الوسائل إلى غوامض الرسائل‏

- السيد رسول الموسوي الطهراني المزيد...
664 /
455

إلى غير ذلك من الموارد [1] التي يقف عليها المتتبّع.

فلا بدّ في هذه الموارد من التزام أحد امور [2] ....

____________

بانتقال ملكيّة الجارية من مدّعي البيع إلى مدّعي الهبة و خروجها عن ملكه إمّا بالبيع أو بالهبة.

[1] إشارة إلى أمثلة كثيرة منتشرة في أبواب الفقه، منها: جعل أطراف الشبهة الغير المحصورة ثمن جارية مثلا، بناء على جواز ارتكاب جميع أطرافها، كما سيوضح مفصّلا (1).

ستّة توجيهات في المسائل الثمانية الماضية

[2] إشارة إلى التوجيهات الآتية لدفع ما توهّم في المسائل المذكورة من جواز مخالفة العلم التفصيليّ فيها، و لعلّ بعضها خلاف الظاهر، بل في غاية الضعف جدّا، و لذا قال صاحب الأوثق (رحمه اللّه): «لمّا كان جواز مخالفة العلم التفصيليّ المأخوذ من باب الطريقيّة غير معقول، فالمقصود من ذكر هذه الامور إبداء احتمال في الموارد المذكورة لدفع ما يتراءى من لزوم مخالفة العلم التفصيليّ من فتوى بعضهم أو جماعة ...» (2).

____________

(1) اعلم أنّ المصنّف (رحمه اللّه) سيتعرّض لبعض تلك الأمثلة في ما بعد إن شاء اللّه عند قوله (رحمه اللّه): «و لا بأس بالإشارة إلى بعض فروع المسألة ...». راجع فرائد الاصول 1: 97؛ كما ذكر المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه) بعضا آخر منها و قال (رحمه اللّه) في فروع مسألة واجدي المنيّ: «و منها: ما إذا استؤجر كلّ منهما لما يكون مشروطا بالطهارة كالصلاة و الصوم، فإنّ المستأجر يعلم بفساد صلاة أحد الأجيرين، فلا تفرغ ذمّة المنوب عنه ...» (فوائد الاصول 3: 82).

(2) أوثق الوسائل: 45.

456

على سبيل منع الخلوّ [1]:

الأوّل: كون العلم التفصيليّ في كلّ من أطراف الشبهة موضوعا للحكم [2]، بأن يقال: إنّ الواجب الاجتناب عمّا علم كونه بالخصوص بولا، فالمشتبهان طاهران في الواقع، و كذا المانع للصلاة الحدث المعلوم صدوره تفصيلا من مكلّف خاصّ، فالمأموم و الإمام متطهّران في الواقع.

____________

[1] احتراز عمّا إذا كان مانعة الجمع، و المراد أنّ المسائل الثمانية المتقدّمة التي توهّم فيها عدم اعتبار العلم التفصيليّ، لا بدّ في دفعه من الالتزام بإحدى التوجيهات الستّة، و لا مانع من اجتماع أكثر من توجيه واحد في مسألة منها و لا يجوز خلوّ واحدة منها من هذه التوجيهات كلّها.

و بعبارة اخرى: بعد عدم جواز مخالفة العلم التفصيليّ عقلا و بعد توهّم وقوع تلك المخالفة في المسائل الثمانية فلا بدّ لنا من الالتزام بإحدى التوجيهات الستّة على الأقلّ و إن جاز كونها متعدّدة في واحدة منها، و لا نعني من منع الخلوّ و عدم منع الجمع إلّا هذا، فانتظر توضيح كلّ واحد منها مفصّلا.

التوجيه الأوّل الذي يوجّه به المسألة الثانية و الثالثة

[2] ملخّصه: اعتبار العلم التفصيليّ في تنجّز التكليف، كما هو المستفاد ظاهرا من كلمة «بعينه» في الرواية، كما أوضحناه سابقا عند توضيح مذهب المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه)(1).

____________

(1) انظر الصفحة 362.

457

و قد صرّح به المصنّف (رحمه اللّه) قبل أن يشرع في تلك المسائل عند قوله: «لو فرضنا أنّ الشارع لم يحكم بوجوب الاجتناب إلّا عمّا علم تفصيلا نجاسته فلا إشكال في عدم اعتبار العلم الإجماليّ بالنجاسة» (1).

قال بعض المحشّين: «و أمّا ما حكم به بعض من جواز ارتكاب كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة فيندفع أوّلا بالمنع عن صحّته، بل و لا قائل به صريحا، و إنّما قوّاه المحقّق القمّيّ‏ (2) و العلّامة المجلسيّ بحسب الدليل و لم يظهر منهما القول و العمل به، و إذا كان العلم الإجماليّ متّبعا عندهم في مقام العمل فالعلم التفصيليّ بطريق أولى ...» (3).

و بالجملة، في هاتين المسألتين لا يجب الاجتناب عن المشتبهين في أطراف العلم الإجماليّ المحصور، بل الواجب هو الاجتناب عمّا علمت نجاسته تفصيلا بناء على دخل العلم التفصيليّ في تنجّز التكليف‏ (4)، و أيضا المانع من صحّة اقتداء أحد واجدي المنيّ بالآخر هو الحدث المعلوم تفصيلا، لا المعلوم إجمالا، و مع‏

____________

(1) فرائد الاصول 1: 78 و 79.

(2) لكن كما مرّ سابقا أنّ هذه النسبة إلى المحقّق المذكور لا وجه لها، انظر الصفحة 362.

(3) تسديد القواعد: 94.

(4) أقول: ما أوضحناه في المقام من احتمال دخل العلم التفصيليّ في الحكم قد أوضحه المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه) في ضمن بعض المباحث الآتية، حيث قال: «ثمّ إنّا لو قلنا بهذا التفصيل، فلا يتوجّه عليه النقض بما لو تولّد من الخطابات الإجماليّة علم تفصيليّ بحرمة شي‏ء أو وجوبه في الشبهات الموضوعيّة أو الحكميّة، كما لو تردّد مائع معيّن بين كونه بولا أو خمرا، أو علم إجمالا بوجوب إكرام العالم أو العادل ...». (حاشية فرائد الاصول: 79).

458

الثاني: أنّ الحكم الظاهريّ في حقّ كلّ أحد نافذ واقعا في حقّ الآخر [1]،

____________

تماميّة هذا البناء لا يرد الإشكال على القائل بجواز الارتكاب في المسألة الثانية و جواز الاقتداء في المسألة الثالثة.

و قد عرفت سابقا بطلان هذا المبنى من أصله؛ لانطباقه على مذهب التصويب الذي قال به العامّة.

التوجيه الثاني الذي يوجّه به المسائل المذكورة عدا الاولى و الثانية

[1] محصّل هذا الجواب تبدّل موضوع الحكم الواقعيّ بالحكم الظاهريّ‏ (1)، و قد أوضحه المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) و قال: «فإنّ هذه الامور (2) توجب تبدّل موضوع الحكم، إمّا تبدّلا واقعيّا و إمّا تبدّلا ظاهريّا، و تفصيل ذلك: هو أنّه في مورد التحالف يتبدّل الموضوع واقعا؛ لأنّه يقتضي فسخ العقد المتنازع فيه و رجوع كلّ من الثمن و المثمن إلى ملك مالكه قبل العقد- إلى أن قال-:

و أمّا حكم الحاكم: فبالنسبة إلى غير المحكوم له يوجب التبدّل الواقعيّ أيضا ...» (3).

____________

(1) أقول: هذا الجواب يتفرّع عليه فروعات كثيرة في أبواب الفقه، منها: المجتهد المعتقد بطهارة الغسالة مثلا، ينفذ هذا الحكم الظاهريّ منه في حقّ المعتقد نجاسته بحيث لا يجب عليه الاجتناب منه، و هكذا الحكم في اعتبار العربيّة و الماضويّة في صيغ المعاملات- كالبيع و النكاح و غيرهما- و التفصيل في محلّه.

(2) أي «حكم الحاكم» و «التحالف» و «الإقرار».

(3) فوائد الاصول 3: 84 و 85.

459

بأن يقال: إنّ من كانت صلاته بحسب الظاهر صحيحة عند نفسه، فللآخر أن يرتّب عليها آثار الصحّة الواقعيّة، فيجوز له [1] الائتمام به. و كذا [2] من حلّ له أخذ الدار ممّن وصل إليه نصفه [3]، ....

____________

[1] أي للآخر.

[2] أي و كذا المورد الآتي أيضا من قبيل كون الحكم الظاهريّ في حقّ كلّ أحد نافذا في حقّ الآخر واقعا.

[3] الموصول الأوّل‏ (1) ينطبق على الشخص الثالث الذي اشترى النصفين في المسألة الرابعة، و أمّا الثاني‏ (2) منه فينطبق على أحد المتداعيين الذي ملك النصف بحكم الحاكم ظاهرا.

و بالجملة، فهذا المورد أيضا يصحّحه تبدّل الموضوع، كما قال المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه): «لا أثر للعلم الإجماليّ بكون الدار كلّها لأحد المتداعيين و أخذ أحدهما النصف بلا حقّ ...» (3).

أقول: و يمكن تقريب هذا الجواب بأنّ العلم الإجماليّ و إن اقتضى تنجّز التكليف إلّا أنّه مشروط بعدم وجود المانع عنه، و لا يخفى انتفاء هذا الشرط في كثير من المسائل المذكورة؛ لاشتمال بعض منها على حكم الحاكم، و بعض آخر منها على إقرار المقرّ، و الأخيرتان منها على التحالف، و لعلّ كلّا منها يعدّ مانعا، و لذا يقال في محلّه: إنّ تنجيز التكليف بالعلم الإجماليّ حدوثا و بقاء يوجب تنجّز

____________

(1) أي قوله: «من» في «من حلّ».

(2) أي قوله: «من» في «ممّن وصل».

(3) فوائد الاصول 3: 85.

460

إذا لم يعلم كذبه في الدعوى [1]- بأن استند [2] إلى بيّنة، أو إقرار، أو اعتقاد من القرائن [3]- ...

____________

التكليف، و من المعلوم أنّه لا بقاء للعلم الإجماليّ بعد عروض تلك الموانع، و هذا هو السرّ في انتفاء التكليف عند انحلال العلم الإجماليّ حقيقة أو حكما، فراجع محلّه‏ (1).

[1] أي لا يثبت الحكم الظاهريّ في حقّ من علم أنّه كاذب في دعواه، و وجهه أنّه لا يصحّ تنزيله شرعا منزلة الواقع.

و بعبارة اخرى: إنّ معلوم الكذب- سواء علم كذبه عند الحاكم أو عند الثالث- لا يجري الحكم الظاهريّ فيه كي ينفذ في حقّ غيره واقعا، بل يشترط في جريانه‏ (2) فيه عدم العلم بكذبه، فافهم.

[2] الضمير المستتر في الفعل يعود إلى «من وصل إليه النصف» و الضمير المجرور في قوله: «لم يعلم كذبه» يعود إلى أحد المتداعيين الذي وصل إليه النصف بحكم الحاكم ظاهرا.

[3] مراده (رحمه اللّه) بيان مصاديق عدم العلم بالكذب، كأن يثبت الملكيّة عند الحاكم بالبيّنة، أو بإقرار المالك السابق، أو بالقرائن الخارجيّة المفيدة للاعتقاد و القطع به ظاهرا.

____________

(1) الانحلال حكما قال به المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في موارد متعدّدة: منها: في مبحث الاستدلال بالوجوه العقليّة لإثبات حجّيّة خبر الواحد حيث قال: «لا نحلّ علمنا الإجماليّ ...» (كفاية الاصول: 304)، و منها: في مبحث الانسداد حيث قال: «قد عرفت انحلال العلم الإجماليّ ...» (كفاية الاصول: 312).

(2) أي الحكم الظاهريّ.

461

فإنّه [1] يملك هذا النصف في الواقع، و كذلك [2] إذا اشترى النصف الآخر، فيثبت ملكه للنصفين في الواقع. و كذا الأخذ [3] ممّن وصل إليه نصف الدرهم في مسألة الصلح [4]، و مسألتي التحالف [5].

____________

و بالجملة، إذا ادّعى واحد منهما الدار كلّها و استند إلى البيّنة، أو أقرّ له المالك السابق و شهد بصدقه عند الحاكم في ما ادّعاه، أو حصل القطع بصدقه ظاهرا من القرائن الخارجيّة و حكم القاضي بكون نصفها له، فيجوز للثالث أن يرتّب الأثر عليه و يأخذ نصفها منه بالبيع أو بعقد آخر، فافهم.

[1] الضمير المنصوب يعود إلى «من حلّ له الأخذ» أي الثالث.

[2] يعني كما أنّ المشتري يصير مالكا واقعا للنصف الذي اشترى من أحدهما، كذلك يجوز له أن يصير مالكا للنصف الآخر الذي اشتراه ممّن وصل إليه النصف الآخر ظاهرا بحكم الحاكم، فيصير مالكا لكلّ من النصفين واقعا.

[3] الألف و اللام عوض عن المضاف إليه، أي أخذ الدرهم، و مراده (رحمه اللّه) أنّ أخذ الدرهم ممّن وصل إليه أيضا من قبيل الحكم الظاهريّ النافذ واقعا في حقّ الآخر.

[4] إشارة إلى مسألة الودعيّ، و وجه التعبير عنها بالصلح عنوان الفقهاء هذه المسألة في باب الصلح، كما صرّح به صاحب الأوثق (رحمه اللّه)(1)، فكأنّه قال: في مسألة الودعيّ المذكورة في باب الصلح.

[5] إشارة إلى المسألتين الأخيرتين- أعني الاختلاف و النزاع في تعيين‏

____________

(1) انظر أوثق الوسائل: 46.

462

الثالث: أن يلتزم:

بتقييد [1] الأحكام المذكورة بما إذا لم يفض إلى العلم التفصيليّ بالمخالفة [2]، و المنع ممّا يستلزم المخالفة المعلومة تفصيلا، كمسألة اختلاف الامّة على قولين.

____________

الثمن أو المثمن، و في أنّ سبب التمليك هو البيع أو الهبة- و مراده (رحمه اللّه) هو أنّ التحالف فيهما يوجب تبدّل الواقع و سقوط العلم الإجماليّ عن التأثير بالتقريب المتقدّم.

التوجيه الثالث الذي يوجّه به المسألة الاولى‏

[1] أي بأن يحمل كلام الأصحاب على التقييد و أنّ مرادهم من تجويز الأصل في صورة اختلاف الامّة على قولين هو خصوص المثال الأوّل‏ (1) دون الثاني‏ (2)، و من المعلوم أنّ مع التقييد و رفع اليد عن إطلاق كلامهم يرتفع المحذور بالمرّة (3)، فافهم.

[2] مثال عدم الإفضاء إلى العلم التفصيليّ بالمخالفة هو صورة توافق الأصل مع أحد القولين، كاختلاف الامّة مثلا على حرمة التتن و حلّيّته واقعا، فإنّ طرح القولين و الرجوع إلى الأصل الذي مفاده الإباحة الظاهريّة، بعد توافقه مع القول الثاني لا محذور فيه، قبال اختلافهم في وجوب صلاة الجمعة أو الظهر الذي قد عرفت سابقا إفضاء الأصل فيها إلى العلم التفصيليّ بالمخالفة.

____________

(1) و هو اختلاف الأصحاب في حرمة التتن و حلّيّته واقعا.

(2) و هو اختلاف الأصحاب في صلاة الجمعة وجوبا و تحريما في زمن الغيبة.

(3) قال (رحمه اللّه) في قلائد الفرائد 1: 100: «إنّ الدليل على التقييد المزبور إنّما هو استقلال العقل بقبح إسقاط الشارع العلم التفصيليّ عن الاعتبار».

463

و حمل أخذ المبيع [1] في مسألتي التحالف على كونه [2] تقاصّا شرعيّا قهريّا عمّا يدّعيه [3] من الثمن، أو انفساخ البيع بالتحالف [4] من أصله، أو من حينه.

____________

التوجيه الرابع الذي يوجّه به المسألة السابعة و الثامنة

[1] هذا بجملته عطف على «بتقييد الأحكام» أي «و يلتزم بحمل أخذ المبيع ...»، و مراده (رحمه اللّه) تصحيح المسألتين الأخيرتين بهذا الجواب مضافا إلى تصحيحهما بالجواب الثاني- كما هو شأن موارد منع الخلوّ-، و ملخّص التوجيه هو جريان حكم التقاصّ الشرعيّ فيهما قهرا، بتقريب أنّ البائع و المشتري و إن ملك كلّ منهما الثمن و الجارية، إلّا أنّهما لمّا لم يصلا إلى ما يدّعيانه، أخذ أحدهما الثمن و ثانيهما الجارية تقاصّا بعد أنّ كلّا منهما يعدّ نفسه ذا حقّ شرعا، و هذا التوجيه يجري أيضا في صورة الاختلاف في أنّ سبب التمليك هو البيع أو الهبة.

[2] الضمير يعود إلى «أخذ المبيع».

[3] الضمير يعود إلى «البائع».

التوجيه الخامس الذي يوجّه به المسألتان الأخيرتان‏

[4] هذا أيضا عطف على قوله: «بتقييد الأحكام»، و مراده (رحمه اللّه) تصحيح المسألتين المذكورتين أيضا بالالتزام بانفساخ العقد إمّا من أصله- أي من حين صدور البيع بحيث يرجع كلّ من الثمن و المثمن إلى مالكه- و إمّا من حين وقوع‏

464

و كون أخذ نصف الدرهم مصالحة قهريّة [1].

____________

التحالف من المتخاصمين، كما أوضحه صاحب الأوثق (رحمه اللّه) مفصّلا (1)، و هذا هو التسامح الذي وعدناه سابقا و قلنا إنّ المصنّف (رحمه اللّه) سينبّه عليه في ما بعد إن شاء اللّه‏ (2).

التوجيه السادس الذي يوجّه به المسألة الخامسة

[1] هذا أيضا عطف على قوله: «بتقييد الأحكام»، و المقصود من هذا التوجيه تصحيح المسألة الخامسة بتقريب أنّه يلتزم بكون أخذ نصف الدرهم من باب الصلح القهريّ و أنّ الدرهم المعهود و إن كان في الواقع ملكا لأحد المراجعين إلى الودعيّ، إلّا أنّ الشارع الأقدس حكم بالتنصيف بينهما حسما لمادّة النزاع، كما هو مقتضى صريح بعض الروايات الواردة في الباب، المعمول بها عند الأصحاب، فتصرّف الشخص الثالث في مجموع النصفين يصير جائزا له بعد وصول كلّ منهما إليه من مالكه الشرعيّ التعبّديّ‏ (3).

و لا يخفى أنّ التوجيهات المذكورة في كلام المصنّف (رحمه اللّه) ثلاثة، لكنّها في الحقيقة ستّة بالتقريب المذكور إلى هنا.

____________

(1) راجع أوثق الوسائل: 44.

(2) راجع الصفحة 454.

(3) أقول: لا يتوهّم أنّ هذا التوجيه يشمل المسألة الرابعة- أي مسألة تنصيف الدار- أيضا؛ لأنّ المالك الواقعيّ لجميع الدار بعد أن يعلم كذب خصمه المدّعي مالكيّة جميع الدار تفصيلا، لا يرضى بالمصالحة قطعا.

465

و عليك بالتأمّل في دفع الإشكال عن كلّ مورد بأحد الامور المذكورة؛ فإنّ اعتبار العلم التفصيليّ بالحكم الواقعيّ و حرمة مخالفته ممّا لا يقبل التخصيص بإجماع أو نحوه [1].

إذا عرفت هذا [2]، فلنعد إلى حكم مخالفة العلم الإجماليّ، فنقول:

____________

[1] إشارة إلى عدم تطرّق التخصيص و التقييد في الأحكام العقليّة بالإجماع أو نحوه‏ (1) في مورد علم الحكم الواقعيّ تفصيلا، و في المسائل الثمانية المتقدّمة حيث يتوهّم تخصيص الحكم الواقعيّ المعلوم تفصيلا، فلا بدّ من الالتزام بإحدى التوجيهات الستّة المتقدّمة، مع أنّ بعضها خلاف الظاهر جدّا، فافهم.

اعلم أنّ المصنّف (رحمه اللّه) سيذكر المسائل المذكورة مع اجوبتها أيضا في مبحث الاشتغال‏ (2).

[2] أي حجّيّة العلم التفصيليّ مطلقا و بلا فرق بين كونه متولّدا من العلم الإجماليّ و غيره و قد عرفت سابقا أنّ العلم التفصيليّ هو القطع الطريقيّ المحض‏ (3) الذي هو حجّة ذاتا بحكم العقل المستقلّ‏ (4).

____________

(1) كالسيرة العمليّة قبال الإجماع الذي هو القول و لذا يقال: الإجماع على قسمين: القوليّ و العمليّ و الثاني يعبّر عنه بالسيرة.

(2) انظر فرائد الاصول 2: 206 و 207.

(3) انظر الصفحة 434- 436، ذيل عنوان «اختصاص البحث بالقطع الطريقيّ».

(4) راجع الصفحة 65، ذيل عنوان «وجه لزوم متابعة القطع و كون طريقيّته ذاتيّة».

466

مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال يتصوّر على وجهين [1]:

الأوّل: مخالفته من حيث الالتزام [2]، ...

____________

أقسام مخالفة الحكم المعلوم بالعلم الإجماليّ و بيان أحكامها

[1] بعد تعرّضه (رحمه اللّه) للأمرين المهمّين في المقام، شرع في بيان حكم مخالفة المعلوم بالإجمال، و قد قال سابقا: «و لا بدّ قبل التعرّض لبيان حكم الأقسام من التعرّض لأمرين ...»، و كيف كان، يكون مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال تارة باطنا، و يعبّر عنه ب «المخالفة الالتزاميّة» و اخرى ظاهرا، و يعبّر عنه ب «المخالفة العمليّة».

[2] هذا هو الوجه الأوّل و يأتي الوجه الثاني عن قريب عند قوله: «الثاني مخالفته من حيث العمل ...».

المخالفة الالتزاميّة و العمليّة و النسبة بينهما

اعلم أنّ كلّا من المخالفة و الموافقة الالتزاميّتين عمل الجوانح، بأن يعتقد المكلّف و يتديّن بالأحكام الواقعيّة قلبا أو لا يعتقد، و هذا في قبال المخالفة و الموافقة العمليّتين، فإنّهما عمل الجوارح، بأن يعمل المكلّف بوظيفته أو لا يعمل بها خارجا، و ستعرف أنّ الممنوع عقلا و الحرام شرعا هو خصوص المخالفة العمليّة، دون الالتزاميّة.

فمورد النزاع أنّ مع العلم بالتكليف و لزوم موافقته عملا في الخارج هل يجب‏

467

موافقته التزاما في القلب أيضا بحيث يجب على المكلّف امتثالان أم لا؟ و قد طرح هذه المسألة المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) و اختار (قدّس سرّه) القول الثاني منها (1).

قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «إنّ النسبة بين المخالفتين- أعني الالتزاميّة و العمليّة- عموم و خصوص من وجه؛ مورد الاجتماع بينهما ما إذا ارتكب جميع أطراف الشبهة المحصورة مع الالتزام بإباحتها و مورد الافتراق من جانب المخالفة العمليّة ما إذا شرب الخمر مع الالتزام بحرمته واقعا، و مورد الافتراق من جانب المخالفة الالتزاميّة ما هو مرقوم في المتن من المثالين. و محلّ النزاع إنّما هو القسم الأوّل و الثالث، سواء كانا في الشبهة الموضوعيّة أو الحكميّة بأقسامها، دون القسم الثاني؛ فإنّه لا دخل له بمحلّ النزاع، كما أنّه لا دخل له بمسألة العلم الإجماليّ؛ فإنّه موجود في جميع موارد صدور المعصية عن المسلمين مع العلم التفصيليّ بالوجوب أو الحرمة» (2).

أقسام المخالفة و تحرير محلّ النزاع‏

اعلم أنّ المخالفة تتصوّر على أربعة أوجه:

1- المخالفة العمليّة للأحكام الفرعيّة الشرعيّة؛ و هذا القسم ممّا لا إشكال و لا خلاف في حرمته و ترتّب العقوبة عليها مطلقا، سواء كانت تعبّديّة- كالصلاة-، أو

____________

(1) انظر كفاية الاصول: 268.

(2) قلائد الفرائد 1: 100.

468

توصّليّة- كدفن الميّت المسلم-.

2- المخالفة الالتزاميّة للأحكام الاصوليّة الاعتقاديّة؛ و هذا القسم أيضا ممّا لا إشكال و لا خلاف في حرمته و ترتّب العقوبة عليها قطعا؛ كعدم الاعتقاد بالمبدإ و المعاد مثلا بعد كون المطلوب فيهما أوّلا و بالذات هو الاعتقاد و التديّن بهما قلبا.

3- المخالفة الالتزاميّة للأحكام الفرعيّة التعبّديّة؛ و هذا القسم أيضا لا إشكال و لا خلاف في حرمته، لكن لا أوّلا و بالذات بل من حيث كونها مقدّمة؛ لأجل عدم التمكّن من قصد التقرّب عند عدم الالتزام بها قلبا، كما في الصوم و الصلاة و غيرهما من الامور العباديّة المحتاجة إلى قصد التقرّب.

4- المخالفة الالتزاميّة للأحكام الفرعيّة التوصّليّة؛ و إنّما وقع الخلاف و النزاع في هذا القسم، و مثاله دفن الميّت المسلم مثلا، و ستعرف الخلاف و الإشكال فيها بين مشهور العلماء و غيرهم.

توضيح مذهب المشهور و غيرهم في المخالفة الالتزاميّة

ذهب غير المشهور من الأصحاب إلى حرمة المخالفة الالتزاميّة لدلالة بعض الأدلّة الآتية عليها، بل أوجبوا الموافقة الالتزاميّة وجوبا نفسيّا، و بعبارة اخرى: قد ألزموا التديّن قلبا بجميع الأحكام الفرعيّة تعبّديّة كانت أو توصّليّة، بحيث حكموا باستحقاق عقوبة غير الملتزم بها كما في سائر الواجبات النفسيّة كالصلاة مثلا.

و أمّا المشهور فإنّهم أوجبوها بالوجوب الغيريّ المقدّمي- أعني وجوبها مقدّمة

469

للعمل لا نفسا-، و على هذا لا يستحقّ من لا يلتزم بها عقوبة، كما في سائر الواجبات الغيريّة- كالوضوء مثلا-، و ستعرف في ما بعد إن شاء اللّه توضيح معنى الموافقة الالتزاميّة نقلا عن كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه)(1).

و ملخّص الكلام: أنّ المشهور- و منهم المصنّف (رحمه اللّه)- ذهبوا إلى عدم وجوب الموافقة الالتزاميّة شرعا و عدم ترتّب العقوبة على مخالفتها عقلا بشرط عدم سراية المخالفة إلى العمل خارجا، و وجهه أنّ الأمر لا يخلو من أربع حالات:

إحداهما: أن يدفن المكلّف الميّت المسلم خارجا و يلتزم بوجوبه قلبا، و هذا يعبّر عنه بالموافقة القطعيّة العمليّة، و حكمه واضح لا إبهام فيه.

و ثانيتها: أن يترك العمل و الالتزام به معا، و هذا يعبّر عنه بالمخالفة القطعيّة العمليّة، و حكمه أيضا واضح.

و ثالثتها: أن يعتقد و يلتزم بوجوبه قلبا و مع ذلك يتركه و يذهب إلى سبيله، و هذا أيضا حكمه واضح من ترتّب العقوبة عليه.

و أمّا الرابعة: الذي هو محلّ الخلاف، فهو عكس الثالث، و هو أن يدفن الميّت خوفا منه أو كراهة من رائحته أو حفظا لمحيط الحياة عن الأمراض المسرية بلا التزام به قلبا، و هذا لا تترتّب العقوبة على مخالفته الالتزاميّة؛ لأنّه ليس من الاصول الاعتقاديّة حتّى يجب التزام به ذاتا و لا من الفروع التعبّديّة حتّى يجب‏

____________

(1) انظر فوائد الاصول 3: 80 و 81، حيث قال (قدّس سرّه): «فإنّ المراد من الموافقة الالتزاميّة إن كان هو التصديق بما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فهذا ممّا لا إشكال في وجوبه ...».

470

كالالتزام بإباحة وطء المرأة المردّدة بين من حرم وطؤها بالحلف و من وجب وطؤها به [1] ...

____________

الالتزام به مقدّمة بل المطلوب فيه هو صرف الوجود- أي الوقوع خارجا بأيّ وجه اتّفق-، فافهم.

أمثلة حول المخالفة الالتزاميّة

[1] صورة الفرض: أنّ الزوج حلف إمّا بوطي زوجته و إمّا بترك الوطي لها، و تردّد الأمر بينهما بحيث لا يعلم أنّ متعلّق الحلف هو الوطي أو تركه، و هذا يعبّر عنه بالشبهة الموضوعيّة اصطلاحا و يجوز فيها الالتزام بالإباحة فعلا و تركا، لكونه من التوصّليّات الغير المحتاجة إلى قصد التقرّب.

و لا يخفى أنّ اندراج هذا المثال في ما نحن فيه- أعني المخالفة الالتزاميّة للعلم الإجماليّ- مشروط و مقيّد باتّحاد زماني الوجوب و الحرمة- كالزوال مثلا-، فإنّ التزام المكلّف بالإباحة في خصوص هذه الصورة خال عن المخالفة العمليّة القطعيّة، بل هو مخالفة التزاميّة محضة؛ لكونه في مقام العمل إمّا فاعلا موافقا لاحتمال الوجوب، أو تاركا موافقا لاحتمال الحرمة كما لا يخفى، بخلاف صورة اختلاف زماني الوجوب و الحرمة، فإنّ الالتزام بالإباحة فيها لا يخلو من المخالفة العمليّة القطعيّة.

و المثال الموضح له هو أن يعلم المكلّف باشتغال ذمّته إمّا بوجوب الوطي في زمان و إمّا بحرمته في زمان آخر، بأن يعلم إجمالا إمّا يجب عليه الوطي بالحلف‏

471

مع اتّحاد زماني الوجوب و الحرمة [1]، و كالالتزام بإباحة موضوع كليّ مردّد أمره بين الوجوب و التحريم [2] ....

____________

في أوّل الظهر مثلا، و إمّا يحرم بالحلف في أوّل الغروب مثلا، فيترك الوطي في الفرض الأوّل و يفعله في الفرض الثاني، و لا يخفى أنّه يعلم في هذا الفرض تحقّق المخالفة القطعيّة العمليّة خارجا مضافا إلى المخالفة الالتزاميّة قلبا.

و الحاصل: أنّ انفكاك المخالفة الالتزاميّة عن العمليّة يختصّ بصورة اتّحاد الزمان فقط، و أمّا في فرض اختلاف الزمان- كالمثال المذكور- فهما متلازمان، بحيث يعلم تحقّق المخالفة الالتزاميّة قلبا و المخالفة العمليّة القطعيّة خارجا، و هذا واضح ظاهر جدّا.

[1] إشارة إلى القيد المذكور الذي يحترز به عن صورة اختلاف زماني الوجوب و الحرمة بالتقريب المتقدّم آنفا، فلا تغفل.

[2] إشارة إلى الشبهة الحكميّة المنطبقة على أمثلة دوران الأمر بين المحذورين؛ كدفن الميّت المنافق مثلا المعلوم إجمالا إمّا وجوبه إلحاقا بالمسلم أو حرمته إلحاقا بالكافر، فإنّه يجوز فيه أيضا الالتزام بالإباحة فعلا و تركا؛ لكونه من التوصّليّات الغير المحتاجة إلى قصد التقرّب.

و لا يخفى أنّ اندراج المثال المذكور في ما نحن فيه مشروط و مقيّد بعدم كون كلا طرفي الشبهة تعبّديّين، بل بعدم كون أحدهما المعيّن أيضا تعبّديّا.

و بعبارة اخرى: كما أنّ الالتزام بالإباحة في الشبهة الموضوعيّة مقيّد باتّحاد زماني الوجوب و الحرمة، كذلك الالتزام بالإباحة في الشبهة الحكميّة أيضا مقيّد

472

مع عدم كون أحدهما المعيّن تعبّديا [1] يعتبر فيه قصد الامتثال؛ فإنّ المخالفة في المثالين ليست من حيث العمل؛ لأنّه لا يخلو من الفعل الموافق للوجوب و الترك الموافق للحرمة، فلا قطع بالمخالفة إلّا من حيث الالتزام بإباحة الفعل.

____________

بانتفاء التعبّد فيها، إمّا في جميع أطراف الشبهة- كالمثال المذكور؛ أعني دفن الميّت المنافق- و إمّا في أحدهما المعيّن، و أمّا إذا كانا تعبّديّين معا أو كان أحدهما المعيّن تعبّديّا- كصلاة الحائض في أيّام الاستظهار مثلا (1)-، فهما خارجان عمّا نحن بصدد البحث عنه- أعني المخالفة الالتزاميّة-، و داخلان في عنوان المخالفة العمليّة، و لا يخفى أنّه لا يوجد مورد يكون طرفا الشبهة فيه معا تعبّديّين ظاهرا، فافهم.

[1] إشارة إلى القيد المذكور الذي يحترز به عن موارد العلم الإجماليّ بالوجوب و الحرمة مع كون كليهما أو أحدهما المعيّن تعبّديّا بالتقريب المتقدّم، فلا تغفل.

اعلم أنّ الصور المتصوّرة في المقام أربع قد أوضحها بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) مفصّلا و لا بأس بنقل كلامه عينا، فإنّه (قدّس سرّه) قال: «تفصيل المقام: أنّ الوجوب و الحرمة إذا حصل العلم بأحدهما: إمّا أن يكونا تعبّديّين، أو توصّليّين، أو يكون أحدهما المعيّن تعبّديّا و الآخر توصّليّا، أو يكون أحدهما لا بعينه تعبّديّا و الآخر توصّليّا؛ فإن كانا من القسم الأوّل و الثالث: فلا إشكال في خروجهما عن محلّ البحث و دخولهما في المخالفة العمليّة؛ كيف و مع الرجوع إلى أصالة الإباحة كيف يراعى قصد القربة في كلا الطرفين في القسم الأوّل، و في الطرف المعيّن المعتبر

____________

(1) انظر الصفحة 368، الهامش 2، ذيل عنوان «صور العلم الإجماليّ (الصورة الثالثة)».

473

الثاني: مخالفته من حيث العمل [1]، كترك الأمرين اللذين يعلم بوجوب أحدهما،

____________

فيه قصد القربة في القسم الثالث؟! و إن كانا من القسم الثاني و كان الزمان واحدا، فلا إشكال في دخوله في محلّ البحث؛ لامتناع خلوّ المكلّف عن الفعل الموافق لاحتمال الوجوب، و الترك الموافق لاحتمال الحرمة، فعلى كلّ من التقديرين قد أتى بما يكون موافقا لأحد الاحتمالين، و إن كان إتيانه بعنوان الإباحة؛ لأنّ المفروض كون كلّ منهما توصّليّا، كما أنّ الرابع أيضا كذلك؛ فإنّ مع اختيار أحد من الفعل و الترك بعنوان الإباحة- كما هو محلّ الفرض- يحتمل الموافقة بحسب العمل؛ لاحتمال كون حكم الواقعة توصّليّا ساقطا بما أتى به من الفعل أو الترك، فلا يلزم المخالفة القطعيّة العمليّة. و غير خفيّ على الوفيّ أنّ عبارة المصنّف (رحمه اللّه) في المقام أو فى ببيان تمام الأقسام، بخلاف ما ذكره في باب أصالة البراءة؛ فإنّه قد أهمل فيه ذكر القسم الرابع، فراجع‏ (1). و العجب من صاحب الفصول (رحمه اللّه) حيث قال- بعد تحرير العنوان-: و الظاهر عدم الفرق في ذلك بين أن يكون أحدهما عبادة أو لا (2)» (3).

[1] هذا عدل قوله: «الأوّل: مخالفته من حيث الالتزام ...»، و الضمير المجرور في كلا الموضعين يعود إلى «الحكم المعلوم بالإجمال»، فلا تغفل.

____________

(1) فرائد الاصول 2: 179 عند قوله (رحمه اللّه): «و محلّ هذه الوجوه ما لو كان كلّ من الوجوب و التحريم توصّليّا بحيث يسقط بمجرّد الموافقة؛ إذ لو كانا تعبّديّين محتاجين إلى قصد امتثال التكليف أو كان أحدهما المعيّن كذلك ...».

(2) الفصول الغرويّة: 356.

(3) قلائد الفرائد 1: 101 و 102.

474

و ارتكاب فعلين يعلم بحرمة أحدهما [1]، فإنّ المخالفة هنا من حيث العمل.

و بعد ذلك [2]، نقول:

أمّا المخالفة الغير العمليّة [3]، فالظاهر جوازها في الشبهة الموضوعيّة و الحكمية معا، سواء كان الاشتباه و الترديد بين حكمين لموضوع واحد كالمثالين المتقدّمين [4]، ...

____________

[1] مثال الأوّل أن يترك صلاتي الجمعة و الظهر معا بعد علمه الإجماليّ بوجوب إحداهما شرعا، و مثال الثاني أن يرتكب الإناءين المشتبهين بعد علمه الإجماليّ بحرمة ارتكاب أحدهما.

[2] أي: و بعد بيان انقسام المخالفة إلى الالتزاميّة و العمليّة فلنشرع في بيان حكم كلّ منهما فنقول: «أمّا المخالفة الغير العمليّة ... و أمّا المخالفة العمليّة ...» (1).

بيان حكم المخالفة الالتزاميّة

[3] تفنّن (رحمه اللّه) في التعبير؛ فإنّ المخالفة الغير العمليّة هي عبارة اخرى للمخالفة الالتزاميّة، و بهذا البيان تعرف حكم المخالفة الالتزاميّة جوازا و حرمة، كما ستعرف في ما بعد إن شاء اللّه حكم المخالفة العمليّة كذلك، فانتظر توضيح الكلّ.

[4] إشارة إلى مثال المرأة المردّدة بين من وجب وطؤها و من حرم وطؤها بالحلف و أيضا إلى مثال دفن الميّت المنافق المردّد بين وجوبه و حرمته، فإنّ الموضوع في كلّ منهما واحد و الحكم مردّد بين الوجوب و الحرمة.

____________

(1) انظر فرائد الاصول 1: 93.

475

أو بين حكمين لموضوعين، كطهارة البدن و بقاء الحدث [1] ...

____________

[1] إشارة إلى المتوضّي بمائع مردّد بين الماء و البول، فإنّه يجري في حقّه الاستصحاب بلا ارتياب، فيحكم ببقاء حدثه و طهارة بدنه، و لا محذور فيه من جهة العلم الإجماليّ، و سيصرّح المصنّف (رحمه اللّه) بذلك في آخر مبحث الاستصحاب تحت عنوان الصورة الثالثة بقوله (رحمه اللّه): «و أمّا الصورة الثالثة- و هي ما يعمل فيه بالاستصحابين- فهو ما كان العلم الإجماليّ بارتفاع أحد المستصحبين فيه غير مؤثّر شيئا، فمخالفته لا توجب مخالفة عمليّة لحكم شرعيّ، كما لو توضّأ اشتباها بمائع مردّد بين البول و الماء، فإنّه يحكم ببقاء الحدث و طهارة الأعضاء استصحابا لهما، و ليس العلم الإجماليّ بزوال أحدهما مانعا من ذلك ...» (1).

و لا يخفى أنّ موضوع الخبث و تطهيره هو ظاهر الجسم و البدن، قبال الحدث و الطهارة عنه، فإنّ موضوعهما أمر باطنيّ كالروح و النفس، و يشهد عليه قوله (عليه السّلام)- على ما في بعض الروايات-: «الوضوء نور و الوضوء على الوضوء نور على نور» (2)، و التفصيل في محلّه‏ (3).

و ملخّص ما أفاده (رحمه اللّه): أنّ المتوضّي غفلة بمائع مردّد بين البول و الماء يحصل له‏

____________

(1) فرائد الاصول 3: 413.

(2) وسائل الشيعة 1: 265، الباب 8 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

(3) قال (قدّس سرّه) في قلائد الفرائد 1: 102: «أقول: إنّ تعدّد الموضوع في المثال المزبور ظاهر؛ فإنّ موضوع الطهارة من الخبث ظاهر البدن، و موضوع الحدث النفس؛ حيث إنّه من الحالات الرذيلة القائمة بها. ثمّ إنّ وجه التقييد بالغفلة: أنّه إن توضّأ مع الالتفات بأنّ المائع مردّد بين الماء و البول، فهو فاسد جزما و إن كان في الواقع ماء؛ لأنّ قصد القربة غير ممكن منه حينئذ له».

476

لمن توضّأ غفلة بمائع مردّد بين الماء و البول [1].

____________

العلم الإجماليّ بأحد حكمين لموضوعين: إمّا حصول الطهارة من الحدث و الخبث على فرض كون المائع ماء، و إمّا بقاء الخبث و الحدث على فرض كونه بولا.

و بعبارة اخرى: الالتزام بطهارة البدن و بقاء الحدث في المثال و إن كان تفكيكا بين المتلازمين، حيث إنّ استصحاب بقاء الطهارة ملازم لارتفاع الحدث، و استصحاب بقاء الحدث ملازم لنجاسة البدن، إلّا أنّه مع ذلك حيث لا يلزم منه سوى مجرّد المخالفة الالتزاميّة دون العمليّة فلا محذور فيه، و لذا قال صاحب الأوثق: «فالالتزام بطهارة البدن و بقاء الحدث مستلزم لما ذكر و لكن لا يلزم منه سوى مجرّد الالتزام بما يخالف الواقع من دون علم بمخالفة العمل له‏ (1)؛ لأنّه لو توضّأ بعده بماء طاهر فصلّى به يحتمل مطابقة عمله للواقع؛ لاحتمال كون المائع المردّد فيه ماء في الواقع، فلا يحصل العلم بنجاسة البدن ...» (2).

[1] قال صاحب الأوثق (قدّس سرّه): «إنّما اشترط الغفلة لأنّه لو توضّأ بالمائع المردّد فيه مع الالتفات يحصل القطع ببقاء الحدث؛ لاشتراط صحّة الوضوء بقصد القربة غير المجامع مع احتمال كونه بولا، فلا يكون ثبوت الحدث حينئذ بالأصل، و أصالة عدم بوليّته في الواقع غير مجدية في صحّة الوضوء (3)؛ لعدم كون صحّته‏

____________

(1) أي العمل بخلاف الواقع.

(2) أوثق الوسائل: 47.

(3) أي و إن كانت مجدية للشرب.

477

أمّا في الشبهة الموضوعيّة [1]؛ ....

____________

مرتّبة على عدم كون ما يتوضّأ به بولا بل على كونه ماء طاهرا و هي‏ (1) لا تثبته‏ (2) ...» (3).

و بالجملة، فوجه التقييد بالغفلة في كلام المصنّف (رحمه اللّه) هو إمكان تمشّي قصد القربة من المتوضّي؛ إذ مع الالتفات لا يمكن تمشّيه قطعا، و هو واضح ظاهر جدّا.

المخالفة الالتزاميّة في الشبهة الموضوعيّة

[1] شرع (رحمه اللّه) في تقريب دليل جواز المخالفة الالتزاميّة في الشبهة الموضوعيّة، و أمّا الشبهة الحكميّة فلها تقريب آخر ستعرفه عن قريب مفصّلا.

قال بعض المحشّين: «الكلام في جواز المخالفة القطعيّة بحسب الفتوى في الشبهة الموضوعيّة من حيث الكبرى فستعرفه في حكم الشبهة الحكميّة، و الكلام هنا من حيث الصغرى؛ بمعنى إنكار تحقّق المخالفة؛ لأنّ بالأصل يخرج مجراه عن موضوع التكليفين، و ليس غرضه (قدّس سرّه) خروج المورد بإجراء الأصل عن موضوع التكليفين حقيقة (4)؛ لوضوح أنّه غير معقول، بل غرضه أنّ الأصل الجاريّ‏

____________

(1) أي أصالة عدم البوليّة.

(2) أي كونه ماء طاهرا.

(3) أوثق الوسائل: 47. أقول: ما ادّعاه المحشّي أخيرا من عدم صحّة الوضوء بأصالة عدم البوليّة وجهه ما قرّر في محلّه من عدم ثبوت الأمر الوجوديّ بالأمر العدميّ، و التفصيل في محلّه.

(4) بل تعبّدا، كما هو شأن الاصول.

478

فلأنّ الأصل في الشبهة الموضوعيّة إنّما يخرج مجراه [1] عن موضوع التكليفين، فيقال: الأصل عدم تعلّق الحلف بوطء هذه و عدم تعلّق الحلف بترك وطئها،

____________

في الشبهة الموضوعيّة يكون حاكما على دليل الحكم و مبيّنا له، بخلاف الأصل الجاريّ في الشبهة الحكميّة، و فيه نظر ...» (1)، و انتظر توضيح ذلك في الشبهة الحكميّة (2).

[1] الضمير المجرور يعود إلى «الأصل» الذي مجراه في المثال الأوّل هو المرأة، و في المثال الأخير هو النفس و البدن، فيقال: الأصل عدم كون هذه المرأة المعيّنة محلوفة لا بفعل الوطي و لا بتركه، و أيضا الأصل عدم ملاقاة البدن للنجس و عدم كون النفس طاهرة بالتوضّي، فالمرأة كأنّها لم يتعلّق بها الحلف رأسا لا فعلا و لا تركا، و أيضا المتوضّي طاهر جسما و محدث نفسا، فإجراء الأصل لا يبقى‏

____________

(1) تسديد القواعد: 97.

(2) أقول: المناسب هنا نقل كلام بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه)، فإنّه قال: «توضيح المقام: أنّ المخالفة التي تستلزم العقاب هي ما يلزم فيه طرح قول الشارع، و إن لم يلزم طرحه- كما هو المفروض من جهة إخراج الأصل الموضوعيّ نفس الموضوع عن كونه موضوعا للحكمين- فلا يلزم المخالفة التي هي مستلزمة للعقاب، فيجوز المخالفة من حيث الالتزام حينئذ في الشبهة الموضوعيّة. و بالجملة، إنّ طرح الحكم و لو بحسب الالتزام يتوقّف على ثبوته، و هو يتوقّف على ثبوت موضوعه، و إذا بني على عدم ثبوت موضوعه- و لو بمقتضى الأصل- لم يكن ثمّة طرح أبدا؛ لأنّ عدم الحكم و لو بواسطة عدم ثبوت موضوعه لا يكون طرحا له، فالأصل الجاريّ في موضوع الحكم حاكم على دليل الحكم، فتدبّر» (قلائد الفرائد 1: 102 و 103). و لا يخفى أنّ اختلاف التقريب بين الشبهتين تكلّف محض جدّا لا يحتاج إليه؛ بعد كفاية نفي الحكمين في كلّ منهما بالأصل، و الوجه له هو عدم استلزامه المخالفة العمليّة خارجا بعد كون المكلّف فيهما فاعلا أو تاركا، فتأمّل.

479

فتخرج المرأة بذلك [1] عن موضوع حكمي التحريم و الوجوب، فيحكم بالإباحة؛ لأجل الخروج عن موضوع الوجوب و الحرمة، لا لأجل طرحهما [2] ...

____________

موضوع‏ (1) حتّى يترتّب عليه الحكم إثباتا و نفيا، و هذا معنى تقدّم الأصل الموضوعيّ على الحكميّ بالتقريب الآتي مفصّلا في مبحث البراءة تحت عنوان «الأمر الأوّل» (2).

ملخّص الكلام: أنّ المرأة في المثال لا يجري فيها أصالة عدم وقوع الحلف بوطيها أو عدم وطيها خارجا، و لا أصالة عدم وجوب وطيها و عدم حرمته شرعا كي يدّعى تنافيهما بوقوع الحلف بهما إجمالا و وقوع أحد عنواني الوجوب و الحرمة إجمالا، بل الجاريّ فيها هي أصالة عدم تعلّق الحلف بوطيها و تركه رأسا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، و لا نعني من الأصل الموضوعيّ الحاكم على الأصل الحكميّ إلّا هذا، فلا تغفل.

[1] لفظة «ذلك» إشارة إلى الأصل الموضوعيّ العدمي.

[2] هذه عبارة اخرى لقولنا آنفا: «و لا أصالة عدم وجوب وطيها و عدم حرمته شرعا ...»، و غرضه (رحمه اللّه) أنّ خروج المرأة عن تحت الحكم إثباتا و نفيا يستند إلى خروجها عن موضوع الوجوب و الحرمة رأسا- الذي يعبّر عنه بالخروج الموضوعيّ اصطلاحا-، لا إلى طرح الوجوب و الحرمة ابتداء كي ينافي مع وقوع أحدهما إجمالا و يعارض مع أدلّة وجوب الوفاء بالحلف شرعا، فافهم.

____________

(1) أي تعبّدا لا حقيقة.

(2) راجع فرائد الاصول 2: 127- 129.

480

و كذا الكلام في الحكم بطهارة البدن و بقاء الحدث في الوضوء بالمائع المردّد [1].

و أمّا الشبهة الحكميّة [2]؛ ...

____________

[1] يعني الحكم بطهارة البدن لأجل أصالة عدم ملاقاته للبول يخرج الموضوع‏ (1) عن كبرى هي: كلّ جسم لاقى نجسا فهو نجس.

و أيضا الحكم ببقاء الحدث لأجل أصالة عدم تحقّق الوضوء بالماء يخرج الموضوع‏ (2) عن كبرى هي: كلّ نفس تطهر بالتوضّي بالماء.

المخالفة الالتزاميّة في الشبهة الحكميّة

[2] بعد تقرير دليل جواز المخالفة الالتزاميّة في الشبهة الموضوعيّة شرع (رحمه اللّه) في تقريب جواز المخالفة الالتزاميّة في الشبهة الحكميّة، إلّا أنّ بينهما فرقا إثباتا، بأنّ المسألة في الشبهة الموضوعيّة كبرويّة- أعني إنكار تحقّق المخالفة رأسا بعد خروج مجرى الأصل عن موضوع التكليفين- بخلاف الشبهة الحكميّة، فإنّ المسألة فيها صغرويّة- أعني إنكار قبح المخالفة الالتزاميّة و اختصاصه‏ (3) بالمخالفة العمليّة-، و لا يخفى أنّ ما وقع من التقريب هنا أولى و أوضح من التقريب المذكور آنفا.

و الحاصل: أنّ إجراء الأصل في موارد الشبهة الحكميّة- مثل دفن الميّت المنافق الدائر أمره بين الوجوب و الحرمة- و إن لا يوجب خروج مجراه عن‏

____________

(1) أي البدن.

(2) أي النفس.

(3) أي القبح.

481

فلأنّ الاصول الجارية فيها و إن لم تخرج مجراها [1] عن موضوع الحكم الواقعيّ، بل كانت منافية لنفس الحكم- كأصالة الإباحة مع العلم بالوجوب أو الحرمة؛ فإنّ الاصول في هذه [2] منافية لنفس الحكم الواقعيّ المعلوم إجمالا [3]، ...

____________

موضوع التكليفين، لكن لا محذور فيه أصلا بعد عدم أدائه إلى المخالفة العمليّة؛ لأنّ المكلّف فيها إمّا فاعل ما يوافق احتمال الوجوب، أو تارك ما يوافق احتمال الحرمة، و لا نعني من كون المسألة فيها صغرويّة إلّا هذا، فافهم و لا تغفل.

[1] لفظة «مجراها» تنطبق على دفن الميّت المنافق، و الضمير يعود إلى «الاصول الجارية»، و الصواب قراءة الفعل‏ (1) من باب الإفعال مؤنّثا، و فاعله «الاصول الجارية»، و المراد منها أصالة الإباحة مثلا.

[2] أي في الشبهة الحكميّة.

[3] إشارة إلى كون مفاد الاصول الجارية في الشبهة الحكميّة منافيا مع الحكم الواقعيّ المعلوم إجمالا كمنافاته مع الحكم الواقعيّ المعلوم تفصيلا، و وجهه بقاء الموضوع فيها خارجا، كدفن الميّت المنافق المحكوم بالوجوب أو الحرمة واقعا المنافيين مع أصالة الإباحة، بخلاف الشبهة الموضوعيّة فإنّها لا يبقى لها موضوع بإجراء الأصل أصلا، فلا منافاة فيها تعبّدا.

و بعبارة اخرى: بعد انتفاء الموضوع في الشبهة الموضوعيّة بالأصل- كالمرأة في المثال- لا يتصوّر فيها المخالفة أصلا بخلاف الشبهة الحكميّة، فإنّه و إن يتصوّر فيها ذلك، لكنّه حيث لا تسري إلى الخارج فلا بأس به، و هو المطلوب.

____________

(1) أي قوله (رحمه اللّه): «لم تخرج».

482

لا مخرجة عن موضوعه [1]- إلّا أنّ الحكم الواقعيّ المعلوم إجمالا لا يترتّب عليه أثر إلّا وجوب الإطاعة و حرمة المعصية، و المفروض أنّه لا يلزم من إعمال الاصول مخالفة عمليّة له ليتحقّق المعصية.

و وجوب الالتزام بالحكم الواقعيّ مع قطع النظر عن العمل غير ثابت [2]؛ لأنّ الالتزام بالأحكام الفرعيّة إنّما يجب مقدّمة للعمل، و ليست كالاصول الاعتقاديّة يطلب فيها الالتزام و الاعتقاد من حيث الذات.

____________

[1] تقدير الكلام هكذا: الاصول الجارية في الشبهة الحكميّة ليست كالاصول الجارية في الشبهة الموضوعيّة، فلا تكون مخرجة لمجراها عن موضوع الحكم.

ملخّص الكلام: أنّ وجه عدم خروج مجرى الأصل في الشبهة الحكميّة- أعني دفن الميّت المنافق- عن موضوع الحكم الواقعيّ أنّ أصالة الإباحة مثلا هي في عرض حكمين معلومين إجمالا- أعني الوجوب و الحرمة- بلا رجحان لها عليهما، بخلاف الأصل الجاري في الشبهة الموضوعيّة- أعني المرأة في المثال- فإنّه حيث هو حاكم على أدلّة الأحكام، فلا تصل النوبة معه إلى جريانها أصلا، كما هو شأن الأصل الموضوعيّ مع الأصل الحكميّ في جميع الموارد، كما سيوضح في مبحث البراءة مفصّلا (1).

[2] هذا جواب عن سؤال مقدّر.

أمّا السؤال فملخّصه: أنّ مع احتمال كون وجوب الالتزام من الواجبات المستقلّة- أي النفسيّة- يحتمل تحقّق المعصية بتركه احتمالا قويّا، فلا يتمّ إنكار

____________

(1) راجع فرائد الاصول 2: 127.

483

المصنّف (رحمه اللّه) إيّاه بنحو القطع و الجزم.

و أمّا الجواب فملخّصه: أنّا لا نسلّم كون وجوب الالتزام من الواجبات المستقلّة النفسيّة؛ إذ غايته أن يكون واجبا تبعيّا غيريّا، أي مقدّمة للعمل في خصوص التعبّديّات التي عرفت خروجها عن مفروض الكلام.

و بالجملة، الأحكام الفرعيّة التوصّليّة- كدفن الميّت المسلم مثلا- بعد إمكان تحقّق الإطاعة فيها خارجا بلا موافقة التزاميّة، بل حتّى مع الالتزام بخلافها، لا مجال للحكم بوجوب الالتزام فيها مستقلّا، بل غايته الوجوب المقدّميّ- كنصب السلّم للصعود على السطح مثلا- لا مطلقا، بل يجب في خصوص التعبّديّات منها، خلافا للأحكام الاعتقاديّة كالمبدإ و المعاد مثلا، فإنّ وجوب الالتزام فيها أمر مطلوب نفسيّ، و هو واضح ظاهر لا غبار عليه.

هذا كلّه على مذهب المشهور، كما عرفته سابقا، و أمّا غيرهم فقد استدلّوا لإثبات مدّعاهم- أعني وجوب الالتزام في جميع الأحكام، حتّى في التوصّليّات- بوجوه عقليّة و نقليّة، و ملخّصها ما سننقله عن المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) من أنّ كلّ تكليف شرعيّ توصّليّا كان أو تعبّديّا، يجب فيه إطاعتان و امتثالان، أحدهما عمليّ و الآخر التزاميّ بحيث يستحقّ العقوبة على عدم الالتزام به‏ (1).

____________

(1) انظر الصفحة 490، ذيل عنوان «نقد أدلّة وجوب الموافقة الالتزاميّة و حرمة مخالفتها» نقلا عن كفاية الاصول: 268.

484

و لو فرض ثبوت الدليل- عقلا أو نقلا [1]- ...

____________

و لا يخفى أنّ المصنّف (رحمه اللّه) قد ردّ عليهم مفصّلا في مبحث البراءة أيضا و قال:

«أمّا دعوى وجوب الالتزام بحكم اللّه تعالى؛ لعموم دليل وجوب الانقياد للشرع ففيها ...» (1).

أدلّة غير المشهور القائلين بوجوب الموافقة الالتزاميّة و حرمة مخالفتها

[1] إشارة إلى عموم أدلّة دالّة على وجوب الانقياد للشرع مستقلّا حسب ما زعمه غير المشهور.

منها: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ (2)، فإنّ معناه: يا أيّها الّذين آمنوا بألسنتهم و ظاهرهم آمنوا بقلوبكم و باطنكم‏ (3).

و منها: دعوى الإجماع و الاتّفاق على وجوب تصديق ما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، بل يدّعى قيام الضرورة عليه، و ستعرف توضيح ذلك في ما بعد (4) عند نقل كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه)(5).

و منها: حكم العقل بأنّ العبد لا بدّ له من التزامه و تديّنه قلبا بكلّ ما أمر به المولى و ما نهاه عنه، و إلّا يعدّ طاغيا.

____________

(1) فرائد الاصول 2: 180.

(2) النساء: 136.

(3) انظر كنز الدقائق و بحر الغرائب 2: 652.

(4) انظر الصفحة 496.

(5) انظر فوائد الاصول 3: 80 و 81.

485

و هذه الأدلّة هي التي أقاموها لوجوب الالتزام بكلّ ما أمر به الشارع الأقدس، تعبّديّا كان أو توصّليّا.

أقول: إنّ لهم دليلا آخر سيصرّح المصنّف (رحمه اللّه) به في ما بعد عند قوله: «و يمكن استفادة الحكم أيضا من فحوى أخبار التخيير عند التعارض» (1).

توضيح ذلك: أنّهم قاسوا ما نحن فيه‏ (2) بالخبرين المتعارضين المتكافئين، في وجوب أخذ أحد الخبرين مخيّرا بينهما، بمقتضى الأخبار العلاجيّة التي أصرّ فيها الإمام (عليه السّلام) على عدم جواز طرح كليهما مهما أمكن‏ (3)، فإذا وجب ذلك في الخبرين الظنّيّين اللذين يحتمل عدم صدورهما عن المعصوم أو عدم موافقتهما الواقع معا- كما هو شأن كلّ ما يقع طريقا للحكم- فوجوب أخذ أحدهما و الالتزام به في صورة العلم بموافقة أحد الحكمين للواقع- كالمثال المذكور على ما هو شأن العلم الإجماليّ- يكون بطريق أولى‏ (4).

لا يخفى أنّ الدليل الأخير (5) منهم قد ردّه المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث البراءة عند قوله: «و من هنا يبطل قياس ما نحن فيه بصورة تعارض الخبرين ...» (6)، و ردّه‏

____________

(1) فرائد الاصول 1: 92.

(2) أي العلم الإجماليّ بالتكليف؛ كوجوب دفن الميّت المنافق و حرمته.

(3) راجع وسائل الشيعة 18: 88، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42 و 43.

(4) هذا كلّه سيصرّح به صاحب الأوثق في الحاشية و سننقله إن شاء اللّه في محلّه المناسب، انظر الصفحة 530، نقلا عن أوثق الوسائل: 48.

(5) أي فحوى أخبار التخيير عند التعارض.

(6) فرائد الاصول 2: 181.

486

على وجوب الالتزام بحكم اللّه الواقعيّ، لم ينفع [1]؛ ...

____________

أيضا المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في الكفاية (1).

و أمّا أدلّتهم الآخر فقد ردّها بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) و قال: «أقول: عدم الدليل على المنع‏ (2) دليل على الجواز؛ فإنّ ما يتصوّر دليلا للمنع أحد الأمرين: إمّا لزوم المخالفة العمليّة، و المفروض عدمه، و إمّا لزوم المخالفة لما دلّ من العقل و النقل على وجوب الالتزام بحكم اللّه تعالى؛ أمّا العقليّ: فهو حكم العقل بوجوب الالتزام و التديّن لكلّ من تديّن بدين بالأحكام الثابتة في هذا الدين، و أمّا النقليّ:

فهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ‏ (3)، و تحقيق الجواب عنهما (4): أنّ الالتزام بالأحكام يتصوّر على وجوه ...» (5).

نقد أدلّة وجوب الموافقة الالتزاميّة و حرمة مخالفتها

[1] أي الدليل العقليّ أو النقليّ على فرض ثبوته واقعا لا ينفع لما نحن فيه- أعني دفن الميّت المنافق و غيره من الأحكام المردّدة بين الوجوب و الحرمة إجمالا-، و عليه فلا يثبت ما ادّعاه الخصم من وجوب الموافقة الالتزاميّة فيه،

____________

(1) انظر كفاية الاصول: 355- 357.

(2) أي المنع عن المخالفة الالتزاميّة.

(3) النساء: 136.

(4) أي عن الدليل العقليّ و النقليّ.

(5) قلائد الفرائد 1: 103.

487

بتقريب أنّه مع إمكان وقوع المثال المذكور مجرى الأصل ببركة عروض الشكّ فيه- كما هو (1) شأن العلم الإجماليّ في جميع الموارد- لا يبقى لنا حكم أصلا كي يجب الأخذ به عقلا و الالتزام به شرعا، فيخرج المثال من أصله عن موضوع وجوب الالتزام بأحكام اللّه بعين التقريب المتقدّم في الشبهة الموضوعيّة، و هو المطلوب.

و الحاصل: أنّه بعد كون المطلوب في الأحكام الفرعيّة التوصّليّة صرف الوجود خارجا بأيّ داع كان، لا نسلّم رأسا وجوب الالتزام بها عقلا و نقلا، هذا أوّلا.

و ثانيا: على فرض تسليمه، نحن نقول به‏ (2) في خصوص المعلوم بالتفصيل- كدفن الميّت المسلم مثلا المعلوم وجوبه تفصيلا، و كدفن الميّت الكافر مثلا المعلوم حرمته تفصيلا-، أمّا دفن الميّت المنافق المشكوك وجوبه و حرمته، فلا يشمله الدليل أصلا؛ لأنّ مع الشكّ و جريان الأصل فيه فكأنّه لا حكم له واقعا حتّى يجب الالتزام به عقلا و نقلا، و هو المطلوب.

و بعد معرفة ذلك كلّه صار تقدير كلامه (رحمه اللّه) هكذا: الدليل العقليّ و النقليّ الدالّ على وجوب الالتزام- على فرض تماميّته- ينفع في موارد العلم التفصيليّ بالحكم- كدفن الميّت المسلم مثلا-، و أمّا في ما نحن فيه- أي في فرض حصول العلم الإجماليّ بوجوب دفن الميّت المنافق و حرمته مثلا- فلا ينفع.

____________

(1) أي عروض الشكّ.

(2) أي بوجوب الالتزام.

488

لأنّ الاصول تحكم في مجاريها [1] بانتفاء الحكم الواقعيّ [2]، ....

____________

[1] لفظة «مجاري» هنا و في ما بعد ينطبق على المثال المذكور- أعني دفن الميّت المنافق، و الضمير المؤنّث في كليهما يعود إلى «الاصول».

[2] اعلم أنّ كلامه هذا (رحمه اللّه) لا يتمّ ظاهرا؛ لأنّ الاصول شأنها نفي الحكم الظاهريّ، و العجب أنّه تكرّر ذلك منه (رحمه اللّه) ثانيا عند قوله: «طرحا للحكم الواقعيّ ...»، و قد اعترض عليه هناك المحقّق الآشتيانيّ (رحمه اللّه) بأنّ مفاد الأصل هي الإباحة الظاهريّة، و الرجوع إليه ليس طرحا للواقع‏ (1).

أقول: هذا يمكن توجيهه بأن يراد منه الحكم الواقعيّ الفعليّ الجائز نفيه بالأصل، بخلاف الحكم الواقعيّ الإنشائيّ‏ (2)، فإنّه لا يمكن طرحه أصلا، فافهم.

و كيف كان، فالمثال المذكور (3) و إن يعدّ في بادئ النظر شبهة حكميّة من حيث الجهل بالوجوب و الحرمة، لكنّه بعد التأمّل يعدّ شبهة موضوعيّة من حيث عدم العلم بكونه ممّا يجب الالتزام بوجوبه- كدفن الميّت المسلم- أو ممّا يجب الالتزام بحرمته- كدفن الميّت الكافر-، فبأصالة عدم كونه منهما يخرج عن تحت موضوع الأدلّة الدالّة بعمومها على وجوب الالتزام بالواجبات و المحرّمات الإلهيّة، و إليه أشار (رحمه اللّه) بقوله: «فهي كالاصول في الشبهة الموضوعيّة ...».

____________

(1) انظر بحر الفوائد، الجزء الأوّل: 56 و 57.

(2) لا يخفى أنّ مقابل الحكم الواقعيّ و الإنشائيّ هو مرتبة الاقتضاء و التنجيز، و قد يعبّر عن كلّها اصطلاحا بمراتب الأربعة للحكم، و التفصيل في محلّه. انظر الصفحة 360، الهامش 3، ذيل عنوان «تحرير محلّ البحث».

(3) أي دفن الميّت المنافق.

489

فهي [1]- كالاصول في الشبهة الموضوعيّة- مخرجة لمجاريها عن موضوع ذلك الحكم؛ أعني وجوب الأخذ بحكم اللّه.

____________

و سيصرّح المصنّف (رحمه اللّه) بما قلناه في المقام من إرجاع الشبهة الحكميّة إلى الشبهة الموضوعيّة في مبحث البراءة بقوله: «الشبهة من هذه الجهة موضوعيّة لا يجب الاحتياط فيها ...» (1).

[1] الضمير يعود إلى الاصول الجارية لنفي الوجوب و الحرمة، و قد مرّ وجه تقريب إرجاع الشبهة الحكميّة إلى الشبهة الموضوعيّة مفصّلا و ملخّصه: أنّ الشبهة الموضوعيّة كما أنّ إجراء الأصل فيها يخرج مجراه‏ (2) عن موضوع وجوب الوفاء بالحلف شرعا، كذلك إجراء الأصل في الشبهة الحكميّة يخرج مجراه‏ (3) عن موضوع وجوب الالتزام بحكمه الواقعيّ الشرعيّ.

تنبيه: بعد ذلك كلّه بقي هنا محذور، و هو جريان الأصل في أطراف العلم الإجماليّ؛ مع أنّه يختصّ بالشبهة البدويّة، و لعلّ المصنّف (رحمه اللّه) غفل عن ذلك في المقام بزعم أنّه‏ (4) لا يستلزم المخالفة العمليّة، و يشهد على صدق ذلك قول بعض محشّي الكفاية (رحمه اللّه) فإنّه قال في مقام الردّ عليه: «إنّ الاصول العمليّة لا تكاد تجري في أطراف العلم الإجماليّ، لموانع عديدة ستأتي الإشارة إليها إجمالا، و يأتي شرحها مفصّلا في صدر بحث الاشتغال إن شاء اللّه تعالى، فهي‏ (5) مع تلك الموانع‏

____________

(1) فرائد الاصول 2: 57.

(2) أي مجرى الأصل، كالمرأة مثلا.

(3) أي دفن الميّت المنافق مثلا.

(4) أي جريان الأصل في أطراف العلم الإجماليّ.

(5) أي الاصول العمليّة.

490

لا تكاد تجري كي تدفع عنّا محذور عدم الالتزام بالحكم الواقعيّ، و كأنّ الشيخ (رحمه اللّه) لم يخطر بباله الشريف في المقام مانع عن جريان الاصول في أطراف العلم الإجماليّ سوى لزوم المخالفة العمليّة و أنّها حيث لا تلزم في دوران الأمر بين المحذورين فتجري الاصول و يدفع بها محذور عدم الالتزام بالحكم الواقعيّ و غفل عمّا سيأتي منه (رحمه اللّه) بنفسه من الاعتراف بمعارضة الاصول في أطراف العلم الإجماليّ، و قصور أدلّتها (1) عن الشمول لأطرافه‏ (2) رأسا ...» (3).

أقول: و يمكن الدفاع عن ساحة المصنّف (رحمه اللّه) بأنّ العلم الإجماليّ المانع عن جريان الاصول في أطراف العلم الإجماليّ هو في ما إذا يمكن المخالفة و الموافقة القطعيّة العمليّة كالإناءين المشتبهين بالحرام و كالظهر و الجمعة و غيرهما من موارد الشكّ في المكلّف به، و أمّا العلم الإجماليّ الذي لا يمكن فيه ذلك خارجا فوجوده كالعدم من حيث إمكان جريان الأصل فيه، و لذا يعدّ موارد الترديد بين الوجوب و الحرمة شكّا في التكليف‏ (4)، كما أوضحناه سابقا بالتفصيل‏ (5) و أيّدناه‏

____________

(1) أي الاصول.

(2) أي أطراف العلم الإجماليّ.

(3) عناية الاصول 3: 49.

(4) هذا يعبّر عنه اصطلاحا بدوران الأمر بين المحذورين.

(5) انظر الصفحة 47 و ما بعدها، ذيل العناوين «أقسام الشكّ في التكليف و بيان أحكامها» و «دفع توهّم إلحاق الشكّ في التكليف النوعيّ بالشكّ في المكلّف به» و «مناط تشخيص الشكّ في التكليف و المكلّف به».

491

هذا، و لكنّ التحقيق: أنّه لو ثبت هذا التكليف- أعني وجوب الأخذ بحكم اللّه و الالتزام به مع قطع النظر عن العمل [1]- لم تجر الاصول؛ ...

____________

بكلام السيّد الخوئيّ (رحمه اللّه)(1)، فنسبة الغفلة هنا إلى المصنّف ناش عن عدم التأمّل في كلامه و مرامه (رحمه اللّه).

فعلى هذا ينحصر الردّ على مذهب غير المشهور القائلين بوجوب الموافقة الالتزاميّة بما قاله المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه)، فإنّه قال: «الأمر الخامس: هل تنجّز التكليف بالقطع، كما يقتضي موافقته عملا، يقتضي موافقته التزاما و التسليم له اعتقادا و انقيادا؟ كما هو اللّازم في الاصول الدينيّة و الامور الاعتقاديّة، بحيث كان له امتثالان و طاعتان، إحداهما بحسب القلب و الجنان، و الاخرى بحسب العمل بالأركان ...- إلى أن قال-: الحقّ هو الثاني؛ لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان بذلك، و استقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيّده إلّا المثوبة دون العقوبة، و لو لم يكن متسلّما و ملتزما به و معتقدا و منقادا له، و إن كان ذلك يوجب تنقيصه و انحطاط درجته لدى سيّده، لعدم اتّصافه بما يليق أن يتّصف العبد به من الاعتقاد بأحكام مولاه و الانقياد لها ...» (2).

التحقيق في المسألة

[1] اعلم أنّ المصنّف (رحمه اللّه) بعد أن أثبت ما ذهب إليه المشهور في المسألة من جواز المخالفة الالتزاميّة مطلقا- أي في الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة معا- شرع‏

____________

(1) راجع مصباح الاصول 2: 331 و 332.

(2) كفاية الاصول: 268.

492

في تحقيق المسألة، و هو أنّه على تقدير قيام الدليل على كون وجوب الالتزام بالأحكام واجبا نفسيّا مستقلّا مع قطع النظر عن العمل، لا يجوز الرجوع إلى الاصول العمليّة النافية للحكمين اللذين قد علم وجوب أحدهما إجمالا، و وجهه أنّ الرجوع إليها يستلزم المخالفة القطعيّة العمليّة للخطاب الواقعيّ التفصيليّ الصادر من الشارع الأقدس بقوله مثلا: «أيّها المسلمون التزموا بأحكام اللّه»؛ إذ من المعلوم حينئذ أنّه يحرم المخالفة له حتّى في الشبهة الموضوعيّة فضلا عن الحكميّة، و على هذا تصير المسألة خارجة عن المخالفة الالتزاميّة و داخلة في المخالفة العمليّة.

و لا يذهب عليك أنّ هذا البيان منه (رحمه اللّه) مجرّد فرض و ليس بمختاره، و يشهد عليه أوّلا لفظة «لو» الامتناعيّة في تعبيره (رحمه اللّه)، و ثانيا ما سيأتي من قوله: «فالحقّ منع فرض قيام الدليل على وجوب الالتزام ...»، و ثالثا قوله في ما سيأتي بعيد هذا: «يمكن أن يقرّر دليل الجواز (1) ...» (2).

هذا، و نقول في توضيح محصّل كلام المصنّف (رحمه اللّه): إنّ مع ثبوت أدلّة وجوب الالتزام بكلّ ما جاء به الشارع الأقدس و تماميّتها دلالة، لا بدّ من الحكم بوجوب الموافقة الالتزاميّة قلبا في جميع التكاليف الفرعيّة شرعا، تعبّديّة كانت- كالصلاة

____________

(1) أي جواز المخالفة الالتزاميّة.

(2) أقول: بعد الدقّة و التأمّل في الشواهد الثلاثة، يعلم بطلان ما نسبه بعض محشّي الكفاية إلى المصنّف (رحمه اللّه) حيث قال: «و لعلّه لذلك رجع الشيخ أخيرا عمّا أفاده أوّلا فقال ما لفظه: [و لكنّ التحقيق ...] ...». (عناية الاصول 3: 50).

493

لكونها موجبة للمخالفة العمليّة للخطاب التفصيليّ [1] أعني وجوب الالتزام بحكم اللّه، و هو [2] غير جائز حتّى في الشبهة الموضوعيّة ...

____________

مثلا- أو توصّليّة، و هي‏ (1) موضوعيّة كانت- كالمرأة المحلوفة بوطيها أو تركه- أو حكميّة، و هي‏ (2) تفصيليّة كانت- كوجوب دفن الميّت المسلم و حرمة دفن الميّت الكافر- أو إجماليّة- كوجوب دفن الميّت المنافق و حرمته-، و أشار المصنّف (رحمه اللّه) إلى كلّ ذلك بقوله: «لم تجر الاصول؛ لكونها موجبة للمخالفة العمليّة ...».

و أمّا مع عدم تماميّة تلك الأدلّة- كما هو الحقّ- فلا مجال للحكم بوجوب الموافقة الالتزاميّة مستقلّا، و هذا سيشير إليه (رحمه اللّه) بقوله: «فإذا فرض العلم تفصيلا بوجوب شي‏ء فلم يلتزم به المكلّف إلّا أنّه فعله لا لداعي الوجوب، لم يكن عليه شي‏ء ...».

[1] قد أوضحنا الخطاب التفصيليّ من الشارع آنفا بقولنا: أيّها المسلمون التزموا بأحكام اللّه، و عرفت أنّه يلزم من إجراء الأصل فيه مخالفة قطعيّة عمليّة، و حرمتها مسلّمة حتّى في الشبهة الموضوعيّة- كارتكاب إناءين مشتبهين بالحرام- فضلا عن الشبهة الحكميّة- كالأمثلة المذكورة.

[2] الضمير يعود إلى «الإجراء» المستفاد من قوله: «لم تجر ...»؛ يعني إجراء الاصول يستلزم المخالفة العمليّة القطعيّة، و هو غير جائز حتّى ...

____________

(1) أي التوصّليّة.

(2) أي الحكميّة.

494

- كما سيجي‏ء [1]- فيخرج عن المخالفة الغير العمليّة [2].

فالحقّ: منع [3] فرض قيام الدليل على وجوب الالتزام بما جاء به الشارع.

فالتحقيق: أنّ طرح الحكم الواقعيّ و لو كان معلوما تفصيلا ليس محرّما [4] ...

____________

[1] إشارة إلى ما سيذكره (رحمه اللّه) في ما بعد عند قوله: «فالظاهر عدم جوازها، سواء كانت في الشبهة الموضوعيّة، كارتكاب الإناءين المشتبهين ...» (1).

[2] أي يخرج عدم الالتزام بحكم اللّه عن المخالفة الالتزاميّة و يدخل في المخالفة العمليّة.

[3] إنّ هذا المنع يؤيّد ما قلناه آنفا من بطلان ما نسبه بعض محشّي الكفاية إلى المصنّف (رحمه اللّه)(2).

[4] عبارته (رحمه اللّه) هنا يغاير ما في بعض النسخ القديمة كنسخة الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه).

و إليك نصّ عبارتها: «فالحقّ مع فرض عدم الدليل على وجوب الالتزام بما جاء به الشارع على ما جاء به أنّ ترك الحكم الواقعيّ و لو كان معلوما تفصيلا ليس محرّما ...» (3).

و بناء على تلك النسخة لفظة «فالحقّ» مبتدأ و قوله: «أنّ ترك الحكم الواقعيّ ...» خبره، و أمّا بناء على هذه النسخة الموجودة بأيدينا خبره قوله: «منع فرض قيام الدليل ...»، و عليه تقدير الكلام هكذا: لكنّ الحقّ منع قيام الدليل على وجوب الالتزام بما جاء به الشارع. فالتحقيق: أنّ طرح الحكم الواقعيّ ....

____________

(1) فرائد الاصول 1: 93.

(2) انظر الصفحة 492، الهامش 2.

(3) انظر الرسائل المحشّى: 19.

495

إلّا من حيث كونها معصية [1] دلّ العقل على قبحها [2] و استحقاق العقاب بها، فإذا فرض العلم تفصيلا بوجوب شي‏ء فلم يلتزم به المكلّف إلّا أنّه فعله [3] لا لداعي الوجوب، لم يكن عليه شي‏ء [4] ...

____________

[1] الضمير المؤنّث يعود إلى «طرح الحكم»، و لعلّ تأنيثه كان باعتبار تأنيث الخبر، أعني «معصية».

[2] غرضه (رحمه اللّه) أنّ طرح الالتزام بالحكم الواقعيّ ليس محرّما حتّى على فرض كونه معلوما بالتفصيل، فضلا عن المعلوم بالإجمال إلّا من ناحية سرايته إلى الخارج، بحيث يؤدّي إلى المخالفة العمليّة الموجبة لتحقّق المعصية المحكومة بالقبح عقلا، كعدم الالتزام بوجوب الصلاة قلبا، فإنّه يؤدّي قطعا إلى مخالفة عمليّة قطعيّة؛ لعدم إمكان تمشّي قصد القربة حينئذ، كما لا يخفى.

[3] أي فعل ذاك الشي‏ء الواجب عليه شرعا خارجا؛ كأن يدفن الميّت المسلم بغير داعي الوجوب الشرعيّ.

[4] و وجهه عدم سراية المخالفة الالتزاميّة الجوانحيّة إلى المخالفة العمليّة الجوارحيّة حتّى في المعلوم التفصيليّ من الأحكام- كدفن الميّت المسلم الذي يكون المطلوب فيه صرف الوجود، كما عرفت توضيحه مفصّلا (1).

و لا يخفى أنّ لفظة «شي‏ء» كناية عن العقوبة و المؤاخذة، فكأنّه (رحمه اللّه) قال: بعد فقد الدليل على وجوب الالتزام بما جاء به الشارع، و بعد عدم كونه‏ (2) مقدّمة للعمل،

____________

(1) انظر الصفحة 480 و ما بعدها، ذيل عنوان «المخالفة الالتزاميّة في الشبهة الحكميّة».

(2) أي وجوب الالتزام.

496

نعم، لو اخذ في ذلك الفعل [1] نيّة القربة [2]، فالإتيان به لا للوجوب مخالفة عمليّة و معصية؛ ...

____________

و بعد انتفاء سرايته إلى المخالفة العمليّة- كما هو المفروض في التوصّليّات، كالمثال المذكور؛ أعني دفن الميّت المسلم- لا يبقى وجه عقلا لعقوبة من امتثل بوظيفته خارجا لا لداعي وجوبه شرعا؛ لاستلزامها العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان القبيحين عقلا، سيّما للحكيم تعالى جلّ شأنه.

و بعد ذلك كلّه قد استشكل المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) في ما نحن فيه موضوعا و حكما و قال: «في أصل الموافقة الالتزاميّة موضوعا و حكما إشكال، فإنّ المراد من الموافقة الالتزاميّة إن كان هو التصديق بما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فهذا ممّا لا إشكال في وجوبه؛ لأنّ عدم الالتزام بذلك يرجع إلى إنكار النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و إن كان المراد منها معنى آخر، فلو سلّم أنّ وراء التصديق بما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) معنى آخر فلا دليل على وجوبه؛ و لو سلّم قيام الدليل عليه فهو يختصّ بما إذا علم بالتكليف تفصيلا ليمكن الالتزام به؛ و لو سلّم أنّ الدليل يعمّ العلم الإجماليّ فالالتزام بالواقع على ما هو عليه في موارد العلم الإجماليّ بمكان من الإمكان ...» (1).

[1] أي الفعل المعلوم وجوبه تفصيلا.

[2] إشارة إلى المورد الثالث من موارد عدم الخلاف في حرمة المخالفة الالتزاميّة و وجوب الموافقة الالتزاميّة فيها مقدّمة للعمل، فراجع ما تقدّم‏ (2).

____________

(1) فوائد الاصول 3: 80 و 81.

(2) انظر الصفحة 467 و ما بعدها، ذيل عنوان «أقسام المخالفة و تحرير محلّ النزاع».

497

لترك المأمور به [1]؛ و لذا قيّدنا الوجوب و التحريم في صدر المسألة بغير ما علم كون أحدهما المعيّن تعبّديّا.

فإذا كان هذا [2] حال العلم التفصيليّ، فإذا علم إجمالا بحكم مردّد بين الحكمين [3]، و فرضنا إجراء الأصل [4] في نفي الحكمين اللذين علم بكون أحدهما حكم الشارع، ...

____________

[1] تعليل لقوله: «مخالفة عمليّة و معصية» و إشارة إلى أنّ عدم الالتزام قلبا بالواجب التعبّديّ التفصيليّ- كالصلاة مثلا- يسري إلى المخالفة العمليّة القطعيّة، فيجب رعايته شرعا مقدّمة للعمل، و هو المطلوب.

[2] لفظة «هذا» إشارة إلى جواز المخالفة الالتزاميّة و عدم وجوب الموافقة، و المقصود أنّه إذا لم تجب الموافقة الالتزاميّة عند حصول العلم التفصيليّ بحكم فرعيّ توصّليّ- كدفن الميّت المسلم و الكافر وجوبا و تحريما، كما عرفته آنفا-، ففي ما نحن فيه- أعني صورة حصول العلم الإجماليّ بحكم دائر بين وجوبه و تحريمه- كدفن الميّت المنافق مثلا- لا تجب بطريق أولى، و هو المطلوب.

[3] هذا ينطبق على دفن الميّت المنافق، و جواب الشرط أعني «إذا» يأتي عند قوله (رحمه اللّه): «فلا معصية ...».

[4] إشارة إلى فرض عدم تماميّة أدلّة وجوب الالتزام بكلّ ما أمر به الشارع الأقدس؛ إذ في هذه الصورة يجري الأصل و ينفى به وجوب دفن الميّت المنافق و حرمته، و تثبت إباحته المعبّر عنها اصطلاحا بجواز المخالفة الالتزاميّة و عدم وجوب الموافقة شرعا، و وجهه عدم سراية ذلك إلى المخالفة العمليّة، بعد كون‏

498

و المفروض أيضا عدم مخالفتهما [1] في العمل، فلا معصية و لا قبح [2]، بل و كذلك لو فرضنا عدم جريان الأصل [3]؛ ...

____________

المكلّف إمّا فاعلا يوافق الوجوب، أو تاركا يوافق الحرمة على ما هو المفروض في المقام، و إليه أشار المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «المفروض‏ (1) أيضا عدم مخالفتهما في العمل ...».

[1] الضمير التثنية يرجع إلى «الحكمين اللذين علم بكون أحدهما حكم الشارع»، و الضمير في بعض النسخ المصحّحة مفرد و لعلّه الصواب، و عليه يعود إلى «الأصل».

[2] هذا جواب للشرط المتقدّم؛ أعني قوله: «فإذا»، كما عرفته آنفا، و المقصود انتفاء المعصية شرعا و القبح عقلا في إجراء الأصل عند العلم الإجماليّ بالتكليف المردّد الذي نتيجته جواز المخالفة الالتزاميّة و عدم حرمتها عقلا و نقلا.

[3] إشارة إلى عدم حرمة المخالفة الالتزاميّة عند دوران الأمر بين المحذورين حتّى بناء على عدم جريان الأصل فيه، فضلا عن تسليم جريانه؛ يعني على فرض تسليم عدم جريان الأصل في دوران الأمر بين المحذورين- كما زعمه بعض- لا يحرم المخالفة الالتزاميّة أيضا، و هو المطلوب، فعلم أنّ جملة «لو فرضنا عدم جريان الأصل» يقابل قوله آنفا: «فرضنا إجراء الأصل ...».

____________

(1) أقول: الأولى أن يعبّر ب «فرضنا» بدل «المفروض» لتحصل المشاكلة بين المعطوف و المعطوف عليه، لكن الأمر سهل؛ لوضوح المراد، و هو أنّ مع فرض جريان الأصل في أطراف العلم الإجماليّ الذي هو نتيجة عدم تماميّة أدلّة وجوب الالتزام، و أيضا مع فرض عدم سراية المخالفة الالتزاميّة إلى الخارج، لا يبقى محذور أصلا من ناحية الأصل، فافهم.

499

لما عرفت من ثبوت ذلك [1] في العلم التفصيليّ.

فملخّص الكلام: أنّ المخالفة من حيث الالتزام ليست مخالفة، و مخالفة الأحكام الفرعيّة إنّما هي في العمل [2]، و لا عبرة بالالتزام و عدمه [3].

____________

[1] لفظة «ذلك» إشارة إلى جواز المخالفة الالتزاميّة، و المقصود أنّه إذا ثبت جواز المخالفة الالتزاميّة في مثل دفن الميّت المسلم المعلوم وجوبه تفصيلا فيجوز في مثل دفن الميّت المنافق المعلوم وجوبه إجمالا بطريق أولى.

و بالجملة، إنّ أصالة الإباحة في أطراف العلم الإجماليّ عند دوران الأمر بين المحذورين حتّى لو قلنا بعدم جريانها فيه- كما هو مدّعى البعض‏ (1)- لا يؤثّر (2) في حرمة المخالفة الالتزاميّة، بل تكون محكومة بالجواز شرعا و عقلا بعد ثبوت جوازها في موارد العلم التفصيليّ بالتقريب المتقدّم.

[2] غرضه (رحمه اللّه) أنّ المانع من جريان الأصل إنّما هي المخالفة العمليّة فقط، و أمّا المخالفة الالتزاميّة فلا تصلح للمانعيّة عنه.

[3] إشارة إلى ما قلناه آنفا من: «عدم قبح المخالفة الالتزاميّة عقلا»، و بعبارة اخرى: المخالفة في جريان الأصل هي خصوص المخالفة العمليّة، و أمّا المخالفة الالتزاميّة فلا يمنع عنها بحكم العقل أصلا، لا في الشبهة الموضوعيّة و لا في الشبهة الحكميّة بالتقريب المتقدّم مفصّلا.

____________

(1) إشارة إلى مذهب المنكرين لإجراء الأصل في أطراف العلم الإجماليّ مطلقا زعما منهم باختصاصه بالشبهة البدويّة المحضة.

(2) أي عدم الجريان.

500

و يمكن أن يقرّر دليل الجواز [1] بوجه أخصر، و هو: أنّه لو وجب الالتزام [2]:

____________

تقرير أخصر و أوفى لجواز المخالفة الالتزاميّة

[1] الألف و اللام في قوله: «الجواز» عوض عن المضاف إليه، أي جواز المخالفة الالتزاميّة (1).

و كيف كان، صرّح (رحمه اللّه) هنا بما اختاره آنفا من جواز المخالفة الالتزاميّة بتقرير و توضيح آخر، و الفرق بينه و بين ما قرّره هناك أنّ الجواز بناء على التقرير المتقدّم هو بحكم العقل، و بناء على هذا التقرير ستعرف توضيحه في ما بعد مفصّلا، و ملخّصه: أنّه أوّلا: لا دليل على وجوب الموافقة الالتزاميّة، و ثانيا: على فرض وجوده فهو غير معقول أصلا (2).

[2] شرع (رحمه اللّه) في تقريب الاستدلال على الجواز، و ملخّصه: أنّ الخصم في دعواه وجوب الالتزام بأحد الحكمين‏ (3) نفسيّا- الذي يوجب تركه العقوبة، كما هو شأن الواجب النفسيّ في جميع الموارد- إن أراد الالتزام بوجوبه معيّنا أو حرمته معيّنا، فلا يتمّ ما ادّعاه جدّا- بل لم يلتزم به أحد من الأصحاب أصلا-؛

____________

(1) جاء في نسخة الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه) هكذا: «و يمكن أن يقرّر دليل الجواز فيه ...»، و بناء عليه يعود الضمير المجرور إلى «الالتزام» (انظر الرسائل المحشّى: 20).

(2) قد عرفت سابقا أنّ كلامه (رحمه اللّه) هذا شاهد ثالث على بطلان ما نسبه بعض محشّي الكفاية- أي عناية الاصول 3: 50- إلى المصنّف (رحمه اللّه)، انظر الصفحة 492، الهامش 2.

(3) أي الوجوب و الحرمة.

501

فإن كان [1] بأحدهما المعيّن واقعا فهو تكليف من غير بيان، و لا يلتزمه أحد.

و إن كان بأحدهما المخيّر فيه [2] فهذا [3] لا يمكن أن يثبت بذلك الخطاب الواقعيّ المجمل [4]، ...

____________

لأنّه يستلزم التكليف بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان؛ إذ لا يعرف المعيّن منهما واقعا إلّا اللّه تبارك و تعالى، كما لا يخفى.

[1] الضمير المستتر في «كان» هنا و في ما بعد يعود إلى «وجوب الالتزام» المستفاد من «لو وجب الالتزام».

[2] الضمير المجرور يعود إلى «الواقع»، و المراد: و إن أراد الخصم من وجوب الالتزام بأحد الحكمين الالتزام بأحدهما مخيّرا قبال الالتزام بأحدهما معيّنا، فنقول له: كان في الفرض الأوّل محذور التكليف بلا بيان بالتقريب المتقدّم، و في هذا الفرض يأتي محذوران بالتقريب الآتي.

[3] لفظة «هذا» إشارة إلى وجوب الالتزام التخييريّ.

[4] المراد من الخطاب الواقعيّ المجمل، هو الأمر الثابت المكتوب في اللوح المحفوظ المعلوم عند اللّه المجهول عند المكلّف، الدالّ على وجوب الالتزام بأحد الحكمين مخيّرا بينهما، كما في خصال الكفّارات المخيّرة بين إطعام ستّين فقيرا و صيام ستّين يوما و العتق‏ (1)، فكما أنّ في خصال الكفّارات خطابا واقعيّا يدلّ على التخيير بينها، كذلك في دفن الميّت المنافق لا بدّ من خطاب واقعيّ يدلّ على التخيير بين الدفن و تركه.

____________

(1) انظر الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 1: 407 و 408.

502

فلا بدّ له من خطاب آخر [1] عقليّ أو نقليّ، ...

____________

لكن يقال: حيث جاءت خصال الكفّارات مخيّرا في الأدلّة الشرعيّة فلا محذور فيها من الالتزام بالتخيير الواقعيّ، و أمّا دفن الميّت المنافق فحيث لم يذكر في دليل رأسا، فلا مجال فيه للالتزام بالتخيير الواقعيّ، كما لا يخفى.

و بالجملة، إثبات التخيير الواقعيّ في ما نحن فيه يحتاج إلى خطاب آخر و صدور أمر جديد من ناحية الشارع الأقدس، بأن يقول مثلا: أيّها المسلمون يجب عليكم في التكاليف المجملة عندكم- كدفن الميّت المنافق مثلا المردّد بين الوجوب و الحرمة- أن تأخذوا بأحدهما مخيّرا، مع أنّ هذا الخطاب أوّلا: نعلم بانتفائه في الأدلّة الشرعيّة، و ثانيا: على فرض وجوده فيها يعدّ أمرا بتحصيل الحاصل المستحيل عقلا في حقّ الحكيم تعالى‏ (1)، بعد كون المكلّف بالطبع إمّا فاعلا يوافق الواجب الواقعيّ و إمّا تاركا يوافق الحرام الواقعيّ.

و أضف إلى ذلك أنّ هذا الخطاب الواقعيّ لو دلّ على التخيير الواقعيّ يلزم منه استعمال لفظ واحد (2) في المعنيين‏ (3)، فافهم.

[1] إشارة إلى خطاب جديد غير الخطاب الأوّل المعلوم عند اللّه المجهول عند المكلّف.

____________

(1) أقول: إنّ هذا الخطاب التخييريّ موجود في الأدلّة الشرعيّة بلا لزوم محذور اللغويّة و محذور تحصيل الحاصل، و هو قوله (عليه السّلام)- على ما في الأخبار العلاجيّة-: «إذن فتخيّر» و الوجه فيه هو أنّ التخيير هناك تخيير في المسألة الاصوليّة- أي الالتزام بحجّيّة أحد الخبرين المتعارضين- و لا يخفى أنّ هذا لم يحصل خارجا حتّى يلزم محذور تحصيل الحاصل.

(2) أي الخطاب الواقعيّ.

(3) أي التعييني و التخييريّ.

503

و هو- مع أنّه لا دليل عليه- غير معقول [1]؛ لأنّ الغرض من هذا الخطاب [2] المفروض كونه توصّليّا [3]، حصول مضمونه [4] ....

____________

[1] هذه عبارة اخرى قولنا آنفا: «أوّلا: نعلم بانتفائه ... و ثانيا: على فرض وجوده يعدّ أمرا بتحصيل الحاصل المستحيل عقلا ...».

[2] تعليل لكون الخطاب التخييريّ الجديد غير معقول في حقّ الحكيم تعالى؛ لأجل استلزامه تحصيل الحاصل بعد كون المكلّف بطبعه إمّا فاعلا أو تاركا، آخذا بأحد طرفي الفعل أو الترك، كما عرفته آنفا.

توضيح ذلك: أنّ الخطاب التخييريّ الجديد، تارة يكون توصّليّا ناظرا إلى العمل الجوارحيّ، بأن يقول الشارع مثلا: افعل هذا أو اتركه، و اخرى يكون تعبّديّا ناظرا إلى العمل الجوانحيّ، بأن يقول: هذا العمل التزم بفعله أو بتركه قلبا و أنت مخيّر بينهما، و لا يخفى أنّ محذور تحصيل الحاصل يأتي في الأوّل، كما سيشير إليه المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «إيقاع الفعل أو الترك ...» دون الثاني، كما سيشير إليه بقوله: «بأن يقصد منه التعبّد بأحد الحكمين ...».

[3] هذا نعت للخطاب الذي فرضنا من أوّل البحث كونه توصّليّا، و أمّا التعبّديّ منه فقد عرفت خروجه من موضوع البحث رأسا.

[4] هذا خبر قوله: «لأنّ الغرض ...»، و الضمير فيه يعود إلى «الخطاب المفروض كونه توصّليّا» الذي يكون الغرض منه هو حصول مضمونه خارجا و لو من غير اختيار كما في الأمر بغسل الثوب النجس مثلا للصلاة، فإنّ الغرض منه حصول الطهارة خارجا بأيّ وجه اتّفق؛ كأن يلقيه الريح مثلا في ماء الكرّ، فإنّ‏

504

- أعني إيقاع [1] الفعل أو الترك تخييرا- و هو حاصل من دون الخطاب التخييريّ [2]، ...

____________

الطهارة تحصل حينئذ بلا قصد و اختيار.

ملخّص الكلام: أنّ مدّعي وجوب الالتزام بالأحكام نفسيّا- حتّى في موارد دوران الأمر بين المحذورين كدفن الميّت المنافق- إن أراد الالتزام بأحدهما معيّنا، فيلزم فيه- مضافا إلى محذور التشريع- محذور التكليف بالمجهول، و إن أراد منه الالتزام بأحدهما مخيّرا، فنقول: المدّعي المذكور إن اكتفى في ذلك بالخطاب الواقعيّ الثابت في اللوح المحفوظ فيجي‏ء فيه أيضا المحذور المذكور- و هو التكليف بالمجهول-، و إن ادّعى خطابا جديدا ظاهريّا، كأن يقول الشارع مثلا: أيّها المكلّف سواء عليك أن تدفن الميّت المنافق أو لا تدفنه، ففيه أوّلا: أنّا لا نجد مثل هذا الخطاب في الخارج، و ثانيا: على فرض وجوده فيه يلزم منه محذور اللغويّة بعد كون المكلّف بطبعه فاعلا أو تاركا.

[1] جاء في بعض النسخ «قيام» بدلا عن «إيقاع»، و لعلّ الأولى و الأنسب هو «الإقدام» كما لا يخفى، و كيف كان، فهو تفسير قوله: «حصول مضمونه».

[2] الضمير المرفوع المنفصل يعود إلى «حصول المضمون»- أي الإقدام على الفعل أو الترك-، و المراد من «الخطاب التخييريّ» هو الخطاب الجديد الذي يخيّر فيه المكلّف بين الفعل و الترك، و حيث إنّ حصول واحد منهما أمر قهريّ لا بدّ منه، فيعدّ الأمر به طلبا لأمر حاصل الذي هو غير معقول سيّما من الحكيم تعالى.