المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
251

توسّط الأرض المغصوبة تنزّهاً، فأراد ترك الحرام بالخروج.

و قد اختصر المحقّق الخراساني الكلام في القسم الأوّل فقال ما هذا نصّه:» إنّ الاضطرار إلى ارتكاب الحرام و إن كان يوجب ارتفاع حرمته، و العقوبة عليه، مع بقاء ملاك وجوبه لو كان الملاك مؤثراً له كما إذا لم يكن بحرام بلا كلام «.

و حاصل كلامه أمران:

1 إنّ الإقامة في مكان مغصوب للمحبوس ليس بحرام و ترتفع حرمته.

2 بما أنّ الحرمة شأنية فلو كان هناك ملاك للوجوب، يكون مؤثراً كالصلاة فيه، فيكون ملاك وجوبه مؤثراً للوجوب، لو كان الملاك و وجد (1) و لأجل توضيح كلامه نقول:

يقع الكلام في مقامين:

1 الاضطرار لا بسوء الاختيار

و يقع الكلام فيه في مقامين:

المقام الأوّل: في حكم التصرّف فيها دخولًا و بقاءً و خروجاً.

لا شكّ في عدم حرمته فيها مطلقاً، للآيات و الروايات الدالّة على أنّ الاضطرار رافع للتكليف كقوله سبحانه: (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (الأنعام/ 152) فالآية كاشفة عن تحديد التكاليف بحدّ الاضطرار، و معه لا

____________

(1)- إنّ لفظة:» كان «في قوله:» لو كان «تامّة و قوله» مؤثراً له «حال من ملاك: و تقدير الكلام:» مع بقاء ملاك وجوبه، مؤثراً له لو كان فيه ملاك الوجوب. كما أفاده السيد المحقّق البروجردي في درسه الشريف عام 1366 ه.

252

تكليف و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) في حديث الرفع:» رفع عن أُمّتي تسعة ... و ما اضطرّوا إليه «رواه الصدوق في خصاله: قال: حدثني أحمد بن محمد بن يحيى العطّار القمي رضي اللّه عنه عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1) و السند لا غبار عليه إلّا توهم أنّ أحمد بن محمّد بن يحيى شيخ الصدوق لم يوثق و لكن القرائن، دالّة على وثاقته و ذلك لأنّه:

1 من مشايخ الصدوق حيث يروي عنه و يترضى له و يقول رضي اللّه عنه كما عرفت.

2 من مشايخ التلّعكبري و قد سمع منه عام 356 ه.

3 كثرة النقل عنه، فإنّ الثقات و إن كانوا يروون عن غيرهم أحياناً، لكن تكثير النقل عن غير الثقة كان عيباً لدى القدماء و لذلك أخرج أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، أحمد بن محمّد بن خالد و سهل بن زياد الآدمي من قم لأجل كثرة النقل عن الضعاف من دون أيّ غمز فيهما، فلو كان الرجل غير ثقة، لما كان لأمثال الصدوق و غيره أيُّ داع، لمل‏ء كتبهم بالنقل عن الضعيف مع إمكان النقل عن الثقات.

و أمّا عدم التصريح بالوثاقة فليس أمراً غريباً، فكم له من نظير، فإنّ أحمد ابن الحسن بن الوليد من مشايخ الصدوق الذي يعتمد الصدوق عليه في الجرح و التعديل و مع ذلك لم يوثق، و ليس لأحد أن يردّ روايته بمجرّد عدم ورود التوثيق الصريح عليه في الكتب الرجالية.

و لو سلّمنا، فيكون أحمد بن محمّد، مهملًا في الرجال لا مجهولًا و الفرق بينهما واضح لمن له إلمام بالرجال و الدراية فما عليه المحقّق الخوئي في معجم رجال الحديث من كون الرجل مجهولًا فهو كما ترى‏ (2) فلاحظ.

____________

(1)- الخصال: 417/ 2.

(2)- معجم رجال الحديث: 330/ 2.

253

المقام الثاني: في حكم العبادة فيها

الظاهر صحّتها، أمّا على القول بالاجتماع فواضح لا سترة فيه مع تمشي القربة من غير فرق بين أن تكون حيثية الحرام متّحدةً مع حيثية الواجب كالصلاة في الدار المغصوبة لما عرفت من أنّ ميزان جواز الاجتماع ليس كون حيثية الواجب، مغايراً مع حيثية الحرام في الخارج حتى يفرق بين القسمين، بل الميزان كون المتعلّق في مقام التعلّق مختلفاً و هو موجود في كلا القسمين.

و أمّا على القول بالامتناع و تقديم الحرمة فلأنّ المانع من فعلية حكم الصلاة ليس إلّا فعلية الحرمة فلأجل المزاحمة بينهما و تقديم ملاك الحرمة بوجه من الوجوه صار حكم الواجب غير فعلي فإذا سقطت الحرمة لأجل الاضطرار، فلا مانع من فعلية حكم الواجب إذ لا تزاحم بينهما عندئذ و يكون الإتيان، إثباتاً بالواجب مع عامة أجزائه و شرائطه.

فإن قلت: إنّ المانع عن تحقّق الوجوب ليس هو الحرمة الفعلية، حتى يصير ارتفاعها سبباً لتحقّقه، بل المانع عن تحقّقه و تأثير ملاكه فيه، هو أقوائية ملاك الحرمة (أعني المفسدة الداعية إلى جعلها)، من ملاك الوجوب (أعني المصلحة الباعثة نحو الإيجاب) فما دامت المفسدة باقية على قوّتها لا مجال لتأثير ملاك الوجوب و إن كان هنا مانع عن فعلية الحرمة أيضاً. (1) قلت: هذا ما أفاده سيّدنا المحقّق البروجردي (قدس سره) لكن وجود المفسدة الأقوى من مصلحة الواجب عند الاضطرار. أوّل الكلام، لأنّ العلم بالملاك، رهن وجود الحكم و فعليته، و مع عدمها، كما هو المفروض، فكيف تعلم فعلية المفسدة؟

فإن قلت: لو كان النهي عن التصرّف في المغصوب، موجباً لتقيّد الصلاة

____________

(1)- نهاية الأُصول: 244، الطبعة الأُولى.

254

بقيد وجوديّ كلزوم كون الصلاة في مكان مباح أو بقيد عدمي كاشتراطها بعدم كونها في مكان مغصوب الذي مرجعه إلى مانعية الغصب لصحّتها، فعندئذ يكون المأمور به مقيّداً بقيد وجودي (إذا كانت الإباحة شرطاً) أو عدمي (إذا كان الغصب مانعاً) و مع عدم إمكان تحصيله يسقط الأمر بالمركّب لعدم إمكان تحصيله، لا أنّ الواجب ينحصر في الباقي و يصحّ الإتيان به.

قلت: إنّ ما ذكرته يتفرّع على بقاء شرطية المكان المباح أو مانعية المغصوب في حال الاضطرار و ليس كذلك لأنّه إذا كان الوجوب الوضعي (الشرطية) أو الحرمة الوضعية (المانعية) مستفادين من الحكم التكليفي، فيسقطان مع سقوطه فلا يعقل أوسعية الوضع من التكليف.

و إن شئت قلت: إذا قال الشارع لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال الغير إلّا بإذنه يكون مفاده الزجر تكليفاً عن ذاك التصرّف، فلو دلّ مع ذلك على شرطية الإباحة أو مانعية الغصب بالنسبة إلى التصرّف، فسعة الحكم الوضعي و ضيقه، تابع لسعة الحكم التكليفي فلا وجه لبقاء الحكم الوضعي الذي هو الفرع مع ارتفاع الحكم التكليفي الذي هو الأصل.

فالظاهر صحّة الصلاة و الأعمال العبادية إلّا ما كان له بدل مباح مثل الوضوء فانّ التيمّم بالتراب المباح بدل عنه و عندئذ يجب عليه العدول إلى ما له بدل مباح كما قرر في محلّه. و على ضوء ما ذكر تجب عليه إقامة الصلاة التامة قياماً و ركوعاً و سجوداً. نعم نقل صاحب الجواهر عن بعضهم رأياً شاذّاً فلاحظ (1).

____________

(1)- جواهر الكلام: 300/ 8.

255

2 حكم الاضطرار بسوء الاختيار

و هذه المسألة هي التي عقد البحث لبيانها في المقام و يقع في موارد:

الأوّل: في حكم الدخول.

الثاني: في حكم الخروج تكليفاً.

الثالث: في حكم العبادة حين الخروج وضعاً. فنقول:

أمّا الأوّل‏

: فلا شك في حرمة الدخول لأنّه من مصاديق الغصب أو التصرّف في مال الغير عدواناً.

و هذا واضح إنّما الكلام في الأمر الثاني و هو الذي نطرحه.

الأمر الثاني: حكم الخروج‏

فقد اختلفت الأقوال في حكم الخروج و إليك بيانها:

1 إنّه منهي عنه بالنهي الفعلي و ليس بواجب و هو خيرة سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه.

2 إنّه مأمور به شرعاً مع جريان حكم المعصية عليه، و أنّه منهي عنه بالنهي السابق الساقط

256

من ناحية الاضطرار، اختاره صاحب الفصول.

3 إنّه مأمور به مع عدم جريان حكم المعصية عليه، و ليس منهيّاً عنه بالنهي السابق الساقط ذهب إليه المحقّق الأنصاري و اختاره المحقّق النائيني.

4 إنّه واجب و حرام بالفعل ذهب إليه أبو هاشم الجُبّائي المعتزلي (المتوفّى 303 ه) و اختاره المحقّق القمي.

5 إنّه واجب عقلًا لدفع أشدّ المحذورين بارتكاب أخفّ القبيحين، و ليس محكوماً بحكم شرعي بالفعل. نعم هو منهي عنه بالنهي السابق الساقط بالاضطرار و يجري عليه حكم المعصية. و هذا مختار المحقّق الخراساني.

و هنا احتمال سادس‏ (1) و هو القول بالترتّب في المقام و حاصله: أنّ الغصب بجميع أنحائه من الدخول و البقاء و الخروج حرام لكن لا بهذه العناوين بل كلّ واحد بما أنّه غصب و تصرّف في مال الغير، فإذا قال: لا تغصب يشمل هذه الأُمور كلّها ثمّ إنّ هنا حكماً آخر مقيّد بعصيان الخطاب الأوّل فلو عصى و غصب بالتوسّط يكون الخروج مأموراً به و معنوناً بعنوان حسن في رتبة عصيان النهي و عدم تأثيره.

يلاحظ عليه: أنّ الترتّب إنّما يتصوّر إذا كان هناك خطابان، متزاحمان ملاكاً، و امتثالًا، و مختلفان موضوعاً و المقام ليس من هذا القبيل فانّه ليس هنا إلّا حكم واحد و هو الحرمة، لموضوع واحد و هو الغصب، فحكم عليه تارة بالنهي و قال: لا تغصب، و أُخرى بالأمر بالضدّ العام فانّ معنى أُخرج، أي اترك الغصب بخروجك مثل قولك لا تغتب أو اترك الغيبة.

فكما أنّهما متّحدان حكماً و موضوعاً، متّحدان امتثالًا لأنّ الأمر بالخروج أمر مقدّمي، لترك الغصب مهما أمكن، و متحدان ملاكاً كما هو واضح فما نحن فيه يفارق الترتّب من جهات أربع فهناك حكمان، لموضوعين، لكلّ امتثال و ملاك و أمّا المقام فليس كذلك و الشاهد على وحدة الحكم و أنّ الثاني أعني قوله:» و إن عصيت فاخرج «تأكيد للحكم الأوّل أنّه لو عصى و لم يخرج، ليس له إلّا عصيان واحد.

و الحقّ من بين الأقوال هو قول المحقّق الخراساني و هو مركّب من أُمور:

1 واجب بالوجوب العقلي.

2 ليس واجباً بالوجوب الشرعي.

____________

(1)- نهاية الأُصول: 246/ 1، الطبعة الأُولى.

257

3 منهي عنه بالنهي السابق.

4 النهي ساقط فعلًا و باق أثراً و هو العقاب.

أمّا أنّه محكوم عند العقلاء بوجوب الخروج و التخلّص فلأجل أنّه الطريق الوحيد للتخلّص من أشدّ المحذورين بارتكاب أقلّهما و هو ممّا يستقلّ به العقل، و أمّا أنّه ليس واجباً شرعاً فلأجل أنّه ليس في باب الغصب إلّا حكم واحد و هو حرمته و أمّا وجوب الخروج على النحو النفسي فليس حكماً مستقلًا ذا ملاك مستقلّ في مقابل حرمة الغصب بل هو عبارة أُخرى عن حرمة الغصب بقاءً و أمّا الوجوب المقدّمي فسيأتي البحث عنه عند تحليل القول الثالث.

و أمّا أنّه محرّم بالنهي السابق، فلأنّ قوله: لا تغصب شامل لألوان الغصب كلّها و منه البقاء و الخروج لا بعنوانهما بل بما هما من أفراد الغصب، و توهم أنّ ترك الغصب المتحقّق في ترك البقاء و ترك الخروج أمر غير مقدور فلا يعمهما إطلاق لا تغصب مدفوع بأنّه مقدور و لو بالواسطة. أي بترك الدخول، و لا يلزم أن يكون ترك الشي‏ء مقدوراً بلا واسطة.

و أمّا كون النهي السابق ساقطاً فلأجل عدم إمكان امتثاله بعد التوسط فترك التصرّف في المغصوب بعد التوسّط غير ممكن فالخروج بما أنّه تصرّف في المغصوب غير مقدور الترك، و معه كيف يكون الخطاب فعلياً و بالجملة: التصرّف فيه بعد التوسط أمر قهري ضروري سواء كان بصورة البقاء أو الخروج و معه لا يصحّ أن يخاطب بقوله: لا تغصب زاجراً عن كلّ تصرّف صدر منه بعنوان البقاء و الخروج.

ثمّ إنّ العلّامة الطباطبائي صار إلى تصحيح الخطاب و لو في ظرف التوسط قائلًا بأنّه يكفي في صحّة الخطاب ترتّب الأثر عليه و إن كان الأثر نفس العقاب و يكفي في القدرة، القدرة على الامتثال في ظرف من الظروف و الشرطان حاصلان و المكلّف كان قادراً على ترك التصرّف الخروجي قبل الدخول و هو يكفي في بقاء

258

الخطاب حتى في صورة العجز عن الامتثال كما إذا توسطها و فائدة الخطاب مع عجزه، هي صحّة عقابه و مؤاخذته. (1) و لا يخفى أنّه خلط بين الخطاب النابع عن الإرادة الجدّية في حال الاضطرار و بين قيام الحجّة عليه حتى في هذا الظرف.

و الأوّل منتف قطعاً لامتناع تعلّق الإرادة بفعل العاجز و الثاني ثابت بلا كلام لأنّ القدرة قبل الدخول أتمّت الحجّة على العبد في جميع أحواله من الدخول و البقاء و الخروج، و كفاية القدرة في ظرف من الظروف إنّما يكفي في الثاني دون الأوّل.

الأقوال الأربعة الباقية

إذا تعرّفت على الحقّ في المقام، يجدر بنا أن نشرح سائر الأقوال الباقية تحت المشراط العلمي و إليك بيانها:

القول الأوّل: الخروج ليس بواجب شرعاً بل منهي عنه بالنهي الفعلي:

فله دعويان:

الأُولى: أنّ الخروج ليس بواجب.

الثانية: أنّه حرام بالنهي الفعلي.

أمّا الأُولى فلأنّه لم يدلّ دليل على وجوب الخروج من الأرض المغصوبة، أو وجوب التخلّص عن الغصب، أو وجوب ردّ المال إلى صاحبه، أو ترك التصرّف في مال الغير بعناوينها بأن تكون هذه العناوين موضوعاً لحكم الوجوب و ما ورد

____________

(1)- التعليقة على الكفاية، ص 143، بتوضيح منّا.

259

في بعض الروايات من أنّ المغصوب كلّه مردود فالظاهر أنّه تأكيد لحرمة الغصب.

و أمّا ما استدلّ به الشيخ على وجوب الخروج شرعاً فسيوافيك نقده عند التعرّض للقول الثالث:

و أمّا أنّه حرام بالفعل فلا مبرر له إلّا إطلاق الدليل و شمول إطلاق دليل الغصب له أيضاً.

أقول: الدعوى الأُولى لا غبار عليها إنّما الكلام في الدعوى الثانية و هي كون الخروج منهياً عنه بالنهي الفعلي و ذلك: لأنّ النهي عن الخروج لا يخلو إمّا أن يكون بعنوانه الخاص أو بما أنّه داخل تحت الخطاب الكلي أعني لا تغصب أمّا الأوّل فهو دفع للفاسد بالأفسد لأنّ النهي عنه بذاك العنوان مستلزم للبقاء فيه و هو أشدّ محذوراً، و إن كان بالعنوان الكلي و أنّه من مصاديقه، فهو تكليف بالمحال لعدم قدرة المكلّف على ترك الغصب إذ لو ترك الخروج لزم الالتجاء إلى البقاء و هو أيضاً حرام، و معه كيف يصحّ التكليف.

نعم إنّ سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه ذهب إلى بقاء النهي في هذه الحالة و حاصل ما أفاده: أنّ العجز مانع من الخطاب الشخصي دون الخطاب القانوني حيث إنّه لا ينحلّ بعدد أفراد المكلَّفين، و لا يشترط في صحّتها وجود القدرة و العلم في المكلّف بل يتوجّه إلى العالم و الجاهل و القادر و العاجز، و يكون فعلياً في حقّ الجميع غاية الأمر أنّ لذي العذر عذره، و ليس في شأن العقل، تقييد الخطاب بالقدرة لأنّ تصرّفه في إرادة الجاعل غير صحيح و إنّما شأنه التعذير لا رفع الخطاب و لكنّه إنّما يعذر إذا طرأ العذر من غير سوء الاختيار لا بسوئه كما في المقام فالحكم الفعلي قد يخالف بلا عذر، و قد يخالف معه و لا يرتفع أصلًا. (1)

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 404/ 1.

260

يلاحظ عليه أمّا أوّلًا: فبالنقض، فانّه ملتزم بتقييد الخطاب الشخصي بالقدرة و عندئذ يسأل عن المقيِّد فهل هو الجاعل أو العقل، و الأوّل منتف لإطلاق كلامه و عدم تقييده، و الثاني يستلزم أن يتصرّف العقل في إرادة الجاعل.

و ثانياً: فبالحلّ، بيانه أنّ العقل لا يتصرّف في إرادة الجاعل أبداً و إنّما يكشف عن ضيق إرادته و عدم تعلّقها إلّا بالقادر، فالإنسان الذي طرأ عليه العجز و لو بسوء اختياره خارج عن إطار إرادة الفاعل.

و ثالثاً: تظهر حقيقة الحال بما ذكرناه في باب الترتّب من أنّ الإهمال في عالم الثبوت غير ممكن فلو سئل المولى عن أنّ الخطاب شامل للعاجز أو لا، فلو قال نعم، يلزم التكليف بالمحال، و لو قال لا، ثبت المطلوب فتلخّص أنّه لا مجال لتصحيح بقاء الخطاب.

القول الثاني: إنّ الخروج واجب فعلًا شرعاً و محرّم بالنهي السابق الساقط بالاضطرار

فالمدّعى مؤلّف من أمرين:

1 كونه محرّماً بالنهي السابق الساقط فقد تبيّن وجهه، لأنّه أحد أفراد الغصب و أنّه كان من وسعه ترك الخروج بترك الدخول وعليه يصحّ عقابه دون خطابه لعدم إمكان امتثاله في حال الخطاب.

2 كونه واجباً شرعاً لأنّه مصداق للتخلية و ردّ المال إلى مالكه فلا مانع من كونه واجباً و لا مانع من اجتماع الحكمين المختلفين لاختلاف زمان تعلّقهما، لأنّ زمان تعلّق الحرمة هو قبل الدخول و زمان تعلّق الوجوب بعد الدخول و التصرف.

261

يلاحظ عليه: أنّه قد عرفت أنّ الجزء الأوّل من المدّعى حقّ لا غبار عليه. إنّما الكلام في الجزء الثاني فإنّه لم يدل دليل على وجوب ردّ المغصوب و إنّما الوارد هو حرمة الغصب، فإمساك المغصوب حرام لأجل كونه غصباً و استيلاء على وجه الطغيان في مال الغير، لا أنّ ردّه واجب.

نعم يجب ردّ الأمانة إلى أهلها لقوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها) (النساء/ 58) و هي خارجة عن البحث.

و أورد عليه صاحب المحاضرات بأنّ الميزان في صحّة جواز الاجتماع هو اختلاف زمان متعلقي الأمر و النهي، لا اختلاف زمان الأمر و النهي، فلو نهى يوم الأربعاء عن صوم يوم الجمعة و أمر به يوم الخميس لا يصحّ و إن كان زمان التعلّق مختلفاً، كما أنّه لو أمر بصوم يوم الخميس و نهى عن صوم يوم الجمعة في زمان واحد لجاز، و المقام من قبيل الأوّل لأنّ الخروج منهيّ عنه بالنهي السابق على الدخول و مأمور به بالأمر اللاحق بعد الدخول.

أضف إلى ذلك أنّ الخروج إن كان مشتملًا على المفسدة امتنع تعلّق الأمر به و إن كان مشتملًا على المصلحة امتنع تعلّق النهي به. (1) يلاحظ عليه: أنّ المفروض أنّ النهي السابق قد سقط و غير باق بعد و معه كيف يمتنع الأمر به، و جريان حكم المعصية عليه ليس بمعنى بقاء الخطاب و الحكم، بل معناه أنّه لما كان قادراً على ترك الغصب بألوانه و أفراده الثلاثة كالدخول و البقاء و الخروج، و لكنّه عصى نهي المولى باختياره فهو يعاقب لأجل العصيان السابق لا العصيان الفعلي.

و بالجملة، إنّ النهي السابق الساقط لأجل امتناع امتثاله، سبب لصحّة العقاب على الدخول و البقاء و الخروج فسبب العقاب المتوجّه إليه الآن، هو مخالفة

____________

(1)- المحاضرات: 369/ 4 370.

262

النهي السابق، و الموجود فعلًا هو الأمر فقط، و لا مانع من الأمر بشي‏ء فعلًا، مع العقاب عليه لأجل المخالفة السابقة.

و ما ذكره من أنّ الميزان هو وحدة المتعلّق و إن كان صحيحاً إلّا أنّه مشروط ببقاء كلا الحكمين إلى زمان الامتثال لا مع عدم بقائه لسقوطه بالاضطرار أو بالنسخ أو غير ذلك و توهّم أنّ العقاب لا يجتمع مع الوجوب مدفوع بوقوعه شرعاً كما في المواقعة في أربعة أشهر بعد الظهار و الإيلاء، و إن كان المكلّف في هذين الموردين قادراً على رفع العقاب بالكفّارة فتأمّل.

و ما يقال من أنّ الخروج إن كان مشتملًا على المفسدة، امتنع تعلّق الأمر به و إن كان مشتملًا على المصلحة امتنع تعلّق النهي به، مدفوع بأنّ المصالح و المفاسد ليست من الكيفيات الجسمانيّة كالبياض و السواد حتى يمتنع اجتماعهما في مورد واحد بل جهات راجعة إلى حياة الفرد و المجتمع قائمة بنفس المكلّف أو مجتمعه، و لا مانع من أن يكون شي‏ء ذات مصلحة من جهة و ذات مفسدة من جهة أُخرى.

القول الثالث: وجوب الخروج مع عدم إجراء حكم المعصية عليه‏

استدل على ذلك بوجوه ثلاثة: ذكرها المحقّق الخراساني بصورة الإشكال و الجواب:

الوجه الأوّل‏

إنّ الخروج مقدّمة لترك البقاء الواجب الأهم و مقدّمة الواجب واجبة فلا يكون منهياً عنه لامتناع الاجتماع.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني أوّلًا: بأنّ مقدّمة الواجب إنّما تكون واجبة إذا

263

كانت مباحة لا محرّمة و كون الواجب أهمّ من المقدّمة المحرّمة و إن كان يوجب وجوبها إلّا أنّه فيما لم يكن بسوء الاختيار و معه لا يتغيّر عمّا هو عليه من الحرمة و المبغوضية.

توضيحه: أنّ مقدّمة الواجب على أقسام أربعة، الأوّل: أن تكون مباحة فلا إشكال في وجوبها، الثاني: أن تكون محرّمة مع وجود المقدّمة المباحة فلا شكّ أنّ وجودها مانع عن وجوب المقدّمة المحرّمة. الثالث: أن تكون محرّمة مع الانحصار فيها لا بسوء الاختيار فلو كان الوجوب أهم ارتفعت الحرمة و لو كانت الحرمة أشدّ، ارتفع الوجوب و إن تساويا يتخير. الرابع: تلك الصورة مع سوء الاختيار ففيها تكون الحرمة مانعة من اتّصاف المقدّمة بالوجوب كما في المقام من غير فرق بين الحالات الثلاث فترك البقاء و إن كان أهم من الحرمة إلّا أنّه لمّا كان الابتلاء بسوء الاختيار، تكون الحرمة باقية بحالها.

و ثانياً: لو قلنا بسراية الوجوب إلى المقدّمة مع سوء الاختيار، يلزم أن تكون حرمة المقدّمة (الخروج) و عدمها معلَّقة على إرادة المكلّف و اختياره. فلو لم يدخل الأرض المغصوبة تبقي المقدّمة على حرمتها و إن دخل، ترتفع الحرمة.

ثالثاً: لم يدل دليل على وجوب ترك البقاء حتى تكون مقدّمته أعني الخروج واجباً و إنّما دلّ الدليل على حرمة الغصب بأنحائه. اللّهمّ إلّا أن يقال: أنّ النهي عن الشي‏ء أعني: لا تغصب أمر بضدّه العام أعني:» ترك الغصب «و» البقاء «و قد عرفت عدم الملازمة في مبحث الضدّ. (1)

الوجه الثاني‏

إنّ التصرّف في أرض الغير حرام دخولًا و بقاءً و أمّا التصرّف الخروجي فليس بحرام أمّا قبل الدخول فلعدم التمكن منه، و أمّا بعده فلكونه مضطراً إليه لأنّه‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 264/ 1.

264

سبب للتخلّص، فحاله حال من يشرب الخمر للتخلّص عن الوقوع في التهلكة.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجوه:

1 النقض بالبقاء فإنّه غير مقدور قبل الدخول مع أنّه حرام و بالنقض بالأفعال التوليدية المترتبة على الأفعال المباشرية قهراً فإنّ تركها بتركها و إيجادها بإيجادها.

2 الحلّ بأنّ التصرّف الخروجي حرام مقدور، غاية الأمر أنّه مقدور بالواسطة، فتركه بترك الدخول و المقدور بالواسطة، مقدور أيضاً، و كون ترك الخروج بترك الدخول من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع لا يضرّ في صدق المقدورية.

3 إنّ قياس المقام بشرب الخمر لأجل التخلّص عن الهلكة، غير تامّ لما عرفت التفصيل فيه بين كون الاضطرار بسوء الاختيار و عدمه فيجب في الثاني إذا كان الواجب أهمّ دون الأوّل. (1) و الأولى أن يجاب؛ بأنّ التقلّب و التصرّف في المغصوب حرام إذا كان بسوء الاختيار فالدخول و البقاء و الخروج حرام لأجل أنّه تقلّب و تصرّف في مال الغير لا بما هو دخول أو بقاء أو خروج فالقول بأنّ الخروج غير محرّم لعدم وقوعه تحت التمكّن قبل الدخول مبني على كون المحرّم هو العناوين المتقدّمة، فعندئذ يقع البحث في أنّه كيف تعلّق النهي بالخروج مع أنّه غير مقدور قبل الدخول ثمّ يجاب بأنّ المقدور بالواسطة مقدور أيضاً، لكن ذلك تبعيد للمسافة، و إنّما المحرّم التقلب في المغصوب و هو حرام بعامة أفراده و أمّا وصف التقلّبات بأسماء خاصة و عناوين معيّنة فإنّما هو من ناحية المكلَّف لا من جانب الشارع الأقدس كما لا يخفى.

____________

(1)- المصدر نفسه: 268265.

265

ثمّ إنّ الشيخ شبّه المقام بشرب الخمر لأجل التخلّص من الهلكة، و التشبيه في غير مورده لأنّه لا شكّ أنّ هناك تكليفين أحدهما، وجوب حفظ النفس و الآخر حرمة شرب الخمر، فعندئذ تجري الملاحظة في تقديم أحدهما على الآخر، بخلاف المقام فإنّه ليس هناك إلّا تكليف واحد و هو حرمة الغصب و التصرّف في مال الغير و أمّا وجوب التخلص أو ردّ مال الغير و الخروج فليس واجباً إلّا عقلًا لا شرعاً، و لو عبّر بوجوب هذه فإنّما هو تعبير آخر عن حرمة الغصب كما لا يخفى.

الوجه الثالث‏

ثمّ إنّ هنا وجهاً يمكن به الاستدلال على مختار الشيخ. ذكره صاحب الكفاية في السؤال الثالث و حاصله:

إذا كان الخروج مقدّمة لترك البقاء الواجب فإن كان مأموراً به لا غير فهو و إلّا فكيف يُعقل وجوبه مع حرمة مقدّمته المنحصرة و هل المنع الشرعي إلّا كالامتناع العقلي.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ المنع عن المقدّمة مع إيجاب ذيها لا يمكن، لو لم يكن هنا إرشاد من العقل بلزوم الإتيان بالمقدّمة المحرّمة للتخلّص من الحرام الأشد، و أمّا معه فلا يلزم هنا محذور أبداً. (1) و لا يخفى عدم إتقان الجواب إذ كيف يرضى العقل بصحّة إيجاب ذي المقدّمة مع النهي عن المقدّمة أو مع العقاب عليها و هل هذا إلّا طلب الأمر غير المقدور و إرشاد العقل لا يرفع هذا التنافي.

و لذلك عاد إلى جواب ثان و حاصله: إذا سلّمنا كلام الخصم و هو أنّه لا يجوز إيجاب شي‏ء مع تحريم مقدّمته و أنّ إرشاد العقل غير كاف مع تحريم المقدّمة،

____________

(1)- كفاية الأُصول: 268/ 2691.

266

فلنا أن نقول بسقوط وجوب ذيها و هو ترك البقاء، أو التخلّص من الغصب و الهلاك فيتبعه سقوط وجوب مقدّمتها فقوله:» فالساقط إنّما هو الخطاب فعلًا «ناظر إلى سقوط وجوب ذيها وجه السقوط هو حرمة المقدّمة، التي صارت سبباً لسقوط وجوب ذيها ثمّ وجوب نفس المقدّمة.

و الأولى إنكار وجوب ترك البقاء أو التخلّص أصلًا لا لسقوط وجوبه لأجل حرمة مقدّمته فليس هنا إلّا خطاب واحد و هو حرمة الغصب، و أمّا وجوب ترك البقاء و وجوب الخروج من باب المقدّمة فليس إلّا تحليلًا لذاك الحكم، لا حكماً مستقلًا في مقابل تحريم الغصب.

و إن شئت قلت: كلّ هذه التعابير من وجوب ترك البقاء و التخلّص، و التخلية و ردّ المال توضيح و تحليل لحرمة الغصب و غيرها.

هذه هي الوجوه الثلاثة ممّا استدل به الشيخ أو يمكن به الاستدلال على مدعاه في وجوب الخروج.

القول الرابع: أنّه واجب بالفعل و حرام كذلك‏

أمّا الأوّل فلأجل أنّه مقدّمة للتخلّص الواجب عقلًا أو شرعاً، و أمّا أنّه حرام فلأنّه مصداق للتصرف في مال الغير.

و أورد عليه المحقّق الخراساني إشكالين:

1 إنّ القول بوجوب الخروج و حرمته لأجل جواز اجتماع الأمر و النهي إنّما يصحّ لو كان متعلّق الأمر، غير متعلّق النهي. مع أنّهما في المقام واحد أمّا كون الخروج متعلّقاً للنهي فواضح و أمّا كونه متعلّقاً للوجوب المقدّمي فلأنّ التخلّص عنوان تعليلي للوجوب لا تقييدي و قد مرّ أنّه لا يكفي العنوان التعليلي.

و إن شئت قلت التخلّص عنوان منتزع عن ترك الحرام (البقاء) المسبّب عن‏

267

الخروج.

2 إنّه إنّما يصحّ لو كانت هنا مندوحة، حتى يكون هنا مبرّراً لفعلية النهي و ليست هنا مندوحة و لا يصحّ النهي إلّا على مبنى سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه من صحّة توجّه الخطابات القانونية إلى العاجز و المضطرّ أو على مبنى العلّامة الطباطبائي (رحمه الله) من أنّه لا يشترط في صحّة الخطاب إلّا ترتّب الأثر و هو صحّة العقاب و أنّ الخطاب خطاب تسجيلي لا حقيقي و الغرض منه تصحيح العقاب. و قد عرفت ضعف كلا المبنيين. (1) فالحقّ هو القول الخامس الذي هو مختار المحقّق الخراساني و قد عرفت صحّته. فقد تم الكلام حول الأمرين الأوّلين حكم الدخول و الخروج و حان حين البحث عن الأمر الثالث.

*** الأمر الثالث: في حكم العبادة حال الخروج فهل هي صحيحة أو لا؟

أفتى المشهور ببطلان الصلاة في حال السعة دون الضيق. و أورد عليه بأنّ اللازم على القول بالاجتماع هو الصحّة مطلقاً و كذلك على القول بالامتناع إذا كان المقدَّم هو الأمر، و أمّا إذا كان المقدَّم هو النهي فاللازم هو البطلان فما وجه التفصيل؟

أقول: نذكر مقتضى القاعدة ببيان صورها:

فقد ذكر المحقّق الخراساني صوراً خمس‏ (2):

____________

(1)- لاحظ ص 257 و 259 من كتابنا هذا.

(2)- كفاية الأُصول: 272/ 1.

268

1 إذا قلنا بجواز الاجتماع، تكون الصلاة في الدار المغصوبة، و الصلاة حال الخروج صحيحة فهو بما أنّه غصب حرام و بما أنّه صلاة واجب سواء كان بسوء الاختيار أو لا معه.

2 إذا كان الاضطرار لا بسوء الاختيار فتكون الصلاة صحيحة لسقوط النهي عن الغصب بالاضطرار فليس هنا إلّا أمر سواء قلنا بجواز الاجتماع أولا.

3 إذا قلنا بالامتناع و كان الاضطرار بسوء الاختيار لكن قلنا بمقالة الشيخ الأنصاري من عدم كون الخروج محرّماً أو لا يجري عليه حكم المعصية فتكون الصلاة صحيحة لعدم النهي.

4 إذا قلنا بالامتناع و كون الخروج منهياً عنه بالنهي السابق أو الحاضر، فإن قلنا بتقديم ملاك النهي، فلا شكّ في بطلان الصلاة سواء كانت في سعة الوقت أو ضيقه، فإنّها في مثل ضيق الوقت تكون نظير فاقد الطهورين الساقطة معه الصلاة و سيوافيك منّا أنّ تفصيل المشهور ناظر إلى هذه الصورة خلافاً للمحقّق الخراساني حيث جعله ناظراً إلى الصورة الخامسة.

5 إذا قلنا بالامتناع و كون الخروج منهياً عنه بالنهي السابق أو الحاضر و لكن قدّمنا ملاك الأمر فمقتضى القاعدة هو الصحّة مطلقاً، لكن يمكن توجيه التفصيل المنقول عن المشهور بما ذكره في الكفاية بتوضيح منّا و هو أنّ الصلاة في الدار المغصوبة في سعة الوقت و إن كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة إلّا أنّه لا شبهة في أنّ الصلاة في غيرها تضادّها فأحد الفردين المضادّين خال عن المفسدة و المنقصة، و الآخر واجد لها فلا محالة يكون الفاقد لها أهمّ من الواجد فالأمر الفعلي يتوجّه إلى الفاقد، و يكون الواجد منهياً عنه بحجّة أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه فتكون الصلاة في الغصب منهياً عنها لخلوّ الأهمّ‏

269

من المنقصة الناشئة من قبل اتّحادها مع الغصب بخلاف المهم.

و أمّا الصلاة في ضيق الوقت فلانحصار امتثال الأمر بالصلاة في الأرض المغصوبة فلا أمر بالصلاة في خارج الأرض حتّى يكون الأمر بالصلاة فيه ناهياً من إقامتها في الأرض المغصوبة و لعلّ نظر المشهور الذاهب إلى التفصيل، إلى هذا المبنى.

يلاحظ عليه: أنّ الأهمية و المهمية إنّما تتصوران فيما إذا كان الملاك في أحدهما أقوى من الآخر كإنقاذ النبي و الوصي، دون ما إذا كان الملاك في الكل متساوياً و لكن كان أحد الفردين مشتملًا على المفسدة، فإنّ الاشتمال على المفسدة لا يجعل أحد الفردين أضعف ملاكاً و الآخر أقوى ملاكاً، فعندئذ لا وجه لتعيّن الأمر بالصلاة في خارج الأرض حتى يكون موجباً للنهي عن الصلاة في داخلها و المفروض مغلوبية مفسدة الغصب و عدم تأثيرها عند الاجتماع مع مصلحة الصلاة فتوجيه التفصيل بما ذكر لا وجه له. (1) فالأولى أن يقال: إنّ التفصيل الموجود في كلام المشهور ناظر إلى الصورة الرابعة و هي مورد تقديم النهي و كون ملاكه أقوى من الأمر و وجه التفصيل بالصحّة في ضيق الوقت، و البطلان في عدمه، هو ما دلّ على عدم سقوط الصلاة بحال، فعندئذ يكون حاكماً على أدلّة حرمة التصرف في مال الغير، فلا يكون التحريم حكماً فعلياً و لا تكون الصلاة فيها أمراً مبغوضاً.

و إن شئت قلت: إنّ الحكم بعدم سقوط الصلاة مطلقاً، و الحكم بفعلية حرمة التصرف في مال الغير لا يجتمعان فتقديم الأوّل يقتضي رفع اليد عن الثاني فيكون المجال لحكم الصلاة فقط و معه تصحّ الصلاة بلا كلام.

____________

(1)- لاحظ تعليقة المحقّق الاصفهاني: 297/ 1.

270

و هذا بخلاف سعة الوقت إذ لا وجه لتقديم الأمر على النهي مع سعته فتكون التصرّفات المتّحدة مع الصلاة أمراً مبغوضاً و منهياً عنه، بلا أمر، كما هو المفروض من اختيار الامتناع في المسألة.

ثمّ إنّ المحقّق البروجردي قد استوجه صحّة الصلاة في حال الخروج مطلقاً إذا كان الخارج نادماً حاله قائلًا بأنّ العبد إذا تاب بعد توسّطه في الأرض صارت التوبة رافعة للعصيان الصادر عنه بالدخول و توابعه، و بعد التوبة يصير كمن لم يدخل في أرض الغير على الوجه المحرّم، و يصير الدخول الصادر عنه عصياناً المؤدّي إلى التوابع المحرّمة، بمنزلة ما لو لم يصدر عنه عصياناً و تمرّداً فلا يصير الخروج عندئذ مبغوضاً إذ الفرض أنّه مضطرٌّ إليه و كونه أمراً اختيارياً باعتبار الدخول و يعدّ عصياناً و إن كان صحيحاً من هذه الجهة، لكن ارتفاع حكم الدخول بالتوبة، ارتفاع لحكم الخروج من هذه الناحية أيضاً. و على ذلك إن اتّحدت حركاته الخروجية بعد التوبة مع أفعال الصلاة وقت الصلاة تكون صحيحة. (1) أقول: ما ذكره (قدس سره) تبعاً لصاحب الجواهر لا يكفي في الحكم بصحّة الصلاة لأنّ التوبة لا تكفي في رفع المبغوضية ما لم يحصل رضا صاحب الأرض لأنّ التصرّف في أرض الغير ليس اعتداء على حقوقه سبحانه بل اعتداء على حقوق عبيده الذين أعطاهم و سلّطهم عليها، فلا ترتفع المبغوضية إلّا بالندم و كسب رضا صاحبها و عند ذلك تصير الصلاة صحيحة كما لا يخفى و مع إحراز الأمرين، لا يبقى مورد للبحث.

***

____________

(1)- نهاية الأُصول: 249، الطبعة الأُولى.

271

التنبيه الثاني: في بيان الفرق بين باب الاجتماع و العموم و الخصوص من وجه‏

قد عقد صاحب الكفاية هذا التنبيه لبيان مطالب ثلاثة:

الأوّل: على القول بالامتناع، ما هو الفرق بين قولنا: صلّ و لا تغصب و بين الدليلين اللّذين بينهما من النسبة العموم و الخصوص من وجه كما إذا قال: أكرم العلماء و لا تكرم الفساق ففي العالم الفاسق يجتمع الحكمان.

الثاني: انّ تقديم أحد الدليلين و تخصيص الآخر به في المسألة على القول بالامتناع، لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الأمر رأساً حتى تكون العبادة باطلة في مورد الأعذار كما إذا كان النهي اقتضائياً.

الثالث: ما هو المرجّح في المقام لتقديم النهي على الأمر على القول بالامتناع و بيان هذه الأُمور لأجل كون المختار عنده هو الامتناع و إلّا فالاجتماعي في فسحة من بيانها.

و قد أشبع صاحب الكفاية البحث عن الأمر الأوّل عند البحث عن مقدّمات المسألة فلاحظ الأمر الثامن و التاسع كما أنّه بحث عن الأمر الثاني في عاشرها، و كان الأولى له هو عقد البحث للأمر الثالث فقط و نحن نقتفيه على وجه الإجمال.

و حاصل ما أفاده في المطلب الأوّل أُمور:

أ: قد سبق منّا في باب الترتّب و في نفس المقام أنّ هنا مسألتين‏ (1) ربّما

____________

(1)- يجمعهما أمر واحد و هو أنّ الكلّ من باب التزاحم، و هو على قسمين: قسم يكون سبب التزاحم ضيق قدرة المكلّف و عدم تمكّنه الجمع بين الحكمين كما في أنقذ الغريقين. و هذا هو الذي مرّ في باب الترتّب و قسم يكون سببه، وجود التدافع بين ملاكي الحكمين كما في باب الصلاة و الغصب فتدبّر.

272

يوجب الخلط بينهما غموضاً في فهم مقاصد الكفاية.

الأُولى: ما الفرق بين التزاحم و التعارض و هذا هو الذي سبق البحث عنه في باب الترتّب.

الثانية: ما الفرق بين باب الاجتماع، و باب العامين من وجه كقولنا: أكرم العلماء، و لا تكرم الفساق حيث إنّ الدليلين الأخيرين يعدّان من قبيل المتعارضين في المجمع. بخلاف قولنا: صلّ و لا تغصب حيث لا يعامل معهما معاملة المتعارضين، مطلقاً، أمّا على القول بالاجتماع فواضح و أمّا على القول بالامتناع، فهما من باب المؤثرين و المقتضيين اللّذين لا يمكن الجمع بينهما فالملاكان متدافعان تحقّقاً فيقدّم الغالب منهما ملاكاً و إن كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى سنداً و أتقن دلالة و ليسا من قبيل المتعارضين و إلّا لوجب الرجوع إلى الأقوى دلالة و سنداً، بل يرجع في تمييز الحكم الفعلي إلى الأقوى ملاكاً و مناطاً و إلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخراساني» بل إنّما هو من باب تزاحم المؤثّرين و المقتضيين فيقدّم الغالب منهما و إن كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى «. بخلاف باب العموم و الخصوص من وجه، فالملاك موجود في واحد منهما دون الآخر، و لأجله يرجع في تعيين الواجد إلى المرجّحات الدلالية و السندية.

ب: ثمّ إذا علمت فعلية الخطابين،، فإن علم الأقوى ملاكاً و الأهمّ مناطاً فيقدّم، و إلّا فيكون الأقوى دلالة أو سنداً، طريقاً إلى كشف الأقوى ملاكاً. و إن علمت فعلية أحد الحكمين دون الآخر يتعيّن الأخذ بالفعلي منهما.

ج: و لو كان كلا الحكمين اقتضائيين يرجع إلى الأصل، مثلًا لو شككنا في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة في شرطية الإباحة أو مانعية الغصب يرجع إلى الأصل المحكّم في باب الشروط و الموانع. (1)

____________

(1)- كفاية الأُصول: 273/ 1.

273

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الأقوائية سنداً أو دلالة لا تكشف عن الأقوائية ملاكاً فلو قال الأعدل: أنقذ الوصي و قال العادل: أنقذ النبي فهل ترى من نفسك أن تجعل الأعدلية كاشفةً عن الأقوائية ملاكاً؟ كلّا.

و إن شئت قلت: إنّ قوّة الكاشف أجنبية عن قوّة المنكَشَف و ليست بالإضافة إلى المقتضي من قبيل نسبة المعلول إلى العلّة كي تكشف عنها كشفاً إنّياً كما لا يخفى.

ثمّ إنّ المحقّق الاصفهاني وجّه كلام المحقّق الخراساني بما هذا حاصله: أنّ التعبّد بالأقوى سنداً و دلالة منبعث عن ملاك و مقتضي فعلي ذاتي أو عرضي فلو لم يكن هذا الملاك أقوى لم يعقل التعبّد بخصوص الأقوى بل وجب التعبّد بالأضعف سنداً أو دلالة لكون المقتضي للتعبّد به أقوى أو وجب التخيير بينهما لو لم يكن بينهما أقوى. (1) و لا يخفى ما فيه من الخلط بين المصلحة في المتعلّق، و المصلحة في نفس العمل بالأقوى سنداً و دلالة و الكلام في المورد الأوّل دون الثاني فانّ الكلام في أنّ أيّ واحد من الصلاة و الغصب أقوى ملاكاً من الآخر حتى يؤخذ بحكمه و من المعلوم أنّ الأقوائية دلالة و سنداً لا تكشف عن أقوائية الملاك في المتعلّق.

و أمّا الأمر بالأخذ بالأعدل أو الأظهر فليس لأجل كونه كاشفاً عن أقوائية الملاك في المتعلّق بل لأجل أنّ الأعدل أبعد من الكذب، و الأظهر أقرب إلى مقصود المتكلّم و أين هذه المصلحة من مصلحة المتعلّق كمعراج المؤمن في الصلاة أو إشاعة الفوضى في الغصب.

و ثانياً: أنّ ما ذكره من أنّه إذا كان كلا الحكمين اقتضائيّين يرجع إلى الأصل فلم يعلم مراده من الحكم الاقتضائي فهل المراد منه الأحكام المخزونة عند

____________

(1)- نهاية الدراية: 297/ 1.

274

صاحب الأمر، أو الأحكام التي لم يتحقّق موضوعها، أو غير ذلك؟

هذا كلّه حول المطلب الأوّل و أمّا المطلب الثاني فأفاد:» أنّ ترجيح أحد الدليلين لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الأمر رأساً فهذا الكلام ناظر إلى تصحيح الصلاة على القول بالامتناع مع تقديم جانب النهي في صورة الجهل، و الصحّة لأجل أنّ وزان التخصيص في المقام، وزان التخصيص العقلي الناشئ من جهة تقديم أحد المقتضيين على الآخر و الحاصل أنّه فرق بين التخصيص اللفظي الكاشف عن خروج المورد عن تحت الدليل العام و عدم شمول الإرادة الجدّية له رأساً، و بين التخصيص لأجل التزاحم فهو تخصيص مؤقّت يكون ما دام مفاد الدليل الآخر كان فعليّاً، فإذا فرضنا عدم كون المقتضي فيه مؤثراً فعلًا للجهل أو الاضطرار يكون الآخر مؤثراً لما عرفت من أنّ الإخراج لم يكن إخراجاً من رأس، بل إخراجاً لأجل التزاحم فإذا ارتفع المانع يؤثّر المقتضي أثره.

ثمّ إنّ المانع تارة يمنع عن تأثير المقتضي للنهي، كما في مورد الاضطرار، فهو مانع عن أصل التأثير و أُخرى يمنع عن فعلية التأثير كالجهل و النسيان، و على فرض عدم تأثير النهي أو فعليته فالصحّة تارة لأجل الأمر و أُخرى بالملاك و إلى ما ذكرنا أشار المحقّق الخراساني و قال:» من جهة تقديم أحد المقتضيين و تأثيره فعلًا، المختصّ بما إذا لم يمنع عن تأثيره مانع، المقتضي لصحّة مورد (1) الاجتماع مع الأمر أو بدونه فيما كان هناك مانع عن تأثير المقتضي للنهي له (كما في مورد الاضطرار)، أو كان هناك مانع عن فعليّة التأثير كما في صورة الجهل و النسيان «. (2) إلى هنا تمّ ما أراده المحقّق الخراساني في المطلب الثاني.

____________

(1)- وصف لقوله» المختص «.

(2)- كفاية الأُصول: 274/ 1.

275

أمّا المطلب الثالث أي المرجّحات النوعية لتقديم أحد الحكمين على الآخر على القول بالامتناع (و أمّا لو قلنا بجواز الاجتماع فلا مانع من إعمال الحكمين) فلا بدّ من تقديم ما هو الأقوى مناطاً ثمّ إنّهم ذكروا لتقديم النهي وجوهاً ثلاثة:

الأوّل: كون النهي أقوى دلالة من الأمر.

الثاني: دفع المفسدة أقوى من جلب المنفعة.

الثالث: الاستقراء في الشريعة يرشدنا إلى تقديم جانب النهي على الأمر.

أمّا الأوّل: فربّما يقال: إنّ دليل النهي أقوى دلالة من دليل الأمر لأنّ مفاد النهي شمولي بخلاف مفاد الأمر فانّه بدليّ لأنّ النهي حسب الواقع ينحل بانحلال موضوعه و متعلّقه في الخارج فيكون هناك نهي بعدد الموضوع، فيكون كلّ تصرّف عصياناً للنهي المختصّ به و إن لم يتصرّف في شي‏ء آخر كما أنّه لو كان له تصرّفان في مورد واحد، كان له عصيانان، و هذا بخلاف الأمر فإنّه بعث إلى الطبيعة و يكفي في امتثالها صرف وجودها بأوّل مصداقها،، لأنّ المفروض أنّ المطلوب هو الطبيعة بلا قيد توحّد و لا تكثّر و هو يتحقّق بنفس إيجاد مصداق واحد.

و أورد على الاستدلال بأنّ مفاد النهي و إن كان شموليّاً، و مفاد الأمر بدليّاً لكنّه لا يكون مرجّحاً بعد كون الدليل فيهما هو الإطلاق، فهو في النهي يقتضي الشمول، و في الأمر البدل.

و رُدّ الإشكال بأنّ الشمول في النهي و النفي لو كان مستنداً إلى الإطلاق يلزم أن يكون استعمال» لا تغصب «في بعض الأفراد حقيقة، و هذا واضح الفساد فلا بدّ أن يكون الدليل عليه هو العقل لأنّ انتفاء الطبيعة إنّما يكون بانتفاء جميع أفرادها.

و نصر المحقّق الخراساني المستشكل بأنّه لا غنى لنا في استفادة الشمول‏

276

عن مقدّمات الحكمة لأنّ النهي و النفي يدلّان على انتفاء ما أُريد من متعلّقهما و أمّا ما هو المتعلّق، فهل هو المطلق أو المقيّد، فلا يتعيّن إلّا بإجراء مقدّمات الحكمة.

و بعبارة أُخرى النهي في قوله:» و لا تغصب «يدلّ على انتفاء ما أُريد من المتعلّق أي الغصب لكن تعيين دائرة المراد منه، سعة و ضيقاً يتوقّف على إجراء مقدّمات الحكمة فهل المراد هو النهي عن مطلق الغصب أو عن الغصب في غير حال الصلاة.

ثمّ عدل عمّا ذكره باحتمال كفاية دلالتهما على الاستيعاب في إثبات أنّ المراد من المتعلّق هو المطلق كما يدعى في لفظة» كلّ رجل «. (1) و الحقّ أن يقال: إنّ كون مفاد أحدهما شمولياً، و الآخر بدلياً لا يكون دليلًا على ترجيح مدلول أحدهما على الآخر بعد كونهما مستفادين من الإطلاق و عدم البيان، فكما أنّ النهي يمكن أن يكون بياناً للأمر، فيخصّه بغير المغصوب فهكذا الأمر يمكن أن يكون بياناً للنهي، فيخصّه بغير حالة الصلاة.

نعم لو كان الشمول وضعيّاً و البدلي إطلاقياً يصحّ القول بتقديم الأوّل على الثاني كما إذا قال: لا تكرم الفساق و قال أكرم عالماً، فبما أنّ دلالة الأوّل على الشمول بالدلالة اللفظية أعني الجمع المحلّى باللام و دلالة الثاني على كفاية فرد من أفراد الطبيعة بالدلالة العقلية لا مناص من أن يقدّم الأوّل على الثاني عند التعارض كالعالم الفاسق.

هذا كلّه حول الدليل الأوّل على تقديم جانب النهي على الأمر.

***

____________

(1)- كفاية الأُصول: 275/ 1 276.

277

أمّا الثاني: فهو مقتضى القاعدة المعروفة» دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة «، فانّها تقتضي تقديم النهي على الأمر.

أقول: إنّ الدليل الأوّل مبني على تقديم النهي لكونه أقوى دلالة فهو ناظر إلى عالم الإثبات و هذا الدليل مبني على تقديم النهي، لكونه أقوى ملاكاً فهو ناظر إلى عالم الثبوت فهو مركّب من صغرى و كبرى.

فالصغرى هي أنّ في ارتكاب النهي مفسدة، و في ترك الواجب، ترك المصلحة، و الكبرى هي أنّ دفع الأُولى أولى من جلب الثانية.

و قد ناقش المحقّق القمي في الصغرى بأنّ في ترك الواجب أيضاً مفسدة إذا تعيّن.

و أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ الواجب إذا تعيّن ليس إلّا لأجل أنّ في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة كما أنّ الحرام بالعكس.

ثمّ إنّه (قدس سره) ناقش في الكبرى و سيوافيك الكلام.

الظاهر عدم صحّة القاعدة صغرى و كبرى.

أمّا الأُولى فلأنّ المراد من المصالح و المفاسد، هي الأعمّ من الفردية و الاجتماعية فعندئذ ربّما يكون في ترك الواجب مفسدة اجتماعية، كما في ترك الجهاد، فانّه يوجب الذلّ و الهوان و سيطرة العدو على النفوس و الأموال و أيّ مفسدة أعظم من ذلك.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام):» فو اللّه ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم قط إلّا ذلّوا « (1) و مثله ترك الزكاة فانّ في تركها إيجاد الفوضى و اتساع دائرة الفتنة و فقدان الأمن المالي. قال أمير المؤمنين (عليه السلام):» فما جاع فقير إلّا بما مُتِّع به غني «. (2)

____________

(1)- نهج البلاغة، الخطبة 27.

(2)- نهج البلاغة، قصار الحكم، برقم 328.

278

و أمّا الكبرى فلأنّ: الواجبات و المحرّمات ليس على وزان واحد فربّ واجب يكون في تركه أشدّ المجازاة. قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ* وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ) (الأنفال/ 1615).

فهل يجوز تركه بحجّة أنّه يستلزم النظر إلى المرأة الأجنبية، و ربّما يكون الأمر على العكس فليس هنا ضابط كلي دال على تقديم النهي على الأمر.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على القاعدة بعد المناقشة في كلية الكبرى ما هذا توضيحه:

1 إنّ القاعدة راجعة إلى ما إذا دار الأمر بين كون الشي‏ء الواحد واجباً أو حراماً كالمرأة المردّدة بين كونها زوجة على رأس أربعة أشهر، أو أجنبية، أو كالصلاة إلى الجهة المرددة بين كونها محرّمة أو واجبة فتختص بما إذا كان هناك حكم واحد مردّد بين الحكمين، لا مثل المقام الذي نعلم بوجود الحكمين و لكن حكم العقل بامتناع الاجتماع و لم يعلم ترجيح أحدهما و إن شئت قلت: تختصّ بما إذا كان دليل واحد ثبوتاً تردّد بين الدليلين إثباتاً، لا ما إذا كان هناك دليلان ثبوتاً و إثباتاً و حكم العقل بعدم إمكان إعمالهما.

2 لو افترضنا العموم لكلتا الصورتين لكن الترجيح بالقاعدة مخصوص بما إذا قُطِع بالأولوية لا ما إذا ظنّ و ليس في المقام أيّ قطع بها.

3 و لو افترضنا عمومها لما إذا ظنّ بالأولوية لكنّها إنّما تجري إذا لم يكن المورد مجرى للبراءة كما في المثالين حيث دار الأمر بين الوجوب و الحرمة التعينيين، حيث إنّ إجراء الأصل في أحد الاحتمالين يعارض إجراءه في الطرف الآخر لعلم القطعي بالإلزام المردّد بين الحرمة و الوجوب، لا في مثل المقام، فانّه تجري البراءة عن الحرمة لاحتمال تساوي الملاكين و تساقطها فتكون الحرمة مشكوكة، و لا تجري‏

279

في جانب الوجوب للعلم بوجوب الصلاة على وجه الإجمال و لو في ضمن أفراد أُخرى لها.

4 لو قيل: إنّ الأصل عند الشكّ في الأجزاء و الشرائط ككون السورة جزء من الصلاة أو لا هو الاشتغال و بطلان الصلاة بدونها، لما كان دليلًا على القول بالاشتغال و بطلان الصلاة في المقام، و ذلك لوجود المقتضي للصحة في المقام و هو الأمر و ليس المانع إلّا الحرمة المرفوعة بأصل البراءة، بخلاف الشكّ في كميّة الأجزاء و الشرائط فلا علم بالصّحة لاحتمال وجوب الشي‏ء المشكوكة جزئيته.

و حاصل الفرق بين المقامين هو أنّ المأمور به في المقام تام من حيث الأجزاء و الشرائط و الشكّ في الصحّة نابع من جهة كونه مبغوضاً لأجل حرمة الغصب و لكن المبغوضية الواقعية، لا يؤثر في البطلان، و المبغوضية الفعلية و إن كانت مؤثرة فيه، لكنّها مشكوكة لأجل الشكّ في الحرمة الفعلية المرفوعة بأصالة البراءة عقلًا و نقلًا، بخلاف الشكّ في الأجزاء و الشرائط، فلو كانت السورة جزءاً للصلاة فتركها بما أنّه ترك للجزء الواقعي مؤثر في البطلان و أمّا أصل البراءة فإنّما ترفع جزئيّتها و وجوبها في الظاهر، و هو غير العلم بعدم جزئيتها للصلاة في الواقع.

5 هذا كلّه إذا قلنا بأنّ المفسدة الغالبة المحرزة مانعة عن صحّة الصلاة و أمّا إذا قلنا بأنّها بوجودها الواقعية الغالبة، مانعة و إن لم يعلم بها المكلّف، فعندئذ تكون النتيجة معكوسة، فلا يجدي أصل البراءة في المقام و إن قلنا بها في المسألة الأُخرى أي الشكّ في الجزئية و الشرطية.

و الفرق أنّنا إذا افترضنا أنّ المفسدة بوجودها الواقعية الغالبة مانعة عن الصلاة، و هي و إن كانت غير معلومة لكنّها محتملة و مع احتمال ذلك المانع لا يتمشى قصد القربة، إذ كيف يتقرّب العبد تقرّباً قطعياً بعمل يحتمل أنّه مبعِّد في الواقع، بخلاف الشكّ في الجزئية فإنّ الشكّ في البطلان ناش عن الشكّ في‏

280

الصحّة الناشئ عن الشكّ في تعلّق التكليف بها فإذا ارتفع التعلّق حكم بالصحّة. (1) هذا توضيح كلامه و فيه مواقع للنظر يعلم بالإمعان و الدقة نتركها للقارئ الكريم فلاحظ.

*** و أمّا الدليل الثالث أعني الاستقراء في الشرع، فالمتحصّل منه موردان:

1 أيّام الاستظهار بعد تمام العادة و قبل العشرة حيث أمر الشارع بترك العبادة و الحال أنّ الأمر يدور بين وجوب الصلاة و حرمتها و لكن الشارع غلب جانب الحرمة على جانب الوجوب و أمر بترك الصلاة.

2 الوضوء و الغسل بماءين مشتبهين فإنّ الأمر يدور بين الوجوب و الحرمة فأمر بإهراق الماءين و لزوم التيمم.

و لا يخفى ما فيه من الضعف.

أمّا أوّلًا: فلأنّ الحكم بالاستقراء و لو كان ناقصاً يحتاج إلى تتبّع قدر معتدّاً به من الجزئيات حتى ينتقل منه الإنسان إلى الحكم الكلي ظنّاً، و امّا تتبّع موردين فهو لا استقراء تام و لا استقراء ناقص.

و ثانياً: أنّ لزوم الاستظهار بترك العبادة، ليس أمراً متّفقاً عليه بين الفقهاء بل اختلفوا فيه حسب اختلاف الروايات فمن قائل بالاستحباب كصاحب العروة الوثقى لاختلاف النصوص‏ (2) و قائل بوجوبه يوماً و التخيير في باقي الأيّام، و قائل بوجوبه ثلاثة أيّام و التخيير في الباقي إلى غير ذلك من الأقوال و مع هذا الاختلاف كيف يمكن أن يقال قدّم الشارع الحرمة على الوجوب.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 277/ 2781.

(2)- السيد الطباطبائي: العروة الوثقى.

281

ثالثاً: أنّ لزوم الاستظهار لأجل الدليل الحاكم على كون الدم المشكوك حيضاً و هو الاستصحاب أو قاعدة الإمكان أعني كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض. و معه لا مجال لتقديم جانب الوجوب.

و أمّا المورد الثاني: ففيه أوّلًا: أنّ إطلاقه على خلاف القاعدة، لأنّ مقتضى إطلاقه هو لزوم إهراق الماء و لو كان الماء الثاني المشتبه، كثيراً يكفي لطهارة مواضع التوضي بالماء السابق ثمّ التوضؤ به، مع أنّ مقتضي القاعدة في هذه الصورة هو تكرار الوضوء مع تكرار الصلاة بالنحو الآنف إذ عندئذ يعلم بأنّ إحدى الصلاتين كانت مع الوضوء فإذن خرجنا عن القاعدة لأجل إطلاق النص، فلا يمكن انتزاع قاعدة كلية تفيد أنّ الشارع قدّم جانب الحرمة على الوجوب.

و ثانياً: أنّ ترك الوضوء من الإنائين لأحد أمرين إمّا لأجل لزوم التشريع إذا قصد الوضوء الواقعي.

و إمّا للتعبّد كما إذا توضّأ بهما رجاءً، و على كلّ تقدير لا يجوز التعدي منه إلى سائر المقامات أمّا إذا كان تعبداً فواضح إذ معناه الاختصاص بمورده أمّا التشريع فالمفروض عدمه في المقام.

و ثالثاً: أنّ تقديم الحرمة على الوجوب في مورد الماءين المشتبهين بإهراق الماء و التيمّم، لأجل أنّه لو توضّأ بهما و إن كان يحصل له العلم بالطهارة من الحدث، لكن في مقابله يحصل له العلم بتنجّس الأعضاء تفصيلًا في آن إصابة الماء الثاني إذا كان قليلًا، و تستصحب النجاسة إلى العلم بالمزيل هذا من جانب.

و من جانب آخر أنّ فتوى المشهور في بعض الموارد يكشف عن أنّه لو دار الأمر بين تحصيل الطهارة الحدثية و الخبثية، تقدّم الثانية كما إذا كان محدثاً و كان بدنه أو ثوبه الساتر نجساً أيضاً، و الماء الموجود غير كاف إلّا لواحد منهما، فيجب عليه تطهير البدن و الثوب، و التيمم مكان الوضوء و ما هذا إلّا لأنّ للأُولى بدلًا دون الثانية، و من المعلوم في باب التزاحم تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل.

282

و أمّا حدوث العلم التفصيلي بنجاسة العضو في زمان معين، فلأجل أنّ الماء الثاني لو كان قليلًا فبمجرّد إصابة جزء من الماء إلى العضو قبل حصول التعدّد أو انفصال الغسالة، يعلم تفصيلًا بنجاسة ذلك العضو، لأنّه لو كان النجس هو الماء الثاني فواضح و لو كان النجس هو الماء الأوّل فالماء الثاني و إن كان طاهراً و بالتالي مطهراً لكنّه بما أنّه قليل لا يكون مطهراً إلّا بعد انفصال الغسالة و تعدد الغسل، و المفروض عدم حصولهما، فزمان إصابته للعضو، قبل الانفصال و التعدد، زمان العلم التفصيلي بنجاسته نعم بعد حصولهما ينقلب العلم التفصيلي إلى العلم الإجمالي بنجاسة العضو إمّا بالماء السابق، المرتفعة قطعاً أو بالماء اللاحق، الباقية قطعاً، فيستصحب ذلك المعلوم تفصيلًا و لا مجال لجريان قاعدة الطهارة بعد تمامية أركان الاستصحاب و هو العلم بالنجاسة تفصيلًا في زمان معين. نعم لو كان الماء الثاني كثيراً بحيث لا يحتاج في التطهير به إلى التعدّد و انفصال الغسالة لم يحصل علم تفصيلي بنجاسة العضو بل يكون هناك من أوّل الأمر علم إجمالي بنجاسته إمّا بالماء السابق المرتفعة أو بالماء اللاحق الباقية فلا موضوع للاستصحاب فتجري قاعدة الطهارة.

أقول: الحقّ جريان استصحاب النجاسة في كلتا الصورتين حتى فيما إذا كان الثاني كثيراً و ذلك لحصول الغاية أعني قوله:» حتى تعلم أنّه قذر «و هي أعمّ من العلم التفصيلي و الإجمالي.

بل الحقّ كما سيوافيك في مبحث الاستصحاب أنّه يرجع فيه إلى ضدّ الحالة السابقة الموجودة قبل توارد الماءين و ذلك لأنّه يشترط في تأثير العلم الإجمالي أن يكون العلم محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، بأن يكون استعمال الماء الطاهر محدثاً للتكليف مطلقاً سواء تقدّم استعماله أو تأخّر ففي مثله، يكون العلم الإجمالي بحدوث الطهارة و النجاسة مع الشكّ في التقدّم و التأخّر مؤثراً.

و هذا الشرط غير موجود في استعمال الماء الطاهر و إن كان موجوداً في‏

283

استعمال الماء النجس و ذلك لأنّا إذا افترضنا طهارة العضو فالعلم باستعمال الماء، الطاهر غير محدث للتكليف إذا تقدّم استعماله، لأنّ ورود الماء الطاهر على العضو الطاهر، لا يحدث تكليفاً بل يؤكِّد طهارة العضو نعم هو محدث للتكليف إذا تأخّر استعماله و تقدّم استعمال الماء النجس فيكون مزيلًا للنجاسة الحاصلة باستعمال الماء النجس، فيكون محدثاً للتكليف على فرض دون فرض و هذا هو الذي قلنا إنّه غير محدث للتكليف على كلّ تقدير، و هذا بخلاف استعمال الماء النجس فهو محدث له على كلّ تقدير فيكون مؤثراً و منجّزاً و تستصحب النجاسة الحاصلة باستعماله قبل الماء الطاهر أو بعده، إلى أن يحصل العلم بالمزيل، و لأجل ذلك قلنا يؤخذ بضدّ الحالة السابقة و منه يعلم حكم عكس المسألة أعني ما إذا كان العضو نجساً، فتستصحب الطهارة بالبيان السابق كما لا يخفى.

التنبيه الثالث هل تعدّد الإضافات كالإكرام المضاف إلى العالم و الفاسق بالأمر بالأوّل و النهي عن الثاني كتعدّد المعنونات و الجهات أو لا؟ ذهب المحقّق الخراساني إلى الأوّل لأنّه لو كان اختلاف العناوين مجدياً مع وحدة المعنون كان تعدّد الإضافات مجدياً لأنّ المصالح و المفاسد تختلف حسب الإضافات و الجهات و ما يتراءى من العلماء معاملة التعارض مع العموم من وجه، لأجل البناء على الامتناع أو إحراز عدم المقتضي لأحد الحكمين في مورد الاجتماع.

و يظهر ذلك من الشيخ أيضاً قائلًا بأنّ العالم و الفاسق طبيعتان متغايرتان فيلزم على المجوّز في مورد الصلاة و الغصب، التجويز فيهما.

تمّ الكلام في باب اجتماع الأمر و النهي و الحمد للّه ربّ العالمين‏

284

[الفصل الثالث‏] هل النهي عن الشي‏ء يقتضي الفساد أو لا؟

و قبل الورود في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: يظهر من المحقق الخراساني أنّ هذه المسألة، و المسألة السابقة متّحدتان جوهراً و لبّاً و مختلفتان في الجهة المبحوث عنها،

فإنّ جهة البحث في هذه المسألة هي دلالة النهي بوجه على الفساد، و لكن جهة البحث في المسألة السابقة هي أنّ تعدّد الجهة هل يرفع غائلة اجتماع الأمر و النهي في مورده أولا؟ (1) يلاحظ عليه: أنّه لا جهة اشتراك بين المسألتين حتّى نحتاج إلى بيان جهة التمايز فانّهما مختلفتان موضوعاً و محمولًا و يعلم ذلك بطرحِ عنواني المسألتين.

فمحور المسألة الأُولى هو جواز تعلّق الأمر و النهي بشيئين مختلفين في مقام التعلّق و متّحدين في مقام الإيجاد و عدم جوازه، هذا بناء على أنّ النزاع في تلك المسألة كبرويّ.

و أمّا على القول بأنّ النزاع فيهما صغرويّ كما عليه المحقّق الخراساني فلبّ البحث عبارة عن كون تعدّد العنوان موجباً لتعدّد المعنون و رافعاً للغائلة أو لا.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 283/ 1.

285

فأين هذه المسألة ممّا نحن فيه، أعني: وجود الملازمة بين النهي و الفساد ثبوتاً على القول بأنّ النزاع عقليّ، و دلالةً و إثباتاً على القول بأنّه لفظي. فهما مسألتان مختلفتان من جميع الجهات.

أضف إلى ذلك أنّ ركيزة المسألة الأُولى هي وجود الأمر و النهي معاً كما أنّ ركيزة المسألة الثانية هي وجود النهي سواء أ كان معه أمر كما في مورد العبادات أم لم يكن معه أبداً كما في باب المعاملات.

نعم لو قلنا في المسألة السابقة بجواز الاجتماع و أنّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي، أو قلنا بالامتناع و لكن قدّمنا الأمر و رفضنا النهي، فلا يبقى حينئذ أيّ مجال للبحث عن المسألة الثانية، إمّا لعدم تعلّق النهي بالعبادة، أو لعدم وجود النهي أصلًا.

و أمّا لو قلنا في المسألة السابقة بالامتناع و قدّمنا النهي، فهو يحقّق موضوعاً و صغرى للمسألة الثانية، و الصلة بهذا المقدار لا تجعل المسألتين مسألة واحدة.

الثاني: أنّ البحث في المسألة السابقة عقلي محض و ليس لدلالة اللفظ فيها أيّ دخل،

و أمّا المقام فمن قائل إلى أنّ البحث عقليّ في هذه المسألة كما عليه الشيخ الأنصاري و المحقّق النائيني (قدس سرهما) إلى قائل آخر بأنّه لفظيّ كما هو الظاهر من المحقّق الخراساني، أو لا هذا و لا ذاك و إنّما يخضع كونها من أيّ قسم، للدليل القائم عليها، فإن استدل بدليل عقلي يكون النزاع عقلياً، و إن استدلّ بدليل لفظي يكون النزاع لفظياً.

و إن شئت قلت: هل البحث في الملازمات العقلية للأحكام و أنّ النهي عن الشي‏ء يلازم الفساد سواء أ كان هناك لفظ أم لا؟ أو أنّ النزاع في دلالة الألفاظ على الفساد كما ربّما يقال بأنّ الظاهر من النهي هو الإرشاد إلى الفساد أو إلى‏

286

المانعية، و الأوّل كقوله: دعي الصلاة أيّام أقرائك‏ (1) أو لا تبع ما ليس عندك‏ (2) و الثاني كما في قوله (عليه السلام): لا تجز الصلاة في شعر و وبر ما لا يؤكل لحمه. (3) و بعبارة ثالثة هل النزاع في الثبوت كما عليه القول الأوّل، أو في الإثبات كما عليه القول الثاني؟

استدل للقول الأوّل بأنّ أبا حنيفة قال بأنّ النهي يدلّ على الصحّة و من المعلوم أنّ استنتاج الصحّة من النهي ليس إلّا بالدلالة العقلية لا بالدلالة اللفظية.

يلاحظ عليه: أنّه لا يجعل النزاع ممحضاً في العقلية غاية الأمر أنّه يصحّ البرهنة عليه من طريق العقل أيضاً.

و استدل المحقّق الخراساني على كون النزاع لفظياً، بأنّ بين الأقوال قولًا بدلالته على الفساد في المعاملات مع انكار الملازمة بينه و بين الحرمة التي هي مفاده فيها. (4) يلاحظ عليه: بمثل ما لاحظنا على السابق، فإنّه يجعل النزاع صالحاً لأن يكون لفظياً و لا يجعله ممحضاً فيه لإمكان الاستدلال عليه عن طريق العقل كما في باب العبادات.

ثمّ إنّ المحقّق الثاني أورد على نفسه إشكالًا و جواباً و إليك توضيحها:

أمّا الأوّل فانّ الملازمة بين الحرمة و الفساد في باب العبادات إمّا ثابتة أو لا.

فعلى الأوّل يكون النزاع عقلياً سواء كان هناك نهي لفظي أو لم يكن كما إذا

____________

(1)- كنز العمال: 42/ 6، 262.

(2)- سنن النسائي: 289/ 7.

(3)- الوسائل: الجزء 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7.

(4)- كفاية الأُصول: 283/ 1.

287

كانت الحرمة معقد الإجماع، و على الثاني تكون الملازمة منتفية بينهما.

و على كلا التقديرين فالنزاع عقلي إثباتاً و نفياً هذا هو الإشكال، و قد أجاب عنه بقوله:» لإمكان أن يكون البحث معه في دلالة الصيغة بما تعمّ دلالتها بالالتزام «. (1) توضيحه: أنّ النزاع على القول بالملازمة لفظي أيضاً، لأنّ المراد من الدلالة ليست هي الدلالة المطابقية أو التضمّنية، بل الدلالة الالتزامية التي يعدّها المنطقيون من الدلالات اللفظية خلافاً لعلماء البيان فانّهم يعدونها دلالة عقلية، هذا إذا كان النهي موجوداً لفظياً، و أمّا إذا لم يكن في مقام الإثبات فالنهي اللفظي مستكشف عن معقد الإجماع، فتكون دلالته أيضاً لفظية.

و الحقّ أنّ النزاع يمكن لحاظه لفظياً، و يمكن لحاظه عقليّاً، و لا اختصاص له بواحد دون سواه.

فإن كان أساس الاستدلال هو ادّعاء الملازمة و عدمها يكون النزاع عقلياً.

و إن كان أساس النزاع في ظهور النهي في الإرشاد إلى الفساد أو المانعية و عدمه، يكون النزاع لفظياً.

فإن قلت: إنّ دلالة النهي الإرشادي على الفساد ليس مورداً للنزاع، لاتّفاقهم على فساد المنهي عنه حينئذ.

قلت: إنّ الكبرى و إن كانت مسلّمة، لكن البحث في الصغرى و أنّ النهي في العبادات و المعاملات هل هو ظاهر في النهي الإرشادي إلى الفساد، أو ظاهر في النهي المولوي؟ فكون الكبرى أمراً مسلّماً لا يوجب كون الصغرى كذلك.

الثالث: لا شكّ أنّ المسألة أُصولية لكون نتيجة البحث واقعة في طريق الاستنباط

فلو قلنا بدلالة النهي على الفساد، أو بالملازمة بين النهي و الفساد،

____________

(1)- كفاية الأُصول: 283/ 1.

288

تكون العبادات و المعاملات المنهية فاسدة لا يترتّب على إتيانها الأثر المقصود من سقوط الإعادة و القضاء، أو خروج المعوّض من ملك البائع و دخوله في ملك المشتري و الثمن على العكس فيقال البيع الربوي ممّا تعلّق به النهي، و كلّ ما تعلّق به النهي فهو فاسد، فينتج أنّ البيع الربوي فاسد.

فإن قلت: قد تقدّم في الأمر الأوّل من مقدّمة الكتاب أنّ الفرق بين المسألة الأُصولية و القاعدة الفقهية، هو أنّ محتوى الأُولى ليس حكماً شرعيّاً مجعولًا، بخلاف الثانية فانّ مضمونها هو الحكم الشرعي المجعول.

و المسألة في المقام تحتوى بيان الحكم الشرعي، و هو فساد المنهي عنه على القول بدلالته عليه أو عدمه و ليست من المسائل الأُصولية.

قلت: ليس الفساد حكماً شرعياً و إنّما هو أمر انتزاعي من عدم ترتّب الآثار الشرعية للبيع المنهي عنه. من خروج المعوّض عن ملك البائع و دخول العوض في ملكه و إلّا فلو قلنا، بأنّه مجعول كالصحّة فلا محيص عن كونها قاعدة فقهية. فلاحظ.

*** الرابع: في تعيين محلّ النزاع من أقسام النواهي:

إنّ النهي ينقسم إلى تحريمي و تنزيهي، و إلى نفسي و غيري، و إلى أصلي و تبعي، و قد اختلفت كلمتهم في كون الجميع داخلًا في محلّ النزاع إمّا عنواناً إذا كان عنوان البحث شاملًا له، أو ملاكاً إذا لم يشمله عنوانه، كما عليه المحقّق الخراساني، أو اختصاصه بالنهي التحريمي النفسي و أنّ النهي التنزيهي و الغيري خارجان عن محلّ النزاع لعدم دلالتهما على فساد العبادة، كما عليه المحقّق النائيني، فلنشرع بتوضيح ما أفاده المحقّق الخراساني.

289

لا إشكال في دخول النهي التحريمي النفسي الأصلي في محلّ النزاع، إنّما الكلام في دخول غيره، فهو إمّا داخل ملاكاً أو عنواناً و ذلك أنّ النهي التحريمي داخل في عنوان البحث، و لكن النهي التنزيهي، كالنهي عن الصلاة في الحمام أو عند طلوع الشمس و غروبها، و إن لم يكن داخلًا في العنوان لكنّه داخل فيه ملاكاً، أمّا عدم دخوله فيه عنواناً، فلأنّ النهي ظاهر في النهي التحريمي، و أمّا دخوله فيه ملاكاً، فلأنّ ملاك النزاع عبارة عن كشف النهي عن عدم المطلوبية المانع عن التقرّب و هو موجود في كلا القسمين.

نعم النزاع في التنزيهي مختصّ بالعبادات التي يطلب فيها التقرّب، و لا يعمّ ملاك التنزيهي، المعاملات لعدم مطلوبية التقرّب فيها.

و أمّا الغيري كالنهي عن الصلاة عند الابتلاء بالإزالة فالأصلي منه داخل في العنوان، و أمّا التبعي منه فلو قلنا بأنّ الأصلي ما فُهِم حكمه بخطاب مستقلّ و التبعي ما لم يكن كذلك، فيدخل التبعي أيضاً في العنوان لكونه من أقسام الدلالة اللفظية. و لو قلنا بأنّ الأصلي ما تعلّقت به إرادة مستقلّة، و التبعي ما ليس كذلك بل لو التفت لأراده فيدخل التبعي في عنوان البحث ملاكاً لعدم كونه من مقولة الدلالة.

ثمّ إنّه علّل دخول الغيري في محلّ النزاع بقوله: فإنّ دلالته على الفساد ... و حاصله أنّ المجوّز لدخول النهي في محلّ النزاع كون الشي‏ء منهياً عنه، و كون النهي كاشفاً عن عدم المطلوبية، سواء ترتّب عليه العقاب كما في النفسي أو لا كما في الغيري، و يؤيّد ذلك ما سبق، من أنّ ثمرة البحث عن كون الأمر بالشي‏ء، مقتضياً للنهي عن ضدّه، هو فساد المنهيّ عنه إذا كان عبادة، هذا حاصل كلامه. (1)

يلاحظ عليه بأمرين:

____________

(1)- كفاية الأُصول: 284/ 1.

290

1 إنّ الظاهر أنّ النهي في لسان الأُصوليين أعمّ من التحريمي و التنزيهي لشيوع النواهي التنزيهيّة في الشريعة، فلا وجه لاختصاصه بالتحريمي بل هو و التنزيهي داخلان في العنوان.

2 إنّه لمّا جعل النزاع في هذا الفصل لفظياً لا عقلياً، كما مرّ فقد فصّل في دخول النهي الغير التبعي بين مسلك المشهور و مختاره، و لمّا كان الغير التبعي على مسلكهم من مقولة الدلالة فيدخل في محلّ النزاع عنواناً، و أمّا على مختاره فلمّا كان من مقولة المعنى فيدخل ملاكاً مع أنّه يلزمه ذاك التفصيل في النهي الغير الأصلي أيضاً فإنّه على مسلكهم من مقولة الدلالة، لا على مختاره، لأنّ كون الشي‏ء متعلّقاً للإرادة المستقلّة، أعمّ من كونه مبرزاً، باللفظ و عدمه، اللّهمّ إلّا أن يقال بالملازمة بين الأصلي و الإبراز باللفظ.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني قال بخروج النهي التنزيهي من محلّ النزاع قائلًا: بأنّ النهي التنزيهي عن فرد لا ينافي الرخصة الضمنية المستفادة من إطلاق الأمر فلا يكون بينهما معارضة ليقيّد به إطلاق الأمر، نعم لو تعلّق النهي التنزيهي بذات ما يكون عبادة لكان لدعوى اقتضائه الفساد مجال من جهة أنّ ما يكون مرجوحاً ذاتاً لا يصلح أن يتقرّب به إلّا أنّ النواهي التنزيهية الواردة في الشريعة المتعلّقة بالعبادات لم تتعلّق بذات العبادة على وجه يتّحد متعلّق الأمر و النهي. (1) يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من عدم اقتضاء النهي التنزيهي فساد العبادة و إن كان حقّاً، لكنّه لا يوجب خروجه عن محلّ النزاع إذ يمكن أن يتوهم أنّ النهي كاشف عن عدم المطلوبية أو الحزازة و هما لا يجتمعان مع التقرّب.

و الحاصل أنّ كون الفساد على خلاف التحقيق أمر، و كونه غير داخل في محطّ النزاع شي‏ء آخر.

و الكلام في الدخول و عدمه إنّما هو قبل التحقيق و بيان الحال لا بعده، و ما ذكره راجع إلى ما بعد التحقيق.

____________

(1)- الفوائد الأُصولية: 455/ 4561.

291

ثمّ إنّهما لم يذكرا من النهي الإرشادي و التشريعي و النهي التخييري شيئاً فنقول:

1 النهي الإرشادي المسوق لبيان المانعية كما في النهي عن الصلاة في غير المأكول فلا إشكال في دلالته على الفساد، و لأجل ذلك الوضوح يخرج عن محلّ النزاع، فإنّه يدلّ على أنّ الصلاة و لُبْس غير المأكول لا يجتمعان سواء قلنا بأخذ قيد عدمي في المأمور به كما عليه البعض من إرجاع المانعية إلى أخذ ذلك القيد فيه و إن كان غير تام لرجوع المانعية عندئذ إلى شرطية العدم، أو قلنا بأنّ مفاده هو الإرشاد إلى أنّ ذلك الشي‏ء المنهي عنه و الصلاة لا يجتمعان و على كلّ تقدير وضوح الحكم يستلزم عدم دخوله في محلّ النقاش بين الأعلام.

و أظهر منه خروجاً النهي المسوق لبيان الفساد كما في قوله:» لا تبع ما لا يُملك «.

2 النهي التشريعي و مفاده النهي عن الاعتقاد بكون شي‏ء مأموراً به بالخصوص، كما إذا صلّى في مكان خاص زاعماً بتعلّق أمر خاص به مع إطلاق الأمر فصار باعتقاده و عمله مشرِّعاً، فهل هو داخل في محلّ البحث أو لا؟

يظهر من المحقّق القوچاني خروجه عن حريم النزاع قائلًا بأنّ مفاد النهي التشريعي هو البطلان فلا يتصوّر فيه النزاع.

يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يدل عليه النهي التشريعي هو حرمة الإتيان بالعمل الناشئ منه. أمّا الفساد فليس من المداليل الواضحة، فيقع البحث عن دلالته على الفساد، أو ملازمته معه عقلًا، أو عدمهما.

3 النهي التعييني و التخييريّ كما إذا قال: لا تصلّ في الدار المغصوبة، أو لا تجالس الفساق، فصلّى فيها مع مجالستهم، فالظاهر دخول القسمين في محلّ النزاع لكن المحرّم في الأوّل نفس العمل، و في الثاني الجمع بين العملين.

***

292

الخامس: ما هو المراد من العبادة في هذا المقام؟

عُرّفت العبادة بوجوه:

أ: ما أمر به لأجل التعبّد به.

ب: ما تتوقف صحّته على النيّة.

ج: ما لا يعلم انحصار المصلحة فيها في شي‏ء. (1) د: ما ذكره المحقّق الخراساني: ما يكون بنفسه و بعنوانه عبادة له تعالى، موجباً بذاته للتقرّب من حضرته لو لا حرمته كالسجود و الخضوع له و تسبيحه و تقديسه.

أو ما لو تعلّق الأمر به كان أمره أمراً عبادياً لا يكاد يسقط إلّا إذا أتى به بنحو قربي كسائر أمثاله نحو صوم العيدين و الصلاة في أيّام العادة. (2) يلاحظ على الشق الأوّل من التعريف الأخير: أنّه لو كان السجود و الخضوع و الخشوع عبادة ذاتية لما جاز أمر الملائكة بالسجود لآدم، و لما جاز ليعقوب أن يسجد ليوسف، فإنّ لازم ذلك أنّ اللّه تعالى أمر الملائكة بعبادة آدم، أو أنّ يعقوب قام بعبادة ابنه و هو كما ترى، إذ معناه أنّه أمر بالشرك، و اللّه سبحانه لا يأمر بالفحشاء: (أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏). (3) و بذلك يظهر أنّه ليس شي‏ء من السجود و الخضوع و الخشوع عبادة ذاتية و أنّ محقّق العبادة بالمعنى الوارد في قوله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) شي‏ء آخر كما سيوافيك.

____________

(1)- و سيوافيك ما هو التعريف الصحيح للعبادة فانتظر.

(2)- كفاية الأُصول: 286/ 2841.

(3)- يونس/ 68.

293

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على التعاريف الثلاثة الأُول بأنّ واحداً منها لا يمكن أن يتعلّق بها النهي (لكونها ملازمة للصحّة الفعلية).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ في التعريف الأوّل، فإنّ ما له الأمر فعلًا يكون صحيحاً، فلا يصحّ تعلّق النهي به و الكلام في العبادة التي يصحّ تعلّق النهي بها، و أمّا الأخيران فيصحّ تعلّق النهي بالعبادة المفسرة بهما، و ذلك لأنّ ما يتوقّف صحّته على النيّة أو ما لا يعلم انحصار المصلحة فيه لا يلازم الصحّة الفعلية حتى لا يصحّ تعلّق النهي به، و الحقّ انّ المراد من العبادة في المقام هو ما ذكره المحقّق الخراساني في الشقّ الثاني من عبارته، و هو: ما لا يسقط أمره على فرض تعلّقه به إلّا إذا أتى به بوجه قربي فخرجت التوصليّات لأنّها أُمور تسقط لو لم يأت به كذلك، و المراد من المعاملات العقود و الإيقاعات، التي تتّصفان بالصحّة تارة و بالفساد أُخرى.

بحث استطرادي‏

قد عرفت ما هو المقصود من العبادة في مصطلح الأُصوليين في المقام، بقي هناك بحث و هو بيان المقصود من العبادة في القرآن؟

أقول: العبادة في القرآن التي لا يجوز الإتيان بها إلّا للّه، لقوله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) (الحمد/ 5) هي القول أو العمل الحاكي عن الخضوع القلبي أمامَ من نعتقد أنّه إله خالقٌ أو ربٌّ مدبِّر أو من بيده مصير الإنسان عاجلًا و آجلًا.

فلو كان المخضوع له إلهاً حقيقياً و ربّاً واقعياً، كان مصير الإنسان بيده حقيقة فالعبادة حقّه و الخاضع موحِّد، و أمّا لو كان إلهاً أو ربّاً كاذباً و لم يكن مصير الإنسان بيده، فالعبادة عبادة لغير صاحبها، و العابد مشرك.

و لأجل ذلك تتّصف عبادة الموحّدين بالعبادة الحقّة، و عبادة المشركين‏

294

بالعبادة الباطلة، فإنّ المشركين و إن لم يؤمنوا بأنّ الأصنام و الأوثان كإله للعالمين و خالقهم، لكن كانوا يؤمنون بأنّ آلهتهم أرباب يدبّرون العالم كلّه أو بعضه، و قد كان احتجاج إبراهيم على مشركي عصره في ذلك المصاف، فقد كان البابليون يعتقدون بإله العالمين و مع ذلك كانوا يقولون بأنّ الكواكب و الشمس و القمر أرباب يدبّرون ما تحتها من الأفلاك و من فيها، و لأجل ذلك ترى أنّ إبراهيم يصرّ على لفظ الربّ. قال سبحانه: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ‏) (الأنعام/ 76).

و إن شئت قلت: إنّ العبادة عبارة عن الخضوع أمام من يقوم بالخلق و الإحياء و الرزق و غيرها من أفعاله سبحانه، كإنزال المطر و شفاء المرضى و غفران الذنوب و قضاء الحوائج، فلو كان المخضوع له يملك تلك الأفعال حقيقة فالعبادة حقّه، و إن كان لا يملكها حقيقة، فالخضوع أمامه عبادة له و ظلم في حقّه سبحانه.

و عبدة الوثن و إن كانوا مؤمنين بإله العالم و خالقه، لكنّهم كانوا على عقيدة أنّ اللّه سبحانه فوّض أمر التكوين كلّه أو بعضه إليهم، و تقاعد هو عن ساحة التدبير، و كانوا يردّدون حين الطواف و السعي قولهم:» لبّيك اللهمّ لبّيك، لا شريك لك، إلّا شريك هو لك، تملكه و ما ملك «.

هذا و أنّ اللّه سبحانه ينسب إلى اليهود و النصارى بأنّهم كانوا يتّخذون أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون اللّه. قال سبحانه: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏) (التوبة/ 31).

و من المعلوم أنّهم لم يكونوا مؤمنين بخالقيتهم بل و ربوبيّتهم في التكوين، و إنّما كانوا على عقيدة أنّ التشريع الذي هو فعل اللّه سبحانه، بأيديهم فلهم‏

295

تحريم حلال اللّه و تحليل حرامه.

فتحصّل‏ (1) من ذلك: أنّه لو كان الخضوع بأشدّ مراحله خالياً عن الاعتقاد بأُلوهية المخضوع له أو ربوبيّته أو كونه مفوّضاً إليه أمر التكوين و التشريع لا يكون شركاً في العبادة، نعم يمكن أن يكون حراماً لغير ذلك الوجه، كالسجود أمام الإنسان مع الاعتقاد بأنّه إنسان لا يملك لنفسه نفعاً و لا ضرّاً، لما ورد النهي عن الإتيان بصورة العبادة المشتركة بين جميع الملل أمام غير اللّه.

*** السادس: قال المحقّق الخراساني‏ (2): لا يدخل في عنوان النزاع إلّا ما كان قابلًا للاتّصاف بالصحّة و الفساد

بأن يكون تارة تاماً يترتّب عليه ما يترقّب منه من الأثر، و أُخرى لا كذلك لاختلال بعض ما يعتبر في ترتّبه، فخرج أمران:

1 ما لا أثر له شرعاً، كالنهي عن المشي، فانّه لا موضوع للأثر الشرعي حتّى تكون له حالتان فيترتّب الأثر تارة فيصحّ و لا يترتّب أُخرى فيبطل، فلا يدلّ النهي فيه إلّا على الحرمة التكليفية فقط.

2 أو كان أثره ممّا لا يكاد ينفكّ عنه كالضمان بالإتلاف و الاستيلاء من دون طرو عنوان ثانوي عليهما كما إذا كانت دار ما مأوى للفتنة و لا تخمد إلّا بهدمها.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فسّر المعاملة بالأعم من العقود و الإيقاعات، حيث قال:» عقداً أو إيقاعاً أو غيرهما «.

و لعلّه أراد من الغير الرضاع و الإحياء، كما نهى عن الإرضاع بلبن المشرك أو

____________

(1)- لاحظ مجمع البيان: 35/ 6، ط دار المعرفة في تفسير ما ورد حول الآية، من الرواية عن النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم).

(2)- كفاية الأُصول: 286/ 1.

296

الكتابي أو الإحياء بآلة غصبية. و لا أظنّ أنّهما داخلان في محطّ النزاع.

*** السابع: يظهر من المحقّق الخراساني في المقام و في بحث الصحيح و الأعم أُمور:

1 إنّ الصحّة بمعنى التمام، و لازمه أنّ الفساد بمعنى النقص، و إن لم يُصرّح بذلك.

2 إنّ توصيف الشي‏ء بأحدهما إنّما هو باعتبار الآثار التي يترقّب منه، فوصف العبادة أو المعاملة بأحدهما إنّما هو بلحاظ آثارهما، لا بلحاظ أنفسهما و صرّح بذلك بقوله فربّما يكون شي‏ء واحد صحيحاً بحسب أثر أو نظر و فاسداً بحسب آخر.

3 إنّ اختلاف الصحّة في العبادات و المعاملات ليس في المفهوم بل فيهما بمعنى واحد و هو التمامية، و إنّما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار التي بالقياس عليها تتّصف بالتمامية و عدمها حيث إنّ المطلوب في العبادة سقوط الإعادة و القضاء، و في المعاملة، ترتّب الأثر المطلوب و حصوله، أعني: النقل و الانتقال في البيع.

4 إنّ اختلاف الفقيه و المتكلّم في تفسير الصحّة أيضاً لأجل الاختلاف فيما هو المهمّ لكلّ منهما من الأثر بعد الاتفاق ظاهراً على أنّها بمعنى التمامية، و لأجل ذلك فسّرها الفقيه بسقوط الإعادة و القضاء لأنّهما يهمّانه، و فسّرها المتكلّم بموافقة الأمر، لأنّ الذي يهمّه حصول الامتثال الموجب لاستحقاق المثوبة.

5 إنّ الأمر ينقسم إلى ظاهري و واقعي، و الواقعي إلى أوّلي و ثانوي، و إذا فسر المتكلم الصحّة» بموافقة الأمر «، و انضمّ هذا الكلام إلى قول الفقيه:» امتثال‏

297

الأمر يقتضي الإجزاء «فتارة يتساويان و أُخرى يختلفان، فلو قيل إنّ المراد من الأمر في كلا الكلامين أعمّ من الواقعي و الظاهري يتساويان في الصدق، و يكون المأتي بالأمر الظاهري صحيحاً و إن اختلفا بأن خصّص الفقيه الأمر، بالواقعي و عمّم المتكلم، أو بالعكس يختلفان في الصدق، فالاختلاف ليس في معنى الصحّة و إنّما الاختلاف في التحقّق و الصدق. هذا كلامه. (1)

يلاحظ عليه بأُمور:

1 إنّ تفسير الصحّة بالتمام يستلزم تفسير الفساد بالنقص، مع أنّهما ليسا كذلك لقضاء أهل اللغة و أنّ موارد الاستعمال على خلافه.

أمّا التمام و النقص فيستعملان باعتبار كون الشي‏ء جامعاً للأجزاء و عدمه، فمقطوع اليد و فاقد العين ناقصان، و مقابلهما كاملان و إن شئت قلت: إنّما يوصف به الشي‏ء باعتبار الكمّية و بين اللفظين تقابل العدم و الملكة.

قال ابن فارس في مقاييسه:» تم «: التاء و الميم أصل واحد و هو دليل الكمال يقال: تمّ الشي‏ء إذا كمل» و التميمة «كأنّهم يريدون أنّها تمام الدواء، و الشفاء المطلوب.

و يقال امرأة حبلى متمّ.

و بذلك يعلم أنّ التمام و الكمال بمعنى واحد و أنّهما يستعملان حسب الكمّية و يقال شهر تام أي كامل حسب الأيّام، و لو استعملا في غير مورد الكميّة فلأجل مناسبة صحَّحت الاستعمال كما سيوافيك.

و أمّا الصحّة فالظاهر أنّها كيفيّة وجوديّة موافقة للطبيعة النوعية تتّصف بها الأنواع من الإنسان و الحيوان و النبات، و يقابلها المرض و هي كيفية وجودية مخالفة للطبيعة النوعية و بينهما تقابل التضاد.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 286/ 1.

298

قال ابن فارس:» صحّ «أصل يدلّ على البراءة من المرض و العيب و على الاستواء و من ذلك الصحّة: ذهاب السقم و البراءة.

فإذا كان الصحيح في مقابل المريض، و كان إطلاقه للشي‏ء بملاك كونه واجداً لكيفية معتبرة في نوع أفراده فلا محيص عن القول بأنّ استعمال الصحّة في لسان الفقهاء في المركّبات المخترعة فيما إذا تمّت أجزاؤها و شرائطها إمّا لوضع جديد و هو بعيد، أو بنحو من العناية و هو قريب بتنزيل الكامل من حيث الكميّة منزلة الكامل من حيث الكيفية، و إلّا فقد عرفت أنّ الصحّة كيفية وجودية في النوع تجري أفعالها معها على وفق الطبيعة.

و قد تفطّن لما ذكرناه الطريحي في مجمعه قال: استعيرت الصحّة لمعان فقيل، صحّت الصلاة إذا سقط قضاؤها و صحّ العقد إذا ترتّب عليه أثره، و صحّ: إذا طابق الواقع.

و بالجملة المدار في توصيف الشي‏ء لغة بالصحّة و الفساد هو الكيفية، و المدار في توصيف المركّبات الاختراعية بهما هو تماميّتها من حيث الأجزاء و نقصها كذلك فإطلاقهما على المركّبات التامّة و الناقصة إمّا بالنقل أو بالعناية و هي الأقرب.

2 إنّ وصف المركّبات الاختراعية بالصحّة و الفساد إنّما هو بالإضافة إلى أنفسها، فإن كانت جامعة لما يعتبر فيها فصحيحة، و إلّا ففاسدة لا بالإضافة إلى الآثار المترتبة عليها من سقوط القضاء و الإعادة أو موافقة الأمر و الشريعة المسقط للعقاب.

نعم لو كانت تامّة يترتّب عليها الأثر و إلّا فلا، و لكنّه غير القول بأنّ الاتّصاف بالصحّة لأجل ترتّب الآثار.

و على ذلك فيطلق الصحيح على مصداق جامع لجميع الأجزاء و الشرائط

299

مطابق للمخترع و المجعول و يقابله الفاسد.

فإن قلت: فعلى ذلك ينقلب التقابل عن التضاد إلى العدم و الملكة مع أنّك قلت: إنّ بين الصحّة و الفساد تقابل التضاد.

قلت: إنّما قلنا ذلك إذا استعملت في الطبائع التي لها كيفية وجودية تقتضيها طبيعة النوع، لا في أمثال المركّبات الاختراعية التي ليست لها كيفية طبيعية بل هي من المركّبات الاعتبارية فانقلب التقابل من التضاد إلى العدم و الملكة لاختلاف الاستعمال.

3 إنّ كون الصحّة و الفساد من الأُمور الإضافية تتصوّر على وجوه:

أ: إيقاع الإضافة بين العمل و أجزائه أو شرائطه فيقال أنّ العمل صحيح حسب الأجزاء دون الشرائط أو بالعكس و هذا لا يهمّ أحداً.

ب: أن يكون إضافياً بالنسبة إلى حالات المكلّفين و أصنافهم كالصلاة مع الطهارة الترابية فإنّها صحيحة لفاقد الطهارة المائية دون الواجد، و هذا ممّا يقع مورد الالتفات.

ج: أن يكون إضافياً بالنسبة إلى الأنظار فيكون عند فقيه صحيحاً دون فقيه، و هذا ما رامه المحقّق الخراساني و هو غير مهمّ، لأنّ نظر الفقيه طريق إلى الواقع و لا موضوعية له، و الشي‏ء حسب الواقع لا يخلو من الأمرين، و اختلاف الأنظار لا يؤثّر على الواقع.

*** الثامن: هل الصحّة و الفساد مجعولان مطلقاً،

أو ليسا كذلك مطلقاً، أو مجعولان في المعاملات دون العبادات، أو الصحّة الظاهرية مجعولة دون الواقعية؟ وجوه و احتمالات، فتارة يقع البحث في العبادات، و أُخرى في المعاملات.

300

أمّا العبادات فيظهر من المحقّق الخراساني التفصيل و حاصله‏ (1): أنّ الصحّة و البطلان في العبادات غير مجعولين من غير فرق بين تفسيرهما بمطابقة المأتي به للمأمور به، و عدمه كما عليه المتكلّمون، أو تفسيرهما بسقوط الإعادة و القضاء كما عليه الفقهاء، أمّا على التفسير الأوّل (مطابقة المأتي به للمأمور به و عدمه) فهما وصفان اعتباريان ينتزعان من المطابقة و عدمها.

و أمّا على التفسير الثاني (من سقوط القضاء و الإعادة) فهي من المستقلّات العقلية إذا كان المأتي به مطابقاً للمأمور به بالأمر الواقعي الأوّلي، حيث يستقلّ العقل بسقوط الإعادة و القضاء جزماً، فالصحّة بهذا المعنى ليست بحكم وضعي مجعول بنفسه كالوجوب أو بتبع التكليف كالجزئية المجعولة باعتبار منشأ انتزاعها، أعني: وجوب السورة كما أنّها ليست بأمر اعتباري منتزع.

نعم عند الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري سواء كان وافياً بالمصلحة، أو لم يكن، و سواء كان الفائت غير لازم الاستيفاء أو غير ممكن الاستيفاء، فالصحّة لا تكون مجعولة، لأنّ السقوط قهري و إن كان الفائت لازماً و أمكن الاستيفاء، لكنّه تفضّل و رفع اليد و يكون الحكم بالصحّة مجعولًا تخفيفاً و منَّة على العباد مع ثبوت المقتضي لثبوت الإعادة و القضاء كما مرّ في مسألة الإجزاء. (2) هذا خلاصة كلامه و فيما ذكره مجال للنظر من وجهين:

أحدهما: أنّه جمع بين الاعتباري و الانتزاعي، فقال: وصفان اعتباريان ينتزعان مع أنّه على خلاف الاصطلاح، فانّ الأمر الانتزاعي من مراتب الحقيقة و التكوين، بعد الجوهر و العرض، فلو كان المنشأ متحيّزاً بحيثية وجودية خارجية كالفوق المتحيّز بحيثية واقعية ككونه فوق الأسفل تنتزع منه الفوقية، نعم ليس كلّ‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 289/ 1.

(2)- ذكر في الإجزاء أنّ الصور حسب الثبوت أربع و المقصود ما إذا كان المأتي به غير واف بمصلحة الواقع و كان الفائت ممكن التدارك و واجبه، فالحكم بالصحّة حكم مجعول شرعاً.