المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
201

العقل لمّا كان حاكماً بشرطية القدرة في صحّة التكليف، و قبحه بدونها، انحصرت داعوية التكليف بالمقدور من المتعلّق. و لمّا كان حكم العقل بشرطية القدرة سابقاً على داعوية الأمر إلى القسم المقدور، فانّه لا يوجب تضييقاً في المتعلّق و تقييداً فيه. بل الحكم على المطلق، و الحاكم بالشرطية هو العقل.

و ثانياً: أنّ لازم ذلك خروج المقام عن موضوع البحث، لأنّ البحث فيما إذا أُحرز وجود الأمر و النهي في المعنون، باعتبار العنوانين. و على ما ذكره يكون المفروض متعلّقاً للنهي دون الأمر، لخروج الممنوع شرعاً عن متعلّق التكليف، و هو خلف.

و ثالثاً: أنّ الصلاة على القول بجواز الاجتماع ليست ممنوعة شرعاً، و إنّما الممنوع ملازمها، و هو الغصب. و الحاصل أنّ الصلاة إنّما تكون محرّمة إذا كانت متّحدة مع الغصب أو مقدّمة لوجوده و كلاهما منفيان على القول بالجواز فتكون الصلاة من مصاديق الحصّة المقدورة عقلًا و شرعاً.

و رابعاً: أنّ التقرّب، من الأُمور العقلائية، كما نبّهنا عليه آنفاً، فأي مانع من أن يتقرّب بالفعل بحيثية دون حيثية. و إذا صحّ هذا، فالتقرّب بالفعل مع كونه موصوفاً بالقبح أمر ممكن لا يخفى، فيصحّ الإتيان بالفعل بالملاك المقرِّب.

الصورة الثانية: القول بالامتناع و تقديم جانب الأمر

حكم المحقّق الخراساني في هذه الصورة بالصحّة لأنّ المجمع حينئذ مصداق للمأمور به دون المنهي عنه. (1) و لكنّه ليس صحيحاً على إطلاقه، لأنّ ملاك الصلاة و إن كان أقوى، لكن التقديم إنّما يصحّ إذا دار الأمر بين فوت الأقوى و ارتكاب المنهيّ عنه، كما إذا لم يتمكّن من الصلاة إلّا في المكان المغصوب بأن يكون المكان المباح مقروناً بالمانع.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 246/ 1.

202

و أمّا إذا كانت هناك مندوحة، فلا يكون من باب دوران الأمر بين فوت الواجب و ارتكاب الحرام، لتمكّن المكلّف حينذاك من الصلاة في المندوحة من دون أن يفوته الواجب أو يرتكب الحرام.

و لعلّ إطلاق كلامه نازل إلى الصورة التي يدور فيها الأمر بين فوت الواجب و ارتكاب المحرّم.

الصورة الثالثة: القول بالامتناع و تقديم جانب النهي مع الجهل بالحرمة قصوراً

الحكم في هذه الصورة هو الصحّة، سواء أ كان الجهل بالحكم أم بالموضوع لأنّ الحرمة منفية بحديث الرفع، و العمل ليس مصداقاً للتمرّد و الطغيان، فيصلح لأن يكون مسقطاً للأمر و إن كان لا يُعدّ امتثالًا. و الحكم بالصحّة في هذه الصورة، لأجل الملاك، لا لوجود الأمر، لأنّ المفروض تقديم جانب النهي، و هو كاف في التقرّب، لأنّ أتميّة ملاك الغصب لا توجب نقصاً في ملاكها، غاية الأمر أنّ ملاك الغصب كان مانعاً عن إنشاء الحكم على طبق ملاك الصلاة، و هو غير كون ملاكها ناقصاً و غير صالح للتقرّب بها، فعدم الأمر هنا كعدمه في الضدّين المتزاحمين.

فإن قلت: فمن أين علم الملاك فيها مع أنّ الكاشف عنه هو الأمر و هو غير موجود؟

قلت: إنّ وجود المقتضي ممّا لا يمكن انكاره، و المانع من تأثيره اتحاده مع عمل مبغوض للمولى، و لكن المفروض في هذه الصورة خلافه، لأنّ المفروض أنّ جهله كان عن قصور، فهو مانع عن فعلية الحرمة و هو ملازم لعدم مبغوضية الصلاة، فلا معنى لاضمحلال الملاك عنها.

ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه أورد عليه إشكالًا هذا حاصله:

203

إنّ الصحّة تتوقف على إثبات اشتمال الصلاة على الملاك التام في مورد الاجتماع، و هو غير ممكن، و ذلك للتضادّ بين ملاك الغصب و ملاك الصلاة، فإن أمكن رفع التضادّ بين الملاكين باختلاف الحيثيتين، أمكن رفعه في الحكمين، مع أنّ القائل بالامتناع لا يلتزم به بل يجب على القائل بالامتناع الحكم بأنّ الحيثية التي تعلّق بها الحكم الإلزامي عين ما تعلّق به النهي، و مع وحدة الحيثية لا يعقل تحقّق الملاكين، فلا بدّ أن يكون المرجوح بلا ملاك، فعندئذ تكون الصلاة غير صحيحة، لعدم الأمر بها، كما هو المفروض، و لفقدان الملاك.

و معه لا تأثير للعلم و الجهل في الصحّة و البطلان. (1) يلاحظ عليه: الظاهر هو وجود الفرق بين الأحكام و الملاكات، إذ لقائل أن يقول إنّ اختلاف العنوانين لا يكون مصحِّحاً لتعلّق الوجوب و الحرمة بالشي‏ء الواحد وجوداً، و إن جاز أن يكون مصحِّحاً لاجتماع الملاكين فيه، و ذلك لأنّ العنوانين و إن كانا مختلفين مفهوماً، لكنّهما متحدان وجوداً. و لازم اجتماع الحكمين المتضادّين، طلب إيجاد شي‏ء واحد و تركه، و هو بمنزلة الأمر بالمحال. و هذا بخلاف الملاكين المختلفين في المصلحة و المفسدة، فانّهما ليسا قائمين بالمكلّف به حتى لا يصحّ توصيفه بالصلاح و الفساد، لأنّهما من الأُمور الخارجية الراجعة إلى نفس المكلَّف تارة، و مجتمعه أُخرى. فالصلاة في الدار المغصوبة ذات صلاح و فلاح و هي التي تدفع الإنسان إلى ذكر ربّه، الذي هو مفتاح كلّ خير. كما أنّها مبدأ فساد و شر، لاستلزامها التعديّ على حقوق الغير الذي هو قبيح عقلًا، و مستلزمة لرواج الفوضى في المجتمع و اختلال النظام. و لا مانع من اجتماعهما لاختلاف محلّهما. و هو دام ظلّه صرّح بذلك في موضع آخر (2)، و بذلك صحّ كون الشي‏ء الواحد مقرّباً و مبعداً، حسناً و قبيحاً.

____________

(1)- لاحظ تهذيب الأُصول: 288/ 1.

(2)- المصدر السابق، ص 316.

204

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني احتمل في هذه الصورة الأخيرة، صدق الامتثال أيضاً، و على هذا لو قيل باعتبار قصد الامتثال في صحّة العبادة و عدم كفاية الإتيان بمجرّد المحبوبية تصحّ الصلاة و ذلك ببيانين:

الأوّل: إنّ العقل لا يرى تفاوتاً بين هذا الفرد و سائر الأفراد في الوفاء بالغرض. فالمجمع حينئذ مصداق للطبيعة بما هي هي، و إن لم تعمّه بما هي مأمور بها، لكنّه لوجود المانع لا لعدم المقتضي. فيكفي الإتيان بالفرد بنيّة الأمر بالطبيعة، و إن كان شخص هذا الفرد فاقداً للأمر، للابتلاء بالمزاحم.

الثاني: إنّ عدم انطباق الطبيعة المأمور بها على هذا الفرد مبنيّ على تزاحم جهات المصالح و المفاسد في مقام تأثيرها في الأحكام الواقعية فحيث كانت جهة الحرمة أقوى من جهة الوجوب في الواقع، فلا محالة كان ملاك الأوّل هو المؤثر. و أمّا لو قلنا بعدم المزاحمة بين تلك الجهات في الواقع، و إنّما المزاحمة إنّما هي بين الجهات في مقام فعلية الأحكام، لكان المجمع مصداقاً للطبيعة المأمور بها، و ذلك لأنّ المؤثر من الملاكات هو ملاك الأمر لكونه الواصل دون ملاك النهي لكونه غير واصل، كما لا يخفى. (1)

يلاحظ عليه:

أنّ ما ذكره أوّلًا، هو نفس ما أفاده المحقّق الثاني (رحمه الله) في بحث الترتّب، في الإتيان بالفرد المزاحم، بالأمر المتوجّه إلى الطبيعة. و هو إنّما يكفي مع العلم بعدم الفرق بينه و بين سائر الأفراد، و هو في مثل الأهم و المهم المتمايزين وجوداً، أمر محرز، لأنّ العلم الضروري حاصل بأنّه لا فرق بين الصلاة المبتلاة بالمزاحم كلزوم إزالة النجاسة و غير المبتلاة به إلّا من جهة اقتران إحداهما بالمانع دون الأُخرى.

____________

(1)- لاحظ كفاية الأُصول: 247/ 1، ط المشكيني.

205

و هذا بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة، التي تُكْمَنُ المبغوضية في صميم ذاتها. فادّعاء عدم الفرق بينها و بين غيرها ممّا يحتاج إلى الدليل، و الحاصل أنّ الصلاة في المسجد، مع الابتلاء بالأهم، صلاة تامة، لا حضاضة فيها، بخلافها في الدار المغصوبة فانّها مبغوضة.

و ما ذكره ثانياً، خلط بين مسألة الحسن و القبح، و مسألة تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، فانّ الحسن و القبح الفاعليين يتبعان علمَ الإنسان بفعله. فما لم يعلم الإنسان بحسن فعله أو قبحه، لا يتّصف الفاعل بالحسن و القبح.

و أمّا تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد، فإنّما هي ناظرة لما هو الملاك واقعاً، فتتبعه، سواء علم به المكلّف أم لا.

فتزاحم الجهات في مقام الأحكام الواقعية، يستلزم جعل الحكم طبق الأقوى منها، سواء علم به المكلّف أم لا. و القول بتبعية الحكم للمعلوم من الملاك دون المجهول، يُشبه قول المصوّبة القائلة بأنّ أحكامه سبحانه تابعة لعلم المكلّف، على أنّه يستلزم تقديم الأمر، لا النهي و هو خلاف المفروض.

الصورة الرابعة: القول بالامتناع و تقديم جانب النهي مع الجهل التقصيري‏

الحكم في هذه الصورة هو البطلان، بلا فرق بين تعلّق الجهل بالحكم أو بالموضوع، كما إذا كان من أطراف العلم الإجمالي. و وجه البطلان، عدم الأمر كما هو المفروض أوّلًا، و عدم العلم بالملاك ثانياً، فإنّ الكاشف عنه هو الأمر و هو غير موجود.

و منه يعلم حال الناسي المقصّر، إذ الناسي المقصّر خارج عن مفاد حديث الرفع، كخروج الجاهل المقصّر عن مفاد قاعدة لا تعاد.

206

الصورة الخامسة: القول بالامتناع و تقديم جانب النهي مع العلم بالحرمة

الحكم في هذه الصورة هو البطلان، بلا إشكال، لأنّ كون العمل محكوماً بالصحّة إنّما هو لأحد أمرين: إمّا الأمر أو الملاك. و كلاهما مفقودان. أمّا الأوّل، فلأنّ المفروض هو تقديم النهي دون الأمر. و أمّا الملاك، فلأنّ المفروض مانعية المغصوبية عن التقرّب به، بل لا نعلم بوجود الملاك فيه، لأنّ الكاشف عنه هو الأمر، و المفروض سقوطه.

نعم لا كلام في الصحّة و سقوط الأمر إذا كان المأمور به توصلياً.

*** إنّ الثمرة لا تنحصر بما ذكر بل هناك ثمرات أُخرى نشير إليها:

1 إذا صلّى في الذهب سواء كان ممّا تتمّ فيه الصلاة أو لا، فصحّة الصلاة و عدمها مبنيّة على جواز اجتماع الأمر و النهي قال في الجواهر: فيتّجه البطلان حينئذ كالصلاة في المكان المغصوب بناء على ما هو المعلوم من مذهب الإمامية من عدم جواز اجتماع الأمر و النهي.

و ربّما يمنع الابتناء للفرق الواضح بين حرمة اللبس و الكون في المكان المغصوب، لعدم رجوع الأُولى إلى النهي عن شي‏ء من أجزاء الصلاة فانّ اللبس أمر مغاير للاجزاء، بخلاف الثاني. (1) 2 لو صلّى تحت سقف مغصوب أو خيمة فقد جزم في جامع المقاصد بعدم البطلان لأجل إباحة المكان فانّه لا يعدّ مكان بوجه من الوجوه و إن كان‏

____________

(1)- الجواهر: 290/ 8.

207

المصلي متصرفاً بكلّ منهما و منتفعاً به، لأنّ التصرّف في كلّ شي‏ء حسب ما يليق به و الانتفاع فيه حسب ما أعدّ له. (1) 3 من شرائط صحّة الاعتكاف إباحة اللبث، فلو وجب عليه الخروج لجنابة أو لعارض فمكث، يبتني فساد اعتكافه و صحّته على جواز اجتماع الأمر و النهي.

و مثله إذا حرم عليه اللبث لعدم إذن من يشترط إذنه في الخروج كالزوج، فالصحّة و عدمها مبنية على جواز الاجتماع و عدمه. (2)

خاتمة المطاف‏

إنّ القول بجواز اجتماع الأمر و النهي هو مذهب أكثر الأشاعرة، و الفضل ابن شاذان من قدمائنا. و هو الظاهر من كلام السيّد المرتضى في الذريعة. و ذهب إليه فحول المتأخّرين، كالمحقّق الأردبيلي، و سلطان العلماء، و المحقّق الخوانساري، و ولده المحقّق، و الفاضل المدقق الشيرواني، و الفاضل الكاشاني، و السيد الفاضل صدر الدين، و غيرهم. و من المشايخ، السيد المحقّق البروجردي (قدس سره) و السيّد الأُستاذ دام ظلّه.

و يظهر من المحدّث الكليني حيث نقل كلام الفضل بن شاذان في كتاب و لم يطعن عليه رضاؤه بذلك. كما يظهر من كلام الفضل أنّ ذلك من مسلّمات الشيعة. (3)*** إذا تبيّنت لك هذه الأُمور، فاعلم أنّه قد استدل المانع و المجوّز، بوجوه متعدّدة، و نحن نقدّم البحث أوّلًا في أدلّة المانعين ثمّ نعرِّج على أدلة المجوزين.

____________

(1)- الجواهر: 231/ 12.

(2)- الجواهر: 187/ 17.

(3)- لاحظ القوانين، ص 140.

208

دليل امتناع اجتماع الأمر و النهي‏

استدل على الامتناع بوجوه أحسنها و أتقنها و أوجزها، ما أفاده المحقّق الخراساني، بترتيب مقدّمات، و نحن نتعرّض فيما يلي لما هو المهمّ منها، فنقول:

إنّ الحجر الأساس لاستنباط الامتناع، مقدّمتان:

الأُولى: تضادّ الأحكام بعضها مع بعض.

الثانية: إنّ متعلَّق الأحكام هو الأفعال الخارجية.

و أمّا المقدّمة الثالثة: أعني أنّ تعدّد العناوين الانتزاعية كالغصب و الصلاة، لا يوجب تعدّداً في المعنون كأنّه واضح لا يحتاج إلى البسط في الكلام، لأنّه لو صحّ التعدّد فإنّما هو في العناوين التأصلية كالجنس و الفصل دون الاعتبارية كالصلاة و الانتزاعية كالغصب.

كما أنّ المقدّمة الرابعة من أنّه ليس للشي‏ء الواحد إلّا ماهية واحدة، غير لازمة، لأنّ تعدّد الماهية و وحدتها أيضاً إنّما يتصوّر في الماهيات المتأصّلة، لا في مثل العناوين الاعتبارية كالصلاة، أو الانتزاعية كالغصب فالأولى تركيز البحث على المقدّمتين الأُوليين فنقول:

تحليل المقدّمة الأُولى‏

قال المحقّق الخراساني في إثبات الأمر الأوّل‏ (1): إنّ الأحكام الخمسة متضادّة في مقام فعليتها و بلوغها إلى مرتبة البعث و الزجر، ضرورة ثبوت المنافاة و المعاندة التامة بين البعث نحو واحد في زمان، و الزجر عنه في ذاك الزمان ... فاستحالة

____________

(1)- كفاية الأُصول: 249/ 1، ط المشكيني.

209

اجتماع الأمر و النهي في واحد لا تكون من باب التكليف بالمحال، بل من جهة أنّه بنفسه محال، فلا يجوز عند من يجوز التكليف بغير المقدور أيضاً. (1) أقول: عُرِّف الضدّان بأنّهما أمران وجوديان لا يستلزم تعقّل أحدهما تعقّل الآخر، يتعاقبان على موضوع واحد، داخلان تحت جنس قريب، بينهما غاية الخلاف.

و التعريف يشتمل على قيود خمسة و كلّ قيد، احترازيّ يُخرج ما ليس بضدّ عن التعريف و إليك توضيحها:

1» أمران وجوديان «خرج المتناقضان، و الأعدام و الملكة.

2» لا يستلزم تصوّر أحدهما تصوّر الآخر «، خرج المتضائفان. كالأُبوة و البنوة.

3» يتعاقبان على موضوع واحد «خرج ما يجتمع من الأعراض كالحلاوة و الحمرة.

4» داخلان تحت جنس قريب «، خرج المتماثلان لأنّهما داخلان تحت نوع واحد، و إن كانا لا يجتمعان.

5» بينهما غاية الخلاف «خرج القتمة (2) و الحمرة.

إذا وقفت على تعريف التضاد، فهلمّ نحاسب هل ينطبق التعريف على الوجوب و الحرمة أو لا؟

نقول: إن أُريد من الأحكام، البعث و الزجر الإنشائيين بلفظ» افعل «أو» لا

____________

(1)- إنّ تضادّ الأحكام ممّا أطبق على صحّته الطرفان، فالمجوّز يسعى لأن يجعل متعلّق الأحكام شيئين مختلفين، و المانع يسعى لأن يجعله أمراً واحداً. و لأجل ذلك ينبغي أن يبحث عن هذا الأمر المسلّم.

(2)- القتمة لون فيه غبرة و حمرة.

210

تفعل «ففيه: أوّلًا: أنّه لا ينطبق التعريف على الحرمة و الوجوب، لأنّ الضدّين أمران وجوديان، و الأحكام الإنشائية من الأُمور الاعتبارية التي لا محلّ لها إلّا في عالم الاعتبار و حسب المواضعة، حيث جعل العقلاء هيئة» افعل «قائمة مقام البعث التكويني، كما جعلوا هيئة» لا تفعل «قائمة موضع الزجر العملي الخارجي و التضاد حسب التعريف المزبور من الأُمور الخارجية التكوينية، فلا ينطبق عليهما.

و ثانياً: أنّ الظاهر منهم وجود التضادّ بين الأحكام جميعها، مع أنّ التعريف المزبور لا ينطبق على الوجوب و الاستحباب، و لا على الحرمة و الكراهة، لعدم انطباق القيد الأخير أعني التخالف الشديد بينهما عليهما. فإنّ الاستحباب أخ الوجوب، كما أنّ الكراهة أُخت الحرمة، و ينتزعان من شدّة الإرادة و ضعفها، أو شدّة الكراهة و فتورها. فإذا كانت مبادئ الوجوب و الاستحباب، أو الحرمة و الكراهة متمايزات بالشدّة و الضعف، لا بالتباين، فما ظنّك بالمنتزع عن المراتب المختلفة لتلك المبادئ.

و إن أُريد من الأحكام الإرادة المظهرة بلفظ» افعل «أو» لا تفعل «فعدم دخول الإرادتين الموجودتين في الوجوب و الحرمة، تحت التضاد، أوضح. لما قلنا من أنّه يشترط فيه أن يكون الضدّان من نوعين داخلين تحت جنس قريب، و الإرادتان في الأمر و النهي ليستا من نوعين، بل كليهما فردان من الإرادة النفسانية التي تعدّ نوعاً واحداً.

فإن قلت: إنّ القول باجتماع الأمر و النهي يستلزم اجتماع ما لا يمكن اجتماعهما، سواء أ كان من الأُمور المتضادّة أم من غيرها و ذلك في مواضع ثلاثة:

211

1 في مقام الجعل حيث لا يمكن البعث إلى شي‏ء في وقت، و الزجر عنه في نفس الوقت.

2 في المبادئ حيث إنّ الأمر كاشف عن المحبوبية و المصلحة، و النهي كاشف عن خلافهما.

3 في مقام الامتثال حيث إنّ بينهما مطاردة من حيث الامتثال و الإطاعة، فامتثال الأمر يكون بالإتيان بالمتعلّق، و امتثال النهي بتركه و ليس بإمكان المكلّف الجمع بين الفعل و الترك.

قلت: إنّ البحث مركّز على مسألة وجود التضادّ بين الأحكام و عدمه، و أمّا البحث عن إمكان اجتماع البعث و النهي و عدم إمكانهما، أو عن اختلاف المبادي و عدم إمكان اجتماعها، أو المطاردة في مقام الامتثال فسيوافيك البحث عنها في التقريب الرابع للقائل بالاجتماع، إن شاء اللّه تعالى.

تحليل المقدّمة الثانية

قد عرفت أنّ المحقّق الخراساني استند في منعه عن جواز الاجتماع إلى مقدّمتين، أُولاهما: تضادّ الأحكام و قد سبق تحليلها. و ثانيتهما: أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف و ما هو في الخارج يصدر عنه و هو فاعله و جاعله، لا ما هو اسمه و هو واضح، و لا ما هو عنوانه، مما قد انتزع عنه، و إنّما يؤخذ في متعلّق الأحكام آلة للحاظ متعلّقاتها و الإشارة إليها بمقدار الغرض منها و الحاجة إليها، لا بما هو هو و بنفسه و على استقلاله و حياله. (1) هذا ما ذكره في المقدّمة و ذكر في مقام الاستنتاج ما هذا لفظه: إنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً و ذاتاً كان تعلّق الأمر و النهي به محالًا. و لو كان تعلّقهما به‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 249/ 1.

212

بعنوانين و ذلك لما عرفت من كون فعل المكلّف بحقيقته و واقعيته الصادرة عنه، متعلّقاً للأحكام، لا بعناوينه الطارئة عليه. (1) ثمّ إنّه ذكر في أثناء كلامه تقريبين لجواز الاجتماع و ردّهما نأتي بهما:

الأوّل: متعلّق الأحكام، الماهية المقيّدة بالوجود

» إنّ الطبائع من حيث هي هي و إن كانت ليست إلّا هي و لا يتعلّق بها الأحكام الشرعية كالآثار العادية و العقليّة إلّا أنّها مقيّدة بالوجود بحيث كان القيد خارجاً، و التقيد داخلًا صالحة لتعلّق الأحكام بها، و متعلّقا الأمر و النهي على هذا لا يكونان متحدين أصلًا لا في مقام تعلّق البعث و الزجر و لا في مقام عصيان النهي و إطاعة الأمر بإتيان المجمع بسوء الاختيار.

أمّا في المقام الأوّل فلتعددهما بما هما متعلّقان لهما، و إن كانا متّحدين فيما هو خارج عنهما بما هما كذلك. و أمّا في المقام الثاني فلسقوط أحدهما بالإطاعة و الآخر بالعصيان بمجرّد الإتيان، ففي أيّ مقام اجتمع الحكمان في واحد؟

ثمّ أجاب و قال: إنّ متعلّق الأحكام هو المعنونات لا العنوانات و أنّها إنّما تؤخذ في المتعلّقات بما هي حاكيات كالعبارات لا بما هي على حيالها و استقلالها.

الثاني: الفرد مقدّمة للطبيعي‏

إنّ متعلّق كلّ من الأمر و النهي هو الماهية فبتعدّد المتعلّق ترتفع الغائلة، و أمّا الفرد فهو مقدّمة المأمور به و المنهيّ عنه و لا يسري الطلب و الزجر إلى المقدّمة إذ لا ملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذيها و كذا الحرمة فلا يجتمع الحكمان المتضادّان في موضوع واحد. و على فرض السراية فنقول إنّه حرام غير واجب لأنّ الواجب هو المقدّمة المباحة، لا المحرّمة.

____________

(1)- المصدر نفسه: 251/ 2521.

213

ثمّ أجاب بأنّ الفرد عين الطبيعي في الخارج كيف لا يكون كذلك و المقدّمية تقتضي الاثنينية بحسب الوجود و لا تعدّد بعد كون المجمع واحداً وجوداً و ماهية. (1) هذا خلاصة ما أفاده المحقّق الخراساني في إرساء نظريته من القول بالامتناع.

أقول: إنّ في متعلّق الأحكام احتمالات نذكرها و ندرسها:

1 الأحكام متعلقة بالمفاهيم الذهنية المقيّدة بكونها في الذهن.

2 الأحكام متعلّقة بالأفعال الخارجية، و المعنونات الواقعية و الموجودات العينية أي الوجود بالمعنى اسم المصدر.

3 متعلّقة بإيجاد الطبائع في الخارج و الذي يقال له الوجود بالمعنى المصدري.

4 متعلّقة بالطبيعة المعراة من كلّ عارض و لاحق، المنسلخة عن كلّ شي‏ء لكن لغاية إيجادها و الإيجاد غاية للبعث، و ليس متعلّقاً له.

أمّا الأوّل فلا شكّ في بطلانه و ذلك لأنّ المفاهيم بقيد كونها ذهنية لا يسمن و لا يغني من جوع لأنّها لا تخرج عن حيطة الذهن و مثله، لا يُلبّي حاجة المولى.

أمّا الثاني: فلأنّ طلب الأفعال الخارجية بعد وجودها، طلب للحاصل، و قبل وجودها ليست لها أيّة واقعية حتّى يتعلّق به الطلب إلّا المفاهيم الذهنية، و القائل يفرّ عن تعلّق الأحكام بها.

و الحاصل أنّ المعنونات قبل وجودها لا تصلح لأن تقع طرف الإضافة للإرادة و الطلب، و بعد وجودها تسقط الأمر.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 252/ 1 253، مع تلفيق بما أفاده المحقّق القمي.

214

أمّا الثالث: فقد أوعز إليه المحقّق الخراساني في باب الأوامر عند البحث عن متعلّقات الأوامر في خاتمة كلامه و يرد عليه أمران:

1 ليس لها دالّ على إيجاد الطبائع في الخارج لا في صيغة الأمر و النهي، لأنّ الهيئة فيهما وضعت للبعث و الزجر، و لا في المادة لأنّها وضعت لنفس الطبيعة فأين الدال على الإيجاد، نعم الإيجاد هو الغاية.

2 لو افترضنا صحّة النظرية لما ضرّت القول بالجواز، و ذلك لأنّ القول بتعلّقها بإيجاد الطبيعة عبارة أُخرى عن تعلّقها بالعناوين لكن مقيّداً بالإيجاد لا بالمعنونات لأنّ المفروض، أنّ الطبيعة بعد لم توجد و إنّما الآمر بصدد الأمر بإيجادها فيتعلّق الأمر أو النهي، بالعنوان الكلي أي إيجاد طبيعة الصلاة أو إيجاد طبيعة الغصب بالبعث إلى الأوّل و الزجر عن الثاني فيكون متعلّق كلّ من البعث و الزجر، أمراً متغايراً.

و الحاصل أنّ البعث إلى إيجاد الطبيعة، لا يجعل الخارج متعلّقاً للحكم مباشرة بل الحكم في هذه الصورة أيضاً يتعلّق بالعنوان و الإنسان مهما تصعد أو تصوّب لا يخرج عن حيطة المفاهيم و هو يمارسها على كلّ تقدير حتّى فيما يريد نفس الخارج.

و أمّا الرابع: فهو الحقّ القراح الّذي لا غبار عليه، فالقوّة المقنّنة إنّما ينظر إلى واقع الحياة، عن طريق المفاهيم و العناوين الكلية، و يبعث إليها، لغاية الإيجاد أو الترك، فيكون متعلّق كلّ في الأمر و النهي، مفهوماً فاقداً لكلّ شي‏ء، إلّا نفسه فلا يكون عندئذ أي مطاردة في مقام التشريع. و لا في مقام الامتثال لأنّه بوجوده الواحد، مصداق للامتثال، و مصداق للعصيان لكن كلًّا بحيثية خاصة.

فإن قلت: إنّ هنا احتمالًا خامساً و لعلّه مراد القائل بتعلّق الأحكام بالمعنونات، و هو أنّ العنوان متعلّق للأحكام بما أنّه مرآة للخارج و طريق إليه و ليس مراد القائل، أنّ الخارج من دون توسط عنوان، متعلّق له، بل الخارج متعلّق لكن بتوسيط عنوان مشير إليه.

215

قلت: إن أُريد من المرآتية، الطريقية بالفعل، كالصور الذهنية التي هي مرآة للخارج، فهو أمر باطل، لعدم وجود فعل المكلّف في الخارج قبل الأمر و لا حينه، حتى يكون المصدر الواقع تحت دائرة الطلب مشيراً إليه.

و إن أُريد منها المرآتية الشأنية و أنّ الطبيعة بما هي هي ليست مطلوبة، فهو راجع إلى ما نقول به من أنّ الأمر المتعلّق بالطبيعة المعراة عن كلّ شي‏ء، غير واجد لشي‏ء سوى نفسها و ذاتها و أجزائها، و إنّما أمر بها لغاية إيجادها و تحقّقها في الخارج فكون الخارج غاية، غير كونه هو المتعلّق. و لمّا لم تكن الطبيعة المجرّدة في متناول الإنسان، فيتوسّل إليها، من طريق تصوّرها في الذهن فيكون المتعلّق هو المفهوم المعرى عن كلّ قيد غير أنّ الأمر به لغاية الإيجاد.

إلى هنا تمّ تحليل دليل المحقّق الخراساني في إرساء نظريته و قد علمت عدم تماميته، و لنعطف عنان البحث إلى بيان أدلّة القائلين بالجواز و هي كثيرة نأتي بالقدر المستطاع. (1)

أدلّة القائلين بالجواز

استدل القائلون بالجواز بوجوه من سالف الأيّام إلى يومنا هذا و قد عرفت أنّ المشهور بين الأصحاب هو الجواز، و أنّ حكم المشهور ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة إذا كان المصلّي عامداً أو ناسياً أو جاهلًا مقصّراً، لا يدلّ على ذهابهم إلى الامتناع و تقديم جانب النهي بل يمكن أن يكون البطلان مستنداً إلى عدم كون المبغوض عندهم مقرِّباً و إليك ما ذكروا من الوجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكره قدماء الأُصوليين‏

إذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب و نهاه عن الكون في مكان خاص، فخاطه‏

____________

(1)- يذكر الأُستاذ دام ظلّه في المقام وجوهاً سبعة، أمتنها الخامس، ثم السادس.

216

العبد في ذلك المكان عُدّ مطيعاً لأمر الخياطة، و لذا لا يأمره بتجديد الخياطة، و عدّ عاصياً للكون في ذاك المكان الخاص.

يلاحظ عليه: أنّ الامتناعي لا يعدّه إلّا عاصياً لو قدَّم النهي، أو مطيعاً لو قدَّم الأمر. و أمّا عدم الأمر بتجديد الخياطة، فما هو إلّا لأجل حصول الغرض. و لكن الحقّ أنّه في نظر العقلاء مطيع و عاص.

أضف إليه أنّ متعلّقي الأمر و النهي مختلفان في مقام التعلّق، و التحقّق. أمّا الأوّل فواضح. و أمّا الثاني، فلأنّ الخياطة لا تختلط بالغصب أبداً، لكونها عبارة عن إدخال الإبرة في الثوب و أمّا الغصب فهو الكون في المكان الخاص. اللّهمّ إلّا أن يقال إنّ دخول الإبرة في الثوب هو أيضاً تصرّف في المغصوب، لكونه تصرّفاً في الهواء، و هو كما ترى.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق القمي‏

قرّره كلّ من المحقّق النائيني و العلّامة الخوئي بشكل مُغْلق، و إليك فيما يلي ما أفاده في القوانين:

قال (رحمه الله): إنّ متعلّق الأمر، طبيعة الصلاة، و متعلّق النهي طبيعة الغصب، و قد أوجدهما المكلّف بسوء اختياره في شي‏ء واحد، و لا يرد في ذلك قبح على الآمر، لتغاير متعلّق المتضادّين، فلا يلزم التكليف بالمتضادّين.

فإن قلت: الكلّي لا وجود له إلّا بالأفراد، فالمراد بالتكليف بالكلّي هو إيجاد الفرد، و إن كان على الظاهر متعلّقاً بالكلي.

قلت: إنّ الفرد مقدّمة لتحقّق الكلي في الخارج، فلا غائلة في التكليف به مع التمكّن من سائر المقدّمات.

فإن قلت: إنّ الأمر بالمقدّمة، اللازم من الأمر بالكلي، يكفينا، فإنّ الأمر

217

بالصلاة، أمر بالكون الكلي، و الأمر به أمر بالكون الخاص مقدّمة، فهذا الكون بعينه منهيّ عنه أيضاً بالنهي المقدّمي.

قلت: نمنع وجوب مقدّمة الواجب، و على فرض الوجوب، فالواجب هو فرد ما من الكون، لا الكون الخاص الجزئي، و إنّما اختار المكلّف مطلقاً الكون في ضمن هذا الفرد المحرّم.

نعم، لو كانت المقدّمة منحصرة في الحرام، كما إذا لم يتمكّن إلّا من الصلاة في الدار المغصوبة فنحن نقول بامتناع الاجتماع، فلا بدّ إمّا من الوجوب أو الحرمة. (1) هذا ملخص كلامه، و حاصله:

1 لا مانع من اجتماع الحكمين، لاختلاف المتعلّقين، و الفرد مقدّمة لهما.

2 لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب، و حرمة مقدّمة الحرام، فالكون حرام لا أنّه واجب لاختصاص الوجوب بالمباح، و يسقط وجوب المقدّمة بالمحرّم، لكون وجوبها توصلياً.

3 لو فرض انحصار المقدّمة بالحرام، فلا بدّ من القول بامتناع الاجتماع، فلا بدّ من تقديم الوجوب أو التحريم.

و ربّما ينسب إليه التفصيل بين كون الانحصار بسوء الاختيار و عدمه، و أنّه لا مانع من فعلية وجوب ذيها لكونه بسوء الاختيار، دون ما لم يكن كذلك، و لكنّه ليس في كلامه إشارة إليه. و لعلّه ذكره في غير هذا المقام، كما قال المحقّق المشكيني (رحمه الله)، المعلِّق على الكفاية.

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الفرد الخارجي نفس الطبيعي في عالم العين و إن كان غيره في عالم التصوّر.

و مع العينية، كيف تتصور المقدّمية المستلزمة للاثنينية؟ و هي‏

____________

(1)- القوانين: 141/ 1421.

218

منتفية قطعاً.

و ثانياً: أنّ ما نسب إليه من فعلية وجوب ذيها مع تسليم حرمة المقدّمة إذا كان الانحصار لا بسوء الاختيار قائلًا بجواز التكليف بالمحال، كما ترى. لأنّ العقل لا يجوّز التكليف بالمحال، و إن كان العبد سبباً لكونه محالًا، لأنّ الغرض من الأمر و النهي جعل الداعي، و هو غير متحقّق في الموارد الخارجة عن الاختيار، كما لا يخفى.

و ما ربّما يقال من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالمقصود منه أنّه لا ينافيه ملاكاً و عقاباً، لا خطاباً، إذ من الواضح بطلان خطاب العاجز و إن كان عجزه عن تقصير.

الثالث: في تقريب المحقّق النائيني:

إجماله: أنّ تركيب الصلاة مع الغصب تركيب انضماميّ لا تركيب اتّحادي، فما يحاذي الأوّل في الخارج، غير ما يحاذى الثاني فيه و لو بالبرهان العقلي، فيكون متعلّق الأمر، غير متعلّق النهي، في الخارج و ترتفع الغائلة. و هذا النوع من التركيب بين العنوانين، كتركيب الصورة مع الهيولى، و لكل في الخارج تحقّق و واقعية، و ليست الصورة نفس الهيولى، أو الثانية نفس الأُولى يقول الحكيم السبزواري:

إنّ بقول السيد السنادِ* * * تركيب عينيّة، اتحادي‏

و لكن مختاره غير ذلك قال:

لكن قول الحكماء العظام‏* * * من قبله، التركيب الانضماميّ‏

هذا إجمال كلامه مجرّداً عن البرهان ثمّ إنّه برهن على مختاره ببيان مفصّل، نأتي بموجزه تحت أرقام رياضية.

219

1 إنّ الصلاة الموجودة في المجمع لا تنقص عن حقيقة الصلاة بشي‏ء، إذا أُتي بها في مكان مباح كما أنّ الغصب الموجود في المجمع لا تنقص من حقيقة الغصب بشي‏ء.

2 إنّ الصلاة من مقولة الوضع و عرِّف الوضع بأنّه نسبة حاصلة لشي‏ء من نسبة أجزاء الشي‏ء بعضها إلى بعض و المجموع إلى الخارج، (أي الخارج عن ذلك الشي‏ء) كالقيام و القعود، و الاستلقاء و الانبطاح و غيرها، فالقيام مثلًا هيئة في الإنسان بحسب نسبة فيما بين أجزائه من كون رأسه من فوق، و رجله من تحت.

فالصلاة مؤلّف من قيام و ركوع و سجود، و جلوس في التشهد كلّها من مقولة الوضع و أمّا الهويّ إلى الركوع و السجود، فإن قلنا بخروجهما عن ماهية الصلاة و إلّا فما هو جزء للصلاة عبارة عن الأوضاع المتلاحقة و المتلاصقة فإنّ الهويّ، لا ينفك عن الأوضاع المتبادلة فإذا شرع في الانحناء للركوع أو السجود إلى الأرض يتبدل الوضع السابق إلى وضع لاحق، و يستمرّ التبدّل إلى أن يصل إلى حدّ الركوع أو السجود.

كما أنّ الغصب من مقولة الأين، و عرف الأين بأنّه هيئة حاصلة من كون الشي‏ء في المكان، و ليس مجرّد نسبة الشي‏ء إلى المكان بل الهيئة الحاصلة من كون المكين فيه، فالصلاة في الدار المغصوبة لا ينفك عن كون الإنسان فيها، فتحصل هيئة خاصّة باسم الغصب.

3 يستحيل اشتمال هويّة واحدة (الحركة) على الصلاة و الغصب و ذلك بأحد الوجهين:

أ: كون الحركة جنساً و الصلاة و الغصب فصلًا لها، لاستلزامه تفصّل الجنس الواحد بفصلين في عرض واحد.

ب: كون الحركة عرضاً، و الصلاة و الغصب عارضين لها، و هذا باطل‏

220

لاستلزامه قيام العرض بالعرض أوّلًا، و حدوث التركّب في الأعراض، مع أنّها بسائط خارجية و ما به الاشتراك فيها نفس ما به الامتياز و ذلك لأنّ الحركة في ضمن الصلاة، متّحدة معها، كما أنّ الحركة مع الغصب متّحدة معه، فلا يعقل اتّحادهما في حركة واحدة كما هو لازم بساطة الأعراض، بعد ثبوت تغايرهما في أنفسهما. فإذا بطل القسمان يتعيّن الأمر التالي.

4 إنّ الحركة لا تدخل تحت مقولة، بل هي في كلّ مقولة عينها فالحركة في الصلاة وضع كما أنّ الحركة في الغصب أين و ليس هذا من خصيصتها بل كلّ أمر وجودي يوجد في أكثر من مقولة واحدة، لا يدخل بما هو هو، تحت مقولة، هذا كمقولة العلم و الوجود، و الوحدة، فالوجود لا جوهر و لا عرض، و لكنّه مع الجوهر جوهر، و مع العرض عرض قال الحكيم السبزواري:

ليس الوجود جوهراً و لا عرض‏* * * عند اعتبار ذاته بل بالعرض‏

(1) و على هذا فالصلاة بما أنّها من مقولة الوضع، و الغصب بما أنّه من مقولة الأين يمتنع أن يكون تركيبهما اتحادياً بل تركيبهما انضمامي سواء كانا متحققين بالحركة أو بالسكون و الوقوف في الدار. فعلى الأوّل، تكون الحركة الوضعية (الصلاة) غير الحركة الأينية (الغصب) أخذاً بما عرفت من كون التركيب انضمامياً و مثله حال الركون و الجلوس، فالكون المتبلور بالوضع، غير الكون المتبلور بالأين، و قد صرّح المحقّق النائيني بما ذكرنا في خصوص الحركة و يعلم منه نظره في حالة الركون و السكون قال: الصلاة من مقولة، و الغصب من مقولة أُخرى منضمّة إليها. و من الواضح أنّ المقولات كلّها متباينة يمتنع اتحاد اثنين منها في الوجود، و كون التركيب بينهما اتحادياً. فالحركة الموجودة في الصلاة مباينة للحركة الموجودة في ضمن الغصب لفرض أنّهما من مقولتين متباينتين ففرض كون الحركة

____________

(1)- ما بين القوسين من إفاضات شيخنا الأُستاذ مدّ ظلّه.

221

الواحدة مصداقاً للصلاة و الغصب يستلزم اتحاد مقولتين متباينتين في الوجود و هو مستحيل. (1) و في ما ذكره أنظار نشير إلى بعضها:

أمّا أوّلًا: فإنّ سعيه الأكيد لجعل تركيب المبدأين تركيباً انضمامياً لا اتحادياً، يعرب عن أنّ المختار لدى المحقّق النائيني هو تعلّق الأحكام بالأفعال الخارجية، فانبرى لتصحيح تغاير المتعلّقين و قد عرفت أنّه خلاف الحقّ و أنّه لا يمكن أن يكون الخارج ظرف التعلّق بل هو ظرف السقوط فهذا السعي على فرض صحّته غير مفيد، مع أنّ متعلّق الأحكام لدى المحقّق أيضاً هو الطبائع.

و ثانياً: فإنّ حديث التركيب الانضمامي على فرض صحّته، يختصّ بالعناوين الحقيقية و الماهيات المتأصّلة، كالحيوان و النفس الناطقة اللّذين لكل منهما ماهية تامّة و وجود متأصل فيقع البحث في أنّ التركيب انضمامي أو اتحادي.

و أمّا العناوين الانتزاعية التي تنتزع من أكثر من جنس واحد، فهي خارجة عن مصبّ القاعدة و الصلاة و الغصب من هذا القسم. فالصلاة ليست ماهية حقيقية متأصّلة داخلة تحت جنس واحد من المقولات العشر، بل هي أمر انتزاعيّ ينتزع من أجناس مختلفة، فالأذكار صلاة، و هي من مقولة الكيف، و الركوع و السجود صلاة و هما من مقولة الوضع، و الهوي إليهما، من مقولة الحركة في الأين و الوضع، و مثل هذا لا يمكن الحكم بأنّ تركيبه انضمامي أو اتحادي لعدم تأصّله.

و مثلها الغصب فإنّه أمر انتزاعي، و هو الاستيلاء على مال الغير عدواناً، و يكفي في ذلك منع المالك من الدخول إلى داره أو الاستفادة من ماله، و إن لم يحدث الغير في ملكه شيئاً، فلو جلس الإنسان في داره و أمر خادمه بمنع زيد من‏

____________

(1)- أجود التقريرات: 339/ 1 341.

222

الاستفادة من ملكه فهو غاصب و إن لم يصدر منه فعل، و هذا يعرب عن كونه أمراً انتزاعياً غير داخل تحت مقولة من المقولات، ففي مثل هذا لا يجري حديث التركيب الاتحادي أو الانضمامي.

و ثالثاً: فانّ ما ذكره من تعدّد الحركة في الدار المغصوبة و أنّ إحدى الحركتين موصوفة بالصلاتية و الأُخرى موصوفة بالغصبية، من غرائب الكلمات، لأنّه مخالف للحس و الوجدان، إذ لا تصدر عن المصلّي إلّا حركة واحدة لا حركتان، و على فرض تعدّدها تتّصف الحركة الصلاتيّة أيضاً بالغصبية لأنّها لا تخرج عن التصرّف في ملك الغير.

تقرير مقالة المحقّق النائيني بوجه آخر

إنّ المحقّق الخوئي في تعاليقه على أجود التقريرات قد أفاد بعض ما ذكرنا و هو:

إنّ الغصب ليس ماهية متأصّلة، إنّما هو مفهوم انتزاعي، ينتزع من مقولة الأين تارة كما في التصرّف في دار الغير بالكون فيها، و قد ينتزع من مقولة أُخرى كلبس ثوب الغير أو أكل خبزه بغير إذنه، فالغصب المتحقّق في ضمن التصرّف في الدار، مغاير بحسب ماهية منشأ انتزاعه، للغصب المتحقّق في ضمن لُبس ثوب الغير أو أكل خبزه بغير إذنه.

كما أنّ الصلاة أيضاً ليست من الماهيات المتأصّلة، بل أمر انتزاعي، ينتزع من ماهيات متعدّدة، فالأذكار من قبيل الكيف المسموع، و القيام و الركوع و السجود و الجلوس من مقولة الوضع، و الهُويّ إلى الركوع و السجود، أو النهوض منهما إلى القيام من مقولة الحركة في الوضع.

فإذا كان الغصب و الصلاة من المفاهيم الانتزاعية، لا من الماهيات المتأصّلة فلا يأتي فيه حديث التركيب الاتحادي أو الانضمامي. و على ضوء ذلك،

223

فلا بدّ من ملاحظة كلّ مورد من أجزاء الصلاة بخصوصه فإن كان بنفسه منشأ لانتزاع الغصب فلا بدّ من القول بالامتناع و إلّا فالجواز.

ثمّ إنّه اختار إلى أنّ الصلاة لا تتّحد مع الغصب إلّا في مورد واحد و قال: لا ينبغي الشكّ في عدم صدق الغصب على الأذكار ضرورة أنّ التكلّم في الدار المغصوبة لا يصدق عليه التصرّف في الدار، إنّما الشكّ في صدق الغصب على الأفعال المعتبرة في الصلاة كالقيام و الجلوس و الركوع و السجود. و الصحيح أنّها من مقولة الوضع أعني بها الهيئة الحاصلة للجسم باعتبار إضافة بعض أجزائه إلى بعضها الآخر، و أمّا الغصب فهو منتزع من الكون في الدار، الذي هو من مقولة الأين، فلا يصدق الغصب على شي‏ء منها.

و أمّا الهويّ إلى الركوع و السجود فيصدق عليهما الغصب لأنّهما من أظهر أفراد التصرّف في ملك الغير بلا رضاه، فإن قلنا بأنّهما من أجزاء الصلاة كان المأمور به متّحداً مع المنهيّ عنه وجوداً فلا مناص عن القول بعدم جواز الاجتماع.

و أمّا إذا قلنا بأنّهما من المقدّمات كما هو الظاهر فالغصب بالهوي أو النهوض يكون مقدّمة لإيجاد المأمور به. و بما أنّ حرمة المقدّمة لا تنافي إيجاب ذي المقدّمة إذا لم تكن منحصرة، فلا بد من القول بجواز الاجتماع و حصول الامتثال، و لكن الظاهر أنّ السجود لا تكفي فيه مماسة الجبهة للأرض، بل لا بدّ من اعتمادها عليها ليصحّ معه صدق وضع الجبهة على الأرض و من الواضح أنّ الاعتماد على الأرض المغصوبة، تصرّف فيها فيتحد المأمور به و المنهي عنه وجوداً. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ كلامه دام ظلّه ككلام أُستاذه يعرب عن أنّ متعلّق الأوامر عنده هو الأفعال الخارجية فلأجل ذلك صار لتبيين الموارد، و أنّ أيّ مورد يتّحد فيه الغصب مع الصلاة و أيّ مورد لا يتّحد فيه، و قد عرفت أنّ الخارج ظرف‏

____________

(1)- تعاليق أجود التقريرات: 338/ 1 340.

224

السقوط لا العروض.

و ثانياً: أنّه قال: أمّا الغصب فهو منتزع من الكون في الدار الذي هو من مقولة الأين.

و في كلامه هذا نظران:

أ: إنّ مقولة الأين عبارة عن الهيئة الحاصلة من إحاطة المكان بالمكين، فأين هو من الكون في الدار؟ كما أنّ الوضع عبارة عن الهيئة الحاصلة من نسبة بعض الأجزاء إلى بعض و المجموع إلى الخارج فتفسير مقولة الأين بالكون في الدار المغصوبة أشبه بتفسير المقولة بمنشإ انتزاعها.

ب: إنّ تفسير الغصب بالكون في الدار، تفسير غير تام، بل الصحيح أنّ الغصب هو الاستيلاء على مال الغير عدواناً، و من المعلوم أنّه يتحقّق بمجرّد منع المالك من التصرّف في ماله و لا يتوقف على الكون في الدار المغصوبة. نعم الكون في الدار المغصوبة تصرّف حرام، و لو تنزّلنا لوجب أن نقول أنّه استمرار للغصب الحاصل بالاستيلاء على مال الغير.

و ثالثاً: أنّ مجرّد الانحناء و الانخفاض ليس ركوعاً ما لم يكن هناك هوي، فلا يقال ركع، إلّا لمن قصد الانحناء الخاص عن قيام، و التفصيل في محلّه.

الوجه الرابع ما ذكره بعضهم‏ (1) من أنّ الاجتماع لو كان آمريّاً و من قبل المولى، لكان ذلك مستحيلًا،

لكنّه ليس في المقام كذلك بداهة أنّه مأموريّ من قبل نفس المكلّف بسوء اختياره، فلا يكون هناك مانع عن الاجتماع.

يلاحظ عليه: أنّ القائل بالامتناع يقول بأنّ الحكم بصحّة الاجتماع يؤول إلى‏

____________

(1)- لاحظ أجود التقريرات: 350/ 1.

225

الاجتماع الآمري، لأنّ المفروض أنّ كلا الخطابين لإطلاق متعلّقه يعمّ ما لو وجد كلّ في ضمن الآخر، فيعود المحذور، إذ لو كان لمقولة» صلّ «إطلاق، يعمّ ما إذا كانت متحدة مع الغصب، للزم أن يكون المجمع واجباً و حراماً، و هذا لا يمكن الالتزام به.

الوجه الخامس ما ذكره المحقّق البروجردي (رحمه الله)

(1) و شيّد أركانه سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه‏ (2)، و إليك محصّل كلامهما. بتوضيح و تحقيق زائد منّا:

لو كان متعلّق الأمر و النهي شيئاً واحداً، لكان للامتناع وجه، و أمّا إذا كان مختلفاً فلا مانع من تعلّق الأمر بحيثية و النهي بحيثية أُخرى، و إن تصادق المتعلّقان في مقام الامتثال في شي‏ء واحد، لأنّ الحيثية التي تجعله مصداقاً للمأمور به، غير الحيثية التي تجعله مصداقاً للمنهي عنه، و لا يجب أن يكون النسبة بين المتعلّقين التباين، بل يكفي كون النسبة عموماً من وجه، توضيحه ببيان أُمور. (3)

الأمر الأوّل: في أنّ الإرادة لا تتعلّق إلّا بما هو الدخيل في الغرض‏

إنّ الأمر لا يتعلّق إلّا بما هو الدخيل في الغرض دون ما يلازمه من الخصوصيات غير الدخيلة في الغرض، و مثله النهي، فلا يتعلّق إلّا بما هو المبغوض و فيه الملاك، دون اللوازم و الخصوصيات، فاللوازم الوجودية و المقارنات الاتّفاقية للمأمور به في الوجود الخارجي غير مأمور بها، و خارجة عن تحت الأمر.

و على ذلك فما هو المأمور به هو الحيثية الصلاتية فقط و إن قارنت الغصب‏

____________

(1)- لاحظ نهاية الأُصول: 256/ 2601.

(2)- لاحظ تهذيب الأُصول: 391/ 3981.

(3)- بعضها راجع إلى مقام الثبوت و البعض الآخر إلى مقام الإثبات.

226

في مقام الإيجاد، و المنهيّ عنه هو الحيثية الغصبية و إن قارنت الصلاة في الوجود الخارجي.

فالخصوصيات الملازمة أو الاتفاقية كلّها خارجة عن حريم الأمر، و لو تعلّق الأمر أو النهي بها لكان من قبيل تعلّق الإرادة بشي‏ء لا ملاك فيه و ليس دخيلًا في الغرض و هو محال على الحكيم.

و بالجملة: إنّ الإرادة التشريعية كالتكوينية، فكما أنّ الثانية لا تتعلّق حسب اللّب إلّا بما هو الدخيل في الغرض، المحصِّل له، و لا تسري إلى ما لا مدخلية له فيه، فهكذا الإرادة التشريعية لا تتعلّق إلّا بما هو المحصل لغرض المريد، دون ما لا دخل له فيه، فالمتعلّق في كليهما واحد.

الأمر الثاني: في أنّ اللفظ لا يدلّ إلّا على ما وضع له‏

إنّ اللفظ لا يدلّ إلّا على ما وضع له و يمتنع أن يدلّ على ما يقارن الموضوع له في الخارج أو يلازمه، فإنّ دلالة اللفظ إنّما هي بالجعل و المواضعة و المفروض أنّ اللفظ موضوع لذات الماهية دون ما يصاحبها من اللوازم و المقارنات.

و مثله الماهية المتصوّرة فإنّها لا تكشف في عالم التصوّر، إلّا عن ذاتها و ذاتيّاتها و لا تكون إلّا مرآة لهما دون لوازمهما و مقارناتهما. وعليه فلفظ» الصلاة «في مقام الأمر، كمفهومها الذهني، لا يدلّ و لا يكشف إلّا عن الحيثيّة الصلاتية لا عن لوازمها و مقارناتها.

و بعبارة أُخرى: انّ دلالة اللفظ دائرة مدار الاعتبار و وجود العلقة الاعتبارية و المفروض انتفاؤها بالنسبة إلى لوازمها، فلا تدلّ إلّا على المفاد الكلي.

و أمّا المفهوم (الماهية) فيمتنع أن يكون مرآة لغيره، كاشفاً عن غير ذاته، لأنّ الغير ليس جزءاً له و لا عينه. و كون الصلاة متحدة مع الغصب أحياناً، لا يوجب دلالة اللفظ عليه، و لا يوجب كون المفهوم الكلي كاشفاً عنه. فمرآتية اللفظ و كاشفيته فرع وضع اللفظ له، كما أنّ كاشفية المفهوم الكلي فرع كون الشي‏ء عينه أو

227

جزءه.

و قد ذكرنا في باب الوضع أنّ العام يمتنع أن يكون مرآةً إلّا للمعنى العام دون الخصوصيات و المشخصات، و لذلك أنكرنا صحّة كون الوضع عاماً و الموضوع له خاصاً على معنى، و إن صحّحناه على وجه آخر (1)، فلاحظ.

الأمر الثالث: في أنّ الإطلاق رفض القيود

إنّ الإطلاق ليس إلّا رفضُ القيود، لا الجمع بين القيود. و معنى الإطلاق كون الطبيعة بنفسها، بلا مدخلية قيد، متعلّقة للحكم، و تمام الموضوع له، لا مدخلية جميع القيود في الحكم سواء أ كانت ملازمة أم مقارنة.

و إن شئت قلت: ليس معنى الإطلاق هو كون الشي‏ء بتمام حالاته و لواحقه موضوعاً للحكم، حتّى يكون معنى قوله:» إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة «هو وجوب عتق الرقبة عادلة كانت أم فاسقة، عالمة كانت أم جاهلة، بحيث يكون لكلّ واحد مدخلية في الحكم بل معناه كون الموضوع هو الرقبة لا غير من دون مدخلية أيّ قيد فيه، لا مدخليّة جميع القيود تخييراً. فعندئذ فالحيثية الغصبية حالة من حالات الصلاة لا أنّها قيد من قيودها، فكيف يسرى حكمها إليه؟

الأمر الرابع: في توضيح الإطلاق الذاتي‏

ربما يتصوّر أنّ لازم الإطلاق الذاتي على القول بالاجتماع هو الأمر بالمحال و ذلك لسريان الحكم إلى جميع حالات الطبيعة قهراً، فإنّ مقتضى كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم، هو كونها موضوعاً حتى عند التصادق في الخارج مع الغصب. فعندئذ نسأل القائل بالاجتماع. أ فهل تنقدح في نفس الإرادة بالنسبة إلى طبيعة

____________

(1)- أنكرنا صحّته إذا كان العام مرآةً للخاص و صحّحناه، إذا كان العام سبباً للانتقال.

228

الصلاة و البعث إليها في هذه الحالة، أو لا؟ و الثاني خلاف إطلاق المادّة و على الأوّل، يلزم التكليف بالمحال لأنّ الصلاة كما هي مأمور بها في هذه الحال، فالغصب أيضاً منهيّ عنه كذلك فكيف تنقدح الإرادة في نفسه بطبيعة لا تنفك عن المغصوب وجوداً و لو في مورد خاص.

و إن شئت قلت: كما أنّ المتلازمين لا يمكن أن يكونا مختلفي الحكم و متضادّيه كالأربعة و الزوجية فلا يصحّ أن يأمر بإيجاد الأربعة و ينهي عن الزوجية، فكذلك الطبيعتان المتصادقتان على مورد، فلا يمكن أن تكون الطبيعة مأموراً بها، إذا كانت توأمة مع طبيعة مبغوضة، و الملاك في المقامين أمر واحد و هو الاجتماع سواء كان دائماً كما في المتلازمين، أو في مورد كما في المقام، فعنذئذ يجب انسحاب أحد الحكمين عن صورة التصادق، و إلّا يلزم التكليف بالمحال.

أقول: معنى الإطلاق الذاتي للمادة هو كون الصلاة مأموراً بها حتى في زمان التصادق لكن المأمور به هو نفس الحيثية الصلاتية، الحاملة للمصلحة، المحبوبة للمولى و هي المتعلّقة للإرادة كما أنّ المنهي عنه، و الحامل للمفسدة، المبغوض للمولى هو الحيثية الغصبية و ما توهم من استلزام وجوبها التكليف بالمحال ناشئ من التسوية بين الملازم و المقارن، و ما ذكر من لزوم عدم المخالفة في الحكم إنّما يختصّ بالملازم، فلا يمكن أن يجب إيجاد الأربعة، و يحرم إيجاد الزوجية، و هذا بخلاف المقارن الذي يمكن للمكلّف، التفريق بين الواجب و الحرام و على ضوء ذلك فلا مانع من إيجاب الصلاة، التوأمة مع الغصب، مع تحريم مقارنها و لا يلزم أي محذور حتى التكليف بالمحال إذ من وسع المكلّف، أن يأتي بالمأمور به في المكان غير المغصوب، لكنّه لو أتى بها في المكان المغصوب، فقد أتى بالواجب، و الحرام و لكلّ حكمه و لو كان الواجب توصلياً يسقط، و لو كان تعبديّاً يتوقف على تمشّي قصد القربة.

و على هذا التقرير:

229

يرتفع المحاذير الثلاثة السابقة أعني:

1 محذور التضادّ في مقام الجعل و التشريع.

2 محذور التضادّ في مبادئ الأحكام.

3 محذور التضادّ في مقام الامتثال.

و إليك البيان:

1 محذور التضادّ في مقام الجعل و التشريع‏

فقد اتضح بالأُمور الثلاثة من أنّ إرادة التشريعية ثبوتاً و البعث اللفظي إثباتاً لا يتعلّقان إلّا بما هو المؤمّن لغرض المولى، و لا تتعدى الإرادة و لا البعث عمّا هو الموضوع ثبوتاً و إثباتاً، إلى غيره من اللوازم و المقارنات، و ليس معنى الإطلاق هو إسراء الحكم من الطبيعة إلى عامة القيود، حتى يكون الغصب بما هو حراماً، و بما أنّه من قيود الصلاة واجباً بل معناه كونها تمام الموضوع و عدم مدخلية الغصب.

2 المحذور في مقام مبادئ الأحكام‏

إنّ لازم تعلّق الأمر و النهي بشي‏ء واحد عن طريق عنوانين لزوم المحذور في مبادئ الأحكام و لوازمها، فإنّ الحبّ من مبادئ الأمر، و الكراهة من مبادئ النهي فكيف يمكن أن يكون شي‏ء واحد محبوباً و مكروهاً، و مثلهما وجود المصلحة في الأمر، و المفسدة في النهي فلا يكون شي‏ء واحد ذا مصلحة و مفسدة مقرّباً و مبعِّداً و الكلّ من الأضداد و لا تجتمع.

قلت: ليس الحبّ و البغض من الكيفيات الجسمانيّة القائمة بالشي‏ء الخارجي كالبياض و السواد حتى يلزم من اجتماعهما، اجتماع الضدّين، بل هما من الكيفيات النفسانية القائمة بالنفس ذات الإضافة بالذات إلى الصورة العلمية من الشي‏ء، و ذات الإضافة بالعرض إلى مصداقها كالعلم.

230

و كون الشي‏ء محبوباً ليس معناه إلّا اشتمال الموجود على حيثية تشتاق إليها النفس لأجلها، و كونه مبغوضاً ليس إلّا لأجل اشتماله على حيثية تنزجر لأجلها النفس. و كون الشي‏ء الواحد مشتملًا على هاتين الحيثيتين المختلفتين، تشتاق النفس إليه لأجل إحداها، و تنزجر لأجل الأُخرى، بمكان من الإمكان، و ليس ما يصدر من المكلّف من قبيل الشي‏ء الواحد البحت البسيط الذي يمتنع عليه الكثرة، كما لا يخفى.

و أمّا حديث المصلحة، و المفسدة، فجوابه أنّهما ليستا من العوارض القائمة بالموضوع بل المصالح و المفاسد إمّا فردية يعود نفعها و ضررها إلى النفس أو اجتماعية يعود إلى المجتمع. فالصلاة ذات مصلحة لأنّها من عوامل التربية حيث تسوق الفرد إلى الصلاح و الكمال، و الغصب ذو مفسدة لانّ التصرّف في مال الغير ظلم موجب لاختلال النظام. و هذا المعنى غير كون الصلاح و الفساد عرضيين قائمين بنفس الصلاة في الدار المغصوبة.

و أمّا القرب و البعد فقد عرفت أنّهما من الأُمور العقلائية فلا مانع من أن يكون شي‏ء واحد مقرّباً من وجه و مبعداً من وجه آخر، كضيافة اليتيم في الدار المغصوبة، لأجل اشتماله على حيثيتين مختلفتين كما لا يخفى. إلى هنا تبيّن عدم المحذور في القول بالاجتماع، لا في مقام الجعل و التشريع، و لا في مبادئ الأحكام بفضل تقديم الأُمور الثلاثة و لكلّ دور في توضيح المطلب.

فعلى الأمر الأوّل: لا تتعلّق الإرادة التشريعية إلّا بما هو الموضوع واقعاً، و ليس الملازم و المقارن دخيلًا.

و على الأمر الثاني: لا يدلّ لفظ الغصب إلّا على الماهية المعراة، لعدم دلالة اللفظ على أزيد منها.

و على الأمر الثالث: ليس مقتضى الإطلاق، تعلّق الحكم، على جميع القيود الملازمة و المقارنة، مقتضاه كون الطبيعة موضوعاً للحكم فقط، لا سائر القيود.

231

بقي الكلام في رفع المحذور في مقام الامتثال.

3 المحذور في مقام الامتثال‏

إنّ بيت القصيد للامتناعي هو هذا المحذور و حاصله: أنّه يلزم من القول بجواز الاجتماع أن يكون شي‏ء واحد مبعوثاً إليه و منهيّاً عنه من غير فرق بين القول بتعلّق الأحكام بالمعنونات و ما يصدر من المكلّف، أو بالطبائع أمّا الأوّل فواضح و أمّا الثاني فتوضيحه يتوقّف على بيان مفاد الإطلاق الذاتي في الأحكام الذي هو السبب لظهور هذا النوع من المحذور فنقول:

إنّ الإطلاق اللحاظي و إن كان باطلًا كما مرّ غير أنّ الإطلاق الذاتي للحكم أمر لا محيص عنه و ذلك لأنّ نسبة الحكم إلى الموضوع في جميع الأزمنة و الأمكنة، كنسبة لازم الماهية، إليها، فكما لا ينفك اللازم أعني الزوجية عن الماهية كالأربعة، فكذلك لا ينفك الحكم الشرعي عن موضوعه، بعد كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم ففي أيّ مكان تحقّقت الطبيعة بنحو من الأنحاء يشملها الحكم و يعمّها.

و إن شئت قلت: إنّ مفاد الإطلاق الذاتي هو حضور الحكم لدى حضور الموضوع بلا قيد و شرط لحضوره و عدم انفصاله عنه، من دون حاجة إلى لحاظ الآمر و تصوّره، حتى يقال إنّ مرجعه إلى الإطلاق اللحاظي و هو باطل.

و على ضوء هذا البيان فلو أراد المكلّف إيجاد المأمور به، مع المنهيّ عنه، ففي هذه اللحظة الحسّاسة إن قلنا بالامتناع يكون الحضور لأحد الحكمين و لا يلزم المحذور و إن قلنا بالاجتماع، يعمُّ الحضور لكلا الحكمين أحدهما يبعث إلى الإيجاد، و الآخر ينهى عنه و ما هذا إلّا الأمر بالمحال.

و الجواب: إنّه إذا كان المنهي عنه بالنسبة إلى المأمور به من قبيل اللوازم غير المنفكّة كان لما توهم وجه، و لأجله قالوا لا يمكن أن يكون اللازم محكوماً بحكم‏

232

مضادّ لحكم الملزوم بأن يكون إيجاد الأربعة واجباً و إيجاد الزوجية محرّماً، لأنّه تكليف بالمحال.

و أمّا لو كان المنهيّ عنه بالنسبة إلى المأمور به من قبيل، المقارن الذي في وسع المكلّف تفكيكه عن المأمور به، فلا يلزم من كون الشي‏ء واجباً، و المقارن محرماً، التكليف بالمحال، لأنّ الحركة في الدار المغصوبة و إن كانت واجبة من حيث كونها مصداقاً للصلاة و محرّمة من حيث كونها مصداقاً للغصب و المولى في وقت واحد، يأمر بها و ينهى عنها، لكن الإتيان بالصلاة فيها لمّا لم تكن واجباً تعيينيّاً، بل تخييريّاً عقلياً، فلا يلزم من توجّه الأمر و النهي، محذور التكليف المحال إذ في وسع المكلَّف الإتيان بها في المكان المباح.

و الحاصل أنّ الحركة الواحدة، باعتبار عنوانين، مبعوث إليها، و منهي عنها، و المكلّف مخيّر عقلًا بين امتثال الأمر، مع الأمر المحرَّم، فيكون مطيعاً من جهة و عاصياً من جهة أُخرى، أو امتثاله في مكان مباح فيكون مطيعاً مطلقاً و لا يلزم من توجّه الأمر و النهي إلى المكلَّف أيّ ضيق و حرج بعد وجود المندوحة.

فإن قلت: قد سبق أنّ قيد المندوحة غير مؤثر في الحكم بالجواز و الامتناع مع أنّه على هذا البيان مؤثّر في القول بالجواز.

قلت: قد سبق منّا، أنّه غير مؤثر في كون التكليف عند الاجتماع، تكليفاً محالًا، و ذلك لكفاية اختلاف متعلّق الأمر و النهي في رفع هذا المحذور سواء أ كانت هناك مندوحة أو لا، و أمّا في مسألة التكليف بالمحال فهو مؤثّر جدّاً، و لولاها يلزم التكليف بالمحال، إذا كان الأمر و النهي باقيين بحالهما و إنّما لا يلزم مع بقائهما بحالهما إذا كانت هناك مندوحة.

فإن قلت: أيّ فائدة في تعميم الحكم حسب الإطلاق الذاتي إلى حالة الاقتران مع المحرّم، و لما ذا لا ينسحب الأمر عن الساحة إذا اقترن بالمحرّم؟

233

قلت: أمّا مسألة التعميم أو الانسحاب فليسا بيد المكلَّف بل الشمول أمر قهري، بعد كون الطبيعة بلا قيد و شرط، تمام الموضوع للحكم، فعندئذ يكون حضور الحكم في عامة الموارد حتى في مورد الاجتماع مع المحرّم أمراً قهريّاً، و أمّا الثمرة التي أشرت إليها في أوّل الإشكال فيكفي في الفائدة سقوط الأمر بالامتثال إذا كان توصلياً أو تعبدياً مع تمشّي القربة.

فإن قلت: إنّ جمع المكلّف بين الصلاة و الغصب مع وجود المندوحة و إن كان، بسوء الاختيار و لكن قد تقدّم أنّ سوء الاختيار لا يكون مجوّزاً، للتكليف بما لا يطاق.

قلت: إنّ ارتكاب المحرّم بسوء الاختيار على قسمين:

1 قسم يجعل المكلَّف في مضيق العصيان القطعي، و ليس له بعده أيّ مخلِّص عنه كما إذا ألقى نفسه من شاهق، فلا يكون مكلّفاً، بعدم السقوط بعد الإلقاء، لكونه تكليفاً بالمحال، مع عدم مخلِّص عنه ففي مثله، يسقط التكليف، خطاباً لا عقاباً.

2 قسم يجعله على عتبة العصيان و لكن له، أن لا يعصي كما إذا ألقى نفسه من شاهق، و لكن كان مجهزاً بجهاز صناعي، لو استعمله، لهبط إلى الأرض بهدُوء ففي مثله، لا يسقط النهي، لا خطاباً و لا عقاباً، لإمكان امتثاله.

و المقام من قبيل القسم الثاني فهو في آن الدخول إلى الصلاة في المكان المغصوب، يخاطب بالإتيان بها، و في الوقت نفسه، مكلّف بترك الغصب كذلك و لا يلزم أيّ محذور في حفظ الإطلاقين لأنّ الجمع حصل بسوء الاختيار مع إمكان التخلّص عنه بالإتيان بها في مكان مباح.

فإن قلت: ما الفرق بين المقام و الأمرين العرضيين بالمتزاحمين كالأمر بإنجاء هذا الغريق، و ذاك الغريق من دون تقييد أحد الأمرين بترك الآخر، و قد تقدّم أنّه‏

234

محال، لأنّه تكليف بالمحال و قد مرّ أنّ كون المكلّف قادراً على تعجيزه الشرعي و تعذير نفسه بالاشتغال بأحدهما، لا يصحح التكليف بالمحال.

قلت: إنّ المجوز للتكليف يجب أن يكون قبل الحكم أو مقروناً معه، و إلّا فالتعجيز بالاشتغال بأحدهما المؤكّد للعذر لا يبرر انقداح إرادتين إلى أمرين متضادّين، بخلاف المقام، فأنّ المجوّز للتكليف متقدّم، حيث إنّ الأمر بالصلاة في الدار المغصوبة ليس على وجه التعيين بل على وجه التخيير بينها و بين المكان المباح فتأمّل.

فإن قلت: ما الفرق بين الإرادة الشخصية و الإرادة القانونية، فكما لا يمكن اجتماع إرادتين متضادتين في نفس الإنسان بالنسبة إلى شي‏ء بأن يريد إيجاده مباشرة و في الوقت نفسه يريد تركه و عدمه، فهكذا الإرادة القانونية إذ على القول باجتماع الأمر و النهي، يلزم و لو نهاية و غاية أن تتعلّق إرادة المقنن، بإيجاده، و في الوقت نفسه تتعلّق إرادة أُخرى بعدمه، فكما أنّ الاجتماع هناك ممتنع و هكذا المقام.

قلت: إنّ القياس باطل لأنّه مع الفارق إلّا أنّ الإرادة الشخصية تتعلّق بفعل نفس الإنسان، و تكون علّة تامة لتحقّق المراد، فلا يمكن اجتماع علّتين تامّتين متضادّتين على معلول واحد.

و هذا بخلاف الإرادة التشريعية، فانّها ليست علّة تامّة لتحقّق المراد، سواء قلنا إنّها تتعلّق بفعل الغير الأعم من الإيجاد أو الترك، أو أنّها تتعلّق بفعل النفس، و إنشاء البعث، و على كلّ تقدير فبما أنّها ليست علّة تامّة للمراد، بل جعل داع و مبدأ تحريك فلا إشكال في تعلّق إرادتين تشريعيتين بالنسبة إلى المراد الواحد، بعنوانين، فالحركة في الدار المغصوبة بما أنّها صلاة مبعوث إليها قانوناً و بما أنّها غصب، متعلّقة للنهي، و لا يلزم من جعل الداعيين، التكليف بما لا يطاق فلاحظ.

235

و أظنّ أنّك لو تأمّلت فيما ذكرنا في المقامات الثلاثة يتجلّى لك جواز الاجتماع بأجلى مظاهرة و لا يبقى في ذهنك أيّ ريب و شكّ.

*** الوجه السادس: يمكن استكشاف جواز الاجتماع من خلال عدم ورود النصّ على عدم جواز الصلاة في المغصوب و بطلانها مع عموم الابتلاء به،

فانّ ابتلاء الناس بالأموال المغصوبة في زمان الدولتين: الأُموية و العباسيّة لم يكن أقلّ من زماننا خصوصاً مع القول بحرمة ما كانوا يغنمونه من الغنائم في تلك الأزمان، حيث إنّ الجهاد الابتدائي حرام بلا إذن الإمام (عليه السلام) على القول المشهور فكلّ الغنائم ملك لمقام إمامته، و مع ذلك لم يصلنا نهي في ذلك المورد، و لو كان لوصل، و المنقول‏ (1) عن ابن شاذان المتوفى بعد سنة 254 ه، هو الجواز، و ذلك يكشف عن صحّة اجتماع الأمر و النهي إذا كان المتعلّقان متصادقين على عنوان واحد.

*** هذه هي الوجوه الستة التي استدل بها على جواز اجتماع الأمر و النهي و الجامع بينها هو قضاء العقل بالجواز بطرقه المختلفة.

لكن هناك دليلًا آخر يغاير ما سبق في كيفية الاستدلال و هو إقامة الدليل على الجواز من باب أنّ أدلّ دليل على إمكان الشي‏ء وقوعه.

و إليك البيان:

____________

(1)- الكليني: الكافي: 94/ 6 قال: و إنما قياس الخروج و الاخراج كرجل دخل دار قوم بغير إذنهم فصلى فيها فهو عاص في دخوله الدار و صلاته جائزة إلى آخر ما ذكره.

236

الوجه السابع: الاستدلال بالعبادات المكروهة

إنّ أدلّ دليل على إمكان الشي‏ء وقوعه و قد تعلّق النهي في الشريعة الإسلامية بالعبادات المأمور بها، فلو كان التضادّ مانعاً من الاجتماع، لما وقع الاجتماع في غير الوجوب و الحرمة من الأحكام. و قد وقع على وجوه:

الأوّل: ما تعلّق فيه النهي بنفس ما تعلّق به الأمر من دون أن يكون له بدل، كصوم يوم عاشوراء و النوافل المبتدئة عند طلوع الشمس و غروبها.

الثاني: تلك الصورة لكن مع وجود البدل للواجب كالأمر بالصلاة، و النهي عنها في الحمّام.

الثالث: ما تعلّق به النهي بعنوان العبادة في لسان الدليل و لكن علم من الخارج أنّ متعلّق النهي عنوان آخر متّحد معه وجوداً أو ملازم معه خارجاً كالصلاة في مواضع التهمة فعلى الأوّل، يجب بذل الجهد على كلّ من الاجتماعي و الامتناعي لرفع المنافاة، و على الثاني، لا يجب على الاجتماعي بل هو من أدلّة نظريته و إن كان يجب بذله على الامتناعي و سوف يظهر ما ذكرنا عند دراسة هذا القسم، ثمّ إنّ المحقّق الخراساني قد ذكر قبل دراسة حكم كلّ قسم، أُموراً ثلاثة: (1) 1 لا بدّ من التصرف فيما وقع في الشريعة ممّا ظاهره الاجتماع بعد قيام الدليل على الامتناع فإنّ الظهور لا يصادم البرهان.

2 أنّ الاجتماعي و الامتناعي أمام هذا القسم على سواء لأنّ ظواهرها اجتماع الحكمين بعنوان واحد فهو ممّا لا يجوّزه الاجتماعي فضلًا عن الامتناعي فيلزم عليهما بذل السعي لدفع المحذور.

فإن قلت: لو كان النهي تحريمياً، لكان للمحاولة في رفع التضاد وجه و أمّا إذا كان تنزيهياً كما هو المفروض فلا وجه له.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 254/ 2551.

237

قلت: لا فرق في حدوث المنافاة في كون النهي تحريمياً أو كراهيّاً، لأنّ تعلّق الأمر الاستحبابي على صوم يوم عاشوراء كما هو المفروض يكشف عن كونه محبوباً، و تعلّق النهي الكراهي بنفس ما تعلّق به الأمر يكشف عن كونه ليس كذلك، و هذان الأمران غير مجتمعين و لأجل ذلك قلنا بأنّه يجب على الاجتماعي و الامتناعي بذل الجهد لرفع المنافاة.

3 إنّ القائل بالاجتماع إنّما يقول به إذا كانت هناك مندوحة حتى تكون مبررةً لفعلية النهي مع الأمر و أمّا العبادات المكروهة فليس لها بدل لأنّ صيام يوم الحادي عشر في المحرّم، موضوع آخر و ليس بدلًا عن صيام يوم عاشوراء و لذلك قلنا إنّ الاجتماعي و الامتناعي أمام القسمين الأوّلين على سواء.

و أمّا الأجوبة الثلاثة التفصيلية فيذكرها المحقّق الخراساني بعد ملاحظة أمرين:

أ: اتّفاق الفقهاء على صحّة الصوم في يوم عاشوراء.

ب: كانت سيرة أئمّة أهل البيت على الترك.

فبالنظر إلى هذين الأمرين لا محيص من تأويل النهي.

دراسة القسم الأوّل‏

قد تقدّم أنّه لا يجتمع استحباب العمل مع كراهته الاصطلاحية، فيمكن رفع المنافاة على كلا القولين بأحد وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل انطباق عنوان ذي مصلحة (كمخالفة بني أُمية) على الترك،

فيكون كلّ من الترك و الفعل مشتملًا على المصلحة، و يكون مفاد النهي هو الترك، كما أنّ مفاد الأمر هو الفعل فيكونان من قبيل المستحبّين المتزاحمين (الوجوديين) فعلى فرض تساوي المصلحتين، يكون مخيّراً، و إلّا يتعيّن الأهم منهما.

238

الوجه الثاني ملازمة الترك لعنوان كذلك (كالقدرة على إقامة مجالس عزاء الحسين (عليه السلام)) من دون انطباقه عليه‏

. فيكون كما إذا انطبق عليه من غير تفاوت، إلّا أنّ الطلب المتعلّق بالترك ليس حقيقياً بل عرضي، و إنّما الطلب الحقيقي متعلّق بالعنوان الملازم الوجودي. فإذا قال مثلًا: اترك الصوم فكأنّه يقول: ابك على الحسين (عليه السلام) و أقم العزاء له.

الوجه الثالث حمل النهي على الإرشاد إلى الترك الذي هو أرجح من الفعل‏

(كما في الوجه الأوّل) أو ملازم لما هو أرجح و أكثر ثواباً (كما في الوجه الثاني)، فيكون النهي على نحو الحقيقة (1) لا بالعرض و المجاز كما في الوجه الثاني، و الكراهة في هذا المورد، غير الكراهة المصطلحة الحاكية عن المنقصة و الحزازة بخلاف المقام فانّها بمعنى الأقل ثواباً. فللكراهة اصطلاحان فتارة يراد منها ما هو المعنى المعروف أي المشتمل على المنقصة، و أُخرى ما هو المراد هنا أي الأقل ثواباً.

يلاحظ على الجواب الأوّل، بوجهين:

أوّلًا: قلّما يتّفق أن يكون كلّ من الفعل و الترك متساويين من حيث المصلحة، بل الغالب وقوع الكسر و الانكسار بين الجهات و المصالح، فيكون إمّا مطلوب الفعل فقط أو مطلوب الترك فقط، أو متساوي الطرفين فيكون مباحاً كما لا يخفى، لا أنّه يكون كلّ من الفعل و الترك مستحبّاً.

و ثانياً: أنّ ما ذكره خلاف ما اتّفق عليه الفقهاء إذ لم يقل أحد بأنّ كلًّا من الفعل و الترك في صيام عاشوراء، مستحب أو كون كلّ من الصلاة و تركها عند طلوع الشمس و غروبها، مستحب. و لا يظنّ بأحد أن يقول بأنّ ترك صوم يوم‏

____________

(1)- لاحظ كفاية الأُصول: 257/ 1، طبعة المشكيني.

239

عاشوراء مستحب، بحيث إنّه لو أكل و شرب فيه فقد قام بعمل مستحب كما إذا صام.

يلاحظ على الوجه الثاني، بأنّ تفسير قوله:» لا تصم يوم عاشوراء، بقوله: أقم العزاء للحسين (عليه السلام) و ابك له «تأويل بارد، فلا داعي إلى العدول عن الأصل (أي الأمر بإقامة العزاء) إلى التعبير عنه بالنهي عن الصيام فيه، لأنّ الكناية عبارة عن ذكر الملزوم و إرادة اللازم بشرط أن تكون هناك ملازمة عقلية أو عرفية واضحة، و ليست في المقام كذلك إذ ربّما تارك الصوم، لا يشارك في العزاء.

و الصحيح هو الثالث: و هو حمل النهي على الإرشاد إلى أنّ الترك إمّا أرجح أو ملازم لما هو الأرجح.

الوجه الرابع و هناك وجه رابع و هو أنّه يمكن أن يجاب بأنّ متعلّق الأمر هو الصوم، و متعلّق النهي هو التشبه المتحقق بالصوم‏

فالنهي عن الصوم، ليس نهياً ذاتياً، بل نهي عرضي، و المنهي عنه بالذات هو التشبه المنطبق هنا على الصوم، و على هذا فهناك أمر بالصوم و لا نهي عنه على خلاف الجواب الخامس.

و لا يرد عليه ما أوردناه على الوجه الثاني، لأنّ الانتقال من النهي عن الصيام، إلى الأمر بإقامة العزاء بعيد جدّاً، بخلاف المقام بعد وضوح تظاهر الأُمويين بالصيام للتبرّك فالقرينة الحالية تدلّ على أنّ النهي عن الصيام لغاية النهي عن التشبّه بهم.

و مثله الصلاة عند طلوع الشمس و غروبها، فالنهي ليس متعلّقاً بنفس الصلاة، بل متعلّق بعنوان التشبّه، لأنّ عبدة الشمس، يعبدونها عند طلوعها و غروبها، فعند ذلك يكون بين المتعلّقين صم، و لا تتشبه بالأعداء أو صلّ و لا تتشبه بعبدة الشمس عموم من وجه و قد عرفت الجواز فيه.

240

فإن قلت: إنّ الظاهر أنّ متعلّق النهي هو نفس الصوم و الصلاة، لا عنوان التشبّه.

قلت: الظاهر و إن كان ذلك، إلّا أنّ كلامه (عليه السلام) في زيارة الإمام الحسين (سلام اللّه عليه) يُقرّب كون المنهي عنه هو التشبّه حيث ورد فيه» اللّهمّ إنّ هذا يومٌ تبرّكت به بنو أُميّة و ابن آكلة الأكباد «و لم يكن تبرّكهم إلّا بصيام هذا اليوم شكراً، لانتصارهم فيه على الحسين (عليه السلام) و قتله.

الوجه الخامس و هناك وجه خامس: و هو ما ذكره المحقّق البروجردي،

و حاصله:

أنّ صوم يوم عاشوراء، أو الصلاة حين طلوع الشمس و غروبها، بما أنّه مندرج تحت عنوان مبغوض مثل موافقة بني أُمية، أو عبدة الشمس، صار ذا حزازة تفوق المصلحة الموجودة فيه، و لذلك صار متعلّقاً للنهي التنزيهي.

و أمّا الصحّة، فلا تكشف عن تعلّق الأمر به، و لعلّ وجه الصحّة هو اشتماله على الملاك، فيكون هناك عندئذ نهي لا أمر. و النهي التنزيهي لا يمنع عن قصد التقرّب، كما لا يخفى.

و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الرابع واضح إذ على الوجه السابق، أنّ متعلّق النهي، هو التشبه لا الصوم فيكون الصوم مأموراً به لا منهياً عنه، و أمّا على هذا الوجه، فالنهي تنزيهي تعلّق بالصوم، فهناك نهي لا أمر و الصحّة لاشتماله على الملاك. (1) يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على استكشاف الملاك بلا أمر، و هو غير تام، إذ من أين لنا العلم باشتمال الصوم المنهيّ عنه، على الملاك لو لا الأمر، كما لا يخفى.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّا نعلم وجداناً أنّ الصوم في يوم عاشوراء بعد شهادة

____________

(1)- نهاية الأُصول، ص 243.

241

الحسين (عليه السلام) هو نفس الصوم قبلها في الاشتمال على المصلحة و الملاك و إنّما الاختلاف في عروض عنوان يمنع عن كون الحكم فعلياً، كما هو مبنى المجيب.

الوجه السادس ما ذكره المحقّق النائيني،

و حاصله: أنّه إذا اجتمع أمران في مورد واحد، فإن كان متعلّقهما واحداً، فلا محيص من اندكاك أحد الأمرين في الآخر، كما في مورد نذر صلاة الليل، و إن كان المتعلّقان، متغايرين فلا وجه للاندكاك بل نحتفظ بكلا الأمرين.

و مثله الأمر و النهي، إذا كانا متغايرين من حيث المتعلّق نحتفظ بهما من دون اندكاك أحدهما في الآخر و المقام من هذا القبيل.

و إليك نصّ تقريره:

إذا تعلّق النذر بعبادة مستحبة، يكون متعلّق الأمر الناشئ من العنوان الثانوي كالنذر، و متعلّق الأمر الاستحبابي، شيئاً واحداً. فالأمر الناشئ من النذر، يتعلّق بذات العبادة التي تعلّق بها أيضاً الأمر الاستحبابي في نفسها، لا بالعبادة التي تعلّق بها، فلا محالة حينئذ يندكّ الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبي، و يتّحد به، فيكتسب الأمر الوجوبي جهة التعبّد من الأمر الاستحبابي، كما أنّ الأمر الاستحبابي يكتسب جهة اللزوم من الأمر الوجوبي، فيتولّد من اندكاك أحد الأمرين في الآخر أمر واحد وجوبيّ عباديّ.

و قد يكون متعلّق الأمر الناشئ من العنوان الثانوي كالإجارة مغايراً لمتعلّق الأمر بالعبادة و ذلك كما إذا كانت العبادة المستحبّة متعلّقة للإجارة في موارد النيابة عن الغير، فكان متعلّق الأمر الاستحبابي مغايراً لما تعلّق به الأمر الوجوبي، لأنّ الأمر الاستحبابي على الفرض تعلّق بذات العبادة، و أمّا الأمر الناشئ من الإجارة فلم يتعلّق بها بل تعلّق بإتيان العبادة بداعي الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه ففي مثله يستحيل تداخل الأمرين.

242

و مثله المقام، فانّ متعلَّق الأمر هو ذات العبادة، و أمّا النهي التنزيهي فهو لم يتعلّق بها، لعدم مفسدة في فعلها و لا مصلحة في تركها، بل تعلّق بالتعبّد بهذه العبادة، لما فيها من مشابهة للأعداء.

و على ذلك، فمتعلّق النهي التنزيهي غير متعلّق الأمر الاستحبابي، فإنّ متعلّق الثاني هو نفس العمل و ذات الصوم، بينما متعلّق الأوّل هو التعبّد بالعمل و التقرّب به إليه تعالى، فيكون الصوم مستحبّاً، و مع ذلك يكون التعبّد به مكروهاً.

و له نظائر في الفقه، فإنّ ذات صلاة الظهر واجبة حيث تعلّق الوجوب بنفس الطبيعة، و لكنّها بما هي مقدّمة وجودية لصلاة العصر، واجبة غيريّة، و لا يلزم اتحاد متعلّق الوجوب النفسي و الغيري.

هذا حاصل كلامه. (1) و يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ متعلّق الأمر الاستحبابي غير متعلّق الأمر النذري. فالأوّل تعلّق بذات العبادة كصلاة الليل، و الثاني تعلّق بالوفاء بالنذر، و لا يتحقّق الوفاء بالنذر إلّا بالإتيان بالعبادة بوصف كونها مستحبة ذاتاً.

فإذا كان متعلّق أحدهما غير الآخر، فلا معنى حينئذ لاندكاك أحدهما في الآخر، و تولّد أمر واحد منهما.

و من ذلك يتبيّن أنّ المثال الأوّل و المثال الثاني من باب واحد حسب ما شرحناه، فالأمر الاستحبابي تعلّق بنفس العبادة، و الأمر الإجاري تعلّق بالوفاء بالعقود لقوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة/ 1) و لا يتحقّق الوفاء بالعقد إلّا إذا أتى بالحجّ بداعي الأمر المتوجّه إلى الغير، وجوباً كان أم استحباباً.

و ثانياً: أنّ ما ذكره في مورد النهي عن صوم يوم عاشوراء إنّما يتمّ لو قلنا بامتناع» أخذ قصد الأمر في المتعلّق «و أمّا لو قلنا بإمكانه، و كونه مأخوذاً فيه،

____________

(1)- لاحظ أجود التقريرات: 365/ 3671، و فوائد الأُصول: 439/ 4401.

243

فالأمر الاستحبابي يكون متعلّقاً بنفس ما تعلّق به النهي التنزيهي، حيث إنّ الأوّل تعلّق بالصوم بقصد أمر، و بنية التعبّد، و المفروض أنّ النهي أيضاً تعلّق به.

و ثالثاً: أنّ مآل ما ذكره إلى تضادّ الحكم مع ما يعطيه مفهوم متعلّقه، فلو فرضنا أنّ النهي تعلّق بالصوم بقيد التعبّد، و المفروض أنّه لا معنى له إلّا قصد أمره الاستحبابي، فيصير مآله إلى أنّ الصوم بما هو مستحبّ، مكروه، و هو معنى مناقضة الحكم لموضوعه.

و رابعاً: أنّ ما ذكره تمحل و لا دليل له عليه، إذ أيّ معنى لكون الصوم، بما هو هو، مستحباً و بما أنّه مأتي به بقيد التعبّد و الاستحباب، مكروه.

إلى هنا تمّ الكلام في القسم الأوّل من أقسام العبادات المكروهة و إليك الكلام في القسم الثاني منها.

*** أمّا دراسة القسم الثاني، و هو ما إذا كان بين المتعلّقين نسبة الإطلاق و التقييد، فقد أفاد المحقّق الخراساني بأنّه يجري فيه، ما ذكره في القسم الأوّل من الأجوبة الثلاثة حرفاً بحرف لكنّه ذكر في هذا القسم جواباً خاصّاً به و الفرق بينه و بين الأجوبة الثلاثة المتقدّمة هو أنّ بناء الأجوبة على انطباق عنوان راجح على الترك أو ملازمته له، و أمّا هذا الجواب فمبني على حدوث عنوان قبيح في الفعل.

توضيحه: أنّ الطبيعة تارة تتشخص بمشخص غير ملائم لها كالصلاة في الحمام فإنّه لا يناسب مع كونها معراجاً، و أُخرى تتشخص بمشخص شديدة الملاءمة لها و معها مزية فيها كالصلاة في المسجد، و ثالثة تتشخص بما لا يكون معه شدّة الملاءمة و لا عدمها لها كالصلاة في الدار و الكراهة عندئذ، بمعنى كونها أقلّ ثواباً.

244

فإذا كان المقياس لكثرة الثواب و قلّته هو ثواب طبيعة الصلاة، فكلّ عمل زاد ثوابه عن الثواب المترتّب على نفس الطبيعة يكون مستحبّاً و كل عمل كان أقلّ ثواباً مما يترتّب على نفس الطبيعة يكون مكروهاً. (1)

نظرنا في القسم الثاني‏

هل يشترط في مسألة اجتماع الأمر و النهي، كون النسبة بين العنوانين عموماً و خصوصاً من وجه أو يعمّه و ما كانت النسبة بينهما عموماً و خصوصاً مطلقاً كما في المقام، فلو قلنا بالثاني، فالمورد يكون دليلًا على جواز الاجتماع و إلّا فيجب على الاجتماعي أيضاً، بذل الجهد لرفع التنافي.

و لكن الظاهر عدم دخوله في محلّ النزاع و يدلّ على ذلك أنّهم يمثّلون بما إذا أمر المولى بالخياطة و نهى عن الكون في مكان خاص، و لو كان الملاك أعمّ، لناسب، أن يمثّلوا بقولهم و نهى عن الخياطة في مكان خاص، أو التنبيه على الفرد أيضاً.

و ربّما يستدل على الخروج بأنّ المطلق بما هو هو متعلّق للأمر، و بهذا العنوان يكون واجباً، و بما أنّه جزء، موضوع للنهي و بهذا العنوان يصير محرّماً، فالنهي عن الخياطة المقيّدة، نهي عن نفس الطبيعة اللابشرطية و هو في الوقت نفسه متعلّق للوجوب و ربّما يجاب بأنّ الموضوع للأمر هو المطلق و لكن الموضوع للنهي هو المقيّد و المقيّد بما هو مقيّد، غير المطلق، فاختلف الموضوعان و هذا هو الأقوى.

و على ذلك، فمثل تلك العبادات، تكون من دلائل مقالة الاجتماعي.

نعم على القول بخروجه عن محلّ النزاع و الاتّفاق مع القائل بالامتناع على‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 257/ 1 258.

245

عدم الجواز يمكن أن يقال بوجود الفرق بين النهي التحريمي و النهي التنزيهي فإنّه لا منافاة بين الأمر بالصلاة على وجه الإطلاق، و النهي التنزيهي عن إقامتها في مكان خاص، و ذلك لأنّ المنافاة إنّما تتحقّق إذا كان النهي تحريمياً، و ذلك لأنّ مفاد إطلاق الأمر، هو الترخيص في الإتيان حتّى في ذلك المكان الخاص، مع أنّ مقتضى النهي التحريمي، عدمه فيحصل التدافع بين كلّ من إطلاق الأمر، و مفاد النهي و لأجل ذلك يحمل إطلاق الأمر على غير هذا الفرد لقوّة إطلاق النهي و يكون الجمع دلالياً موافقاً لفهم العرف.

و هذا بخلاف ما إذا كان النهي تنزيهيّاً إذ لا منافاة بين الأمر بالإتيان بالصلاة على وجه الإطلاق الشامل لإتيانها في الحمام و النهي عنها تنزيهاً عن ذلك الفرد، لأنّ الترخيص في إيجاد الطبيعة في ضمن هذا الفرد، لا ينافي النهي التنزيهي و تجويز العدول عنه إلى فرد آخر، لأنّ مفاد الأمر هو جواز العدول منه إلى غيره و إن لم يرد، النهي فضلًا عن ورود النهي.

و إن شئت قلت: إنّ مفاد إطلاق الأمر هو الترخيص في مورد هذا الفرد، و مفاد النهي التنزيهي أيضاً هو الترخيص، فلا تضادّ بين الترخيصين و إنّما التضادّ بين المتعيّنين أو بين المتعيّن و المرخّص.

و أمّا وجه النهي التنزيهي فهو ما ذكره المحقّق الخراساني فلا نعيد.

حكم القسم الثالث على القول بالاجتماع‏

إنّ للقسم الثالث ظاهراً و واقعاً فالنهي حسب الظاهر، تعلّق بالعبادة، في مكان خاص، فصار متعلّق الأمر و النهي شيئاً واحداً. و أمّا حسب الواقع فالأمر تعلّق بالعبادة، و النهي بالكون في مكان خاص، و المنهي عنه من خصوصيات المأمور به و متّحداته و لوازمه فأصبح لازماً للصلاة و النهي عن الغصب و على هذا

246

لا حاجة للاجتماعي أن يجيب عن هذا القسم.

و لكن بما أنّ المستدل تمسّك بالظاهر و أنّ العبادة، صارت متعلّقة للنهي، دون خصوص الكون في مكان التهمة، لزم على الاجتماعي و الامتناعي، الإجابة عنه، و بعبارة أُخرى أنّ الاجتماعي مكلّف بالإجابة حسب النظر إلى الظاهر و أمّا بالنظر إلى الواقع فهو في فسحة من الإجابة لأنّه نظير الصلاة و الغصب.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني‏ (1) ذكر عن جانب الاجتماعي جوابين أحدهما مبنيّ على التصرّف في متعلّق النهي و موضوعه و الآخر على التصرّف في مفهوم الحكم و معناه.

أمّا الأوّل فبإيجاد الاختلاف في موضوعي الأمر و النهي فالأمر متعلّق بالعبادة و النهي متعلّق في الواقع بالكون في مكان خاص، و لو نسب إلى العبادة فإنّما هو بالعرض و المجاز، و على ذلك فالنهي فعلي مولوي متعلّق بالكون لا بالعبادة إلّا بالعرض.

أمّا الثاني، فهو تفسير الحكم و مفاد النهي و إخراجه عن المولوية إلى الإرشاد إلى ما ليس فيه هذا النقص هذا كلّه على القول بالاجتماع و أمّا على القول بالامتناع فقد ذكر فيه ما يلي:

دراسة القسم الثالث على القول بالامتناع‏

إنّ العنوان الموجب للنقصان و الحزازة لا يخلو إمّا أن يكون عنواناً ملازماً للصلاة في موضع التهمة أو عنواناً منطبقاً عليها.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 259/ 1.

247

أمّا الأوّل: فيقال فيه بمثل ما قيل على القول بالاجتماع‏ (1) و هو أنّ الوجوب متعلّق بالصلاة، و النهي متعلّق بالعنوان الملازم حقيقة، و لو نسب التحريم إلى الصلاة فإنّما هو بالعرض و المجاز.

و أمّا الثاني، فبما أنّ المفروض صحّة الصلاة، فهذا يدلّ على تقديم الأمر على النهي، و يكفي في رفع الغائلة، التصرّف في مولوية النهي و حمله على الإرشاد، حسب ما ذكرناه في القسم الثاني، لأنّ القسمين: الثاني و الثالث مشتركان في هذه الجهة.

*** ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أشار إلى أُمور بعبارات موجزة الأوّل: إنّ للكراهة اصطلاحاً شائعاً و هو كون العمل مرجوحاً لدى الشارع و اصطلاحاً خاصّاً في باب العبادات بمعنى أقليّة الثواب و لا يصحّ تفسير النهي بهذا المعنى في صوم يوم عاشوراء لأنّها إنّما يتصوّر، إذا كان هناك فردان، يستطيع معه الإنسان من العدول عن الأقلّ ثواباً إلى الأكثر ثواباً و هو فرع تعدّد الفرد، و المفروض في القسم الأوّل عدم البدل.

كما لا يصحّ ذلك في القسم الثالث على القول بالاجتماع، لأنّه لا يسري حكم المنهي عنه إلى المأمور به عند الاجتماعي و لا محيص عن تفسير الكراهة فيهما بمرجوحية العمل و نقصانه و حزازته نعم يصحّ تفسيرها بالأقلّية ثواباً في غير هذين الموردين.

الثاني: إنّ البحث السابق كان راجعاً إلى حلّ عقدة اجتماع الوجوب‏

____________

(1)- غير أنّ الاجتماعي اعتمد عليه في كلا العنوانين الملازم و المنطبق، و لكن الامتناعي، يعتمد عليه في خصوص العنوان الملازم دون الثاني إذ عليه يلزم أن يكون الشي‏ء الواحد محكوماً بحكمين متضادّين و لو بعنوانين و هو غير جائز عنده.

248

و الكراهة، لكن المستدل كما استدلّ به، استدلّ باجتماع الوجوب و الاستحباب في مثل الصلاة في المسجد، بل استدلّ باجتماع الوجوب مع الإباحة (1) فحاول المحقّق الخراساني أن يجيب عنه و حاصل ما أجاب: أنّ المحال إنّما يلزم بتعلّق الوجوب و الاستحباب على العبادة بنحو يكونان، مولويين، فعليين، حقيقيين، و أمّا إذا تخلّف واحد منهما، فلا يكون الاجتماع محالًا فعلى ذلك يمكن حمل الأمر الاستحبابي المتعلّق بنفس العبادة بأحد الأنحاء التالية:

1 أن يكون الأمر الاستحبابي إرشاداً إلى أفضل الأفراد مع كونه حكماً فعليّاً متعلّقاً بالحقيقة على العبادة، إذ لا مانع من تعلّق حكمين بشي‏ء واحد، يكون أحدهما إرشادياً و الآخر مولوياً. من غير فرق بين القول بجواز الاجتماع أو الامتناع.

2 أن يكون الأمر الاستحبابي مولويّاً لكن اقتضائيّاً متعلِّقاً بالعبادة على نحو الحقيقة، و لا مانع من اجتماع أمرين في شي‏ء واحد، أحدهما: فعلي كالوجوب و الآخر اقتضائي، على كلا القولين.

3 أن يكون الأمر الاستحبابي مولويّاً فعليّاً حقيقيّاً بالنسبة إلى العنوان الملازِم و مجازيّاً بالعرض بالنسبة إلى العبادة و ذلك فيما إذا اختلف موضوع الأمرين، فالأمر الوجوبي يتعلّق بنفس الصلاة و الأمر الاستحبابي يتعلّق بالعنوان الملازِم كتأليف القلوب في الاقتداء بالمخالف، و يكون اتصاف العبادة عندئذ بالاستحباب بالعرض و المجاز، هذا من غير فرق بين القول بالاجتماع أو الامتناع إذا كان العنوان ملازماً للعبادة لا متّحداً معها.

4 أن يكون الأمر الاستحبابي مولوياً فعلياً حقيقياً بالنسبة إلى العنوان المتّحد و بالعرض و المجاز بالنسبة إلى العبادة، فالأمر الوجوبي يتعلّق بنفس‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 254/ 1، ط المشكيني.

249

العبادة و الأمر الاستحبابي يتعلّق بالعنوان المتّحد حقيقة و بوجه العرض و المجاز يتعلّق بنفس العبادة أيضاً لكن هذا على القول بالاجتماع، حيث يرى الاجتماعي عدم سراية الحكمين من أحدهما إلى الآخر و إن كان العنوان متحداً مع العبادة بخلافه على القول بالامتناع، بل على هذا القول يجب أن يحمل الأمر الاستحبابي على إحدى الطرق المتقدّمة.

الثالث: قد تقدّم في دراسة القسم الأوّل احتمال انطباق أو ملازمة عنوان ذي مصلحة على الترك فيكون الترك كالفعل مستحبّاً.

و أمّا المقام فلو كان هنا وراء ملاك الوجوب، ملاك راجح و افترضنا كونه منطبقاً (لا ملازماً) على الفعل لا على الترك كما هو الحال في مسألة يوم عاشوراء فعلى القول بالامتناع لا يوجب استحباب الفعل بل يوجب تأكّد الوجوب، فلا يكون الفعل مستحبّاً، لا حقيقة و لا عرضاً لعدم بقاء الاستحباب.

و أمّا على القول بالاجتماع، فيكون كلّ من الأمرين مستقرّاً على موضوعه لا يسري حكم الاستحباب من العنوان المستحب إلى عنوان الواجب، و لا يصير مستحبّاً إلّا بالعرض و المجاز.

فتلخّص أنّ ملاك الاستحباب المنطبق على الفعل لا يعطي لنفس الفعل وصف الاستحباب، بل يؤكّد الوجوب على القول بالامتناع.

نعم على القول بالاجتماع يعطي له وصفه لكن بالعرض و المجاز لتغاير الموضوعين.

و أمّا إذا كان العنوان ملازماً فالاجتماعي و الامتناعي سواء فلا يوصف العمل بالاستحباب إلّا اقتضائياً و بالعرض و المجاز أمّا كون الاتصاف بالاستحباب بالعرض و المجاز فواضح لتغاير موضوعي الوجوب و الاستحباب إنّما الكلام في تفسير قوله:» اقتضائياً «و الظاهر أنّه سهو و الصحيح» فعلياً «، لأنّ‏

250

الاستحباب حكم فعلي على العنوان غاية الأمر حقيقيّ بالنسبة إلى العنوان، و مجازيّ بالنسبة إلى المعنون أي العبادة.

و لا يذهب على القارئ انّ عبارات الكفاية في المقام أشبه بالطلاسم. و قد قمنا بفضله سبحانه بحلّها. فاغتنم. (1)***

تنبيهات‏

ذكر المحقّق الخراساني تبعاً للشيخ الأعظم تنبيهات في المقام و نحن نقتفيهما.

التنبيه الأوّل: في حكم التخلّص عن الحرام الأشدّ بالحرام الأخفّ‏

إذا انحصر التخلّص عن الحرام الأشدّ الذي ارتكبه بسوء الاختيار، بارتكاب الحرام الأخفّ كالخروج من الدار المغصوبة بعد توسّطها على وجه محرّم، و كشرب الخمر للنجاة عن التهلكة التي ارتكب بسوء الاختيار ما يؤدي إليها.

ثمّ إنّ موضوع البحث هو المضطرّ إلى ارتكاب الحرام و أمّا المختار، سواء كان فيه ملاك الوجوب كالغسل الارتماسي في شهر رمضان، أو لا، كمجرّد الارتماس فيه من دون قصد الغسل فهو خارج عن موضوع البحث. فما يرى من المحقق المشكيني من عدّه في ضمن الأقسام فإنّما هو لأجل الاستطراد.

ثمّ إنّ المضطرّ إلى ارتكاب الحرام على قسمين تارة يكون الاضطرار إليه لا بسوء الاختيار، كما إذا حبس في مكان مغصوب، و أُخرى بسوء الاختيار كما إذا

____________

(1)- راجع كفاية الأُصول: 260/ 2611.