقّت و المؤقّت إلى الموسّع و المضيّق‏

قسّم الواجب إلى» مطلق «و» مؤقّت «، و المطلق إلى» فوري «و» غير فوري «، و المؤقّت إلى» موسّع «و» غير موسّع «، و إليك بيان هذه الأقسام:

لا شكّ أنّ الفعل ملازم للزمان أو مولده، و لا مناص له عنه، و لكن تارة لا يكون للزمان تأثير في ملاكه و يعدُّ ظرفاً للعمل لا قيداً للواجب، كما في إكرام العالم، و إطعام الفقير، و يكون كسائر الخصوصيات الفردية الملازمة له، و أُخرى للزمان تأثير فيه، و يكون كسائر القيود المأخوذة فيه. و يسمّى الواجب حسب الاعتبار الأوّل» مطلقاً «و حسب الثاني» مؤقّتاً «.

و» المطلق «حسب اعتبار لزوم الإتيان به فوراً ففوراً و عدمه، ينقسم إلى» فوري «كصلاة الآيات و» غير فوري «كقضاء الصلوات الفائتة.

هذا كلّه حول المطلق بكلا قسميه، و لا بحث فيه، و إنّما البحث في المؤقّت بقسميه، فنذكر في ذلك أُموراً:

1 يتصوّر في بادئ النظر أنّ المؤقّت على أقسام ثلاثة. فإنّ وقت الوجوب إمّا أن يكون مساوياً لوقت الواجب، أو أوسع، أو أضيق. و الأوّل كالصوم، و الثاني كالصلوات الواجبة اليومية، و لكن لا سبيل إلى الثالث لاستلزامه التكليف بما لا

147

يطاق. و على ذلك فالمضيّق ما يكون زمان الوجوب مساوياً لزمان الواجب و الموسّع ما يكون زمانه أوسع من زمان الواجب، و لا ثالث.

2 إنّ التخيير بين الأفراد في الموسّع عقلي، فإنّ ما وقع تحت دائرة التكليف هو نفس الطبيعة الواقعة بين الحدّين، فلها أفراد طولية يكون المكلّف مخيّراً بينها، و ليس معناه صل في الوقت الأوّل أو الثاني أو الثالث حتى تكون الصلاة حسب الأوقات المختلفة كخصال الكفارة.

3 إذا أخّر المكلّف الواجب حتى ضاق الوقت و لم يبق منه إلّا مقدار الواجب، يصير الواجب مضيّقاً بالعرض، و إن كان موسّعاً بالذات، لأنّ الواجب هو إيجاد الطبيعة بين الحدّين، و هو مصداق لها بالذات، و عدم جواز التأخير ليس إلّا لكونه مفوِّتاً للواجب، لا لكونه مضيّقاً.

4 أُشكل على الواجب الموسَّع بأنّه يستلزم جواز تركه في بعض الأوقات، و هو لا يجتمع مع وجوبه.

و الجواب عنه واضح فإنّ الواجب ما لا يمكن تركه من رأس، لا ما لا يمكن ترك بعض أفراده العرضية أو الطولية. و إن شئت قلت: الواجب هو الطبيعة الواقعة بين الحدّين، و هو غير متروك، و المتروك إنّما هو بعض مصاديقها، و هو لم يقع تحت دائرة الطلب.

5 أُشكل على الواجب المضيّق بأنّه لا يتصوّر أن يكون وقت الوجوب مساوياً لوقت الواجب لأنّ الإتيان به يجب أن يكون متأخّراً عن البعث، شأن تأخّر الانبعاث عن البعث، و المعلول عن العلّة، و لازمه أوسعية زمان الوجوب عن زمان الواجب المتّحد مع زمان الانبعاث.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يلزم تقدّم البعث على الانبعاث و بالتالي أوسعية زمان الوجوب على الواجب إذا كان تقدّم العلّة تقدّماً زمانياً، لا رُتبيّاً، و إلّا فيكون‏

148

البعث و الانبعاث في زمان واحد، و لا يكون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب.

و على ذلك فالذي يجب على المولى هو تقديم بيان الوجوب و البعث، لا تقديم نفسهما على الواجب و الانبعاث من غير فرق بين كون الوجوب شخصياً أو قانونياً، و القضية شخصية أو حقيقية فالذي يجب تقدّمه زماناً، هو بيان البعث لا تقديم نفسه، حتى يلزم كون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب.

*** هل القضاء تابع للأداء، أو بأمر جديد؟

إذا فات المؤقّت في وقته، فهل يجب الإتيان به خارج وقته أو لا؟

و بعبارة أُخرى هل المؤقّت يفوت وقته أو لا؟

يقع الكلام في الثبوت تارة، و في الإثبات أُخرى.

أمّا ثبوتاً، فلا شكّ أنّه لو كان الفعل المؤقّت مطلوباً واحداً و قد فات، فلا معنى للإتيان بما ليس بمطلوب خارج الوقت، كما في الوقوف في العرفات و المشعر باختياريه و اضطراريه، فإذا مضيا، فلا وجه لإعادة الوقوف خارج الوقتين. و أمّا إذا كان أصل الفعل مطلوباً، و الإتيان به في وقته مطلوباً آخر، فعندئذ إذا فات المطلوب الثاني، يجب الإتيان بالمطلوب الأوّل للتمكن منه.

و أمّا إثباتاً، أعني دلالة دليل الواجب لا غيره على تعدده أو وحدته فالأقوال ثلاثة فمن قائل بأنّ القضاء بأمر جديد، إلى قائل آخر، بكفاية نفس الأمر الأوّل، إلى ثالث كالمحقّق الخراساني و هو قائل بالتفصيل و الحقّ هو الأوّل و ذلك: لأنّ الأمر بالمقيّد بالوقت، يدعو إلى المقيّد بما هو هو، و ليس له دعوة إلى المطلق العاري عنه. كما هو الحال إذا قيّد بالطهارة و القبلة و لم يتمكّن منهما، فلا يدعو الأمر

149

المتعلّق بالصلاة المقيدة بهما، إلى نفس الصلاة العارية عنهما.

و بالجملة: إنّ هنا أمراً وحدانياً تعلّق بالمركّب، و ليس له إلّا دعوة واحدة، حتى أنّ دعوته إلى كلّ جزء هي بنفس دعوته إلى الكلّ، فإذا سقطت دعوته إلى الكلّ، لأجل فوت الوقت، لا تبقي له دعوة إلى سائر الأجزاء، فيكون المحكَّم هو أصل البراءة.

و إن شئت قلت: إذا كان الجزء أمراً غير الزمان فكما أنّ انتفاءه يوجب سقوط داعوية الأمر فهكذا إذا كان القيد هو الزمان، و بذلك يُعلم عدم تمامية القول الثاني و أمّا القول بالتفصيل فإليك البيان.

تفصيل للمحقّق الخراساني‏

استثنى المحقّق الخراساني مورداً و هو ما إذا كان توقيت الواجب بدليل منفصل، و كان لدليل الواجب إطلاق، و لم يكن لدليل المقيّد إطلاق بالنسبة إلى تقييد أصل المطلوب بالوقت، فلازم ذلك ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت، و كون الوقت دخيلًا في كمال المطلوب لا في أصله.

يلاحظ (1) عليه: أنّ ما ذكره خارج عن محلّ النزاع، إذ النزاع فيما إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي كإطلاق دليل الواجب، و أمّا معه فلا كلام في بقاء الأمر الأوّل. و المفروض عدم وجود الإطلاق في دليل التقييد، بل المتبادر منه بحسب الفرض هو شرطية الوقت عند التمكّن، لا مطلقاً حتى يسقط أصل الواجب عند الامتناع.

و الدليل على أنّ هذه الصورة خارجة عن محلّ البحث أنّ ما ذكره جار في جميع الأجزاء و الشرائط إذا لم يتمكّن المكلّف من الإتيان ببعضها. فلو كان لدليل‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 230/ 1.

150

الواجب إطلاق و لم يكن لدليل التقييد إطلاق، لوجب الإتيان بباقي الأجزاء و الشرائط.

و إذا كان محلّ البحث عنده أعمّ، لكان عليه أن يذكر سائر الصور المتصوّرة، و هي:

1 إذا كان لكلّ من دليل الواجب و التوقيت إطلاق. و المراد من وجود الإطلاق في دليل التوقيت كونه مطلوباً مطلقاً في حالتي التمكّن و عدمه كالركن فيلزم سقوط وجوب الواجب خارجه، أخذاً بإطلاقه و دخالته المطلقة.

2 إذا لم يكن هناك إطلاق إلّا لدليل التوقيت الدال على كونه مطلوباً في حالتي التمكّن و عدمه فلا يجب الفعل خارج الوقت.

و الحقّ أنّ هاتين الصورتين خارجتان عن محطّ البحث، و إنّما الكلام فيما إذا لم يكن هناك دليل على أحد الطرفين، فلم يكن في دليل الواجب إطلاق ليدلّ على وجوبه خارجه، و لا في دليل التوقيت إطلاق ليدلّ على كونه ركناً و أنّه يسقط وجوب الفعل بفقدان ركنه. فعندئذ يقع الكلام في أنّ القضاء هل هو بنفس الأمر الأوّل أو بأمر ثان.

و قد ثبت أنّ الحقّ هو أنّ القضاء بأمر جديد لا بالأمر الأوّل، و أنّ مقتضى القاعدة سقوط الأمر عن المؤقّت بانقضاء وقته، و عدم وجوب الإتيان به إلّا فيما قام دليل على القضاء، كما هو الحال في موارد الصلاة و الصوم.

الأصل العملي في المسألة

ثمّ إذا شككنا في أنّ القضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر الأوّل، فهل يصحّ استصحاب وجوب المؤقّت بعد انقضاء الوقت أو لا؟

الظاهر، لا. لأنّ الوقت إمّا قيد للموضوع، أو قيد للمحمول و على كلا