الوسائل إلى غوامض الرسائل‏

- السيد رسول الموسوي الطهراني المزيد...
664 /
55

ممكنا أم لا، و الثاني مورد التخيير ...» (1)، و قد حمل المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) هذا على الاضطراب و التشويش فقال (رحمه اللّه): «ثمّ إنّه قد اختلفت كلمات الشيخ (قدّس سرّه) في تشخيص مجاري الاصول، و لا تخلو بعضها أو جميعها عن إشكال عدم الاطّراد و الانعكاس» (2).

ثمّ إنّ ما ادّعيناه في المقام من اشتمال التقريب الأوّل على التسامح و تداركه بالتقريب الثاني، صرّح به بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) و قال في مطاوي كلماته المفصّلة:

«و كيف كان، يتوجّه في مجاري الاصول حسب ما أفاده (رحمه اللّه) في المتن إشكالان:

أحدهما: أنّ لنا موارد لا يمكن الاحتياط فيها مع كونها مجاري للبراءة؛ كما في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة- إلى أن قال-: و لا يخفى أنّ هذا الإشكال لا يرد على مجاري الاصول حسب ما أفاده في الحاشية (3)؛ و ذلك لأنّ مفاد عبارة الحاشية إنّما هو جريان البراءة في ما إذا كان الشكّ في التكليف مطلقا، سواء كان ممّا أمكن الاحتياط فيه أم لا، و الصور المزبورة و إن لم يمكن الاحتياط فيها لكنّ الشكّ فيها في التكليف، فلا بدّ فيها من الرجوع إلى البراءة، و هذا بخلاف عبارة المتن، فإنّ مفادها جريان البراءة في ما إذا كان الشكّ في التكليف و كان ممّا يمكن الاحتياط فيها- إلى أن قال-: و ثانيهما: ما يرد على المتن و الحاشية، و هو أنّه إذا

____________

(1) فرائد الاصول 2: 14.

(2) فوائد الاصول 3: 4.

(3) مراده من «الحاشية» ما كتبه الشيخ (رحمه اللّه) بقلمه الشريف في حاشية الرسائل بقوله:

«و بعبارة اخرى» التي جاءت في بعض النسخ القديمة.

56

دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة آخر فمختاره (رحمه اللّه) فيه- كما يأتي في فروع العلم الإجماليّ- هو الاحتياط، و مقتضى ما ذكره فيهما هو البراءة؛ لأنّ الشكّ فيه في التكليف ...» (1).

حكاية الاستشكال في مجلس الدرس‏

لا يخفى أنّ تدارك المسامحتين حصل ببركة الاستاذ الكوه‏كمري المعروف بالسيّد حسين الترك، فإنّه (رحمه اللّه) مع كونه من المشايخ المشار إليهم بالبنان في النجف الأشرف، لمّا عرف مقام المصنّف (رحمه اللّه) العلميّ الشامخ حضر مجلس درسه للاستفادة و الاستفاضة منه، و صادف أوّل يوم حضوره بإلقاء بحث مجاري الاصول، و حيث أوضحها المصنّف (رحمه اللّه) بالتقريب الأوّل استشكل عليه السيّد (رحمه اللّه) بما أوضحناه من التسامح، بحيث ألزمه على عدوله عنه و التزامه بما ذكره بالتقريب الثاني و إن بقي ذلك في مبحث البراءة بحاله و لم يوفّق بتداركه‏ (2).

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 31 و 32.

(2) أقول: و نظير ذلك وقع في مبحث حجّيّة قول اللغويّ، فإنّ المصنّف (رحمه اللّه) قد أنكرها جدّا و أبطل أدلّتها شديدا عند قوله (رحمه اللّه): «و بالجملة، فالحاجة إلى قول اللغويّ الذي لا يحصل العلم بقوله- لقلّة مواردها- لا تصلح سببا للحكم باعتباره لأجل الحاجة ...» (فرائد الاصول 1: 176)، لكنّه (رحمه اللّه) آخر الأمر قد التزم بما التزم به المشهور من الحجيّة فقال:

«هذا، و لكنّ الإنصاف: أنّ مورد الحاجة إلى قول اللغويّين أكثر من أن يحصى ...» (فرائد الاصول 1: 177)، و بعد ذلك أدركه هادم اللذّات- أي الموت- و توفّي (رحمه اللّه) بعد الفراغ من هذا المبحث و لم يوفّق بتدارك الإشكالين المذكورين في مجاري الاصول في مبحث البراءة

57

و بعبارة اخرى [1]: ...

____________

التقريب الثاني في بيان الحصر العقليّ في مجاري الاصول العمليّة

[1] من هنا شرع المصنّف (رحمه اللّه) في تقريب مجاري الاصول ثانيا بلا مسامحة فيه، و لا يخفى أنّ هذا التقريب ذكر في بعض النسخ القديمة في الحاشية.

تصوير التقريب الثاني‏

____________

- (راجع فرائد الاصول 2: 14). قال صاحب الأوثق (رحمه اللّه): «قوله (رحمه اللّه): [هذا، و لكنّ الإنصاف ...] كان المصنّف (رحمه اللّه) قبل الدورة الأخيرة من مباحثته التي لم تتمّ له و أدركه هادم اللذات في أثنائها مقويّا لعدم حجّيّة قول اللغويّ و عدل عنه في الدورة الأخيرة فأضاف قوله (رحمه اللّه): [هذا، و لكنّ الإنصاف ...] إلى المتن ...» أوثق الوسائل: 102 و 103، و أيضا انظر الصفحات: 209 و 234 و 346، و هكذا بحر الفوائد، الجزء الأوّل: 227.

58

الشكّ إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني: إمّا أن يكون الشكّ فيه في التكليف أو لا، فالأوّل مجرى أصالة البراءة، و الثاني: إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أو لا، فالأوّل مجرى قاعدة الاحتياط، و الثاني مجرى قاعدة التخيير [1].

____________

فائدة: في شروط جريان الاصول العمليّة

[1] ممّا ذكرنا علم إجمالا أنّ كلّا من الاصول الأربعة لا بدّ في جريانها من رعاية شروط، و قد أوضحها صاحب الأوثق (رحمه اللّه) مفصّلا و لا بأس بنقل عين كلامه على قدر الحاجة، قال (رحمه اللّه): «إنّ للاستصحاب شرطا واحدا، و هو ملاحظة الحالة السابقة فيه‏ (1)، و للبراءة شرطين و هما عدم ملاحظة الحالة السابقة فيها و كون الشكّ فيها في التكليف، و للتخيير شروطا ثلاثة، أحدها: عدم ملاحظة الحالة السابقة فيه، و ثانيها: كون الشكّ فيه في المكلّف به، و ثالثها: عدم إمكان الاحتياط فيه، و للاحتياط أيضا شروطا ثلاثة، أحدها: عدم ملاحظة الحالة السابقة فيه و ثانيها: كون الشكّ فيه في المكلّف به، و ثالثها: إمكان الاحتياط فيه ...» (2).

____________

(1) لكن قال صاحب القلائد (رحمه اللّه): «فالمعتبر في مجرى الاستصحاب أمران: أحدهما: اليقين السابق، و الثاني: لحاظ حاله، و هما مقتضيان لجريان الاستصحاب لو لا وجود المانع، و إلّا فلا مجرى له ...» (قلائد الفرائد 1: 30 و 31).

(2) أوثق الوسائل: 4.

59

و ما ذكرنا هو المختار في مجاري الاصول الأربعة، و قد وقع الخلاف فيها [1]، و تمام الكلام في كلّ واحد موكول إلى محلّه.

فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة:

الأوّل: في القطع.

و الثاني: في الظنّ.

و الثالث: في الشكّ.

____________

مختار الشيخ (رحمه اللّه) في مجاري الاصول‏

[1] هذه إشارة إلى الاختلافات الكثيرة الواقعة في المجاري التي وقعت:

أوّلا: من قبل الأخباريّين حيث أنكروا جريان البراءة في الشكّ في التكليف التحريميّ كالتتن مثلا، بل الوجوبيّ منه، كالدعاء عند رؤية الهلال مثلا عند بعضهم، كالمحدّث الأسترآباديّ في بعض كلماته‏ (1)، و التفصيل في محلّه‏ (2).

و ثانيا: من قبل بعض الاصوليّين، كالسيّد المرتضى (رحمه اللّه) حيث أنكر جريان الاستصحاب رأسا (3) و كالمحقّق الخوانساريّ‏ (4) و القمّيّ رحمهما اللّه‏ (5) حيث أنكرا جريان الاحتياط في الشكّ في المكلّف به، و لذا جوّزا في مثل الظهر و الجمعة تركهما معا

____________

(1) انظر الفوائد المدنيّة: 276- 283، و فرائد الاصول 2: 142- 147، و 162- 165.

(2) راجع فرائد الاصول 2: 20 و 62.

(3) انظر الذريعة إلى اصول الشريعة: 557، و فرائد الاصول 3: 97 و 99.

(4) راجع مشارق الشموس: 267، نقلا عن فرائد الاصول 2: 279، الهامش 4.

(5) انظر قوانين الاصول 2: 37.

60

لو لا الإجماع على وجوب أحدهما شرعا و علّلاه بصلاحيّة العلم التفصيليّ فقط لإثبات التكليف، و أمّا العلم الإجماليّ فلا يصلح لذلك عندهما رحمهما اللّه، و إن شئت توضيح مرامهما مفصّلا فراجع محلّه‏ (1).

و إلى ذلك كلّه أشار بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) إجمالا فقال: «أقول: سيأتي الخلاف من الأخباريّين في الشكّ في التكليف إذا كانت الشبهة حكميّة، حيث ذهبوا فيه إلى الاحتياط. و أيضا يأتي الخلاف من المحقّقين الخوانساريّ و القمّيّ رحمهما اللّه في الشكّ في المكلّف به؛ حيث ذهبا فيه إلى البراءة» (2).

____________

(1) راجع فرائد الاصول 2: 279 و 280.

(2) قلائد الفرائد 1: 33.

61

المقصد الأوّل في القطع‏

62

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

63

في حجّيّة القطع و أقسامه‏

64

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

65

المقصد الأوّل: في القطع‏

فنقول: لا إشكال في وجوب متابعة القطع [1] و العمل عليه ما دام موجودا [2]؛ لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع [3]، ...

____________

وجه لزوم متابعة القطع و كون طريقيّته ذاتيّة

[1] هذا ما صرّح به أيضا المحقّق الخراسانيّ مع ضمّ لفظة «عقلا» فقال:

«الأمر الأوّل: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا ...» (1).

[2] هذا عطف تفسيريّ لما قبله، أعني وجوب المتابعة.

و لا يخفى أنّ وجوب العمل بالقطع و لزوم متابعته لا يختصّ بفرد- كالمجتهد- دون فرد- كالعامي-، و لذا قال المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) في كلامه المذكور سابقا:

«كون بعض مباحث القطع‏ (2) تعمّ المقلّد ...» (3).

[3] إشارة إلى حجّيّة القطع ذاتا بحيث لا يمكن وصول يد الجعل إليه حتّى من ناحية العقل كما هو شأن جميع الذاتيّات بالنسبة إلى الذوات، كالزوجيّة مثلا

____________

(1) كفاية الاصول: 258.

(2) أي وجوب المتابعة و لزوم العمل به.

(3) فوائد الاصول 3: 4.

66

للأربعة، و الرطوبة مثلا للماء و الضوء مثلا للشمس و هكذا. نعم، إنّ العقل يدرك لزوم متابعته‏ (1).

و ليعلم أنّ طريقيّة القطع و حجّيّته بنفسه و عدم إمكان وصول يد الجعل إليه مطلقا هو في مقابل حجّيّة الأمارات الشرعيّة، فإنّها تفيد الظنّ المعتبر بجعل الشارع كما سيصرّح به المصنّف (رحمه اللّه) عند قوله: «إنّ العلم طريق بنفسه، و الظنّ المعتبر طريق بجعل الشارع ...» (2).

و هذا قد أوضحه المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) فقال: «و هذا الوجوب ليس وجوبا شرعيّا؛ لأنّ طريقيّة القطع ذاتيّة له لا تنالها يد التشريع؛ إذ لا معنى لتشريع ما هو حاصل بذاته و منجعل بنفسه- إلى أن قال-: فإنّها من لوازم ذات القطع كزوجيّة الأربعة، بل بوجه يصحّ أن يقال: إنّها عين القطع، و ما يكون شأنه ذلك كيف يصحّ أن تناله يد الجعل التشريعيّ!- إلى أن قال-: و إلّا لزم التسلسل‏ (3). و ممّا ذكرنا يعلم: أنّ نفي الطريقيّة و الحجّيّة عن القطع أيضا لا يعقل؛ إذ لا يمكن شرعا سلب ما

____________

(1) أي وجوب المتابعة عن القطع.

(2) فرائد الاصول 1: 35.

(3) أقول: تقريب التسلسل هنا أنّ طريقيّة كلّ شي‏ء بالقطع، و طريقيّة القطع لو لم يكن ذاتيّة في إراءته الواقعيّات و يحتاج إلى شي‏ء آخر، لزم منه ذلك، أي التسلسل و هذا قد أوضحه بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) حيث قال: «أنّه لو كانت حجّيّة القطع متوقّفة على ثبوتها من الشارع أو العقل، و لم تكن من مقتضيات ذاته، لزم التسلسل و هو معلوم البطلان، بيان الملازمة: أنّ كلّ ما يقوم من البرهان على حجّيّة القطع، فغاية ما يحصل منه القطع بحجّيّة القطع، فينقل الكلام بالنسبة إلى القطع الحاصل منه، و هكذا هلم جرّا فيلزم ما ذكرناه من التسلسل» (قلائد الفرائد 1: 37).

67

هو من لوازم الذات، مضافا إلى لزوم التناقض‏ (1) ...» (2).

و بالجملة، فالحاكم بوجوب العمل بالقطع هو العقل فقط من باب الإرشاد، دون الشارع الأقدس، و لذا لا مخالفته توجب العقوبة و لا موافقته توجب المثوبة كما هو شأن جميع الأوامر الإرشاديّة، و الشاهد عليه أنّ المائع المقطوع خمريّته لو شربه المكلّف و ظهر كونه ماء لا يعاقب أصلا (3)، و عند ظهوره خمرا و إن استحقّ العقوبة لكنّه لأجل شرب الخمر، لا لأجل مخالفة القطع.

نعم، حيث كانت حجّيّته ذاتيّة وجب العمل به عقلا، و لا يكون خبر الواحد، و البيّنة، و الفتوى، و سوق المسلم، و يد المسلم، و غيرها من الأمارات كذلك، فإنّ حجّيّتها مجعولة شرعا، و لذا إطلاق الحجّة عليها يكون بنحو الحقيقة و على القطع بنحو المجاز، كما سيوضح مفصّلا.

و لا يخفى أنّه كما كان حجّيّة القطع ذاتيّة له، فكذلك لا حجّيّة الشكّ أيضا ذاتيّة له، و أمّا الظنّ فإن اعتبره الشارع يصير حجّة و إلّا فلا، و ستعرف عن قريب انقسام القطع إلى الطريقيّ و الموضوعيّ و جهات الفرق بينهما فانتظر توضيحه‏ (4).

____________

(1) كما سيصرّح به المصنّف (رحمه اللّه) عند قوله: «فحكم الشارع بأنّه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له ...» (فرائد الاصول 1: 31).

(2) فوائد الاصول 3: 6 و 7.

(3) أقول: هذا مبنيّ على عدم حرمة التجرّي كما هو مذهب المصنّف (رحمه اللّه)، و التفصيل في محلّه. انظر الصفحة 153 و ما بعدها، ذيل عنوان «الأقوال في المسألة».

(4) راجع الصفحة 80 و ما بعدها، ذيل عنوان «انقسام القطع إلى طريقيّ محض و موضوعيّ و جهات الفرق بينهما ...».

68

و ليس طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو [1] نفيا [2].

و من هنا يعلم: أنّ إطلاق «الحجّة» عليه ليس كإطلاق «الحجّة» على الأمارات المعتبرة شرعا [3]؛ ...

____________

[1] المضبوط في أكثر النسخ حديثا و قديما «و» بدلا عن «أو»، و هو الصواب.

[2] العطف هنا يعدّ تفسيريّا؛ و أنّ الطريقيّة عبارة اخرى عن الحجّيّة و مرادفة لها، يعني كما أنّ الحجّيّة بنفسها غير قابلة للجعل لا نفيا و لا إثباتا كذلك الطريقيّة، و قال المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه): «أمّا نفيا فواضح، للزوم التناقض، كما حقّقه المصنّف (رحمه اللّه)(1)، و أمّا إثباتا فلأنّ ما لا يمكن رفعه لا يمكن إثباته أيضا بجعل مستقلّ ...» (2).

إطلاق الحجّة على القطع يغاير إطلاقها على الأمارات الشرعيّة

[3] يعني لأجل ما ذكرنا من عدم إمكان تعلّق الجعل بالقطع، ظهر أنّ إطلاق الحجّة على القطع يغاير إطلاقها على الأمارات الشرعيّة الظنّيّة، كخبر الواحد و الفتوى و البيّنة و غيرها من الحجج و الأمارات الشرعيّة الأخر، فإنّ إطلاق الحجّة على الأوّل‏ (3) يعدّ مجازا و على الثاني‏ (4) يعدّ حقيقة.

____________

(1) إشارة إلى ما سيجي‏ء من المصنّف (رحمه اللّه) عند قوله: «مستلزم للتناقض ...» و قوله: «مناقض له ...». (فرائد الاصول 1: 31).

(2) حاشية فرائد الاصول: 27.

(3) أي القطع.

(4) أي الأمارات الشرعيّة.

69

لأنّ الحجّة عبارة عن: الوسط الذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر [1]، ...

____________

لزوم حمل الحجّة هنا على الحجّة باصطلاح الاصوليّين‏

[1] اعلم أنّ المتن هنا حمله الأكثر على تعريف الحجّة عند أهل الميزان‏ (1)، و هذا في بادئ النظر قريب جدّا، من جهة ذكر المثال المناسب له و هو التغيّر لإثبات حدوث العالم في مثل: «العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث» لكنّه لا يتمّ عند الدقّة و التأمّل، بل الصواب حملها على الحجّة باصطلاح الاصوليّين، و قبل توضيح ذلك لا بدّ من بيان معنى الحجّة في اللغة و الاصطلاح.

الحجّة في اللغة و الاصطلاح و إطلاقها على القطع‏

الحجّة في اللغة معناها الغلبة على الخصم‏ (2) و لكنّ أهل الميزان أي المنطقيّين أطلقوها على مجموع الصغرى و الكبرى المركّب منهما القياس بعلاقة السببيّة- أي من باب تسمية السبب (أي الصغرى و الكبرى) باسم المسبّب (أي الغلبة على الخصم)- و عرّفوها ب «قول مؤلّف‏ (3) من قضايا يلزمه لذاته قول آخر» (4).

و أمّا الاصوليّون فأطلقوها على خصوص الحدّ الوسط في القياس، و عرّفوها ب «ما يصلح لإثبات الأكبر للأصغر» (5).

____________

(1) أي المنطقيّين.

(2) انظر معجم مقاييس اللغة 2: 30، و الحاشية على تهذيب المنطق: 19.

(3) أي مركّب.

(4) انظر الحاشية على تهذيب المنطق: 86.

(5) انظر بحر الفوائد، الجزء الأوّل: 8.

70

و القطع حيث إنّه أمر بسيط و ليس مؤلّفا- أي مركّبا من القضايا-، فليس حجّة منطقيّا، و حيث لا يصلح وقوعه وسطا للقياس لأجل كذب الكبرى بالتقريب الآتي مفصّلا فليس حجّة اصوليّا (1).

و بعد معرفة ذلك فلا يبعد حملها على الحجّة باصطلاح المتكلّمين، و هو رفع العذر الذي به صحّ للمولى الاحتجاج على عبده عند مخالفته القطع و إتمام الحجّة عليه‏ (2).

تصريح المحقّق النائينيّ و صاحب حاشية القلائد على صحّة ما ادّعيناه‏

إنّ ما ادّعيناه في المقام من نفي إطلاق الحجّة على القطع باصطلاح المنطقيّين و الاصوليّين، صرّح به المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) فقال: «فظهر أنّه لا يصحّ إطلاق الحجّة على القطع باصطلاح أهل الميزان و لا باصطلاح الاصولي ...» (3).

____________

(1) أقول: لزوم حمل المتن هنا على الحجّة باصطلاح الاصوليّين لا ينافي ممنوعيّته من ناحية محذور كذب الكبرى بالتقريب الآتي في ما بعد مفصّلا، و انتظر توضيحه في ضمن نقل كلمات الأكابر رحمهم اللّه.

(2) و يدلّ عليه مثل ما رواه الشيخ المفيد في أماليه عن مسعدة بن زياد، قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) و قد سئل عن قوله تعالى: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [الأنعام: 149]، فقال: «إنّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالما؟ فإن قال: نعم، قال له: أ فلا عملت بما علمت؟ و إن قال كنت جاهلا، قال له: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل؟ فيخصمه، و ذلك الحجّة البالغة». (الأمالي: 227 و 228، المجلس السادس و العشرون، الحديث 6، و البرهان في تفسير القرآن 3: 111، الحديث 3).

(3) فوائد الاصول 3: 9.

71

و لا بأس بنقل كلام بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) فإنّه قال في مطاوي كلماته المفصّلة: «الحجّة في نظر أهل العرف عبارة عمّا يحصل به القطع، فلا يطلق على نفس القطع‏ (1). و في اصطلاح أهل الميزان هو مجموع الصغرى و الكبرى، و القطع أمر حاصل منهما لا عينهما. و في اصطلاح أهل الاصول هو الوسط الذي يكون علّة لثبوت المحمول في الكبرى للموضوع في الصغرى، و القطع ليس كذلك؛ لأنّ العلم بالموضوع إنّما هو انكشاف لحاله لا أنّه مثبت له. و إن شئت توضيح ذلك فأجر مثل القطع كمثل السراج؛ فإنّ كشف قيام زيد مثلا بالسراج حين اشتعاله، لا يصير واسطة لثبوت المحمول للموضوع؛ لأنّ ثبوته له‏ (2) واقع في الخارج و إن لم يشتعل السراج، فكذلك القطع بعينه ...» (3).

ما سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) يؤيّد ما اخترناه‏

ثمّ ما اخترناه آنفا من لزوم حمل المتن هنا على الحجّة باصطلاح الاصوليّ- مع قطع النظر عن محذور كذب الكبرى- لعلّه يؤيّد بما سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) بقوله:

«المراد ب «الحجّة» في باب الأدلّة ما كان وسطا لثبوت أحكام متعلّقه شرعا ...» (4).

____________

(1) لأنّه يلزم وحدة السبب و المسبّب، كما سيوضح بعدا. انظر الصفحة 78، ذيل عنوان «المحذور الثاني: اتّحاد السبب و المسبّب».

(2) أي ثبوت المحمول للموضوع.

(3) قلائد الفرائد 1: 39.

(4) فرائد الاصول 1: 30.

72

و كيف كان، فثبوت الأكبر للأصغر بسبب حدّ الوسط في القياس يشمل موارد التكوين و التشريع معا، أمّا التكوين فمثاله الواضح: «العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث» و أمّا التشريع فمثاله الواضح ما سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) عن قريب في موارد وقوع الظنّ المعتبر و الفتوى و البيّنة وسطا في القياس كقولنا:

«استعمال التتن أفتى المجتهد بحرمته، و كلّ ما أفتى المجتهد بحرمته فهو حرام يجب الاجتناب عنه، فاستعمال التتن حرام يجب الاجتناب عنه» و كقولنا:

«صلاة الجمعة أخبر الثقة عن وجوبها، و كلّ ما أخبر الثقة عن وجوبه فهو واجب، فصلاة الجمعة واجبة» و هكذا.

تعميم معنى الحجّة عند المنطقيّين و ارتفاع النزاع في المقام‏

لا يذهب عليك أنّ بعض المحقّقين من الاصوليّين‏ (1) قد ادّعى التعميم في اصطلاح المنطقيّين، بمعنى أنّهم مضافا إلى إطلاقهم الحجّة على مجموع الصغرى و الكبرى، أطلقوها أيضا على جزء منهما- أعني حدّ الوسط- مشروطا بوجود العلقة و الربط بين حدّ الوسط و الأكبر كالتغيّر في المثال، خلافا للاصوليّين، فإنّ الحجّة عندهم خصوص حدّ الوسط مشروطا بانتفاء العلقة و الربط بين حدّ الوسط

____________

(1) هو المظفّر (رحمه اللّه) عند قوله: «و أمّا الحجّة في الاصطلاح العلميّ فلها معنيان أو اصطلاحان: ما عند المناطقة، و معناها: كلّ ما يتألّف من قضايا تنتج مطلوبا، أي مجموع القضايا- إلى أن قال-: و قد يطلقون الحجّة أيضا على نفس الحدّ الأوسط في القياس ...». (اصول الفقه (3- 4): 12).

73

و الأكبر، لا بوجه عدم الانفكاك و التلازم و لا بوجه العلّية و المعلوليّة (1).

و لا يخفى أنّ هذا المدّعى- أي التعميم في اصطلاح المنطقيّين- لو ثبت خارجا لارتفع النزاع في المقام؛ لجواز حمل كلام المصنّف (رحمه اللّه) حينئذ على التعريف باصطلاحهم، كما قلنا أنّه يظهر في بادئ النظر، فافهم و تأمّل في كلّ ما أوضحناه من الأوّل إلى هنا، و اللّه أعلم بحقائق الامور.

____________

(1) و إن شئت توضيح ذلك مفصّلا فراجع كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) فإنّه قال: «و لا يصحّ إطلاق الحجّة عليه، فإنّ الحجّة باصطلاح المنطقيّ عبارة عن الوسط الذي يكون بينه و بين الأكبر الذي يراد إثباته للأصغر علقة و ربط ثبوتيّ، إمّا علقة التلازم و إمّا علقة العلّيّة و المعلوليّة- إلى أن قال-: و من المعلوم أنّ القطع لا يكون حجّة بهذا المعنى؛ إذ لا يصحّ أن يقع وسطا في القياس، فلا يقال: هذا معلوم الخمريّة، و كلّ معلوم الخمريّة خمر أو يجب الاجتناب عنه؛ لأنّ الكبرى كاذبة؛ إذ معلوم الخمريّة يمكن أن يكون خمرا و يمكن أن لا يكون، و وجوب الاجتناب لم يترتّب شرعا على معلوم الخمريّة بل على الخمر الواقعيّ؛ لأنّ الكلام في القطع الطريقيّ، فلا يكون هناك علقة ثبوتيّة بين العلم و بين الأكبر، لا علقة التلازم و لا علقة العلّيّة و المعلوليّة، و ما لم يكن علقة لا يصحّ جعله وسطا، فلا يكون حجّة باصطلاح المنطقيّ، كما لا يكون حجّة باصطلاح الاصوليّ أيضا، فإنّ الحجّة باصطلاح الاصوليّ عبارة عن الأدلّة الشرعيّة من الطرق و الأمارات التي تقع وسطا لإثبات متعلّقاتها بحسب الجعل الشرعيّ من دون أن يكون بينها و بين المتعلّقات علقة ثبوتيّة بوجه من الوجوه، فإنّ متعلّقاتها إن كانت من الموضوعات الخارجيّة فعدم ثبوت العلقة بينهما واضح؛ إذ لا علقة بين الظنّ بخمريّة شي‏ء و بين نفس الخمر- لا علقة التلازم و لا علقة العلّيّة و المعلوليّة- و إن كانت من الأحكام الشرعيّة، فلأنّ الأحكام الشرعيّة مترتّبة على موضوعاتها الواقعيّة لا على ما أدّى إليه الطريق، إلّا بناء على التصويب الذي لا نقول به ...». (فوائد الاصول 3: 7 و 8).

74

و يصير [1] واسطة للقطع بثبوته له، كالتغيّر لإثبات حدوث العالم، فقولنا: الظنّ حجّة، أو البيّنة حجّة، أو فتوى المفتي حجّة، يراد به [2] كون هذه الامور أوساطا لإثبات أحكام متعلّقاتها، فيقال: هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه. و كذلك قولنا: هذا الفعل ممّا أفتى المفتي بتحريمه، أو قامت البيّنة على كونه محرّما، و كلّ ما كان كذلك فهو حرام.

و هذا [3] ...

____________

[1] هذا عطف تفسيريّ لما قبله، و تقدير الكلام: أنّ الوسط يصير سببا للعلم بثبوت الأكبر للأصغر.

[2] الضمير المجرور يعود إلى: «فقولنا: الظنّ حجّة ...».

توضيح ذلك: إنّ قولنا: «الظنّ حجّة»، معناه إثبات حكم متعلّق الظنّ أي الموضوع الخارجيّ، مثلا عند حصول الظنّ المعتبر بخمريّة مائع يعدّ ذاك المائع متعلّقا للظنّ، فيثبت به‏ (1) حكم الخمر- أي الحرمة المعبّر عنها اصطلاحا بالأكبر- لذاك المائع الخارجيّ- المعبّر عنه اصطلاحا بالأصغر- و هكذا البيّنة و الفتوى و لذا قال المصنّف (رحمه اللّه): «كون هذه الامور أوساطا لإثبات أحكام متعلّقاتها ...».

محاذير وقوع القطع وسطا في القياس‏

[3] من هنا أشار (رحمه اللّه) إلى ما أوضحناه آنفا من عدم صلاحيّة كون القطع وسطا، و المحاذير الحاصلة من ناحية وقوعه وسطا للقياس ثلاثة:

____________

(1) أي بالظنّ المعتبر.

75

بخلاف القطع [1]؛ لأنّه إذا قطع بوجوب شي‏ء، فيقال: هذا واجب، و كلّ واجب يحرم ضدّه أو يجب مقدّمته.

____________

المحذور الأوّل: كذب الكبرى‏

[1] إشارة إلى عدم صحّة اتّصاف القطع بالحجّة باصطلاح الاصوليّ و عدم صحّة وقوعه وسطا للقياس مطلقا- أي لا في الأحكام كمقطوع الوجوب مثلا، و لا في الموضوعات كمقطوع الخمريّة مثلا- و عليه فاللّازم على القاطع بهما رفع اليد عن قطعه رأسا، بأن يرتّب الصغرى و الكبرى بلا ذكر القطع فيهما، ففي الأوّل‏ (1) يقال: «هذا واجب، و كلّ واجب يجب إتيانه و يحرم ضدّه»، و لا يقال:

«هذا مقطوع الوجوب، و كلّ مقطوع الوجوب يجب إتيانه و يحرم ضدّه» و أيضا يقال في الثاني‏ (2): «هذا المائع خمر، و كلّ خمر يجب الاجتناب عنه» و لا يقال:

«هذا المائع مقطوع الخمريّة، و كلّ مقطوع الخمريّة يجب الاجتناب عنه».

و الوجه فيه ما أشرنا إليه إجمالا من كذب الكبرى، و هذا سيشير إليه المصنّف (رحمه اللّه) عند قوله: «لأنّ أحكام الخمر إنّما تثبت للخمر، لا لما علم أنّه خمر ...».

تنبيه: لا يخفى أنّه بعد الإذعان بأنّ دخل القطع في الحكم و جعله وسطا للقياس مستلزم لكذب الكبرى، كان من الجدير أن يحذف المصنّف (رحمه اللّه) المثال المتقدّم الواقع فيه الظنّ وسطا في القياس؛ لاستلزامه أيضا الكذب في الكبرى؛ إذ

____________

(1) أي في الأحكام.

(2) أي في الموضوعات.

76

كما لا دخل للقطع في ترتّب الحرمة على الخمر- بناء على مذهب التخطئة- كذلك لا دخل للظنّ أيضا في ترتّبها عليه، و لذا قال المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه): «... الأحكام الشرعيّة مترتّبة على موضوعاتها الواقعيّة لا على ما أدّى إليه الطريق، إلّا بناء على التصويب الذي لا نقول به. و من هنا يظهر أنّه لا يصحّ تأليف القياس الحقيقيّ من الأدلّة الشرعيّة، بل صورة قياس أشبه بالمغالطة، فقولك: «هذا مظنون الخمريّة و كلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه» قياس صوريّ لا واقع له؛ إذ الذي يجب الاجتناب عنه هو الخمر الواقعيّ لا مظنون الخمريّة، و إنّما كان الظنّ طريقا شرعيّا إلى الخمر، فالظنّ يكون من قبيل المعرّف و الواسطة في الإثبات فقط من دون أن يكون واسطة في الثبوت، و معه لا يصحّ تأليف القياس الحقيقيّ منه‏ (1) إلّا بنحو من التأويل، بعناية جعل الشارع الظنّ طريقا إلى الخمر (2) و مثبتا له في الظاهر. و هذا بخلاف القطع، فإنّه لا يصحّ جعله وسطا بوجه من الوجوه، و لا يمكن تأليف القياس منه و لو قياس صوريّ؛ إذ تلك العناية التي كانت في الظنّ لم تكن في العلم؛ لعدم جعل الشارع العلم طريقا إلى إثبات متعلّقه؛ لما تقدّم من أنّ طريقيّة القطع غير قابلة لأن تنالها يد الجعل‏

____________

(1) أي من الظنّ.

(2) أقول: إنّ جملة «بعناية جعل الشارع الظنّ طريقا إلى الخمر» في كلام المحقّق المذكور، معناها أنّ الظنّ المعتبر وجه صلاحيّة وقوعه وسطا إمكان تعلّق الجعل به من قبل الشارع الأقدس، و أمّا القطع فإنّه حيث لم يمكن تعلّق الجعل به بالتقريب المتقدّم فلا يصلح لأن يقع وسطا حتّى بنحو القياس الصوريّ.

77

التشريعيّ، و ما لم يكن هناك جعل شرعيّ لا يكون حجة باصطلاح الاصوليّ ...» (1).

و الحاصل: أنّ القطع و الظنّ و إن اشتركا في عدم الدخل في الحكم- بناء على ما هو الحقّ من مذهب التخطئة (2)- و عدم جواز أخذهما وسطا في القياس- لكذب الكبرى فيهما معا- لكنّه مع غضّ النظر عن كذب الكبرى لا بدّ في عنوان الظنّ من الأخذ به في القياس، و إلّا يلزم الكذب في الصغرى، مثلا في صورة حصول الظنّ بخمريّة مائع خارجيّ، اللّازم علينا ذكر عنوان الظنّ في القياس، بأن يقال: «هذا مظنون الخمريّة، و لا يصحّ أن يقال: «هذا خمر»؛ لعدم إحراز الخمريّة واقعا، و لا نعني من كذب الصغرى إلّا هذا (3).

____________

(1) فوائد الاصول 3: 8 و 9.

(2) لا يخفى أنّ مذهب التخطئة في مقابل مذهب التصويب، و سيجي‏ء توضيح الكلّ في ما بعد إن شاء اللّه. انظر الصفحة 84 و ما بعدها، ذيل عنوان «بحث إجماليّ حول المخطّئة و المصوّبة».

(3) أقول: و لا بأس بنقل كلام بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) بقدر الحاجة، فإنّه في مطاوي كلماته المفصّلة قال: «إنّه لو قلنا: (هذا معلوم الخمريّة و كلّ معلوم الخمريّة يجب الاجتناب عنه) فالكبرى قضيّة كاذبة؛ لأنّ الشارع إنّما رتّب الحكم بالحرمة على نفس الخمر لا على معلوم الخمريّة- إلى أن قال-: و من المعلوم أنّ تعلّق العلم بهذا الموضوع الواقعيّ فرع ثبوته و وجوده، و إذا وجد ترتّب عليه أثره، فالأثر مقارن للوجود، و كيف يعقل كون العلم المتأخّر عن الوجود علة لترتّب الأثر المقارن للوجود؟! (إشارة إلى المحذور الثالث الذي سيجي‏ء ذكره في ما بعد)- إلى أن قال-: و هذا كلّه بخلاف الأمارات الشرعيّة كالظنّ و الفتوى و البيّنة، مثلا إذا ظنّ بكون مائع خمرا و فرضنا حجّيّة هذا الظنّ من الشارع، يترتّب القياس هكذا: (هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه) و لا يصحّ أن يقال:

78

و كذلك العلم بالموضوعات، فإذا قطع بخمريّة شي‏ء، فيقال: هذا خمر، و كلّ خمر يجب الاجتناب عنه، و لا يقال: إنّ هذا معلوم الخمريّة [1]، و كلّ معلوم الخمريّة حكمه كذا؛ لأنّ أحكام الخمر إنّما تثبت للخمر، لا لما علم أنّه خمر.

و الحاصل: أنّ كون القطع حجّة غير معقول [2]؛ لأنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب، فلا يطلق على نفس القطع.

____________

[1] المضبوط في النسخة المحشّاة بحاشية الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه) هكذا: «لا يقال: إنّ هذا معلوم الوجوب أو الخمريّة ...» (1)، لكنّه بعد كون البحث فعلا في الموضوعات، علم زيادة لفظة «الوجوب» هنا و لذا لا توجد في النسخ المصحّحة حديثا و قديما، فلا تغفل.

المحذور الثاني: اتّحاد السبب و المسبّب‏

[2] هذا بظاهره ملخّص ما تقدّم و توضيح له، و لكنّه ليس كذلك قطعا، بل هو إشارة إلى إيراد آخر على وسطيّة القطع بنحو أشدّ و أغلظ (2).

و ملخّصه: اتّحاد السبب و المسبّب هو من الامور الغير المعقولة، بتقريب أنّ‏

____________

(هذا خمر)؛ لعدم كونه خمرا في الواقع بل راجح الخمريّة، بخلاف العلم؛ فإنّه بعد حصوله جاز أن يقال: هذا خمر ...». (قلائد الفرائد 1: 40 و 41).

(1) انظر الرسائل المحشّى: 3.

(2) قال بعض المحشّين: «قوله (رحمه اللّه): [و الحاصل ...] أنّ هذا دليل آخر على عدم إطلاق الحجّة على القطع و ليس حاصل ما سبق، و مفاده أنّ الحجّة واسطة لثبوت حكم متعلّقه، و به يحصل القطع بالمطلوب فلا يصدق على نفس القطع و إلّا كان السبب و المسبّب شيئا واحدا ...». (تسديد القواعد: 17).

79

حجّة الاصوليّ- بعد كونها سببا تامّا للوصول إلى القطع بمطلوب خبري- إمّا هي حجّة حقيقة- كما في الموضوعات التكوينيّة نظير حدوث العالم- و إمّا تعبّدا كما في الأحكام الشرعيّة.

و عليه فإن اطلق الحجّة على نفس القطع، يلزم وحدة السبب و المسبّب؛ إذ كأنّه قيل: «القطع سبب للقطع» مع أنّ عنوان السبب و المسبّب لا بدّ فيه من اعتبار الاثنينيّة و لحاظها، كسببيّة الأب مثلا بالنسبة إلى الابن، فافهم.

المحذور الثالث: تأثير المتأخّر في المتقدّم‏

اعلم أنّ هنا وجها ثالثا لعدم صلاحيّة وقوع القطع وسطا لم يتعرّضه المصنّف (رحمه اللّه)، و قد تعرّضه بعض تلامذته مفصّلا في ما تقدّم آنفا (1) و ملخّصه:

أنّ القطع بعد تعلّقه بموضوع ذي حكم شرعيّ تكون رتبته متأخّرة عنه‏ (2)، و حينئذ إن التزمنا بثبوت حكم متعلّق القطع بسبب القطع يلزم تأثير المتأخّر في المتقدّم‏ (3)، فافهم.

____________

(1) انظر الصفحة 77، الهامش 3.

(2) أي عن الموضوع.

(3) انظر قلائد الفرائد 1: 40 و 41.

80

هذا كلّه بالنسبة إلى حكم متعلّق القطع [1] و هو الأمر المقطوع به، ...

____________

توضيح حول عبارة المتن‏

[1] لا يذهب عليك أوّلا أنّ المشار إليه لفظة «هذا» هو عدم صلاحيّة القطع للوسطيّة، و ثانيا أنّ لفظة «حكم» لم تذكر في بعض النسخ القديمة كالنسخة المحشّاة بحاشية الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه)(1)، مع أنّها لا بدّ منها جدّا، و الشاهد عليه ما سيجي‏ء بعده؛ أعني قوله (رحمه اللّه): «و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر ...».

و عليه فتقدير الكلام: أنّ منع وقوع القطع وسطا للقياس إنّما هو بالنسبة إلى إثبات حكم متعلّقه، و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر فلا منع و لا محذور فيه أصلا، كما سيجي‏ء توضيحه مفصّلا.

انقسام القطع إلى طريقيّ محض و موضوعيّ و جهات الفرق بينهما

اعلم أنّ القطع على قسمين:

أحدهما: الطريقيّ المحض‏ (2).

و ثانيهما: الموضوعيّ بأقسامه الأربعة الآتية.

و الفرق بين القطع الطريقيّ المحض و الموضوعيّ من جهات ثلاث:

____________

(1) انظر الرسائل المحشّى: 3.

(2) توصيف «الطريقيّ» بلفظة «المحض» لأجل تمايزه من الموضوعيّ الطريقيّ بالتقريب الآتي.

81

الجهة الاولى امتناع أخذ القطع الطريقيّ في الحكم و وقوعه وسطا للقياس بخلاف الموضوعيّ‏

الفرق بينهما عدم دخل الأوّل في الحكم؛ لترتّبه على ما هو الموضوع له واقعا بلا دخل شي‏ء فيه، و دخل الثاني فيه‏ (1) وجودا و عدما، مثل قول الشارع الأقدس:

«إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة يجب عليك التصدّق» و «إذا قطعت بخمريّة مائع يجب عليك الاجتناب عنه» و حينئذ فنقول: إنّ صلاة الجمعة التي هي متعلّق القطع و إن لا يجوز (2) إثبات حكمها الوجوبيّ به، إلّا أنّ إثبات الحكم الآخر لها الذي لم يتعلّق به القطع- و هو وجوب التصدّق- فلا منع و لا محذور فيه أصلا، و عليه فعند ترتيب القياس يقال: «إنّ زيدا مثلا قطع بوجوب صلاة الجمعة، و كلّ من قطع بوجوبها يجب عليه التصدّق، فزيد يجب عليه التصدّق»، و أيضا نقول:

المائع المعيّن الذي هو متعلّق القطع و إن لا يجوز إثبات حكمه التحريميّ به، إلّا أنّ إثبات حكم آخر له الذي لم يتعلّق به القطع- و هو وجوب الاجتناب- فلا منع فيه، و عليه فعند ترتيب القياس يقال: «إنّ زيدا مثلا قطع بخمريّة مائع معيّن، و كلّ من قطع بخمريّة مائع معيّن يجب عليه الاجتناب عنه، فزيد يجب عليه الاجتناب عنه» و هذا كلّه سيصرّح به المصنّف (رحمه اللّه) عند قوله: «و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر، فيجوز ...».

و لا يخفى أنّ جواز إثبات حكم آخر بالقطع في المثالين المذكورين مبنيّ على‏

____________

(1) الضمائر في «ترتّبه» و «له» و «فيه» في الموضعين ترجع إلى «الحكم».

(2) لفظة «لا يجوز» هنا و في ما سيأتي معناها «لا يمكن».

82

مذهب المصوّبة من العامّة و بعض علماء الخاصّة كصاحب الحدائق (رحمه اللّه) على ما سيجي‏ء توضيحه مفصّلا (1)، و أمّا بناء على مذهب المخطّئة فلا يجوز، كما ستعرف توضيحه مفصّلا.

و الحاصل: أنّ القطع الطريقيّ المحض الغير الدخيل في الحكم حيث لا يمكن به إثبات حكم متعلّقه- لأجل استلزام الكذب في الكبرى- لا يصلح وقوعه وسطا في القياس، خلافا للقطع الموضوعيّ الدخيل في الحكم، فإنّه حيث يمكن إثبات حكم آخر به بلا محذور استلزامه الكذب يصلح وقوعه وسطا في القياس بناء على مذهب المصوّبة.

خصوصيّة القطع الطريقيّ المحض‏

و المناسب في المقام تفهيما للمرام تشبيه المعقول بالمحسوس، بأن يقال: القطع الطريقيّ المحض هو كالسراج المنكشف به الأشياء الخارجيّة، كقيام زيد مثلا في الظلمة، فإنّ السراج بمجرّد إضاءته خارجا و إن انكشف به الواقع و ثبت به الأكبر- كالقيام مثلا- للأصغر- كزيد مثلا- لكنّه لم يكن سببا لذلك و واسطة له بعد ثبوته‏ (2) في الخارج و لو مع عدم إضاءته‏ (3). و أيضا كالمكروسكوب الموجب‏

____________

(1) انظر الصفحة 99، الهامش 1.

(2) أي ثبوت القيام.

(3) راجع قلائد الفرائد 1: 39، عند قوله (رحمه اللّه): «و إن شئت توضيح ذلك فأجر مثل القطع كمثل السراج ...». لا يخفى أنّ تمام كلامه ذكرناه سابقا، راجع الصفحة 71.

83

و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر، فيجوز [1] أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه، فيقال: إنّ الشي‏ء المعلوم [2] بوصف كونه معلوما ...

____________

لرؤية المكروب الموجود خارجا، و هذا أيضا و إن انكشف به الواقع و ثبت به الأكبر للأصغر لكنّه لم يكن سببا لذلك و واسطة له بعد ثبوته‏ (1) في الخارج و لو مع فقد المكروسكوب، بل و لو مع عدم اختراعه أصلا، فكما أنّ كلّا من السراج و المكروسكوب لا دخل له في ما أراه خارجا كذلك القطع الطريقيّ المبحوث عنه هنا، و هو المطلوب.

أمثلة القطع الموضوعيّ على مذهب التصويب‏

[1] لفظة «يجوز» هنا بمعنى «يمكن»، فهذه عبارة اخرى لقولنا آنفا: «و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر فلا منع و لا محذور فيه أصلا».

[2] إنّ لفظة «الشي‏ء المعلوم» تنطبق على صلاة الجمعة و الخمريّة في المثالين المذكورين، كما أنّ لفظة «كذا» في ما بعد أيضا تنطبق فيهما على وجوب التصدّق و وجوب الاجتناب.

و عليه فتقرير مراد المصنّف (رحمه اللّه) هكذا: «إنّ صلاة الجمعة بوصف كونها معلومة الوجوب هي موضوع وجوب التصدّق» فصحّ ترتيب القياس منه هكذا: «إنّ زيدا مثلا قد قطع بوجوب صلاة الجمعة، و كلّ من قطع بذلك يجب عليه التصدّق، فزيد يجب عليه التصدّق» و لا نعني من جواز وقوع القطع وسطا لإثبات حكم آخر إلّا هذا، فلا تغفل.

____________

(1) أي ثبوت المكروب.

84

بحث إجماليّ حول المخطّئة و المصوّبة

اعلم أنّ العامّة- بالأخصّ الأشاعرة منهم- القائلين بالتصويب يعتقدون بدخل وصف العلم و القطع في ترتّب الحكم الشرعيّ على موصوفه‏ (1)، و أمّا الخاصّة- كثّرهم اللّه- المخطّئة المعتقدون: «بأنّ للّه تبارك و تعالى أحكاما يشترك فيها العالم و الجاهل» (2) فقد أنكروا دخلهما- أي العلم و القطع- فيه رأسا أشدّ الإنكار، و الوجه فيه تبعيّة الأحكام الشرعيّة للمصالح و المفاسد الواقعيّة النفس الأمريّة

____________

(1) انظر المستصفى 4: 48، ذيل عنوان «الحكم الثاني في الاجتهاد التصويب و التخطئة».

(2) هذا الكلام متّخذ من مضمون بعض الأخبار، مثل ما رواه الشيخ المفيد في أماليه عن مسعدة بن زياد، قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) و قد سئل عن قوله تعالى: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [الأنعام: 149]، فقال: «إنّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالما؟ فإن قال: نعم، قال له: أ فلا عملت بما علمت؟ و إن قال: كنت جاهلا، قال له: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل؟ فيخصمه، و ذلك الحجّة البالغة» الأمالي: 227 و 228، المجلس السادس و العشرون، الحديث 6، و البرهان في تفسير القرآن 3: 111، الحديث 3؛ و هكذا الروايات الواردة في باب سؤال العالم و تذاكره (راجع الكافي 1: 40 و 41) و أيضا ما دلّ على وجوب التفقّه و التعلّم من الآيات (التوبة: 122، و النحل: 43) و الأخبار (الكافي 1:

30 و 31، كتاب فضل العلم، أحاديث ذيل باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحثّ عليه)؛ و لذا قال المصنّف (رحمه اللّه): «و قد تواتر بوجود الحكم المشترك بين العالم و الجاهل الأخبار و الآثار» (راجع فرائد الاصول 1: 113) و هكذا قال صاحب الفصول (رحمه اللّه): «تواتر الأخبار المرويّة عن الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) الدالّة على أنّ للّه في كلّ واقعة حكما معيّنا ...»، (الفصول الغرويّة: 406).

85

بلا دخل شي‏ء فيها، و التفصيل في محلّه‏ (1).

و سيجي‏ء توضيح ذلك كلّه عند نقل كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه)(2).

ثمّ اعلم أنّ توضيح التصويب مع أقسامه سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) في ابتداء مبحث الظنّ‏ (3) و ستعرف هناك مفصّلا بطلان جميع أقسامه، و هذا- أي البطلان- هو السرّ في حمل الإماميّة- (رضوان اللّه عليهم)- «الرفع» في فقرة ما لا يعلمون من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «رفع عن امّتي تسعة» (4)، على الرفع الظاهريّ خلافا لسائر الفقرات، فإنّها تحمل على الرفع الواقعيّ، و التفصيل في محلّه.

و لا يخفى أن إنكارهم دخل العلم في الحكم الشرعيّ و جعله موضوعا له‏ (5) إنّما هو بالنسبة إلى خصوص الموضوعيّ الصفتيّ بنحو تمام الموضوع، و أمّا الموضوعيّ على وجه الطريقيّة- سيّما بنحو جزء الموضوع- فلعلّه لا ينكر، فانتظر توضيحه في ما سيجي‏ء عن قريب‏ (6).

____________

(1) انظر تمهيد القواعد: 321 و 322، ضمن قاعدة 100، و معالم الدين: 241 و 242، و قوانين الاصول 2: 215، و الفصول الغرويّة: 406.

(2) انظر الصفحة 115 و ما بعدها، ذيل عنوان «ما أفاده المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) في أقسام القطع» و أيضا راجع فوائد الاصول 3: 9- 12.

(3) راجع فرائد الاصول 1: 113 و ما بعدها، عند قوله (رحمه اللّه): «و أمّا القسم الثاني، فهو على وجوه ...».

(4) الخصال: 455 باب التسعة، الحديث 9، و التوحيد للصدوق: 344 باب الاستطاعة، الحديث 24.

(5) أي إنكار الإماميّة لدخل العلم في الحكم الشرعيّ و جعله موضوعا للحكم.

(6) انظر الصفحة 122 و ما بعدها، ذيل عنوان «عدم تصوّر القطع الموضوعيّ الطريقيّ الملحوظ بنحو تمام الموضوع».

86

حكمه كذا [1]، و حينئذ [2] فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم و إن لم يطلق عليه الحجّة [3]؛ ...

____________

[1] اعلم أنّ انطباق لفظة «كذا» على وجوب التصدّق في القياس المذكور و إن كان تامّا جدّا كما مثّل به أيضا المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه)(1)، لكن لعلّ انطباقها على ما سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) في المثال الآتي من وجوب الإطاعة عقلا كان أولى، بأن يقال: «المعلوم الوجوب بوصف كونه معلوما حكمه الواقعيّ وجوب الإطاعة عقلا».

و كيف كان، فصحّة أمثال هذه القياسات مبتنية على مذهب المصوّبة المعتقدين بترتّب الأحكام الواقعيّة على العلم و القطع.

فملخّص الكلام أوّلا و آخرا: أنّ القطع بوجوب صلاة الجمعة في المثال المذكور يصلح وقوعه وسطا لثبوت حكم وجوب التصدّق الذي لم يتعلّق به القطع، و أمّا بالنسبة إلى ثبوت الحكم الذي تعلّق به القطع- و هو وجوب صلاة الجمعة- فلا يصلح، و هو المطلوب.

[2] أي حين أخذ القطع في موضوع حكم آخر.

وجه عدم إطلاق الحجّة الاصوليّة على القطع الموضوعيّ‏

[3] إشارة إلى عدم التنافي بين إمكان وقوع القطع وسطا لإثبات حكم آخر الذي لم يتعلّق به القطع، و بين عدم صحّة إطلاق الحجّة عليه.

____________

(1) كفاية الاصول: 263، قال (رحمه اللّه): «إذا قطعت بوجوب شي‏ء يجب عليك التصدّق بكذا ...».

87

إذ المراد ب «الحجّة» في باب الأدلّة: ما كان وسطا لثبوت أحكام متعلّقه شرعا [1]، لا لحكم آخر، كما إذا رتّب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونها خمرا، لا على نفس الخمر، و كترتّب وجوب الإطاعة عقلا على معلوم الوجوب [2]، لا الواجب الواقعيّ.

____________

و الوجه فيه: أنّ القطع باعتبار صلاحيّته لأن يترتّب القياس منه و إثبات حكم آخر به يصحّ إطلاق الوسط عليه، و باعتبار عدم ثبوت حكم متعلّقه به لا يصحّ إطلاق الحجّة الاصوليّة عليه، و لذا قال المصنّف (رحمه اللّه) في مقام التعليل له: «إذ المراد بالحجّة في باب الأدلّة ...».

[1] كلامه (رحمه اللّه) هنا عبارة اخرى لقوله سابقا: «كون هذه الامور اوساطا لإثبات أحكام متعلّقاتها»، فالمراد من الحجّة هنا أيضا الحجّة باصطلاح الاصوليّين، فلا تغفل.

توضيح ذلك: أنّ قوله: «باب الأدلّة» احتراز عن باب الأقيسة المبحوث عنها في المنطق، و عليه فكأنّه (رحمه اللّه) قال: الحجّة هنا هي الحجّة باصطلاح الاصوليّين لا باصطلاح المنطقيّين الذين يطلقونها على القياس المركّب من الصغرى و الكبرى كما عرفته سابقا (1).

[2] لا يذهب عليك أنّ كلامه هنا إشارة إلى المثالين الباطلين على مذهب المخطّئة بالتقريب المتقدّم عند توضيح قوله (رحمه اللّه): «لا يقال: إنّ هذا معلوم الخمريّة

____________

(1) أقول: ما ادّعيناه هنا من أنّ المراد من الحجّة، الحجّة باصطلاح الاصوليّين و إن يوافق مع ما اخترناه سابقا و يوافق أيضا مع كلام بعض المحشّين، لكنّه يخالف ما ادّعاه بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) حيث قال: «إنّما قيّد (رحمه اللّه) بباب الأدلّة احترازا عن الحجّيّة في باب المبادئ ...».

(قلائد الفرائد 1: 41).

88

و بالجملة: فالقطع قد يكون طريقا للحكم، و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم [1].

____________

و كلّ معلوم الخمريّة حرام ...»، لكنّهما صحيحان على مذهب المصوّبة.

ثمّ إنّ المثالين المذكورين هنا و إن اشتركا من جهة كون القطع فيهما وسطا للقياس و دخيلا في الحكم، لكن افترقا من جهة أنّ المثال الأوّل وقع القطع فيه جزء لموضوع الحكم الشرعيّ- و هو وجوب الاجتناب الذي لم يتعلّق به العلم و القطع- و في الثاني وقع جزء لموضوع الحكم العقليّ، و هو وجوب الإطاعة الذي هو من الأحكام العقليّة الغير المستقلّة.

و لا يخفى أنّ الثابت عند المصوّبة هو ترتّب الحرمة الواقعيّة للخمر على المائع المقطوع خمريّته، و أمّا الحرمة الظاهريّة لها فترتّبها عليه‏ (1) ممّا اتّفق عليه الكلّ.

ملخّص الكلام في المقام‏

[1] حاصل الكلام في الفرق الأوّل بين القطع الطريقيّ المحض و الموضوعيّ:

أنّه بناء على المذهب الأوّل‏ (2) حيث لا دخل للقطع في ترتّب الحكم الشرعيّ، فلا يصحّ ترتيب القياس منه و جعله وسطا فيه فضلا عن إطلاق الحجّة عليه، و الوجه‏

____________

(1) لا يخفى أنّ الضمير المؤنّث في الأوّل- أي «لها»- يعود إلى «الخمر» و في الثاني- أي «ترتّبها»- يعود إلى «الحرمة الظاهريّة» و الضمير المذكّر في «عليه» يعود إلى «المائع المقطوع خمريّته».

(2) أي التخطئة.

89

ثمّ ما كان منه طريقا [1] لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته، ...

____________

فيه ما عرفت من كذب الكبرى و اتّحاد السبب و المسبّب.

و أمّا بناء على المذهب الثاني‏ (1) فحيث إنّ القطع دخيل في الحكم يصحّ ترتيب القياس منه و جعله وسطا فيه، لكنّه لا يصحّ إطلاق الحجّة عليه، و الوجه فيه اعتبار ثبوت حكم المتعلّق في الحجّة باصطلاح الاصوليّ و عدم كفاية ثبوت حكم آخر كالتصدّق في المثال.

و لا يخفى أنّ المبحوث عنه في المقام يتعلّق بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة، و أمّا الأحكام الاصوليّة الاعتقاديّة فلها حكم آخر يبحث عنه في محلّه‏ (2).

الجهة الثانية عدم جواز التصرّف في القطع الطريقيّ و جوازه في الموضوعيّ‏

[1] شروع في تقريب فرق آخر بين القطع الطريقيّ و الموضوعيّ.

قد عرفت أنّ الفرق بين القطع الطريقيّ و الموضوعيّ من جهات ثلاث، الاولى ما أوضحه (رحمه اللّه) إلى هنا من صلاحيّة القطع الموضوعيّ لكونه وسطا في القياس، و عدم صلاحيّة القطع الطريقيّ له.

و الثانية ما سيوضحه (رحمه اللّه) عن قريب من إمكان تصرّف الشارع الأقدس في‏

____________

(1) أي التصويب.

(2) انظر مبحث الانسداد عند قوله (رحمه اللّه): «الأمر الخامس في اعتبار الظنّ في اصول الدين ...».

فرائد الاصول 1: 553.

90

القطع الموضوعيّ بالتقريب الآتي و عدمه في القطع الطريقيّ.

و الثالثة ما يوضحه (رحمه اللّه) بعدا عند قوله: «و ثمّ من خواصّ القطع الذي هو طريق ...» (1).

شأنيّة القطع الطريقيّ المحض و حجّيّته المطلقة

حيث إنّ المبحوث عنه فعلا هو الفرق الثاني، فاللّازم توضيحه في ضمن بعض الأمثلة الواقع فيها تشبيه المعقول بالمحسوس.

فنقول: إنّ زيدا مثلا لو ترتّب على اتصافه بالقيام حكم شرعيّ- كإعطاء الصدقة للفقير- فبمجرّد عروض نور في الظلمة و كشف القيام له خارجا يترتّب عليه شرعا وجوب إعطاء الصدقة للفقير بلا فرق بين حصول النور من طريق الرعد و البرق أو من طريق إضاءة الشمع أو المصباح أو غيرهما.

و القطع الطريقيّ هو كالنور من حيث إراءة المقطوع به المترتّب عليه حكم شرعيّ، بلا فرق بين حصول القطع من ناحية القطّاع و غيره، و لا بين حصوله من ناحية الكبير و الصغير، و الرجل و المرأة و هكذا، فكما أنّه لا مجال للفرق بين أفراد النور من حيث ثبوت الحكم الشرعيّ و ترتّبه عليه، كذلك لا مجال للفرق بين أفراد القطع الطريقيّ خلافا للقطع الموضوعيّ الجائز فيه الفرق بين أفراده بالتقريب الآتي، فانتظر توضيحه في ضمن الأمثلة الآتية.

____________

(1) هذا هو الفرق الثالث سيجي‏ء توضيحه في الصفحة 109 و ما بعدها.

91

من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه [1]؛ ...

____________

[1] اعلم أنّ هذه العناوين الأربعة (1) كلّ منها تعريض لمدّعي الفرق بينها، مثلا قوله: «من حيث القاطع» تعريض على كاشف الغطاء (رحمه اللّه) حيث ادّعى الفرق بين القاطع المتعارف و غير المتعارف كالقطّاع‏ (2)، على ما سيوضح مفصّلا في التنبيه الثالث‏ (3).

و قوله: «من حيث المقطوع به» (4) تعريض على ابن إدريس الحلّي حيث جوّز اعتماد القاضي على علمه بالنسبة إلى حقوق الناس فقط- كالسرقة مثلا- دون حقوق اللّه كشرب الخمر مثلا (5).

____________

(1) أي القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه.

(2) انظر كشف الغطاء 1: 308.

(3) انظر فرائد الاصول 1: 65.

(4) أي حجّيّة القطع بلحاظ متعلّقه.

(5) التفصيل المنسوب إلى ابن إدريس الحلّي قد ادّعاه الشهيد الثاني (رحمه اللّه) في المسالك 13:

383، حيث قال: «ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّ الإمام (عليه السّلام) يحكم بعلمه مطلقا- إلى أن قال-: و الخلاف في غيره من الحكّام- إلى أن قال-: و قال ابن إدريس: يجوز في حقوق الناس دون حقوق اللّه ...»، و لكن نحن لم نعثر عليه في كتابه السرائر، بل ذهب فيه إلى الجواز في جميع الأشياء (راجع السرائر 2: 180 و 181، و 3: 462 و 463)؛ و الشاهد عليه كلام السيّد الطباطبائي في الرياض 15: 32، حيث قال: «و هل لغيره أي: لغير الإمام (عليه السّلام) أيضا أن يقضي بعلمه في حقوق الناس و في حقوق اللّه تعالى من حدوده؟ فيه قولان أظهرهما أنّه كسابقه، و هو أشهرهما، بل عليه عامّة متأخّري أصحابنا، و في صريح الانتصار و الخلاف و الغنية و نهج الحقّ و ظاهر السرائر أنّ عليه إجماع الإماميّة، و هو الحجّة ...» نعم، ذهب إليه ابن حمزة في الوسيلة: 218، حيث قال (قدّس سرّه): «يجوز للحاكم المأمون، الحكم بعلمه في حقوق الناس ...».

92

إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلّقه [1]، ...

____________

و قوله: «من حيث أسباب القطع» تعريض على بعض الأخباريّين كالأسترآباديّ و غيره حيث اعتقدوا باعتبار العلم و القطع الحاصلين من طريق الكتاب و السنّة لا من غيرهما (1) على ما سيوضحه مفصّلا في التنبيه الثاني‏ (2).

و قوله: «من حيث أزمانه» تعريض و ردّ على من ادّعى اختصاص اعتبار القطع بزمان الانسداد دون زمان الانفتاح، أعني زمان حضور الإمام (عليه السّلام) و إمكان التشرّف بلقائه‏ (3).

[1] تعليل لعدم الفرق بين العناوين المذكورة بالنسبة إلى موارد القطع الطريقيّ المحض، و ثبوته‏ (4) بينها بالنسبة إلى موارد القطع الموضوعيّ الدخيل في الأحكام على مذهب المصوّبة.

توضيح ذلك: أنّ البول مثلا- بناء على مذهب المخطّئة- لا يجوز للشارع الأقدس التصرّف في طريق حصول القطع به، بأن يقول مثلا: «البول المعلوم بوليّته من طريق شهادة عدلين مثلا نجس يجب الاجتناب عنه، و أمّا المعلوم من طريق شهادة عدل واحد مثلا فليس نجسا شرعا» و الوجه فيه استلزامه التناقض بالتقريب الآتي، و أمّا بناء على مذهب المصوّبة فيجوز له التصرّف في موضوع حكمه بما شاء، بأن يقول مثلا: «المعلوم بوليّته من سبب خاصّ- كشهادة عدلين‏

____________

(1) أي لا من طريق المقدّمات العقليّة و لا من طريق الرمل و الجفر مثلا.

(2) راجع فرائد الاصول 1: 51.

(3) لم نعثر على القائلين به حسب تتبّعنا.

(4) أي الفرق.

93

فيترتّب عليه أحكام متعلّقه، و لا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به [1]؛ لأنّه [2] مستلزم للتناقض [3].

فإذا قطع بكون مائع بولا- من أيّ سبب كان- فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه؛ لأنّ المفروض أنّه بمجرّد القطع يحصل له صغرى و كبرى [4]، أعني قوله: «هذا بول، و كلّ بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه» ...

____________

مثلا- حكمه النجاسة، و أمّا المعلوم من غيره- كشهادة عدل واحد مثلا- فحكمه الطهارة» و ستعرف في مبحث البراءة لزوم الدور على هذا المذهب‏ (1).

[1] الضمائر المجرورة من قوله: «منه» إلى «به» ترجع إلى «القطع»، إلّا في «المقطوع به» فإنّ الضمير فيه يرجع إلى الموصول.

[2] أي النهي عن العمل بالقطع.

[3] إشارة إلى امتناع اجتماع حكمين متضادّين في موضوع واحد، كالطهارة و النجاسة في المثال و لو في اعتقاد القاطع، على ما صرّح به المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في الكفاية (2).

[4] إشارة إلى صغرى وجدانيّة و كبرى شرعيّة.

____________

(1) انظر فرائد الاصول 2: 280 عند قوله (رحمه اللّه): «إذ ليس موضوع الوجوب في الأوامر مختصّا بالعالم بها؛ و إلّا لزم الدور كما ذكره العلّامة (رحمه اللّه) في التحرير؛ لأنّ العلم بالوجوب موقوف على الوجوب، فكيف يتوقّف الوجوب عليه؟».

(2) انظر كفاية الاصول: 258 عند قوله (رحمه اللّه): «مع أنّه يلزم منه اجتماع الضدّين اعتقادا مطلقا، و حقيقة في صورة الإصابة، كما لا يخفى».

94

فحكم الشارع بأنّه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له، إلّا إذا فرض عدم كون النجاسة و وجوب الاجتناب [1] من أحكام نفس البول، بل من أحكام ما علم بوليّته على وجه خاصّ من حيث السبب أو الشخص أو غيرهما [2]، فيخرج العلم عن كونه طريقا، ...

____________

[1] الصواب «وجوب الاجتناب» كما هنا، لا «حرمة الاجتناب» كما في بعض النسخ‏ (1).

و لا يخفى أنّ الاستثناء هنا إشارة إلى مذهب المصوّبة.

توضيحه: أنّ عدم تجويز الشارع الأقدس الحكم بعدم النجاسة و عدم وجوب الاحتياط، يختصّ بصورة كون النجاسة و وجوب الاجتناب من أحكام نفس البول- كما هو مذهب المخطّئة- و أمّا بناء على كونهما من أحكام معلوم البوليّة- كما هو مذهب المصوّبة- فلا محذور أصلا في تجويزه الحكم بعدم النجاسة و عدم وجوب الاجتناب.

أمثلة القطع الموضوعيّ المعتبر على وجه خاصّ‏

[2] لا يذهب عليك أنّ لفظة «السبب» يمكن انطباقها على الرؤية، و لفظة «الشخص» على البيّنة، أي إخبار عدلين، و لفظة «غيرهما» على يوم الجمعة مثلا، بأن يقول الشارع الأقدس مثلا: «المعلوم بوليّته من طريق الرؤية يجب الاجتناب عنه و إلّا فلا»، أو يقول: «المعلوم بوليّته من طريق إخبار عدلين يجب الاجتناب عنه و إلّا فلا»، أو «المعلوم بوليّته في يوم الجمعة يجب الاجتناب عنه‏

____________

(1) انظر الرسائل المحشّى: 3.

95

و يكون مأخوذا في الموضوع، و حكمه أنّه يتّبع في اعتباره- مطلقا أو على وجه خاصّ- دليل ذلك الحكم [1] الثابت الذي اخذ العلم في موضوعه.

____________

و إلّا فلا»، و عليه فتقدير كلام المصنّف (رحمه اللّه) هكذا: من حيث السبب الخاصّ أو الشخص الخاصّ أو الزمان الخاصّ.

لزوم اتّباع دليل الحكم في اعتبار القطع الموضوعيّ‏

[1] الضمير المنصوب‏ (1) للشأن، و الضمير المجرور في الموضعين‏ (2) يعودان إلى «العلم المأخوذ في الموضوع» و قوله (رحمه اللّه): «دليل ذلك الحكم» نائب عن الفاعل للفعل، أعني قوله: «يتّبع».

و المقصود أنّ العلم المأخوذ موضوعا في دليل لا بدّ فيه أوّلا من تشخيص مقدار دلالته إطلاقا و تقييدا (3)، ثمّ الحكم به‏ (4)، بمعنى أنّه إن فهم منه الإطلاق و السعة فيحكم بإلحاقه بالقطع الطريقيّ المحض من حيث عدم جواز التصرّف فيه، و أمّا إن فهم منه الضيق و الخصوصيّة فاللّازم الاكتفاء به و الالتزام بجواز التصرّف فيه من قبل الشارع الأقدس.

هذا كلّه قد أوضحه بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) مفصّلا، و لا بأس بنقل كلامه بقدر الحاجة، فإنّه قال: «إنّ العلم المأخوذ جزء للموضوع، تارة يكون آخذه هو العقل‏

____________

(1) أي الضمير في «أنّه».

(2) أي في «حكمه» و «اعتباره».

(3) أي سعة و ضيقا.

(4) أي المقدار.

96

و اخرى الشرع، أمّا الأوّل فهو مثل ما كان العلم فيه طريقا في عدم الفرق فيه بين خصوصيّاته من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه، و أمّا الثاني فهو يتّبع دليل ذلك الحكم الذي اخذ العلم في موضوعه، إن عامّا فعامّ و إن خاصّا فخاصّ ...» (1).

و ذكره المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) أيضا آخذا من المصنّف (رحمه اللّه)، فإنّه مع إجماله لعلّه أوضح و أكمل ممّا ذكره (رحمه اللّه)، فالمناسب نقل عين كلامه، قال: «نعم، ربّما يتفاوت الحال في القطع المأخوذ في الموضوع شرعا، و المتّبع في عمومه و خصوصه دلالة دليله في كلّ مورد، فربّما يدلّ على اختصاصه بقسم في مورد، و عدم اختصاصه به في آخر (2)، على اختلاف الأدلّة و اختلاف المقامات، بحسب مناسبات الأحكام و الموضوعات و غيرها من الأمارات. و بالجملة، القطع في ما كان موضوعا عقلا لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع، و لا من حيث المورد، و لا من حيث السبب، لا عقلا- و هو واضح- و لا شرعا، لما عرفت من أنّه لا تناله يد الجعل نفيا و لا إثباتا ...» (3).

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 42.

(2) أقول: الضمائر في قوله (رحمه اللّه): «عمومه» و «خصوصه» و «اختصاصه» و «عدم اختصاصه» تعود إلى «اعتبار القطع» و الضمير المجرور في قوله: «دليله» يعود إلى «الحكم» الذي اخذ القطع في موضوعه و الضمير المرفوع المستتر في قوله: «يدلّ» يعود إلى «الدليل»، و قوله: «بقسم في مورد» إشارة إلى قسم خاصّ أي سبب خاصّ، و قوله:

«في آخر» يعني في مورد آخر.

(3) كفاية الاصول: 269 و 270.

97

فقد يدلّ على ثبوت الحكم لشي‏ء [1] بشرط العلم به، ...

____________

أمثلة القطع المأخوذ موضوعا في دليل شرعيّ و عقليّ‏

المستفاد من جميع ما ذكرنا أنّ اعتبار العلم الموضوعيّ تابع لجعل الجاعل سعة و ضيقا، و عليه فالمتّبع هو كيفيّة جعله في الموضوع، نظيره في الشرع هو الخوف المأخوذ موضوعا لجواز الإفطار، كقوله (عليه السّلام): «من خاف الضرر فله الإفطار» (1)، و التفصيل في محلّه.

و نظيره في العقل هو قبح الظلم و حسن الإحسان، فإنّه بمجرّد القطع بهما حكم العقل بحسن الترك في الأوّل و حسن الفعل في الثاني بلا فرق بين أفراد القاطع و أسباب حصول القطع بهما، كما هو شأن الأحكام العقليّة.

و لا يخفى أنّ هذا الحكم حيث كان من الأحكام العقليّة المستقلّة فبمجرّد ضمّ قاعدة الملازمة بين العقل و الشرع يعدّ أيضا حكما شرعيّا، مع أنّ المصنّف (رحمه اللّه) سيذكره في قبال الحكم الشرعيّ‏ (2)، فلا تغفل.

[1] لفظة «شي‏ء» كناية عن الموضوع، و الضميران المجروران‏ (3) بعده يعودان‏

____________

(1) هذا لم نعثر عليه بلفظه في المصادر الحديثيّة، و إن ورد بمعناه، قال الصدوق: قال (عليه السّلام):

«كلّ ما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب». وسائل الشيعة 7: 156، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

(2) يعني قوله (رحمه اللّه): «كما في حكم العقل ...» في قبال قوله: «كما في حكم الشرع ...».

(3) أي الضمير في «به» و «انكشافه»، و لعلّ عود الضمير في الثاني إلى «الحكم» أولى من عوده إلى «الشي‏ء»، فافهم.

98

بمعنى انكشافه للمكلّف [1] من غير خصوصيّة للانكشاف [2]، كما في حكم العقل [3] بحسن إتيان ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه، و قبح ما يقطع بكونه مبغوضا؛ فإنّ مدخليّة القطع بالمطلوبيّة أو المبغوضيّة في صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا عند العقل لا يختصّ ببعض أفراده ...

____________

إليه، و الضمير المرفوع المستتر في الفعل قبله يعود إلى «الدليل» الذي اخذ العلم في موضوعه؛ كالحكم على ثبوت الحرمة للخمر مثلا بشرط العلم بالخمريّة.

القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الإطلاق‏

[1] إشارة إلى القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة، فيكون تقدير الكلام هكذا: بشرط العلم به مطلقا أي بشرط انكشافه للمكلّف من أيّ طريق ممكن.

[2] أي من حيث الشخص و السبب و غيرهما.

[3] الأولى لبيان اعتبار القطع الموضوعيّ بنحو الإطلاق، الاكتفاء بحكم العقل، و أمّا ما سيأتي منه (رحمه اللّه) عن قريب- أي قوله: «كما في حكم الشرع»- فهو مجرّد فرض بعد انطباقه على خصوص مذهب المصوّبة، فلا تغفل.

و بالجملة، فحقّ الكلام في المقام هو أنّ الدليل المأخوذ فيه القطع موضوعا لحكم، إن كان الحاكم فيه هو العقل فلا يصحّ التصرّف فيه بين أفراده؛ لعدم تطرّق الترديد و التخصيص في الأحكام العقليّة، و أمّا إن كان هو الشرع فستعرف توضيحه مفصّلا في ضمن الأمثلة الآتية.

99

و كما في حكم الشارع بحرمة ما علم أنّه خمر أو نجاسته بقول مطلق [1]، بناء على أنّ الحرمة و النجاسة الواقعيّتين [2] إنّما تعرضان مواردهما بشرط العلم [3]- لا في نفس الأمر [4]- كما هو قول بعض [5].

____________

[1] أي من غير دخل خصوصيّة في الانكشاف.

[2] اعلم أنّ وجه التقييد ب «الواقعيّتين» كون الحرمة و النجاسة الظاهريّتين عند الكلّ مشروطتين بالعلم و القطع و عدم اختصاصهما ببعض دون بعض.

[3] اعلم أنّ مورد الحرمة «الخمر» و مورد النجاسة «البول»، و لا يخفى أنّ هذا يتمّ على مذهب المصوّبة، فلا تغفل.

[4] احتراز عن مذهب المخطّئة المعتقدين بترتّب الحرمة و النجاسة على الواقع بلا دخل العلم و القطع فيه، فلا تغفل.

[5] المراد منه ظاهرا هو صاحب الحدائق‏ (1) و صاحب الوسائل‏ (2)

____________

(1) انظر الحدائق الناضرة 5: 245- 250 و قد أوضحه صاحب الأوثق حيث قال (رحمه اللّه): «كذلك الأمر في باب النجاسات فيحتمل كون اعتبار العلم فيها من باب الجزء في الموضوع- إلى أن قال-: و ربّما يظهر ذلك من دليل آخر بتمكّن إزالة الشبهة في مسألة النجاسة من ملاحظة الحديث الذي توهّم منه صاحب الحدائق كون النجاسة الواقعيّة محمولة على الأعيان المعلومة، و هو قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (مستدرك الوسائل 2:

583، الباب 30 من أبواب النجاسات، الحديث 4)، [لكنّه ليس بصحيح‏]، فإنّ الحكم بالنجاسة و إن كان في ظاهر الرواية مرتّبا على العلم بالقذارة إلّا أنّ القذارة هي النجاسة، و قد جعلها الشارع متعلّقة للعلم، فلو كانت النجاسة الواقعيّة أيضا مرتّبة على العلم بها لزم منه تقدّم الشي‏ء على نفسه، فلا بدّ حينئذ أن يكون المراد من العلم في الرواية ما كان معتبرا من باب الطريقيّة المحضة لا ما كان جزء من موضوع الحكم الواقعيّ ...» (أوثق الوسائل: 10 و 11).

(2) لم نقف على صريح كلامه، نعم عقد في كتابه الوسائل بابا تحت عنوان «الحكم بطهارة

100

و قد يدلّ دليل ذلك الحكم على ثبوته لشي‏ء بشرط حصول القطع به من سبب خاصّ أو شخص خاصّ، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريّين [1]: من عدم جواز العمل في الشرعيّات بالعلم الغير الحاصل من الكتاب و السنّة [2]- كما سيجي‏ء-،

____________

و غيرهما (1) من الذين قالوا بمقالة المصوّبة ذهولا و غفلة، و هذا سيشير إليه عند قوله (رحمه اللّه): «على قول» فانتظر توضيحه هناك‏ (2).

اعتبار خصوص القطع الحاصل من سبب أو شخص خاصّ‏

[1] المراد من البعض هو المحدّث الأسترآباديّ و السيّد الجزائريّ رحمهما اللّه، على ما سيجي‏ء توضيح مذهبهما مفصّلا في التنبيه الثاني‏ (3).

[2] إشارة إلى اعتبار خصوص القطع الحاصل من طريق الكتاب‏ (4) و السنّة،

____________

الماء إلى أن يعلم ورود النجاسة عليه» و فيه حديثان أحدهما: قوله (عليه السّلام): «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (وسائل الشيعة 1: 106، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2)؛ و أيضا بابا آخر تحت عنوان «باب أنّ كلّ شي‏ء طاهر حتّى يعلم ورود النجاسة عليه ...» و فيه خمسة أحاديث (انظر وسائل الشيعة 2: 1053، الباب 37 من أبواب النجاسات) و عقد بابا تحت عنوان «باب أنّه لا تجوز الشهادة إلّا بعلم» و فيه ثلاثة أحاديث (راجع وسائل الشيعة 18: 250، الباب 20 من أبواب الشهادات).

(1) لم نعثر على غيرهما. نعم، ادّعى صاحب الحدائق ذهاب السيّد نعمة اللّه الجزائريّ (رحمه اللّه) أيضا في رسالته التحفة إلى هذا القول. (انظر الحدائق الناضرة 5: 250).

(2) انظر الصفحة 130 و ما بعدها، ذيل عنوان «القول باعتبار صفة القطع في أداء الشهادة».

(3) انظر الصفحة 246 و 265 و بعدهما ذيل عنوان «ما قاله المحدّث الأسترآباديّ في المقام» و «دائرة حكومة العقل عند المحدّث الجزائريّ (رحمه اللّه)»، و فرائد الاصول 1: 51- 55.

(4) أقول: الأولى بل الصواب حذف لفظة «الكتاب» و الوجه فيه عدم تجويزهم رحمهم اللّه الأخذ-

101

و ما ذهب إليه بعض: من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق اللّه تعالى [1].

____________

و لذا القطع الحاصل من طريق بعض المقدّمات العقليّة لا اعتبار به بناء على مذهب الأخباريّين على ما سيجي‏ء توضيحه مفصّلا (1)، فهذا و ما بعده مجرّد فرض و لا حقيقة له، فلا تغفل.

[1] إشارة إلى اعتبار القطع الحاصل في خصوص حقّ الناس، و القائل به- كما عرفته سابقا- هو ابن إدريس الحلّيّ (رحمه اللّه)، حيث جوّز العمل بالقطع في خصوص حقّ الناس كالسرقة مثلا، دون حقّ اللّه كشرب الخمر مثلا (2).

ملخّص الكلام في الدليل المأخوذ فيه القطع موضوعا

ملخّص الكلام في المقام: أنّ الدليل المأخوذ فيه القطع موضوعا لحكم، إن كان الحاكم فيه العقل- أو الشرع بقول مطلق بناء على تسليم مذهب التصويب- فيلحق القطع فيه‏ (3) بالقطع الطريقيّ المحض من حيث عدم جواز التصرّف فيه.

بخلاف صورة أخذه موضوعا لحكم في دليل شرعيّ بنحو خاصّ فإنّه لا مانع‏

____________

بظواهر الكتاب استنادا إلى قوله (عليه السّلام): «... إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (وسائل الشيعة 18: 136، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25)، و التفصيل في محلّه. (سيجي‏ء تفصيل ذلك عند قوله (رحمه اللّه): «إنّه ذهب جماعة من الأخباريّين إلى المنع عن العمل بظواهر الكتاب ...»، راجع فرائد الاصول 1: 139).

(1) انظر الصفحة 231 و ما بعدها، مبحث «التنبيه الثاني: في حجّيّة القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة».

(2) القائل به هو ابن حمزة في الوسيلة: 218، نعم التفصيل المنسوب إلى ابن إدريس الحلّي قد ادّعاه الشهيد الثاني (رحمه اللّه) في المسالك كما أثبتناه آنفا، انظر الصفحة 91، الهامش 5.

(3) أي في الدليل.

102

حينئذ من الالتزام بجواز التصرّف فيه، كالمثالين المنسوبين إلى المحدّث الأسترآباديّ و ابن إدريس الحلّي رحمهما اللّه.

و لا يخفى أنّ جواز التصرّف في المثالين المذكورين مما شاة و تسليما لهما رحمهما اللّه في المقام‏ (1) لا ينافي لما هو المصرّح به‏ (2) آنفا عند قوله: «ثمّ ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته- إلى أن قال-: و لا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به ...» و ستعرف عن قريب أمثلة التصرّف فيها.

و الحاصل: أنّ منع الشارع الأقدس‏ (3) عن الأخذ بالعلم الحاصل من سبب خاصّ أو شخص خاصّ أو غيرهما، لا يوجد له مثال حقيقيّ خارجا.

و أمّا المثالان المذكوران المنسوبان إلى الأسترآباديّ و ابن إدريس رحمهما اللّه فإنّهما و إن منعا فيهما عن بعض أفراد القطع- كقطع المجتهد القاطع بحكم شرعيّ من غير طريق الكتاب و السنّة و القاضي القاطع بموضوع في حقوق اللّه- لكنّه لا بدّ من حملهما على مجرّد الفرض و التسليم و المماشاة لهما.

عدم جواز التصرّف في القطع الموضوعيّ بالنسبة إلى القاطع‏

اعلم أنّ ما ذكرنا من عدم جواز التصرّف في القطع الموضوعيّ‏ (4) إنّما يتمّ بالنسبة

____________

(1) أي في مقام القطع الموضوعيّ.

(2) أي القطع الطريقيّ المحض.

(3) إشارة إلى التصرّف المبحوث عنه في المقام.

(4) إشارة إلى القطع الموضوعيّ الذي فهم من الدليل اعتباره بنحو الإطلاق.

103

و أمثلة ذلك [1] بالنسبة إلى حكم [2] غير القاطع كثيرة، ...

____________

إلى القاطع؛ لأنّ قطعه من قبيل القطع الطريقيّ الذي لا يجوز التصرّف فيه قطعا، و أمّا بالنسبة إلى غير القاطع فهو جائز، و الأمثلة الثلاثة الآتية الممنوع فيها حقيقة عن بعض أفراد القطع إنّما هو بالنسبة إلى غير القاطع دون القاطع.

و الحاصل: أنّ تصرّف الشارع و منعه عن بعض أفراد القطع بالنسبة إلى نفس القاطع لا يوجد له مورد خارجا، و لو سلّم فغايته الانحصار في المثالين المذكورين، و أمّا بالنسبة إلى غير القاطع فأمثلته كثيرة و إن ذكر المصنّف (رحمه اللّه) ثلاثة منها، فانتظر توضيحها.

اعلم أنّ ما ادّعيناه في المقام من جواز تصرّف الشارع و منعه عن بعض أفراد القطع بالنسبة إلى غير القاطع خروج عمّا نحن بصدد البحث عنه، بعد كون المبحوث عنه فعلا هو المنع عن بعض أفراد القطع إلى نفس القاطع لا غيره.

و هذا الإشكال بعينه قد أورده على المصنّف (رحمه اللّه) بعض تلامذته في الدورة الأخيرة من مجلس درسه، و لعلّه هو السيّد حسين الترك الكوه‏كمري (رحمه اللّه) بحيث أجبر المصنّف (رحمه اللّه) بذكر ما ذهب إليه بعض الأخباريّين، و ما ذهب إليه بعض آخر و سيصرّح بذلك أيضا بعض تلامذته في كلامه الآتي عن قريب، فلا تغفل.

[1] لفظة «ذلك» إشارة إلى القطع المأخوذ موضوعا الذي منع عنه الشارع، فلا تغفل.

[2] الصواب أن تحذف لفظة «حكم» كما هي محذوفة في بعض النسخ المصحّحة القديمة كنسخة محمّد عليّ و غيرها، و عليه فكأنّه (رحمه اللّه) قال: إنّ موارد منع الشارع عن القطع المأخوذ موضوعا لحكم بالنسبة إلى غير القاطع كثيرة.

104

كحكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع إلى الغير في الحكم الشرعيّ [1] ...

____________

ثلاثة أمثلة لجواز التصرّف في القطع الموضوعيّ بالنسبة إلى غير القاطع‏

[1] إشارة إلى المورد الأوّل من الموارد الثلاثة، كما أنّ قوله (رحمه اللّه): «كذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق ...» إشارة إلى المورد الثاني منها، و قوله (رحمه اللّه): «و كحكم الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل ...» إشارة إلى المورد الثالث منها.

قال في الأوثق: «هذا (1) من قبيل الأحكام، و الخصوصيّة فيه بحسب الأسباب، و المثال الثاني أيضا من قبيل الأحكام، إلّا أنّ الخصوصيّة فيه بحسب الأشخاص، و الثالث من قبيل الموضوعات و الخصوصيّة فيه بحسب الأسباب، و القطع في هذه الأمثلة مأخوذ جزء من الموضوع بالنسبة إلى حكم‏ (2) غير القاطع، و من باب الطريقيّة بالنسبة إلى القاطع ...» (3).

و المناسب هنا الوفاء بما وعدناه آنفا من نقل كلام بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) فإنّه قال: «كان كلّ من الأمثلة المزبورة مثالا لاعتبار العلم المستند إلى سبب خاصّ أو شخص خاصّ في حقّ غير القاطع، و الأنسب بالمقام إنّما هو إتيان المثال بالنسبة إلى نفس القاطع- لأنّ الكلام إنّما هو في اعتبار القطع المأخوذ على الوجه الخاصّ أو الإطلاق في حقّ القاطع نفسه- فزاد (قدّس سرّه)(4) في الدورة الأخيرة مثالا للقطع‏

____________

(1) أي المثال الأوّل.

(2) الصواب هنا أيضا أن تحذف لفظة «حكم» كما في المتن.

(3) أوثق الوسائل: 7.

(4) أي المصنّف (رحمه اللّه).