المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
301

أمر انتزاعي منتزعاً من أمر واقعي حقيقي تكويني، كما في انتزاع الزوجية من إنشائها، و النجاسة من الأمر بالاجتناب، و الجزئية للسورة من الأمر بالقراءة، و على كلّ تقدير فالمفهوم الانتزاعي ما يصنعه الذهن بالنظر إلى منتزعه.

و أمّا الأمر الاعتباري فهو من مقولة الإنشاء سواء كان المعتبر من الاعتباريات الاجتماعية كالرئاسة و الوزارة أو من الأحكام المفوّضة على المكلّف كالوجوب و الحرمة و الاعتباريات بكلا قسميها، لا تعدّ من مراتب الحقيقة.

ثانيهما: بناءً على تفسير الصحّة بالمطابقة (على رأي المتكلّمين) فإنّها ليست من الأُمور الاعتبارية و لا الانتزاعية، بل من الأُمور الواقعية، فكما أنّ توازي الخطين و تساويهما من الأُمور الواقعية، فكذلك مطابقة المأتي به للمأمور به من الأُمور الواقعية التي يدركها العقل كإدراكه الجواهر و الأعراض. نعم إنّ الطرفين في الخطين المتوازيين من الأُمور الخارجية و في المقام أحدهما اعتباري و هو المأمور به و الآخر تكويني، غير أنّ ذلك لا يضرّ بعدم كون التطابق أمراً اعتبارياً و لا انتزاعياً بل أمراً له واقعية بالنسبة إلى ظرفه، يدركه العقل، فهو ليس اعتبارياً و لا انتزاعياً و لا مجعولًا بنفسه أو بتبع منشئه و لا من المستقلّات العقلية، بل من إدراكاته و ليس كلّ إدراك عقلي من قبيل المستقلّات.

نعم الصحّة بمعنى سقوط القضاء و الإعادة كما أفاده (قدس سره) من الأحكام التي يستقلّ بها العقل، عند الإتيان بالفعل بعامة أجزائه و شرائطه.

فتحصّل أنّ الصحّة ليست من المجعولات الشرعية، بل أمرها دائر بين كونها من الأُمور الواقعية أو من المستقلّات العقلية، لا من الأُمور الاعتبارية و الانتزاعية.

نعم يمكن تصحيح كونها مجعولة في مورد امتثال الأوامر الظاهرية كما أفاده باعتبار منشئها، فإنّ الشارع لا يصف العمل بالصحّة إلّا إذا رفع اليد عن‏

302

جزئية الجزء و شرطية الشرط و إلّا فيكون الحكم بالصحّة اعتباطياً بلا ملاك، فليست الصحّة مجعولة للشارع ابتداء، بل المجعول إنّما هو رفع الشرط و الجزء أو إثباتهما.

الصحّة في المعاملات‏

إنّ الصحّة فيها عند المحقّق الخراساني مجعولة شرعاً حيث إنّ ترتّب الأثر على معاملة إنّما هو بجعل الشارع و لو إمضاءً ضرورة أنّه لو لا جعله لما ترتّب الأثر عليها لأصالة الفساد، نعم صحّة كلّ معاملة شخصية و فسادها تابعة لانطباقها مع ما هو المجعول سبباً و عدمه، كما هو الحال في العبادات. (1) يلاحظ عليه: وجود الخلط بين موضوع الجعل، و موضوع الصحّة فالجعل إنّما يتعلّق بالعناوين الكلّية كما في قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏) (البقرة/ 275) و في قوله (عليه السلام): الصلح جائز بين المسلمين‏ (2)، و أين هو من جعل الصحّة و الصحّة إنّما توصف بها المصاديق الخارجية.

و بعبارة أُخرى جعل الجواز على العناوين الكلّية كالبيع و الصلح حتى الجواز بالمعنى الوضعيّ ليس بمعنى كونها صحيحة، بل بمعنى أنّها قانونية و معتبرة عند الشارع، و إنّما توصف بالصحّة إذا قام أحد المكلّفين بالبيع و الصلح، فعندئذ لو كان المأتي به مطابقاً للقانون يوصف بالصحّة، و على ضوء ذلك فهي هاهنا من الأُمور الواقعية التي يدركها العقل كما هو الحال في الصحّة لدى المتكلّمين في العبادات على ما مرّ.

***

____________

(1)- كفاية الأُصول: 290/ 1.

(2)- الوسائل: الجزء 13، الباب 3 من أبواب أحكام الصلح، الحديث 2.

303

التاسع: ما هو الأصل المعوّل عليه في المسألة عند الشكّ في دلالة النهي على الفساد؟

يقع الكلام تارة في المسألة الأُصولية، و أُخرى في المسألة الفقهية.

أمّا الأُولى: فإن قلنا النزاع في الملازمة بين النهي و الفساد عقلي، فلا أصل يعوّل عليه في المقام. لعدم وجود الحالة السابقة لها بل أمرها دائر بين الوجود أزلًا و عدمه كذلك، على أنّه لو افترضنا صحّة جريانه في المقام فلا ينفع، لأنّ مفاد الأصل ليس بنفسه أثراً شرعياً و لا موضوعاً لحكم شرعي، نعم لو ثبتت الملازمة لحكم الشارع بالفساد، و لكنّها غير كافية في صحّة التعبّد بها.

و إن قلنا بأنّ النزاع لفظي و مصبّ البحث على أنّ النهي هل وضع لمعنى يدلّ على الفساد أو لا؟ و الأصل و إن كان موجوداً لكنّه مثبت في مورد الشكّ. لأنّ المتيقّن هو عدم وضع النهي لمعنى يدلّ على الفساد بالسلب التام، بصورة عدم الموضوع حيث لا لفظ و لا واضع، و لا وضع فلم تكن دلالة على الفساد، و لكن المشكوك هو دلالة» لا تفعل «الموضوع لمعنى خاص على الفساد الذي يعبّر عنه بالسلب الناقص و استصحاب السلب التام لغاية إثبات السلب الناقص من أوضح الأُصول المثبتة.

أمّا الثانية: فيقع الكلام تارة في المعاملات، و أُخرى في العبادات.

فقال المحقّق الخراساني: إنّ الأصل في المعاملات هو الفساد، لأنّ مقتضى الأصل بقاء كلّ من الثمن و المثمن على ملك مالكه و عدم حدوث الملكية الجديدة إلّا إذا كان هناك عام أو إطلاق يقتضي الصحّة فيتمسّك به.

توضيحه: أنّ الأصل في المعاملات هو الفساد، لأنّ مقتضى الأصل بقاء كلّ من الثمن و المثمن على ملك المالك السابق و عدم حدوث الملك الجديد.

هذا إذا لم يكن هناك إطلاق أو عموم يقتضي الصحّة و إلّا فيحكم بالصحّة

304

و ذلك فيما إذا كان الشكّ في الفساد ناشئاً من النهي عنه فقط كما في البيع عند النداء، و أمّا إذا كان هناك منشأ آخر للشكّ في الصحّة وراء النهي كاحتمال عدم كونه مالًا كما إذا نهى عن بيع البول و شككنا في دلالة النهي على الفساد، و مع ذلك شككنا في كونه مالًا أو لا فلا ينفع إطلاق (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏) (البقرة/ 275) في المقام لكونه من قبيل الشكّ في المصداق كما لا يخفى لأنّ الشكّ في المالية يلازم الشكّ في صدق عنوان البيع.

و أمّا التفصيل‏ (1) في هذه الصورة بين قوله تعالى: (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏) و قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة/ 1) أو (تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‏) (النساء/ 29) فلا يصحّ التمسك في الأُولى دون الأخيرتين لعدم أخذ المالية فيهما. فغير تام لما بيّناه في أبحاثنا الفقهية فلاحظ.

و أمّا الأصل في العبادات أي الشكّ في حكم العبادة من حيث الحكم الفرعي فقد أفاد المحقّق الخراساني بأنّ الأصل هو الفساد لعدم الأمر بها مع النهي عنها.

و أورد عليه المحقّق الاصفهاني بأنّه لا شكّ في المسألة الفرعية حتى يؤسس الأصل في مقام الشكّ، لأنّ الصحّة لو كانت بمعنى موافقة الأمر فلا شكّ في الفساد لعدم تعلّق الأمر بالعبادة مع تعلّق النهي بها، و إن كان بمعنى موافقة المأتي به للمأمور به من حيث الملاك فهو قطعي الثبوت فالمنهي عنه مستجمع لجميع الأجزاء و الشرائط الدخيلة في الملاك، و الشكّ في أمر آخر و هو إمكان التقرّب مع المبغوضية و عدمه، و لا أصل يقتضي أحد الأمرين فكيف يقال:» الأصل الفساد «. (2)

____________

(1)- كما عن المحقّق، ميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس سره).

(2)- نهاية الدراية: 310/ 1.

305

يلاحظ عليه: أنّه يمكن اختيار الشقّ الأوّل و الذبّ عن الإشكال بأن يقال أنّه إنّما يتمّ فيما إذا تعلّق النهي بنفس العبادة، كالنهي عن صوم الوصال بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» لا وصال في صيام « (1)، لا ما إذا تعلّق بوصفه كالجهر ففي مثله يمكن تصوّر الأمر القطعي المتعلّق بالكلي غير أنّ المنهي عنه هو الفرد، كما في النهي عن الجهر موضع الإخفات فالنهي عن الفرد لأجل الوصف غير عدم وجود الأمر المتعلّق بالكلي.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ النهي عن الجهر في الظهرين يرجع إلى اشتراط الإخفات فيهما، فيرجع الجهر بهما، إلى نقصان الواجب وصفاً و شرطاً فلا أمر قطعاً.

كما يمكن اختيار الشقّ الثاني و تفسير الصحّة بالمطابقة للمأمور به من حيث الملاك و تصوّر أنّ الملاك قطعي الثبوت إنّما يصحّ إذا كان النهي عن العبادة لأجل الابتلاء بالأهم كالصلاة مع لزوم الإزالة عن المسجد، و أمّا إذا كان النهي عن وصف من أوصافه فلا علم لنا بوجود الملاك حتّى يتمحّض الشكّ في إمكان التقرّب مع المبغوضية و عدمه.

و قد فصّل المحقّق النائيني بين ما إذا كان الشكّ في صحّتها و فسادها لأجل شبهة موضوعية كما إذا شكّ في أنّه ركع أو سجد في الركعة الأُولى أو لا؟ فمقتضى القاعدة الأُولى فسادها مع قطع النظر عن القاعدة الثانية (قاعدة الفراغ و التجاوز).

و أمّا إذا كان لأجل شبهة حكمية فالحكم بالصحّة و الفساد عند الشكّ يبتني على الخلاف في جريان البراءة أو الاشتغال عند الشكّ في الجزئية أو الشرطية أو المانعية، و إن شئت قلت: الشكّ في اقتضاء النهي للفساد يستتبع الشكّ في‏

____________

(1)- الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب الصوم المحرّم و المكروه، الحديث 1.

306

مانعية المنهي عنه عن العبادة و يندرج في مسألة الأقل و الأكثر. (1) يلاحظ عليه: أولًا: أنّ البحث في المقام ممحض فيما إذا كان الشكّ في الفساد ناشئاً من تعلّق النهي، لا عن الشكّ في الإتيان بالجزء أو الشرط فانّه خارج عن موضوع البحث و لا من الشكّ في كون شي‏ء جزءاً أو شرطاً أو لا، فإنّ الموردين خارجان من محطّ البحث، و الحاصل أنّ النزاع يختص في اقتضاء النهي للفساد، لا أمر آخر من الشك في الإتيان بالجزء أو كون شي‏ء جزءاً حتى يبتني الحكم على قواعد أُخرى.

و بذلك يظهر ضعف ما أفاده شيخ مشايخنا العلّامة الحائري (قدس سره) حيث فرّق بين كون النزاع لفظياً و كونه عقلياً إذ على الأوّل يرجع الشكّ في تقييد دليل العبادة بغير الخصوصية، و معه إمّا تجري البراءة أو الاشتغال على الخلاف، بخلاف ما إذا كان عقلياً و إنّما الشكّ في القرب المعتبر في العبادات هل يحصل بإيجاد العمل في ضمن فرد محرّم، أو لا و الأصل الاشتغال حتّى يحصل القطع. (2) يلاحظ عليه: أنّا نفترض أنّ البحث في المقام لفظي و لكن لا يكون مرجع الفساد مطلقاً، إلى مسألة تقييد الأمر بغير هذه الخصوصية إلّا إذا تعلّق النهي بأمر خارج عن العبادة، لا ما إذا تعلّق بنفسها فما ذكره إنّما يتمّ في القسم الأوّل دون الثاني.

و التحقيق أنّ الأصل في العبادات المنهية، الفساد، لأنّ الشكّ في الصحّة و الفساد شكّ في حصول البراءة اليقينية و معه يجب الإتيان ثانياً لتحصيل اليقين، اللهمّ إلّا أن يحرز الملاك كما في المهمّ المبتلى بالأهم و قلنا بكفاية الملاك في الصحّة و لعلّه خارج عن حريم الشكّ.

____________

(1)- أجود التقريرات: 394/ 1.

(2)- درر الأُصول: 155/ 1.

307

العاشر: في أقسام تعلّق النهي بالعبادة

إنّ النهي عن العبادة على أقسام:

1 إمّا يتعلّق بنفس العبادة.

2 أو جزئها.

3 أو شرطها الخارج عنها كالستر.

4 أو وصفها الملازم لها.

5 أو وصفها غير الملازم لها و المنفكّة عنها.

6 أو يتعلّق بها لا بالمباشرة، بل لأجل تعلّق النهي بأحد هذه الأُمور.

أمّا القسم الأوّل، أي إذا كان النهي متعلّقاً بنفس العبادة، و مثله ما إذا كان النهي متعلّقاً بنفس المعاملة، فقد بحث عنه المحقّق الخراساني بعد هذا الأمر و اكتفى في المقام بقوله:» و هو داخل في محلّ النزاع «و إنّما خصّص هذا الأمر، بالبحث عن تعلّق النهي، بالأُمور الخمسة المذكورة و نحن نقتفيه، فنؤخّر البحث عن تعلّقه بنفس العبادة بعد الفراغ عن هذه الأقسام الخمسة فنقول:

*** 1 إذا تعلّق النهي بجزء العبادة

إذا تعلّق النهي بجزء العبادة كالنهي عن قراءة سور العزائم في الصلاة، فقال المحقّق الخراساني بأنّ بطلان الجزء، لا يكون سبباً لبطلان العبادة إلّا في صورتين:

أ: إذا اقتصر على الجزء المنهي عنه، لا مع الإتيان بغيره ممّا لم يتعلّق به النهي.

308

ب: إذا استلزم محذوراً آخر كالزيادة في الصلاة.

و أورد عليه المحقّق النائيني بأنّه موجب للفساد و ذلك لوجوه: الأوّل: إنّ النهي عن الجزء يوجب تقييد العبادة بما عدا ذلك الجزء و تكون النسبة إليه» بشرط لا «، لا محالة و اعتبار العبادة» بشرط لا «بالنسبة إلى شي‏ء، يقتضي فساد العبادة المشتملة على ذلك الشي‏ء لعدم كون الواجد له من أفراد المأمور به بل المأمور به غيره فالآتي بالمنهي عنه غير آت بالمأمور به. و الحاصل أنّ الآتي به في ضمن العبادة إمّا أن يقتصر عليه فيها أو يأتي بعده بما هو غير منهي عنه.

الثاني: إنّه يعدّ زيادة في الفريضة فتبطل الصلاة بسبب الزيادة العمدية المعتبر عدمها في صحّتها، و لا يعتبر في تحقّق الزيادة قصد الجزئية إذا كان المأتي به من جنس أحد أجزاء العمل نعم يعتبر قصد الجزئية في صدقها إذا كان المأتي به من غير جنسه.

الثالث: إنّه تعمّه أدلّة مبطلية مطلق التكلّم من غير تقييد بكلام الآدمي و القدر الخارج عن هذا الإطلاق هو التكلّم بالقرآن و الذكر الجائزين و يبقى الذكر و القرآن المنهي عنهما داخلين تحت الإطلاق. (1) يلاحظ عليه: أمّا في الأوّل فلأنّ معنى حرمة جزء العبادة لا تقتضي إلّا عدم الاكتفاء به في مقام الامتثال، و أمّا اعتبار العبادة بالنسبة إليه بشرط لا، فلا تقتضيه، و الحاصل أنّ حرمة جزء العبادة ليست إلّا بمعنى حرمته في نفسه، و أمّا اعتبار العبادة بالنسبة إليه بنحو» بشرط لا «فهو يحتاج إلى الدليل.

و على ذلك فالنهي عن الجزء بما أنّه عبادة يوجب فساده. لا فساد العبادة إلّا

____________

(1)- أجود التقريرات: 397/ 1؛ و الفوائد للكاظمي، ص 465466، و المنقول ملفق من كلا التقريرين.

309

إذا اقتصر عليه، و أمّا إذا أتى بغير المنهيّ عنه ثانياً و صارت العبادة جامعة للأجزاء فلا إشكال، و تصوّر أنّه ربّما يؤخذ الجزء» بشرط لا «بالنسبة إلى الفرد الآخر من هذا الجزء، فعندئذ تبطل العبادة على كلّ تقدير، لأنّه إذا اكتفى به يكون فاقداً للجزء و إن لم يكتف، يصير فاقداً للشرط أي الوحدة، غير تام لما عرفت من عدم دلالة النهي إلّا على فساد نفس الجزء، و أمّا اعتبار الكلّ بالنسبة إليه» بشرط لا «، بحيث يكون وجوده مخلًا به لأجل الإخلال بقيد شرط الوحدة، فممّا لا يدلّ عليه.

و أمّا في الثاني: فلأنّ التفريق بين ما كان من سنخ العبادة و غيرها باشتراط قصد الجزئية في الثاني دون الأوّل خال عن الملاك، فإنّ تحقّق عنوان الزيادة الواردة في قوله:» من زاد في صلاته فعليه الإعادة « (1) يحتاج إلى قصد الجزئيةَ بما يؤتى به في الخارج و ذلك للفرق الواضح بين كون شي‏ء جزءاً تكوينياً و كونه جزءاً اعتبارياً، فلو زاد شيئاً في المعجون عن سهو يصدق أنّه زاد فيه، سواء كان بقصد الجزئية أم لم يكن، و أمّا إذا كان جزئية شي‏ء لشي‏ء بالقصد و الاعتبار فلا تصدق الزيادة و أنّه جعل المحرّم جزءاً إلّا بالقصد و إلّا فلا. و المفروض أنّه أتى بالسورة بغير قصد الجزئية لعلمه بحرمة قراءتها في الصلاة و إذا صارت منهياً عنها صارت مبغوضاً عنها و المبغوض لا يكون مقرّباً.

نعم لو دلّ على كون مطلق وجود الشي‏ء زيادة و إن لم يكن عن قصد فهو خارج بالدليل كما ورد في السجود و الحق به الركوع بالمناط و على ذلك فالجزء المحرّم ما لم يقصد به الجزئية، لا دليل على كونه مبطلًا، لعدم صدق عنوان الزيادة.

و أمّا في الثالث، فالمحرّم هو التكلّم بكلام الآدميين لا مطلق التكلّم حتّى يخرج منه القرآن و الذكر الجائزان و يبقى التكلّم بكلام الآدميين و القرآن و الذكر المحرّم تحته.

____________

(1)- الوسائل: الجزء 4، الباب 19 من أبواب الخلل، الحديث 2.

310

و يرشدك إلى ما ذكرنا، النصوص الواردة عن الأئمّة (عليهم السلام) في المورد.

روى أبو بصير عن الصادق (عليه السلام): إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة.

و روى أيضاً: من تكلّم في صلاته متعمّداً فعليه إعادة الصلاة و من أنّ في صلاته فقد تكلّم «. (1) أضف إلى ذلك أنّ الوجهين الأخيرين يختصّان بباب الصلاة و لا يعمّان غيرها و البحث منصب على أنّ حرمة الجزء و فساده بما هو هو هل يوجب فساد العبادة أو لا؟ لا بعنوان تحقّق الزيادة في المكتوبة أو من جهة التكلّم بكلام الآدمي، فانّ هذه الأدلّة تناسب الفروع الفقهية لا المسائل الأُصولية.

2 إذا تعلّق النهي بشرط العبادة

إذا تعلّق النهي بشرط العبادة فهل يوجب الفساد أو لا؟ ذهب المحقّق الخراساني إلى التفصيل بين ما يكون الشرط عبادة و بين ما لا يكون كالستر، فعلى الأوّل يوجب فساد الشرط و يسري إلى نفس العبادة كما في النهي عن الطهارات الثلاث، بخلاف ما إذا لم يكن عبادة، فإنّ النهي يجتمع مع الصحّة لعدم لزوم قصد القربة حتى لا يجتمع مع الحرمة.

يلاحظ عليه: أنّ الشرط غير العبادي لو كان متقدّماً على المأمور به، كان لما ذكر وجه، لأنّ الشرط عندئذ أمر توصلي و بحصوله يسقط الواجب و إن كان محرّماً.

و أمّا إذا كان مقارناً للواجب كما في الستر فالأمر فيه مشكل، لأنّ الشرط المنهيّ عنه ينحلّ إلى قيد، أعني: نفس الستر، و إلى تقيّد أي الستر و الإضافة

____________

(1)- الوسائل: الجزء الرابع، الباب 25 من أبواب القواطع، الحديث 1 و 2 و 4.

311

الحاصلة بين الستر و الصلاة، و القيد و إن كان خارجاً عن المأمور به و لكن التقيّد داخل فيه، فيتعلّق الأمر به نحو تعلّق، و إذا كان منهياً عنه يوجب فساده و مع فساده تفسد العبادة.

فإن قلت: إنّ التقيّد ليس إلّا أمراً ذهنياً لا خارجياً و لا يتعلّق الأمر إلّا بالأمر الخارجي.

قلت: لا يراد من كونه ذهنياً هو أمر ذهني محض، بل يراد منه أنّه ليس له في الخارج عينية مثل الجواهر و الأعراض و إلّا فله واقعية و خارجية مناسبة لمقامه و إلّا يلزم أن تكون المعاني الحرفية كلّها أُموراً ذهنية لا واقع لها إلّا في الذهن و هو كما ترى و» التستر «كالتعمّم و التقمّص أشبه بمقولة» الجدة «.

نعم لو قلنا بعدم وجوب التستر بالأمر النفسي بل بوجوبه بالأمر الغيري المقدّمي، فلا يلزم من حرمته، فساده و لا فساد العبادة، و لكنّه خلاف مبنى القوم.

فإن قلت: ما الفرق بين النهي عن الجزء و النهي عن الشرط حيث نفيت كون النهي عن الجزء بمعنى أخذ عدمه في الصلاة بخلاف النهي عن الشرط حيث قلت بأنّ مآله إلى أخذ عدمه في الصلاة.

قلت: الفرق واضح، حيث أن لا دور للسورة المحرّمة في الصلاة و إنّما هي عمل محرّم فيها، بخلاف التستر بالحرير فانّ له دوراً و تأثيراً فيها، حيث يكتفى به المصلّي في إحراز الشرط كما لا يخفى.

و بعبارة أُخرى هو يأتي بذات الجزء لا بعنوان الجزئية، و ليست الصلاة بالنسبة إليه مأخوذة بشرط لا و إلّا يلزم أن تكون كذلك بالنسبة إلى كلّ المحرّمات، و هذا بخلاف التستر بالحرير فانّه يكتفي به في إحراز الشرط اللازم في الصلاة.

312

3 إذا تعلّق النهي بالوصف الملازم‏

إذا تعلّق النهي بالوصف الملازم كالجهر بالنسبة إلى القراءة و المراد من الملازم هو أن لا يكون للوصف وجود مغاير للموصوف حيث إنّ الجهر من خصوصيات القراءة و كيفياتها و ليس المراد منه عدم قابلية انفكاك الوصف عن الموصوف كما قيل لانتقاضه بالجهر حيث يمكن انفكاكه عن القراءة كما إذا قرأ الصلاة إخفاتاً و مع ذلك يعدّ من الوصف الملازم، و الحاصل أنّ المراد من اللازم ما لا يكون له وجود مستقل.

و على أيّ تقدير فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ النهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن موصوفه فيكون النهي عن الجهر مساوقاً للنهي عن القراءة لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها مأموراً بها مع كون الجهر بها منهياً عنه فعلًا. (1) يلاحظ عليه: أنّ النسبة بين القراءة و النهي عن الجهر بها، هي العموم و الخصوص المطلق فإن قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي فيهما، فلا يسري النهي إلى متعلّق الأمر، و إن قلنا بعدم جوازه، و قدّمنا النهي، فأقصى ما يقتضيه هو عدم تعلّق الأمر بالقراءة عند النهي عن الجهر، لا كون القراءة منهياً عنها، لأنّ النهي لا يتجاوز العنوان الذي تعلّق به إلى عنوان آخر. كما أوضحناه في المسألة السابقة.

نعم إنّ القراءة و إن لم تكن منهياً عنها (على القول بالاجتماع و على القول بالامتناع و تقديم النهي على ما عرفت) لكنّها باعتبار اتّحادها مع المبغوض يشكل التقرّب بها، لكنّه خارج عن حريم البحث، لأنّ البحث منصب على كون النهي عن الوصف بما هو هو موجباً للفساد أو لا؟ و أمّا الفساد من جانب عدم تمشّي قصد القربة لأجل اتحادها مع المبغوض، فخارج عن عنوان البحث. و ما أفاده المحقّق الخراساني صحيح نتيجة و إن كان غير تام دلالة.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 293/ 1.

313

4 إذا تعلّق النهي بالوصف غير الملازم‏

إذا تعلّق النهي بالوصف غير الملازم للعبادة، و كان متّحداً مع العبادة كالغصبية يجري فيه ما قلناه في مسألة اجتماع الأمر و النهي فلو قلنا بجواز الاجتماع فلا يسري و إلّا فلو قدّمنا النهي تكون منهياً عنها فلا يصلح للتقرّب خرج بقولنا إذا كان متّحداً، ما إذا كان غير متّحد وجوداً مع العبادة كالنظر إلى الأجنبية فلا يسري إليها النهي بوجه من الوجوه كما لا يخفى.

5 إذا تعلّق النهي بالعبادة لأجل النهي عن أحد هذه الأُمور:

إذا تعلق النهي بالعبادة لأجل النهي عن أحد هذه الأُمور، فتارة يكون النهي عن أحدها واسطة في العروض، فيتعلّق النهي بالكلّ مجازاً و يكون الوصف بحال المتعلّق و بما أنّ النسبة مجازية و الاتّصاف بالنهي غير حقيقي لا يزيد شيئاً وراء ما يستفاد من النهي عن أحدها.

و أُخرى يكون النهي عن أحدها واسطة في الثبوت، و يتّصف الكلّ بالحرمة حقيقة و يكون الوصف بحال الموصوف حقيقة كذلك فيكون حكمه، حكم النهي عن العبادة ابتداءً.

ثمّ إنّه يمكن تصوير الأقسام الخمسة في المعاملات أيضاً إذا قلنا بأنّها أسماء للأسباب أي العقود و الإيقاعات، فإنّ لها جزءاً و شرطاً و وصفاً ملازماً و غير ملازم و ربّما تكون نفس المعاملة منهياً عنها لأجل النهي عن هذه الأُمور و لكنّها فروض لا مصداق لها في الخارج، نعم لو كانت أسماء المعاملات أسماء للمسبّبات التي هي بسائط غير مركّبات، لا يتصوّر فيها سوى القسم الواحد و هو النهي عن ذاتها.

ثمّ إنّ النهي عن العبادة إمّا مولوي أو إرشادي و الأوّل إمّا مولوي ذاتي أو مولوي تشريعي و النزاع منصب على القسمين من المولوي، و أمّا الارشادي فهو

314

خارج عن محطّ البحث لوضوح الدلالة فيه على الفساد سواء كان إرشاداً إلى المانعية مثل قوله (عليه السلام):» لا تجوز الصلاة في شعر و وبر ما لا يؤكل لحمه « (1) أو إلى الفساد مثل قوله تعالى: (وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ‏) (النساء/ 22).

نعم لو دار أمر النهي، بين المولوي و الإرشادي، فالظاهر كونه إرشادياً لما هو المتبادر، فإنّ العبادات المخترعة كالمعاجين الطبيّة، لها أجزاء و شرائط و موانع، فكما إذا قال الطبيب: اجعل هذا في الدواء و لا تجعل ذاك فيه، يفهم من الأوّل الجزئية و من الثاني المانعية، فكذلك إذا نهى عن شي‏ء و قال:» لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه «فانّ قوله هذا، وزان قول الطبيب إذا قال: لا تجعل السكر في الدواء.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم انّ الكلام يقع في مقامين:

المقام الأوّل: إذا تعلّق النهي بنفس العبادة و هو على أقسام:

1. تعلّق النهي المولوي الذاتي‏

إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بالعبادة سواء كان النهي متعلّقاً بها بلا واسطة، كما في قوله (عليه السلام):» دعي الصلاة أيّام أقرائك « (2) و كالنهي عن الصيام في العيدين أو بواسطة النهي عن وصفه كالنهيِ عن صوم الوصال بقوله (عليه السلام):» لا وصال في الصوم « (3) فلا شكّ في دلالته على الفساد، و استدل المحقّق الخراساني على الفساد بالبيان التالي:

1 إنّ الصحّة إمّا بمعنى مطابقة الأمر و الشريعة و مع النهي عن الشي‏ء لا

____________

(1)- الوسائل: الجزء 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7.

(2)- مسند أحمد: 42/ 6 و 262 و في المصدر» حيضك «.

(3)- الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث 1.

315

يصحّ الأمر به لعدم إمكان تعلّق الأمر و النهي بشي‏ء واحد.

2 و إن كانت بمعنى سقوط الإعادة و القضاء فهو مترتّب على المأتي به بقصد القربة و مع الحرمة كيف يتمشى قصدها.

و بعبارة ثالثة: الصحّة إمّا لأجل وجود الأمر، أو لأجل وجود الملاك، و كلا الأمرين منتفيان، أمّا الأوّل فلامتناع اجتماع الأمر و النهي، و أمّا الملاك فلا يتصوّر في المبغوض. (1)

إشكال و إجابة

إنّ المحقّق الخراساني أورد في المقام إشكالًا و حاصله:

إنّ العبادة لا تتّصف بالحرمة الذاتية و إنّما تتّصف بالحرمة التشريعية، و ذلك لأنّ المكلَّف بعد تعلّق النهي بها، إمّا يحاول أن يأتي بها بلا قصد الأمر، و هذا ليس بحرام قطعاً بل يكون أشبه شي‏ء باللغو و إن حاول أن يأتي بها بالأمر الواقعي و هذا أمر غير ممكن لعدم تعلّق الأمر بها بعد تعلّق النهي و إن حاول أن يأتي بها بالأمر التشريعي هذا و إن كان ممكناً لكن لا تتعلّق بها الحرمة الذاتية لامتناع اجتماع المثلين.

كصلاة التراويح التي نهي عن إقامتها جماعة، فإن أراد أن يأتي بها بلا قصد الأمر فهو ليس بحرام، و إن أراد أن يأتي بها مع قصد الأمر الواقعي فهو غير ممكن لعدم الأمر بها جماعة، و إن أراد أن يأتي بها بالأمر التشريعي فلا تكون محرمة إلّا تشريعاً لا ذاتياً و لا يصحّ تعلّق نهي آخر بها لامتناع اجتماع المثلين.

ثمّ أجاب عنه بوجوه:

أوّلًا: أنّا نختار الشق الأوّل و ذلك لأنّ المراد من العبادة ليست العبادة

____________

(1)- كفاية الأُصول: 294/ 1.

316

الفعلية إذ من المعلوم أنّها لا تكون متعلّقة للنهي بل المراد تعلّق النهي بشي‏ء لو كان مأموراً به لكان عبادة، و مثلها تصحّ أن تكون متعلّقة للحرمة الذاتية كصوم العيدين فانّه لو أمر به كان عبادة لا يسقط الأمر به إلّا إذا أتى به بقصد الأمر كصوم سائر الأيام فسقط قوله:» بعدم الحرمة بدون قصد القربة «.

و ثانياً: نختار أنّ المراد من العبادة هي العبادة الفعلية، و لكنّها لا تتوقّف على تعلّق الأمر بها، لإمكان كون عباديّتها ذاتية كما في نهي الحائض عن السجود للّه تبارك و تعالى فتكون عبادة محرّمة ذاتية.

و ثالثاً: لا مانع من اجتماع النهيين، و توهم أنّه من قبيل اجتماع المثلين مدفوع بتغاير الموضوع، لأنّ الحرمة الذاتية تعلّقت بنفس العمل و الحرمة التشريعية بعقد القلب بأنّه ممّا أمر به الشارع.

و رابعاً: نعترف صحّة ما ذكر و أنّ النهي في المقام نهي تشريعي، لكنّه كاف في إثبات الفساد لأنّه يكشف عن عدم تعلّق الأمر بها هذا من جانب و من جانب آخر، لم يحرز الملاك فيها فيحكم بفساد العبادة. (1) يلاحظ عليه: أنّ هذه المحاولات لغاية إثبات وجود العبادات المحرّمة بالذات، مع أنّ الظاهر من جميع النواهي الواردة في الشرع المتعلّقة بالعبادات كلّها، أنّها محرّمة تشريعاً. حتى مثل قوله (عليه السلام):» دعي الصلاة أيّام أقرائك « (2) أو النهي عن صوم العيدين، فلو أتت بالصلاة، من دون أن تنسب العمل إلى الشرع لا يكون محرّماً.

نعم تعلّق النهي الذاتي بالسجود للشمس و القمر قال سبحانه: (وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ ...) (فصّلت/ 37).

____________

(1)- كفاية الأُصول: 295/ 2961.

(2)- مسند أحمد: 42 و 262.

317

و أمّا الأجوبة الأربعة فأكثرها غير تامّ:

أمّا الأوّل: فلأنّ ما ذكره من تفسير العبادة بما لو تعلّق به أمر لكانَ عبادة و إن كان صحيحاً في مصطلح الفقهاء لكن كونه المراد من العبادة عند تعلّق النهي به خلاف الظاهر، فلو قال:» دعي الصلاة أيّام أقرائك «فالظاهر أنّ المنهى عنه هو الصلاة المأمور بها.

نعم لو فسّر النهي التشريعي بعدم تعلّق الأمر بها فهو خلاف المفروض عند المجيب.

أمّا الثاني: فقد عرفت عدم صحّته و أنّه ليس عندنا عبادة ذاتية.

و أمّا الثالث: فلأنّ التشريع أمر محال لأنّ المفروض علم الفاعل بأنّه لم يأمر الشارع به و مع ذلك كيف يعتقد بوجوبه شرعاً و إنّما المحرّم هو البدعة و إشاعة وجوب عمل بين الناس لم يأمر الشارع به و عندئذ يكون المتعلّق للحرمة هو نفس العمل الخارجي.

و أمّا الرابع: فهو حق، لكنّه عدول عن المبنى أي وجود الحرمة الذاتية.

2 تعلّق النهي المولوي التشريعي‏

لا شكّ في دلالته على الفساد فانّه يكشف عن عدم الأمر مع عدم إحراز الملاك.

أقول: بل لكشفه عن المبغوضية التي يشير إليها قوله سبحانه: (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏) (الأنعام/ 21) و قوله سبحانه: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏) (يونس/ 59) فلا شكّ أنّ النهي يدلّ على الفساد، لأنّه بعمله، يحقّق الفرية على اللّه، فهو من أبغض المبغوضات، فكيف يكون مقرّباً و مسقطاً عن الإعادة و القضاء؟

318

3 تعلّق النهي الإرشادي‏

إذا تعلّق النهي الإرشادي بالعبادة فدلالته على الفساد و عدمه تابعة للوقوف على الدليل، فإن كان إرشاداً إلى الفساد يحكم به مثل قوله (عليه السلام):» دعي الصلاة أيّام أقرائك « (1) و إن كان إرشاداً إلى قلّة الثواب كما في قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» لا صلاة لجار المسجد إلّا في مسجده « (2) يحكم بالصحّة و الكراهة بالمعنى المزبور.

*** [المقام الثانى‏] هل النهي في المعاملات يدلّ على الفساد أو لا؟

المراد من المعاملة ما لا يعتبر فيه قصد القربة سواء كانت من العقود و الإيقاعات أو لا، و إن خصّ المحقّق الخراساني مورد النزاع فيها بالعقود و الإيقاعات، لكنّه أعمّ منهما. إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام يقع في موارد:

الأوّل: إذا كان النهي مولوياً تحريمياً.

الثاني: إذا كان النهي إرشادياً.

الثالث: إذا لم يعلم حاله من المولويّة و الإرشادية.

و قد اقتصر المحقّق الخراساني بالمورد الأوّل و ذكر له أقساماً تبعاً للشيخ الأعظم و نحن نقدّم البحث حوله ثمّ نتبعه ببيان الأقسام الأُخر. و لنذكر أمراً و هو أنّه قد تقدّم اتّفاق كلمتهم على أنّ النهي المولوي التحريمي في العبادات مقتض للفساد بخلاف المقام فقد ذكروا له أقساماً. وجه الفرق أنّ الصحّة في العبادات إمّا بمعنى موافقة الأمر، و الأمر لا يجتمع مع النهي أو سقوط الإعادة و هو فرع قصد

____________

(1)- مسند أحمد: 42/ 6 و 262.

(2)- الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 1.

319

القربة و لا يجتمع مع الحرمة فلأجل ذلك اتّفقوا على الفساد بلا تفصيل، بخلاف المعاملات، فليست الصحّة فيها إلّا رهن كونها موافقة للمشرَّع بلا حاجة إلى الأمر أو قصد القربة و هي موجودة في بعض الأقسام دون بعض و إليك البيان:

القسم الأوّل: إذا تعلّق النهي بنفس المعاملة بما هو فعل مباشري كالنهي عن البيع وقت النداء فالحرام هو نفس العقد أي الإيجاب و القبول لكونه مانعاً عن الواجب الآخر.

يلاحظ عليه: ذكر البيع في الآية الكريمة: (ذَرُوا الْبَيْعَ‏) (الجمعة/ 9) من باب المثال و المنهي عنه في الحقيقة هو الأعمال المزاحمة للصلاة و البيع أحد مصاديقها و على ذلك لم يتعلّق النهي بنفس العقد أي الإيجاب و القبول حتى يكون مثالًا للبحث.

و هنا إشكال آخر و هو أنّ النهي في هذه الموارد ليس ناشئاً من مفسدة موجودة في المتعلّق من البيع و غيره بل لأجل كونه مفوّتاً لمصلحة الواجب و على ذلك لا يكون النهي إلّا تأكيداً للإتيان بنفس الواجب لا شيئاً زائداً و في الحقيقة، الأمر و النهي في المقام صورتان لعُملة واحدة لا تعدّد بينهما في الحقيقة.

و يمكن التمثيل بعقد المحرم، فانّ النهي تعلّق بنفس إجراء العقد مع كونه محرّماً إذا أُحرز كونه مولوياً لا إرشاداً إلى الفساد.

و على كلّ تقدير لا يدلّ النهي في هذا القسم على الفساد لأنّ غايته هو مبغوضية نفس العمل (العقد) و هي لا يلازم الفساد و ليس العقد أمراً عبادياً حتّى لا يجتمع مع النهي.

القسم الثاني: أن يتعلّق النهي بمضمون المعاملة بما هي فعل بالتسبيب.

و إن شئت قلت: أن يتعلّق بنفس المسبّب كالنهي عن بيع المصحف و العبد المسلم من الكافر أو النهي عن بيع آلات اللهو و القمار، فانّ الحرام‏

320

هو مالكية الكافر لَهما التي هي فعل تسبيبي و يُعدّ سبيلًا على المسلم و سلطة عليه.

و قد اختار الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني عدم دلالة النهي فيه على الفساد إذ أقصاه كون البيع مبغوضاً و هو لا ينافي الإمضاء و الإنفاذ، و بالجملة إذا لم يكن النهي إرشاداً إلى الفساد كما هو المفروض، و لم يكن لسانه، لسان التقييد و التخصيص لأدلّة إمضاء البيع على الإطلاق، لما كان وجه للفساد.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني (رضوان اللّه عليه) فصّل بين القسم الأوّل فاختار فيه عدم دلالته على الفساد و هذا القسم فاختار فيه الفساد قائلًا بأنّه يشترط في صحّة المعاملة أُمور:

الأوّل: كون كل من المتعاملين مالكاً للعين أو بحكم المالك حتى لا يكون عن النقل أجنبياً.

الثاني: أن لا يكون محجوراً عن التصرّف فيها من جهة تعلّق حقّ الغير بها أو لغير ذلك من أسباب الحجر لتكون له السلطنة الفعلية على التصرّف فيها.

الثالث: أن يكون لإيجاد المعاملة سبب خاصّ.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه إذا تعلّق النهي بالمسبّب و بنفس الملكية المنشأة كالنهي من بيع المصحف، كان النهي معجزاً مولوياً للمكلّف و رافعاً للسلطنة عليه، فينحلّ بذلك الشرط الثاني المعتبر في صحّة المعاملة أعني به كون المكلّف مسلّطاً على المعاملة في حكم الشارع و يترتّب على ذلك فسادها.

ثمّ استشهد على كلامه بما حكم به الفقهاء من فساد الإجارة على الواجبات المجّانيّة، لأنّ العمل لوجوبه عليه، خارج عن سلطانه و مملوك للّه سبحانه، كما حكموا ببطلان بيع منذور الصدقة فانّ النذر يجعل المكلّف محجوراً عن التصرّف المنافي له، أو شرط في نفس العقد حجره عن بيع خاص كما إذا باع الدار و اشترط

321

على المشتري عدم بيعها من زيد، فيبطل إذا باعها من زيد و الملاك في الجميع استلزام نهي المولى عن معاملة، حَجَر المكلّف عنها، المترتّب عليها فساد تلك المعاملة. (1) يلاحظ عليه: أنّ شرط صحّة المعاملة هو أن لا يكون البائع محجوراً شرعاً كالسفيه أو لا يكون مورد المعاملة متعلّقاً لحقّ الغير كالعين المرهونة التي تعلّق بها حقّ الراهن أو ورثة الميّت، أو أموال المفلس، التي تعلّق بها حقّ الديّان و أمّا ما عدا ذلك فلم يقم دليل على اشتراطه في صحّة المعاملة، و ما ذكره إنّما يتمّ لو دلّ دليل على اشتراط عدم كون التصرّف حراماً في صحّتها و الحاصل أنّ ما هو الشرط أن لا يكون مورد المعاملة متعلّقاً لحقّ الغير كحقّ المرتهن و الديّان و أن لا يكون البائع محجوراً و لو انتزعت من تلك الموارد، قاعدة كلية تجب أن لا تكون أوسع عن موردها و أمّا المقام فليس العين مورداً لحقّ الغير و لا البائع محجوراً، بل غاية الأمر أنّ التصرّف مبغوض لا أنّه متعلّق لحقّ الغير و لا تدلّ المبغوضيّة على البطلان.

و أمّا الأمثلة التي استشهد بها فلا تخلو من نظر.

أمّا الأوّل: فلأنّ بطلان المعاملة فيه ليس من جهة أنّ العمل لأجل وجوبه خارج عن سلطانه، مملوك للّه بل لأجل أنّ أخذ الأُجرة مخالفٌ لغرض الشارع، كما في تغسيل الميّت و تكفينه و دفنه أو الأذان و القضاء فأخذ الأُجرة يضادّ غرض الشارع حيث تعلّق غرضه بتحقّق هذه الأُمور مجّاناً و لأجل ذلك إذا تعلّق غرض الشارع بوجود الواجب أعمّ من المجّان و غيره جاز أخذ الأُجرة كما في الصناعات و التّجارات الكفائية و العينية و هذا يكشف عن أنّ الوجه هو ما ذكرنا و أمّا كون العمل مملوكاً للّه سبحانه فإن أُريد الملكية التكوينية باعتبار أنّه لا خالق إلّا إيّاه و أنّ العالم و ما فيه كلّه مخلوق له سبحانه، فهذا لا ينافي كونه مملوكاً للعبد اعتباراً

____________

(1)- أجود التقريرات: 404/ 1. 405.

322

لأنّها في طول مملوكيّته له سبحانه و إن أُريد كونه مملوكاً له سبحانه بالاعتبار فهو ممّا لا يصحّ في حقّه تعالى بعد كونه مالكاً حقيقياً.

و لو كانت مالكيّته سبحانه مانعاً يجب أن يكون مانعاً في كلّ مورد و هو كما ترى.

و أمّا الثاني، أعني: بيع العين المنذورة مع تحقّق المعلّق عليه، فهنا صورتان:

الأُولى: أن يكون النذر من قبيل نذر الفعل و المراد منه أن يلتزم أن يفعل كذا و كذا عند ما صار كذا، فالبطلان فيه أوّل الكلام لأنّ غايته وجوب العمل بالنذر تكليفاً، مع كون العين باقيةً في ملك الناذر، فلو تخلّف عصى، و لكنّه باع شيئاً هو مالك له و لم يتعلّق به حقّ الغير.

الثانية: أن يكون من قبيل شرط النتيجة أي يتعهّد على أنّه إذا صار كذا تكون العين ملكاً للمنذور له، بلا حاجة إلى نقل و إيجاب و لو قلنا بصحّة هذا القسم من النذر و الشرط، فالبطلان فيه واضح لعدم كون البائع مالكاً للعين عند البيع لخروجها عن ملكه و دخولها في ملك المنذور له بمجرّد وقوع المعلّق عليه.

و أمّا الثالث: فعدم جواز البيع أوّل الكلام لأنّ بيعها من زيد يعدّ تخلّفاً للشرط و هو يوجب حدوث الخيار للبائع، لا بطلان البيع كما لا يخفى.

و بالجملة إمّا أنّ البيع باطل و لكن لا لأجل المحجورية و الممنوعية، بل لأجل أنّ أخذ الأُجرة مخالف لغرض الشارع أو لكون العين خارجة عن ملك البائع أو أنّ البيع غير باطل فلم يكن للممنوعية دور أبداً.

القسم الثالث، من أقسام النهي في المعاملات أن يتعلّق النهي بالتسبّب كتملّك الزيادة عن طريق البيع الربوي، و التوصّل إلى الطهارة و الحيازة بالآلة المغصوبة، أو التسبّب إلى الطلاق بقوله: أنت خليّة و إن لم يكن السبب و لا المسبّب بما هو فعل من الأفعال بحرام، فالكلام فيه هو الكلام في السابق إذ لا

323

منافاة بين مبغوضيّة التسبّب و حصول الأثر بعده بشرط أن لا يكون لسانه، لسان التقييد لأدلّة السبب أو لم يكن إرشاداً إلى عدم تحقّق المسبب بهذا السبب كما هو غير بعيد في قوله (عليه السلام):» ليس الطلاق إلّا كما روى بكير بن أعين أن يقول لها و هي طاهرة من غير جماع: أنت طالق‏ (1)» إنّما الطلاق أن يقول لها ... أنتِ طالق «. (2) القسم الرابع: إذا تعلّق النهي بالأثر المترتّب على المسبب، كما إذا تعلّق النهي بالتصرّف في الثمن أو المثمن و على جواز الوطء فهذا عند العرف يساوق الفساد، إذ لا معنى لصحّة المعاملة إلّا ترتّب هذه الآثار عليها فإذا كانت تلك الآثار مسلوبة، يكشف عن فساد المعاملة.

و إن شئت قلت: إنّ الصحّة لا تجتمع مع الحرمة المطلقة في التصرّف في الثمن الذي دفعه المشتري، أو المثمن الذي دفعه البائع.

و هناك قسم آخر في عالم الإثبات و إن كان لا يتجاوز عن أحد هذه الأقسام الماضية في مقام الثبوت و هو أنّه لو ورد النهي، و لم يعلم أنّه من أيّ الأقسام الأربعة فإذا قيل:» لا تبع ما ليس عندك «فلم يعلم أنّه نهي عن السبب أو المسبّب أو التسبّب أو الأثر المترتّب على البيع فالظاهر وفاقاً لجمع من الأجلّة هو الحمل على القسم الرابع.

____________

(1)- الوسائل: ج 15، الباب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 1 و 3.

(2)- الوسائل: ج 15، الباب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 1 و 3.

324

أمّا الأسباب فلأنّها ملحوظة مرآة و بالتبع غير مطلوبة بالذات و مثله لا يتعلّق به النهي إلّا نادراً و أمّا المسبّبات، فانّها أُمور عقلائيّة غير مطلوبة إلّا بآثارها، و أمّا التسبّب فالنهي عنه قليل، و إنّما المطلوب بالذات في المعاملات هو التصرّف و التقلّب في المثمن أيّ نحو شاء، فإذا صارت الآثار مسلوبة فكأنّه لم تتحقق المعاملة، و بالجملة إنّ ذهن العقلاء في هذه النواهي لا يتوجّه إلّا إلى القسم الرابع.

و مع ذلك ففي هذا التقرير نظر، لأنّه استظهار ظنيّ لا ينعقد به للكلام ظهور و الحقّ أن يقال: إن كان للنهي أعني قوله:» لا تبع ما ليس عندك «ظهور فهو، و إلّا يكون مجملًا فالمرجع الأصل و مقتضاه هو الفساد، إذ الأصل عدم انتقال الثمن و المثمن من ملك المتبايعين.

دفع و هم‏

ربّما يستدل بصحيحة زرارة على الملازمة الشرعية بين النهي المولوي التحريمي و الفساد نظير الملازمة المستفادة من قوله (عليه السلام):» إذا قصّرت أفطرت « (1) و إليك الرواية.

عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده، فقال:» ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه و إن شاء فرّق بينهما «. قلت: أصلحك اللّه إنّ حكم بن عتيبة (2) و إبراهيم النخعي و أصحابهما يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد و لا تحلّ إجازة السيّد له، فقال أبو جعفر (عليه السلام):» إنّه لم يعص اللّه. و إنّما عصى سيّده‏ (3) فإذا أجازه فهو له جائز «. (4) وجه الاستدلال: أنّ ظاهر قوله:» إنّه لم يعص اللّه ... «أنّه لو كان هنا عصيان بالنسبة إليه تعالى كان فاسداً و المراد من العصيان هو العصيان التكليفي و بما أنّه ليس هنا عصيان بالنسبة إلى اللّه سبحانه لم يكن فاسداً.

و قد وقعت الرواية مثاراً للبحث من وجهين آخرين مآلهما إلى أنّه إمّا لم يعص كليهما أو عصى كليهما و إليك البيان.

____________

(1)- الوسائل: الجزء 5، الباب 2، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 19.

(2)- في الوسائل عيينة مكان عتيبة، و لكنّه تصحيف و المراد منه أبو محمّد.

(3)- ففيه تصريح بأنّ المراد من العصيان هو العصيان الوضعي، نعم السند غير نقي لأجل موسى بن بكر.

(4)- الوسائل: الجزء 14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 1، و لاحظ الحديث 2.

325

أمّا الأوّل: فانّه كما لم يعص اللّه، لم يعص سيّده أيضاً، لأنّ المفروض أنّه تزوّج بغير إذن سيّده لا مع نهيه، و الأوّل لا يستلزم العصيان و الثاني و إن كان يستلزمه لكنّه غير المفروض.

أمّا الثاني: نفترض أنّه عصى سيّده لكن الإمام كيف خصّ العصيان بالسيّد، مع أنّ عصيانه عصيان للّه سبحانه لأنّه هو الذي أمر العبيد بإطاعة مواليهم فإذا خالفوهم فقد خالفوا أمره سبحانه.

و يظهر الجواب عن ذينك الوجهين عند الإجابة عن أصل الاستدلال.

أقول: إنّ الاستدلال بالحديث على أنّ النهي المولوي التحريمي يدلّ على الفساد مبنيّ على تفسير العصيان، بالعصيان التكليفي فيدل حينئذ على أنّ كلّ مخالفة شرعية للحكم التحريمي في مورد المعاملات يوجب الفساد و يثبت مقصود المستدل و يتوجّه عليه الإشكالان الماضيان.

لكن هنا محتملات:

أ: أن يكون المراد من العصيان في كلا الموردين هو العصيان التكليفي المستتبع للعقاب.

ب: أن يكون المراد منه العصيان الوضعي المستتبع للفساد قطعاً.

ج: أن يكون المراد من العصيان في الأوّل، العصيان الوضعي و من الثاني العصيان التكليفي.

د: أن يكون عكس الثالث.

و بما أنّ التفريق بين العصيانين خلاف الظاهر فيحمل على معنى واحد و بذلك يبطل الاحتمالان الأخيران و لكن الظاهر من الرواية و الرواية التالية هو العصيان الوضعي الذي يراد منه كون الشي‏ء غير موافق للقانون و التشريع و تؤيّده الرواية التالية:

326

عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تزوّج عبده امرأة بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطّلع على ذلك مولاه، قال: ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما و إن شاء أجاز نكاحهما ... فقلت: لأبي جعفر (عليه السلام) فانّ أصل النكاح كان عاصياً فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنّما أتى شيئاً حلالًا و ليس بعاص للّه و إنّما عصى سيّده و لم يعص اللّه إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح في عدّة و أشباهه. (1) ترى أنّ الإمام يفسر العصيان بالإضافة إلى اللّه بأنّه ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح في العدّة فتكون النتيجة أنّ أبا جعفر (عليه السلام) ينفي العصيان الوضعي في المورد لا العصيان التكليفي و من المعلوم أنّ الأوّل يدلّ على الفساد بلا إشكال. و أمّا الثاني الذي نحن بصدده فلا تدل الرواية في مورده على شي‏ء.

و بما أنّ الظاهر من الرواية أنّ العصيانين في كلا الموردين من نوع واحد فيكون المراد من العصيان فيه هو عدم رعاية حقّ المولى و هو إذنه فيكون أيضاً فاسداً معلّقاً على عدم الإذن فإذا أذن صحّ.

و بعبارة أُخرى أنّ الفساد الوضعي على قسمين و كلاهما مقتضيان للفساد غير أنّ الفساد في أحدهما محتّم لا يزول بخلاف الثاني فهو معلّق يحكم به على العقد ما لم يحرز المعلّق عليه.

فالعصيان الوضعي بمعنى عدم كونه مشروعاً في الدين كنكاح المحارم أو نكاح ما حرّمه اللّه كنكاح المعتدّة فهذا النوع من الفساد لا يُغيّر و لا يبدّل و إلّا لزم طروء النسخ على الشريعة.

و أمّا العصيان الوضعي بالوجه الثاني فالفساد فيه شأني فإذا ارتفع المعلّق عليه ارتفع الفساد.

و بذلك يعلم اندفاع الإشكالين لأنّه مبني على تفسير العصيان في الفقرة

____________

(1)- الوسائل: ج 14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 2.

327

الثانية بالعصيان التكليفي و لأجل ذلك قال: إنّ نفس العقد ليس بحرام قطعاً لعدم حرمة التكلّم و على فرض الحرمة فعصيان المولى ملازم لعصيانه سبحانه.

يلاحظ عليه: بأنّ المبنى غير ثابت بل الثابت خلافه، لأنّ الاعتراضين مبنيان على تفسير العصيان بالتكليف فلذلك قال: إنّ نفس التكلّم ليس بحرام الخ.

هذا كلّه في المورد الأوّل أعني كون النهي تحريمياً مولوياً بأقسامه الأربعة أو الخمسة و يقع الكلام في المورد الثاني و إليك البيان:

*** المورد الثاني: ما إذا كان النهي إرشاداً إلى الفساد مثل قوله تعالى: (وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) (النساء/ 22). و لا كلام في الدلالة على الفساد إنّما الكلام في المورد الثالث.

المورد الثالث: إذا ورد نهي، و تردّد بين كونه نهياً مولوياً دائراً بين أحد الأقسام الأربعة أو كونه نهياً إرشادياً، فالظاهر أنّه يحمل على الإرشاد إلى الفساد و عدم ترتّب الآثار.

و إذا قيل:» لا تبع المصحف «، أو» لا تبع ما ليس عندك أو الكتب الضالّة «، فهو إرشاد إلى عدم إمضاء تلك البيوع.

و لذا ترى الفقهاء يستدلون بالنواهي المتعلّقة بالمعاملات على الفساد، و ما ذلك إلّا لأجل كونها ظاهرة في الإرشاد إلى الفساد من أجل عدم صلاحية السبب، أو عدم إمضاء المسبّب.

و إلى ما ذكرنا ينظر ما حكى عن الشيخ في تقريراته: الظاهر من النهي المتعلّق بعبادة أو معاملة كونه ناظراً إلى العمومات الشرعية لها تأسيساً أو إمضاءً فيكون بمنزلة المقيّد و المخصّص، فإذا قال اللّه تعالى: (وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ‏

328

آباؤُكُمْ‏) (النساء/ 22) علم منه إرادة التخصيص للعمومات الدالّة على صحّة النكاح، و الظاهر أنّ كلام المستدل فيما لم يعلم كونه إرشاداً إلى الفساد أو إلى تخصيص الأدلة.

تذنيب‏

قال المحقّق القمي:

» أفرط أبو حنيفة و تلميذاه أبو يوسف و محمّد بن الحسن الشيباني، فقالوا بدلالة النهي على الصحّة و الكلام تارة في العبادات و أُخرى في المعاملات.

أمّا الأُولى فتقرّر بوجهين: أمّا الوجه الأوّل فهو ما أفاده المحقّق القمي في القوانين و حاصله:» ليس المراد أنّ دلالة النهي على الصحّة بالدلالة المطابقية أو التضمنية إذ ليست الصحّة مفاد النهي لا عيناً و لا جزءاً، بل المراد أنّه يستلزم الصحّة فقول الشارع» لا تصم يوم النحر «و للحائض:» لا تصلي «يستلزم إطلاق الصوم على صومه و الصلاة على صلاتها و الأصل في الإطلاق الحقيقة فلو لم يكن مورد النهي صحيحاً لم يصدق تعلّق النهي على أمر شرعي فيكون المنهي عنه مثل الإمساك و الدعاء و هو باطل مع أنّا نحن نجزم بأنّ المنهي عنه أمر شرعي «. (1) و الاستدلال دائر بين تعلّق النهي بأمر شرعي أو أمر لغوي، و بما أنّ دلالة الثاني باطلة، فتعين الأمر الأوّل و هو الصحيح.

يلاحظ عليه: أنّ هناك شيئاً ثالثاً و هو أيضاً أمر شرعي، و هو أن يتعلّق الأمر بالعبادة المطلقة سواء كانت صحيحة أو فاسدة و ليس الأمر دائراً بين إرادة الصحيح أو المعنى اللغوي، بل يمكن أن يراد، المعنى الأعم من الصحيح و الفاسد الشرعيان.

____________

(1)- القوانين: 163/ 1.

329

أمّا الوجه الثاني فهو» أنّ النهي عن شي‏ء كالأمر إنّما يصحّ بعد كون المتعلّق مقدوراً، و من المعلوم أنّ النهي لم يتعلّق بالعبادة الفاسدة إذ لا حرمة لها فلا بدّ أن يكون متعلّق النهي هو الصحيح و لو بعد النهي فلو اقتضى النهي الفساد يلزم أن يتعلّق النهي بشي‏ء غير مقدور «، و بعبارة أُخرى لو كان النهي سبباً للفساد لزم أن يكون النهي سالباً للقدرة، و التكليف الذي يجعل المكلّف عاجزاً عن الارتكاب يكون لغواً.

و قد أجاب عنه المحقّق الخراساني حيث قال: و أمّا العبادات فما كان منها عبادة ذاتية كالسجود و الركوع و الخشوع و الخضوع له تبارك و تعالى فمع النهي عنه يكون مقدوراً كما إذا كان مأموراً به و ما كان منها عبادة لاعتبار قصد القربة فيه لو كان مأموراً به فلا يقدر عليه إلّا إذا قيل باجتماع الأمر و النهي في شي‏ء و لو بعنوان واحد و هو محال. (1) و ما أجاب به المحقّق الخراساني حقّ لو لا أنّه ليس في العبادات شي‏ء من الذاتية.

هذا كلّه حول القسم الأوّل.

و أمّا الثانية أي المعاملات فقد فصّل المحقّق الخراساني بين تعلّق النهي عن المسبّب أو التسبّب فيدلّ على الصحّة لاعتبار القدرة في متعلّق النهي و لا يكاد يقدر عليهما إلّا فيما كانت المعاملة مؤثرة صحيحة، أمّا إذا كان عن السبب فلا لكونه مقدوراً، و إن لم يكن صحيحاً و قد عرفت أنّ النهي عنه لا ينافي الصحّة. (2) و حاصله الفرق بين النهي المتعلّق بالسبب و المتعلّق بالمسبّب أو التسبّب بأنّ النهي لا يكشف في الأوّل عن الصحّة، لأنّه مقدور بخلاف الثاني فانّه يكشف عن مقدوريته، و لا يكاد يقدر عليهما إلّا فيما كانت المعاملة مؤثرة

____________

(1)- كفاية الأُصول: 299/ 3001.

(2)- كفاية الأُصول: 299/ 3001.

330

صحيحة.

و هو من المحقّق الخراساني عجيب جدّاً و الحقّ أنّه لا يدلّ على الصحّة بتاتاً و ذلك لأنّ المعاملات ليست من الماهيات المخترعة كالعبادات بل ماهيات عرفية اجتماعية و قد أمضاها الشارع بقوله: (وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا) (البقرة/ 275) و قد تحقّقت التسمية قبل إمضاء الشارع و تصويبه فلو قلنا إنّها موضوعة للصحيح، فإنّما المراد الصحيح مقابل الفاسد عند العرف و يكون الصحيح العرفي طريقاً لإحراز الصحيح عند الشارع إلّا إذا قام الدليل على التخطئة و التخصيص في أدلّة الإمضاء.

و على ضوء ذلك فيكفي في النهي عن المسبّب، كونه مقدوراً عرفاً و ليس كلّ مقدور عرفاً، بصحيح شرعاً، فالنهي عن بيع الميتة و غيرها، و إن كان نهياً عن المسبّب، لكنّه نهي عن الملكية المحقّقة لدى العرف و إن كانت غير متحقّقة عند الشرع و بما أنّ الملكية متحقّقة في نظر العرف يتوجّه النهي إليها لكونها محقّقة و مقدورة و صحيحة عندهم و لكنّه لا يلازم كونها صحيحة و محققة عند الشارع.

و ليس لأحد أن يدّعي أنّ أسماء المعاملات موضوعة للصحيح عند الشارع فانّه باطل بالبداهة و لا مانع من أن يكون الممنوع ما هو الصحيح عند العرف فأقصى ما يدلّ عليه النهي هو صحّة المتعلّق عرفاً لا شرعاً. كما هو المدّعى.

فروع‏

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم تطرق في تقريراته إلى بعض المسائل التي لها صلة بالموضوع و نحن نقتفيه:

1 إذا تعلّق النهي بالإيجاب دون القبول فهل تسري الحرمة إلى القبول أو لا؟ كما إذا كان الموجب مُحرماً دون القابل؟ الظاهر لا، لعدم الملاك إلّا إذا لوحظت المسألة من باب الإعانة على الإثم و هو خارج عن محطّ البحث، قال في الجواهر:

331

ذهب جماعة إلى اختلاف حكم المتعاقدين في البيع وقت النداء إذا كان أحدهما مخاطباً بالجمعة دون الآخر، فخصّوا المنع بمن خوطب بالسعي و حكموا بجواز البيع من طرف الآخر نعم رجّح جماعة آخرون عموم المنع من حيث الإعانة بالإثم. (1) 2 إذا كانت المعاملة باطلة من جانب واحد كما إذا كانت غررية من جانب الموجب دون القابل فهل يسري الحكم الوضعي إلى الطرف الآخر، أو لا؟ الظاهر نعم، لأنّ مفاد المعاملة أمر بسيط لا يقبل التبعض.

فالملكية المنشأة إمّا موجودة أو لا. فعلى الأوّل يلزم صحّة المعاملة في كلا الجانبين و هو خلاف الفرض و الثاني هو المطلوب.

3 لو كان لنفس الإيجاب أثر مستقلّ و إن لم ينضمّ إليه القبول. لترتّب عليه كما إذا كان الموجب أصلياً دون القابل، فما لم يرد القابل الحقيقي لما كان له حقّ التصرّف في المبيع، لأنّه أثر للإيجاب الكامل و هو محقّق و ليس أثراً لملكية القابل حتّى يقال بأنّها غير متحقّقة بعده. (2)***

الثمرات الفقهية للمسألتين‏

ثمّ إنّ اللازم ذكر بعض الثمرات المترتبة على هاتين المسألتين ليكون سبباً للتدريب و التمرين و إليك بعض ما ورد في الجواهر و غيره في أبواب مختلفة:

1 الصلاة في خاتم الذهب‏

روى الشيخ بسند صحيح عن عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في‏

____________

(1)- الجواهر: 241/ 29.

(2)- مطارح الأنظار: 171.

332

حديث قال:» لا يلْبس الرجل الذهب و لا يصلّي فيه لأنّه من لباس أهل الجنّة «. (1) روى الكليني بسند صحيح عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لا يصلّي الرجل و في يده خاتم حديد. (2) و مرسلة محمد بن أبي الفضل المدائني عمّن حدّثه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: لا يصلّي الرجل و في تكَّته مفتاح حديد. (3) قال شيخ مشايخنا العلّامة الحائري قد دلّت طائفة من الأخبار على اعتبار عدم كون لباس المصلّي من الذهب للرجال و النهي في تلك الأخبار قد تعلّق بالصلاة في الذهب، و النهي المتعلّق بالعبادة يقتضي الفساد كما حرّر في محلّه. (4)

2 لو طلب الإمام الزكاة

يجب صرف الزكاة إلى الإمام (عليه السلام) لو طلبها و لو فرقها المالك و الحال هذه، فهل هو يجزى أو لا؟ قيل لا يجزى للنهي المفسد للعبادة. (5)

3 لو تضرّر باستعمال الماء

متى تضرّر باستعمال الماء في الوضوء لم يجز استعمال الماء فإن استعمل لم يجز لانتقال فرضه فلا أمر بالوضوء مثلًا بل هو منهي عنه بنفسه. (6)

4 لا يصحّ التيمّم بالتراب أو الحجر المغصوب‏

أي الممنوع من التصرّف فيه شرعاً للنهي المقتضي للفساد عقلًا و شرعاً و هو واضح بناءً على جزئية الضرب من‏

____________

(1)- الوسائل: الجزء 3، الباب 30 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 4.

(2)- الوسائل: الجزء 3، الباب 32 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 21.

(3)- الوسائل: الجزء 3، الباب 32 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 21.

(4)- الحائري، الصلاة: 57.

(5)- النجفي، الجواهر: 421/ 15.

(6)- النجفي، الجواهر: 111/ 5.

333

التيمّم بل و شرطيته مع اعتبار النيّة فيه كما هو الأصل في كلّ ما أمر به. نعم لو لم يكن شرطاً و كان كاغتراف الماء من الاناء أو كان شرطاً لكن لم تعتبر النيّة فيه اتّجه عدم اقتضاء النهي للفساد حينئذ عقلًا، بل التيمّم صحيح و إن كان الضرب محرماً و كيف كان ففساد التيمّم دائر مدار النهي عنه شرعاً و إلّا فلا فساد حيث لا نهي. (1) قلت: الظاهر هو الفساد و إن لم نقل بجزئية الضرب على الأرض أو شرطيته و ذلك لما حقق في محلّه من اعتبار العلوق على اليد و مسحه على الوجه و اليدين و قلنا لا يصحّ التيمم على الحجر الأملس الذي لا علوقَ عليه أبداً، قال سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ‏) (المائدة/ 6).

5 الاكتفاء بالأذان المنهي عنه‏

إذا تغنّى بالأذان، أو أذّنت المرأة متخضّعة أو أذّن في المسجد و هو جنب، فهل يمكن الاكتفاء بها و إن كان الفرق بين الصورتين الأُولتين و الثالثة واضح فانّ النهي في الأوّل متوجّه إلى نفس الأذان، بخلافه في الثالث فانّه متوجّه إلى التوقّف في المكان الغصبي. (2)

6 قراءة العزائم في الفرائض‏

لا يجوز أن يقرأ في الفرائض شيئاً من سور العزائم كما هو المشهور بين الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعاً إنّما البحث في البطلان الذي قد اعترف في كشف اللثام بعدم المصرِّح به قبل الفاضل غير ابن إدريس و أقصى ما يحتج له‏

____________

(1)- النجفي، الجواهر: 135/ 5.

(2)- النجفي، الجواهر: 53/ 599.

334

بظاهر النهي المقتضي للفساد إمّا في الصلاة و إمّا في الجزء. (1)

7 طلب الأمر الحرام في الصلاة

لا يجوز أن يطلب شيئاً محرّماً في الصلاة و غيرها و لو فعل بطلت صلاته كما نصّ عليه غير واحد لصيرورته بالنهي عنه من كلام الآدميين أو لما في التذكرة» الدعاء المحرم مبطل للصلاة إجماعاً لأنّه ليس بقرآن و لا دعاء مأمور به بل هو منهي عنه و النهي عنه يدلّ على الفساد «. (2)

8 إذا حرم الاستمرار في الصلاة

إذا وجب قطع الصلاة لأجل صيانة النفس و المال المحترمين من الغرق و الحرق و احتمال انهدام السقف على رأسه احتمالًا عقلائياً، فلو استمرّ بطلت صلاته للنهي المفسد للعبادة. (3)

9 النهي عن التكفير في الصلاة

قد ورد النهي عن الصلاة بالتكفير أي قبض اليسرى باليمنى كما ورد النهي عن إقامة النوافل بالجماعة في ليالي رمضان أعني صلاة التراويح، فهل الصلاة فاسدة، للنهي عنها أو لا؟ (4)

10 صوم يوم الشك بنيّة رمضان‏

إذا صام آخر يوم من شهر شعبان بنيّة رمضان، لم يجز عن رمضان إذا كان أوّل يومه للنهي عنه المقتضي للفساد. (5)

____________

(1)- النجفي، الجواهر: 343/ 3449.

(2)- النجفي، الجواهر: 121/ 11.

(3)- النجفي، الجواهر: 123/ 11.

(4)- النجفي، الجواهر: 328/ 12.

(5)- النجفي، الجواهر: 207/ 16.

335

11 القران بين الحجّ و العمرة

لو قرن بين الحجّ و العمرة بنية واحدة بطلا للنهي المفسد للعبادة كما لو نوى صلاتين و كأنّ الوجه في اقتضائه الفساد هنا اقتضاء بطلان النيّة المقتضي لفساد العبادة. (1) و قال أيضاً لو أحرم متمتّعاً و دخل مكة و أحرم بالحجّ قبل التقصير عامداً قيل بطلت عمرته، و صارت حجّته مبتولة و قيل يبقى على إحرامه الأوّل و كان الثاني باطلًا للنهي عنه المقتضي لفساده ضرورة عدم إدخال الحجّ على العمرة قبل إتمام مناسكها و التقصير منها. (2) هذه نماذج ممّا تعلّق فيها النهي بالعبادة و إليك نماذج ممّا تعلّق فيها النهي بالمعاملة.

12 شرط اللزوم في المضاربة

اتّفقت كلّمتهم على أنّ المضاربة جائزة في تمام الأزمان، فلو شرط اللزوم فقد شرط شيئاً مخالفاً للشرع المنكشف عن طريق الإجماع فيكون منهياً عنه فيدخل في الضابطة. (3) 13 إذا استعمل في الاستنجاء ما لا يجوز استعماله فيه كالروث و العظم و الأحجار الكريمة أو الحجر المغصوب، فالنهي فيها هل يدلّ على الفساد و عدم الاعتداد بهذا النوع من الاستنجاء أو لا؟ (4)

____________

(1)- النجفي، الجواهر: 98/ 18 و 252.

(2)- النجفي، الجواهر: 98/ 18 و 252.

(3)- السيد الخوئي: مباني العروة الوثقى، كتاب المضاربة، ص 1413.

(4)- النجفي، الجواهر: 54/ 552.

336

14 إذا باع يوم الجمعة بعد الأذان، فالنهي لا يدلّ على الفساد لتعلّقه بأمر خارج بخلاف ما إذا تعلّق بنفس المعاملة أو أحد أركانها أو وصفها اللازم، لا مثل المقام الذي تعلّق النهي لأجل كونه مفوّتاً للواجب‏ (1).

***

____________

(1)- النجفي، الجواهر: 306/ 11.

337

المقصد الثالث في المفهوم و المصداق‏

و فيه أمور و فصول:

الأمر الأول: المنطوق و المفهوم من أوصاف المدلول.

الأمر الثاني: التقسيم راجع إلى المداليل الجملية.

الأمر الثالث: تعريف المفهوم.

الأمر الرابع: مسلك القدماء في استفادة المفهوم.

الأمر الخامس: النزاع في باب المفاهيم صغروي.

الأمر السادس: تفسير مفهوم الموافقة و لحن الخطاب.

الأمر السابع: في ما إذا كان الشرط غير محقّق للموضوع.

الفصل الأوّل: مفهوم الشرط مع تنبيهات.

الفصل الثاني: مفهوم الوصف.

الفصل الثالث: مفهوم أداة الغاية.

الفصل الرابع: مفهوم الحصر.

الفصل الخامس: مفهوم اللقب.

الفصل السادس: مفهوم العدد.

338

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

339

و قبل الدخول في أصل المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: المنطوق و المفهوم من أوصاف المدلول‏

هل المنطوق و المفهوم من أوصاف المدلول بما هو مدلول بمعنى أنّ قسماً منه منطوق ينطق به المتكلّم في نظر العرف و قسماً منه مفهوم، يفهم من كلامه، و إن لم ينطق به، أو هو من أوصاف الدلالة كما يقال: دلالة منطوقية و دلالة مفهومية، كما هي باعتبار آخر على أقسام ثلاثة مطابقية و تضمنية و التزامية.

الظاهر هو الأوّل، فانّ ما يدلّ عليه اللفظ بنحو من الدلالة ينقسم إلى ما يسمّى في العرف بما ينطق، و إلى ما يفهم، و وصف الدلالة بهما ليست بنفسها بل بعناية انتزاعهما من المدلول و وصفها بهما. و ذلك إذا كان المدلول، مدلولًا منطوقياً، يصحّ توصيف الدلالة أيضاً بالمنطوقية، و إذا كان مدلولًا مفهومياً، يصحّ توصيفها بالمفهومية، و لمّا كان المدلول على قسمين فستكون الدلالة بحسبها على قسمين أيضاً.

لكنّه ليس من صفات ذات المدلول بما هو هو بل بما هو مدلول، لأنّ من الصفات ما يكون وصفاً للمعنى الذهني و إن لم يكن مدلولًا، كالكلية و الجزئية، و منها ما يكون وصفاً له بما أنّه مدلول للفظ، و حينئذٍ ينقسم المدلول إلى ما يعدّ عرفاً ممّا نطق به فيسمّى مدلولًا منطوقياً أو ما يعدّ عرفاً ممّا فهم منه، و إن لم ينطق فيسمّى مدلولًا مفهومياً. و سيوافيك شرح ذلك.

الثاني: التقسيم راجع إلى المداليل الجملية

إنّ تقسيم المداليل إلى المفهوم و المنطوق يرجع إلى تقسيم مداليل الجمل و القضايا إليهما و أمّا مداليل المفردات مطابقيها أو تضمنيها أو التزاميها فالكلّ‏

340

خارج عن المقسم.

و بذلك يعلم أنّه لا واسطة بين المفهوم و المنطوق فما دلّت عليه القضية إمّا مدلول منطوقي، أو مفهومي و لا ثالث.

دلالة الاقتضاء و التنبيه و الإشارة

كما أنّ المدلول ينقسم إلى منطوق و مفهوم فهكذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام أُخر:

1 المدلول عليه بدلالة الاقتضاء.

2 المدلول عليه بدلالة التنبيه و الإيماء.

3 المدلول عليه بدلالة الإشارة.

و لأجل الوقوف على هذه الدلالات و كيفية الإفهام بها نبحث عن كلّ واحدة منها إجمالًا، فنقول: إنّ الدلالة إمّا أن تكون مقصودة للمتكلّم أو لا، و الثاني هو المدلول بدلالة الإشارة كما سيوافيك بيانه و أمّا الأوّل فينقسم إلى قسمين:

الأوّل: المدلول بدلالة الاقتضاء و هو ما يدلّ عليه الكلام لأجل توقّف صدق الكلام عليه أو يتوقّف صحّته عقلًا أو شرعاً عليه فالأوّل مثل قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» رفع عن أُمّتي تسعة « (1) إذ لو لم تقدر المؤاخذة أو مثلها، لزم الكذب لوجود هذه الأُمور التسعة في الأُمة الإسلامية و الثاني مثل قوله تعالى: (وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ) (يوسف/ 82) إذ لو لم يقدّر الأهل لما صحّ الكلام، و الثالث مثل قوله:» اعتق عبدك عنّي «، فانّ العتق عن شخص فرع كونه مالكاً للعبد إذ لا يصحّ العتق إلّا في ملك.

الثاني: المدلول بدلالة التنبيه و هو استفادة العلّية و أمثالها من اقتران شي‏ء

____________

(1)- الخصال، باب التسعة، ص 417، الحديث 9.

341

بشي‏ء بحيث لو لم يكن المتقدّم علّة لما صحّ الاقتران بينهما و ذلك مثل قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» كفّر «بعد قول الأعرابي:» هلكت و أهلكت واقعت أهلي في نهار رمضان « (1) فانّ قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» كفّر «بعد قول الأعرابي، يدلّ على أنّ الوقاع علّة لوجوب الكفارة عليه فهو في قوّة قوله:» إذا واقعت فكفّر «و هذا يعدّ في مقابل منصوص العلّة.

و أمّا المدلول بدلالة الإشارة: فهو ما يعدّ من لوازم كلام المتكلّم و إن لم يكن قاصداً مثل دلالة قوله سبحانه: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) (الأحقاف/ 15) مع قوله سبحانه: (وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ‏) (البقرة/ 233) على كون أقلّ الحمل ستة أشهر فانّ المقصود في الآية الأُولى بيان تعب الأُمّ و في الثانية بيان أكثر مدّة الرضاع، غير أنّ لازم هذين المدلولين مدلول ثالث و هو أنّ أقلّ الحمل ستة أشهر و أمّا كون المداليل الالتزامية من المداليل المنطوقية أو المفهومية أو التفصيل بين اللازم البيّن بالمعنى الأخص، و غيره من البيّن بالمعنى الأعم و اللازم غير البيّن، فسيوافيك الكلام فيه عند البحث عن تعريف المنطوق و المفهوم. و قد تقدّم مختار المحقّق القمي (قدس سره).

الثالث: تعريف المفهوم‏

عرّف الحاجبي‏ (2) المفهوم بما دلّ عليه اللفظ في غير محلّ النطق و المنطوق ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق.

و فسّره العضدي في شرحه بأنّ المراد من الموصول هو الحكم، و هو إن كان محمولًا على موضوع مذكور فهو منطوق و إن كان محمولًا على موضوع غير مذكور فهو مفهوم، و بذلك فسر قوله:» في محل النطق «و» لا في محل النطق «. (3)

____________

(1)- التاج الجامع للصحاح: 67/ 2.

(2)- منتهى الوصول و الأمل/ 147، المعروف بالمختصر الحاجبي، مختصره الذي شرحه العضدي و غيره و اشتهر بشرح المختصر.

(3)- مطارح الأنظار: 172.

342

و لكن التفسير عجيب جدّاً، لأنّ الفارق بينهما ليس كون الموضوع مذكوراً في المنطوق دون المفهوم، بل الموضوع مذكور في كليهما ففي مثل قوله:» إذا جاء زيد فأكرمه «، الموضوع هو زيد في المنطوق و المفهوم و إن كان الحكمان مختلفين.

و قد أوضح المحقّق البروجردي تعريف الحاجبي بما هذا خلاصته: أنّ ما يفهم من كلام المتكلّم قد يكون بحيث يمكن أن يقال إنّه تنطق به على نحو لو قيل للمتكلّم: أنت قلت هذا؟ لا يصحّ له انكاره.

و هاهنا مداليل أُخرى تفهم من الكلام من جهة وجود الخصوصية و مع ذلك يكون للمتكلّم إمكان الفرار منه و نفي صدوره عنه، فإذا قال:» إذا جاءك زيد أكرمه «، فعدم ثبوت الإكرام عند عدم المجي‏ء و إن كان مفهوماً منه لكن للمتكلّم إمكان الفرار منه و انكار أنّه مراده. و المداليل المطابقية و التضمّنية و الالتزامية للجمل (لا للمفردات كما تقدّم) ممّا لا يمكن للمتكلّم أن ينكر القول بها بعد إقراره بنطقه بالكلام و لأجل ذلك جعلوها من المداليل المنطوقية ببيان أنّ المنطوق ما تنطق به المتكلّم بلا واسطة كما في المدلول المطابقي أو مع الواسطة كما في الأخيرين، و المفهوم عبارة عمّا لم ينطق به لا بلا واسطة و لا معها و لكن يفهم من كلامه. (1) و محصّله انّ المدلولات الثلاثة ممّا نطق بها المتكلّم و غيرها كالمفاهيم ممّا لم ينطق به المتكلّم و هذا تفسير تعريف الحاجبي، و يؤيد ذاك التفسير أنّ الغزالي عرّف مفهوم الموافقة بأنّه فهم غير المنطوق به من المنطوق به بدلالة سياق الكلام، و عرّف مفهوم المخالفة تخصيص الشي‏ء بالذكر على نفي الحكم عمّا عداه و يسمّى مفهوماً لأنّه مفهوم مجرّد لا يستند إلى منطوق و إلّا فما دلّ عليه المنطوق أيضاً مفهوم. (2)

____________

(1)- نهاية الأُصول: 263/ 1.

(2)- الغزالي، المستصفى: 190/ 1912.

343

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّه لم يبيّن ضابطاً لما نطق به المتكلّم و لما لم ينطق به، حتى يتبيّن وجه جعل المداليل التضمّنية و الالتزامية من المنطوق دون المفهوم.

فإن كان الملاك سرعة التبادر إلى الذهن و أنّ الأخيرين أسرع تبادراً إليه من المداليل المفهومية ففيه، أنّه ربّ مفهوم أسرع تبادراً من القسمين المذكورين خصوصاً إذا كان المفهوم، مفهوم الموافقة كالنهي عن الشتم و الضرب المتبادر من النهي عن التأفيف، و تبادره أسرع من تبادر جزء المعنى الذي يكون مغفولًا عنه، فكيف يكون التنطق بالكل تنطقاً بالجزء، و لا يكون النهي عن التأفيف تنطقاً بالنهي عن الضرب و الشتم عندهم؟ اللهمّ إلّا أن يلتزم قائل بأنّه من المداليل المنطوقية كما هو ليس ببعيد.

و إن كان المقياس هو كون المنطوق ممّا سيق لأجله الكلام، فلا ريب أنّ المفاهيم ربّما تكون ممّا سيق لأجلها الكلام.

و ثانياً: أنّ التنطق بالملزوم إنّما يعدّ تنطقاً باللازم إذا كان اللازم من قبيل اللازم البيّن بالمعنى الأخص، و أمّا اللازم البيّن بالمعنى الأعم أو اللازم غير البيّن فجعلهما من قبيل المنطوق بعيد غايته و لا يصحّ أن يقال إنّ المتكلم تنطق بذلك. فلا يصحّ عدّ جميع الدلالات الالتزامية من المداليل المنطوقية.

توضيح ذلك: أنّ دلالة اللفظ على المعنى اللازم على وجوه ثلاثة:

الأوّل: يكفي تعقّل الملزوم في الانتقال إلى لازمه و هذا ما يسمّى باللزوم البيّن بالمعنى الأخص و هذا في المفردات كالبصر بالنسبة إلى العمى، و كون النهار موجوداً بالنسبة إلى قولنا:» الشمس طالعة «في المركّبات.

الثاني: ما لا يكفي ذلك بل لا بدّ من تصور اللازم و الملزوم و النسبة بينهما و هذا ما يقال له اللازم البيّن بالمعنى الأعم كما في الزوجية بالنسبة إلى الأربعة فما لم‏

344

يتصوّر الطرفان و النسبة بينهما لا يحكم بأنّ الأربعة زوج و كون الأجداد الدانية أربعة، فالحكم بالزوجية لا يتحقّق ما لم تتصوّر التصوّرات الثلاثة.

الثالث: ما لا يلزم تصوّره مطلقاً حتى بعد تصوّر الطرفين و النسبة بينهما بل لا بدّ من إقامة البرهان كالحدوث بالنسبة إلى العالم في المفردات، و مثل دلالة الاقتضاء و التنبيه و الإيماء في المركّبات.

فانّ الانتقال من سؤال القرية إلى السؤال عن أهلها لا يتحقّق إلّا بضميمة مقدّمة خارجية.

كما أنّ الانتقال إلى أقلّ الحمل في الآيتين لا يتحقّق إلّا بعد المحاسبة و التفريق كما أنّ الانتقال إلى العلّية من اقتران الجملتين في قصّة الأعرابي لا تحصل إلّا بعد مقدّمة خارجية و هي أنّه لو لم يكن الوقاع علّة لما كان اقتران الجملتين صحيحاً.

إذا عرفت ذلك تعرف أنّ جعل اللازم البيّن بالمعنى الأعم أو غير البيّن من المداليل المنطوقية في غاية البعد إذ كيف يمكن لمن تنطق بأنّ أجداده الدانية أربعة أن يحكم عليه بأنّ أجداده الدانية زوج أو من تنطق بالسؤال من القرية أنّه تنطق بالسؤال عن أهلها.

و الأولى إخراج هذين القسمين من المداليل المنطوقية و جعلهما من المفاهيم و إن لم يكن من المفاهيم المصطلحة في علم الأُصول، و الجامع بين هذين القسمين و المفاهيم المصطلحة عدم صحّة توصيف الجميع بأنّه ممّا نطق به المتكلّم.

و الظاهر أنّ عبارة الحاجبي لا يشمل إلّا اللازم البيّن بالمعنى الأخص فانّه هو الذي يعدّ النطق بالملزوم تنطقاً به، لا القسمين الأخيرين.

345

تعريف المحقّق الخراساني للمفهوم‏

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني عرّف المفهوم بأنّه حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أُريد من اللفظ بتلك الخصوصية فالمفهوم حكم غير مذكور لا أنّه حكم لغير مذكور. (1) و أورد عليه المحقّق الأصفهاني بأنّه إن أُريد كون الحكم غير مذكور بشخصه فالموضوع أيضاً بشخصه غير مذكور، لأنّ الموضوع في المنطوق بشخصه غير الموضوع بشخصه في المفهوم و إن أُريد كون سنخ الحكم غير مذكور فلا يعمّ المفاهيم جميعاً لخروج مفهوم الموافقة إذ الحكم في المنطوق و المفهوم واحد سنخاً. (2) يلاحظ عليه: أنّ المراد من سنخ الحكم ليس هو الاختلاف في الإيجاب و السلب فقط حتّى يقال بأنّ سنخ الحكم في مفهوم الموافقة مذكور، بل الاختلاف في مادة الفعل الذي يتوارد عليه النفي و الإثبات كاف كما في قوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏) (الإسراء/ 23) فإنّ مفهومه لا تضربهما، فالاختلاف في نفس الفعل المنفي كاف في كون الحكم غير مذكور.

الرابع: مسلك القدماء في استفادة المفهوم‏

قد ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّ مسلك القدماء في استفادة المفهوم من القضايا يختلف مع مسلك المتأخرين، فانّ دلالة الخصوصية المذكورة في الكلام من الشرط أو الوصف أو الغاية أو اللقب أو نحوها على الانتفاء ليست دلالة لفظية، بل هي من باب بناء العقلاء على حمل الفعل الصادر عن الغير على كونه صادراً لغاية و كون الغاية المنظورة منه غايته النوعية العادية و الغاية المنظورة (عند العقلاء) من نفس الكلام حكايته لمعناه و من خصوصياته دخالتها في المطلوب فإذا قال المولى: إن جاءك زيد فأكرمه، حكم العقلاء بمدخليّة مجي‏ء زيد في‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 301/ 3001.

(2)- نهاية الدراية: 319/ 1.

346

وجوب إكرامه قائلًا بأنّه لو لا دخله فيه لما ذكره المتكلّم و كذا سائر القيود، و على ذلك فاستفادة المفهوم ليس مبنياً على دلالة الجملة على الانتفاء عند الانتفاء بل مبني على أنّ الأصل في فعل الإنسان أن لا يكون لاغياً بل يكون كلّ فعل منه و هو الإتيان بالقيد، صادراً لغايته الطبيعية و هو مدخلية القيد في الحكم.

و أمّا مسلك المتأخرين فهو مبني على دلالة الجملة وضعاً أو إطلاقاً على كون الشرط أو الوصف علّة منحصرة للحكم فيرتفع الحكم بارتفاعه. (1) و على ذلك يكون البحث عند القدماء عقلياً و عند المتأخرين لفظياً.

و لا يخفى أنّ ما ذكره إنّما ينطبق على بعض استدلالاتهم كقولهم في إثبات مفهوم الشرط بأنّه لو لم يفد التعليق انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط لكان التعليق لغواً يجب تنزيه كلام الحكيم عنه.

و مثله ما ذكروه في مفهوم الوصف من أنّه لو لا دخله، لعرى وجوده عن الفائدة و لكنّه لا ينطبق عليه ما ذكره في المعالم لنفي حجّية مفهوم الوصف بأنّه لو دلّ لدلّ بإحدى الدلالات الثلاث و كلّها منتفية أمّا المطابقة أو التضمن فظاهر و أمّا الالتزام فلعدم اللزوم الذهني، فانّ الظاهر أنّ الاستدلال يدور مدار الدلالة اللفظية، و الاستدلال ليس لصاحب المعالم و إنّما هو ناقل عمّن قبله.

الخامس: النزاع في باب المفاهيم صغروي‏

إنّ النزاع في باب المفاهيم صغروي لا كبروي و أنّ مدار البحث هو أنّه هل للقضايا الشرطية مفهوم أو لا؟ و أنّ الجملة هل تدل على ذلك أو لا؟ و أمّا على فرض الدلالة و الانفهام العرفي فلا شكّ في حجّيتها.

و أمّا على مسلك القدماء فقد أفاد المحقّق البروجردي على أنّ النزاع كبروي و أنّ النزاع في حجّية بناء العقلاء لأنّه قد استقرّ بناؤهم على حمل الخصوصيات الموجودة في كلام المتكلّم على كونها صادرة عنه بداعي غايتها

____________

(1)- نهاية الأُصول، ص 265.

347

النوعية و أنّ الغاية النوعية هي مدخليتها في المطلوب و هذا البناء من العقلاء موجود و الإشكال في حجّيته.

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر أنّ النزاع على مسلكهم أيضاً صغروي، لأنّ البحث ليس في حجّية بناء العقلاء على دخل القيد في الحكم و إنّما الكلام في تفسير معنى الدخل فهل معناه في قوله (عليه السلام):» إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء « (1) هو انتفاء الحكم بانتفاء القيد أعني ارتفاع العاصمية بارتفاع الكرّية كما يدعيه القائلون بالمفهوم.

أو أنّ معناه: أنّ الماء وحده ليس موضوعاً تامّاً للعاصمية بتقريب أنّه لو كان الماء موضوعاً تامّاً لكان ذكر الكرّية لغواً و أمّا أنّ ارتفاعه يستلزم ارتفاع الحكم مطلقاً و أنّه لا ينوبه شي‏ء آخر، كالمطر و الجريان على رأي بعضهم فلا يستفاد ذلك.

و على ذلك يصير النزاع في مفاد مقدار الدخل الذي اتّفق العقلاء على أصله بلا كلام و أمضاه الشارع.

السادس: تفسير مفهوم الموافقة و لحن الخطاب‏

إنّ الحكم المدلول عليه عن طريق المفهوم إمّا أن يكون موافقاً للحكم المذكور، في النفي و الإثبات فيسمّى مفهوم الموافقة أو لحن الخطاب‏ (2) أو فحواه كدلالة حرمة التأفيف على حرمة الضرب و إن كان مخالفاً فيهما فيسمّى مفهوم المخالفة و دليل الخطاب.

السابع: في ما إذا كان الشرط غير محقّق للموضوع‏

إنّ النزاع في وجود مفهوم في القضايا الشرطية فيما إذا عُدَّ القيد، شيئاً

____________

(1)- الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 21.

(2)- و ربما يطلق لحن الخطاب على دلالة الاقتضاء.

348

زائداً على الموضوع و تكون الجملة مشتملة على موضوع و محمول و شرط فعند ذاك يقع النزاع في أنّ القضية الشرطية هل تدلّ على ارتفاع المحمول عن الموضوع عند ارتفاع الشرط مثل قوله (عليه السلام):» إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء «، فهناك موضوع و هو الماء و محمول و هو العاصمية و شرط و هو الكرّية.

و أمّا القضايا التي يعدّ المقدّم بمجموعه موضوعاً من دون تفكيك بين الموضوع و الشرط فخارج عن حريم البحث مثل قوله: إن شربت الدواء تصحّ و مثله كلّ القضايا التي يعدّ الشرط فيها محقّقاً للموضوع مثل قوله: إن رزقت ولداً فاختنه.

[أنّ البحث في ثبوت المفهوم و عدمه وقع فى فصول‏]

إذا عرفت هذه الأُمور فاعلم أنّ البحث في ثبوت المفهوم و عدمه وقع في موارد نأتي بها:

349

الفصل الأوّل: مفهوم الشرط

هل الجملة الشرطية تدلّ على الثبوت عند الثبوت و الانتفاء عند الانتفاء وضعاً أو بقرينة عامة بحيث لا بدّ من الحمل عليه عند الإطلاق إلّا إذا دلّ الدليل على خلافه، أو لا تدل.

هنا مسلكان: مسلك منسوب إلى القدماء، و مسلك مشى عليه المتأخّرون.

أمّا مسلك القدماء فقد عرفت بيانه و هو أنّ ظاهر القضية و ظاهر حال فعل الحكيم دخل القيد في الحكم و إلّا كان الإتيان به لغواً و مقتضاه ارتفاع الحكم عند ارتفاعه. و لكنّه لا يفيد القائل بالمفهوم شيئاً إذ أقصاه كون الخصوصية دخيلة في الحكم.

و أنّ الماء في الحديث السابق ليس تمام الموضوع و هو يكفي في ردّ ابن أبي عقيل العمّاني القائل بعدم انفعال الماء القليل و أمّا أنّه لا يخلفه غيره فلا يدلّ عليه فالقائل بالمفهوم إن أراد كونه دخيلًا إجمالًا فنحن نوافقه و إن أراد، أنّه لا يخلفه عنه غيره فهو ممّا لا يدلّ عليه الكلام و لا يقتضيه صون الكلام عن اللغويّة.

توقف المفهوم على ثبوت الانحصار

إنّ دلالة الجملة الشرطية على المفهوم، أي ثبوت الجزاء لدى ثبوت الشرط و انتفاؤه لدى انتفائه لا يتمّ إلّا بإثبات أحد الأمرين:

350

الأوّل: أنّ الهيئة للقضيّة الشرطية موضوعة لذلك فدلالتها على المفهوم دلالة لفظية وضعية.

الثاني: إنّها و إن لم تكن موضوعة لذلك، لكنّها في عامّة الموارد مقرونة بقرينة عامّة تفيد ذلك كالانصراف أو مقدّمات الحكمة فيحمل عليه إلّا إذا دلّت قرينة خاصة على خلافه. فلا بدّ للقائل بالمفهوم من إقامة الدليل على أحد الأمرين المستتبع لترتّب الجزاء على الشرط على نحو ترتّب المعلول على علّته المنحصرة. و لا يتمّ ذلك إلّا إذا ثبت الأُمور الثلاثة التالية:

1 وجود الملازمة بين الجزاء و الشرط في القضية، و ليست من قبيل القضايا الاتّفاقية فانّ فيها الثبوت عند الثبوت لكن من باب الاتّفاق.

2 إنّ التلازم من باب الترتّب أي ترتّب أحدهما على الآخر، خرج ما إذا كان كلاهما معلولين لعلّة ثالثة، ففيهما الثبوت عند الثبوت و الانتفاء عند الانتفاء، لكن ليس هناك أيّ ترتّب كما إذا قال إن طال الليل، قصر النهار، أو إذا قصر النهار طال الليل، فليس هناك أيّ ترتّب، و لأجل ذلك صحّ كلتا القضيتين لكونهما معلولين لعلّة ثالثة.

3 كون الترتّب عليّاً بنحو العلّة المنحصرة بعد تسلّم المراتب الثلاثة المتقدّمة و معنى الانحصار عدم وجود علّة أُخرى تقوم مقام الشرط. هذا و أنّ للقائل بعدم المفهوم منع إحدى هذه المقدّمات أو أكثر منها و على القائل به إثبات جميعها.

***