المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
351

أدلّة القائلين بالمفهوم‏

استدل القائل بالمفهوم بوجوه:

الأوّل: التبادر،

إنّ المتبادر كون اللزوم و الترتّب بين الشرط و الجزاء بنحو الترتّب على العلّة المنحصرة.

يلاحظ عليه: أنّ ادّعاء تبادر اللزوم و الترتّب و العلّية لا غبار عليه إلّا أنّ تبادر كون الشرط علّة منحصرة ممنوع لوجهين:

1 لو كانت الهيئة موضوعة للعلّة المنحصرة، يلزم أن يكون استعمالها في غير صورة الانحصار مجازاً و محتاجاً إلى إعمال العناية كسائر المجازات و ليس كذلك.

2 لو كان كذلك، يجب الأخذ بالمفهوم حتّى في مقام المخاصمات و الاحتجاجات و عدم القبول من المتكلّم إذا قال: ليس لكلامي مفهوم مع أنّه خلاف المفروض.

الثاني: انصراف القضية إلى أكمل أفرادها

و هو كون الشرط علّة منحصرة.

يلاحظ عليه: أنّ الانحصار لا يوجب أكملية الفرد، فلو كان للعاصمية علّة واحدة و هي الكرّية أو عللًا متعدّدة مثل المطر و الجريان فلا يتفاوت الحال في الأُولى و ليس نصيب العلّة المنحصرة من العلّية أشدّ من نصيب الأُخرى، على أنّ سبب الانصراف إمّا كثرة الوجود أو كثرة الاستعمال و ليست العلّة المنحصرة أكثر من غيرها و لا القضية الشرطية أكثر استعمالًا فيها من غيرها.

الثالث: التمسّك بالإطلاق.

و قد قرّره المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: التمسّك بإطلاق أداة الشرط أو هيئة الجملة الشرطية

بتصوّر أنّها موضوعة لمطلق اللزوم إلّا أنّ له فردين: اللزوم بنحو الانحصار، و اللزوم لا

352

معه، فإذا علم عدم إرادة الجامع أعني اللزوم بما هو هو لأنّ الشي‏ء لا يكون مؤثراً إلّا بأحد النحوين فلا بدّ من القول بأنّه أُريد أحد الفردين، فمقتضى مقدّمات الحكمة حملها على الفرد الذي لا يحتاج إلى بيان زائد و هو العلّة المنحصرة.

و هذا نظير ما إذا دار الأمر بين الواجب النفسي و الغيري فإنّ الأوّل هو الواجب على الإطلاق بلا قيد، و الثاني هو الواجب لغيره، فمقتضى مقدّمات الحكمة كون الواجب نفسياً لكفاية عدم الإتيان بالقيد في ثبوته، بخلاف الواجب الغيري فإفهامه يتوقّف على بيان زائد و هو ما وجب لأجل غيره، و مثله العلّة المنحصرة فيكفي في بيانه الإتيان بذات العلّة و السكوت عن بيان غيرها بخلاف غير المنحصرة فإنّه يحتاج إلى بيان زائد و هو الإتيان بالعدل الآخر.

ثمّ أورد عليه بوجهين:

أ: أنّ ما ذكر إنّما يتمّ في المعاني الاسمية التي يمكن أن يتوارد عليها الإطلاق و التقييد دون المعاني الحرفية، لأنّ المطلق عبارة عن جعل الطبيعة لا بشرط موضوعاً للحكم و هو يتوقّف على لحاظها باللحاظ الاستقلاليّ و هذا الشرط غير موجود في المقام لأنّ معنى:» إن «الشرطية أو هيئة الجملة الشرطية معنى حرفي آلي لا يمكن لحاظه مستقلًا و إلّا ينقلب إلى معنى اسمي.

ب: وجود الفارق بين المقامين: فإنّ النفسي هو الواجب على كلّ حال و عبارة الجامع تكفي في بيانه بخلاف الغيري، فإنّه واجب على تقدير دون تقدير فيحتاج بيانه إلى مئونة التقييد بما إذا وجب الغير فيحمل الإطلاق إذا تمّت مقدّمات الحكمة على النفسي لعدم احتياجه إلى بيان زائد، بخلاف الغيري و إن شئت قلت: إنّ للوجوب فردين أحدهما موسّع و هو النفسي لأنّه الواجب على كلّ تقدير و الآخر مضيّق و هو الغيري لأنّه الواجب إذا وجب الغير و عبارة الجامع كافية في بيان الأوّل بخلاف الثاني بل لا بدّ فيه من قيد آخر و هذا بخلاف قسمي‏

353

اللزوم: الانحصاري و غيره فانّهما على نحو واحد ليس في أحدهما ضيق دون الآخر.

و إن شئت قلت: فكل واحد من أقسام اللزوم و الترتّب أعني المنحصرة و غيرها محتاج في تعيّنه إلى القرينة مثل الآخر بلا تفاوت. (1) أقول: لا يخفى ما في كلامه من النظر.

أمّا أوّلًا: فإنّ ما ذكره مناف لما اختاره في المعاني الحرفية من اتّحاد معاني الحروف و الأسماء و إنّما تعرض الآلية و الاستقلالية عند الاستعمال و ليست الآلية و لا الاستقلالية من أجزاء المعنى بل هي من طوارئ الاستعمال و عوارضه و عند ذلك يتصوّر أن يكون معنى» إن «الشرطية أو هيئة الجملة الشرطية مصبّاً للإطلاق و ملحوظاً على نحو اللابشرطية القابلة للانطباق على العاري عن القيد و المتقيّد معه.

و ثانياً: أنّ كون معاني الحروف، من المفاهيم الآلية ليست بمعنى كونها مغفولًا عنها من رأس حتّى لا يصحّ التقييد بشهادة أنّ كثيراً من القيود راجعة إلى المعاني الحرفية، و ترجع غالباً إلى النسب و مفاد الهيئات و هي كلّها معاني حرفية، فلو صحّ التقييد صحّ الإطلاق لكونهما أشبه شي‏ء بالمتضائفين ففي قولنا: زيد قائم في الدار، الظرف ليس قيداً للموضوع و لا للمحمول و إنّما هو قيد للنسبة الموجودة بين الموضوع و المحمول. هذا كلّه حول إشكاله الأوّل على التقريب الأوّل.

و أمّا الإشكال الثاني فهو غير صحيح في عالم الثبوت. لأنّ كلًّا من الواجبين يتميزان بقيود وجودية و إلّا يلزم أن يكون القسم عين المقسم، نعم ما ذكره صحيح في عالم الإثبات و نزيد بياناً بأنّ السكوت عن التقييد بكونه» ما وجب لنفسه «غير

____________

(1)- كفاية الأُصول: 305/ 1 306.

354

ناقض للغرض إذا كان الواجب نفسيّاً، و هذا بخلاف ما إذا كان الغرض قائماً بالأمر الغيري فإنّ السكوت ناقض له، لأنّه يأتي به المكلّف و لا يكون واجباً لعدم وجوب الغير.

و هناك بيان آخر و هو أدقّ من الماضي و هو أنّه لو أمر و سكت و كان الواجب نفسياً فهو بيّن الواجب النفسي بالحمل الشائع و إن لم يبيّنه بالحمل الأوّلي و هذا بخلاف ما لو أمر و سكت عن التقييد و كان الواجب غيرياً فهو لم يبيّن الوجوب الغيري لا بالحمل الأوّلي كما هو واضح و لا بالحمل الشائع لأنّ الأمر لغاية أُخرى مصداق للأمر الغيري لا مطلق الأمر فلاحظ.

إنّ الكلام الحاكم في هذا التقريب و ما يليه من التقريبين الآخرين، هو أنّ التمسك بالإطلاق فرع كون المتكلّم في مقام البيان للحيثية التي بها تنفي مدخلية القيد الزائد. و هي في المقام عبارة عن كونه في مقام بيان الانحصار و عدمه و عند ذلك يصحّ التمسّك به لردّ ما يحتاج إلى بيان زائد و لكن إحرازه أمر مشكل جدّاً، إذ قلّما يتّفق لمتكلّم أن يكون بصدد بيان هذه الجهة و هذا الإشكال يسقط التقريبات الثلاثة عن صحّة الاحتجاج و قد أشار إلى ما ذكرناه في نقد التقريب الثاني بل كان عليه أن يذكره وجهاً لمنع الجميع.

الوجه الثاني‏ (1): التمسّك بإطلاق الشرط النحوي أعني الفعل الواقع شرطاً

بتقريب أنّه لو لم يكن منحصراً لزم تقييد تأثيره بما إذا لم يقارنه أو لم يسبقه شرط

____________

(1)- الفرق بين التقريبين واضح فانّ السابق كان مبنياً على أنّ هيئة الجملة الشرطية موضوعة لمطلق اللزوم فإذا علم عدم إرادة الجامع به علم إرادة الفرد فيحمل بحكم الإطلاق على الفرد الذي يكون بيان الجامع بياناً له و لا يحتاج إلى قيد زائد، بخلاف هذا التقريب فانّه مبني على أنّ الشرط النحوي، أعني ما وقع بعد كلمة» إن «مطلق من حيث الحالات و أنّه مؤثر في جميع الحالات، سبقه شي‏ء أو قارنه أو لحقه، أو لا و هذا عبارة أُخرى عن كونه علّة منحصرة، و إلّا فيؤثّر السابق و يؤثر الجامع بينه و بين المقارن دفعاً للترجيح بلا مرجّح، مع أنّ مقتضى إطلاقه أنّه مؤثّر مطلقاً، و في جميع الحالات.

355

آخر ضرورة أنّه لو قارنه أو سبقه شرط آخر لما أثّر وحده كما في عاصمية الكرّ فانّه إنّما يؤثّر إذا لم يكن ماءً جارياً عن مبدأ و إلّا فلا يكون مؤثراً مع أنّ قضيّة إطلاقه أنّه مؤثر وحدة، قارنه شي‏ء أم لم يقارنه، سبقه شي‏ء أم لم يسبقه. (1) يلاحظ عليه: أنّ إثبات الإطلاق بهذا المعنى مشكل إذ قلّما يتّفق أن يكون المتكلّم في مقام بيان هذه الحيثية يعني أنّه هل هو وحده مؤثر أو بضميمة شي‏ء آخر، حتّى يكون السكوت دليلًا على أنّه مؤثر وحده، نعم لو كان في مقام بيان وحدة السبب و تعدّده يعلم من الاقتصار أنّه علّة منحصرة و إلّا يكون ناقضاً لغرضه و أنّى لنا إثبات ذلك، كما عرفت في الجواب عن التقريب الأوّل.

و إن شئت قلت: إنّ الإطلاق غالباً يدور على أنّ الشرط تمام الموضوع للجزاء كالكريّة بالنسبة إلى العاصمية و ليس له جزء آخر، و أمّا أنّه ليس للجزاء شرط آخر، أو للحكم موضوع ثان فالإطلاق قاصر عن إثباته إلّا أن يحرز أنّ المتكلّم في مقام البيان حتّى من هذه الجهة.

الوجه الثالث: إنّه مقتضى إطلاق الشرط

بتقريب أنّ مقتضى إطلاقه، انحصاره و تعيّنه، كما أنّ مقتضى إطلاق الأمر تعيّن كون الوجوب تعيينياً لا تخييراً.

و هذا الوجه قريب ممّا ذكره في الثاني أعني إطلاق الشرط النحوي و حاصله أنّ للمؤثر فردين تعيينياً و تخييرياً و بما أنّ المؤثر لا يخلو من أحد الأمرين فإذا لم يأت بالعِدل فلا بدّ من الحمل على التعيين و أنّه علّة منحصرة كما هو الحال في حمل الأمر على الوجوب التعييني، لأنّه ما وجب مطلقاً، أتى بشي‏ء آخر أم لم يأت بخلاف التخييري فانّه الواجب إذا لم يأت بشي‏ء آخر أعني عِدله فأشبه الأوّل بالواجب الموسّع غير المحتاج إلى القيد، بخلاف الثاني المحتاج إلى القيد.

و هذا الوجه ليس شيئاً جديداً و إنّما هو ملفّق من الأوّل و الثاني فقد أخذ من‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 306/ 1.

356

الثاني كون مصبّ الإطلاق هو فعل الشرط لا مفاد هيئة الجملة الشرطية كما أخذ من الأوّل التشبيه و قد شبّه في المقام الثالث بالتعييني و التخييري و هناك بالنفسي و الغيري.

ثمّ أورد عليه المحقّق الخراساني ما هذا توضيحه: بأنّ التعيين و التخيير داخلان في ماهية الوجوبين حيث إنّ الأوّل وجوب على كلّ تقدير أتى بشي‏ء أو لا، و الثاني وجوب على تقدير عدم الإتيان بشي‏ء آخر، بخلاف الانحصار و عدمه فانّهما غير داخلين في ماهية العلّتين فإنّ تأثير العلّة المنحصرة و شرطيتها، مثل تأثير غير المنحصرة و شرطيّتها من دون تفاوت ثبوتاً في نحو التأثير و يترتّب على ذلك أنّ اختلاف الأوّلين ثبوتاً يكفي في اختلافهما إثباتاً بأن يكون الجامع كافياً لبيان أحدهما دون الآخر و هذا بخلاف الأخيرين فبما أنّهما لا يتفاوتان ثبوتاً، يلزم عليه، عدم التفاوت إثباتاً و الحاصل أنّ سنخ الوجوب التخييري سنخ مباين للوجوب التعييني كما يشهد له اختلافهما في الآثار بخلاف العلّة واحدة أو متعدّدة فانّ سنخ العلّية في كلّ منهما غير مباين مع علّية الآخر و الشرط إذا كان متعدّداً و إن كان محتاجاً إلى البيان لكن ذلك لأجل بيان العِدل و التعدّد، لا لبيان كيفية التأثير لأنّها في كليهما واحد. (1) و لا يخفى ضعف الجواب فإنّ هذا الفرق غير فارق، فانّ دخل التعيين و التخيير في ماهية الوجوب و تنوّعه بهما، و عدم دخل الانحصار و خلافه في ماهية العلّية و عدم تنوّعها بهما، غير فارق في المقام، فكما أنّ بيان الجامع غير كاف لبيان المنوّعات و المقوِّمات، كما هو الحال في الواجب التعييني و التخييري فهكذا هو غير كاف لبيان العوارض و المشخصات كما هو الحال في كون العلّة منحصرة أو غير منحصرة و الأولى أن يقال: وجود الفرق بين المشبّه و المشبّه به، في مقام الإثبات، أمّا الواجب التعييني فيكفي فيه ورود الأمر منه بلا قيد، إذ هو الواجب بلا قيد و لا

____________

(1)- كفاية الأُصول: 306/ 3071.

357

عدل و يكفي في تحقّق هذا الوصف العدمي، السكوت عن العدل، بخلاف الواجب التخييري فإنّه لا يكفي في بيانه إلّا ذكر العدل.

و أمّا المشبّه، فالانحصار و عدمه كلاهما رهن ذكر القيد، فانّ مرجع الأوّل إلى أنّ الشرط هو المؤثر دون شرط آخر و مرجع الثاني إلى خلافه.

الرابع: ما ذكره المحقّق الاصفهاني في تعليقته، و سيّدنا المحقّق البروجردي في درسه الشريف و هو أنّ مقتضى الترتّب العلّي على المقدّم، أن يكون المقدّم بعنوانه الخاص علّة و هو محفوظ عند ما كانت العلّة منحصرة و لو لم يكن كذلك لزم استناد الثاني إلى الجامع بينهما لامتناع استناد الواحد إلى الكثير و هو خلاف ظاهر الترتّب على المقدّم بعنوانه. (1) يلاحظ عليه: أنّ المفهوم من المداليل العرفية التي تنتقل إليه الأذهان بعد سماع الجملة بعد التدبّر في منطوقها و مفهومها، و أمّا الانتقال إلى المفهوم بهذه المقدّمة الفلسفية فبعيد عن الأذهان الساذجة التي يدور عليها إثبات المداليل: منطوقها و مفهومها، و أنّى لها إدراك أنّه لو كان لجزاء عللًا مختلفة، يجب أن يستند إلى الجامع، و بما أنّه خلاف الظاهر فهو مستند إلى الشرط المذكور، و تصير النتيجة أنّه علّة منحصرة مفيدة للمفهوم.

و قد ذكر سيّدنا البروجردي (قدس سره) في درسه أنّه عرض ذاك التقريب على شيخه المحقّق الخراساني، فأجاب بما أوضحناه.

و العجب من المحقّق الأصفهاني أنّه يتمسّك في المقام بقاعدة الواحد، مع أنّها تختصّ بالتكوين دون الأُمور الاعتبارية كالوجوب الاعتباري، كما أنّها تختصّ بالموجود البحت البسيط لا الكثير المطلق.

____________

(1)- نهاية الدراية/ 322 طبعة طهران، عام 1344 ه. ق.

358

الخامس: ما ذكره المحقّق النائيني (رضوان اللّه عليه):

إنّ الشرط المذكور في القضية الشرطية إمّا أن يكون في حدّ ذاته ممّا يتوقّف عليه عقلًا، وجود ما هو متعلّق الحكم في الجزاء، و إمّا أن لا يكون كذلك، و على الأوّل لا يكون للقضية مفهوم لا محالة كما في قولنا: إن رزقت ولداً فاختنه، و بما أنّ كلّ قضية حملية تنحلّ إلى قضية شرطية يكون مقدّمها وجود الموضوع، و تاليها ثبوت المحمول له، و يكون التعليق عقلياً لا يكون هناك مفهوم.

و أمّا القسم الآخر فبما أنّ الحكم الثابت في الجزاء ليس بمتوقّف على وجود الشرط عقلًا فلا يخلو إمّا أن يكون مطلقاً بالإضافة إلى وجود الشرط، أو يكون مقيّداً به، و بما أنّه رتّب في ظاهر القضية على وجود الشرط، يمتنع الإطلاق فيكون مقيّداً بوجود الشرط و بما أنّ المتكلّم في مقام البيان قد أتى بقيد واحد، و لم يقيّده بشي‏ء آخر، سواء كان التقييد بذكر عدل له في الكلام أم كان بمثل العطف بالواو ليكون قيد الحكم في الحقيقة مركّباً من أمرين كما في قولنا: إذا جاءك زيد و أكرمك فأكرمه، يستكشف من ذلك، انحصار القيد بخصوص ما ذكر في القضية الشرطية، و بالجملة فكما أنّ إطلاق الشرط و عدم تقييده بمثل العطف بالواو، يدلّ على عدم كون الشرط مركّباً كذلك إطلاقه و عدم تقييده بشي‏ء مثل العطف، يدلّ على انحصار الشرط بما هو مذكور في القضية. (1) يلاحظ عليه: الفرق الواضح بين كون الشرط ذا جزء و بين كونه ذا عدل، إذ لو كان الشك في كون الشرط تمام الموضوع للجزاء فلا ريب في أنّه يتمسّك بإطلاق الشرط و يثبت أنّه تمام الموضوع، إذ لولاه لزم نقض الغرض و هذا بخلاف ما إذا كان الشكّ في أنّ له عدلًا أو لا فلا يمكن التمسّك به لأنّه لو كان له عدل في الواقع و لم يأت به المتكلّم، لما كان كلامه نقضاً للغرض.

____________

(1)- أجود التقريرات: 418/ 1.

359

أدلّة المنكرين‏

استدل السيّد المرتضى على عدم وجود المفهوم للقضايا الشرطية بأنّ تأثير الشرط إنّما هو تعليق الحكم به و ليس يمتنع أن يخلفه و ينوب منابه شرط آخر، يجري مجراه و لا يخرج عن كونه شرطاً فإنّ قوله سبحانه: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏) (البقرة/ 282) يمنع من قبول الشاهد الواحد حتى ينضمّ إليه شاهد آخر فانضمام الثاني إلى الأوّل شرط في القبول ثمّ علمنا أنّ ضمّ امرأتين إلى الشاهد الأوّل شرط في القبول كما في نفس الآية أعني قوله سبحانه: (فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ‏) ثمّ علمنا أنّ ضمّ اليمين يقوم مقامه أيضاً فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى. (1) و أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه إن كان بصدد إثبات إمكان نيابة بعض الشروط عن بعض في مقام الثبوت فهو لا ينكر لكن الخصم يدَّعي عدم وقوعه في مقام دلالة القضية و إن كان بصدد إبداء الاحتمال فمجرّد الاحتمال لا يضرّه ما لم يرجح حسب القواعد اللفظية. (2) يلاحظ عليه: أنّه يمكن توجيه كلام السيّد و أنّه لا يريد هذا و لا ذاك و إنّما يريد أنّ أقصى ما تدلّ عليه القضية الشرطية أنّ للقيد دخلًا في ثبوت الحكم، و أنّ الموضوع ليس وحده ممّا يترتّب عليه الحكم، و أمّا أنّه لا ينوبه شرط آخر، فليست للقضية أيّة دلالة عليه كما أوضحناه سابقاً.

نعم ما ذكره إنّما يتمّ فيما إذا لم يكن المتكلّم في مقام التحديد، كما هو مورد الآية، إذ ليست الآية بصدد بيان كلّ من يقبل قوله في الشهادة، و لأجل ذلك لا يعدّ قبول قول الرجل و اليمين (الذي دلّ عليه الدليل) نقضاً لما جاء في الآية

____________

(1)- المرتضى: الذريعة: 406/ 1.

(2)- كفاية الأُصول: 308/ 1.

360

بخلاف ما إذا كان في مقام تحديد أسباب الجزاء و شروطه، فالدلالة عندئذ ظاهرة و احتمال الخلاف غير مخلّ.

نظرنا في الموضوع‏

الذي يمكن أن يكون حاسماً للنزاع في المقام أن يقال: إنّ المتكلّم تارة يكون بصدد بيان ما هو سبب للجزاء و تارة يكون في مقام بيان كلّ ما هو سبب له و بعبارة أُخرى: تارة لا يكون في مقام» تحديد أسباب الجزاء «و أُخرى يكون بهذا الصدد فعلى الأوّل كان مقتضى الإطلاق هو كونه تمام الموضوع و ليس له جزء و لا شرط آخر، و لا يتفرّع عليه المفهوم، بل أقصاه أنّ ما وقع بعد حرف الشرط تمام الموضوع للجزاء و ليس ناقصاً في الموضوعية و أمّا أنّه لا يخلفه شي‏ء آخر فلا يمكن دفعه لأنّه ليس في مقام بيانه.

و أمّا إذا كان بصدد بيان ما هو السبب على وجه الإطلاق للجزاء فإنّ السكوت دالّ على عدم وجود سبب آخر قائم مقامه، فالمهمّ في إثبات المفهوم للجملة الشرطية إحراز كون المتكلّم في المقام الثاني و هو قليل أو نادر، فالمهمّ في المقام هو هذا.

و الحاصل أنّه لو احرز كون المتكلّم في مقام بيان تحديد الأسباب، و مع ذلك اقتصر على سبب واحد يستكشف أنّه ليس له سبب إلّا ما جاء في كلامه، و هذا بخلاف ما إذا لم يكن في مقام التحديد و بيان كلّ سبب فانّ مقتضى الإطلاق أنّ ما وقع تحت الشرط تمامه، و ليس له جزء آخر، و أمّا أنّه ليس للجزاء سبب آخر يخلف الشرط فلا يدلّ عليه.

و على هذا تكون النتيجة ارتفاع الحكم الشخصي، و أمّا ارتفاع الحكم النوعي الذي يرافق مع الشرط و النائب منابه فلا.

361

هذا و يمكن القول بالمفهوم وراء هذا المورد إذا كان بصدد بيان ما للجزاء من أسباب إذا كان الشرط من قبيل الضدين اللّذين لا ثالث لهما كما إذا قال: إذا سافرت فقصّر، أو إذا استطعت فحجّ.

و الإنسان لا يخلو عن أحد أمرين: السفر و الحضر، الاستطاعة و عدمها فلو لم يكن للقضية مفهوم، يلزم لغوية الشرط. و الدلالة عندئذ عقلية لا لفظية.

و ينبغي التنبيه على أُمور:

التنبيه الأوّل: المنفي بالمفهوم هو سنخ الحكم و نوعه، لا شخص الحكم و جزئيّه.

إذا قلنا: زيد إن سلّم أكرمه، فهناك حكمان:

1 حكم شخصي محمول على زيد في ظرف التسليم.

2 حكم نوعي قابل للحمل على زيد عند احتمال قيام شرط آخر، مكانه، كإحسانه، أمّا الأوّل فهو ينتفي بانتفاء قيده و هو التسليم و أمّا الثاني، أي الوجوب الجامع الموجود عند كلا الشرطين تسليمه و إحسانه، فهو منفي بالمفهوم، فلو ثبت الوجوب عند إحسانه يكون منافياً للمفهوم و مرفوضاً به.

مثال آخر: إذا ورد: الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء، فالعاصمية المعبّر عنها في الرواية ب» لم ينجّسه «تتصوّر على وجهين:

1 العاصمية في ظرف الكرّية، 2 العاصمية عند رفع الكرّية و قيام شرط آخر مقامها، ككونه نابعاً، فالمفهوم إنّما ينفي العاصمية الثانية لا الأُولى، فلو ثبت العاصمية لماء المطر و إن لم يكن كرّاً أو للنابع من الأرض و إن لم يكن كذلك، يقع التعارض بين المفهوم و المنطوق، فيعالج على النحو المذكور في محلّه.

و إن شئت قلت: فإذا قيّد الموضوع بحالة خاصّة و هو التسليم، طرأ على الحكم من ناحية التعليق تعيّن و تشخّص، به يتميّز عن طبيعة الحكم الكلي الذي‏

362

لا قيد له و لا تعيّن.

و بعبارة ثالثة: إنّ الفرق بين سنخ الحكم و شخصه، يشبه الفرق بين الكلي و صنفه، أو الكلي و مصداقه، فانّ لكلّ من الصنف و المصداق تعيّنات لا توجد في الكلي، وعليه وجوب الإكرام العاري عن كلّ قيد، سنخ الحكم، و المقيّد بحالة التسليم شخصه.

فعند ذلك يصحّ ما يقال من أنّ المنتفي في باب المفهوم إنّما هو سنخ الحكم لا شخصه فإنّ شخص الحكم مرتفع بارتفاع ما علّق عليه، سواء أقلنا بالمفهوم أم لم نقل إذ الوجوب المتعلّق بالإكرام المتعيّن بالتسليم، مرتفع قطعاً بارتفاع الموضوع أو قيد من قيوده، أعني: التسليم و إن لم نقل بالمفهوم، لارتفاع الصنف بارتفاع قيده أو المصداق بارتفاع مشخّصاته.

و مع ذلك يبقى الكلام في ارتفاع سنخ الحكم أعني وجوب الإكرام على وجه الإطلاق غير المقيّد بالتسليم و عدمه، فلو كانت العلّة منحصرة لكان منتفياً لارتفاع المعلول بارتفاع علّته، و لو لم تكن منحصرة اقتضى وجود الحكم الكلي في ضمن صنف أو مصداق آخر و هو وجوب الإكرام المقيّد بالإحسان مكان التسليم.

و بذلك يظهر أنّ النزاع في وجود المفهوم و عدمه إنّما يتمّ إذا أمكن أن يكون للحكم المنشأ على موضوع مشروط أو موصوف صنفان أو مصداقان أحدهما مقيّد بالشرط أو الوصف، و الآخر غير مقيّد بهما.

و أمّا إذا انحصر الكلي في صنف أو مصداق واحد، و لم يكن له فرد آخر، فالبحث عن وجود المفهوم و عدمه غير جار هذا كالمال الخارجي المعيّن، فإذا صار وقفاً أو نذراً أو وصيّة فقد صار ملكاً أو متعلّقاً لهذه الموارد فليست هناك ملكية أُخرى حتّى تنتفي عن غير تلك الموارد، فإذا قال: وقفت مالي على أولادي‏

363

إذا كانوا فقراء أو أولادي الفقراء، أو قال: وقفت على أولادي، أو قال: أوصيت بثلث مالي لفلان فلا دلالة للكلام على ارتفاع الحكم عن أولاده الأغنياء أو عن غير أولاده أو عن غير فلان لأنّ المال الواحد لا يصلح لأن يكون وقفاً أو ملكاً إلّا لواحد فعندئذ يكون الارتفاع عن غير مورده عقليّاً لا من باب المفهوم. ففرق بين وجوب الإكرام و الملكيّة إذ يصحّ إنشاء وجوبين تارة في ظرف التسليم و أُخرى في ظرف الإحسان، و هذا بخلاف ملكيّة العين الشرعية فلا يمكن نقلها مرّتين، تارة للأولاد، إذا كانوا عدولًا، و أُخرى إذا كانوا محسنين.

و مع هذا التوضيح فالظاهر عدم الفرق و ذلك لما سيأتي منّا في جواب الإشكال الآتي من أنّ لشخص الحكم أحوالًا يكون الجزئي بحسبها أمراً مطلقاً قابلًا للتقييد، فالملكية المنشأة الجزئية للأولاد، مطلق بالنسبة إلى كونهم عدولًا أو لا، فإطلاقها عبارة أُخرى عن كونها سنخ الحكم و اشتمال القضية للمفهوم، ينفي ذلك الإطلاق المتصوّر.

ثمّ إنّ المحقّق البروجردي أنكر كون المنفي بالمفهوم هو سنخ الحكم لا شخصه، و أنّه لا يعقل لسنخ الحكم وراء شخصه مفهوم معقول و قال ما هذا حاصله: إنّا لا نتعقّل وجهاً معقولًا لسنخ الحكم لوضوح أنّ المعلّق في قولك: إن جاءك زيد فأكرمه هو الوجوب المحمول على إكرامه و التعليق يدلّ على انتفاء نفس المعلّق عند انتفاء المعلّق عليه فما فرضته سنخاً إن كان متّحداً مع هذا المعلّق، موضوعاً و محمولًا فهو شخصه لا سنخه إذ لا تكرّر في وجوب إكرام زيد بما هو هو و إن كان مختلفاً معه في الموضوع كإكرام عمرو أو محمولًا كاستحباب إكرام زيد فلا معنى للنزاع في أنّ قوله: إن جاءك زيد فأكرمه يدلُّ على انتفائه أو لا يدل. (1) يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الأوّل و لكن اتّحاده معه، ليس من قبيل اتّحاد

____________

(1)- نهاية الأُصول: 273/ 1.

364

المتساويين بل من قبيل اتّحاد الكلّي مع فرده، و العام مع مصداقه، فينحلّ الجزاءُ المعلّق على الموضوع المقيّد بالشرط إلى شخص الحكم و الوجوب الجزئي المترتّب على الموضوع الخاص و المرتفع بارتفاع قيد الموضوع، و إلى طبيعة الوجوب الذي هو أحد مصاديقه و لا يرتفع ذلك إلّا بإثبات الانحصار و لولاه لما كان هناك دليل على ارتفاعه إذ من الممكن ثبوته بدليل و قيام شرط آخر مكانه.

و بالجملة هناك وجوبان: وجوب جزئي مترتّب على موضوع متقيّد و وجوب كلّي مترتّب على الموضوع غير مقيّد بشي‏ء و ارتفاع الأوّل من تبعات ارتفاع القيد و ارتفاع الثاني من بركة كون العلّة منحصرة.

إشكال و دفع‏

إنّ المنشأ في جانب الجزاء هو الحكم الجزئي لأنّ مفاد الهيئة معنى جزئي و انتفاء الإنشاء الخاص بانتفاء بعض قيوده عقلي و أين سنخ الحكم المنتفي لأجل اشتمال القضية على المفهوم.

و الحاصل أنّ الجزاء لو كان جملة خبرية يكون عاماً من حيث الموضوع له و المستعمل فيه فيتصوّر له حالتان: الوجوب عند التسليم و الوجوب عند عدمه، فبمنطوقه يدلّ على وجوبه عند التسليم و بمفهومه يدلّ على ارتفاع ذلك الحكم عند عدمه.

و أمّا إذا كان الجزاء جملة إنشائية فبما أنّ مفاد الهيئة من المعاني الحرفية و هي عندنا معان جزئية فيكون المنشأ من أوّل الأمر أمراً جزئياً معلّقاً على الشرط فينتفي بانتفائه عقلًا فيكون وزان قوله:» إن سلّم زيد فأكرمه «وزان قوله:» وقفت على أولادي إن كانوا فقراء «.

و قد أُجيب عنه بوجوه:

الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني: إنّ المعلّق على الشرط نفس الوجوب‏

365

الذي هو مفاد الصيغة و معناها و أمّا الخصوصية الناشئة من قبل استعمالها فلا تكاد تكون من خصوصيات معناها المستعملة فيه كما، لا تكاد تكون الخصوصية الحاصلة من قبل الإخبارية من خصوصيات ما أخبر به و استعمل فيه إخباراً لا إنشاء. (1) يلاحظ عليه: ما قدّمناه من أنّ ادعاء وحدة المعاني الحرفية و الاسمية جوهراً و أنّ الاختلاف جاء من جانب الاستعمال غير صحيح كادّعاء وحدة مفاد الجمل الخبرية و الإنشائية ذاتاً و أنّ الإنشائية و الإخبارية من طوارئ الاستعمال.

لما عرفت في محلّه من تمايز المعاني الحرفية مع الاسميّة حتّى خارجاً و ذهناً و الألفاظ وضعت للحكاية عمّا يوجد في الخارج من المعاني، أو يقوم في الذهن و عند ذلك فلا معنى لوضع الألفاظ على خلاف ما يوجد في الخارج و الذهن من المعنيين المختلفين جوهراً، المتفاوتين ذاتاً.

و مثلهما المعاني الإنشائية و الخبرية فإنّ القصد قد يتعلّق بالحكاية عمّا في صفحة الوجود من الأشياء و الحوادث و قد يتعلّق بإيجاد المعاني في عالم الاعتبار و الاجتماع كإيجاد علقة الزوجية بين الزوجين تشبيهاً لها بالعلقة الموجودة في عالم التكوين كاليدين و الرجلين و التفّاحتين المعلّقتين على الشجرة، فإذا كانت نفس المعاني التي تتعلّق بها الأغراض مختلفة من حيث الذات و الجوهر، فلا وجه للقول بوحدة المعنى و أنّ جهات الإنشاء و الإخبار من طوارئ الاستعمال.

فإذا كان كذلك فالمعاني الإنشائية، معاني إيجادية و لا معنى لكلّيتها مع كونه من سنخ الإيجاد فهو يلازم الجزئية في عالم الاعتبار كملازمة معها في عالم التكوين.

الثاني: ما أفاده الشيخ الأعظم و حاصله: أنّ الحكم المعلّق على الشرط و إن‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 310/ 1.

366

كان شخصياً و لكن نفي سنخ الحكم بانتفاء الشرط على القول بالمفهوم إنّما يكون من فوائد العلّية المنحصرة المستفادة من الجملة الشرطية فإنّ انتفاء شخص الحكم غير مستند إلى ارتفاع العلّية المنحصرة فانّه يرتفع و لو في اللقب و الوصف كما لا يخفى. (1) فإن قلت: إنّ ما ذكره و إن كان صحيحاً لكنّه غير رافع للإشكال، و ذلك لأنّ المفروض أنّ الوجوب أمر جزئي لا يتصوّر له مرحلتان: شخص الحكم و سنخه، حتى يكون انحصار الشرط سبباً لرفع السنخية.

قلت: مراده أنّه لا بدّ في حفظ فائدة الانحصار من أن يقال: انّ المعلّق في الواقع، وجوب كلّي أوسع من المنشأ أي ما يمكن أن يكون مع التسليم كما يمكن أن يكون مع غيره فنفي ذاك الوجوب الكلّي عند عدم الشرط بدلالة اللفظ على المفهوم.

الثالث: وجود الرابط بين الشرط و مادة الجزاء يجعل الإنشاء كالإخبار.

توضيحه: أنّ الإيجاب و إن كان جزئياً إلّا أنّه ينحلّ عند العرف إلى وجوب جزئي، و إلى وجوب كلي الذي هو أحد مصاديقه و الدليل على ذلك أنّ ظاهر القضية و إن كان يستكشف منها وجود رابطة بين البعث الجزئي و الشرط إلّا أنّه ما لم يكن هناك مناسبة بين الشرط و مادة الجزاء كان طلب إيجاد الجزاء عند وجود الشرط لغواً و الرابطة تكشف عن كون الشرط مقتضياً لمادة الجزاء، و يتوصّل في بيان ذلك الأمر، بالأمر بإيجاده عند ثبوته، فالخصوصية بين ذات الشرط و مطلق الجزاء الذي تعلّق به الحكم الجزئي بلا خصوصية لذاك الحكم، فيشبه الجملة الإخبارية في عموم المجعول.

و لعلّه إلى ذلك ينظر قول المحقّق النائيني: إنّ المعلّق في القضية الشرطية

____________

(1)- مطارح الأنظار: 173.

367

ليس هو مفاد الهيئة لأنّه معنى حرفي و ملحوظ آلي بل المعلّق فيها هي نتيجة القضية المذكورة في الجزاء و إن شئت عبّرت عنها بالمادة المنتسبة وعليه يكون المعلّق في الحقيقة هو الحكم العارض للمادة كوجوب الصلاة في قولنا:» إذا دخل الوقت فصلِّ «فينتفي هو بانتفاء شرطه غاية الأمر أنّ المعلّق على الشرط حينئذ هو حقيقة الوجوب. (1) الوجه الرابع: الحكم الشخصي، مطلق حسب حالاته إنّ المراد من سنخ الحكم، ليس الحكم الكلي، بل الحكم الشخصي بمختلف حالاته و الحكم المنشأ و إن كان فرداً مشخصاً غير قابل للتكثر حسب الأفراد لكنّه من حيث الحالات الطارئة عليه، قابل للكثرة فالوجوب المتشخّص المتعلّق بإكرام زيد، له حالتان، تارة يكون مقيّداً بتسليم زيد، و أُخرى يكون مطلقاً غير مقيّد به فالأوّل هو شخص الحكم و الآخر سنخه و هو قابل للثبات مع ارتفاع الشرط فلو قلنا بالمفهوم، يكون هو المرتفع أيضاً.

*** التنبيه الثاني: إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء

إذا قال: إذا خفي الأذان فقصّر و قال: إذا خفي الجدران فقصّر، فعلى القول بظهور الجملة الشرطية في المفهوم تقع المعارضة بين مفهوم الجملة الأُولى و منطوق الجملة الثانية فلو بلغ المسافر إلى نقطة يسمع أذان البلد، و لكن لا يرى جدرانه يتمّ حسب مفهوم الجملة الأُولى، و يقصّر حسب منطوق الجملة الثانية، و هكذا العكس أي يقع التعارض بين مفهوم الجملة الثانية، و منطوق الأُولى.

____________

(1)- أجود التقريرات: 420/ 1.

368

و إن شئت قلت: إنّ مفهوم الجملة الأُولى أنّه إن لم يخف الأذان لا يقصّر سواء خفي الجدران أم لا، كما أنّ مفهوم الجملة الثانية، أنّه إذا لم يخف الجدران، لا يُقصّر، سواء خفي الأذان أم لا فيتعارض منطوق كلّ مع مفهوم الآخر، في بعض الموارد كما إذا خفي الجدران دون الأذان أو بالعكس.

و قد ذكر المحقّق الخراساني، وجوهاً خمسة لرفع المعارضة و هي بين صحيح، و بعيد عن الاعتبار و فاسد، و الصحيح هو الأوّل و الثاني‏ (1) و البعيد هو الثالث، و الفاسد هو الأخيران و إليك نقلها:

1 تخصيص مفهوم كلّ منهما بمنطوق الآخر فإذا كان مفهوم قوله:» إذا خفي الجدران فقصِّر «، إذا لم يخف الجدران فلا تقصّر فهو يخصص بقوله: إلّا إذا خفي الأذان، فتكون النتيجة كفاية خفاء واحد من الأمرين فكأنّه قال: إذا خفي الجدران أو الأذان فقصِّر فما في عبارة الكفاية من قوله:» عند انتفاء الشرطين «بمعنى كفاية انتفاء واحد من الشرطين و حاصل هذا الجمع، هو عطف الجملة الثانية على الأُولى بلفظة» أو «العاطفة.

2 تقييد إطلاق الشرط من كلّ منهما بالآخر، فيكون الشرط هو خفاء الأمرين معاً فإذا خفيا وجب القصر و لا يجب عند اختفاء أحدهما و حاصل هذا الجمع هو عطف الجملة الثانية على الأُولى بواو الجمع.

فتكون النتيجة بعد التصرّف، هو: إذا خفي الجدران و الأذان فقصّر فعلى الجمع الأوّل يتصرّف في دلالة القضية على كون كلّ واحد علّة منحصرة، مع التحفظ على كون كلّ واحد، علّة تامة بخلاف الجمع الثاني، فيتصرّف مضافاً إلى الانحصار في كون كلّ واحد علّة تامة فيكون كلّ واحد، جزء العلّة.

و هذان الوجهان معقولان و أمّا أنّ الترجيح مع أي واحد منهما، فسيوافيك بيانه.

____________

(1)- حسب ما ننقلهما، و الأوّل و الثالث حسب نقل الكفاية فلاحظ: 313/ 1.

369

3 جعل الشرط هو القدر المشترك بأن يكون تعدّد الشرط قرينة على أنّ الشرط في كلّ منهما ليس عنوانَه الخاص، بل بما هما معرّفان للجامع، منهما.

و ذلك لأنّ وحدة المعلول وجوب الجزاء كاشف عن وحدة العلّة، لامتناع صدور الواحد عن الكثير بما هو كثير، من دون جامع بينهما.

4 رفع اليد عن المفهوم فيهما بادّعاء أنّه لا دلالة لهما على عدم مدخلية شي‏ء آخر من الجزاء، حتّى يخصص منطوق كلّ بمفهوم الآخر.

و هذا يتّحد مع الوجه الأوّل، غاية الأمر، أنّ القائل بالجمع الأوّل يقول بدلالة كلّ على المفهوم، و لرفع التعارض يقول بتخصيص مفهوم كلّ بمنطوق الآخر و أمّا القائل بالرابع فينفي أساس التعارض حتّى يحتاج إلى العلاج.

5 رفع اليد عن المفهوم في خصوص أحد الشرطين و بقاء الآخر على مفهومه و هذا هو المنقول عن ابن إدريس الحلي.

هذه هي الوجوه المذكورة:

و لنأخذ بتحليل الوجوه الأخيرة ثمّ نرجع إلى القولين الأوّلين.

أمّا الوجه الثالث: فلا يصحّ لأنّ الكلام في معالجة المتعارضين، بتقديم النصّ على الظاهر أو الأظهر على الظاهر فلا يثبت الظهور العرفي بقاعدة فلسفية، التي لا صلة لها بالمداليل و المفاهيم العرفية على أنّ القاعدة لو صحّت فإنّما تصحّ في الأُمور التكوينية لا في مثل الوجوب الإنشائي الاعتباري كما حقّق في محلّه.

نعم يمكن لقائل أن يستظهر هذا الجمع في خصوص هذا المقام من قرينة خارجية و هي: أنّ الشارع لم يرض بالإفطار و التقصير في البلد حفظاً لكرامة الصيام بين أهل البلد، أو الصلاة الرباعية بين الأهل و العيال، و إنّما رضى إذا ضرب عليها على وجه يبتعد عن البلد على قدر يخفى الأذان و الجدران، و هذا هو المقياس و إنّما جعل الخفاءان أمارة على هذا المقدار.

370

فإن قلت: كيف يجعل خفاء الأمرين كناية عن الابتعاد عن البلد بقدر معيّن مع أنّ الأذان يخفى قبل أن يخفى جدران البلد، فإنّ خفاء الثاني يتوقّف على ابتعاد كثير؟

قلت: إذا رجعنا إلى النصوص وجدنا أنَّ الوارد فيها هو تواري المسافر عن البيوت لا تواريها عن المسافر (1) و بما أنّ تواري المسافر عن أهل البيوت غير معلوم للمسافر، جعل تواري البيوت عن المسافر طريقاً إلى الطريق (تواري المسافر عن البيوت)، و الأمارتان متقاربتان جدّاً.

و أمّا الوجه الرابع، فيلاحظ عليه: أنّ إخلاء القضيتين من المفهوم ليس طريق المعالجة، فهو بالطرح أشبه من الجمع فإذا كان هناك طريق آخر لعلاج التعارض فلا تصل النوبة إلى إخلائهما عن المفهوم.

أضف إلى ذلك أنّ مرجع ذلك القول، إلى القول الأوّل، أي تخصيص مفهوم أحدهما مع منطوق الآخر فيكون كلّ واحد من الخفاءين علّة تامة للحكم و إن لم يكن علّة منحصرة.

و أمّا الوجه الخامس: فمضافاً إلى أنّه ترجيح بلا مرجّح، لا يرفع التعارض و ذلك لوقوع التعارض بين مفهوم أحد الدليلين مع منطوق الآخر الخالي عن المفهوم فإذا قال: إذا خفي الأذان فقصّر و رفعنا اليد عن مفهومه، ثمّ قال: و إذا خفي الجدران فقصّر، فانّ مفهومه إذا لم يخف الجدران فلا تقصّر و إن خفي الأذان، و هو على طرف النقيض من منطوق الدليل الأوّل إلّا إذا كان ظهور أحدهما في المفهوم أظهر من منطوق الآخر.

و إذا تبيّن عدم تمامية هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة يبقى الكلام في الوجهين الأوّلين:

____________

(1)- الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

371

الأوّل: تخصيص مفهوم كلّ منهما بمنطوق الآخر.

الثاني: تقييد إطلاق الشرط في كلّ منهما بالآخر.

فتكون النتيجة على الأوّل كفاية خفاء واحد منهما و إن لم يخف الآخر، و على الثاني شرطية خفاء كلا الأمرين معاً.

و إن شئت قلت: إنّ المفهوم مبني على كون كلّ من الشرطين مستقلًا و منحصراً فالاستقلال و الانحصار أساس استفادة المفهوم فعلى الأوّل يتحفظ على الاستقلال، و يرتفع الانحصار و على الثاني، يرتفع الاستقلال و لا يبقى موضوع للانحصار.

و بعبارة أُخرى: أنّ كلًا من القضيتين ظاهر في أنّ الشرط، بلا شريك، و بلا بديل، فلا جزء شريك له، بمعنى أنّه علّة تامّة مستقلّة، فلا بديل له، بمعنى أنّه علّة منحصرة و رفع التعارض، يحصل بالتصرّف في واحد من الأمرين، إمّا في الانحصار مع التحفظ على الاستقلال، كما هو الحال في تقييد مفهوم كلّ واحد بمنطوق الآخر، أو في الاستقلال، و مع التصرف فيه و جعل كلّ جزء للموضوع لا يبقى مجال لرفع الانحصار، لعدم الموضوع له حينئذ.

و هل هناك ترجيح لأحدهما على الآخر أو لا؟ الظاهر من المحقّق النائيني عدم الترجيح و صيرورة القضيتين مجملتين فتصل النوبة إلى الأُصول العملية و قال: إنّ كلًا من القضيتين ظاهر في العلّة المنحصرة و لكن تعدّدها ينافي ذلك فلا بدّ إمّا من رفع اليد عن كونه علّة تامة و جعله جزء العلّة فيكون المجموع من الشرطين علّة تامّة منحصرة ينتفي الجزاء عند انتفائهما معاً (فتكون القضيتان قضية واحدة) مثلًا إذا خفي الأذان فقصّر و إذا خفي الجدران فقصّر بمنزلة قوله: إذا

372

خفي الأذان و الجدران فقصّر. و إمّا من رفع اليد عن كونه علّة منحصرة مع بقائه على كونه علّة تامة فيكون الشرط أحدهما تخييراً و تكون القضيتان بمنزلة قوله: إذا خفي الأذان أو خفي الجدران فقصّر، و يكفي حينئذ أحدهما في ترتّب الجزاء و حينئذٍ لا بدّ من رفع اليد عن أحد الظهورين إمّا ظهور الشرط في كونه علّة تامة و إمّا ظهوره في كونه علّة منحصرة.

و حيث لم يكن أحد الظهورين أقوى من ظهور الآخر و لا أحدهما حاكماً على الآخر لمكان أنّ كلًا من الظهورين إنّما يكون بالإطلاق و مقدّمات الحكمة، كان اللازم الجري على ما يقتضيه العلم الإجمالي من ورود التقييد على أحد الإطلاقين. (1) يلاحظ عليه: أنّ ظهور القضية في كون الشرط علّة مستقلّة أقوى من ظهورها في كونه علّة منحصرة، فيحتفظ بالأقوى، و يتصرّف في الأضعف، و ذلك لما عرفت أنّه قلّما يتّفق لمتكلّم أن يكون بصدد بيان الانحصار و إنّما الرائج كونه بصدد بيان أنّ الشرط تمام الموضوع للحكم. و ليس جزء الموضوع و على ضوء ذلك، يقدم التصرّف الأوّل على الثاني، فيخصّص مفهوم كلّ بمنطوق الآخر، لا منطوق كلّ بمنطوق الآخر.

فإن قلت: إنّ مصبّ التعارض و إن كان هو المفهوم من جانب و المنطوق من جانب آخر إلّا أنّه يستحيل التصرّف في المفهوم نفسه لأنّه مدلول تبعي و لازم عقلي للمنطوق، فلا بدّ من رفع اليد عن ملزوم المفهوم بمقدار يرتفع به التعارض، و لا يكون ذلك إلّا بتقييد المنطوق و رفع اليد عن انحصاره، دون كونه علّة تامة، لعدم الحاجة إلى التصرّف في تمامية كلّ واحد من الشرطين بعد إلغاء الانحصار. (2) قلت: لا وجه لادّعاء استحالة التصرّف في المفهوم نفسه بحجّة أنّه مدلول تبعي و لازم عقلي للمنطوق لأنّ المنطوق صار واسطة في الثبوت لكونه حجّة بنفسه، فلا مانع من جعل المفهوم طرف المعارضة و التصرّف فيه، بلا تصرّف في ملزومه.

____________

(1)- الفوائد للكاظمي: 487/ 4881، مؤسسة النشر الإسلامي.

(2)- تعاليق الأجود، ص 425424.

373

أضف إلى ما ذكرنا: أنّا نعلم علماً وجدانياً بانهدام الانحصار إمّا لانهدام الانحصار وحدة أو لانهدام الاستقلال، و نشكّ في انهدام استقلال كلّ من الشرطين، و هذا العلم و ذاك الشكّ، أمر وجداني و معه كيف يتحفّظ بالعلم الإجمالي بالتصرّف في أحد الأمرين.

و الحاصل أنّه ليس هنا علم إجمالي حقيقة بل كانت صورة منه، و انّا نعلم علماً قطعياً بانهدام وصف الانحصار إمّا بنفسه و إمّا بواسطة انهدام الاستقلال، فالقول بأنّ هنا علماً تفصيلياً بارتفاع الانحصار و شكاً بدوياً في انهدام الاستقلال أمر وجداني و هذا كما إذا علمنا علماً وجدانيّاً بأنّه أصابت قذيفة المدفعية البعيدة المدى بيتاً ذا طابقين، فلو أصابت الطابق الأعلى فهدمته و دمّرته وحده و لو أصابت الطابق الأسفل فتدمّر الطابقين معاً، فالقول بأنّا نعلم علماً تفصيلياً بانهدام الطابق الأعلى و نشكّ في انهدام الطابق الأسفل ليس شيئاً ينكر.

و لعلّك تعطف المقام، إلى العلم التفصيلي المتعلّق بوجوب الأقل إذا دار الأمر بين وجوبه و وجوب الأكثر، حيث يورد على الانحلال هناك بأنّه يلزم من انحلاله عدم انحلاله، و لكن عند التأمّل يظهر الفرق بينه و بين المقام، حيث لا علم تفصيلي بوجوبه هناك و لا على كلّ التقادير و من التقادير وجوب الأكثر المرتفع بالأصل، بخلاف المقام فهو حاصل على كلّ تقدير تأمّل تعرف.

*** التنبيه الثالث: في تداخل الأسباب و المسبّبات‏

و قبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: قد جعل المحقّق الخراساني، عنوان البحث في المسألتين واحداً، و هو إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء، و جعل تمايزهما، الجهة المبحوث عنها فهي في المسألة

374

الأُولى عبارة عن معالجة تعارض مفهوم القضية الأُولى، مع منطوق القضية الثانية، و لكنّها في الثانية، عبارة عن تداخل الأسباب في مقام التأثير و عدمه، و على الثاني، تداخل المسبّبات في مقام الامتثال و عدمه.

و إن شئت قلت: البحث في المسألة الأُولى، لفظي، يعود إلى وجود التعارض بين مفهوم قوله:» إذا خفي الجدران فقصّر «و منطوق قوله:» إذا خفي الأذان فقصّر «، و لكنّه في المسألة الثانية عقلي يرجع إلى البحث عن اقتضاء كلّ سبب وجوباً غير ما يقتضيه الآخر و عدمه، و على فرض تعدّد المقتضي هل يكفي في مقام الطاعة، الإتيان بفرد واحد من الواجب، أولا يكفي بل يتوقّف على تعدّد الامتثال.

و الأُولى عنوان المسألة الثانية بتداخل الأسباب و المسبّبات و عدم تداخلهما.

الثاني: ما هو المراد من تداخل الأسباب و المسبّبات و عدمه؟ أمّا الأسباب، فمرجع التداخل و عدمه فيها، إلى أنّهما يقتضيان وجوباً واحداً فتتداخل أو يقتضيان وجوبين فلا تتداخل.

و على الثاني هل تتداخل المسبّبات أعني الوجوبين أو أكثر في مقام الامتثال و يكفي الإتيان بالطبيعة مرّة أو لا تتداخل، بل يتوقف الامتثال على الإتيان بمصداقين أو أكثر.

و إن شئت قلت: إنّ مرجع التداخل السببي و عدمه إلى دعوى عدم اشتغال الذمة إلّا بوجوب واحد أو بوجوبين كما أنّ مرجع التداخل المسبّبي و عدمه بعد القول بعدم التداخل في الأسباب إلى دعوى صدق الامتثال بالإتيان بفرد واحد عند تعدّد التكاليف و الاشتغالات و عدمه، فالتداخل في المسبّبات لا يعنى تداخل الوجوبين بل المراد تداخلهما في مقام الامتثال.

الثالث: إنّ النزاع فيما إذا كان الجزاء ماهية قابلة للتكثّر، كالغسل و الوضوء

375

و أمّا إذا كان غير قابلة له كالقتل فيما إذا ارتدّ وزنى مع الإحصان فهو خارج عن البحث.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أدخل ما ليس بقابل للتكثّر، في محطّ البحث، فيما إذا كان الجزاء قابلًا للتقييد بالسبب كالخيار القابل للتقييد بالمجلس، أو الحيوان و العيب مع أنّه أمر واحد و هو ملك فسخ العقد و إقراره، و معنى تقييده بالسبب، هو أن يلاحظ الخيار المستند إلى المجلس فيسقطه أو يصالح عليه، و يبقى له الخيار المستند إلى الحيوان، و كذا في القتل لأجل حقوق الناس فلو قتل زيد، عمرواً و بكراً و خالداً فقتل زيد قصاصاً و إن لم يقبل التعدّد، إلّا أنّه قابل للتقيّد بالسبب أي يلاحظ استحقاق زيد للقتل باعتبار قتله لعمرو، فلو أسقط ورثة عمرو حقّ القود، لم يسقط حقّ ورثة بكر و خالد، نعم ما لا يكون قابلًا للتقيّد بالسبب كقتل زيد، لكونه محارباً و زانياً محصناً، و مرتدّاً فهو خارج عن محلّ النزاع لأنّ حقوق اللّه غير قابل للإسقاط فلا فائدة في التقييد. (1) يلاحظ عليه: وجود الفرق بين الوضوء و الاغتسال، و الخيار و القتل، إذ لا شكّ في إمكان تعدّد الوضوء و الغسل و أمّا الخيار و القتل فيما إذا كانا من حقوق الناس فهما إمّا غير قابلين للتعدّد، أو خارجان عن محطّ البحث و ذلك لأنّه إن أُريد، منه صرف الخيار، و القتل فهما غير قابلين للتكرار لأنّ الأوّل عبارة عن ملك فسخ العقد، فلا يعقل تملّك الفسخ مرّتين، و مثله القتل، و إن أُريد، الخيار الجائي من قبل المجلس، و الجائي من العيب فهو و إن كان قابلًا للتعدّد لكنّه خارج عن محطّ البحث لوجود الدليل اللفظي على التعدّد فلا معنى للبحث عن التداخل و عدمه سبباً أو مسبّباً.

الرابع: إنّ الشرط قد يكون مختلفاً نوعاً مثل النوم و البول فيقع البحث في أنّه عند تقارنهما أو تعاقبهما مع عدم تخلل المسبّب بينهما هل تتداخل الأسباب أو لا؟

____________

(1)- فوائد الأُصول: 491/ 1.

376

و قد يكون متّحداً ماهية، متعدّداً مصداقاً فيقع البحث في أنّه مع تعدّد الفرد و عدم تخلل المسبّب، هل تتداخل الأسباب أو لا؟

الخامس: إنّ المحقّق الخراساني خلط بين التداخل في الأسباب و التداخل في المسبّبات و لم يعقد لكلّ عنواناً، و توضيح الحال يقتضي فصل أحدهما عن الآخر.

السادس: الأقوال في المسألة ثلاثة:

1 عدم التداخل مطلقاً و هو المشهور، و إليه ذهب الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني (قدس سرهما).

2 التداخل مطلقاً و هو المنسوب إلى المحقّق الخوانساري.

3 التفصيل بين اختلاف الشرط ماهية و اتحاده كذلك فالتداخل في الثاني دون الأوّل و هو المحكي عن ابن إدريس الحلي. حيث ذهب في مسألة تكرّر وطء الحائض إلى عدم تكرر الكفّارة و أنّ الأصل البراءة عن الزائد على المرّة الواحدة، بخلاف سجدتي السهو لكلّ زيادة و نقيصة فيجب لكلّ زيادة سجدتين لعدم الدليل على تداخل الأجناس المختلفة (1).

السابع: إنّ المحقّق الخراساني: قد تسلّم كفاية الامتثال الواحد إذا قلنا في المسألة السابقة بالوجه الثالث في كلامه و هو تقييد إطلاق كلّ من المنطوقين بالآخر فيكون الشرط لوجوب القصر هو خفاء الأمرين معاً كما يكون الشرط في المقام لوجوب الوضوء وجود الأمرين و تكون العلّة هي المجموع.

يلاحظ عليه: أنّه يأتي البحث أيضاً في التداخل و عدمه إذا تعدّد المجموع كما إذا بال و نام مرّتين فيطرح البحث السابق من التداخل و عدمه في الأسباب و المسبّبات.

إذا عرفت ذلك فنقول: يقع الكلام في مقامين:

____________

(1)- مطارح الأنظار: 185.

377

الأوّل: في حكم الأسباب من التداخل و عدمه استدل كل من القائل بعدم التداخل و القائل به، بجزء من القضية فالقائل بالعدم استدلّ بظهور الشرط في حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، و القائل بالتداخل استدل بإطلاق الجزاء الذي لا يصلح لأن يتعلّق به أزيد من وجوب واحد فصار الاستدلالان متعارضين، و كلّ رجّح دليله على الآخر بوجه من الترجيح، هذا إجماله و إليك التفصيل:

استدل القائل بعدم التداخل بأنّ ظاهر القضية الشرطية حدوث الجزاء (الوجوب) عند حدوث الشرط (سواء قلنا إنّه هو السبب أو كاشف عنه) و لازم ذلك هو تعدّد الوجوبين لا الوجوب الواحد و قد عرفت أنّ معنى عدم تداخل الأسباب هو تعدّد التكليف و الاشتغال و أنّ ظاهر كلّ قضية أنّ الشرط علّة تامة لحدوث الجزاء أعني الوجوب مطلقاً سواء وجد الآخر معه أو قبله أو بعده و ليس لعدم تداخل الأسباب معنى إلّا تعدّد الوجوب.

استدل القائل بالتداخل بأنّه لا يمكن الأخذ بهذا الظهور، لأنّ متعلّق الوجوب في كلا الموردين شي‏ء واحد و هو طبيعة الوضوء و من المعلوم أنّه يمتنع أن يكون الشي‏ء الواحد متعلّقاً للوجوبين و يقع موضوعاً لحكمين متماثلين، للغوية الجعل التأسيسي الثاني، أو لامتناع تعلّق إرادتين بموضوع واحد.

و لأجله يمتنع حفظ كلا الظهورين، فظهور القضية الشرطية من جهة يقتضي حدوث الجزاء عند الشرط و هو يلازم عدم التداخل، و من جهة أُخرى وحدة المتعلّق و كون الموضوع للوجوب هو نفس الطبيعة، تقتضي وحدة الحكم لا تعدّده. و هما لا يجتمعان فلا بدّ من رفع اليد عن أحد الظهورين. و عند ذاك كلّ من القائلين رفع التعارض بشكل خاص.

فقال القائل بالعدم بأنّه يكفي في تصحيح تعلّق الأمرين على الجزاء

378

تقدير» فرد آخر «في متعلّق أحد الجزاءين أو لفظة» مرّة أُخرى «و لا ضير في كون فرد من الطبيعة محكوماً بحكم، و الفرد الآخر منها محكوماً بحكم آخر فيؤخذ بظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث و يتصرّف في ناحية الجزاء.

و أمّا القائل بالتداخل فهو يتحفّظ على ظهور الجزاء في الوحدة و يتصرّف في الشرط بأحد النحوين التاليين:

1 منع دلالة القضية الشرطية على الحدوث عند الحدوث بل على الثبوت عند الحدوث، أي ثبوت الوجوب، أعمّ من كونه نفس الوجوب السابق أو الوجوب الجديد. (1) 2 الالتزام بحدوث الوجوب عند حدوث الشرط لكنّه لا يلزم أن يكون وجوباً تأسيسياً بل يكفي كونه تأكيداً للوجوب الأوّل إذا وقع متأخّراً.

و بهذين الوجهين ترتفع الغائلة أي تعارض ظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث، مع ظهور الجزاء في وحدة متعلّق الحكم و الوجوب.

ثمّ إنّ المعروف بين المتأخرين تقديم ظهور الشرط في الحدوث عند الحدوث على وحدة متعلّق الوجوب و قد أيّد ذلك بوجوه:

الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني تبعاً للشيخ الأعظم و حاصله:

إنّ مقتضى القاعدة تقديم ظهور القضيتين الشرطيتين في تعدّد الجزاء على ظهور الجزاء في وحدة متعلّق الوجوبين المقتضية كون الآخر مؤكداً، ذلك لأنّ دلالة القضية الشرطية على الحدوث عند الحدوث، بالدلالة اللفظية الوضعية و دلالتها عليه، لا يتوقّف على شي‏ء آخر غير نفسها و هذا بخلاف دلالة الجزاء

____________

(1)- ذكر المحقّق الخراساني بعد هذا الوجه وجهاً آخر أعني قوله:» أو الالتزام بكون متعلّق الجزاء ... «و المناسب ذكره في مقام تداخل المسبّبات و نحن بصدد بيان حال الأسباب و قد تقدّم في بعض الأُمور أنّ المحقّق الخراساني خلط بين المقامين.

379

(فتوضّأ) على وحدة متعلّق الحكمين فانّه بالإطلاق و مقدّمات الحكمة بمعنى أنّ المتكلّم إذا كان في مقام البيان و لم يجعل تحت دائرة الطلب سوى نفس الطبيعة من دون أن يتقيّد بقيد، يكشف ذلك عن كون المتعلّق أمراً واحداً فدلالته على الوحدة معلّق على عدم البيان في مورد النطق، و لكن ظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث كاف لأن يكون بياناً و تكون النتيجة كون متعلّق الوجوب في كلّ من القضيتين شيئاً غير الآخر، و ليس ذاك إلّا كون المحكوم بالوجوب في كلّ فرد، يغاير متعلّق الآخر. (1) يلاحظ عليه: أنّ المقام من قبيل تعارض الإطلاقين، لا من قبيل تعارض الدليل اللفظي مع الإطلاق و ذلك لأنّ دلالة القضية الشرطية على الحدوث عند الحدوث و إن كان بالوضع، لكن دلالة الشرط على كونها كذلك مطلقاً سواء أسبقه شرط أم قارنه أو تأخّر عنه، إنّما هو بالإطلاق، فلا وجه لتقديم أحد الإطلاقين على الآخر، إذ كما أنّ ذاك الإطلاق يمكن أن يكون رافعاً أو مقيداً للإطلاق المستفاد من وحدة متعلّق الوجوب، هكذا يمكن أن يكون إطلاق متعلّق الجزاء كاشفاً عن أنّ الحدوث عند الحدوث فيما إذا تفرّد الشرط، لا ما إذا سبقه الآخر أو قارنه ففيه التأكيد لا التأسيس، فالترجيح حينئذ بلا وجه.

إلى هنا تبيّن أنّ ما ذكره من الدليل لترجيح التصرّف في الذيل على التصرّف في الصدر و بالتالي لترجيح عدم التداخل على مقابله غير تام.

الثاني: ما أفاده المحقّق الأصفهاني من أنّه نسبة الصدر إلى الذيل نسبة ذات الاقتضاء إلى فاقد الاقتضاء حيث إنّ متعلّق الجزاء نفس الماهية المهملة، و الوحدة و التعدّد خارجان عنها، بخلاف أداة الشرط فانّها ظاهرة في السببية المطلقة و لا تعارض بين المقتضي و اللااقتضاء. (2)

____________

(1)- كفاية الأُصول: 315/ 1.

(2)- نهاية الدراية: 326.

380

يلاحظ عليه: أنّ منشأ التعارض، ليس دلالة القضية الشرطيّة على الحدوث عند الحدوث، بل منشؤه، الإطلاق المنعقد فوقه و هو الحدوث عند الحدوث مطلقاً، سواء أ كان الشرط مقدّماً أم مؤخّراً أو مقارناً، و على ذلك تكون دلالة القضية الشرطية على السببيّة في جميع الحالات من جهة الإطلاق، و المفروض أنّه موجود في جانب الجزاء أيضاً فإنّ إطلاقه يصلح لأن يكون قرينة على أنّ الحدوث عند الحدوث إذا كان الشرط واحداً، لا اثنين، ففيه يكون المفاد الثبوت عند الحدوث فلا وجه للترجيح.

الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني و حاصله:

أنّ ظهور الجملة الشرطية في كونها انحلالية أظهر من اتّحاد الجزاء في القضيتين و ذلك لأنّه لا شبهة أنّ القضية الشرطية كالقضية الحقيقية فكما أنّ قوله:» المستطيع يحجّ «عام لمن استطاع في كلّ وقت فكذلك قوله:» إن استطعت فحجّ «، و لازم الانحلال أن يترتّب على كلّ شرط جزاء غير ما رتّب على الآخر فيكون هذا قرينة للجزاء و يصير بمنزلة أن يقال:» إذا بلت فتوضّأ، و إذا بلت ثانياً فتوضّأ وضوءاً آخر «. (1) يلاحظ عليه: أنّه إن أراد بالانحلال، انحلال القضية إلى قضية دائميّة و أنّ معنى قوله:» إذا بُلت فتوضأ «أنّه كلّما بُلت فتوضّأ، فالدلالة على تعدّد الوجوب عندئذ و إن كانت لفظيّة لا إطلاقيّة لكن الكلام في كون القضية الشرطية بمنزلة القضية الدائمية.

و إن أراد من الانحلال كما قلنا في محلّه وجود الحجّة في كلّ مورد على وجوب الوضوء فهو و إن كان صحيحاً لكن دلالته على الوجوب في جميع الحالات من السبق و اللحوق و المقارنة بالإطلاق مثل دلالة الجزاء على كون متعلّق الوجوب أمراً واحداً.

____________

(1)- فوائد الأُصول: 494/ 1.

381

الرابع: ما ذكره سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه و حاصله: إنّ المرتكز في الأذهان هو طلب كلّ سبب تكويني معلولًا خاصّاً به، لا معلولًا مشتركاً بين السببين فكلّ من النار و الشمس مبدأ لحرارة خاصّة من غير فرق بين أن يتقارنا أو يتقدّم أحدهما على الآخر. فإذا كان هذا هو المرتكز في الأذهان، فإذا سمع صاحب الارتكاز من صاحب الرسالة قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» إذا نمت فتوضأ و إذا بلت فتوضأ، ينتقل إلى أنّ كلّ من النوم و البول يطلب وجوباً مستقلًا و أنّ أثر كلّ واحد، غير أثر الآخر. و الارتكاز الحاصل له في مورد التكوين، يوجب انعقاد ظهور خاص للقضية و هو حدوث الوجوب عند حدوث كلّ شرط، مستقلًا من غير فرق بين صورة التقارن و غيرها و هذا ظهور عرفي، لا ربط له بالظهور الإطلاقي و لأجل ذلك يقدّم على ظهور الجزاء في وحدة المتعلّق الآبية عن تعلّق الوجوبين أو الإرادتين به و لا يمكن الاحتفاظ بهذا الظهور إلّا بتقييد الجزاء بنحو يقبل تعدّد الوجوب. (1) فإن قلت: إنّ قياس التشريع على التكوين أمر غير صحيح، فلا وجه لطلب العلل التشريعية تعدد المعلول بحجّة أنّ العلل التكوينية كذلك.

قلت: إنّ القياس و إن كان باطلًا، لكن العرف لبساطته يحكم على الجميع، بحكم واحد و يكون المتبادر عنده هو الحدوث عند الحدوث من غير فرق بين وحدة السبب و تعدده و مثل هذا الظهور المتبادر، حجّة، و لعلّه إلى ما ذكرنا يشير المحقّق الأصفهاني من وجه عدم التداخل: انّ العرف إذا القي إليه القضيتان فكأنّه يرى مقام الإثبات مقروناً بمقام الثبوت ويحكم بمقتضى تعدّد السبب، بتعدّد الجزاء من غير التفات إلى أنّ مقتضى إطلاق المتعلّق خلافه و هذا المقدار من الظهور العرفي كاف في المقام. (2)

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 443/ 1.

(2)- نهاية الدراية: 326/ 1.

382

دليل من رجّح ظهور الجزاء في الوحدة على ظهور الشرط

ثمّ إنّ السيد المحقّق البروجردي ذهب إلى لزوم التداخل قائلًا بأنّه إذا قال المولى:» إذا بُلت فتوضّأ «و قال:» إذا نمت فتوضّأ «فإمّا أن يكون متعلّق الوجوب نفس الحيثية المطلقة أعني طبيعة الوضوء لكنّه محال إذ الفرض وحدة المكلِّف و المكلَّف و المكلّف به و صرف الشي‏ء لا يتثنّى و لا يتكرّر فكيف يتعلّق الوجوبان بأمر واحد فلا بدّ أن يقال بتقييد كليهما أو واحد منهما بنحو من أنحاء التقييد كأن يقال توضّأ وضوءاً آخر و لكنّه غير صحيح بوجهين:

الأوّل: أنّه ربّما يكون البول مقدّماً و أُخرى يكون مؤخّراً فلا يمكن أن يقال في صورة التقدّم فتوضّأ وضوءاً آخر.

الثاني: إنّ هذا الكلام إنّما يصحّ إذا كان أحد الخطابين ناظراً إلى الآخر و لا يمكن الالتزام به. (1) يلاحظ عليه: أنّه لو انحصر الإشكال في علاج وحدة متعلّق الجزاء فالأمر سهل لإمكان تقييده بقيد آخر بأن يقال: إذا بلت توضّأ وضوءاً لأجل البول، و إذا نمت فتوضّأ وضوءاً لأجل النوم فيندفع الإشكالان.

*** الكلام في تداخل المسبّبات و عدمه‏

قد ثبت في البحث السابق أنّ كلّ سبب علّة لوجوب مستقلّ و حينئذٍ يقع الكلام في مقام آخر و هو أنّ تعدّد الوجوب هل يقتضي تعدّد الواجب أو لا؟

____________

(1)- نهاية الأُصول: 279278.

383

و بعبارة أُخرى كما أنّ تعدّد السبب يقتضي تعدد الوجوب فهل هو أيضاً يقتضي تعدد الواجب أو لا يقتضي، إلّا تعدّد الوجوب فقط، أمّا تعدّد الواجب فلا لإمكان الاكتفاء بالامتثال الواحد نظير امتثال قوله: أكرم العالم و أكرم الهاشمي، بضيافة العالم الهاشمي و قد عرفت أنّ المشهور هو عدم التداخل و هو خيرة الكفاية.

ذكر المحقّق الخراساني وجهاً للتداخل و هي أنّ الذمّة و إن اشتغلت بتكاليف متعدّدة حسب تعدّد الشروط إلّا أنّ الاجتزاء بواحد لكونه مجمعاً لها كما في» أكرم هاشمياً «و أضف عالماً، فأكرم العالم الهاشمي بالضيافة ضرورة أنّه بضيافته بداعي الأمرين يصدق أنّه امتثلهما و لا محالة يسقط الأمر بامتثاله و موافقته و إن كان له امتثال كلّ منهما على حدة.

ثمّ أورد على نفسه بأنّه يلزم من القول بالتداخل، اجتماع الحكمين المتماثلين فيه فأجاب عنه بأنّه لا يلزم من انطباق عنوانين واجبين على واحد، اتصافُ المورد بوجوبين، بل يكون ذلك منشأ لاتّصافه بالوجوب و انتزاع صفته له. (1) يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من قوله:» يكون ذلك منشأ لاتّصافه بالوجوب و انتزاع صفته له «إنّما يصحّ على القول بجواز الاجتماع إذ عندئذ يكون متعلّق كلّ من الوجوبين، غير متعلّق الآخر، و يكون سبباً لانتزاع وصف الواجب عن المصداق الخارجي.

و أمّا على القول بالامتناع و أنّ متعلّق الوجوب هو فعل المكلّف و ما هو في الخارج يصدر عنه كما نصّ عليه في المقدّمة الثانية عند بيان الامتناع فيلزم اجتماع الوجوبين في مورد واحد فيكون الخارج متعلّق له و مراداً بإرادتين كما لا يخفى.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 316/ 1.

384

أدلّة القائلين بعدم التداخل‏

و المراد من تداخل المسبّبات، ليس بمعنى تداخل الوجوب في الوجوب، فإنّ مرجع ذلك إلى تداخل الأسباب بل المراد تداخلها في مقام الامتثال و الاكتفاء بمصداق واحد إذا عرفت هذا فاعلم أنّ القول المشهور هو عدم التداخل في المسبّبات و لازم ذلك، القول بعدمه في الأسباب أيضاً و استدلّ عليه بوجوه:

الأوّل: ما استدل به العلّامة في المختلف و نقله السيد الصدر في شرح الوافية على ما حكاه الشيخ الأعظم في المطارح و إليك بيانه:

إذا تعاقب السببان أو اقترنا فإمّا أن يقتضيان مسببين، أو مسبّباً واحداً، أو لا يقتضيان شيئاً، أو يقتضي أحدهما شيئاً دون الآخر، و الثلاثة الأخيرة باطلة فتعيّن الأوّل و هو المطلوب، أمّا الملازمة فلانحصار الصور في المذكورات و أمّا بطلان التوالي: أمّا الأوّل (من الثلاثة الأخيرة) فلما عرفت سابقاً من أنّ النزاع المذكور مبني على خلافه، و أمّا الثاني: فلأنّ ذلك خلاف ما فرضناه من سببيّة كلّ واحد منهما على ما يقتضيه الدليل، و أمّا الثالث: فلأنّ استناده إلى المعيّن يوجب الترجيح بلا مرجّح مع أنّه خلاف المفروض من دليل السببيّة، و إلى غير المعيّن يوجب الخلف المذكور.

ثمّ قال الشيخ الأعظم: و اعلم أنّ محصل الوجه المذكور ينحلّ إلى مقدّمات ثلاث:

إحداها: دعوى تأثير السبب الثاني.

الثانية: أنّ أثره غير أثر الأوّل.

الثالثة: أنّ تعدّد الأثر يوجب تعدّد الفعل. فالقائل بالتداخل لا بدّ له من‏

385

منع إحدى المقدّمات المفروضة على سبيل منع الخلو. (1) أقول: إنّا نمنع المقدّمة الثالثة، أي كون تعدّد الأثر (أي الوجوب) يقتضي تعدّد الامتثال و أيّ دليل على الملازمة بين تعدّد الوجوب، و تعدّد الامتثال، و لما ذا لا يكفي، إيجاد مصداق ينطبق عليه كلا العنوانين إذ المعتبر في تحقّق الامتثال، الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر خارجاً و المفروض انطباقه عليه كما في المثال الوارد في كلام المحقّق الخراساني، ما لم يدلّ دليل على كون الغرض قائماً بامتثالين كما سيوافيك في أبواب الضمانات، و الغرامات، و النذور.

الثاني: إنّ متعلّق التكاليف هو الفرد المغاير للفرد الواجب بسبب الأوّل و لا يعقل تداخل فردين من ماهية واحدة بل لا يعقل ورود دليل على التداخل أيضاً على ذلك التقدير إلّا أن يكون ناسخاً لحكم السببيّة.

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر المراد من قوله: إنّ متعلّق التكاليف هو الفرد المغاير للفرد الواجب بالسبب الأوّل هو تقييد متعلّق الوجوب في السبب الثاني بلفظة» آخر «أي إذا نمت فتوضّأ، و إذا بلت فتوضّأ وضوءاً آخر و عندئذ يصحّ أن يقال إنّ التداخل بين الفردين غير ممكن.

و أنت خبير بعدم تماميته لأنّ إيجاد التكثّر في متعلّق الجزاء» الوضوء «لا يتوقّف على تقدير لفظ (آخر) إذ يمكن إيجاد التكثّر في متعلّق الجزاء بوجه آخر و هو الذي أشرنا إليه عند الإجابة على إشكال المحقّق البروجردي و هو تعليق كلّ جزاء (وجوب الوضوء) بشرطه، فيقال: يجب الوضوء وجوباً ناشئاً من البول أو من النوم و عندئذ يصحّ امتثالهما بفعل واحد.

و إن شئت قلت: ليس كلّ تقييد يجعل المقيّد كالمتباينين كما هو الحال في قولنا الإنسان الأبيض و الإنسان الأسود بل ربّما يكون التقييد سبباً لكونهما عامين‏

____________

(1)- مطارح الأنظار، 181 و لم نعثر عليه في المختلف و لكن لاحظ: 191/ 1921.

386

من وجه و يجتمعان في مصداق كالإنسان العالم و الإنسان الهاشمي و مثله المقام فلو قيّد متعلّق الجزاء بلفظ (آخر) يكون بين متعلقي الوجوبين تباين و أمّا إذا قيّد كلّ وجوب بشرطه المتقدّم فربّما يفترقان كما إذا امتثل كلّ وجوب على حدة و أُخرى يجتمعان كما إذا امتثلهما بنيّة واحدة.

الثالث: ما استدل به المحقّق النائيني و هو، أنّ الأصل عدم سقوط الواجبات المتعدّدة بفعل واحد و لو كان ذلك بقصد امتثال الجميع في غير ما دلّ الدليل على سقوطها به كما هو الحال في سقوط أغسال متعدّدة بغسل الجنابة، أو بغسل واحد نوى به سقوط الجميع و كما في ارتفاع أفراد الحدث الأصغر بوضوء واحد.

و بالجملة الأصل العملي يقتضي عدم سقوط الواجبات المتعدّدة ما لم يدلّ على سقوطها دليل بالخصوص.

نعم يستثنى من ذلك مورد واحد و هو ما إذا كانت النسبة بين الواجبين عموماً و خصوصاً من وجه كما في قضية أكرم عالماً و أكرم هاشمياً فإنّ إكرام العالم الهاشمي يكون مسقطاً لكلا الخطابين و لا يعتبر في تحقّق الامتثال إلّا الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ البحث في التداخل و عدم التداخل في كلتا المرحلتين حول مقتضي الأدلّة الاجتهادية و ليس الكلام في مقتضى الأُصول العملية فالاستدلال بالأصل مع إمكان الاستدلال بالدليل الاجتهادي، غير تام.

و ثانياً: أنّه لم يعلم الفرق بين المقام و مسألة العموم و الخصوص من وجه إذ لو كان المعتبر عند العقل في تحقّق الامتثال، الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر خارجاً، فيجب القول بالتداخل في المقام، لأنّه ينطبق على الوضوء الواحد عنوان‏

____________

(1)- أجود التقريرات: 432/ 1.

387

التوضؤ المأخوذ في الجزاء، إذ المفروض أنّ الجزاء عبارة عن قوله:» يجب عليك الوضوء الناشئ من جانب البول أو النوم «.

و الحقّ أن يقال: إنّه إذا كان ما به الامتثال مصداقاً للجزاء الموجود في كلتا القضيتين، فالعرف يراه امتثالًا لكلا الأمرين من دون حاجة إلى امتثال آخر بفرد آخر، نعم ربّما تقوم القرينة على عدم التداخل، كما في باب الضمانات و الغرامات، فإذا أتلف عليه ثوبين من صنف واحد فلا يجوز الاقتصار بدفع ثوب واحد أو قيمته لأنّ الضمان لجبر الخسارة الواردة عليه و هو لا يحصل إلّا بدفع الثوبين أو قيمتهما. و مثله باب النذر و العهد، فلو نذر ذبح شاة للّه لقضاء حاجة خاصة، ثمّ نذر ذبحها أيضاً لقضاء حاجة أُخرى، ثمّ قضي له الحاجتان فالقرينة دالّة على عدم التداخل، و مثله باب الحدود و الدّيات.

و بالجملة كلّما قامت قرينة على لزوم تعدد الامتثال، فهو و إلّا فإذا كان العمل الخارجي مصداقاً لكلا الواجبين فالظاهر كفايته.

بقي الكلام في أُمور:

الأوّل: في نظرية ابن إدريس:

حكي عن ابن إدريس الحلّي الفرق بين ما كان السبب من جنس واحد كتكرر وطء الحائض، أو من أجناس متعدّدة، كزيادة الفعل و الذكر في الصلاة فاختار في الأوّل التداخل دون الثاني فتجب لكلّ سجدة مستقلّة. و احتمل في الكفاية أن يكون نظره إلى عدم صحّة التمسّك بعموم اللفظ فيما إذا كان من جنس واحد لأنّه من أسماء الأجناس فمع تعدّد أفراد الشرط الواحد لم يوجد إلّا السبب الواحد، بخلاف ما إذا كان من جنسين لكون كلّ معه سبب فلا وجه لتداخلهما، و يقرب منه ما نقله الشيخ عنه حيث قال في مسألة تكرار الكفّارة عند

388

تكرّر الوطء، و أمّا العموم فلا يصحّ التعلّق به في هذه المواضع لأنّ هذه أسماء أجناس، إذا اختلف الجنس فالأولى عندي بل الواجب الإتيان عند كلّ جنس بسجدتي السهو لعدم الدليل على تداخل الأجناس. (1) يلاحظ عليه: ما ذا أراد من اتّحاد الجنس: إن كان المراد السبب» الواحد النوعي «، فهو حقّ و لكن لا يثبت مقصوده إذ لا منافاة بين الوحدة النوعية للشرطين، و تعدّد الشرط خارجاً، و إن كان المراد الواحد الشخصي فهو باطل لأنّه متعدّد و السبب هو الفرد الخارجي المتعدّد، لا الواحد النوعي الذي لا وجود له إلّا في الذهن.

الثاني: في نظرية فخر المحقّقين:

حكي عن الفخر أنّه جعل مبنى المسألة على أنّ الأسباب الشرعية معرّفات و كواشف أو أنّها مؤثّرات و على الأوّل الأصل هو التداخل بخلافه على الثاني. (2) يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الأوّل و لكن كما يحتمل كونها كواشف عن علّة متداخلة، كذلك يحتمل أن يكون كل كاشفاً عن علّة مستقلّة خاصّة. فعندئذ يطلب كلّ واحد معلولًا مستقلًا فليس القول بالكاشفية ملازماً للتداخل.

و نختار الشق الثاني، من أنّ العلّتين المتعدّدتين كما يمكن أن تكونا مؤثّرتين بنفسيهما، يحتمل أن تكونا مؤثرتين بجامعهما و عندئذ يؤثر الجامع الواحد في المعلول الواحد فتأمّل.

الثالث: لو لم نصل عن طريق الأدلّة الاجتهادية إلى نتيجة قطعية فما هو مقتضى الأصل العملي في المقام؟

____________

(1)- تقريرات الشيخ: 181.

(2)- كما في مطارح الأنظار: 180.

389

أقول: إنّ مقتضى الأصل عند الشك في تداخل الأسباب و عدمه هو البراءة لأنّ الشكّ في حدوث وجوب زائد على الواحد، كما أنّ مقتضى الأصل عند الشكّ في المسبّبات هو الاشتغال، للشكّ في سقوط الوجوب بالامتثال الواحد.

الرابع: إنّ البحث فيما إذا كان للوجوب سببان كالنوم و البول‏

و أمّا إذا كان هناك أمران من دون ذكر السبب كما إذا قال:» صم يوماً «ثمّ بعد سكوت ما قال:» صم يوماً «فهو خارج عن حريم النزاع و إنّما يبحث عنه من جهة أنّ الأصل في الأمر هو التأسيس أو التأكيد.

الخامس: في تبيين مفهوم القضية السالبة الكلّية

قد عرفت أنّ المفهوم عبارة عن انتفاء الحكم المذكور في المنطوق عند انتفاء الشرط و يعتبر في المفهوم أمران:

1 انتفاء الشرط حين انتفاء الجزاء.

2 وحدة القضية المنطوقية و المفهومية في الموضوع و القيود الموجودة في المنطوق إلّا في السلب و الإيجاب و بعبارة أُخرى يجب أن يكون الحكم الثابت في المفهوم نقيض ما ثبت في المنطوق و لا يتحقّق ذلك إلّا بوحدة الموضوع و القيود الموجودة في القضية المنطوقة، فلو قال: إن سلّم عليك زيد يوم الجمعة فأكرمه، فمفهومه إن لم يسلّم عليك زيد في ذلك اليوم، فلا يجب إكرامه فيه، و أمّا غيره من أيّام الأُسبوع فالقضيتان ساكتتان عنه.

ثمّ إنّ من القيود، العموم، و هو على قسمين، فتارة يكون الدال عليه لفظاً موجوداً في القضية المنطوقية، فيكون محفوظاً في القضية المفهومية و أُخرى يكون مستفاداً من سياق الكلام. ثمّ إنّ العموم المأخوذ في المنطوق تارة يكون عاماً مجموعياً، و أُخرى عاماً استغراقياً أمّا الأوّل كقولنا:» إن جاءك زيد فتصدّق بجميع‏

390

أموالك «يكون مفهومه أنّه إن لم يجئ لا يجب عليك التصدّق بجميع أموالك فالاختلاف بين القضيتين في الكيف مع حفظ سائر القيود، و لو دلّ دليل على وجوب التصدّق ببعض أمواله لا يعدّ معارضاً للمفهوم و أمّا الثاني فكما قال: إذا جاءك زيد فأكرم العلماء أي كلّ واحد، و يكون مفهومه إن لم يجئك زيد فلا تكرم العلماء أي كلّ واحد منهم، و الحاصل يجب أن يكون المنطوق و المفهوم متطابقين في جميع القيود المعتبرة في الكلام، و الاعتبارات اللاحقة له إلّا الإيجاب و السلب.

و ما ذكرناه مختصّ بما إذا كان القيد مذكوراً في الكلام حتّى ينتقل إلى المفهوم بعينه و أمّا لو كان العموم مستفاداً من سياق الكلام كالنكرة في سياق النفي كما مرّ، فبما أنّ المفهوم على طرف النقيض من المنطوق من جهة الكيف، يكون المفهوم حكماً إيجابياً فلا يمكن الأخذ بالقيد في جانبه فإذا قال: إذا جاءك زيد لا تكرم أحداً يكون المفهوم إذا جاءك زيد فأكرم أحداً لا أكرم كلّ أحد، لأنّ العموم كان مستفاداً من سياق الكلام، و المفروض انقلابه إلى سياق آخر فكيف يمكن التحفظ على القيد في جانب المفهوم؟

و بذلك يعلم أنّ الاختلاف بين العلمين: الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية و الشيخ الأعظم الأنصاري في مفهوم قوله (عليه السلام):» إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي‏ء « (1) حيث ذهب الأوّل إلى أنّ مفهومه» إذا لم يكن قدر كرّ ينجسّه شي‏ء «، و ذهب الثاني إلى أنّ مفهومه» إذا لم يكن قدر كرّ ينجّسه كلّ شي‏ء من النجاسات «ليس على أساس صحيح و ذلك لأنّ أساس الاختلاف إنّما هو التحفظ على القيد في المفهوم مثل ما في المنطوق و لكنّه إنّما يصحّ إذا كان القيد موجوداً في الكلام يمكن حفظه في كلتا القضيتين و أمّا إذا كان القيد معنوياً مستفاداً من السياق فلا يمكن حفظه عند انقلاب القضية إلى كيف آخر، فلأجل ذلك فالحقّ مع الشيخ صاحب الحاشية و أنّ مفهومه هو ينجّسه شي‏ء من‏

____________

(1)- الوسائل، الجزء الأوّل، الباب 90 من أبواب الماء المطلق، الحديث 21.

391

النجاسات و ليس مفهومه ينجّسه كلّ شي‏ء بحجّة لزوم حفظ القيد في كلتا القضيتين.

و بذلك يعلم عدم تمامية ما أفاده الشيخ الأعظم في مفهوم الحديث الشريف حيث قال:» و من هنا (لزوم حفظ القيود بتمامها في المنطوق و المفهوم) يعلم صحّة ما أفاده بعض الأساطين من قوله (عليه السلام):» إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شي‏ء «فانّ مفهومه أنّه إذا لم يكن قدر كرّ ينجسه كلّ شي‏ء من النجاسات، و فساد ما قيل من» أنّ لازم القضية المذكورة نجاسة الماء غير الكرّ بشي‏ء من النجاسات و هو مجمل لا يفيد و لا يلزم منه النجاسة، بكلّ شي‏ء من النجاسات «.

ثمّ رتّب الشيخ على مختاره و قال: إنّ ما دلّ على عدم نجاسته في الاستنجاء يعارض عموم المفهوم مثل ما دلّ على نجاسته إذا كان عالياً. (1) يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان القيد المفهوم منه العموم مجموعياً كان أو استغراقياً قابلًا للانتقال إلى المفهوم حتى يكون الاستغراق الموجود في المنطوق مأخوذاً في المفهوم و أمّا إذا كان العموم مستفاداً من سياق النفي، فيكون قائماً بالسياق فإذا تبدّل سياق النفي إلى الإيجاب ينتفي ما يدلّ على العموم فلا يمكن أخذه في المفهوم حتّى يكون إيجاباً استغراقياً و يكون مفهومه موجبة كلية، بل يتعيّن كونه موجبة جزئية.

و لعلّ هذا المقدار من البحث كاف و لا نطيل الكلام، و قد أفاض شيخنا الأُستاذ الكلام في المقام في الدورة السابقة و لكنّه اختصر الكلام في هذه الدورة. و إليك ما أفاده في الدورة السالفة.

قال مدّ ظلّه: هذا هو الحقّ الصراح و ليس شي‏ء بعده و هل وراء عبّادان قرية و لعلّ بين الحضار من يرغب إلى دراسة دليل الشيخ الأعظم فنقول‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 178.

392

استدل له بوجهين:

الأوّل: إنّ العموم لوحظ مرآة و آلة للحاظ الأفراد فكأنّه لم يُذكر في القضية إلّا الأحكام الجزئية المتعلّقة بالأفراد، فيكون تعليق هذا الحكم المنحلّ إلى أحكام جزئية، منطبقة عليها، مخالفة معها في الإيجاب و السلب و هو أنّه إذا لم يكن قدر كر ينجّسه هذا و هذا و ذاك و هو الموجبة الكلية.

و إليه يشير المحقّق النائيني (رضوان اللّه عليه) بقوله: إن كان المعلّق على الشرط بحسب ظاهر القضية الشرطية هو نفس عموم الحكم و شموله مثل العام المجموعي فلا محالة يكون المنتفي بانتفاء الشرط هو عموم الحكم أيضاً فلا يكون المفهوم حينئذ إلّا موجبة جزئية و أمّا إذا كان المعلّق على الشرط هو الحكم العام أعني به الحكم المنحلّ إلى أحكام عديدة بانحلال موضوعه إلى أفراده و مصاديقه كان المعلّق في الحقيقة على وجود الشرط حينئذ، هو كلّ واحد واحد من تلك الأحكام المتعدّدة فيكون المنتفي عند انتفاء الشرط هو كلّ واحد من تلك الأحكام. (1) يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الأصل و التوضيح مبنيان على تصوّر كون القضية المحصورة حكماً على الأفراد تفصيلًا بحيث يكون هناك أحكام عديدة حسب وجود الموضوعات جمعت في جملة واحدة و ليس كذلك.

بل معناها هو الحكم على الأفراد بعنوان إجمالي مشير إليها و لكن كون كل فرد موضوعاً لحكم خاص ليس مدلولًا للفظ و إنّما هو بحكم العقل بتطبيق العنوان المأخوذ في القضية عليه، و إلّا يلزم وجود إرادات كثيرة حسب تعدّد الأفراد في صفحة النفس.

و إن كنت في ريب فلاحظ قولك:» أكرم كلّ عالم «ترى فيه حكماً واحداً

____________

(1)- أجود التقريرات: 421/ 1.

393

على عنوان، و هو» كل عالم «قابلًا للانطباق على الكثير، و بالانطباق يحتجّ المولى على العبد، كما يحكم به العقل، من دون أن يكون هناك إرادات و إنشاءات، و من دون فرق بين الإنشاء و الإخبار فقولك: كلّ نار حارّة، إخبار واحد عن عنوان واحد ينطبق على كثير، و يصحّ أن يقع حجّة للسامع أنّه أخبر عن هذا و ذاك، لا أنّ هناك إخبارات و إلّا فلو كانت القضية كاذبة يلزم عليه أن يكذب حسب تعدد الأفراد.

و إن شئت قلت: إنّ القضية المحصورة برزخ بين القضايا الطبيعية (الحيوان جنس) التي يترتّب فيها الحكم على نفس الطبيعة من دون أن يكون فيها شائبة تكثّر، و القضايا الشخصية التي يترتّب الحكم فيها على نفس الأفراد بكثراتها.

و القضية البرزخية بينهما هي القضية المحصورة، فليس الحكم فيها مترتّباً على نفس الطبيعة بما هي هي و لا على ذات الأفراد بكثرتها، بل الحكم على عنوان إجمالي ينطبق على كلّ واحد واحد من الأفراد عند التحليل، و الموضوع هو نفس العنوان الإجمالي الاسمي الذي هو وسيلة لعبور الذهن منه إلى المصاديق و الأفراد، فهناك حكم واحد على العنوان إنشاءً و إن كان يتكثّر تحليلًا.

و على ذلك فالموضوع في منطوق قوله (عليه السلام):» الماء إذا كان قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء «ليس هو الكثرات من هذا و ذاك حتّى يصحّ ما ذكره و يتبع المفهومُ المنطوقَ، بل الموضوع ذاك العنوان الإجمالي القابل للانطباق على الكثرات، و قد ترتّب عليه حكم واحد، فعند ذاك يصير مفهومه: إذا لم يكن كرّاً يرتفع ذاك الحكم الكلي المترتّب على ذاك العنوان الإجمالي، و ارتفاع ذاك الحكم الكلي لا ينافي عدم ارتفاعه في بعض الموارد بأن لا ينفعل الماء القليل في بعض الموارد و الحاصل أنّ ارتفاع الكرّية يوجب ارتفاع الحكم بسعته و عمومه لا عن أصله و لا ينافي ذلك وجوده و ثبوته لا بذاك السعة بأن ينفعل الماء القليل في مورد و لا ينفعل في مورد آخر.

394

و حاصل الكلام: أنّ المعيار في أخذ المفهوم هو مقام الإثبات لا مقام الثبوت، فالقضية و إن كانت متعدّدة حسب الثبوت و كلّ قضية معلّقة على شرط، لكنّه في مقام الإثبات قضية واحدة لها تعليق واحد، فإذا انتفى الشرط يكون مفهومه انتفاء الحكم الواحد عن هذا العنوان العام، و من المعلوم أنّ انتفاءه عن مثله لا يتوقّف على انتفائه عن جميع الأفراد بل يكفي انتفاؤه عن بعض الأفراد.

الثاني: أنّ مناط اشتمال القضية على المفهوم هو إثبات كون الشرط علّة منحصرة للجزاء فإذا كانت الكرّية هي العلّة الوحيدة للعاصمية فعندئذ، ترفع العاصمية بارتفاع الكرّية فلو لم ترتفع العاصمية في بعض الموارد مع ارتفاع الشرط المنحصر لزم الخلف و يلزم أن يكون هناك عاصم آخر غير الكرّية.

و إلى ما ذكرنا يشير شيخ مشايخنا العلّامة الحائري في درره بقوله:» إنّه بعد فرض حصر العلّة في الكرّية يلزم أن لا يكون لبعض أفراد العام علّة أُخرى إذ لو كان لبعض الأفراد علّة أُخرى يتحصّل المجموع من علّتين و هذا خلف و لازم ذلك في القضية المذكورة الإيجاب الكلي في صورة عدم الكرّية و هذا واضح «. (1) يلاحظ عليه: أنّ الكرّية علّة منحصرة للحكم الوسيع و العاصمية العامة، و بارتفاعها يرتفع ذاك الحكم الوسيع قطعاً و لا ينافي ارتفاع ذاك الحكم الوسيع، مع ثبوته في بعض الموارد و عدم انفعال الماء القليل ببعض النجاسات.

و إلى ما ذكرنا من الجواب يشير سيّدنا المحقّق البروجردي بقوله:» علّية الشرط بنحو الانحصار إنّما هي بالنسبة إلى حكم الجميع لا كلّ فرد فرد بالاستقلال، فعلّة الموجبة الكلّية مثلًا تنحصر في الشرط و هذا لا ينافي إمكان استناد الحكم في بعض الأفراد إلى علّة أُخرى عند عدم ثبوت الحكم للجميع «. (2)

____________

(1)- درر الأُصول: 167/ 1.

(2)- نهاية الأُصول: 281.

395

فالحقّ ما ذهب إليه الشيخ محمد تقي تبعاً للمحقّق القمي و صاحب المعالم على ما حكاه الشيخ في تقريراته، فمفهوم قوله:» لا ينجّسه شي‏ء «أنّه ينجّسه شي‏ء لا أنّه ينجّسه كل النجاسات.

و لكن الاستدلال المنقول من صاحب الحاشية ضعيف حيث استدلّ بأنّ نقيض السالبة الكلية، هو الموجبة الجزئية كما أنّ نقيض الموجبة الكلية هو السالبة الجزئية فإنّ رفع السلب الكلي يتحقّق بالإيجاب الجزئي كما أنّ رفع الإيجاب الكلّي يتحقّق بالسلب الجزئي.

و فيه: أنّ الميزان في الأخذ بالمفهوم هو التفاهم العرفي لا الموازين الدقيقة العلمية فالمتّبع هو المتبادر سواء أ وافق الحكم العقلي أم لا. نعم المتبادر في المقام، مطابق لما ذكره المنطقيون.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني ذهب إلى عدم الثمرة لهذا النزاع لعدم القول بالتفصيل بين النجاسات فلو ثبت انفعالُ ماء القليل بالبعض، يثبت بالكلّ لعدم القول بالفصل فيها فلا يترتّب ثمرة على كون المفهوم موجبة جزئية أو موجبة كلّية.

ثمّ قال: و ربّما يقال: إنّ ما تدلّ عليه الرواية على القول بكون المفهوم موجبة جزئية إنّما هو تنجّسه بملاقاة نجس ما، غاية الأمر أنّه يتعدّى من ذلك إلى بقية النجاسات بعدم القول بالفصل، لكن عدم القول بالفصل، مختصّ بالأعيان النجسة فلا يمكن إثبات تنجّس الماء القليل بملاقاته المتنجّس إلّا على تقدير كون المفهوم موجبة كلّية.

ثمّ أجاب عنه بما هذا نصّه: إنّ المراد من الشي‏ء، هو الذي يكون في نفسه موجباً لتنجّس ملاقيه و على ذلك فإن ثبت من الخارج تنجيس المتنجّس فذلك يكفي في الحكم بانفعال الماء القليل بملاقاته من دون حاجة في ذلك إلى‏

396

التمسّك بمفهوم الرواية (على فرض كونه كلياً) و إن لم يثبت ذلك فالمتنجّس غير داخل في عموم المنطوق لتثبت بمفهومها نجاسة الماء القليل بملاقاته على تقدير كون المفهوم موجبة كلية. (1) يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الأوّل و هو وجود الدليل على أنّ كلّ متنجّس ينجس و لكن العموم موجود في ناحية منجّسية المتنجّس، و أمّا كونه منجّساً لكلّ شي‏ء حتّى الماء، فليس هناك عموم و ليس له دليل إلّا عمومية المفهوم لو قلنا بها و بعبارة أُخرى العموم موجود في ناحية المتنجّس و أنّ كلّ متنجّس يتنجّس، و أمّا أنّ كلّ متنجّس ينجّس كلّ شي‏ء حتى الماء، فليس هناك عموم فلا يثبت في مورد الماء إلّا على القول بكون المفهوم موجبة كلية حتى يعمّ النجس و المتنجّس و يثبت انفعال الماء القليل بهما.

بعض الفروع المترتّبة على كون القضية الشرطية ذات مفهوم‏

1 قال سبحانه: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏) (المائدة/ 6).

استدلّ القائل بالمفهوم على نفي وجوب الوضوء عند عدم الشرط.

و القائل بعدم المفهوم ذهب إلى أنّ الشرط سيق لبيان الشرطية للصلاة لا للمفهوم فللقضية الشرطية فائدة أُخرى و هي بيان الشرطية و لا تنحصر الفائدة في القول بالمفهوم. (2)***

____________

(1)- أجود التقريرات: 423/ 1.

(2)- الجواهر: 10/ 1.

397

2 قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏) (الجمعة/ 9).

استدل القائل بالمفهوم بأنّه لا يجب السعي في إقامة الجمعة نعم لو أُقيمت الجمعة يجب السعي نحوها و قال: علّق فيها وجوب السعي إلى الصلاة على النداء إليها و معنى ذلك أنّه متى ما تحقّقت إقامة الجمعة من الخارج و نودي إليها وجب السعي نحوها، و مقتضى المفهوم المستفاد من الجملة الشرطية عدم وجوب صلاة الجمعة إذا لم يُناد إليها و لم يتحقّق إقامتها، و يدلّ على ذلك قوله تعالى: (وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏) (الجمعة/ 11).

فإنّ المستفاد من تلك الآية أنّ السعي نحو الصلاة إنّما يُطلب حال كونه (صلى الله عليه و آله و سلم) قائماً للصلاة أو للخطبة أي حال ما أُقيمت الصلاة في نفسها و انعقدت خارجاً، و أنّ السعي حينئذ مرغوب فيه للشارع و تركهم لها و هو (صلى الله عليه و آله و سلم) قائم لها و اشتغالهم باللهو و التجارة مذموم لدى اللّه سبحانه فلا ذمّ على تركهم لها إذا لم يكن (صلى الله عليه و آله و سلم) قائماً بها. (1)*** 3 روى علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عرياناً فحضرت الصلاة، كيف يصلّي؟ قال (عليه السلام): إن أصاب حشيشاً يستر به عورته أتمّ صلاته بالركوع و السجود و إن لم يصب شيئاً يستر به عورته أومأ و هو قائم «. (2) فانّ المفهوم من قوله» و إن لم يصب شيئاً «أنّه لو وجد شيئاً يستر به عورته‏

____________

(1)- التنقيح: 16/ 171.

(2)- الوسائل، ج 3، الباب 50 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1.

398

و يصلّي صلاة المختار. (1)*** 4 روى الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضمن القصّار و السائغ احتياطاً للناس و كان أبي يتطوّل عليه إذا كان مأموناً «. (2) قال المحقّق الخوئي بعد نقله هذا، الخبر دلّ على تضمينه إذا لم يكن مأموناً. (3)*** 5 روى علي بن جعفر في كتاب مسائله، سأل أخاه عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة، فقال: إذا لم يحملوا سلاحاً فلا بأس.

فلو قلنا بالمفهوم لدلّ على حرمة التجارة مع المشركين إذا حملوا سلاحاً. (4)*** 6 روى معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه، قال: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شي‏ء.

فهذه الرواية دلّت بحكم اشتمالها على المفهوم على نجاسة القليل بغير التغيير و إلّا كان تعليق عدم الانفعال بالكرّية أمراً لغواً إذا كان القليل مثل الكرّية. (5)***

____________

(1)- كتاب الصلاة، للحائري: 68.

(2)- الوسائل، ج 13، الباب 29 من أبواب الإجارة، الحديث 4.

(3)- مباني العروة، كتاب المضاربة: 17.

(4)- الجواهر: 28/ 22.

(5)- الجواهر: 106/ 1.

399

7 روى الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا كان الماء في الركي كرّاً لم ينجسه شي‏ء.

تمسّك بعض الفقهاء في نجاسة البئر بالملاقاة بهذه الرواية و أفتى بالتفصيل بين كون ماؤها قليلًا أو كثيراً. (1)*** 8 روى عبد اللّه بن جعفر عن أبي محمد (عليه السلام) قوله: يجوز للرجل أن يصلّي و معه فأرة مسك، فكتب: لا بأس به إذا كان ذكيّاً، فلو قلنا بالمفهوم لدلّ على المنع عن حمل الميتة و إن كان جزءاً صغيراً. (2)*** 9 روى محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قلت له: الأمة تغطي رأسها، فقال: لا، و لا على أُم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد.

دلّ بمفهومه على وجوب تغطية الرأس مع الولد. (3)*** 10 روى الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأُوليين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوف شيئاً.

دلّ على وجوب السورة بعد الحمد في غير مورد الشرط. (4)***

____________

(1)- الجواهر: 202/ 1.

(2)- الجواهر: 132/ 6.

(3)- الجواهر: 222/ 8.

(4)- الجواهر: 334/ 9.

400

11 روى ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): لا بأس أن يتكلّم إذا فرغ الإمام من الخطبة يوم الجمعة ما بينه و بين أن تقام الصلاة.

استدل بها صاحب الجواهر على حرمة الكلام في أثناء الخطبة. (1)*** 12 روى علي بن الفضل الواسطي عن الرضا (عليه السلام)، قال: كتبت إليه إذا انكسفت الشمس أو القمر و أنا راكب لا أقدر على النزول فكتب إليَّ صل على مركبك الذي أنت عليه.

استدل صاحب الجواهر على عدم جواز إقامة صلاة الآيات على ظهر الدابة إلّا مع الضرورة. (2)*** 13 روى زرارة عن أحدهما عليمها السَّلام قال: إن دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثمّ صلّى الأُخرى و لا شي‏ء عليه.

استدل صاحب الجواهر بأنّ قضية المفهوم هي توقّف الصحّة على الدخول في الثالثة المتردّدة بينها و بين الرابعة و لا يتمّ ذلك إلّا برفع الرأس من السجدة. (3)*** 14 روى ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل لا يدري، أ ركعتين صلّى أم أربعاً؟ قال: يتشهّد و يسلّم ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين و أربع سجدات يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثمّ يتشهّد و يسلّم ...

إلى أن قال (عليه السلام): إن تكلّم فليسجد سجدتي السهو.

____________

(1)- الجواهر: 294/ 11.

(2)- الجواهر: 477/ 11.

(3)- الجواهر: 339/ 12.