المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
151

الفرضين، لا يصحّ الاستصحاب لعدم اتحاد القضيتين. محمولًا أو موضوعاً.

و إن شئت قلت: الذات المطلقة غير الذات المقيّدة. فإسراء الحكم من إحداهما إلى الأُخرى، أشبه شي‏ء بالقياس المنهيّ عنه، و ستوافيك حقيقة الحال في باب الاستصحاب.

نعم ربّما يستظهر من القرينة الخارجية أنّ المورد من قبيل تعدّد المطلوب، و مثاله من غير هذا المورد عامة المستحبّات المقيّدة بقيد، فإذا انتفى القيد يأت بالباقي، مثلًا من لم يتمكّن من زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) تحت السماء، فليزره تحت السقف و لأجله قالوا بتعدد المطلوب في المستحبّات كلّها.

ثمرات القولين‏

تظهر الثمرة في موارد، نذكر منها ما يلي:

1 إذا ترك الواجب في وقته قطعاً، فهل يجب عليه القضاء أو لا؟ يجب على القول الثاني، دون الأوّل كما إذا لم يخرج الفطرة في وقته المحدد، أو تساهل في صلاة الخسوف و الكسوف حتى انجلى النيّران، فهل يجب القضاء أو لا.

2 إذا أتى بالواجب و لكن شكّ في صحّة العمل، لأجل الشكّ في الشرائط و عدمها على النحو الآتي: أ: إذا توضأ في الظلمة بمائع مردّد بين كونه ماءً مطلقاً أو مضافاً، فشكّ في صحّة العمل بعد خروج الوقت.

ب: إذا صلّى على جهة ثمّ شكّ بعد خروجه، أنّها كانت إلى القبلة أو لا.

ج: إذا توضأ أو اغتسل و الخاتم على إصبعه مع العلم بعدم تحريكه وقت العمل، فشكّ بعد خروج الوقت في جريان الماء تحته و عدمه.

فلزوم القضاء و عدمه مبنيّ على تلك القاعدة، فلو قلنا بأنّ القضاء تابع‏

152

للأداء و أنّ الأمر الأوّل يكفي في الدعوة إليه خارج الوقت أيضاً، يكون المقام من قبيل الشكّ في السقوط.

فمقتضى القاعدة هو الاحتياط، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، و أمّا على القول الآخر يعني عدم تبعية القضاء للأداء، و أنّ الأمر الأوّل لا يعمّ خارج الوقت، يكون مرجع الشكّ إلى الشكّ في التكليف، لأنّ الأمر الأوّل سقط قطعاً بخروج الوقت و الشكّ في حدوث الأمر الثاني.

فإن قلت: لما ذا لا يكون المرجع حتى على القول الأوّل، هو قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت، أو بعد الفراغ عن العمل اللتين مقتضاهما هو صحّة العمل و عدم القضاء؟

قلت: أمّا الأُولى فمختصّة بما إذا شكّ في أصل العمل، لا في صحّته كما هي الحال في جميع الصور و أمّا الثانية، فلأنّها إنّما تجري إذا لم تكن صورة العمل محفوظة بأن لا يكون حال الشكّ و حال العمل من حيث التذكر و عدمه سيّان. و بعبارة أُخرى أن يكون حال العمل أذكر من حال الشكّ و ليس المقام كذلك، فانّ علمه و شكّه بالنسبة إلى كلتا الحالتين سيّان، بشهادة أنّه لو نبّهه إنسان حال العمل و سأله عن حال الماء أنّه مطلق أو مضاف أو أنّ الماء جرى تحت الخاتم أو لا، لكان حاله كحاله حين الشكّ ففي مثله لا تجري القاعدة و المقام بأمثلته الثلاثة من مصاديقه.

***

153

الفصل الثاني عشر: هل الأمر بالأمر بفعل، أمر بذلك الفعل أو لا؟

إذا أمر المولى فرداً ليأمر فرداً آخر بفعل، فهل الأمر الصادر من المولى أمر بذلك الفعل أو لا؟ كما إذا أمر سبحانه رسوله ليأمر عبادَه بالغضّ عن النساء غير المحارم مثل قوله سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ‏) (النور/ 30) و كما في الأمر بالوالدين، ليأمروا صبيانهم بالصلاة. و مثاله من العرفيات مثل ما إذا قال زيد لعمرو مر بكراً أن يبيع هذا الفرس، فهل لبكر أن يبيعه و إن لم يصل إليه أمر الآمر الأوّل؟ إذا وقفت على ذلك فاعلم انّ الكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في مقام الثبوت.

الثاني: في مقام الإثبات.

أمّا الثبوت: فيتصوّر على أقسام ثلاثة حسب ما ذكره المحقّق الخراساني:

1 إذا تعلّق غرض المولى بنفس الفعل، و كان أمر المأمور الأوّل طريقاً للوصول إلى نفس الفعل من دون دخالة لأمر المأمور الأوّل.

2 إذا تعلّق الغرض بنفس أمر المأمور الأوّل للمأمور الثاني، من دون أن يكون نفس الفعل مورداً للغرض، كما إذا أراد الحاكم كسر غطرسة شخص ما، و تكبّره فيأمر أحد ملازميه أن يأمره بشي‏ء، و الغرض هو الحطّ من مقامه عند الناس، أو أمر ولده الأكبر أن يأمر الآخرين بفعل، ليعلم بذلك، أنّه القائم مقامه‏

154

عند رحيله.

3 إذا تعلّق الغرض بنفس الفعل بعد تعلّق الأمر به من جانب المأمور الأوّل، فيكون لكلا الأمرين دخل في المقصود.

فعلى الأوّل، يكون الأمر الأوّل أمراً بنفس ذلك الفعل، و يجب على المأمور الثاني الإتيان به و إن لم يأمر المأمور الأوّل إذا اطّلع على غرض المولى.

و أمّا على الثاني و الثالث، فلا يكون أمراً بنفس الفعل، لأنّ الأمر الثاني إمّا تمام الموضوع للغرض أو جزء الموضوع، و على كلّ تقدير فلا يصحّ القيام بالشي‏ء قبل ثبوت موضوع الحكم.

و أمّا الإثبات: فالظاهر أنّ الأمر بالأمر ظاهر في القسم الأوّل، فإنّ ظهور الأمر الثاني في الطريقية ممّا لا ينبغي أن يشكّ فيه. و كون الغرض قائماً بأمر المأمور الأوّل تمام الموضوع أو جزءه شاذّ لا يوجد إلّا نادراً.

ثمرات المسألة

تظهر الثمرة في موردين:

الثمرة الأُولى: تظهر الثمرة في شرعية عبادات الصبي،

و ذلك أنّه قد أُمر الولي ليأمر صبيانه بالصلاة. روى الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بسند صحيح عن أبيه (عليه السلام) قال:» إنّا نأمر صبياننا بالصّلاة إذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين « (1) فإذا كان الأمر بالأمر بفعل، أمراً بنفس ذلك الفعل، تصير عبادات الصبيان شرعية، فيجوز الاقتداء بهم، و الاكتفاء بصلواتهم و صيامهم عند

____________

(1)- الوسائل: ج 3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 3، الحديث 5.

155

النيابة عن الغير. و هذا بخلاف ما إذا لم يكن أمراً بنفس ذلك الفعل، فتكون عباداتهم تمرينية.

هذا و في نفس الحديث قرينة على أنّ الغرض تعلّق بإيجاد المأمور به و لم يكن للّه غرض في توسيط أمر الغير، و هي عبارة عن نفس أمر الإمام بصبيانه، و لا شكّ أنّ أمرهم بهم كان لغاية التبليغ و لم يتعلّق غرضه سبحانه بصلاة الصبي التي يقوم بها بأمر الإمام (عليه السلام). فإذا كانت الحال في جانب الإمام (عليه السلام) كذلك فيكون مثله في جانب أمر الوالد.

و ما يقال من» أنّه لا حاجة إلى إثبات شرعية عبادات الصبي إلى هذه القاعدة لوجود روايات كثيرة في هذه الموارد (1) حيث حكم عليهم بالوجوب المحمول على الاستحباب المؤكّد في سنين خاصّة «.

لا ينفي هذه الثمرة لعدم المانع من وجود طريقين لإثبات المطلوب.

ثمّ إنّه ربّما يستدل لإثبات شرعية عبادات الصبي، بالعمومات الواردة في الكتاب و السنّة، الشاملة للبالغ و الصبي، غاية الأمر أنّ حديث الرفع، رفع للحكم الإلزامي لا الحكم غير الإلزامي و أصل المحبوبية، لأنّه حديث امتنان، و الامتنان موجود في رفع الحكم الإلزامي، لا في غيره. فالمرفوع إذن في عبادات الصبي هو الحكم الإلزامي لا غيره، فتكون عباداته مشروعة. (2) و يلاحظ عليه بأمرين:

الأوّل: إنّ شمول الخطابات لغير البالغ، أوّل الكلام فإنّ التكاليف في كلّ الحضارات الإنسانية تتوجّه إلى البالغين و إن كان حدّ البلوغ عندهم مختلف فيه و غيرهم خارجون عن مصبّ التكليف. و ليس للشارع في هذا المورد سنّة خاصة.

____________

(1)- الوسائل: الجزء 6، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 141.

(2)- السيّد الحكيم: مستمسك العروة الوثقى: 424/ 8، المسألة 2.

156

و ليس» رفع القلم عن الصبي «دليلًا على شموله للصبي، بل استعمال كلمة الرفع، لأجل قابليته للتكليف إذا كان مميزاً، فلأجل تلك القابلية استعملت كلمة» الرفع «كما أنّ استعمالها في النائم و المجنون لأجل قابلية توجّه الأمر إليهما بالقضاء، كما لا يخفى.

و الحاصل أنّ تعيين نصاب خاص من السن، بين الطوائف البشرية من دينية أو إلحادية، و صرفها عن القاصرين، قرينة عامّة على انصراف الأحكام الوارد في الكتاب و السنّة عن غير البالغ فإنّ مخالفة النوع من بناء العقلاء يحتاج إلى تذكير و تنبيه خاص لا تعلم بنفس التكاليف العامّة.

الثاني: إنّ المجعول و هو البعث أو قل الوجوب أمر بسيط، و مع رفعه يرتفع المجعول برأسه لا أنّه يرتفع الوجوب و يبقى الاستحباب.

الثمرة الثانية: إذا أمر الوالد، ولده الأكبر: بأن يأمر ولده الأصغر ببيع متاعه، فنسي الواسطة،

و اطّلع الأصغر على أمر الوالد، فباع فلو قلنا بأنّ الأمر بالأمر بفعل، أمر بنفس ذلك الفعل لا يكون بيعه فضولياً بخلاف ما إذا قلنا بخلافه. فلا يكون بيعاً مستنداً إليه إلّا بعد أمر الولد الأكبر. (1) إلى غير ذلك، ممّا يمكن أن تقع ثمرة للبحث.

***

____________

(1)- الثمرة الثانية للشهيد الثاني في تمهيد القواعد.

157

الفصل الثالث عشر: هل الأمر بالشي‏ء بعد الأمر به ظاهر في التأكيد أو في التأسيس؟

إذا أمر المولى بشي‏ء، ثمّ أمر به قبل امتثال الأمر الأوّل، فهل هو ظاهر في التأكيد، أو ظاهر في التأسيس؟ و للمسألة صور:

1 إذا قيّد متعلّق الأمر الثاني بشي‏ء يدلّ على التعدّد و الكثرة كما إذا قال: صلّ، ثمّ قال: صلّ صلاة أُخرى.

2 إذا ذكر، لكلّ حكم سبباً خاصاً، كما إذا قال: إن ظاهرت فأعتق رقبة. و إن قتلت نفساً فأعتق رقبة.

3 أن يذكر السبب لواحد من الحكمين دون الآخر، كما إذا قال: توضأ ثمّ قال: إذا بُلت فتوضأ.

4 أن يكون الحكم خالياً من ذكر السبب في كلا الأمرين.

لا إشكال في الصورة الأُولى من جهة أنّ الأمر فيها للتأسيس و لا يجوز التداخل لكون الأمر الثاني صريحاً في التعدد و مثلها الصورة الثانية لظهور كلّ سبب، في إيجاب مسبّب خاص، و هو إيجاب مغاير لما يقتضيه السبب الآخر. نعم يقع الكلام في إمكان تلبية كلا الوجوبين بعتق رقبة واحدة، و عدمه، و سيوافيك الكلام فيه في مبحث المنطوق و المفهوم.

158

و محلّ البحث هو الصورتان الأخيرتان، فقال المحقّق الخراساني بوقوع التعارض بين مقتضى إطلاق المادة و هو التأكيد، لاستحالة تعلّق الطلب التأسيسي بمادة واحدة مرّتين، من دون أن يجي‏ء تقييد لها (1) و ذلك لأنّ تشخص كلّ إرادة بالمراد، فلا يعقل وجود إرادتين مستمرتين في لوح النفس متعلّقتين بشي‏ء واحد، إذ لا يمكن فصل إرادة عن أُخرى حتى تتحقّق الاثنينية.

و مقتضى إطلاق الهيئة هو التأسيس، لا التأكيد.

و لعلّه يريد ظهور مفاد الهيئة، في نفسها كما أوضحه المحقّق المشكيني.

يلاحظ عليه: أنّ أقصى ما يستفاد من الهيئة المتكرّرة، هو تعدّد الطلب لكنّه أعمّ من التأكيد و التأسيس، و لأجله لا تعارض في البين بل الحقّ هو ظهورها في التأكيد من دون تعارض.

***

____________

(1)- كفاية الأُصول: 231/ 1.

159

المقصد الثاني في النواهي‏

و فيه الفصول التالية:

1. في دلالة النهي على الطلب مثل الأمر مع اختلاف في المتعلَّق.

2. في جواز اجتماع الأمر و النهي في واحد و امتناعه.

3. ما هو المراد من الواحد في هذا العنوان؟

4. ما هو الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي عن العبادات و المعاملات؟

5. هل المسألة، مسألة أُصولية أو لا؟

6. المسألة عقلية لا مدخلية للفظ فيها.

7. ملاك النزاع يعم جميع أقسام الإيجاب و النهي.

8. جريان النزاع على القولين بتعلق الأحكام بالطبائع أو الأفراد؟

9. بحوث في التعارض و التزاحم.

10. حصول الامتثال على القول بالجواز و أمّا على القول بالامتناع ففيه تفصيل.

11. مقدّمات خمس لإثبات امتناع الاجتماع.

12. استدلال القائل بالجواز يتعلّق النهي على العبادات.

13. حكم الاضطرار إلى الحرام بسوء الاختيار.

14. تقديم جانب الحرمة بملاكات مختلفة.

15. المقام الأوّل: في أنّ النهي في العبادات يقتضي الفساد أو لا؟

16. المقام الثاني: في أنّ النهي في المعاملات يقتضي الفساد أو لا؟

160

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

161

الفصل الأوّل: مفاد النهي، مادة و صيغة (1)

المشهور بين الأُصوليين أنّ النهي، كالأمر في الدلالة على الطلب، غير أنّ متعلّق الطلب في أحدهما هو الوجود أعني إيجاد الفعل، و في الآخر العدم، أعني ترك الفعل و نفس أن لا تفعل.

و يظهر من المحقّق النائيني ارتضاؤه، حيث قال: إنّ المطلوب في النواهي هو نفس ترك الفعل و عدمه دون الكف. ثمّ قال: إنّ الأمر و النهي يشتركان في أنّ كلًّا منهما يتعلّق بالماهية التي لم يلحظ فيها الوجود و العدم، و يفترقان في أنّ هيئة النهي تدل على إعدام المادة، و هيئة الأمر تدل على طلب إيجادها. (2) و حاصل كلامه عبارة عن أمرين:

الأوّل: أنّ مفاد الهيئة، هو الطلب في كلّ من الأمر و النهي.

الثاني: أنّ متعلّق الطلب في الأمر، هو الفعل، و في الثاني هو الترك و الظاهر عدم صحّة الأمرين.

أمّا الثاني، فلأنّ المادة التي تعلّقت بها الهيئة، موضوع للماهية المعراة من كلّ قيد، من غير فرق بين كون القيد، هو الوحدة أو الكثرة، أو الفور أو التراخي، أو الفعل أو الترك و عندئذ فأين الدال على أحد الأمرين؟

____________

(1)- أسقط صاحب الكفاية البحث عن مادة النهي اقتصاراً بما أفاده في مادة الأمر.

(2)- أجود التقريرات: 327/ 1 328.

162

نعم: الغاية من الأمر، هو الإيجاد، و الغاية من النهي، هو الترك، لكن كون شي‏ء غاية، غير كونه داخلًا في مفاد اللفظ، و الظاهر حصول الخلط بين ما يطلب غاية، و ما يدل عليه مادة الصيغة.

و أمّا الأوّل: فقد حقّقنا عند البحث عن مفاد الهيئة لصيغة الأمر من أنّ هيئة الأمر موضوعة للبعث إلى ما فيه المصلحة و بطبع الحال تكون هيئة النهي موضوعة للزجر و المنع عمّا فيه المفسدة، فكون الشي‏ء مشتملًا للمصلحة موجب لإغراء الغير إليه، كما أنّ كونه مشتملًا على المفسدة داع لزجر الغير و ردعه عنه و الذي يوضح ذلك أنّ الإنسان يستعين في البعث إلى شي‏ء تارة بيده و رجله، فيبعث الغير إلى مطلوبه بهذين العضوين، و أُخرى بتحريك الرأس و الإشارة بالعين و الحاجب، و لمّا تكاملت الحضارة البشرية، قام اللفظ مقام هذين الأمرين، فيكون مفاد صيغة الأمر نفس ما يستفاد من إعمال هذه الأعضاء.

و يجري ما ذكرنا في نفس النهي، فإنّ الإنسان البدائي كان يستعين في الزجر و المنع بيده و رجله، ثمّ بالإشارة باليد و الرأس، و لمّا تكاملت الحضارة قام اللفظ مكانها، فمفاد هيئة النهي نفس ما يستفاده من إعمال هذه الأعضاء، من الزجر و المنع.

و لتوضيح ما ذكرنا نستعين من معادل النهي في اللغة الفارسية، فإنّ مفاد كلمة،» مكش «أو» مزن «هو المنع و الزجر، لا طلب ترك الفعل فإنّ التعبير عن المنع، بطلب ترك الفعل أشبه بالأكل من القفا.

و بعبارة واضحة: إنّ مفاد صيغة النهي هو الزجر الإنشائي، مكان الزجر التكويني، كما أنّ مفاد صيغة الأمر، هو البعث الإنشائي مكان البعث الخارجي، فلو أردنا أن نعبّر عن الزجر و البعث بالفارسية نقول:» بازدارى «و» وادارى «.

و ما ذكرنا خلاصة ما حقّقه سيّد مشايخنا (قدس سره) غير أنّه عبّر عن المتعلّق‏

163

ب» وجود الطبيعة «و لكنّك عرفت أنّه هو نفسها و أنّ الإيجاد، و الترك غايتان للبعث و الزجر.

و الحاصل: أنّ الأمر و النهي متّحدان من حيث المتعلّق، و مختلفان من حيث الحقيقة و المبادئ و الآثار:

أمّا من حيث الحقيقة: فالأمر بعث، و النهي زجر. ذاك بعث إنشائي و هذا زجر إنشائي.

و أمّا من حيث المبادئ: فمبدأ الأمر هو تصوّر الشي‏ء و التصديق بفائدته و مصلحته، و حبُّ تحقّقه و الاشتياق إليه، و يناسبه البعث. و مبدأ النهي هو تصوّر الشي‏ء، و التصديق باشتماله على المفسدة، و بغضه، و يناسبه الزجر.

و أمّا من حيث الآثار: فإنّ الآتي بالمتعلَّق في الأمر، مطيع و مستحق للثواب، و الآتي به في النهي عاص و مستحق للعقوبة.

و بذلك يظهر أنّ البحث عن كون المتعلّق في النهي هو الترك و نفس» أن لا تفعل «أو الكف، ساقط من أصله، لما عرفت من أنّ المتعلّق فيهما هو الطبيعة المعراة من الوجود و العدم. و بما أنّه مطروح في كتب القوم بحثت عنه بوجه موجز.

***

164

الفصل الثاني: اجتماع الأمر و النهي‏

هل يجوز اجتماع الأمر و النهي، أو لا؟

نقدِّم توضيحاً للبحث أُموراً:

الأمر الأوّل: تحرير محلّ النزاع‏

لا شكّ أنّ للأمر إضافة إلى الآمر أوّلًا، و إلى المأمور ثانياً، و إلى المأمور به ثالثاً. كما أنّ للنهي إضافة إلى الناهي أوّلًا، و إلى المنهيّ ثانياً، و إلى المنهي عنه ثالثاً.

و لا شكّ أنّه يمتنع اجتماع الأمر و النهي عند اتحاد الجهات الثلاث بضميمة وحدة أمر رابع و هو زمان الامتثال و هذا ما يسمّونه بالاجتماع الآمري، لا لأجل أنّه تكليف بالمحال، بل لأنّه تكليف محال. و الفرق بين التكليف بالمحال و التكليف المحال واضح، فانّه إذا كان نفس المكلّف به، أمراً محالًا كالجمع بين الضدّين أو النقيضين لا تتعلّق به الإرادة الجدّية، فيكون نفس التكليف محالًا كما إذا قال: تحرك و لا تتحرك. و أمّا إذا كان المكلّف به أمراً سائغاً في حدّ نفسه و لكن كان هناك قصور في قدرة المكلّف عن الإتيان به، فانّه يكون من التكليف بالمحال، و هذا مثل الأمر بالطيران في الهواء، أو الأمر بإنقاذ الغريقين مع عدم قدرة المكلّف إلّا على إنقاذ غريق واحد. و هذا لا ينافي القول بأنّ مرجع التكليف بالمحال إلى كون نفس التكليف محالًا، فإنّ الاتحاد في المرجع و المآل، غير الاتحاد في الشكل و الصورة.

165

و أمّا إذا كان هناك اختلاف في واحدة من هذه الجهات، كأن يكون المبعوث إليه، مغايراً للمزجور عنه، كما لو كانا متباينين بحيث لا يتصادقان أبداً، كالصلاة و النظر إلى الأجنبية، أو يكون المبعوث (المكلّف) غير المزجور، أو يكون الآمر غير الزاجر، فلا يعدّ التكليف محالًا، و لا يمتنع اجتماع الأمر و النهي.

و إنّما الكلام في مورد آخر أعني ما يسمّونه بالاجتماع المأموري، و هو ما إذا كان المبعوث إليه مغايراً للمزجور عنه مفهوماً و لكنّهما ربّما يتصادقان في بعض الموارد، كالصلاة و الغصب. و بعبارة أُخرى: تكون بين المتعلّقين نسبة العموم و الخصوص من وجه، فيقع الكلام في أنّه هل يجوز للآمر أن يأمر بالصلاة على الإطلاق و ينهى عن الغصب على الإطلاق أو لا يجوز؟

اختلفوا في ذلك على قولين:

1 قول بالجواز، لأنّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي، فيخرج عن كونه تكليفاً محالًا.

2 و قول بالامتناع، لأنّ مقتضى الإطلاق جواز اجتماعهما في مورد خاص، و عندئذ يدخل تحت القاعدة المتقدّمة لوحدة المكلِّف و المكلَّف و مورد التكليف، بضميمة وحدة الزمان، فلا مناص عن الإبقاء على أحد الإطلاقين و رفض الآخر، لأنّ مرجع ذلك الاجتماع، إلى الاجتماع الآمري حيث إنّ مفاد إطلاق قوله:» صلّ «أي و لو في الدار المغصوبة، و قوله» لا تغصب «أي و لو في حال الصلاة، فعلى القول بالاجتماع يلزم كون الصلاة في الدار المغصوبة واجبة و محرّمة، و أن يكون الموضوع الواحد محكوماً بحكمين و هذا هو الاجتماع الآمري مآلًا و إن لم يكن بدءاً.

فتلخص ممّا تقدّم أنّه لا يجوز الاجتماع إذا كان بين المتعلّقين نسبة التساوي، و يجوز إذا كان بينهما تباين، و إنّما الخلاف فيما إذا كان بينهما عموم و خصوص من وجه.

166

الأمر الثاني: هل النزاع كبروي أو صغروي؟

الظاهر من عنوان البحث في كتب الأُصوليين أنّ النزاع كبرويّ، و هو أنّه: هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد بعنوانين، أو لا؟

و لكن صاحب الكفاية و غيره ذهبوا إلى أنّ النزاع صغروي و أنّه: هل هو من قبيل اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد أو لا، فمن قال بأنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون، و أنّ كلًّا من الصلاة و الغصب موجود بوجود خاص، فقد قال بالجواز، لأنّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي، و لأنّ الأمر لا يسري إلى ما تعلّق به النهي. و من لم يقل بذلك، فقد قال بالامتناع، لأنّ النهي يسري من متعلّقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به في الخارج، فيلزم انطباق المأمور به على المنهي عنه فعلًا.

و لا يخفى أنّ تصوير النزاع على ما ذكر، لا ينطبق على ما اختاروه من كون متعلّق الأوامر و النواهي هو المفاهيم الكلية و ليس الموجود الخارجي متعلّقاً للأحكام، لأنّ الخارج ظرف السقوط و الامتثال، لا ظرف التعلّق و العروض، فلو كان النزاع صغروياً لكانت النتيجة: هل الخارج من مصاديق الاجتماع أو لا؟ فيلزم أن يكون متعلّق الأحكام هو الأفعال الخارجية، و هو خلف.

و الظاهر أنّ النزاع كبروي، حسب ما يعطيه عنوان الباب في الكتب الأُصولية، و أنّ النزاع في أنّه:

هل يجوز الأمر بشي‏ء و النهي عنه بعنوانين، أعني ما يفترقان تارة و يجتمعان أُخرى، و هل التصادق في مورد، مانع عن صحّة التكليفين و الأخذ بالإطلاقين، أو لا.

فالقائل بالجواز يقول إنّ الحيثية الصلاتية غير الحيثية الغصبية، و أنّ إحداهما متعلّقة الأمر و الأُخرى متعلّقة النهي، فلا يكون التصادق في مورد مانعاً،

167

بعد كون المتعلّقين متغايرين.

كما أنّ القائل بالامتناع يقول إنّ مقتضى الإطلاق، جواز اجتماعهما في مورد و كون الصلاة في الدار المغصوبة محكوماً بحكمين مختلفين، فعند ذلك تجتمع شرائط الامتناع من وحدة المكلِّف و المكلَّف و المكلّف به مع وحدة الزمان فلا يجوز الأمر و النهي بشي‏ء بعنوانين فلا محالة يجب تقييد أحد الإطلاقين بالآخر و يكون روح النزاع في أنّ التصادق في مورد هل هو مانع من التكليفين أو ليس بمانع. و لأجل ذلك اختار سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه أنّ الأولى في عنوان البحث أن يقال: هل يجوز اجتماع الأمر و النهي على عنوانين متصادقين على واحد في الخارج أو لا. (1) و الذي يمكن أن يقال هو أنّ أدلّة المجوزين مختلفة، فإنّ مقتضى بعض الأدلّة أنّ النزاع صغروي، و مقتضى بعضها الآخر، أنّ النزاع كبروي، فالمحقّق النائيني و من تبعه، يستدلّون على الجواز من أنّ التركيب بين المبادئ انضمامي لا اتحادي فحيثية الصلاة من الخارج غير حيثية الغصب فيه فكلّ حيثية خارجية، يتحمّل حكمها، لا حكم حيثية أُخرى فعليه يكون النزاع صغروياً و هو ببيانه، يثبت أنّه ليس هنا أيّ اجتماع.

و ربّما يلوح من بعض الأدلّة أنّ النزاع كبروي كما عرفت من أنّ متعلّق الأحكام طبائع كلية فهي متغايرة.

نعم، يمكن عقد النزاع في الصغرى، لكن لا بالمعنى الذي ذكره المحقّق الخراساني، بل بما ذكرناه، و هو أنّ الأُصوليين لمّا تسالموا على أنّه إذا كان هناك وحدة في المكلِّف و المكلَّف و المكلّف به و الزمان، يمتنع اجتماعهما، و يسمّونه بالاجتماع الآمري. و لكنّهم اختلفوا في أنّه لو اتّحدا في جميع الجهات إلّا في المتعلّق، و كان متعلّق أحدهما غير الآخر، و كان مقتضى إطلاقهما جواز جمعهما في مورد

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 377/ 1.

168

واحد، فالاجتماعي يمنع من دخول المسألة تحت المسألة الأُولى محتجّاً باختلاف المسألتين في المتعلّق، و الامتناعي يقول بأنّ مقتضى إطلاقهما جواز جمعهما في مورد واحد فيلزم اجتماع البعث و الزجر في شي‏ء واحد فيكون من صغريات المسألة السابقة.

الأمر الثالث: ما هو المراد من الواحد في عنوان المسألة؟

ما هو المراد من» واحد «في قولهم: هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في واحد أو لا، هل المراد منه الواحد الشخصي، أو المراد الواحد النوعي كالصلاة و الغصب، أو الواحد الجنسي كالحركة بالنسبة إلى الصلاة و الغصب؟ نقل عن العضدي أنّه اختار الوجه الأوّل و أنّ المراد الوحدة الشخصية و أمّا الواحد بالوحدة الجنسية فلا نزاع في جواز الاجتماع فيه كما في السجود فانّه مأمور به إذا كان للّه تعالى و منهيّ عنه إذا كان للصنم.

و ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المراد هو الأعم من الواحد الشخصي و النوعي و الجنسي. قال:» المراد منه مطلق ما كان ذا وجهين و مندرجاً تحت عنوانين بأحدهما كان مورداً للأمر و بالآخر للنهي فيعمّ الواحد الشخصي الذي له عنوانان كالصلاة في الدار المغصوبة و الواحد النوعي مثل عنوان:» الصلاة في المغصوب «أو الواحد الجنسي كالحركة المعنونة بالصلاتية و الغصبية.

ثمّ أضاف أنّ الغرض من الإتيان بلفظ الواحد، إخراج ما إذا تعدد متعلّق الأمر و النهي و لكن لم يجتمعا وجوداً و لو جمعهما واحد مفهوماً كالسجود للّه و السجود للصنم، لا لإخراج الواحد الجنسي أو النوعي. (1) يلاحظ عليه: أنّ لازم كلامه استعمال لفظ» واحد «في العنوان في معنيين،

____________

(1)- كفاية الأُصول: 233/ 1 234.

169

لغايتين، فتارة أُريد منه مطلق الواحد الأعم من الشخصي و النوعي و الجنسي، ليدخل الجميع و لا يخرج مثل الأمر بالصلاة في المغصوب بوجه كلي أو الحركة المأمور بها لأجل الصلاة و النهي عنها لأجل الغصب و أُخرى أُريد منه الواحد الشخصي، حتى يخرج مثل السجود للّه و للصنم، حيث لا يجتمعان وجوداً في مصداق واحد.

و الأولى أن يقال إنّ المراد من الواحد هو الواحد الشخصيّ و لكنّه ليس متعلّقاً للتكليف، بل المتعلّق للتكليف، طبيعتان مختلفتان باسم الصلاة و الغصب، و أمّا الواحد الشخصي فهو ممّا يتصادق عليه العنوانان و يتمثلان فيه أو ينتهي إليه الأمر و النهي في مقام الامتثال. و على هذا يكون المراد منه هو الواحد الشخصي و حاصل الكلام أنّ انطباق المتعلّقين الكليين على مصداق واحد شخصي هل يمنع عن الأمر بأحدهما و النهي عن الآخر على الوجه الكلي أو لا؟ و بعبارة أُخرى، هل التصادق مانع عن الأخذ بالإطلاقين معاً حتّى يكون الحقّ مع الامتناعي، أو غير مانع حتى يكون الحقّ مع الاجتماعي؟

الأمر الرابع: ما هو الفرق بين المسألتين؟

ما هو الفرق بين هذه المسألة و ما سيأتي من دلالة النهي على الفساد في العبادات و عدمها؟

الظاهر أنّ المسألتين متمايزتان جوهراً و ذاتاً، لا وجه اشتراك بينهما حتّى نبحث عن وجه الامتياز و ذلك:

أوّلًا: لوجود الاختلاف في ناحية الموضوع نبّه به صاحب الفصول لا في هذا المقام بل في مبحث دلالة النهي على الفساد في العبادات و عدمها و قال ما هذا لفظه:» إنّ النزاع هناك (أي مبحث اجتماع الأمر و النهي) فيما إذا تعلّق الأمر

170

و النهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة و إن كان بينهما عموم مطلق‏ (1) و هنا (دلالة النهي على الفساد) إذا اتحدتا و تغايرتا بمجرّد الإطلاق و التقييد فإنّ الأمر تعلّق بالمطلق و النهي بالمقيّد «. (2) و ثانياً: الاختلاف في ناحية المحمول فانّ المحمول في المقام هو جواز الاجتماع أو جواز الأمر بشي‏ء و النهي عنه، بخلاف المسألة الآتية فانّ المحمول هو الدلالة على الفساد أو عدمها.

و ثالثاً: انّ البحث في المقام عن الجواز و الاستحالة و إن شئت قلت عن الجواز و الاستحالة العقليين بخلاف المقام الآتي فالبحث هناك عن الحكم الوضعي أي الصحّة و الفساد.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ذهب إلى أنّ الفرق بين المسألتين من جهة تعدّد الغرض و الجهة المبحوث عنها. فإنّ الغرض من عقد المسألة الأُولى هو أنّ تعدد العنوان في الواحد يوجب تعدّد متعلّق الأمر و النهي بحيث يرتفع به غائلة استحالة الاجتماع في الواحد بوجه واحد، أو لا يوجبه، بل يكون حاله حاله. فالنزاع في سراية كلّ من الأمر و النهي إلى متعلّق الآخر، لاتحاد متعلّقيهما وجوداً، و عدم سرايته، لتعدّدهما وجهاً، و هذا بخلاف الجهة المبحوث عنها في المسألة الثانية، و هي كون النهي بعد فرض تعلّقه بالعبادة موجباً للفساد أو لا. (3) و إن شئت قلت: إنّ البحث في الأُولى، بحث في الصغرى و أصل التوجّه، و البحث في المسألة الثانية بحث في الكبرى و أنّه بعد تسليم التوجّه، هل هو موجب للفساد أو لا؟ فمن قال في الأُولى بالامتناع و تقديم النهي فقد أثبت‏

____________

(1)- أي من غير فرق بين كون النسبة بين المتعلقين، هي العموم و الخصوص من وجه كما في مورد الصلاة و الغصب أو العموم و الخصوص المطلق بشرط كونهما مفهومين متغايرين كما إذا قال: أكرم الناطق، و لا تكرم الشاعر.

(2)- كما إذا قال: صلّ و لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه. لاحظ الفصول: 141.

(3)- لاحظ كفاية الأُصول: 234/ 1.

171

صغرى لكبرى المسألة الثانية. و هذا حاصل كلامه.

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الاختلاف في الغرض و الأثر، فرع الاختلاف الجوهري بين المسألتين، إذ لا معنى لترتّب أثرين مختلفين على المسألتين مع عدم اختلافهما في الذات و الجوهر، و على ذلك يحصل التمايز الجوهري قبل الجهة و الأثر المقصود.

و ثانياً: قد عرفت أنّ عنوان المسألة ليس كما ذكر من أنّ تعدد العنوان هل يوجب تعدد المعنون أو لا؟ و أنّ حكم الأمر هل يسري إلى متعلّق النهي و بالعكس أو لا؟ حتى يكون البحث في إحداهما عن الصغرى و في الأُخرى عن الكبرى، بل عنوان المسألة في كتب القوم: هل يجوز اجتماع الأمر و النهي أو لا؟ و هل يجوز الأمر بشي‏ء و النهي عن شي‏ء آخر يختلفان مفهوماً و يتصادقان أحياناً أو لا؟ و هل التصادق في مورد مانع أو لا؟ و على هذا فلا يكون لما ذكره من كون التمايز بالغرض وجه.

الأمر الخامس: في كون المسألة أُصولية أو عقلية

الظاهر أنّ المسألة أُصولية، لوجود ملاكها فيها، و هو صحّة وقوع نتيجتها كبرى للاستنباط، فإنّه على القول بالاجتماع و عدم سقوط شي‏ء من الحكمين، تترتب عليه الصحّة إذا تمشى منه قصد القربة، كما أنّه على القول بالامتناع و تقديم جانب الأمر، تترتّب الصحّة أيضاً. و لو قلنا بتقديم النهي، يترتّب عليه الفساد، لأنّ المنهيّ عنه لا يكون مقرّباً. نعم هي مسألة عقلية أُصولية، لا نقلية، و سيوافيك بيان عقليّتها.

و أشكل المحقّق النائيني على كون المسألة أُصولية بأنّ فساد العبادة لا يترتّب على صرف القول بالامتناع، بل القول بالامتناع يوجب دخول دليلي الوجوب و الحرمة في باب التعارض و إجراء أحكامه عليهما، و يستنبط من ذلك‏

172

حكم فرعي. (1) توضيحه: أنّ القول بالامتناع في المسألة يبتني على سراية النهي من متعلّقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به. فلا محالة تقع المعارضة بين دليلي حكمي الوجوب و الحرمة، و لا محالة يكون أحد الدليلين كاذباً في مورد الاجتماع، لاستحالة أن تكون الصلاة عندئذ مصداقاً للمأمور به و المنهي عنه، فإذن، لا بدّ من الأخذ بمدلول أحد الدليلين و رفع اليد عن الدليل الآخر. فإذا كان مقتضى القواعد هو رفع اليد عن الوجوب و تقديم الحرمة، فيترتّب عليه الفساد.

و على ذلك، ففساد العبادة لا يترتّب على القول بالامتناع فحسب، بل لا بدّ من إعمال قواعد التعارض و تطبيقها في المسألة لا مطلقاً.

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ كون المسألة مسألة أُصولية، لا يستلزم أن يترتّب عليها أثر على كلا التقديرين، بل يكفي ترتّب الأثر و لو على تقدير واحد، فقد عرفت أنّ الصحّة تترتّب على القول بالاجتماع و هذا يكفي في كونها مسألة أُصولية و إن كان ترتّب الفساد على القول بالامتناع محتاجاً إلى إعمال قواعد أُخرى من قواعد باب التعارض.

أ لا ترى أنّ حجّية خبر الواحد من المسائل الأُصولية، مع أنّ الأثر و هو وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط يترتّب على أحد الشيئين، و هو القول بالحجّية، لا على القول بعدمها.

و ثانياً: أنّ الحكم الفرعي لا ينحصر بالصحّة و الفساد، بل هناك حكم فرعي آخر يترتّب على كلا القولين. فعلى القول بالاجتماع، يتّصف المجمع بالوجوب و الحرمة، و على القول بالامتناع، يتّصف بأحدهما أو بثالث و إن لم نعلمه بعينه. كلّ ذلك من دون إعمال قواعد باب التعارض.

____________

(1)- أجود التقريرات: 334/ 1، لاحظ فوائد الأُصول: 399/ 1 فقد بسط الكلام في تبيين المقصود.

173

و ثالثاً: لا يشترط في كون المسألة أُصولية، كونها سبباً تاماً للاستنباط و إلّا لخرجت مسألة حجّية الخبر الواحد عن كونها أُصولية، لأنّ مجرّد إثبات حجيته لا يُستنبط منه الحكم الشرعي، ما لم تنضمّ إليه مسألة أُخرى أُصولية و هي حجّية الظواهر. كما لا يخفى.

إذا تبيّن أنّ المسألة أُصولية، فاعلم أنّها مسألة أُصولية عقلية بحتة، و لا يختصّ البحث فيها بما إذا كان الأمر و النهي مفاد اللفظ، و إن كان التعبير بالأمر و النهي الواردين في عنوان المسألة يوهم ذلك، لما عرفت من أنّ البحث على مسلك القدماء في أنّه إذا تعلّق الأمر بشي‏ء و النهي بشي‏ء آخر و تصادقا في مورد، فهل يوجب ذلك تعلّق الأمر بنفس ما تعلّق به النهي حتى يكون من قبيل ما إذا كان متعلّقهما واحداً من أوّل الأمر أو لا؟ و مثل هذا البحث يجري حتّى فيما إذا لم يكن الإيجاب و التحريم مدلولين للّفظ.

كما أنّ البحث على مبنى المتأخّرين هو في سراية حكم أحد المتعلّقين إلى ما انطبق عليه الآخر، و عدم سرايته، و مثل ذلك لا يفرق فيه بين العقل و العرف و إن كان الثاني هو المرجع في تعيين المفاهيم، إلّا أنّه ليس هنا شكّ متعلّق بها حتى يتّبع نظره.

و تصوّر أنّ الامتثال أمر عرفي فلا يرى العرف مانعاً من عدّ إتيان المجمع امتثالًا من وجه و عصياناً من وجه آخر، مدفوع بأنّ الامتثال أمر عقلي، لا عرفي أوّلًا، و أنّ لازمه جواز الاجتماع عرفاً لا امتناعه كما هو المدّعى، ثانياً.

و بذلك يعلم أنّه لا وجه للقول بالجواز عقلًا و الامتناع عرفاً، لما عرفت من أنّ المسألة عقلية و أنّ ملاك البحث هو أنّ تعدد متعلّقي الأمر و النهي يكفي في رفع الغائلة، أو أنّ تصادقهما في مورد يوجب تعلّق الأمر بنفس ما تعلّق به النهي.

174

1 دراسة آراء أُخرى في المسألة

قد عرفت أنّ مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي و عدمه، مسألة أُصولية عقلية بحتة، و هاهنا آراء أُخرى في تبيين ماهية المسألة و واقعيتها، نطرحها على طاولة البحث واحداً بعد الأُخرى.

1 إنّها مسألة كلامية ربما يقال إنّها مسألة كلامية باعتبار أنّه يبحث فيها عن جواز اجتماع حكمين في مورد واحد أو استحالته و بما أنّ الأمر و النهي من الأُمور الواقعية يصحّ البحث عن جواز اجتماعهما و امتناعه. (1) و أورد عليه المحقّق النائيني بأنّ علم الكلام هو العلم المتكفّل لبيان حقائق الأشياء من واجباتها و ممكناتها و ممتنعاتها، و منشأ التوهم ظاهر عنوان المسألة حيث يبحث عن جواز اجتماع الأمر و النهي و امتناعه فتخيل كون البحث راجعاً إلى مسألة كلامية و لكن واقع البحث في وجود الاجتماع و عدمه لا عن جوازه و امتناعه. (2) يلاحظ عليه: أنّ علم الكلام هو العلم الباحث عن ذاته سبحانه و صفاته و أفعاله حتى أنّ البحث عن وجوب بعث الأنبياء و نصب الإمام و إحياء الناس يوم القيامة يرجع إلى البحث عن أفعاله سبحانه، و ليس البحث عن حقائق الأشياء بما هو هو من وظيفة المتكلّم أو علم الكلام، و إن كان ربّما يبحث عنه فيه، استطراداً.

و الأولى أن يقال: إنّ مقتضى ما ذكر من الدليلين أعني البحث عن جواز

____________

(1)- أجود التقريرات: 332/ 1.

(2)- الكاظمي: فوائد الأُصول: 399/ 1.

175

الاجتماع أو استحالته، يجعل المسألة عقلية لا كلامية و الملاك في كون المسألة كلامية رجوع البحث إلى البحث عن ذاته تعالى و صفاته و أفعاله.

و لو أردنا جعلها في عداد المسائل الكلامية، لوجب عقد المسألة على غير ما هو المتعارف، بأن يقال: هل يجوز أن يصدر منه تعالى أمر و نهي بشي‏ء واحد باعتبار عنوانين أو لا؟ و هو يستلزم تغيير عنوان المسألة، بينما الملاك في جعل المسألة من علم ما، هو جعل مصبّ عنوانها الموجود في الكتب، لا تغييرها عن أصلها.

2 إنّها من المبادئ الأحكامية

و قد يقال إنّها من المبادئ الأحكامية حيث إنّها يبحث فيها عن أحوال الحكم و أوصاف الوجوب و الحرمة و أنّهما هل يجتمعان في شي‏ء واحد أو لا.

و أورد عليه المحقّق الخوئي، بأنّ مبادئ الأحكام راجعة إلى المبادئ التصورية أو المبادئ التصديقية و ذلك لأنّه إن أُريد تصوّر نفس الأحكام كالوجوب و الحرمة و نحوهما فهو من المبادئ التصورية (لعلم الفقه) لأنّه لا يعنى من المبادئ التصورية إلّا تصوّر الموضوع و المحمول (و هنا الأخير) و إن أُريد منها ما يوجب التصديق بثبوت حكم أو نفيه فهي من المبادئ التصديقية (لعلم الفقه)، (و علم الأُصول كلّه مبادئ تصديقية لعلم الفقه و بفضل هذه المسألة نجزم بحكم الصلاة في الدار المغصوبة). (1) يلاحظ عليه: أنّ المبادئ الأحكامية من اصطلاحات القدماء في خصوص علم الفقه و المراد منها لا هذا و لا ذاك بل البحث عن ملازمات الأحكام، كالبحث عن اقتضاء الوجوب، وجوب مقدّمة الواجب أو حرمة ضدّه. و البحث‏

____________

(1)- الخوئي: المحاضرات: 178/ 4.

176

هنا عن استلزام وجوب الشي‏ء لعدم حرمته، أو استلزام حرمته، لعدم وجوبه أو عدم استلزامها له.

فالبحث في تلك الأُمور هو بحث عن لازم حكم واحد، و في مقامنا هو بحث عن لازم حكمين.

و إن شئت قلت: البحث عن عوارض نفس الأحكام، فعلم الفقه يبحث عن عوارض فعل المكلّف مثلًا، و المبادئ الأحكامية بحث عن حالات عوارض فعل المكلّف.

نعم يرد على هذا القول أنّ الملاك في جعل مسألة من باب، هو وجود الملاك في المسألة حسب عنوانه في الكتب، و هو هنا قولهم: هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد أو لا. و جعلها من المبادئ الأحكامية يستلزم تغيير ذاك العنوان.

مع أنّ المطاردة لا تختصّ بالوجوب و الحرمة، بل هي موجودة بين جميع الأحكام في حين أنّ البحث في المقام مختص بجواز اجتماع الوجوب و الحرمة. اللهمّ إلّا أن يعمّم البحث إلى الكراهة و الاستحباب، فلاحظ.

3 إنّها مسألة فقهية

و جعل بعضهم مسألة جواز الاجتماع أو امتناعه من المسائل الفقهية، قائلًا بأنّ البحث عن صحّة الصلاة مثلًا و فسادها عند الإتيان بها في المكان المغصوب.

يلاحظ عليه: أنّ الصحّة و الفساد من آثار المسألة و ليسا من متنها بشي‏ء. و المحمول في المسألة هو جواز الاجتماع و عدمه من غير اختصاص بباب الصلاة.

177

4 إنّها من المبادئ التصديقية

و هذه النظرية، خيرة المحقّق النائيني (قدس سره) و قد انتقل إليها ممّا أورده على القول بأنّها مسألة أُصولية حيث ردّ عليها بأنّ فساد العبادة لا يترتّب على القول بالامتناع مباشرة، بل القول بالامتناع يوجب دخول دليلي الوجوب و الحرمة في باب التعارض، و إجراء أحكامه عليهما ليستنبط من ذلك حكم فرعي.

و المسألة الأُصولية عبارة عمّا تترتّب عليها نتيجة فرعية بعد ضمّ صغرى نتيجة تلك المسألة إليها، و ليس ذلك متحقّقاً في ما نحن فيه.

فإذاً ليس للمسألة دور إلّا أنّ القول بالامتناع، يحقّق موضوعاً للتعارض كما أنّ القول بالاجتماع يحقّق موضوعاً للتزاحم، و من المعلوم أنّ البحث عن أحكام التعارض و التزاحم مسألة أُصولية، فيكون البحث عن أحكام التعارض و التزاحم أُصولية، لكنّ البحث عن وجود التعارض أو التزاحم بحث عن المبادئ التصديقية. (1)» فالانصاف أنّ البحث في المسألة أشبه بالبحث عن المبادئ التصديقية لرجوع البحث فيه إلى البحث عمّا يقتضي وجود الموضوع لمسألة التعارض و التزاحم «. (2) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ المبادئ التصديقية عبارة عن المقدّمات التي يتوقّف عليها الجزم بالنسبة الموجودة في مسائل العلم كعلم الأُصول بالنسبة إلى الفقه، و كالبراهين الهندسية بالنسبة إلى مسائل علم الهندسة و أمّا البحث عن وجود موضوع العلم أو موضوع المسائل فهو من المبادئ التصورية، فإن كان مرجع مسألة جواز الاجتماع و امتناعه إلى البحث عن وجود موضوع العلم أو المسائل فتكون من المبادئ التصورية لعلم الأُصول لا من المبادئ التصديقية.

____________

(1)- أجود التقريرات: 333/ 3341.

(2)- فوائد الأُصول: 400/ 1.

178

و ثانياً: أنّ الظاهر من كلامه أنّ القول بجواز الاجتماع يدخل المسألة في باب التزاحم، و القول بالامتناع يدخلها في باب التعارض، مع أنّ الحقّ كما سيوافيك غير ذلك و هو أنّه على القولِ بجواز الاجتماع لا تعارض و لا تزاحم، و أمّا على القول بالامتناع، فتدخل المسألة في باب التزاحم، لا التعارض لأنّ الأوّل عبارة عن مطاردة الدليلين في مقام الامتثال مثل أنقذ هذا الغريق، و أنقذ ذاك الغريق.

فالدليلان صحيحان جعلًا و إنشاءً، متنافيان امتثالًا أي يصحّ إنشاء كليهما، و العجز أمر طارئ على المكلّف، و الثاني عبارة عن مطاردة الدليلين في مقام الجعل و الإنشاء كقوله: ثمن العذرة سحت، و قوله: لا بأس بثمن العذرة فهما متعارضان في مقام الجعل، و لا يصحّ للحكيم جعلهما. و المقام من مصاديق الأوّل دون الثاني، للعلم بصحّة الدليلين و صدورهما، و إنّما المطاردة في مقام الامتثال و هي مستندة إلى سوء اختيار المكلّف، فانتظر لما سيوافيك تفصيله.

الأمر السادس: في عمومية النزاع للنفسي و العيني و التعييني و مقابلاتها

هل النزاع يختصّ بالإيجاب و التحريم النفسيين، العينيين، التعينيين كما عليه صاحب الفصول أو يعمّ غيرها مثل الغيريين و الكفائيين و التخييريين؟

أقول: إنّ هنا مقامين:

الأوّل: إذا صدر أمر أو نهي من المولى و شككنا في أنّهما نفسيّان أو غيريّان، عينيان أو كفائيان تعيينيّان أو تخييريّان، فقد سبق أنّه يحمل على النفسي العيني التعييني، بمقتضى مقدّمات الحكمة فإنّ غيرها يحتاج إلى بيان زائد في مقام الإثبات دونها و إن كان الكلّ محتاجاً إليه في مقام الثبوت على ما مرّ بيانه في الأوامر.

الثاني: إذا أحرزنا أنّ هنا أمراً غيرياً و نهياً غيرياً، فهل يمكن اجتماعهما في‏

179

مورد له وجهان، و مصداق له عنوانان، أو لا؟ و من المعلوم أنّه قابل للبحث مثل النفسيين، لأنّ أدلّة كلّ من القائل بالامتناع و الاجتماع جار فيه.

أمّا القائل بالامتناع فتارة يستدل، بتضادّ الأحكام الخمسة، و أُخرى بتضاد مباديها أعني الإرادة و الكراهة و ثالثة بأنّ تعدّد العنوان لا يوجب تعدد المعنون، فهذه الأدلّة الثلاثة كما تجري في النفسي، تجري في الغيري كما لا يخفى فلا وجه لتخصيص النزاع بالنفسي و بالعيني و بالتعييني.

كما أنّ دليل القائل بالاجتماع جار في جميع الأقسام و حاصل دليله أنّ متعلّق الأحكام هو الطبائع، فمتعلّق كلّ من الأمر و النهي مغاير للآخر، نعم، يجب أن يكون كلّ واحد من الأقسام جامعاً لشرائط النزاع، بأن يتعلّق النهي بغير ما تعلّق به الأمر عنواناً، و إن اتحدا انطباقاً و مصداقاً، كالتوضؤ بالماء المغصوب، أو الغسل به، أو التيمم بالتراب المغصوب، فالأمر تعلّق بأحد هذه العناوين الثلاثة، أعني التوضؤ و الغسل و التيمم و النهي تعلّق بالغصب. نعم الأمر في المثال غيري و النهي نفسي و لا مناقشة في المثال.

و بالجملة يجب أن يكون في المورد موضوعان و عنوانان تقييديان، يكون المعنون بأحدهما واجباً، و بالآخر حراماً، فيدخل الإيجاب و التحريم الكفائيان أيضاً كالغيريين، فإنّ ملاك النزاع موجود هنا و أدلّة الطرفين جارية فيهما بلا خلاف، من غير فرق بين أن يفسّر بمثل ما فسّرناه بتعلّقه بآحاد المكلّفين، أو بتعلّقه بالجامع بينهما. كما يدخل التخييريان، منهما، مثل ما إذا أمر بالصلاة و الصوم تخييراً و نهي كذلك عن التصرف في الدار و مجالسة جماعة، فصلّى فيها مع مجالستهم فإنّ أدلّة الطرفين جارية فيهما أيضاً، فيكون مثل ما لو أمر بالصلاة تعييناً و نهى عن الغصب كذلك.

نعم لو صلّى في الدار المغصوبة، مع عدم مجالستهم، أو صلّى في غيرها مع مجالستهم، و مثله الصوم، إذا صام، في الدار المغصوبة بلا مجالستهم، أو صام‏

180

معهم بلا تصرف في الدار، فقد أتى بالواجب و لم يأت بالحرام، لأنّ الحرام هو الجمع بين التصرف في الدار و المجالسة و المفروض أنّه أتى بواحد منهما.

و منه يعلم عدم صحّة التمثيل بما إذا نذر أن يصلّي أو يصوم، و نذر أن يترك الصلاة، إمّا في الحمام أو البادية فصلّى في أحدهما، أو صام في أحدهما، فإنّ المجمع عندئذ واجب و ليس بحرام.

الأمر السابع: في أخذ قيد المندوحة في عنوان النزاع‏

ربّما يؤخذ في عنوان النزاع، قيد المندوحة (1) و الفسحة في الامتثال فهل يعتبر أخذها أو لا؟ فيه أقوال:

1 اعتبارها كما عليه صاحب الفصول‏ (2).

2 عدم اعتبارها فيما هو محطّ البحث كما عليه المحقّق الخراساني.

3 التفصيل بين ما حصل الاجتماع بسوء الاختيار، فلا يعتبر، و ما إذا حصل بدونه فيعتبر كما عليه المحقّق القمي. (3) استدل القائل بالاعتبار بأنّه لولاها لزم التكليف بالمحال و أنّ الإطلاق إنّما هو للاتّكال على الوضوح و إليك نصّ الفصول» و إن اختلفت الجهتان و كان للمكلّف مندوحة في الامتثال فهو موضع النزاع و من ترك القيد الأخير فقد اتكل على الوضوح لظهور اعتباره «.

استدل المحقّق الخراساني بأنّه لا تأثير لها فيما هو المبحوث عنه في المقام، لأنّ البحث ممحض في لزوم المحال و عدمه، فالقائل بالامتناع يقول بأنّ القول‏

____________

(1)- من قولهم ندح الشي‏ء: وسعه، و المندوحة و المنتدح السعة و الفسحة.

(2)- محمد حسين الغروي: الفصول: 126.

(3)- أبو القاسم القمي، القوانين: 53/ 541.

181

بالاجتماع يستلزم المحال، و هو لزوم اجتماع الحكمين المتضادّين. و كون المورد موجّهاً بوجهين، لا يرفع الغائلة.

كما أنّ القائل بالاجتماع ينكر لزوم المحال، و يقول بأنّ تعدّد العنوان يجدي في المقام.

فإذا كان البحث ممحضاً في ذلك، فوجود المندوحة و عدمها غير مؤثّر في صلب البحث. فسواء أ كانت هناك مندوحة أم لا، فالقائل بالامتناع يقول به مطلقاً، و الاجتماعي يقول بجوازه كذلك.

نعم، يشترط في فعلية التحريم وجود المندوحة، كما يشترط في فعليته غيرها من العقل و البلوغ. فلا غبار في شرطيتها في فعلية الحكم سواء أ كان هناك اجتماع أو لا. (1) و بعبارة أُخرى هنا مشكلتان:

إحداهما: لزوم التكليف المحال، إذا حمل على الموضوع الواحد حكمان متضادان.

ثانيهما: التكليف بالمحال إذا لم تكن هناك مندوحة و المهمّ في المقام هو المشكلة الأُولى، و حلّها لا يتوقف على اعتبار المندوحة و عدمها بل على كون تعدد العنوان موجباً لتعدد المعنون أو لا، سواء كانت هناك مندوحة أو لا.

و ربّما يقال: بالتفصيل بين كون النزاع في المقام صغروياً و أنّه هل هناك اجتماع للأمر و النهي في شي‏ء واحد أو لا، فيكون اشتراط وجود المندوحة أجنبياً عن البحث، لأنّ النزاع مبني على أنّ تعدّد العنوان هل يجدي في تعدد المعنون أو لا؟ و بين كونه كبرويّاً و أنّه هل يجوز اجتماع حكمين فعليين في مورد واحد باعتبار انطباق عنوانين عليه أو لا؟ فلا بدّ من اعتبار قيد المندوحة، لأنّ‏

____________

(1)- لاحظ كفاية الأُصول: 239/ 1، ط المشكيني.

182

فعلية الحكم رهن وجود المندوحة، و إلّا سقط التكليف بالصلاة في المثال، لعدم إمكان امتثالها خارج الدار المغصوبة لعدم المندوحة، و لا فيها، لأنّ الممنوع شرعاً كالممنوع عقلًا. فإذن لا يمكن أن يتوجّه إليه التكليف بالصلاة.

يلاحظ عليه: أنّ الموجب لأخذ هذا القيد ليس اجتماع الحكمين الفعليين في مورد واحد، بل حتى لو لم يكن هناك اجتماع، للزم وجود هذا القيد، لأنّ التكليف ب» لا تغصب «إنّما يصحّ إذا كان المكلّف قادراً على امتثاله (سواء أ كان هناك تكليف بالنسبة إلى الصلاة أم لا) و لا يكون قادراً، إلّا عند وجود الفسحة و السعة، و مع عدمها يسقط ذاك التكليف برأسه.

و بذلك علم أنّه لا صلة بين لزوم وجودها و مسألة الاجتماع سواء أ كان النزاع في الصغرى أم كان في الكبرى، و إنّما الموجب له هو صحّة التكليف بحرمة الغصب و فعليته، سواء أ كان هناك أمر بالصلاة أم لا، حتى أنّ التكليف الواحد لا يصحّ عند العقل إلّا مع وجود المندوحة، كما اتضح ممّا تقدّم.

و أمّا القول الثالث فهو خيرة المحقّق القمي صرّح به في مسألة من توسّط أرضاً مغصوبةً و يريد الخروج منها الّتي سيوافيك الكلام فيها في مختتم هذا البحث، حيث قال: إنّ الخروج مأمور به و منهي عنه، و قال: فإنّهما دليلان يجب إعمالهما و لا موجب للجمع و التقييد، فانّ الموجب للتقييد لو كان هو العقل، فإنّما يقيد إذا دخل دار الغير سهواً فإنّ الأمر بالخروج عنها و النهي عنه موجب للتكليف بما لا يطاق فهو مأمور بالخروج لا غير، و أمّا فيما نحن فيه فانّه و إن كان يلزم تكليف ما لا يطاق أيضاً لكن لا دليل على استحالته إن كان الموجب هو سوء اختياره كما يظهر من الفقهاء في كون المستطيع مكلّفاً بالحجّ إذا أخّره اختياراً و إن فاتت بعدُ استطاعته. (1)

____________

(1)- المحقّق القمي: القوانين، في آخر قانون اختلف العلماء في جواز اجتماع الأمر و النهي: 153 154.

183

و من كلامه هذا يمكن استظهار نظره في المقام و أنّه لا يشترط المندوحة إذا اضطرّ إلى الصلاة في الدار المغصوبة تقصيراً و بسوء الاختيار كما إذا توسّط أرضاً مغصوبة للتنزّه و ضاق الوقت، فالوجوب و النهي كلاهما فعليان، و إن لم يتمكّن من الصلاة في غير المغصوبة في الوقت و لو أخّرها إلى بعد خروج الوقت فهو و إن كان يتمكّن من أدائها في غير الأرض المغصوبة لكنّها تصير عندئذ قضاء، و المفروض وجوب الإتيان بها أداءً بخلاف ما إذا توسّط جبراً و ضاق الوقت للصلاة فالأمر فعلي دون النهي لعدم المندوحة لعدم إمكان الإتيان بالصلاة في وقتها في الأرض المباحة.

يلاحظ عليه: أنّ خطاب المضطرّ و غير المتمكّن من ترك الغصب قبيح سواء كان الاضطرار بسوء الاختيار أم بالإجبار و لا يصحّ التكليف بالمحال لما عرفت من أنّ مرجع التكليف بالمحال إلى كونه محالًا، و كون الاضطرار عن تقصير أو قصور يؤثّر في حسن العقاب في الأوّل دونه في الثاني، لا في حسن الخطاب فإنّ الخطاب بترك الحرام مع عدم تمكّنه قبيح مطلقاً فظهر أنّ وجود المندوحة مطلقاً شرط في فعلية النهي و أنّه لولاها لما صار النهي فعلياً، نعم ليست شرطاً في تجويز الاجتماع أو امتناعه على ما حقّقه المحقّق الخراساني.

الأمر الثامن: هل النزاع مبني على مسألة تعلّق الأحكام بالطبائع أو الأفراد، أو لا؟

هنا أقوال ثلاثة:

1 إنّ القول بجواز اجتماع الأمر و النهي مبني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، و القول بامتناعه مبني على تعلّقها بالأفراد، فيجوز على الأوّل قطعاً، و يمتنع على الثاني كذلك.

184

2 إنّ النزاع في الجواز و عدمه مبني على تعلّقها بالطبائع، و أمّا على القول بتعلّقها بالأفراد، فلا شكّ في الامتناع.

3 إنّه يصحّ تصوير القولين على المبنيين، فيمكن للقائل بتعلّق الأوامر، بالطبائع، أن يقول بجواز الاجتماع كما يمكن أن يقول بامتناعه كما أنّه يمكن للقائل بتعلّقها بالأفراد، أن يكون اجتماعياً، كما يصحّ أن يكون امتناعياً فلا القول بتعلّقها بالطبائع ملازم للقول بالجواز، و لا القول بتعلّقها بالأفراد ملازم للقول بالامتناع بل يصحّ تصوير الفكرتين على كلّ من المبنيين. و إليك البيان.

ردّ القولين الماضيين‏

و حاصل ما أفاده المحقّق الخراساني في ردّ القولين الأوّلين عبارة عمّا يلي:

إنّ القول بجواز الاجتماع أو الامتناع لا يدور على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، أو تعلّقها بالأفراد، بل كلا القولين أمام تجويز الاجتماع أو الامتناع سيّان، بل المدار للتجويز و الامتناع أمر واحد و هو أنّ تعدّد العنوان، موجب لتعدد المعنون أو لا. فلو قلنا بالأوّل، تكون النتيجة هي الجواز سواء قلنا بتعلّق الأحكام بالطبائع أو بالأفراد و إن قلنا بالثاني تكون النتيجة على القولين هي الامتناع لأنّ متعلّقها على القول الأوّل، و إن كان هو الطبائع الكلية، لكن مجرّد القول بتعلّقها بالطبائع لا يلازم الجواز، و ذلك لأنّ الطبيعتين و إن كانتا متغايرتين مفهوماً لكنهما متّحدتان وجوداً و خارجاً فيلزم أن يكون الشي‏ء الواحد، واجباً و حراماً، إلّا إذا قيل بأنّ تعدّد العنوان موجب لتعدد المعنون فالفرد الخارجي، من حيثية خارجية، مصداق للمأمور به، و من حيثية خارجية أُخرى مصداق للمنهي عنه، و لو لا ذلك الدليل، لما يجدي القول بتعلّقها بالطبائع، للزوم اجتماع المتضادّين في مقام الإيجاد و الامتثال إلّا أن يرفع التضادّ، بتعدد الموضوع.

كما أنّ مجرّد القول بتعلّقها بالأفراد لا يلازم الامتناع إذا كانت في الفرد كثرة

185

خارجية، و يكون الموجود الخارجي الموجّه بوجهين، فرداً لكلّ من الطبيعتين و مجمعاً لفردين موجودين بوجود واحد، و يكون بما أنّه مصداق لذاك العنوان، مأموراً به، و بما أنّه مصداق لعنوان آخر، منهيّاً عنه. نعم هناك فرق بين القولين و هو أنّ القائل بتعلّق الأحكام بالطبائع يواجه مشكلة اجتماع المتضادّين بعد مرتبة تعلّق الأحكام و هو مرتبة التحقّق و إيجاد الطبيعة، و القائل بتعلّقها بالأفراد، يواجه المشكلة في نفس مرتبة تعلّقها. فلو كان تعدّد العنوان مجدياً في رفع الإشكال، فيجدي على كلا القولين، و إلّا فلا يجدي عليهما. (1) و لكن الظاهر أنّ أساس التوهم باطل فانّه مبني على تفسير الفرد في المقام بالفرد المنطقي الذي هو عبارة عن الجزئي الخارجي الذي لا ينطبق على كثيرين، و على هذا التفسير الخاطئ في تفسير الفرد توهم أنّ كلًّا من الجواز و الامتناع يبتني على القول بتعلّقها بالطبائع و أمّا على القول بتعلّقها بالأفراد فالمسألة ذات قول واحد و هو الامتناع أو أنّ القول بالجواز مبني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع و القول بالامتناع مبني على تعلّقها بالأفراد.

و لكن الفرد بهذا المعنى، يستحيل، لأن يتعلّق به الأحكام، لأنّ الفرد قبل وجوده الخارجي، ليس فرداً إلّا بالحمل الأوّلي، و بعد وجوده كذلك، و إن كان فرداً بالحمل الشائع لكنّه في هذا الظرف، آية سقوط الأمر لا تعلّقه.

و بذلك يظهر الإشكال فيما أفاده سيّد مشايخنا البروجردي حيث فسر الفرد، بكون كلّ واحد من وجودات الطبيعة بخصوصياته المفرِّدة و عوارضه المشخِّصة، متعلّقاً للحكم ثمّ ذكر أحد القولين بأنّ الفرد بهذا المعنى، أمر وحداني فلا يعقل تعلّق الأمر و النهي به معاً، فالنزاع في المسألة إنّما هو على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع. (2)

____________

(1)- كفاية الأُصول: 240/ 2411.

(2)- نهاية الأُصول: 227.

186

و العجب أنّ المحقّق الخوئي أيضاً فسر الفرد في المقام بهذا المعنى و قال: إنّه الطبيعي المشخَّص بالفرد. (1) و لكنّك عرفت عند البحث عن متعلّق الأحكام في الأوامر أنّ المراد من الفرد في المقام هو المصطلح الأُصولي، أي كون الأعراض و أمارات التشخص بنعت كونها كلية متعلّقة للأمر، مثل نفس الطبائع، فكما أنّ الصلاة مأمور بها، فهكذا تأيّنها بأين، متعلّق للأمر. و عند ذلك لا يُفرّق بين القول بتعلّقها بالطبائع و تعلّقها بالأفراد، إذ المصحّح للجواز على القول الأوّل هو نفسه المصحّح له على القول الثاني، كما أنّ المانع من الجواز على القول الثاني هو نفسه المانع على القول الأوّل.

و بالجملة: القولان يشتركان جوازاً و منعاً، و دليلًا و جواباً.

نعم انّ المحقّق النائيني ممّن تنبّه بالتفسير الصحيح للفرد، و هو كون العوارض بعناوينها الكلية متعلّقة للأمر و النهي لكنّه ذكر وجهاً آخر لابتناء مسألة الجواز و الامتناع، على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع و الأفراد، و حاصل ما أفاده: أنّ النزاع في أنّ الأمر المتعلّق بالطبيعة، هل يتعلّق بمشخصاتها الخارجية أو أنّها من لوازم الوجود و خارجة عن حيّز الأمر؟ فإذا بنينا على تعلّق الأمر بالمشخصات، سواء أ كان الأمر بها استقلالياً أم تبعياً، و كانت نسبة كلّ من المأمور به و المنهيّ عنه، إلى الآخر، نسبة المشخِّصات، فلا محالة يكون كلّ منهما محكوماً بحكم الآخر، فيلزم منه اجتماع الحكمين المتضادّين في موضوع واحد. و أمّا إذا بنينا على خروج المشخصات عن حيّز الطلب، فلا يسري الأمر إلى متعلّق النهي، و لا النهي إلى متعلّق الأمر.

فيكون القول بالجواز أو الامتناع مبنيّاً على القول بتعلّق الأوامر بالطبائع أو الأفراد، بالضرورة. (2)

____________

(1)- المحاضرات: 192/ 4.

(2)- لاحظ أجود التقريرات: 344/ 1 345.

187

و أورد عليه تلميذه المحقّق الخوئي في المحاضرات بأنّ تشخّص كلّ وجود بنفس ذاته و هويته الشخصية لا بوجود آخر، فليست الأعراض الملازمة لهذا الوجود مشخّصة له، ضرورة أنّ تلك الأعراض، و اللوازم أفراد لطبائع شتّى لكلّ منها وجود و ماهية، فيستحيل أن يكون من مشخصاته. و إطلاق المشخص عليها مبني على المسامحة. (1) و الحاصل أنّ تلك الأعراض كما أنّها على القول بتعلّق الأمر بالطبيعة خارجة عن متعلّقه و غير داخلة فيه، غاية الأمر أنّها ملازمة لوجود الطبيعة في الخارج، كذلك على القول بتعلّقه بالفرد، لأنّ تشخّص الفرد بوجوده، لا بوجودات تلك الأعراض الملازمة له خارجاً، فانّها وجودات في قبال وجود ذلك الفرد، و مباينة له، غاية الأمر أنّها ملازمة له في الخارج.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ تشخص كلّ فرد بوجوده لا بالعوارض، و إن كان كلاماً متيناً و أوّل من أبدعه هو الحكيم الفارابي حيث إنّ الفلاسفة قبله كانوا يظنّون أنّ تشخّص الكلي بالعوارض و قد نقده الفارابي بمقولته: إنّ الأعراض كلية مثل الطبيعي، و لا يفيد ضمّ كلّي إلى كلّي تشخصها إلّا أنّ ما ذكره غفلة عن معنى الفرد في مصطلح علم الأُصول فانّ المراد من الفرد فيه هو العوارض الملازمة للطبائع عند الوجود، و إن شئت فسمّها» أمارات التشخّص «. و عندئذ يصحّ ما ذكره المحقّق النائيني إذ تكون أمارات التشخص من متعلّقات الأمر و واقعة تحته، و حينئذٍ تكون نسبة كلّ من المأمور به و المنهي عنه إلى الآخر، نسبة المشخّصات، فلا محالة يكون كلّ منهما محكوماً بحكم الآخر.

نعم، يرد على ما ذكره المحقّق النائيني من أنّ القول بتعلّق الأمر بالفرد يستلزم أن يكون الشي‏ء الواحد متعلّقاً للأمر و النهي، إنّما يصحّ لو كان المراد من الأفراد المشخِّصات الفردية و ما يصاحبها و يقارنها اتّفاقاً، كالغصبية للصلاة، إذ

____________

(1)- المحاضرات: 192/ 4.

188

عندئذ يكون متعلّق الأمر هو الصلاة المشخصة بالغصبية المصاحبة لها اتّفاقاً، كما يكون متعلّق النهي هو الغصب المصاحب للصلاة اتّفاقاً فيكون الشي‏ء الواحد متعلّقاً للأمر و النهي.

و أمّا لو كان المراد من الأفراد هو المشخصات الفردية، كأصل الأين، و أصل المتى، لا ما يقارنها اتّفاقاً و يصاحبها أحياناً، فلا يكون متعلّقهما واحداً، لأنّ كلًّا من الصلاة و الغصب بالنسبة إلى الآخر، من قبيل المصاحبات و المقارنات الاتّفاقيّة.

و يمكن أن يجاب بوجه آخر و هو أنّ المراد من الأفراد هو الوجود السعي لأصل الطبيعة بما هو هو، من دون أن تكون العوارض و اللواحق متعلّقة للأحكام. فمتعلّق الأمر هو الوجود السعي لأصل الصلاة الذي يعمّ كلّ الأفراد، كما أنّ المتعلّق للنهي هو الوجود السعي لأصل الغصب، و أمّا العوارض اللازمة و المفارقة فهي خارجة عن حريم الأحكام مفهوماً و وجوداً، و عند ذلك لا يكون الشي‏ء الواحد متعلّقاً للأمر و النهي.

*** ابتناء القولين على ما هو الأصل من الوجود أو الماهية

إنّ صاحب الفصول جعل النزاع مبنيّاً على النزاع المعروف في الفلسفة من أنّ الخارج هل هو مصداق للوجود، و الماهية أمر انتزاعيّ منه، أو أنّ الخارج مصداق لها، و الوجود مفهوم ينتزعه العقل منها؟ فعلى الأوّل، المختار هو الامتناع، و على الثاني، الجواز، إذ على أصالة الوجود و اعتبارية الماهية، بما أنّ الوجود في مورد الاجتماع واحد، فلا يعقل تعلّق الأمر و النهي به، فإذن لا مناص عن القول بالامتناع.

189

و أمّا على القول بأصالة الماهية، فبما أنّ الماهية المتعلّقة للأمر، غير الماهية المتعلّقة للنهي، و الماهيات متباينات بالذات، فلا يمكن اتحاد ماهية مع ماهية أُخرى، و لا يمكن اندراج ماهيتين تحت ماهية واحدة، فلا مناص عن القول بالاجتماع. (1) يلاحظ عليه: أنّه يمكن القول بأصالة الوجود مع تجويز اجتماعهما سواء كان النزاع صغرويّاً أم كبرويّاً، إذ على الأوّل يكون ملاك الجواز و الامتناع كون تعدد العنوان موجباً لتعدد المعنون أو لا، من غير فرق بين كون الخارج مصداقاً للوجود أو للماهية. كما أنّه على الثاني، يكون محور النزاع في أنّه هل يصحّ الأمر و النهي المتعلّقين بشيئين، و المتصادقين على شي‏ء واحد، أو لا؟

كما أنّه يمكن القول بأصالة الماهية، و تصحيح القول بالامتناع، و ليس معنى أصالة الماهية عينية كلّ من الماهيتين عينية خارجية واقعية، لا تمّت إحداهما إلى الأُخرى بصلة. بل الخارج على القول بأصالة الماهية ليس له إلّا ماهية واحدة، و بالجملة: لا القول بأصالة الوجود ملازم للقول بالامتناع، و لا القول بأصالة الماهية ملازم للقول بالجواز.

الأمر التاسع: في تمييز باب الاجتماع عن غيره عند تصادق العنوانين‏

إذا اجتمع عنوانان في موضوع واحد كالغصب و الصلاة في الحركة، فما هو الضابطة ثبوتاً في عدّ المسألة من باب اجتماع الأمر و النهي، و عدّها من غيره الذي نسميه في مقام الإثبات بالتعارض و على هذا فالبحث مركّز على تمييز ما هو من هذا الباب أو من غيره، إذا كان هناك عنوانان متصادقان على موضوع واحد.

و إذا حاولنا تفهيم ما أفاده المحقّق الخراساني في هذا الأمر و ما بعده فلنقدّم‏

____________

(1)- محمد حسين الغروي: الفصول: 127.

190

مقدّمة و هي:

أنّ في المقام مسألتين:

إحداهما: ما هو الفرق بين التزاحم و التعارض، و إن شئت قلت: ما هو الفرق بين المتزاحمين و المتعارضين؟

ثانيهما: ما هو الفرق بين باب اجتماع الأمر و النهي و باب التعارض؟

أمّا الأُولى فيبحث عنها في باب الضدّ مقدّمة لمسألة الترتّب و حاصل الفرق حسب ما مرّ أنّه لو كان التنافي راجعاً إلى مقام الجعل و الإنشاء، على وجه يمتنع أن يصدر من الجاعل الحكيم حكمان متضادّان سواء أمكن امتثالهما كجعل الوجوب و الإباحة لفعل شي‏ء مثل الدعاء عند رؤية الهلال. فلو دعا، فقد عمل بكلّ من الدليلين، لكن المشكل في ظرف الإنشاء و الجعل. و إن لم يكن مشكل في ظرف الامتثال أم لم يمكن كجعل الوجوب و الحرمة له فهما متعارضان أيضاً كما إذا قال: ثمن العذرة سحت، و لا بأس ببيع العذرة.

و أمّا إذا لم تكن مطاردة في ذلك المقام، بل في مقام الامتثال و نشأت من عجز المكلّف كما إذا قال: أنقذ الأب، ثمّ قال: أنقذ العمّ و لم يكن قادراً على انقاذهما معاً. و من المعلوم، أنّ التزاحم هنا حصل من عجز المكلّف، مع إمكان جعل الحكمين، و لأجل ذلك، لو كان المكلّف وسيع القدرة و تمكن من انقاذهما لما كان هناك أيّ تزاحم فهذا ما يسمّى بالمتزاحمين.

و هذا هو الذي فرغنا عنه و عن فروعه في باب الترتّب، فلو أُطلق التزاحم و التعارض فإنّما يراد هذا النوع من التكليف.

و أمّا الثانية: فالغرض الأصلي من عنوانها هو أنّه إذا كان بين العنوانين عموم و خصوص من وجه فنحن نرى أنّ الأُصوليين تارة يبحثون عنه في مبحث اجتماع الأمر و النهي و يمثلون بقولهم:» صلّ و لا تغصب «و أُخرى يبحثون عنه في باب‏

191

التعادل و التراجيح عند بيان الجمع الدلالي: أكرم العلماء و لا تكرم الفساق و يقولون هل المجمع (العالم الفاسق) داخل تحت العام الأوّل أو الثاني، أو لا هذا و لا ذاك؟

و عند ذاك يطرح هنا سؤال، و هو لما ذا يبحث عن شي‏ء واحد في بابين تارة في باب الاجتماع و أُخرى في باب التعادل و التراجيح؟ و لما ذا صارت المسألة الواحدة مع وحدة الموضوع مسألتين؟ و بالجملة لما ذا يبحث عن عنوانين بينهما عموم و خصوص من وجه، مع تصادقهما على مورد واحد في بابين؟ فحاول المحقّق الخراساني أن يجيب عن هذا السؤال في الأمرين: الثامن و التاسع، و هو (قدس سره) بيّن الفرق بين المسألتين في الأمر الثامن و بيّن وجه تمييز إحداهما عن الأُخرى في الأمر التاسع. (1) ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ أوّل من تنبّه لهذا الموضوع نذكر نصّه في درسه الشريف قال: و الذي يختلج في البال و ليس ببعيد عن مساق بعض عبائره أن يكون مراده (قدس سره) فيما أفاده في الأمر الثامن و التاسع هو إبداء الفرق بين هذا المقام و بين باب التعارض دفعاً عن إشكال ربّما يرد في المقام و هو أنّ القوم (رضوان اللّه عليهم) لما عنونوا مسألة جواز الاجتماع مثّلوا له بالعامين من وجه و اختار جمع منهم جواز الاجتماع، و لكن هذا الجمع لما وصلوا إلى باب التعارض جعلوا العامين من وجه أحد وجوه التعارض، و لم يذكر أحد منهم جواز الجمع بينهما بصحّة اجتماع الأمر و النهي في عنوانين بينهما عام من وجه فصار (قدس سره) بصدد دفع هذا الإشكال بالفرق بين البابين بأنّ كون العامين من وجه من باب الاجتماع مشروط بإحراز المناط حتى في مورد التصادق و إلّا دخل في باب التعارض و بالجملة فالميز التام هو دلالة كلّ من الحكمين على ثبوت المقتضي في مورد الاتّفاق أو عدمها، (2)

____________

(1)- كفاية الأُصول: 241/ 1 242، طبعة المشكيني.

(2)- تهذيب الأُصول: 383/ 1.

192

هذا.

ثمّ إنّ البحث يقع في مقامين: الأوّل: في مقام الثبوت، و أُخرى في مقام الإثبات و المراد من مقام الثبوت هنا دراسة الموضوع من حيث هو هو مع قطع النظر عن تعلّق الحكم به في الكتاب و السنّة و يقابله الإثبات. و من هنا يُعلم أنّ استعمال لفظ التعارض يختصّ بمقام الإثبات، لا الثبوت و لأجل ذلك قلنا في عنوان البحث باب الاجتماع و غيره. و إليك تبيين ما أفاده المحقّق الخراساني في الكفاية تحت عنوان» الأمر الثامن «.

حكم المجمع في مقام الثبوت‏

1 لو أُحرز وجود الملاك في كلّ من الموضوعين مطلقاً، حتى في مقام الاجتماع و التصادق كالصلاة و الغصب فهو من باب الاجتماع فعندئذ فلو قلنا بجواز الاجتماع فالمجمع يكون محكوماً بحكمين من دون أيّ تزاحم و مطاردة، بل يكون حكم هذا، مثل ما إذا صلّى و نظر إلى الأجنبية.

و لو قلنا بالامتناع فلو كان أحد المناطين أقوى، يكون محكوماً بحكمه، و إن لم يكن كذلك بل كان المناطان متساويين يكون المجمع محكوماً بحكم آخر كالبراءة و الحلّية.

2 و أمّا إذا لم يحرز وجود الملاكين في مورد التصادق (و إن كان كلّ ذا ملاك في غير مورد التصادق) فهو ليس من باب الاجتماع، و لا من باب التعارض لما عرفت أنّه إنّما يطلق في مقام الإثبات. (1) و عندئذ إمّا أن يحرز الملاك في واحد دون الآخر فيكون الحكم تابعاً لذي‏

____________

(1)- لأنّه من مادة العرض، أي إذا كان أحد الدليلين يعرض نفسه على الآخر و لا يتحقّق ذلك إلّا إذا كان كلّ من الموضوعين متعلّقاً للحكم فيدخل في مقام الإثبات.

193

الملاك في مورد الاجتماع أو يحرز عدمه في كلّ واحد في ظرف الاجتماع، فلا يكون المجمع محكوماً بحكم واحد منهما، بل بحكم آخر، من غير فرق بين القول بالاجتماع و القول بالامتناع، لأنّ للقولين تأثيراً عند العلم بالمناطين و أمّا في غيره فهما أجنبيّان بالنسبة إليه. إذ النتيجة على القولين في هذا القسم واحدة، و هي أنّه لو كان لواحد ملاك دون الآخر في ظرف التصادق فالحكم لذي الملاك و إلّا، فالمجمع يكون محكوماً بحكم ثالث. هذا كلّه في مقام الثبوت.

حكم المجمع في مقام الإثبات‏

قدّم المحقّق الخراساني البحث عمّا لا يكون فيه ملاك في واحد منهما أو في كليهما على ما فيه ملاك في كلّ من العنوانين فقال: إذا أحرز أنّ المناط من قبيل الثاني (أي ما ليس فيه ملاك إمّا في واحد دون الآخر، أو في كليهما في ظرف التصادق)، فيكون من باب التعارض فلا بدّ من عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح أو التخيير.

و أمّا إذا أحرز وجود الملاك لكلا العنوانين في المجمع فإن قلنا بجواز الاجتماع فحكمه في مقام الإثبات نفسُ حكمه في مقام الثبوت، من ثبوت الحكمين و عدم التزاحم أبداً، و لأجل ذلك لم يذكر المحقّق الخراساني شيئاً من هذه الصورة.

و أمّا إذا قلنا بالامتناع فهو على قسمين:

1 ما لم تحرز فعلية كلا الحكمين و إن أُحرز وجود الملاكين في ظرف التصادق فهو من باب التزاحم بين المقتضيين، فيرجع في تعيين الفعلي منهما إلى مرجِّحات باب التزاحم من الأخذ بأقوى الملاكين و إن كان أضعف سنداً أو دلالة.

194

2 إذا أُحرزت فعلية كلا الحكمين و أنّ كلًّا من الدليلين متكفّل لبيان الحكم الفعلي في ظرف التصادق، فهو من جانب، مصداق للتزاحم، باعتبار وجود الملاكين للعنوانين في المجمع، و من جانب مصداق للتعارض لعدم إمكان فعلية كلا الحكمين، فلا بدّ من إعمال مرجّحات باب التعارض عندئذ. (1) إلى هنا تمّ كلام المحقّق الخراساني و قد خرج بالنتائج التالية:

أوّلًا: خصص بحثه، بما إذا تصادق العنوانان على موضوع واحد فلو كان ملاك كلّ من العنوانين موجوداً في المجمع، فهو من باب الاجتماع و إلّا فهو من غير ذاك الباب، سواء كان الملاك لواحد دون الآخر أو لم يكن لواحد منهما في ظرف التصادق، و إن كان لكلّ ملاك في ظرف الافتراق.

و ثانياً: إذا كان مجمع العنوانين مشتملًا على الملاكين فلو قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي فلا يرد أيّ إشكال في مقامي الثبوت و الإثبات و يكون المجمع محكوماً بحكمين بلا تزاحم و تعارض.

و أمّا إذا قلنا بالامتناع في هذه الصورة يكون محكوماً بأقوى الملاكين لو كان، و إلّا فيكون محكوماً بحكم آخر، غيرهما، لقبح الترجيح بلا مرجّح.

و ثالثاً: لو لم يكن المجمع مشتملًا على كلا الملاكين بل إمّا أن يكون مشتملًا لملاك واحد، أو لم يكن مشتملًا حتى على الواحد منهما في ظرف التصادق، فعلى الأوّل يكون الحكم تابعاً لذي الملاك و على الثاني، يكون محكوماً بحكم آخر غير حكم العنوانين لافتراض عدم ملاك لهما في المجمع من غير فرق بين القول بالجواز أو الامتناع، فإنّ النظريتين مؤثرتان فيما إذا أُحرز الملاكان في المجمع لا ما أُحرز أحد الملاكين أو أُحرز عدم واحد منهما، كلّ ذلك يرجع إلى مقام الثبوت.

و أمّا الإثبات فما ليس فيه ملاك للعنوانين في ظرف التصادق أو لواحد منهما

____________

(1)- كفاية الأُصول: 241/ 1 242.

195

فالدليلان متعارضان و يرجع إلى مرجحات باب التعارض.

و أمّا إذا أُحرز الملاكان في المورد فلو قلنا بجواز الاجتماع يكون الحكم إثباتاً و ثبوتاً واحداً، و أمّا إذا قلنا بالامتناع فلو كان المحرز تزاحم المقتضيين لا الحكمين الفعليين، فيرجع إلى مرجّحات باب التزاحم من الأخذ بأقوى الملاكين، و أمّا إذا كان الدليلان متكفلين لبيان حكمين فعليين فهو يكون معجوناً مركباً من باب التزاحم بالذات و التعارض بالعرض.

*** و بهذا تقف على ما يورد على المحقّق الخراساني، من أنّ ما ذكره ليس ضابطة لتمييز المتزاحمين عن المتعارضين أوّلًا بل الضابطة هو وجود التنافي في مقام الجعل، أو الامتثال غفلة عمّا يهدف إليه كلامه.

فانّه (قدس سره) ليس بصدد بيان الفرق بينهما، بل هو بصدد إبداء الفرق بين مسألة واحدة فيبحث عنها تارة في باب الاجتماع و أُخرى في باب التعادل، و حاصله: وجود المقتضي لكلا العنوانين في المجمع و عدمه و الأوّل من صغريات باب الاجتماع و الثاني من صغريات باب التعادل و التراجيح و لا محيص في إبداء الفرق ممّا ذكره (قدس سره). نعم يظهر من المحقّق النائيني أنّ الفرق بين البابين أنّه إذا كان التركيب بين العنوانين انضمامياً فهو من باب الاجتماع كما في الصلاة و الغصب فانّ تركيب المبادي انضمامي و أمّا إذا كان التركيب اتحادياً كالعالم و الفاسق فهو من باب التعارض لأنّ التركيب بين المشتقين اتحاديّ. (1)

____________

(1)- الكاظمي: فوائد الأُصول: 410/ 1 بتلخيص، و لكن بيانه يختلف عمّا جاء في أجود التقريرات: 354/ 1 355 حيث قال: الفرق بين كون العنوانين من الجهات التقييدية فهو من باب الاجتماع، و الجهات التعليلية فهو من باب التعارض.

196

الأمر العاشر: في بيان ما يحرز به وجود المناطين‏

قد عرفت أنّه ليس بصدد بيان الفرق بين التزاحم و التعارض الذي يناسب مبحث الضدّ مقدّمة لمسألة الترتّب بل بصدد بيان أنّه إذا كان بين العنوانين عموم و خصوص من وجه و انطبقا على مورد، ما هو الدليل على جعلهما تارة من باب اجتماع الأمر و النهي أي وجود المقتضي فيهما و أُخرى من باب التعارض و حاصل ما أفاد أنّه كلّما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضي في الحكمين فهو من باب الاجتماع و كلّما لم تكن دلالة فهو من باب التعارض و لكن من أين نعلم وجود المناطين فهو ما أفاده بالبيان التالي:

1 لو دلّ دليل كالإجماع و العقل على وجود المناط للحكمين في مورد الاجتماع فلا إشكال أنّه من هذا الباب.

2 لو استكشفنا وجود المناط في مورد الاجتماع بإطلاق الدليلين اللفظيين ففيه تفصيل:

أ: لو كان إطلاقهما في مقام بيان الحكم الاقتضائي لكان دليلًا على ثبوت المقتضي و المناط في مورد الاجتماع فهما من هذا الباب.

ب: و لو كان بصدد بيان الحكم الفعلي فعلى القول بالجواز نستكشف ثبوت المقتضي للعنوانين فيؤخذ بكلا الدليلين و أمّا على القول بالامتناع فالإطلاقان متنافيان فلا يدلان على وجود المناط في المورد فلا بدّ في رفع التنافي من ارتكاب أحد الأمرين:

إمّا أن نقول بوجود المناط فيهما غير أنّ أحد الحكمين فعلي و الآخر اقتضائي.

و إمّا أن نقول بوجود المناط في واحد منهما لا بعينه لا في كليهما.

197

و الفرق بين الوجهين واضح و ذلك لأنّ رفع التنافي في الأوّل عن طريق وجود المانع عن تأثير المقتضي، بخلاف الثاني فانّ الدفع فيه مستند إلى فقد المقتضي في أحدهما.

و هناك وجه آخر لرفع التنافي بغير ذينك الوجهين، و هو أنّه لو كان أحدهما أظهر في الفعلية من الآخر يحمل على الفعلية و إن كان أحدهما ظاهراً و الآخر غير ظاهر يحمل الظاهر على الفعلية و عند التساوي في الظهور فالتخيير بحمل أحدهما على الفعلية و الآخر على الاقتضاء.

و لقد أطلنا الكلام في المقام لأجل رغبة الحضّار إلى تبيين مواقف الكفاية في المقام.

الأمر الحادي عشر: هل النزاع خاص بالعامين من وجه؟

هل النزاع يختصّ بالعامين من وجه، و يكون العموم المطلق خارجاً عنه، كما عليه المحقّق القمي (قدس سره) أو يعمّ كلتا الصورتين إذا كان بينهما تغاير عنواناً، كما عليه صاحب الفصول؟

قال المحقّق القمي: إنّ المنهيّ عنه بالنهي التنزيهي أخصّ من المأمور به (مثل قولنا: صلّ، و لا تصلّ في الحمام) و هو داخل في مسألة النهي عن العبادات بخلاف ما نحن فيه، فإنّ النسبة بينهما عموم من وجه. (1) و قال صاحب الفصول: لا فرق في موضع النزاع بين أن يكون بين الجهتين عموم من وجه، كالصلاة و الغصب، أو يكون بينهما عموم مطلق مع عموم المأمور به، كما لو أمره بالحركة و نهاه عن التداني إلى موضع مخصوص، فتحرّك إليه، فإنّ الحركة و التداني طبيعتان متخالفتان و قد أوجدهما في فرد واحد، و الأوّل منهما

____________

(1)- قوانين الأُصول، باب النواهي، ص 142.

198

أعم. (1) و الحقّ ما ذكره صاحب الفصول، فإنّ ما هو الملاك لتجويز الاجتماع أو النزاع في جوازه و عدمه، هو تغاير متعلّقي الأمر و النهي في مقام الجعل، و إن كانا متّحدين في مقام الامتثال، و هذا إن كفى في صحّة النزاع لكان كافياً فيما إذا كان بينهما عموم مطلق و لكن مع وجود تغاير بين المفهومين.

فالملاك لجواز النزاع هو التغاير لا كيفيّة النسبة، و لأجل ذلك خرج عن محلّ النزاع ما إذا كان بينهما عموم من وجه مع وحدة المتعلّق و اختلافهما في الإطلاق و التقييد، كما إذا قال: صلّ الصبح، و لا تصلّ في الأرض المغصوبة، مع أنّ النسبة بينهما عموم من وجه. كما خرج قولنا: صلّ، و لا تصلّ في الحمام، لوحدة المتعلّق، و عدم كفاية الإطلاق و التقييد في جواز الاجتماع، و ذلك لأنّ المطلق بنحو اللابشرط المقسمي موجود في المقيّد، و تعلّق الحكم بالمطلق بنفس تعلّقه بالمقيّد، فعندئذ يكون الشي‏ء الواحد أعني المطلق واجباً بملاك أنّه تمام الموضوع، و حراماً بملاك أنّه جزء الموضوع، فلاحظ.

و الحاصل أنّ التغاير المفهومي، بحيث يكون المفهوم من أحدهما غير المفهوم من الآخر، كاف في تجويز النزاع، سواء أ كان بينهما عموم و خصوص من وجه، كالصلاة و الغصب، أم عموم و خصوص مطلق، كالحركة و التداني، بشرط تعلّق الأمر بالأعم.

كما أنّ وحدة المتعلّقين من حيث المفهوم جوهراً، غير كافية لتصحيح النزاع، سواء أ كان بينهما عموم من وجه، كما إذا قال: صلّ الصبح، و لا تصلّ في الدار المغصوبة، أم عموم مطلق، كما في النهي عن بعض العبادات تنزيهاً.

____________

(1)- الفصول في علم الأُصول، ص 126.

199

الأمر الثاني عشر: ثمرة البحث‏

يبدو عن المحقّق الخراساني أنّ الثمرة تظهر في الصور التالية:

1 حصول الامتثال، على القول بجواز الاجتماع، عبادياً كان أم توصلياً.

2 حصوله، على القول بالامتناع، مع تقديم جانب الأمر.

3 حصوله في تلك الصورة، مطلقاً حتى في التعبديّات إذا كان جاهلًا قاصراً، لحصول التقرّب بما يصلح لأن يتقرّب به.

4 عدم حصول الامتثال في التعبديّات على القول بالامتناع و تقديم جانب النهي، إذا كان جاهلًا مقصّراً، أو ناسياً كذلك.

5 عدم حصوله في التعبديّات على القول بالامتناع و تقديم جانب النهي إذا كان عالماً.

و لنأخذ بالبحث في جميع هذه الصور:

الصورة الأُولى: القول بجواز الاجتماع‏

ذهب المحقّق البروجردي (رحمه الله) إلى بطلان العبادة، من جهة أنّها وجود واحد أتى به العبد مبغوضاً و متمرداً و خارجاً بالإتيان به عن رسم العبوديّة، فلا يصلح لأن يتقرّب به إلى ساحة المولى، إذ المبعِّد لا يكون مقرِّباً. (1) و يمكن دفعه بأنّ المجمع لمّا كان مركّباً من حيثيتين مختلفتين، فلا مانع من أن يتقرّب بالمأتي به من حيثية واحدة، و هذا كما إذا مسح رأس اليتيم في الدار المغصوبة، أو أطعمه فيها، طالباً لرضاه سبحانه، فيكون متقرّباً من جهة، و إن كانت الجهة الأُخرى مبعِّدة.

____________

(1)- نهاية الأُصول، ص 233 و أوضحه في ص 235.

200

هذا، و قد أشكل المحقّق النائيني على القول بالصحّة في صورة القول بجواز الاجتماع بوجه آخر قائلًا بأنّ المأتي به ليس مصداقاً للمكلّف به، كما أنّه ليس واجداً للملاك.

أمّا الأوّل، فلأنّه على القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة نفس التكليف لا حكم العقل، يكون متعلّق التكليف هو الحصة المقدورة من الطبيعة، لا مطلق الصلاة، و من المعلوم أنّ المراد منها هي المقدورة عقلًا أو شرعاً، و بما أنّ الممنوع شرعاً كالممنوع عقلًا، تخرج الحصّة المحرّمة من تحت الأمر.

هذا حسب القاعدة، و أمّا تطبيقها على المقام، فلأنّ الصلاة لمّا كانت ملازمة للمحرّم، فلا تكون مصداقاً للأمر، فلا تكون مأموراً بها، و لا يمكن الحكم بالصحّة لأجل الأمر.

و أمّا عدم إمكان تصحيحها لأجل الملاك، فلأنّ الملاك إنّما يصحّ التقرب به إذا لم يكن ملازماً بالقبح الفاعلي و إلّا فلا يكون صالحاً للتقرّب، و الصلاة و الغصب و إن كانا غير متّحدين، إلّا أنّهما موجودان بإيجاد واحد، فلا محالة يكون موجدهما مرتكباً للقبيح بنفس هذا الإيجاد، و يستحيل أن يكون الفعل الصادر منه مقرّباً. (1) يلاحظ عليه:

أمّا أوّلًا، فانّ المبنى ممنوع لأنّ أخذ القدرة في المتعلّق من ناحية العقل، لا بنفس اقتضاء التكليف، ضرورة تعلّقه بنفس الطبيعة لا بالفعل المقدور و لا الإرادي منه. و على ذلك يعمّ المقدور و غيره، الممنوع شرعاً و غيره.

و ما ذكره من أنّ الأمر هو جعل داع للمكلّف نحو العمل، و لا يصحّ جعله داعياً إلّا إلى ما وقع في إطار قدرة المكلّف، و إن كان صحيحاً، لكن مآله إلى أنّ‏

____________

(1)- لاحظ المحاضرات: 216/ 4 و 217 و 219.