المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
401

استدل بمفهوم الجملة الأخيرة على أنّه لا سجود للسهو و الشكّ إلّا إذا كان هناك تكلّم. (1)*** 15 روى الحميري عن مولانا صاحب الزمان (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف):» أنّه إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة «.

استدل بها على أنّه يشترط في إدراك الركوع للإمام من إدراك الذكر معه. (2)*** 16 روى سماعة مضمراً، إذا كان كحلًا ليس فيه مسك و ليس له طعم في الحلق فلا بأس (في الصوم).

يدلّ على وجود البأس في الاكتحال فيما إذا وجد طعمه في الحلق. (3)*** 17 روى معاوية بن وهب بعد أن سأله عن السرية يبعثها الإمام (عليه السلام) فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال (عليه السلام): إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام (عليه السلام) أُخرج منها الخمس للّه تعالى و للرسول و قسم بينهم ثلاثة أخماس.

استدل بأنّه إذا كان هناك حرب بغير إذنه فليس من الغنائم بل من الأنفال. (4)***

____________

(1)- الجواهر: 348/ 12.

(2)- الجواهر: 148/ 13.

(3)- الجواهر: 317/ 16.

(4)- الجواهر: 126/ 16.

402

18 استدلّ الشيخ و ابن إدريس على إجزاء من حجّ و مات بعد الإحرام و قبل دخول الحرم بصحيح بُريد» و إن كان قد مات قبل أن يحرم «... فهو بمفهومه يدلّ على الاجتزاء إذا مات بعد الإحرام. (1)*** 19 استدل على أنّه يحرم على المحرم إزالة الشعر قليله و كثيره في غير حال المرض و الأذى بمفهوم قوله تعالى: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ‏) (البقرة/ 196). (2)*** 20 استدل على أنّه يحرم على المحرم لبس السلاح لغير ضرورة بصحيح ابن سنان: قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أ يحمل السلاح المحرم؟ فقال: إذا خاف المحرم عدواً أو سرقاً فليلبس السلاح «. (3)*** بعض الفروع المترتّبة على هذه المسألة:

1 إذا وجبت عليه الزكاة فهل يجوز دفعها إلى واجب النفقة إذا كان فقيراً من جهة الانفاق؟ قال في الجواهر: لا يجوز لكونه ليس ايتاءً للزكاة، لأصالة عدم تداخل الأسباب. (4) 2 إذا اجتمع للمستحق سببان أو ما زاد يستحق بهما الزكاة، كالفقر، و الكتابة، و الغزو، جاز أن يعطى بحسب كلّ سبب نصيباً لاندراجه حينئذ في‏

____________

(1)- الجواهر: 296/ 17.

(2)- الجواهر: 377/ 18.

(3)- الجواهر: 422/ 18.

(4)- الجواهر: 401/ 15.

403

الصنفين مثلًا فيستحقّ بكلّ منهما. (1) 3 إذا اجتمع سببان للخيار كالمجلس و العيب و خيار الحيوان، فلا يتداخل السببان و فائدته بقاء أحدهما مع سقوط الآخر.

4 لو تكرّر منه وطء الحائض في وقت واحد كالثلث الأوّل، أو في وقتين، كما إذا كان الثاني في الثلث الثاني يقع الكلام في تكرّر الكفّارة و عدمه. (2) 5 إذا وقعت نجاسات مختلفة في البئر، لكلّ تقدير خاص فهل يجب نزح كلّ ما قدّر أو لا؟ مبني على التداخل و عدمه. (3) 6 إذا تغيّر أحد أوصاف ماء البئر و مع ذلك وقع فيه من النجاسات ما له مقدّر، فهل يكفي نزح الجميع أو يجب معه نزح ما هو المقدّر؟ مبني على مسألة التداخل و عدمه.

7 إذا مات و هو جنب فهل يكفي الغسل الواحد أو يجب الغسلان؟

***

____________

(1)- الجواهر: 447/ 15.

(2)- الجواهر: 236/ 3.

(3)- الجواهر: 260/ 1.

404

الفصل الثاني: مفهوم الوصف‏

و قبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: في تعريف مفهوم الوصف‏

عرّفه الآمدي بقوله:» الخطاب الدال على حكم مرتبط باسم عام مقيّد بصفة خاصة «و أورد عليه الشيخ الأعظم بأنّه لا يعمّ الوصف غير المعتمد على موصوفه كقولنا: أكرم عالماً إذ ليس فيه إلّا شي‏ء واحد، لا اسم منضمّ إلى صفته.

و عرّفه المحقّق القمي: تعليق الحكم بالصفة هل يدلّ على انتفائه لدى انتفائها أو لا و أورد عليه الشيخ بأنّ التعليق يناسب مفهوم الشرط لا الوصف. و فيه تأمّل واضح.

و عرّفه الشيخ الأعظم بقوله: إثبات الحكم لذات مأخوذة مع بعض صفاتها، يدلّ على انتفاء ذلك الحكم عند انتفاء تلك الصفة. (1) يلاحظ عليه: بأنّه أيضاً لا يشمل إلّا إذا كان الوصف معتمداً على موصوفه كما إذا قال: أكرم رجلًا عالماً و أمّا إذا كان الوصف غير معتمد على موصوفه كما إذا قال: أكرم عالماً فلا يشمله العنوان المذكور من غير فرق بين القول ببساطة المشتق و تركّبه أمّا على الأوّل فواضح و أما على الثاني فلأنّ الظاهر من التعريف كون الذات غير الوصف لفظاً و في غير المعتمد من الصفة، الذات و الوصف شي‏ء

____________

(1)- مطارح الأنظار: 187.

405

واحد لفظاً و إن كان غيره تحليلًا، اللّهمّ إلّا أن يريد التعدد الأعم من اللفظي و التحليلي.

الثاني: قد خصّص المحقّق النائيني محلّ النزاع على الوصف المعتمد على الموصوف دون غيره‏

قائلًا بأنّه لو كان غيره داخلًا في محلّ النزاع لدخلت الجوامد فيه أيضاً بداهة أنّه لا فرق بين الجامد و غير المعتمد من الوصف إلّا في أنّ المبدأ في الجامد جعلي و في غير المعتمد غير جعلي و هذا لا يكون فارقاً بينهما في الدلالة على المفهوم و عدمها. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الاستدلال بآية النبأ على حجّية خبر الواحد، تمسّكاً بمفهوم الوصف و بفهم أبي عبيدة (2) من حديث» ليّ الواجد بالدّين يحلّ عرضه و عقوبته « (3) من أنّ ليّ غير الواجد لا يبيح عرضه و ما له، يدلّ على كون النزاع أعمّ من المعتمد.

و ثانياً: وجود الفرق الواضح بين قوله: اسق شجراً و قوله: اسق عالماً فانّ الأوّل لا ينحلّ إلى ذات و وصف بخلاف الثاني، فانّه ينحلّ إلى ذات و علم، فارتفاع الوصف و المبدأ الجعلي في الأوّل، مساوق لارتفاع الذات، بخلاف الثاني فانّ الذات يبقى فيه مع ارتفاع الوصف.

و أمّا ما أفاده على ما في تقريرات الكاظمي (رحمه الله) من أنّ ذكر الموضوع بصورة الوصف غير المعتمد كالعالم لا يحتاج إلى نكتة غير إثبات الحكم له، لا إثباته له و انتفاؤه من غيره. (4) غير تامّ لأنّ التعبير عن الموضوع بالوصف العنواني مع إمكان‏

____________

(1)- أجود التقريرات: 433/ 1.

(2)- المراد معمر بن مثنى المعروف بأبي عبيدة المتوفى عام 207 أُستاذ أبي عبيد، سلّام بن قاسم مؤلف كتاب» الأموال «المتوفى 225 و هو بصري لا كوفي، فما في القوانين من أنّه كوفي غير صحيح.

(3)- الوسائل، الجزء 13، كتاب الدين، الباب 8، الحديث 4.

(4)- فوائد الأُصول: 501/ 1.

406

التعبير عنه بغيره يُشعر بمدخلية الوصف في ثبوت الحكم و ارتفاعه فإذا قال:» إن جاءكم فاسق بنبإ «مع إمكان أن يقول:» إذا جاء إنسان بخبر «يفيد أنّ للفسق مدخلية في عدم القبول و ليس الإنسان تمام الموضوع و أنّه يرتفع بارتفاعه.

الثالث: أنّ الوصف على أربعة أقسام:

1 أن يكون مساوياً للموصوف كقولنا: الإنسان المتعجّب.

2 أن يكون أعمّ منه كالإنسان الماشي.

لا شكّ في عدم جريان النزاع فيهما. لأنّ البحث في ثبوت المفهوم و عدمه، فيما إذا ارتفع القيد و بقي الموضوع و في الأوّل يكون ارتفاع القيد مساوياً لارتفاع الموضوع، و في الثاني لا يمكن بقاء الموضوع مع ارتفاع الوصف لأنّ المفروض كون الوصف أعم.

3 أن يكون أخص، كقولنا: الإنسان الكريم في مقابل اللئيم.

4 إذا كان أعمّ منه من وجه كما في قولنا:» في الغنم السائمة زكاة «و لكن الافتراق تارة يكون من جانب الوصف كما إذا صار الغنم معلوفة، و أُخرى من جانب الموصوف كما في الإبل السائمة.

لا شكّ في دخول القسم الثالث و القسم الأوّل من الرابع في محلّ النزاع و أمّا القسم الثاني من الرابع فالظاهر خروجه عنه، لأنّ البحث في ثبوت المفهوم و عدمه فيما إذا كان الموضوع باقياً و الوصف مرتفعاً، و في» الإبل السائمة «الموضوع مرتفع و الوصف باق و في الإبل المعلوفة كلاهما مرتفعان غير أنّ بعض الشافعية تخيّل أنّ قولنا:» في الغنم السائمة زكاة «، يدلّ على عدم وجوب الزكاة في الإبل المعلوفة و من المعلوم أنّ الكلام يدور حول الغنم سائمتها و معلوفتها دون الإبل فالبحث عن الإبل سائمتها و معلوفتها خارج عن موضوع الكلام.

اللهمّ إلّا إذا فهم من القضية الوصفية حصر مناط وجوب الزكاة في السوم‏

407

و أنّه لا مدخلية لشي‏ء آخر فعندئذ يفهم وجوب الزكاة في سائمة الإبل و عدم وجوبها في معلوفتها فلاحظ.

الرابع: أنّ النزاع في ثبوت مفهوم الوصف و عدمه لا ينافي اتّفاقهم على أنّ الأصل في القيود أن تكون احترازية لأنّ معنى كون القيد احترازياً ليس إلّا عدم ثبوت الحكم إلّا في مورد القيد فإذا قال: أكرم الرجال الطوال معناه عدم ثبوت الحكم إلّا مع وجود الأمرين: الرجال و الطوال و أمّا نفي الحكم عن الرجال القصار، فلا يدلّ عليه، و إن كان القيد احترازياً، بل يكفي فيه أنّ إثبات الحكم في غير مورد النصّ يحتاج إلى الدليل فعدم الدليل يكفي في النفي و هذا بخلاف القول بثبوت المفهوم فإنّ معناه دلالة القضية الوصفية على عدم ثبوت الحكم في غير مورد الوصف و الفرق بين الأمرين واضح.

و إن شئت فلاحظ قوله تعالى: (وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ‏) (النساء/ 23) فإنّ القيد الأوّل غالبي، و القيد الثاني احترازي و ليس معنى كون القيد غالبياً إلّا عدم دخله في الحكم كما أنّ معنى كون القيد الثاني (الدخول بالأُمّ) احترازياً ليس إلّا مدخليّته في ثبوت الحكم، و أمّا دلالته على عدم الحكم في غير مورد القيد، فلا و هذا بخلاف القول بالمفهوم فإنّ معناه دلالة القضية على مدخليّته في ثبوت الحكم، و أنّ سنخ الحكم منفي عن غير مورد القيد قطعاً.

فكون القيد احترازياً أشبه شي‏ء بالمفهوم الذي كان يقول به القدماء من مدخليته في الحكم، و أمّا أنّه ليس له بديل يقوم مقامه فلا يدلّ عليه، بخلاف ما إذا قلنا بالمفهوم فانّه يدلّ على أنّه دخيل و ليس له نائب و بديل.

و أمّا قولهم: تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّية، فالاتّفاق عليه لا ينافي الاختلاف في دلالة الوصف على المفهوم، لأنّ معناه كون الوصف علّة للحكم و أمّا أنّه علّة منحصرة حتى ينتفي سنخ الحكم عن مورد الوصف بانتفائه فلا يدلّ‏

408

عليه.

الخامس: أنّ النزاع في ثبوت المفهوم للوصف لا ينافي ما اتّفقوا عليه من حمل المطلق على المقيّد، فانّ معنى حمل المطلق على المقيّد في المورد الذي يجب الحمل، إنّما هو تخصيص الحكم بالموضوع المقيّد، و قصره عليه فكأنّ الحكم ورد على المقيّد من أوّل الأمر و أمّا دلالته على ارتفاع الحكم عن مورد انتفاء القيد، فلا و هذا بخلاف القول بالمفهوم فإنّ معناه دلالة الوصف على انتفاء سنخ الحكم عن غير مورد الوصف و شتّان بين قصر الحكم على موضوع مقيّد و السكوت عن انتفائه عن غير مورده، و بين دلالة الشي‏ء على قصر الحكم على المقيّد و دلالته على انتفائه عن غير مورده.

و من المعلوم أنّ مورد لزوم حمل المطلق على المقيد، إنّما هو إذا أحرز وحدة الحكم من وحدة السبب و غيرها و عند ذاك يحكم بأنّ الإرادة الجدّية لم تتعلّق من أوّل الأمر إلّا على المركّب منهما. و مع ذلك فالدليل ساكت عن ارتفاع الحكم عن غير مورده.

و بما ذكرنا من الأمر الرابع و الخامس يعلم ضعف الاستدلال على المقام من» أنّه لو لم يكن للوصف مفهوم لما صحّ القول بالتخصيص في مثل قولنا: أكرم العلماء الطوال، و لما صحّ حمل المطلق على المقيّد إذ لا تنافي بينهما إلّا من جهة دلالة المقيّد على سلب الحكم من غيره «. و قد عرفت أنّ ما يدلّ عليه المقيّد، هو ثبوت الحكم في مورد المقيّد و أمّا عدم ثبوت الحكم أو ارتفاعه على الوجه القطعي عند ارتفاع القيد فلا يستفاد منه.

السادس: إنّ المحقّق النائيني فصّل بين رجوع القيد إلى الحكم و رجوعه إلى متعلّقه و موضوعه، فاختار الدلالة على المفهوم في الصورة الأُولى دون الصورة الثانية فقال: إنّ التقييد إذا رجع إلى نفس الحكم كان لازم ذلك هو ارتفاعه بارتفاعه، إذ لو كان الحكم ثابتاً عند عدم القيد أيضاً لما كان الحكم مقيّداً به‏

409

بالضرورة ففرض تقييد الحكم بشي‏ء يستلزم فرض انتفائه بانتفائه، و أمّا إذا كان القيد راجعاً إلى الموضوع فغاية ما يترتّب على التقييد هو ثبوت الحكم على المقيّد و من الضروري أنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء لا يستلزم نفيه عن غيره و إلّا لكان كلّ قضية مشتملة على ثبوت حكم على شي‏ء دالًا على المفهوم. و ذلك واضح البطلان. (1) يلاحظ عليه: أنّ النزاع يأتي على الوجه الأوّل أيضاً أي إذا كان القيد، قيداً للحكم، فيقع البحث في أنّه قيد لشخص الحكم، فلا مفهوم له، أو سنخ الحكم فله المفهوم و قد عرفت أنّ واقع المفهوم هو ارتفاع سنخ الحكم، لأنّه بارتفاعه يرتفع فالعاصمية المرتبطة بالكرّية مرتفعة بارتفاع الكرّية قطعاً، إنّما الكلام في ارتفاعها على وجه مطلق بحيث، لا تحصل بالمطر و بالمادّة الغزيرة أو غيرهما.

السابع: إنّ المراد من الوصف، هو مطلق القيد الوارد في الكلام الأعم من الوصف الأُصولي أي المشتق أو الوصف النحوي التابع لموصوفه، و لذلك يعمّ القيود الزمانية و المكانية أيضاً.

*** إذا عرفت ذلك فنقول الحقّ وفاقاً لأهله عدم دلالة الوصف على انتفاء سنخ الحكم عند انتفائه إلّا في بعض الموارد الذي يحرز فيه أنّه القيد المنحصر و لا ينوبه شي‏ء آخر و ذلك لعدم صحّة ما استند إليه القائل بها.

و إليك بيان دلائله:

1 التبادر الكاشف عن وضع الهيئة الوصفية للانتفاء عند الانتفاء.

يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يتبادر هو مدخلية الوصف في شخص الحكم و أمّا

____________

(1)- أجود التقريرات: 435/ 1.

410

مدخليته في سنخ الحكم و أنّه لا نائب له، فغير ثابت.

2 التمسّك بالإطلاق على الوجه المقرّر في دلالة الهيئة الشرطية.

يلاحظ عليه: قد عرفت أنّ أقصى ما يدلّ عليه الإطلاق، أنّ الوصف مع موصوفه تمام الموضوع و أمّا أنّه لا ينوب عنه شي‏ء آخر فلا يدلّ عليه. نعم لو أُحرز أنّ المتكلّم في مقام بيان كلّ ما له دخل في سنخ الحكم فلم يأت إلّا بنفس الوصف وحده يكشف عن عدم ما يخلفه و هو غير محرز غالباً.

3 لو لم يدلّ على المفهوم يلزم اللغوية.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يلزم لو لم يكن له دخل في الحكم أبداً و أمّا إذا كان له دخل و لو بنحو، و إن كان يخلفه وصف آخر أحياناً فلا، و تخصيص ذاك الوصف بالذكر دون غيره لكونه مورد السؤال أو الابتلاء للمخاطب أو للتأكيد نحو إيّاك و ظلم الطفل اليتيم، أو لدفع توهم عدم الحرمة في مورد الوصف، كما في قوله تعالى: (وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ‏) (الأنعام/ 151) أضف إلى ذلك أنّ غاية ما يقتضيه ذلك الدليل، كون القيد احترازياً و معنى الاحتراز أنّه دخيل في الحكم، و أمّا انّه لا ينوبه غيره فلا يدلّ عليه و غير ذلك ممّا ذكروه.

4 ما استند إليه المحقّق الاصفهاني من أنّ ظاهر القضية الوصفية يقتضي كون الحكم مستنداً إلى نفس العنوان الوصفي دون غيره أعني الجامع فلو فرض كونه علّة منحصرة، لزم الأخذ بالظهور، و إلّا لزم استناد الحكم إلى الجامع بين ذلك الوصف و الوصف الآخر و هو خلاف الظاهر. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ لزوم كون الحكم مستنداً إلى الجامع عند تعدّد العلّة لقاعدة:» لا يصدر الواحد (الحكم) إلّا عن الواحد «أمر في غير محلّه، لأنّ موردها هو المعلول التكويني لا المعلول الاعتباري أعني الوجوب بل لا مطلق التكوين،

____________

(1)- نهاية الدراية: 330/ 1.

411

بل المعلول البحت البسيط الذي ليست فيه كثرة أبداً، و أين ذلك ممّا نحن فيه؟

و ثانياً: أنّ البحث في المقام في الاستظهارات العرفية و هو غير مبني على هذه التدقيقات الصناعية التي لا يلتفت إليها.

5 إنّ أبا عبيدة من أهل اللغة الذين ينبغي الرجوع إليهم في تشخيص المعاني و هو قد فهم من قول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):» ليّ الواجد بالدّين يحلّ عرضه و عقوبته « (1) أنّ ليّ غير الواجد لا يُحلّ، و اللّي،» المطْل «و الواجد» الغني «و إحلال عرضه، عقوبته و حبسه.

يلاحظ عليه: أنّ القيد (الواجد) من قبيل القيود المحقّقة للموضوع فانّ الليّ بمعنى التثاقل و هو متوقف على كون الشخص قادراً لأداء ما عليه من الدين، وليّ الفاقد، من قبيل فقدان الحكم لأجل فقدان الموضوع مثل قولنا: إن لم ترزق ولداً فلا تختنه. مضافاً إلى أنّه فهم من القرائن أنّ» الغناء و الوجدان «علّة منحصرة للحكم.

***

____________

(1)- الوسائل، الجزء 13، كتاب الدين، الباب 8، الحديث 4؛ سنن النسائي: 316/ 7 و 317.

412

الفصل الثالث: مفهوم أداة الغاية

الكلام يقع في مقامين: الأوّل: هل الغاية تدلّ على ارتفاع الحكم عن ما بعد الغاية أو لا؟

الثاني: هل الغاية داخلة في حكم المغيّى أو لا؟ و دلالة القضية على الارتفاع من باب المفهوم، كما أنّ دلالتها على حكم الغاية بالمنطوق.

أمّا الكلام في المقام الأوّل: فالمشهور على الدلالة بل ربّما يقال دلالة الغاية على ارتفاع الحكم عن ما بعدها أشدّ من دلالة القضية الشرطية على ارتفاع الحكم عند ارتفاع شرطه، و المنقول عن السيد (1) و الشيخ‏ (2) عدمه. و فصّل المحقّق الخراساني بين كون الغاية قيداً للحكم، و كونه قيداً للموضوع. لوضوح أنّ الغاية لا بدّ من أن تتعلّق بشي‏ء من الكلام ليكون ما بعدها غاية و قيداً له فإن كان القيد، قيداً للموضوع و محدّداً له كما في قولك: سر من البصرة إلى الكوفة (فانّه بمنزلة أن يقال): السير من البصرة إلى الكوفة واجب و مثله قوله سبحانه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏) (المائدة/ 6) أي غسل الأيدي إلى المرافق واجب، فلا يدلّ على المفهوم، فغاية الأمر أنّ الموضوع المقيّد محكوم بالحكم، و أمّا عدم الحكم على الموضوع عند انتفاء القيد، فلا يدلّ عليه لعدم وضع لذلك. إلّا إذا قلنا بدلالة

____________

(1)- الذريعة: 407/ 1.

(2)- العدة: 24/ 2، ط الهند.

413

كلّ قيد على المفهوم كمفهوم الوصف.

و أمّا إذا كان القيد في الكلام قيداً لنفس الحكم و غاية له، كما في قوله (عليه السلام):» كلّ شي‏ء حلال حتّى تعرف أنّه حرام «و» كلّ شي‏ء طاهر حتى تعلم أنّه قذر «كانت دالّة على ارتفاعه عند حصولها لانسباق ذلك منها، و كونه قضيّة تقييده بها و إلّا لما كانت ما جعل غاية له بغاية «. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ تقسيم القيد إلى كونه قيداً للموضوع، و كونه قيداً للحكم و إن كان صحيحاً ثبوتاً، لكنّه دقّة عقليّة، تفوق مستوى الأفهام العامة الذين هم المخاطبون بالآيات و الروايات خصوصاً فيما يرجع إلى الأحكام العملية و لذلك لا يكون عندهم أيّ تفاوت بين رجوع القيد إلى الموضوع أو رجوعه إلى الحكم بل ربّما يستقرّ نظرهم لا عن وعى إلى أنّ القيود كلّها للأحكام فحكم الصيام في قوله سبحانه: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏) (البقرة/ 187) محدّد بالليل، و وجوب الغَسل في الوضوء محدّد بالمرفق.

و قد نرى ذلك التفصيل بين الشيخ الأعظم و السيّد الطباطبائي في مسألة صلاة المسافر حيث إنّ القصر محدّد بإباحة السفر فهي عند الشيخ قيد للموضوع فكأنّ الشارع قال: قطع مسافة شرعية بنيّة الإباحة، موجب للقصر، مع أنّها عند السيّد الطباطبائي قيد للحكم فكأنّه قال:» قطع المسافة الشرعية، موجب للقصر إذا كان السفر سائغاً «.

و ثانياً: افترضنا أنّه قيد للحكم فقد عرفت أنّ للحكم الواحد، مرحلتين، مرحلة الشخص، و مرحلة النوع، و القول بالمفهوم يتوقّف على كونه قيداً لطبيعة الحكم، حتّى لا يبقى بعد حصول الغاية، أيّ أثر للحكم. و إلّا فارتفاع الحكم الجزئي، بحصول الغاية لا يكون دليلًا على ارتفاع سنخ الحكم و طبيعته عن ما

____________

(1)- كفاية الأُصول: 325/ 1.

414

بعد الغاية.

و ثالثاً: أنّ ما ذكره من رجوع الغاية إلى الحكم في حديثي الطهارة و الحلّية يضادّ مع ما ذكره في مبحث الاشتغال و الاستصحاب من كونه قيداً للموضوع و أنّهما بصدد بيان قاعدة البراءة و الطهارة، و إلّا تكون الروايتان دليلين للاستصحاب فلاحظ فصل روايات الاستصحاب.

رابعاً: ما هو الضابطة لتمييز القيود الراجعة إلى الموضوع عن القيود الراجعة إلى الحكم؟ و قد ذكر السيّد المحقّق الخوئي ضابطة و إليك بيانها، قال:

فإن كان الحكم المذكور في القضية مستفاداً من الهيئة كان الكلام ظاهراً في رجوعه إلى متعلّق الحكم مثل قوله سبحانه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏) (المائدة/ 6) فالغاية قيد للغسل المتعلّق للحكم، و ذلك لأنّ الظاهر هو رجوع القيد في الكلام إلى المعنى الحدثي فرجوعه إلى مفاد الهيئة خلاف الظاهر.

و أمّا إذا كان الحكم مستفاداً من مادة الكلام فإن كان متعلّق الحكم غير مذكور كما في قولنا:» يحرم الخمر إلى أن يضطرّ إليه المكلّف «فانّ من المحتمل أن يكون المتعلّق شربه أو بيعه فالقيد راجع إلى الحكم و إذا كان المتعلّق مذكوراً فيحتمل الأمرين مثل قولنا:» يجب الصيام إلى الليل «فعندئذ لا يكون للكلام ظهور في رجوع القيد إلى الحكم أو إلى متعلّقه فلا يكون له دلالة على المفهوم ما لم تقم قرينة في الكلام أو من الخارج عليها. (1) يلاحظ عليه: أنّه لم يدلّ دليل على تلك الضابطة فكيف يمكن الاعتماد عليها؟

أمّا القسم الأوّل، أعني ما إذا كان الحكم مستفاداً من الهيئة فرجوع القيد إلى المتعلّق لأجل قرينة خارجية و هي ظهور الآية في أنّها بصدد بيان حدّ المغسول به‏

____________

(1)- تعاليق أجود التقريرات: 437/ 1.

415

فانّ اليد تطلق و يراد تارة إلى أُصول الأصابع و أُخرى إلى الزند، و ثالثة إلى المرفق، و رابعة إلى المنكب فمثل ذلك قرينة على أنّها غاية لغسل اليد، لا للوجوب، و ليس لكون الحكم مستفاداً من الهيئة، دور في هذا الرجوع إلّا أن يقال بامتناع تقييد مفاد الهيئة و هو خلاف المفروض.

و أمّا القسم الثاني، فوجه رجوع القيد إلى الحكم ليس لأجل حذف المتعلّق فيه بل لوجود قرينة خارجية على أنّ الاضطرار يرفع الحكم (الحرمة) و منه يعلم عدم صحّة الاستدلال بالحديثين الماضيين (أعني كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر، أو كلّ شي‏ء حلال حتى تعلم أنّه حرام)، فإنّ ارتفاع الحكم السابق (الطهارة و الحلّية) لأجل امتناع بقائهما مع انكشاف الواقع و أنّه قذر أو حرام، و أنّ الضرورات ترفع المحظورات و إلّا فهو و القسم الثالث بالنسبة إلى الاحتمالين سواء.

*** ثمّ إنّ لشيخ مشايخنا العلّامة الحائري تفصيلًا آخر و هو أنّه لو قلنا إنّ مفاد الهيئة إنشاء حقيقة الطلب، لا الطلب الجزئي الخارجي، تكون الغاية في القضية غاية لحقيقة الطلب المتعلّق بالجلوس في قولنا: اجلس من الصبح إلى الزوال و لازم ذلك ارتفاع حقيقة الطلب عن الجلوس عند وجودها.

نعم لو قلنا إنّ مفاد الهيئة هو الطلب الجزئي الخارجي فالغاية لا تدل على ارتفاع سنخ الوجوب بل لازم ذلك ارتفاع ذلك الطلب الجزئي و لا ينافي وجود جزئي آخر بعد الغاية و حيث إنّ التحقيق هو الأوّل تكون القضية ظاهرة في ارتفاع سنخ الحكم عن الجلوس في المثال. (1)

____________

(1)- درر الأُصول: 173/ 1.

416

يلاحظ عليه: أمّا أوّلًا، فلأنّ الظاهر أنّ مراده من إنشاء حقيقة الطلب هو الطلب الكلي الذي يعبّر عنه بسنخ الحكم و يرد عليه حينئذ ما عرفت أنّ مفاد الهيئات، معاني إيجادية في عالم الاعتبار و هو يساوق الجزئية و هي مساوقة للوجود مع التشخص، فلا معنى لإنشاء الوجوب الكلي، لأنّ الإنشاء لا يجتمع مع الكلّية نعم لو فسّر (قدس سره) حقيقة الطلب و سنخ الحكم بما أوضحناه و هو إطلاق الحكم الجزئي و شموله لغير صورة القيد لا كونه كليّاً، كان له وجه.

و ثانياً: أنّ ما أفاده من الضابطة مورد اتفاق و إنّما الكلام في الصغرى و أنّه هل الغاية قيد لشخص الحكم أو لسنخه، و هو إحالة مجهول إلى مجهول مثله.

فالأولى الخروج عن حيطة الاصطلاحات و الرجوع إلى ما هو المتبادر، و الظاهر أنّ المتفاهم العرفي في باب التقييد بالغاية هو ارتفاع الحكم عن ما بعد الغاية و أنّ الهدف تحديد الحكم إلى حدّ خاص فإذا قال: احفر إلى هذا المكان، ينتقل منه العرف إلى أنّ الإيجاب إلى هذا الحدّ، سواء كانت الغاية قيداً للوجوب أو للمتعلّق أعني الحفر، و سواء كان الإيجاب أمراً جزئياً أو كليّاً و لو أوجبه ثانياً يعدّ الإيجاب الثاني بداءً.

و يؤيد وجود المفهوم، التتبع في موارد استعمالها في القرآن مثل قوله تعالى: (وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏) (البقرة/ 222)، (كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) (البقرة/ 187) (وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) (البقرة/ 193)، فإنّ لفظة (حَتَّى‏) في هذه الآيات، هي الجارة الدالّة على أنّ الوظيفة هو هذا، لا أزيد، و لا أنقص.

المقام الثاني: في دخول الغاية في حكم المغيّى و عدمه حقيقة هذا البحث أنّ الغاية هل هي داخلة في المغيى أو لا؟ فإذا قال: اغسل يدك إلى المرفق، فهل يجب غسل المرفق و هو عبارة عن مكان رفق العظمين‏

417

أو لا؟، أو قال:» سر من البصرة إلى الكوفة «فهل يجب دخول الكوفة و لو بجزء منها أو لا؟

اختلف القوم على أقوال فمن قائل بالخروج مطلقاً و هو خيرة المحقّق الخراساني و سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه إلى قائل بالدخول مطلقاً، إلى ثالث مفصّل بين ما إذا كان ما قبل الغاية و ما بعدها متّحدين في الجنس كما في قوله سبحانه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏) (المائدة/ 6) فتدخل. (1) و بين غيره مثل قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏) (البقرة/ 187) فلا يدخل إلى رابع مفصّل، بين حتّى و إلى فقال بالدخول في الأوّل كما في قولك: جاء الحجاج حتّى المشاة و مات الناس حتّى الأنبياء و بعدم الدخول في الثاني.

إلى خامس قائل بعدم الدلالة على شي‏ء من الدخول و الخروج و إنّما يتبع في الحكم، القرائن الدالة على واحد منهما.

ثمّ إنّ البحث عن دخول الغاية في حكم المغيى و عدمه، إنّما يتصوّر إذا كان هناك قدر مشترك أمكن تصويره داخلًا في حكمه تارة و داخلًا في حكم ما بعد الغاية أُخرى كالمرفق و أمّا إذا لم يكن كذلك، فلا موضوع للبحث كما إذا قال: اضربه إلى خمس ضربات، فالضربة السادسة، من أفرادها بعد الغاية، و الضربة الخامسة داخلة في أجزاء المغيّى حسب التبادر فليس هنا شي‏ء آخر يبحث عن دخوله في حكم المغيى و عدمه.

استدل نجم الأئمّة على عدم الدخول بأنّ حدود الشي‏ء خارجة عنه و ما يتراءى من الدخول في بعض الموارد كالمرافق في الوضوء فلقرينة خارجية. و تبعه المحقّق الخراساني في البرهنة.

و استدل للقول الثاني بأنّ الغاية بمعنى النهاية و هي الأمر المنتزع من الجزء

____________

(1)- كما إذا قال:» بعت هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف «.

418

الأخير للشي‏ء المفروض امتداده كما أنّ الابتداء ينتزع من الجزء الأوّل للشي‏ء. فإن كانت الغاية نهاية الشي‏ء فتكون داخلة في الشي‏ء و تشاركه في الحكم.

يلاحظ عليه: أنّ الظهور لا يثبت بالدليل العقلي: فما نرتئيه هو إثباتُ ما هو الظاهر و المتبادر من هذه الحروف عند الاستعمال، و أنّ الغاية هل هي داخلة في المغيى أو لا؟ و الذي اتّفق عليه الأُدباء هو أنّ اللفظين موضوعان للمعنى الحرفي من أسماء النهاية و الغاية و الحدّ، و أمّا القول بأنّ حدّ الشي‏ء خارج عنه، أو نهايته داخلة فيه، فإنّما هو إثبات للظهور بأمر عقلي و مثل هذا لا يُثبت الظهور ما لم يكن مألوفاً للعرف أيضاً إلّا أن يكون الدليل العقلي ممّا يتلقّاه العرف لدى التصوّر.

كما أنّ التفصيل الثالث لم يعتمد على دليل إلّا على أنّ الغاية لو كانت من جنس المغيى تلحق به بحكم وحدة الجنس و إلّا فلا. (1) و أمّا التفصيل الرابع، فمبناه الخلط بين حتّى العاطفة و الخافضة (2) فانّ البحث إنّما في الثاني مثل قوله سبحانه: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) (البقرة/ 187) لا العاطفة كما مثّل القائل و قد صرّح بذلك ابن هشام في المغني و بذلك يظهر ضعف ما اختاره المحقّق النائيني حيث اختار ذلك القول قائلًا بأنّ كلمة» حتّى «تستعمل غالباً في إدخال الفرد الخفي في موضوع الحكم فتكون الغاية داخلة في المغيى.

و هناك تفصيل خامس ذكره شيخ مشايخنا العلّامة الحائري و هو التفصيل‏

____________

(1)- قال المحقّق القمي في القوانين 186/ 1:» و الظاهر أنّ دليلهم عدم التمايز فيجب إدخاله من باب المقدّمة كما في إدخال المرفق في الغسل «.

(2)- انّ لفظة» حتى «تستعمل جارّة، و عاطفة و ناصبة للفعل على مذهب الكوفيين نحو قوله سبحانه: (حتّى يَقُولَ الرَّسُولُ) (البقرة/ 214) و ابتدائية نحو» فوا عجبا حتّى كليب يسبني «، و محطّ البحث هو الجارّة التي مفهومها الغاية و النهاية.

419

بين كون الغاية قيداً للفعل كما في قولنا:» سر من البصرة إلى الكوفة «و بين كونها غاية للحكم مثل قولنا:» صم من الفجر إلى الليل «فيدخل في الأوّل لأنّ الظاهر دخول جزء من السير المتخصص بالكوفة كما أنّ الظاهر منه دخول السير المتخصص بالبصرة أيضاً في المطلوب، دون الثاني فإنّ المفروض أنّها موجبة لرفع الحكم فلا يمكن بعثه إلى الفعل المتخصص بها. (1) يلاحظ عليه: أنّ عنوان البحث هو، هل الغاية داخلة في حكم المغيّى أولا؟ فلا يصحّ تعميم البحث إلى غاية الحكم، لأنّ ظاهر العنوان يعطي كون المغيّى غير الحكم فكيف يدخل فيه ما إذا كان المغيّى نفس الحكم، و بعبارة أُخرى: الكلام فيما إذا كان هنا أُمور ثلاثة: 1 الحكم 2 المغيّى 3 الغاية، و هذا إنّما يصحّ إذا كانت الغاية قيداً للموضوع لا قيداً للحكم إذ عندئذ تكون الأُمور اثنتين.

نعم لو أردنا إدخاله في عنوان البحث، يجب تغيير عنوانه بأن يقال: هل الظاهر انقطاع الحكم المغيّى بحصول غايته أو لا و عندئذ يرجع البحث إلى المقام الأوّل.

و الظاهر عدم الدخول مطلقاً إلّا أن يدل دليل على الدخول للتبادر فلاحظ قول القائل:» قرأت القرآن إلى سورة الإسراء «فانّ المتبادر خروج الإسراء عن إخباره بالقراءة، و ما ذكره من كون المأمور به دخول جزء من السير المتخصص بالكوفة في المطلوب الخ، أوّل الكلام بل لزوم الدخول هناك لأجل أنّ السير يكون لغاية خاصّة من الشراء و لقاء الصديق و لا تحصل تلك الغاية إلّا بالدخول في نفس البلد، و لو لا تلك القرينة، لكفى الوصول إلى باب الكوفة.

ثمّ إنّه لو قلنا بأحد الوجوه في مدخول إلى و حتّى فهو و إلّا فيصير الكلام‏

____________

(1)- درر الأُصول: 170/ 1.

420

مجملًا فينتهي الأمر إلى الأُصول العملية فهل المقام من مجارى الاستصحاب أو البراءة فيه خلاف فإذا غسل اليد دون المرفق فهل يمكن التمسك باستصحاب بقاء الوجوب؟ الظاهر لا، لأنّ استصحاب الوجوب لا يثبت وجوب غسل المرفق إلّا على القول بالأصل المثبت. بل المورد مجرى البراءة لكونه من قبيل الشكّ في الأقل و الأكثر الارتباطيين.

421

الفصل الرابع: مفهوم الحصر

المشهور أنّ الألفاظ التالية تفيد الحصر: 1 إلّا الاستثنائية 2 إنّما 3 بل الإضرابية 4 تقديم ما حقّه التأخير 5 تعريف المسند إليه باللام. و إليك دراستها:

الكلام في إلّا الاستثنائية

فيقع الكلام فيها في مواضع ثلاثة:

الأوّل: هل الاستثناء من النفي إثبات و من الإثبات نفي، و أنّه هل تدل» إلّا «على هذا أولا؟

الثاني: هل الاستثناء يدلّ على الحصر أي حصر الخروج في المستثنى، و عدم خروج فرد آخر عن المستثنى منه؟

الثالث: هل الدلالة على فرض الثبوت دلالة منطوقية أو مفهومية؟

و يظهر من الشيخ الأعظم في التقريرات‏ (1) و المحقّق الخراساني في الكفاية أنّ المقصود من إفادة الاستثناء الحصر هو اختصاص الحكم سلباً و إيجاباً بالمستثنى منه و لا يعمّ المستثنى.

و الظاهر أنّ معنى الحصر، بهذا المعنى يرجع إلى النزاع الأوّل بل المراد، حصر

____________

(1)- التقريرات: 187.

422

الخروج في المستثنى و عدم خروج غيره، فالبحث في المقام الثاني فرع ثبوت الحكم في المقام الأوّل أي أنّ الاستثناء بعد النفي إثبات و منشأ الخلط كلمات الشيخ في التقريرات‏ (1) و تبعه المحقّق الخراساني‏ (2) و نبّه سيّدنا الأُستاذ على تعدد البحث فلاحظ. (3) و إليك البحث في المواضع الثلاثة:

أمّا الموضع الأوّل: فقد اتّفقت كلمتهم على تلك القاعدة و لم يخالف فيها إلّا أبو حنيفة فزعم أنّ غاية ما يستفاد من الاستثناء أنّ المستثنى غير داخل في الحكم الذي نطق به المتكلّم، و أمّا حكمه واقعاً فيحتمل أن يكون محكوماً بحكم المستثنى منه أيضاً أو يكون محكوماً بخلافه و بالجملة إنّ المتكلم يريد بالاستثناء أن لا يخبر عنه بالحكم المذكور، و عدم إخباره عنه بذاك الحكم لا يثبت عدم كونه محكوماً به بل يحتمل الأمرين و قد أوضح مرامه بما ذكره الشيخ الأعظم في تقريراته. (4) و احتجّ بمثل قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» لا صلاة إلّا بطهور « (5) فانّه لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً يلزم أن تكون نفس الطهور مع فقد سائر الشرائط صلاة.

يلاحظ عليه: أنّه خلاف المتبادر في مورد الاستثناء كما يحكم به الوجدان السليم و أمّا احتجاجه بالحديث فضعيف، لأنّ المفروض وجود جميع الأجزاء و الشرائط سوى الطهارة و بعبارة أُخرى: الحديث بصدد التأكيد على شرطية الطهارة، فيكون الكلام متوجّهاً إلى من تهيّأ للصلاة بشرائطها و أجزائها، غير أنّه ربّما يتساهل في بعضها، فيخاطب بأنّه لا صلاة إلّا بكذا و كذا.

____________

(1)- مطارح الأنظار: 187.

(2)- كفاية الأُصول: 326/ 1.

(3)- تهذيب الأُصول: 458/ 1، و قد نبّه قبله شيخه العلّامة الحائري في تعاليقه على الدرر. راجع 174/ 1 و الظاهر أنّ أبا حنيفة مخالف في الأوّل دون الثاني.

(4)- مطارح الأنظار: 187.

(5)- الوسائل: الجزء 1، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

423

و يدلّ على ما ذكرنا أنّ الباء في قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» بطهور «بمعنى» مع «ففي مثل هذا الفرض يقول:» لا صلاة إلّا بالطهارة «أي لا تفيد تلك الأجزاء إلّا بضمّ الطهارة إليها و من المعلوم أنّها معها صلاة قطعاً و أين هذا من كون الطهارة المجردة صلاة؟

و أمّا الموضع الثاني: أي دلالة الاستثناء على الحصر، فيكفي في ذلك الانسباق و التبادر القطعي بحيث لو دلّ دليل آخر على خروج فرد غيره لعدّ مخالفاً لظاهر الدليل فلو قال (عليه السلام): لا تعاد الصلاة إلّا من خمس: الطهور و القبلة و القيام و الركوع و السجود (1) ثمّ قال بوجوب الإعادة من غيرها لعدّ مخالفاً للمفهوم المستفاد من القضية الأُولى و لا يحتاج البحث إلى بيان أزيد.

و ربّما يستدلّ بكلمة الإخلاص. و لكن ما هو محطّ الاستدلال فهل الاستدلال لأجل أنّ الاستثناء من النفي يفيد الإثبات و من الإثبات، النفي أو لأجل إثبات الحصر، و لكنّه صالح لكلا الأمرين.

أمّا الأوّل فبيانه أنّه إذا لم يكن الاستثناء من النفي إثباتاً، لم تكن الكلمة اعترافاً بأُلوهية الباري مع أنّها اعتراف، بالاتفاق.

و أمّا الثاني فلو لم يكن مفيداً للحصر، لم تكن إقراراً بالوحدانية مع أنّها كلمة إخلاص.

و أورد عليه كما في تقريرات الشيخ الأعظم‏ (2) و تبعه صاحب الكفاية (3) بأنّ دلالتها على التوحيد كان بقرينة الحال و المقال.

أقول: سواء أصح ذلك الإيراد أم لم يصحّ فالقاعدة المذكورة بمكان من الوضوح لا يحتاج إلى مثل ذلك الاستدلال لكفاية التبادر من الاستثناء في كلّ مورد.

____________

(1)- الوسائل: الجزء 4، الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث 5.

(2)- مطارح الأنظار: 188187.

(3)- كفاية الأُصول: 327/ 1.

424

بحث استطرادي في الكلمة الطيّبة

ثمّ إنّ في الكلمة الطيّبة بحثاً آخر و هو أنّ خبر» لا «إمّا لفظة» ممكن «أو» موجود «فعلى الأوّل لا يدلّ الاستثناء إلّا على الاعتراف بإمكان المستثنى لا على وجوده فكأنّه قال:» لا إله ممكن إلّا اللّه «و على الثاني لا يدل على امتناع إله غيره سبحانه، بل يدلّ على عدم وجود غيره بالفعل.

توضيحه: أنّه يجب على المسلم أنْ يعترف بأمرين أحدهما راجع إلى الامتناع أي امتناع غيره و الآخر راجع إلى الفعلية أي فعلية وجوده سبحانه و الجمع بين هذين الاعترافين مع وحدة الخبر غير ممكن فإنّ الخبر إمّا» ممكن «أو» موجود «. فلو قدّر الممكن، لفات الثاني، و لو قدر الثاني لفات الأوّل.

و قد أُجيب عنه بوجوه:

الأوّل: ما نقله الشيخ الأعظم عن بعضهم بأنّ» لا «اسمية غير محتاجة إلى الخبر مثل قوله: لا رجل و لا مال و أضرابها. (1) و إن شئت قلت: إنّ العدم ليس هنا رابطاً مثل قوله: زيد ليس قائماً بل العدم محمولي مثل قوله: زيد معدوم و الأوّل يحتاج إلى الطرفين دون الثاني و كلمة» لا «هنا من القسم الثاني فيكون معنى كلمة الإخلاص» الإله معدوم سوى اللّه تعالى «و كان سيّد الطائفة المحقّق البروجردي (قدس سره) يرتضيه في درسه الشريف و ما ربّما يعترض عليه من أنّ القضية لا بدّ لها من جهة فإن كانت الإمكان‏ (2) فالاستثناء لا يدلّ على فعليّته تبارك و تعالى و إن كانت الفعلية فلا يدلّ على امتناع غيره بل على‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 188187.

(2)- في المصدر:» الضرورة «و الظاهر أنّه غير صحيح بقرينة قوله:» فالاستثناء لا يدلّ إلّا على إمكانه «و الصحيح ما أثبتناه.

425

عدم فعليته غير تام. لأنّ جهة القضية ليست الإمكان و لا الفعلية، بل الجهة هي الضرورة فيكون معنى القضية الإله معدوم بالضرورة إلّا اللّه فهو موجود بالضرورة.

الثاني: ما أفاده المحقّق الخراساني و حاصله: تفسير» الإله «بواجب الوجود فنفي وجوده في الخارج و اثبات فرد منه فيه و هو اللّه يدل بالملازمة البيّنة على امتناع تحقّقه في ضمن غيره تبارك و تعالى ضرورة انّه لو لم يكن ممتنعاً لوجد لكونه من أفراد الواجب‏ (1) أي من غير فرق بين كون المقدّر لفظة» موجود «أو» ممكن «.

أمّا على تقدير» موجود «فهو بالمطابقة يدلّ على فعلية وجوده سبحانه و لكن بالملازمة يدلّ على نفي إمكان غيره، إذ لو كان ممكناً بالإمكان العام، لكان موجوداً لضرورة وجوبه و كونه واجب الوجود، و أمّا على تقدير» ممكن «فهو يدلّ بالمطابقة على نفي إمكان الوهية غيره و إمكان وجوده سبحانه، و لكن إمكان وجوده سبحانه بالإمكان العام يساوق وجوده لضرورة وجوده.

أقول: إنّ القوم و إن اختلفوا في تفسير الإله فتارة فسّروه بالمعبود من» إله «بمعنى» خضع «و أُخرى من» وَله «بمعنى تحيّر، لأنّ العقول تتحير في كنه عظمته، و لكن الحقّ، أنّ» الإله «و لفظ الجلالة بمعنى واحد غير أنّ الأوّل كليّ و الثاني علم لفرد منه و من المعلوم أنّ الإله على هذا و إن كان غير واجب الوجود مفهوماً لكنّه من لوازمه البيّنة و لعلّه مراده (قدس سره) و إلّا» الإله «مفهوماً غير واجب الوجود. فكيف يمكن تفسيره به لغة.

الثالث: ما أجاب به السيّد المحقّق البروجردي من أنّ العرب الجاهليين لم يكونوا مشركين إلّا في العبادة فهم كانوا موحدين في ذاته و خالقيّته و ربوبيّته، و كانوا يرون ذاته واحداً و كونه هو الخالق وحده، و كونه الربّ المدبِّر إلّا أنّهم كانوا

____________

(1)- كفاية الأُصول: 327/ 1.

426

مشركين في العبادة، و يقولون بأنّ العبادة غير منحصرة في اللّه سبحانه بل يجوز عبادة المكرمين و أوليائه المقرّبين من الملائكة و الأرواح و النفوس، و كانوا يعبدون هؤلاء ليقرّبوهم إلى اللّه زلفى، فجاء النبيّ لردّ هذه العقيدة و السيرة السيئة بالكلمة الطيّبة حتى يُقرِّوا بأنّه لا معبود إلّا اللّه فالكلمة غير مسوقة لإثبات الصانع و لا لإثبات وصف من أوصافه من الخالقية و الربوبيّة بل سيقت لحصر العبادة فيه فكأنّه قيل لا معبود إلّا اللّه. (1) و الظاهر أنّ الإشكال بعد باق بحاله لأنّ الخبر إمّا ممكن أو موجود فعلى الأوّل، لم يعترف بكونه معبوداً إلّا بالإمكان، و على الثاني لم ينف إمكان معبودية غيره.

الرابع: ما يظهر من تعاليق العلّامة الطباطبائي‏ (2) و حاصله بتوضيح و تصرّف منّا: أنّ الإشكال مبني على أنّ الكلمة الطيّبة مشتملة على عقدين: عقد النفي و عقد الإثبات، و عندئذ يتوجّه الإشكال المتقدّم و أمّا إذا قلنا بأنّ الكلمة مشتملة على عقد واحد، و هو نفي كلّ إله غيره، فلا يرد الإشكال و أمّا أُلوهيته سبحانه فليست الكلمة ناظرة إليها لأنّها كانت مسلّمة بل شأنها، نفي إمكان الأُلوهية عن غيره سبحانه و عندئذ يسقط الإشكال إذ يكون الخبر هو لفظة» ممكن «و يصير مفاده نفي إمكان إله غير اللّه و أمّا بالنسبة إلى المستثنى فلا شأن له أبداً فعندئذ يصير المعنى لا إله غير اللّه ممكن. و لا يرد الإشكال.

الخامس: ما ذكره الشيخ الأعظم في تقريراته و حاصله أنّ الهدف في صدر الإسلام هو نفي أُلوهية الآلهة الدارجة بين المشركين قاطبة و حصر الأُلوهية في اللّه سبحانه، و يكفي في ذلك تقدير» موجود «و أمّا أنّه لا يستلزم نفي إمكان أُلوهية غيره فلم يكن مطلوباً في تلك الأيّام و لأجله اكتفى به، و قد اعتمد في نفي إمكان‏

____________

(1)- نهاية الأُصول: 283.

(2)- التعليقة على الكفاية: 159.

427

غيره سبحانه على الدلائل العقلية الواردة في الآيات الكريمة مثل قوله سبحانه: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ‏) (الأنبياء/ 22) و قوله: (وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ‏) (المؤمنون/ 91). (1) هذا غاية توضيح لكلمات القوم و الأولى هو الجواب الرابع ثمّ الخامس.

و أمّا الموضع الثالث: فهل الدلالة على الحصر بالمنطوق أو بالمفهوم. و الذي يمكن أن يقال إنّ المفهوم من قولنا:» أكرم العلماء إلّا زيداً «أُمور ثلاثة:

1 وجوب إكرام العلماء غير زيد.

2 عدم وجوب إكرام زيد المستثنى.

3 حصر عدم الوجوب في زيد.

أمّا الأوّل، فلا شكّ أنّ الدلالة عليه منطوقية سواء أقلنا إنّ الإسناد بعد الاستثناء كما ذهب إليه نجم الدين فراراً عن التناقض أم قلنا إنّ العام استعمل بالإرادة الاستعمالية في العموم و التخصيص ورد على الإرادة الجدّية حسب ما سيوافيك.

و أمّا الثاني، فقد جعل شيخ مشايخنا العلامة الحائري الدلالة عليه دلالة مفهومية حيث قال:

قولنا:» أكرم العلماء إلّا زيداً «يشتمل على عقد إيجابي و سلبي و دلالة العقد الإيجابي بعد خروج زيد على وجوب إكرام باقي العلماء دلالة منطوقية، و دلالة العقد السلبي على إثبات نقيض ذلك الحكم في المستثنى دلالة مفهومية إذ هي لازمة لخروج المستثنى من تحت الحكم المتعلّق بالمستثنى منه. (2)

____________

(1)- التقريرات: 192.

(2)- درر الأُصول: 176/ 1.

428

يلاحظ عليه: أنّ المفهوم عبارة عن الحكم المستفاد من القضية لأجل اشتمالها على خصوصية كانحصار العلّة في القضية الشرطية التي تدلّ على ارتفاع الحكم عند ارتفاعها، و هذا التعريف غير صادق على المقام، لأنّ قوله:» إثبات نقيض حكم المستثنى منه، لازم لخروج المستثنى عن تحت الحكم المتعلّق بالمستثنى منه غير تام، لأنّ اللازم و الملزوم هنا شي‏ء واحد، و ليست المحكومية بنقيض الحكم السابق، إلّا عين الخروج من تحت الحكم المتعلّق بالمستثنى منه لا أمر آخر عند العرف و إن كان يمكن أن يكون شيئاً آخر عند الدقّة لكنّها ليست مناطاً للدلالة.

و أمّا الثالث، أعني حصر نقيض حكم المستثنى منه على المستثنى، و أنّ الخارج يختصّ بزيد دون غيره فهل يستفاد من المنطوق أو من المفهوم لا يترتّب على ذلك ثمرة عملية و ليست لتقديم الدلالة المنطوقية على المفهومية ضابطة كلية بل التقديم تابع لأقوى الظهورين و ربّما تكون الدلالة المفهومية أقوى من المنطوقية كما تكون كثيراً الدلالة المنطوقية أقوى من الأُخرى.

و في الختام نقول: إنّ الظاهر من الخطيب القزويني في التلخيص أنّ المفيد للحصر ليس هو نفس الاستثناء بل الاستثناء فيما إذا وقع بعد النفي حيث قال: و من أداة الحصر: النفي و الاستثناء كقولك في قصر الموصوف أفراداً» ما زيد إلّا شاعر «و قلباً» ما زيدٌ إلّا قائم «و في قصرها أفراداً و قلباً» ما شاعر إلّا زيد «فلاحظ. (1)

و من أدوات الحصر كلمة» إنّما «

قال الخطيب في تلخيص المفتاح: و منها» إنّما «كقولك في قصره أفراداً:» إنّما زيد كاتب «و قلباً» إنّما زيد قائم « (2) ....

____________

(1)- شرح المختصر: 82.

(2)- شرح المختصر: 82.

429

أقول: القصر إمّا قصر إفراد أو قلب أو تعيين.

أمّا الأوّل فالغاية منه قطع الشركة التي يعتقدها المخاطب، فلو اعتقد المخاطب اتّصاف زيد بالكتابة و الشعر مع أنّه عند المتكلّم متّصف بواحد منهما. يقول:» ما زيد إلّا كاتب «أو يعتقد اشتراك زيد و عمرو في الكتابة مع أنّ واحداً منهما موصوف بها. يقول: ما كاتب إلّا زيد.

و يراد من الثاني ردّ من يعتقد عكس الحكم الذي يثبته المتكلم، فلو كان المخاطب يعتقد اتّصاف زيد بالقعود فيقول ردّاً له:» ما زيد إلّا قائم «أو يعتقد أنّ عمراً شاعر دون زيد. و يقول:» ما شاعر إلّا زيد «.

و يراد من الثالث نفي الترديد الموجود في ذهن المخاطب، فلو كان المخاطب شاكّاً بين كون زيد قائماً أو قاعداً، تقول:» ما زيد إلّا قائم «أو كان شاكّاً بين كون الشاعر زيداً أو عمراً، تقول ما شاعر إلّا زيد. و غير خفي أنّ واحداً من القسمين من قبيل قصر الموصوف على الصفة و الآخر على العكس.

دلالتها على الحصر

نقل ابن هشام في المغني أنّ الزمخشري ادّعى أنّ لفظة أنّما (بالفتح) تفيد الحصر كإنّما (بالكسر) و قد اجتمعتا في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّما يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) (الكهف/ 110) فالأُولى لقصر الصفة على الموصوف و الثانية بالعكس.

و ردّ عليه أبو حيان، و قال: و الحصر هنا باطلة لاقتضائه أنّه لم يوحَ إليه غير التوحيد و ردّ عليه ابن هشام بأنّه حصر مقيّد إذ الخطاب مع المشركين فالمعنى ما أُوحي إليّ في أمر الربوبية إلّا التوحيد لا الإشراك و يسمّى ذلك قصر قلب لقلب اعتقاد المخاطب و إلّا فما الذي يقول أبو حيان في نحو قوله تعالى: (وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ‏) (آل عمران/ 144) فانّ (ما) للنفي و (إلّا) للحصر قطعاً و ليست صفته‏

430

عليه الصلاة و السلام منحصرة في الرسالة و لكن لما استعظموا موته جعلوا كأنّهم أثبتوا له البقاء الدائم، فجاء الحصر باعتبار ذلك، و يسمّى قصر إفراد. (1) استدل علماء المعاني على إفادتها للحصر بوجوه:

الأوّل: أنّ لفظة» إنّما «تتضمّن معنى» ما «و» إلّا «، بشهادة قول المفسّرين: إنّ معنى قوله سبحانه: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) (البقرة/ 173) معناه ما حرّم عليكم إلّا الميتة.

الثاني: قول النحاة: إنّ لفظة» إنّما «لإثبات ما يذكر بعدها و نفي ما سواه.

الثالث: صحّة انفصال الضمير معه، كقولك:» إنّما يقوم أنا «و لا وجه لانفصال الضمير إلّا إفادة الحصر.

و قال الفرزدق:

أنا الذائد الحامي الذمار (2) و إنّما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي هذا ما يذكره علماء علم المعاني، و قد استدلّ علي إفادتها للحصر أيضاً بوجهين آخرين:

1 التبادر عند استعمال تلك اللفظة.

2 تصريح اللغويين كالأزهري و غيره على أنّها تفيد الحصر. (3) و أُجيب عن التبادر بأنّ موارد استعمال هذه اللفظة مختلفة و لا يعلم بالدقّة ما هو مرادف لها في عرفنا، لعدم وجود ما يرادفها في عرفنا حتّى يستكشف منه بمراجعة الوجدان، بخلاف ما بأيدينا من الألفاظ المترادفة لبعض الكلمات‏

____________

(1)- ابن هشام: المغني، باب الحرف، لفظة أنّ.

(2)- الذمار كلّ ما يلزمك حمايته و حفظه و الدفع عنه.

(3)- لاحظ تقريرات الشيخ، ص 192، و درر الأُصول، ص 197.

431

العربية كما في أداة الشرط. و أنّ قول اللغوي ليس بحجّة إلّا من باب حجّية مطلق الظن.

يلاحظ عليه: أنّه يكفي التبادر عند أهل اللسان و إن لم يكن لها مرادف في عرفنا. و أنّه إذا تضافر النقل من اللغويين و النحويين و علماء المعاني على إفادتها الحصر يحصل الاطمئنان الذي هو علم عرفي و حجّة بلا إشكال و قد عرفت بعض كلماتهم.

دليل النافين لإفادتها الحصر

استدل النافون لافادتها الحصر منهم الرازي في تفسير قوله سبحانه: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏) (المائدة/ 55) بآيتين:

الأُولى قوله سبحانه: (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏) (يونس/ 24).

وجه الاستدلال‏

إنّ حال الدنيا ليس منحصراً في هذا المثل بل يمكن بيان حالها بتمثيل آخر، موافق مع هذا المثل جوهراً كقوله سبحانه: (إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ) (محمد/ 36) أو مباين معه كقول الإمام علي (عليه السلام): فانّما مَثَلُ الدُّنيا مَثَلُ الحَيّة، لين مسّها، و قاتل سمّها (1).

____________

(1)- نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 68 من رسالته إلى سلمان الفارسي قبل أيّام خلافته.

432

الثانية: قوله تعالى: (قُلْ إِنَّما يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) (الكهف/ 110) مع أنّه أُوحي إليه شي‏ء آخر غير التوحيد من المعارف و الأحكام.

و الجواب تارة بالنقض ب» إلّا «الاستثنائية المفيدة للحصر عند المنكر مثل قوله: (وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏) (آل عمران/ 144) مع أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) له شأن غير كونه رسولًا فهو نبي أُمّي و قد وصف اللّه سبحانه نبيّه في آية واحدة بصفات عشر و قال: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ‏) (الأعراف/ 157).

و تصوّر أنّ كثيراً من هذه الصفات من فروع كونه رسولًا و إن كان صحيحاً لكن كونه نبيّاً غير كونه رسولًا و هما غير كونه أُمّياً.

و أُخرى بالحلّ أمّا الآية الأُولى فهي بما أنّها متفقة مع ما جاء في الآية من حيث الحقيقة و الذات لا يعدّ نقضاً للحصر فحال الدنيا في مجال الخلود و الدثور ليس لها شأن إلّا ما جاء في الآية أو ما يعادله من كونها لهواً و لعباً أو كونها كبيت العنكبوت الذي يزيله نسيم الصبا فضلًا عن الطوفان، فكأنّ الآية تقول: مثل الدنيا هو هذا أو ما يقوم مقامه في اللب و الجوهر فلا مانع من ادّعاء كون الحصر حقيقياً. و الذي يدلّ على ذلك أنّه جاء المثل الثاني في مورد اتّفقوا على إفادتها الحصر كقوله: (وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ) (الأنعام/ 32) و ما هذه الحياة الدنيا إلّا لهو و لعب و قد تقدم أنّ الاستثناء بعد النفي يفيد الحصر.

و أمّا بالنسبة إلى المثل المغاير جوهراً مع ذلك المثل كما في تشبيه الدنيا بالحيّة فالحصر بالنسبة إليه إضافي لا حقيقي فالنظر إلى الدنيا من حيث كونها خالدةً أو داثرة ليس حالها إلّا ما جاء في الآية و ليس لها في هذا المجال شأن آخر و أمّا بالنظر

433

إليها من حيث حسن ظاهرها و سوء باطنها فهي كالحيّة حسنة الظاهر سيّئة الباطن، و لا صلة له بموقف الآية.

و أمّا الآية الثانية فالحصر فيها إضافي لا غير و معناه أنّه ما أُوحي إليه في مجال التوحيد و الوثنية إلّا التوحيد و عبادة اللّه سبحانه فقط لا غير كما مرّ نقله عن ابن هشام، كما يعرف الجواب عن الآية الثالثة التي ذكرت عند النقض، فالحصر فيها أيضاً إضافي و معناها أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) ليس له شأن إلّا كونه رسولًا و ليس له قدرة غيبية غير مغلوبة حتّى يبقى دائماً و لا يموت، فهو في هذا المجال إنسان رسول و حكمه حكم سائر الناس.

و الحقّ أن يقال إنّ التتبّع في الآيات الكريمة يرشدنا إلى كونها مفيدة للحصر سواء كان حقيقياً أم إضافياً. قال سبحانه:

1 (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ‏) (المائدة/ 33).

2 (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ ...) (البقرة/ 173).

3 (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ... إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ‏) (الممتحنة/ 98).

إلى غير ذلك من الآيات المشعرة بالحصر خصوصاً إذا كانت بعد السلب كما إذا قيل: ليس زيد قائماً إنّما هو قاعد.

و على كلّ تقدير فلو دلّت على الحصر فإنّما تدلّ بالمنطوق لا بالمفهوم، و لا وجه لتسمية تلك الدلالة و ما تقدّمها مفهوماً.

434

من أدوات الحصر بل الإضرابية

إنّ لفظة» بل «تستعمل تارة في الترقي كقوله: حبيبي قمر بل شمس و أُخرى في الإضراب و استدراك ما فات. أمّا الأوّل فلا تدلّ على الحصر لعدم ملاك الحصر فيه إنّما الكلام إذا كانت للإضراب، فقد اختلفوا فمن قائل بإفادتها الحصر مطلقاً و نسب إلى الحاجبي، إلى قائل بعدم إفادتها، و نسب إلى الزمخشري و أنّ تلك اللفظة ليس لها شأن إلّا نقل الحكم من المتبوع إلى التابع مثل قوله: جاءني زيد بل عمرو، إلى ثالث قائل بالتفصيل بين النفي و الإثبات فتفيده في النفي دون الإثبات مثل قوله:» لم أكن في مربع بل تيها «و جاء المحقّق الخراساني بتفصيل آخر و حاصله‏ (1) أنّ الإضراب على أقسام ثلاثة:

1 ما كان لأجل أنّ المضرب عنه إنّما أُوتي به غفلة أو سبقه به لسانه فيضرب بها عنه إلى ما قصد بيانه، كأن يقول: جاءني زيد بل عمروٌ فيما إذا التفت إلى أنّ قوله زيد غلط أُوتي به غفلة ففي مثله لا دلالة على الحصر فكأنّه أتى بالمضرب إليه ابتداءً، و يعلم ذلك أي أنّه أُوتي بها لتصحيح نغمة الكلام و كيفيته.

2 ما كان لأجل التأكيد فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة و التمهيد لذكر المضرب إليه فلا دلالة له على الحصر أيضاً كقوله سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا) (الأعلى/ 1614).

و قوله تعالى: (وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ* بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَ لَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ‏) (المؤمنون/ 6362).

3 ما كان في مقام الردع و إبطال ما أثبت أوّلًا فيدلّ على الحصر، قال سبحانه: (وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ‏) (الأنبياء/ 26) و المعنى بل‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 329/ 1.

435

هم عباد و نحوه قوله سبحانه: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ‏) (المؤمنون/ 70) و هو يفيد الحصر.

و لا يخفى أنّها لو أفادت الحصر فالحصر إضافي أي أنّه ليس شأن لملائكة اللّه في مقابل اتّهامهم بالولدية إلّا أنّهم عباد مكرمون و مع ذلك لا ينافي أن يكون لهم شأن في غير ذلك المجال فانّهم كَتَبة الأعمال و قبضة الأرواح إلى غير ذلك من الشئون.

و على كلّ تقدير فلو دخلت على الجملة فهي حرف ابتداء و إن دخلت على المفرد فهي حرف عاطفة و بذلك نستطيع تمييز العاطفة عن الابتداء و التفصيل في محلّه. (1)

من أدوات الحصر تقديم ما حقّه التأخير

من أداة الحصر تقديم ما حقّه التأخير و هو يفيد الحصر أحياناً، لأنّ للتقديم عللًا مختلفة منها إفادته الحصر مثل قوله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏) (الحمد/ 4)

من أدوات الحصر اشتمال المسند إليه على اللام‏

و ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم إفادتها الحصر بالبيان التالي:

إنّ الأصل في اللام أن تكون لتعريف الجنس كما أنّ الأصل في الجمل في القضايا المتعارفة هو الحمل المتعارف الذي ملاكه مجرّد الاتّحاد في الوجود و من المعلوم أنّ حمل شي‏ء على جنس و ماهية كذلك (أي بالحمل الشائع الصناعي) لا يقتضي اختصاص تلك الماهية به (المحمول) و حصرها عليه كقولنا:» الأبيض إنسان «.

____________

(1)- المغني: 152/ 1، حرف الباء لفظة بل.

436

نعم إنّما تدلّ على الحصر في موارد ثلاثة:

أ: أن تكون اللام للاستغراق.

ب: إذا أخذ مدخول اللام بنحو الإرسال و الإطلاق الذي يقيم مكان اللام الاستغراقية. كقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏) (الحمد/ 2).

ج: أن يكون الحمل بين المحمول و الموضوع حملًا أوّلياً ذاتياً. (1) هذا كلامه و توضيحه:

إنّ البحث تارة في أقسام اللام، و أُخرى في أقسام الحمل:

أمّا الأوّل فانّ اللام تارة تكون للجنس كقوله:» الرجل خير من المرأة «و أُخرى تكون للعهد كقوله سبحانه: (وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏) (آل عمران/ 36) و مثله قولهم: خرج الأمير إذا لم يكن في البلد إلّا أمير واحد، و ثالثة للاستغراق كقوله سبحانه: (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) و إليك دراسة الأقسام من حيث إفادتها للحصر و عدمها:

1 أمّا لام الجنس فغاية ما تفيد أنّ المسند إليه متّحد مع المسند في الوجود و ليس الاتحاد دليل الحصر، إلّا إذا كان بينهما من النسب، التساوي مثل قولنا: الإنسان ضاحك، أو كان المسند إليه أخصّ من المسند كقولنا: الإنسان ماش لا ما إذا كان المسند إليه أعمّ من المسند كقولك: الأمير زيد، أو كانا عامين من وجه كقولك: الغراب أسود فإذا كانت الأقسام أربعة و تفيد الحصر في الأوّلين دون الأخيرين فكيف يمكن أن يقال إنّ لام الجنس مطلقاً تفيد الحصر، نعم إذا لوحظ مدخول اللام أي الجنس بصورة الإرسال و الإطلاق تفيد الحصر كما سيجي‏ء.

2 و أمّا لام العهد فلا شأن لها إلّا الإشارة للفرد المعهود فأين هي من إفادة

____________

(1)- كفاية الأُصول: 329/ 1. 330

437

الحصر.

3 و أمّا لام الاستغراق فلا شكّ في إفادتها للحصر.

4 هكذا إذا كان المدخول أخذ فيه الإرسال و الإطلاق مثل قوله سبحانه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ‏) فانّ مفاده ما يصدق عليه الحمد فهو للّه حتّى الحمد المتوجّه إلى المخلوق فهو حمد للّه تبارك و تعالى لأنّه مبدأ كلّ المحامد.

هذا كلّه حول اللام و أمّا الحمل فالمفيد منه للحصر هو الحمل الأوّلي الذاتي لوجود التساوي بين المسند إليه و المسند دون الحمل الشائع لما عرفت من أنّه على أقسام أربعة.

هذا توضيح كلامه و لا يخفى أنّ في كلام المحقّق الخراساني تلخيصاً مخلًا جدّاً.

*** ثمّ إنّ أدوات الحصر لا تنحصر بما ذكر في الكفاية بل هناك طرق أُخرى، مثل توسّط الضمير بين المسند إليه و المسند كقولنا: زيد هو القائم، أو تعريف المسند مثل قوله: زيد الأمير إلى غير ذلك من الطرق.

و على كلّ حال فلا يمكن اتخاذ ما ذكر في المقام ضابطة كلية، بحيث تكون هي المقياس و تكون مغنية عن أي استظهار، فلا بدّ من ملاحظة الموارد، و ربّما تدل القرائن على خلاف الضابطة أو تكون مؤيّدة لها.

***

438

الفصل الخامس: مفهوم اللقب‏

المراد من مفهوم اللقب ما يجعل أحد أركان الكلام و القيود الراجعة إليه كالفاعل و المفعول و المبتدأ و الخبر و الظروف الزمانية و المكانية فذهب الدقّاق و الصيرفي و أصحاب أحمد إلى ثبوت المفهوم، و المشهور إلى عدمه و استدلّ المشهور بأنّه لا دلالة لقولك زيد موجود على أنّه تعالى ليس بموجود، و قولك:» موسى رسول اللّه «لا يدلّ على أنّ محمّداً ليس رسول اللّه.

و منه يظهر عدم المفهوم في باب الوقف و النذر و العهد فإذا قال: هذا وقف لأولادي أو نذر لطلبة البلدة المعيّنة فلا شكّ أنّه لا يشمل الجيران و لا طلبة غير تلك البلدة، و لكن عدم الشمول لا من باب أنّ الجملة تدل على ذلك و إنّما هو لأجل قصور الإنشاء و عدم شموله لغير موردهما فعدم الشمول من باب فقد الدال و الدلالة، لا الدلالة على العدم و إلى ذلك يشير المحقّق الخراساني و يقول:» لا دلالة للّقب على المفهوم و انتفاء سنخ الحكم عن غير مورده و قد عرفت أنّ انتفاء شخصه ليس بمفهوم «. (1) و الحاصل أنّ هنا حكماً واحداً شخصياً و هو مترتّب على موضوع و عدم شموله لموضوع آخر لا يسمّى مفهوماً.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 330/ 1.

439

هذا كلّه صحيح لكن ربّما دلّت القرينة على المفهوم كما في خطبة عقيلة بني هاشم زينب الكبرى بنت عليّ عليمها السَّلام حيث قالت مخاطبة لعبيد اللّه بن زياد:» إنّما يفتضح الفاسق، و يكذب الفاجر و هو غيرنا «، فانّ جملة» و هو غيرنا «تدلّ بالقرينة على أنّ المراد هو المخاطب.

و بذلك يظهر أنّ الأصل في اللقب عدم المفهوم إلّا إذا كانت هناك قرينة دالة على أنّ القيد ورد للتعريض و لا تنس مطالعة ما ذكره الشيخ رحمة اللّه الكرماني في حاشيته على الفرائد عند البحث عن آية النبأ. (1)

____________

(1)- الفرائد، 72، طبعة رحمة اللّه.

440

الفصل السادس: مفهوم العدد

إنّ العدد المأخوذ موضوعاً أو قيداً للموضوع يتصوّر على أقسام أربعة حسب الثبوت و إليك بيانها:

أوّلًا: يؤخذ العدد على نحو لا بشرط في جانبي الزيادة و النقيصة كقوله سبحانه: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ‏) (التوبة/ 80).

و ثانياً: يؤخذ بشرط لا في كلا الجانبين كأعداد الفرائض.

و ثالثاً: يؤخذ بشرط لا في جانب النقيصة دون الزيادة كما هو الحال في مسألة الكرّ فيجب أن يكون ثلاثة أشبار و نصف، طولًا و عرضاً و عمقاً و لا يكفي الناقص كمالا يضرّ الزائد.

و رابعاً: على عكس الصورة الثالثة بأن يؤخذ بشرط لا في جانب الزيادة دون النقيصة كما في أيّام العادة فيحكم عليها بالحيض إلى العشرة بشرط أن لا تتجاوز، و كما هو الحال في الفصل بين المصلّين فيجوز الفصل بالخطوة دون الزائد.

فإذا كان العدد حسب الثبوت على أقسام أربعة فكيف يمكن لنا القول بالمفهوم فيه أي أنّه مأخوذ بشرط لا في كلا الجانبين، إذ ليس معنى المفهوم إلّا هذا.

و الحاصل أنّه لو كان العدد دائماً لغاية التحديد في كلا الجانبين كان علينا

441

الأخذ بالمفهوم أي بدلالة الدليل على عدم كفاية الأقل و إخلال الزائد، و أمّا إذا كان الواقع على الوجوه الأربعة فلا يمكن استظهار المفهوم.

هذا ما أفاده في الكفاية (1) بتوضيح منّا فهو قابل للتأمل و ذلك: لأنّ العدد و إن كان حسب الثبوت على أقسام أربعة و لكن الظاهر أو المنصرف إليه هو أنّه بصدد التحديد قلّة و كثرة إلّا إذا دلّ الدليل على خلافه فمثلًا قوله سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) (النور/ 2) ظاهره التحديد في كلا الجانبين.

نعم قوله سبحانه: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏) (البقرة/ 282) ظاهر بمناسبة الحكم و الموضوع في التحديد في جانب النقيصة لا من جانب الزيادة.

و على كلّ تقدير فاللازم على الفقيه تتبع الموارد.

فربّما يؤخذ بشرط لا من جانب الأقل كما هو الحال في عدد الغسلات من البول و الخنزير و عدد منزوحات البئر و النصاب بالزكاة و الخمس، و عدد من تقوم به الجمعة و الجماعة.

و ربّما يؤخذ بشرط لا في جانب الزيادة ككون ما تراه المرأة من الدم حيضاً في عشرة أيّام بشرط أن لا يتجاوز.

إنّما الكلام فيما إذا لم يعلم أحد الأمرين فالظاهر كونه في مقام التحديد زيادة و نقيصة.

نعم يمكن أن يقال إنّ عدم الكفاية في النقيصة ليس لأجل المفهوم بل لعدم الإنشاء فيها.

و يمكن أن نقول إنّ عدم الاجتزاء في الزيادة من باب المفهوم، إن لم نقل‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 330/ 1.

442

بأنّ الموضوع إذا كان بشرط لا، يكون الزائد مبايناً مع المأمور به فعدم الاجتزاء من باب قصور الإنشاء.

*** إذا عرفت ذلك فاللازم ذكر مسائل تترتّب على القول بالمفهوم في المسائل السابقة و إليك البيان.

فرعان مبنيان على إفادة إلّا للحصر

1 لو حصل التغيير في ماء الكرّ أو الجاري في غير صفاته الثلاث كالحرارة و الرقّة و الخفّة، فهل ينجس أو لا؟ الظاهر هو الثاني للحصر المستفاد من الاستثناء بعد النفي أعني قوله (عليه السلام): خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجّسه شي‏ء إلّا ما غيّر لونَه أو طعمه أو ريحه. (1)*** 2 لو ضمّ إلى نيّة التقرّب في الوضوء رياء، قال المرتضى بالصحّة مع عدم الثواب و المشهور هو البطلان لقوله سبحانه: (وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏) (البيّنة/ 4) و المراد من» الدين «هو الطاعة و الحصر قاض بأنّ فاقدة الإخلاص لا أمر بها فلا تكون صحيحة. (2)***

فرعان مبنيان على إفادة» إنّما «للحصر

1 يجب أن يُحنَّط مساجد الميّت السبعة بالحنوط، و هو الطيب المانع عن‏

____________

(1)- الوسائل: الجزء 1، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث 9؛ لاحظ الجواهر: 83/ 1.

(2)- لاحظ الجواهر: 96/ 972.

443

فساد البدن و ظاهر الأدلّة حصر الحنوط بالكافور لقول الصادق (عليه السلام):» إنّما الحنوط بالكافور «و قوله:» الكافور هو الحنوط «. (1)*** 2 روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا كنت إماماً» فإنّما التسليم «أن تسلّم على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و تقول: السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة. (2) فيدلّ الحصر على عدم الخروج إلّا بالتسليم الثاني.

*** فروع مبنية على مفهوم العدد

1 لا يفسد الصوم ما يصل إلى الجوف بغير الحلق من منافذ البدن المعلومة عمداً غير الحقنة بالمائع لصدق اسم الصوم معه شرعاً و حصر الباقر (عليه السلام): ما يضرّ الصائم في أربع: الطعام و الشراب، و الجماع و الارتماس. (3)*** 2 هل يكفي الحجر الواحد إذا كان له أطراف ثلاثة؟ قيل لا، لورود النصّ على ثلاثة أحجار إلّا أن يحمل على الغالب. (4) 3 هل تكره قراءة أزيد من سبع آيات على الجنب؟ قيل نعم لمفهوم موثقة سماعة قال: سألته عن الجنب، هل يقرأ القرآن؟ قال: ما بينه و بين سبع آيات. (5)

____________

(1)- لاحظ الجواهر: 176/ 4.

(2)- الوسائل: الجزء 4، الباب 2 من أبواب التسليم، الحديث 2.

(3)- لاحظ الجواهر: 296/ 16.

(4)- الجواهر: 35/ 2.

(5)- لاحظ الجواهر: 71/ 3.

444

4 يسقط خيار الحيوان بانقضاء المدة و هي ثلاثة أيّام قال بعض الأفاضل: بلياليها تحقيقاً لأنّه الأصل في التحديد. (1)*** 5 يستحبّ أن يرغم الأنف في حال السجود و لا يجب لمفهوم ما دلّ على أنّ السجود على سبعة أعظم أو أعضاء. (2) 6 لا تنعقد الجمعة بالأقلّ من خمسة لقوله (عليه السلام):» لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط: الإمام و أربعة، فيكون مفهومه لو قلنا بأنّ للعدد مفهوماً انعقادها بالخمسة. (3)***

فروع لها صلة بمفهوم اللقب‏

1 يستدل على حرمة عمل الصور المجسّمة لذوات الأرواح بصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا بأس بتماثيل الشجر. (4)*** 2 يستدلّ على اختصاص خيار الحيوان بالمشتري بصحيح الحلبي عن الصادق (عليه السلام):» في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيّام للمشتري و هو بالخيار فيها إن شرط أو لم يشترط « (5) فيدلّ على نفيه عن البائع بمفهوم اللقب.

***

____________

(1)- لاحظ الجواهر: 30/ 23.

(2)- لاحظ الجواهر: 174/ 10.

(3)- لاحظ الجواهر: 199/ 11.

(4)- الوسائل: الجزء 12، الباب 94 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2؛ لاحظ الجواهر: 42/ 22.

(5)- الوسائل: الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 1.

445

3 روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى أن يكفن الرجال في ثياب الحرير فلو قلنا بالمفهوم لدلّ على جواز تكفين المرأة به. (1)*** 4 استدلّ على وجوب قراءة سورة كاملة بعد الحمد بصحيح ابن سنان» يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها «، و مفهومه عدم جواز الاكتفاء بها لغيره. (2)

____________

(1)- لاحظ الجواهر: 170/ 4.

(2)- لاحظ الجواهر: 334/ 9.

446

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

447

المقصد الرابع في العموم و الخصوص‏

و فيه أمور و فصول:

الأمر الأوّل: لا تعاريف حقيقية في الأمور الاعتبارية.

الأمر الثاني: نقل بعض التعاريف للعموم.

الأمر الثالث: انقسام العام إلى الاستغراقي و المجموعي و البدلي.

الأمر الرابع: في بيان ملاك الانقسام.

الأمر الخامس: البدلي من أقسام العام.

الأمر السادس: في دوران الأمر بين الأقسام الثلاثة.

الأمر السابع: في أنّ العشرة و أضرابها ليست بعامة.

الأمر الثامن: الفرق بين العام و المطلق.

الفصل الأوّل: في انّ للعام صيغاً تخصّه.

الفصل الثاني: العام المخصص حجّة في الباقي.

الفصل الثالث: في سراية إجمال المخصص إلى العام.

الفصل الرابع: في إحراز حال الموضوع بالأصل العملي.

الفصل الخامس: في إحراز حال الفرد بالعناوين الثانوية.

الفصل السادس: عدم جواز التمسك بالعام قبل الفحص.

الفصل السابع: الخطابات الشفاهية.

الفصل الثامن: العام المتعقب بالضمير الراجع إلى بعض أفراده.

الفصل التاسع: تخصيص العام بالمفهوم.

الفصل العاشر: الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة.

الفصل الحادي عشر: في تخصيص الكتاب بالخبر الواحد.

الفصل الثاني عشر: في دوران الأمر بين التخصيص و النسخ.

448

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

449

و لنقدّم أُموراً:

الأوّل: لا تعاريف حقيقية في الأمور الاعتبارية

هل التعاريف الواقعة في كلمات القوم في أمثال المقام تعاريف حقيقية أو تعاريف غير حقيقية؟ اختار الوجه الثاني المحقّق الخراساني و علّله بوجهين:

1 كون المعنى المركوز منه في الأذهان أوضح ممّا هو عُرِّف به.

2 عدم تعلّق غرض و ثمرة فقهية و حكم فرعي عليه. (1) يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّ الظاهر أنّهم بصدد التعريف الحقيقي و لأجل ذلك أوردوا على التعريف بعدم الطرد و العكس و لو كانوا بصدد التعريف غير الحقيقي تركوا نقد التعاريف.

و يلاحظ على الثاني: بأنّه لا يلزم ترتّب ثمرة فقهية في كلّ مورد و القوم بحثوا عن أُمور لا يترتب عليها أية ثمرة فقهية ككثير من المباحث الواردة في مقدّمة الكتب الأُصولية.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني جعل التعريف اللفظي مرادفاً للتعريف بشرح الاسم، مع أنّه غيره و قد أوضحناه عند البحث عن الواجب المطلق و المشروط فلاحظ.

____________

(1)- كفاية الأصول: 331/ 1.

450

و ربّما يقال إنّه لا يمكن التعريف الحقيقي في المقام لأجل أنّ التعريف الحقيقي يختصّ بالمتأصّلات و الأعيان الخارجية دون المفاهيم الاعتبارية، لأنّ مأخذ الجنس و الفصل هو الوجود الخارجي و ما لا وجودَ له خارجاً لا جنسَ له و لا فصلَ له نعم يعبّر عمّا يقع في التعريف بشكل العموم جنساً و بشكل الخصوص فصلًا، و هذا لا يجعله في عداد التعاريف الحقيقية.

أقول: إنّ ذلك لا ينافي تحديد المعنى الاعتباري و تعريفه بصورة لا يشمل سوى المعتبر و لا يخرج عنه شي‏ء آخر، و لا نعني من التعريف الحقيقي سوى هذا.

الثاني: في نقل بعض التعاريف للعموم‏

عرّفوه بوجوه:

1 شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله.

يلاحظ عليه: أنّه غير مانع لشموله المطلق فالحكم فيه أيضاً شامل لجميع أفراد مدخوله مثل قوله: أعتق رقبة.

2 شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الظاهر أنّ العموم و الخصوص من أوصاف اللفظ بماله من المعنى، لا من أوصاف المعنى وحده، و هذا بخلاف المنطوق و المفهوم، فإنّهما من أوصاف المعنى و ما ذكره من التعريف يجعل العموم و الخصوص من أوصاف المعنى وحده.

و ثانياً: أنّ الظاهر أنّ فاعل قوله:» ينطبق عليه «هو لفظ العام» كالعلماء «في قوله: أكرم العلماء و من المعلوم أنّ المقياس في العام شموله لكلّ ما ينطبق عليه‏

____________

(1)- ذكره في الكفاية في تعريف العموم و بالتالي يكون تعريفاً للعام أيضاً.