الوسائل إلى غوامض الرسائل‏

- السيد رسول الموسوي الطهراني المزيد...
664 /
105

إذا علم به [1] من الطرق الاجتهاديّة المعهودة، ...

____________

المأخوذ بالنسبة إلى نفس القاطع، بقوله (رحمه اللّه): [مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريّين من عدم جواز العمل في الشرعيّات ...] ...» (1).

و بعد تسليم ما في النسخة الموجودة بأيدينا التي زاد المصنّف (رحمه اللّه) فيها كلمات في الدورة الأخيرة من مجلس درسه، يكون ملخّص الكلام: أنّ منع الشارع الأقدس من بعض أفراد القطع تارة يكون بلحاظ نفس القاطع كالمثالين المذكورين، و اخرى بلحاظ غير القاطع كالأمثلة الثلاثة.

[1] الضمير المستتر في الفعل يعود إلى «الغير» المراد منه المجتهد، و الضمير المجرور البارز يعود إلى «الحكم الشرعيّ»، و غرضه (رحمه اللّه) الإشارة إلى علم المجتهد بالحكم الشرعيّ من سبب خاصّ، أي طريقة الاجتهاد المتعارفة بين الإماميّة- (رضوان اللّه عليهم)- و هي الرجوع إلى أخبار المعصومين (عليهم السّلام) بلا أخذ بالأقيسة و الاستحسانات و غيرهما من الامور المنهيّة عنها شرعا (2).

و الشاهد على ما ادّعاه المصنّف (رحمه اللّه) من لزوم حصول الاجتهاد من الطرق المتعارفة بين الإماميّة هو قوله (عليه السّلام): «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ...» (3). و أيضا قوله (عليه السّلام): «علينا إلقاء الاصول و عليكم التفريع» (4)،

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 43.

(2) كالمصالح المرسلة.

(3) كمال الدين: 511 ضمن الحديث 4، و الاحتجاج 2: 543، الرقم 344؛ و نقله الشيخ في الفرائد مرّة واحدة، انظر فرائد الاصول 1: 301.

(4) وسائل الشيعة 18: 41، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 52؛ و في بحار-

106

لا من مثل الرمل و الجفر [1]؛ ...

____________

و أيضا قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «و ما على ديني من استعمل القياس في ديني» (1)، و أيضا قوله (عليه السّلام): «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا» (2) و هكذا الأحاديث الأخر، فراجع محلّه‏ (3) و المناسب لتوضيح الحديث الثاني أن يراجع البحار و الوسائل‏ (4).

[1] لا يذهب عليك أنّ الرمل و الجفر هما علمان يخبر بهما عن المغيّبات، و الفرق بينهما: أنّ الأوّل من طريق النقطة و محاسبة خواصّها؛ و الثاني من طريق الحروف و محاسبة خواصّها.

____________

الأنوار هكذا: «علينا إلقاء الاصول إليكم و عليكم التفرّع»، انظر بحار الأنوار 2: 245، الحديث 53. و أيضا ورد هذا الحديث الشريف هكذا: «إنّما علينا أن نلقي إليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا»، وسائل الشيعة 18: 41، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51، و بحار الأنوار 2: 245، الحديث 54.

(1) وسائل الشيعة 18: 28، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22؛ و نقله المصنّف (رحمه اللّه) في الفرائد مرّة واحدة، راجع فرائد الاصول 1: 140.

(2) وسائل الشيعة 18: 109، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42، و بحار الأنوار 2: 82، الحديث 2؛ و نقله المصنّف (رحمه اللّه) في الفرائد مرّتين، انظر فرائد الاصول 1:

305 و 588، و التفصيل في محلّه. (انظر على سبيل المثال مطارح الأنظار 2: 633 و 634).

(3) انظر الكافي 1: 54- 59، باب البدع و الرأي و المقاييس، ذكر فيه 22 حديثا؛ و بحار الأنوار 2: 81- 105، باب من يجوز أخذ العلم منه و من لا يجوز ...، و ذكر فيه 68 حديثا، و أيضا انظر الصفحة 283- 316، باب البدع و الرأي و المقاييس، و فيه 84 حديثا.

(4) قال صاحب الوسائل (رحمه اللّه): «أقول: هذان الخبران تضمّنا جواز التفريع على الاصول المسموعة منهم و القواعد الكلّيّة المأخوذة عنهم (عليهم السّلام) لا على غيرها ...» راجع وسائل الشيعة 18: 41، ذيل الحديثين 51 و 52، و بحار الأنوار 2: 245، ذيل الحديثين 53 و 54.

107

فإنّ القطع الحاصل من هذه و إن وجب على القاطع الأخذ به [1] في عمل نفسه، إلّا أنّه لا يجوز للغير تقليده في ذلك، و كذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق أو غير الإماميّ من الطرق الاجتهاديّة المتعارفة، فإنّه لا يجوز للغير العمل بها [2]، و كحكم الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحسّ لا من الحدس [3]، إلى غير ذلك.

____________

و غرضه (رحمه اللّه) هو تصرّف الشارع الأقدس و منعه للمقلّد عن الأخذ بقول المجتهد الذي عدل في اجتهاده عن الطريقة المتعارفة بين الإماميّة- كثّر اللّه أمثالهم- إلى طريقة المحاسبات الرمليّة و الجفريّة و غيرها.

[1] لفظة «هذه» إشارة إلى الرّمل و الجفر و غيرهما- كالاسطرلاب مثلا- من الطرق الغير المعهودة، و وجه وجوب الأخذ بالقطع المذكور على القاطع‏ (1) طريقيّة القطع بالنسبة إليه، و قد عرفت عدم إمكان التصرّف فيه نفيا و إثباتا، فافهم.

[2] الضمير يعود إلى «الطرق» و الأولى تذكيره و إرجاعه إلى «العلم»، فلا تغفل.

[3] اعلم أنّ اعتبار الحسّ في الشهادة و المنع عن الحدس فيها وجهه روايات كثيرة دالّة على لزوم استناد الشهادة إلى الحسّ، منها قوله (عليه السّلام): «لا تشهدنّ بشهادة حتّى تعرفها كما تعرف كفّك» (2). و منها قوله (عليه السّلام): «لا تكون الشهادة إلّا بعلم» (3).

و منها قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- و قد سئل عن الشهادة-: «هل ترى الشمس؟ على مثلها

____________

(1) أي المجتهد.

(2) وسائل الشيعة 18: 250، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث الأوّل.

(3) المصدر السابق، الحديث 2.

108

فاشهد، أو دع» (1).

و غرضه (رحمه اللّه) هو أنّ الفرض الأخير أيضا مثال لما اخذ العلم من سبب خاصّ و هو الحسّ كالفرض الأوّل إلّا أنّه كان من قبيل الموضوعات كما صرّح به صاحب الأوثق (رحمه اللّه) في كلامه المتقدّم‏ (2).

الفرق بين الأمثلة الثلاثة

اعلم أنّ الفرق بين الموردين الأوّلين و المورد الثالث ممّا لا ينبغي خفاؤه على المتأمّل المدقّق.

فنقول: المورد الأوّل و الثاني، منع الشارع فيهما العامّيّ عن تبعيّة القطع الحاصل للمجتهد الذي عدل عن الطريقة المعهودة للاجتهاد و إن كان عادلا، و أيضا منعه عن تبعيّة القطع الحاصل للمجتهد الفاسق و إن لم يعدل عن تلك الطريقة المعهودة.

و أمّا المورد الثالث، فمنع الشارع فيه المجتهد الحاكم عن تبعيّة القطع الحاصل للعامّيّ عن الامور الحدسيّة في الإخبار و في مقام الشهادة؛ لأنّ المعتبر فيهما الحسّ، و لذا الخبر الحدسيّ- كأغلب الإجماعات- و أيضا الشهادة عن حدس حكم بعدم اعتبارهما، و التفصيل في محلّه‏ (3).

____________

(1) المصدر السابق، الحديث 3.

(2) انظر الصفحة 104.

(3) اعتبار الخبر عن حسّ سيصرّح به المصنّف (رحمه اللّه) في أوائل مبحث الإجماع. انظر فرائد الاصول 1: 181 و ما بعدها.

109

ثمّ من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع: قيام الأمارات الشرعيّة و بعض الاصول العمليّة مقامه في العمل [1]، ...

____________

الجهة الثالثة قيام الأمارات و الاستصحاب مقام القطع الطريقيّ المحض و الموضوعيّ الطريقيّ و عدمه في الموضوعيّ الصفتيّ‏

[1] إشارة إلى الفرق الثالث بين القطع الطريقيّ و الموضوعيّ.

و لا يخفى أنّ كلمة «بعض» سقطت في بعض النسخ‏ (1) مع أنّه لا بدّ منها جدّا، و لذا كانت موجودة في جميع النسخ المصحّحة القديمة التي كانت عند تلامذة المصنّف رحمهم اللّه، فراجع حاشية القلائد و حاشية المحقّق الآشتيانيّ‏ (2). و بذلك صرّح المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه) فقال في مقام التوضيح: «فمثل أصالة الطهارة و البراءة و الاشتغال ليس داخلا في محلّ الكلام في المقام، و لذا قيّد الشيخ (رحمه اللّه) ببعض الاصول» (3).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المراد ببعض الاصول هو الاستصحاب؛ لأنّه يشابه الأدلّة و الأمارات الشرعيّة الصالحة للقيام مقام القطع الطريقيّ المحض.

____________

(1) انظر الرسائل المحشّى: 4.

(2) انظر قلائد الفرائد 1: 44، و بحر الفوائد، الجزء الأوّل: 9.

(3) فوائد الاصول 3: 16.

110

الفرق بين الدليل و الأصل‏

لا يخفى أنّ الطرق الشرعيّة المقرّرة لاستنباط الأحكام الفرعيّة إن وجد فيها شرطان‏ (1) تسمّى دليلا و أمارة (2)، و إلّا فتسمّى أصلا عمليّا، سواء لا يوجد فيها كلاهما أو أحدهما، فمثل خبر الثقة حيث يوجد فيه الشرطان يسمّى دليلا، مقابل أصالة البراءة التي لا يوجد فيها كلاهما معا، و بينهما الاستصحاب فإنّه يوجد فيه شرط واحد (3)، و لذا لم يعدّ دليلا محضا و لا أصلا محضا (4)، و هذا هو السرّ في‏

____________

(1) أحدهما «إراءة الواقع و الكشف عنه» و ثانيهما «اعتباره عند الشارع من هذه الجهة، أي من جهة إراءة الواقع و كاشفيّته عنه».

(2) الفرق بين الدليل و الأمارة هو ما نصّ عليه المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الاستصحاب بقوله:

«ثمّ المراد بالدليل الاجتهاديّ كلّ أمارة اعتبرها الشارع من حيث إنّها تحكي عن الواقع و تكشف عنه بالقوّة، و تسمّى في نفس الأحكام «أدلّة اجتهاديّة» و في الموضوعات «أمارات معتبرة»، ...» انظر فرائد الاصول 3: 318، و بحر الفوائد، الجزء الأوّل: 3، و حاشية المشكينيّ على الكفاية 5: 111.

(3) و هو كشفه عن الواقع و إراءته إيّاه، لكنّ الشارع اعتبره لا من هذه الحيثيّة، بل من حيث مجرّد احتمال مطابقته للواقع.

(4) يقتضي توضيح المقام نقل كلام المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه) بعينه، قال: «قد تقدّم في بعض المباحث السابقة الفرق بين الأمارة و الأصل، و حاصله: أنّه يعتبر في الأمارة أمران:

أحدهما: أن تكون لها جهة كشف في حدّ ذاتها، فإنّ ما لا يكون كاشفا بذاته لا يمكن أن يعطيه الشارع صفة الكاشفيّة. ثانيهما: أن يكون اعتبارها من حيث كونها كاشفة، أي كان اعتبرها تتميما لكشفها. و أمّا الأصل: فهو إمّا أن لا يكون فيه جهة كشف كأصالة البراءة-

111

التعبير عنه تارة ب «البرزخ بين الأدلّة و الاصول»، و اخرى: ب «عرش الاصول و فرش الأدلّة» و ثالثة ب «متمّم الدليل» (1) و إن شئت توضيح ذلك مفصّلا، فراجع مبحث خاتمة الاستصحاب عند قوله: «ثمّ المراد بالدليل الاجتهاديّ ...» (2).

وجه جواز قيام الأمارات الشرعيّة و الاستصحاب مقام القطع الطريقيّ المحض‏

ملخّص الكلام في المقام: أنّ الأمارات الشرعيّة- كخبر الثقة مثلا و بعض الاصول العمليّة كالاستصحاب- حيث تكشف عن الواقع جاز قيامها مقام القطع الطريقيّ المحض الذي شأنه إراءة الواقع و الكشف عنه، و لذا يعبّر المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) عن الاستصحاب: «بالأصل المحرز» كثيرا (3)؛ يعني كما أنّ خبر الثقة يحرز به الواقع و يخبر عنه بمقتضى قوله (عليه السّلام): «العمريّ و ابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان ...» (4)، كذلك الاستصحاب أيضا يحرز به الواقع و يخبر عنه،

____________

و الحلّ، و إمّا أن يكون له جهة كشف و لكن لم يكن اعتباره من تلك الجهة، بل كانت جهة كشفه ملغاة في نظر الشارع و اعتبره أصلا عمليّا؛ و لذلك قد يشتبه الشي‏ء بين كونه أمارة أو أصلا عمليّا، لعدم العلم بجهة الاعتبار و قد وقع البحث و الخلاف في جملة من الامور، فقيل:

إنّها من الأمارات، و قيل: إنّها من الاصول العمليّة». فوائد الاصول 4: 602.

(1) انظر فرائد الاصول 3: 278، و كفاية الاصول: 411.

(2) فرائد الاصول 3: 318.

(3) انظر فوائد الاصول 3: 16، و 4: 680.

(4) الكافي 1: 330، كتاب الحجّة، باب تسمية من رآه (عليه السّلام)، الحديث الأوّل، و نقله الشيخ في فرائد الاصول 1: 301.

112

و من المعلوم أنّ كلّ شي‏ء كان كذلك، يصلح للقيام مقام القطع الطريقيّ المحض، و هو المطلوب.

و الشاهد على ما ادّعيناه كلام بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) فإنّه قال: «لا شبهة في جواز قيام الأمارات الشرعيّة مقام القطع الطريقيّ؛ ضرورة أنّ المناط في هذا القسم‏ (1) إنّما هو حصول الانكشاف و الطريقيّة، و هذا المناط موجود في الأمارة بعد جعلها الشارع طريقا، و بهذه المثابة القطع المأخوذ جزء للموضوع، لكن بملاحظة الكشفيّة (2) ...» (3).

و بالجملة، فكلّ ما هو ثابت للقطع من المنجّزيّة عند الإصابة و المعذّريّة عند الخطأ، ثابت للاستصحاب و خبر الثقة و البيّنة و غيرها من الأمارات الشرعيّة الأخر كسوق المسلم و يده مثلا.

و عليه فكما أنّ عند القطع بطهارة ماء معيّن و إطلاقه يثبت به جواز الشرب منه و التوضّي به شرعا، كذلك عند الشكّ في بقاء ذاك الماء على الطهارة و الإطلاق لاحقا تجري أصالة الاستصحاب، فيستصحب به جوازهما معا، و أمّا أصالة البراءة مثلا فإنّه لا يثبت بها إلّا جواز الشرب فقط دون التوضّي‏ (4) و سيجي‏ء نظير

____________

(1) أي القطع الطريقيّ.

(2) إشارة إلى القطع الموضوعيّ على وجه الطريقيّة.

(3) قلائد الفرائد 1: 44.

(4) أقول: الفرق بين الاستصحاب و سائر الاصول العمليّة الثلاثة- كما عرفت في أوّل الكتاب-

113

ذلك بعد حين‏ (1).

و أيضا كما أنّ عند القطع بوجوب صلاة الجمعة مثلا يجب الإتيان بها و يترتّب العقاب على تركها شرعا، فكذلك عند إخبار الثّقة مثلا عنه يجب الإتيان بها أيضا و يترتّب العقاب على تركها. و أيضا كما أنّ عند القطع بخمريّة مائع معيّن يجب الاجتناب عنه شرعا، كذلك عند قيام البيّنة (2) بذلك يجب الاجتناب عنه، و هكذا.

ملخّص الكلام في المقام‏

ما أوضحناه في توضيح الفرق الثالث بين القطع الطريقيّ و الموضوعيّ و إن كان حقا تامّا جدّا لكنّ طول الكلام الموجب لطول البحث في المقام يقتضى تقريب البحث مختصرا بقدر ما يتّضح به المرام.

فنقول: إنّ شأن القطع الطريقيّ المحض إراءة الواقع و الكشف عنه، و كلّ شي‏ء أفاد هذا الأمر و يصلح لإبقاء هذا الشأن فقد صحّ قيامه مقامه، و لا يكون هذا إلّا

____________

(راجع فرائد الاصول 1: 25 و 26)- هو اعتبار لحاظ الحالة السابقة في الاستصحاب، و عدمه في سائر الاصول- سواء كانت البراءة أو الاحتياط أو التخيير- و كما تعرف أيضا في مبحث البراءة حيث قال (قدّس سرّه): «و قد ظهر ممّا ذكرنا: أنّ موارد الاصول قد تتداخل؛ لأنّ المناط في الاستصحاب ملاحظة الحالة السابقة المتيقّنة، و مدار الثلاثة الباقية على عدم ملاحظتها و إن كانت موجودة» (فرائد الاصول 2: 14)- و عليه ففي مورد الشكّ البدويّ في ماء بلا لحاظ الحالة السابقة يثبت بأصالة البراءة جواز الشرب فقط لا غير (أي التوضّي).

(1) انظر الصفحة 475 و ما بعدها، ذيل عنوان «بيان حكم المخالفة الالتزاميّة».

(2) أي شهادة العدلين.

114

بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعيّة؛ فإنّه تابع لدليل الحكم [1].

____________

في الأمارات بأسرها كخبر الثقة مثلا في الأحكام، و البيّنة مثلا في الموضوعات، و أيضا ليس هذا إلّا في بعض الاصول كالاستصحاب، و أمّا أصالة البراءة و غيرها من الاصول الغير الناظرة إلى الواقع فلا يصحّ قيامها مقامه، و هو المطلوب.

اعلم أنّ عدم جواز قيام أصالة البراءة مقام القطع مبنيّ على ما هو المقرّر في محلّه من كونها أصلا تعبّديّا، و أمّا بناء على عدّها أمارة ظنّيّة- كما هو مذهب صاحب المعالم‏ (1) و الشيخ البهائيّ رحمهما اللّه‏ (2) كما سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الانسداد و البراءة (3)- فيصحّ قيامها أيضا مقامه، فلا تغفل.

[1] الألف و اللام في لفظة «المأخوذ» موصولة، و مصداقها القطع، و ملخّص كلامه (رحمه اللّه) في المقام: أنّ قيام الأمارات و الاستصحاب مقام القطع الطريقيّ المحض لا خلاف في جوازه أصلا، كما أنّ عدم جواز قيامهما مقام القطع الموضوعيّ الصفتيّ أيضا لا خلاف فيه أصلا، و أمّا الموضوعيّ على وجه الطريقيّة فستعرف مفصّلا الخلاف بين المصنّف و المحقّق الخراسانيّ رحمهما اللّه. نعم، في الثاني أيضا خلاف ما بينهما، لكنّه غير معتدّ به جدّا، فمع لحاظ ذلك الخلاف تصير المسألة ذات أقوال ثلاثة، و انتظر توضيحها نقلا عن المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه)(4).

____________

(1) انظر معالم الدين: 192.

(2) انظر زبدة الاصول: 92.

(3) انظر فرائد الاصول 1: 398، و 2: 99 و 100.

(4) انظر الصفحة 122 و ما بعدها، ذيل عنوان «الأقوال في قيام الأمارات و الاستصحاب مقام القطع»، و فوائد الاصول 3: 21.

115

ما أفاده المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) في أقسام القطع‏

و قبل الشروع في بيان الأقوال في المسألة، يناسب توضيح المقام بحيث يوضح به المرام من ذكر الأقسام للقطع، نقلا عن تقريرات المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه)(1) بتوضيح و تصرّف منّا في بعض كلماته تسهيلا على المبتدي، فنقول مستعينا باللّه:

إنّ متعلّق القطع قد يكون موضوعا ذا حكم شرعيّ بلا دخل للقطع في ترتّب الحكم عليه أصلا، مثل الخمر المحكوم بالحرمة شرعا بلا دخل العلم و الجهل- على ما هو مذهب المخطّئة- و هذا هو الذي يسمّى بالقطع الطريقيّ المحض؛ لانكشاف الموضوع و الحكم الشرعيّ المترتّب عليه به‏ (2) كانكشافهما بالأمارة الشرعيّة. و من المعلوم أنّ مثل هذا القطع- المعبّر عن متعلّقه اصطلاحا بصغرى وجدانيّة- مع ضمّ الكبرى الشرعيّة إليها ينتج العلم بالحكم؛ مثلا عند القطع بحرمة مائع معيّن و وجوب الاجتناب عنه شرعا، يقال: هذا خمر و كلّ خمر حرام يجب الاجتناب عنه فهذا حرام و يجب الاجتناب عنه.

و قد يكون لتعلّق القطع دخل في ثبوت الحكم الشرعيّ و ترتّبه عليه، بحيث إنّ مع عدم لحاظه لا حكم له أصلا، و هذا و إن لم يلتزم به الإماميّة- (رضوان اللّه عليهم)- لكنّ المصوّبة من العامّة قد التزموا به، و هذا هو الذي يسمّى بالقطع‏

____________

(1) انظر فوائد الاصول 3: 9- 12.

(2) أي بالقطع الطريقيّ المحض.

116

الموضوعيّ المنقسم إلى وجوه عديدة؛ إذ مدخليّة القطع في الحكم تارة يكون بنحو تمام الموضوع- أي يدور الحكم مدار العلم و القطع وجودا و عدما، بحيث لا تلاحظ مصادفته و عدم مصادفته للواقع أصلا، كترتّب وجوب الاجتناب فرضا على العلم بالخمريّة و القطع بها، بأن يقول الشارع مثلا: «معلوم الخمريّة حرام» (سواء كان في الواقع خمرا أو لم يكن)- و اخرى يكون بنحو جزء الموضوع، أي يدور الحكم مدار العلم و القطع مع دخل الواقع أيضا في الحكم و مصادفته له، بحيث يكون الموضوع مركّبا من العلم و الواقع معا، بأن يقول الشارع مثلا: «الخمر المنكشف خمريّته بالعلم حرام» (1).

و في كلّ منهما يمكن أخذ العلم في الدليل موضوعا على وجه الصفتيّة و على وجه الطريقيّة، فصار المجموع خمسة.

الأوّل: القطع الطريقيّ المحض الغير الدخيل في ثبوت الحكم بالتقريب المتقدّم.

الثاني: القطع الموضوعيّ على وجه الصفتيّة الملحوظ بعنوان تمام الموضوع، بأن يقول الشارع مثلا: «القاطع بحياة ولده مطلقا وجب عليه التصدّق» أو «القاطع بخمريّة مائع مطلقا (2) وجب عليه الاجتناب» و هكذا.

____________

(1) أقول: إنّ وجوب الاجتناب هنا يدور مدار أمرين: أحدهما القطع بخمريّة مائع معيّن، و ثانيهما كون ذاك المائع خمرا واقعا.

(2) لفظة «مطلقا» في الموضعين يعني صادف الواقع أم لا.

117

الثالث: القطع الموضوعيّ على وجه الطريقيّة الملحوظ بعنوان تمام الموضوع، بأن يقول الشارع مثلا: «الولد المقطوع حياته وجب على القاطع به التصدّق» و «المائع المقطوع خمريّته وجب على القاطع بها الاجتناب عنه».

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ القسم الثاني الذي اخذ فيه القطع على وجه الصفتيّة، لا يقوم مقام القطع شي‏ء كإخبار البيّنة (1) بالخمريّة، و استصحاب بقاء حياة الولد، و الوجه فيه عدم اتّصاف المكلّف حينئذ بصفة القطع و العلم بهما، كما لا يخفى.

و أمّا القسم الثالث الذي اخذ فيه القطع على وجه الطريقيّة، فتقوم البيّنة و الاستصحاب مقامه، و الوجه فيه أنّ القطع حينئذ لم يؤخذ موضوعا بعنوان صفة خاصّة في المكلّف، بل اخذ بعنوان الطريق، كانكشاف الواقع بالبيّنة و الاستصحاب‏ (2).

الرابع: القطع الموضوعيّ على وجه الصفتيّة الملحوظ بعنوان جزء الموضوع كالمثالين المذكورين آنفا مع تقييد إطلاقهما بموافقة الواقع، فافهم.

الخامس: القطع الموضوعيّ على وجه الطريقيّة الملحوظ بعنوان جزء الموضوع، و مثاله الواضح ما ذكرناه آنفا من حرمة الخمر المنكشف بالعلم.

____________

(1) أي شهادة العدلين.

(2) مثل: «إذا قطعت بنجاسة ثوبك فلا تصلّ فيه» فإنّ القطع فيه و إن وقع موضوعا لحكم شرعيّ- أي النهي عن الصلاة- لكنّه ليس على وجه الصفتيّة بمعنى أنّ القطع بما هو هو ليس موضوعا للحكم، بل هو طريق لثبوت النجاسة خارجا و انكشافها شرعا، و الشاهد عليه أنّه لو قامت البيّنة الشرعيّة عليها يعني إذا شهد عدلان بنجاسة ذاك الثوب، فلا يجوز أيضا الإقدام بإتيان الصلاة فيه كصورة القطع بها بعينه، و لا نعني من الأخذ على وجه الطريقيّة إلّا هذا.

118

تصوير أقسام القطع‏

وجه انقسام القطع الموضوعيّ إلى الصفتيّ و الطريقيّ‏

لعلّ في ملاحظة القطع المأخوذ في الموضوع تارة بعنوان الصفة، و اخرى بعنوان الطريق غموضا يحتاج إلى زيادة توضيح، فنقول:

الصفة على ثلاثة أقسام:

الاولى: حقيقيّة محضة؛

و الثانية: إضافيّة (1) محضة؛

____________

(1) أقول: الإضافة هي إحدى المقولات العشر، و عرّف بأنّها هي النسبة بين الشيئين، راجع كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للعلّامة (رحمه اللّه): 364، الفصل الخامس.

119

الثالثة: حقيقيّة ذات الإضافة.

أمّا الاولى: فهي عبارة عن صفات متأصّلة قائمة بالنفس غير محتاجة في تصوّرها خارجا إلى شي‏ء آخر غيرها، كالعدالة و السخاء، و القوّة و الضعف، و الصّحة و المرض، و الحياة و غيرها من الامور الواقعيّة الحقيقيّة التي يكون ما بإزائها شي‏ء خارجا، كالشجاعة و الجبن مثلا.

و أمّا الثانية: فهي عبارة عن صفات اعتباريّة غير موجودة في الخارج حتّى تصوّرا، كالملكيّة و الزوجيّة، و الفوقيّة و التحتيّة، و الابوّة و البنوّة و غيرها من الامور الغير المتأصّلة التي لا يكون بحذائها شي‏ء خارجا سوى منشأ انتزاعه.

توضيح ذلك: أنّ الموجود خارجا في مثل الابوّة و البنوّة مثلا هو عنوان الأب و الابن، المنتزع عنهما وصف الابوّة و البنوّة و أيضا الموجود خارجا في مثل الفوقيّة و التحتيّة مثلا هو عنوان الفوق و التحت، المنتزع عنهما وصف الفوقيّة و التحتيّة لهما و هكذا سائر العناوين الأخر كالملكيّة و الزوجيّة و غيرها من الامور التي لا يكون بحذائها شي‏ء خارجا سوى منشأ انتزاعه كالتقدّم و التأخّر مثلا.

و أمّا الثالثة: فهي عبارة عن صفات متأصّلة قائمة بالنفس محتاجة في تحقّقها خارجا إلى شي‏ء آخر غير النفس، كالعلم و القدرة مثلا، فإنّ كلّا منهما مع أصالته و وجوده في الخارج يحتاج إلى المتعلّق كالمعلوم و المقدور.

120

أقول: القطع بعد كونه كالعلم فصار القطع أيضا من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، بحيث يحتاج تحقّقه خارجا إلى المقطوع به مضافا إلى القاطع‏ (1).

و بعبارة اخرى: العلم و القطع لكلّ منهما نسبة إلى العالم و القاطع، و نسبة إلى المعلوم و المقطوع، و لذا يقال: «العلم نور بنفسه و منوّر لغيره» كما يقال: «الماء طاهر بنفسه و مطهّر لغيره»، و لتوضيح ذلك كلّه راجع الكفاية (2) و التقريرات للمحقّق النائينيّ‏ (3).

و لا يخفى أنّ الإرادة و الظلم أيضا كالعلم و القدرة، كما أنّ المراد و المظلوم أيضا كالمعلوم و المقدور.

إذا عرفت ذلك كلّه فنقول: العلم المأخوذ في الموضوع بملاحظة كونه نورا

____________

(1) أقول: في أنّ العلم هل هو من مقولة الكيف النفسانيّ أو من مقولة الإضافة أو غيرهما، وجوه و أقوال: الأوّل: هو مذهب المشهور، و الثاني: هو مذهب بعض كالفخر الرازي و هو المناسب لما نحن فيه، و أمّا بناء على مذهب المشهور فصار العلم من الصفات الحقيقيّة كالحياة مثلا، و معه ينهدم أساس البحث، و التفصيل في محلّه. (انظر على سبيل المثال مفاتيح الغيب: 99، المفتاح الثالث في ماهيّة العلم). و بعد ذلك كلّه المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) قد ادّعى عدم الفرق بين القول بكونه من مقولة الكيف أو الإضافة أو غيرهما، حيث قال:

«و هذا من غير فرق بين أن نقول: إنّ العلم من مقولة الكيف، أو من مقولة الفعل، أو من مقولة الانفعال، أو من مقولة الإضافة- على اختلاف الوجوه و الأقوال- فإنّه على جميع التقادير تكون هناك صفة قائمة في نفس العالم ...» انظر فوائد الاصول 3: 16.

(2) انظر كفاية الاصول: 263.

(3) انظر فوائد الاصول 3: 16 و 17.

121

و صفة نفسانيّة قائمة بالعالم، يسمّى بالموضوعيّ الصفتيّ، و بملاحظة كونه منوّرا و منكشفا به الواقع، يسمّى بالموضوعيّ الطريقيّ.

و بعبارة اخرى: أخذ العلم و القطع في موضوع الدليل لحكم شرعيّ إن لوحظ باعتبار كونه صفة خاصّة و حالة مخصوصة في العالم و القاطع- كقولنا: «القاطع بحياة ولده يجب عليه التصدّق» مثلا و كقولنا: «القاطع بخمريّة مائع يجب عليه الاجتناب عنه»- فيسمّى بالموضوعيّ الصفتيّ، أو الموضوعيّ المحض في مقابل الطريقيّ المحض و أمّا إن لوحظ باعتبار انكشافه و إراءته الواقع، كقولنا: «الخمر المنكشف بالعلم يجب الاجتناب عنه» مثلا فيسمّى بالموضوعيّ الطريقيّ أو الموضوعيّ المشوب، فانتظر توضيح الكلّ ثانيا في ضمن التمثيل الآتي في المتن.

و بالجملة، فالفرق بين قولنا: «القاطع بخمريّة مائع يجب عليه الاجتناب عنه» و بين قولنا: «المائع المقطوع خمريّته يجب الاجتناب عنه» أنّ القطع في الأوّل يلاحظ بعنوان الصفة و في الثاني بعنوان الطريق.

ملخّص الكلام: أنّ القطع حيث كان من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، له نسبتان- كما قلنا- نسبة إلى القاطع و نسبة إلى المقطوع به، و عليه فأخذه في الدليل إن كان بلحاظ الأوّل فيعدّ موضوعيّا صفتيّا، و إن كان بلحاظ الثاني فيعدّ موضوعيّا طريقيّا.

و لذا قال المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه): «... و ذلك لأنّ القطع لمّا كان من الصفات‏

122

الحقيقيّة ذات الإضافة- إلى أن قال-: صحّ أن يؤخذ فيه بما هو صفة خاصّة- إلى أن قال-: كما صحّ أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلّقه ...» (1).

عدم تصوّر القطع الموضوعيّ الطريقيّ الملحوظ بنحو تمام الموضوع‏

اعلم أنّ الأقسام الخمسة المذكورة إلى هنا للقطع مفصّلا مع ذكر أمثلتها، لا يستقيم القسم الثالث منها، أعني صورة أخذ القطع موضوعا على وجه الطريقيّة بعنوان تمام الموضوع، و الوجه فيه أنّ أخذه على وجه تمام الموضوع يقتضي عدم لحاظ الواقع أصلا، مع أنّ أخذه على وجه الطريقيّة يقتضي لحاظ الواقع المنكشف بالعلم، كما هو شأن الطريق.

و الشاهد على ما ادّعيناه أنّ المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) بعد توضيح تلك الأقسام قال في آخر كلامه: «فالإنصاف أنّ أخذه تمام الموضوع لا يمكن إلّا بأخذه على وجه الصفتيّة ...» (2).

الأقوال في قيام الأمارات و الاستصحاب مقام القطع‏

قال المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) في مطاوي كلماته المفصّلة: «إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الوجوه أو الأقوال في قيام الطرق و الأمارات و الاصول التنزيليّة (3) مقام القطع ثلاثة:

____________

(1) كفاية الاصول: 263.

(2) فوائد الاصول 3: 11.

(3) أي الاستصحاب.

123

الأوّل: قيامها مقامه بجميع أقسامه،

حتّى في ما إذا اخذ موضوعا على نحو الصفتيّة.

الثاني: عدم قيامها مقام ما اخذ في الموضوع مطلقا،

و لو على نحو الطريقيّة و الكاشفيّة.

الثالث: قيامها مقام القطع الطريقيّ مطلقا و لو كان مأخوذا في الموضوع،

و عدم قيامها مقام القطع الصفتيّ؛ و هذا هو الأقوى، فإنّ ما ذكر مانعا عن قيامها مقام القطع المأخوذ موضوعا على وجه الطريقيّة- من استلزام الجمع بين اللّحاظ الآليّ و الاستقلاليّ في لحاظ واحد- ضعيف ...» (1).

و لا يخفى أنّ القول الأخير الذي قوّاه المحقّق المذكور يؤيّد مذهب المصنّف (رحمه اللّه) و يضعّف مذهب المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) المعتقد بالمنع عن قيامه مقامه؛ استنادا إلى ممنوعيّة الجمع بين اللحاظ الآليّ و الاستقلاليّ.

قال المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه): «ثمّ لا ريب في قيام الطرق و الأمارات المعتبرة- بدليل حجّيّتها و اعتبارها- مقام هذا القسم‏ (2)، كما لا ريب في عدم قيامها بمجرّد ذلك الدليل مقام ما اخذ في الموضوع على نحو الصفتيّة- إلى أن قال-: و منه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل مقام ما اخذ في الموضوع على نحو الكشف‏ (3)،- إلى أن قال-: فإنّ الدليل الدالّ على إلغاء الاحتمال، لا يكاد يكفي إلّا بأحد

____________

(1) فوائد الاصول 3: 21.

(2) أي الطريقيّ المحض.

(3) أي الطريقيّة.

124

فإن ظهر منه [1] أو من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقيّة للموضوع [2]- كالامثلة المتقدّمة- قامت الأمارات و بعض الاصول مقامه.

____________

التنزيلين، حيث لا بدّ في كلّ تنزيل منهما من لحاظ المنزّل و المنزّل عليه، و لحاظهما في أحدهما آليّ، و في الآخر استقلاليّ ...» (1).

محطّ النزاع بين المصنّف و المحقّق الخراسانيّ رحمهما اللّه في الموضوعيّ الطريقيّ‏

و بالجملة، القطع الموضوعيّ على وجه الطريقيّة ألحقه المصنّف (رحمه اللّه) بالقطع الطريقيّ المحض، و هذا تارة أشار إليه، كما تقدّم عند قوله (رحمه اللّه): «بمعنى انكشافه للمكلّف من غير خصوصيّة ...» و اخرى كما صرّح به هنا عند قوله (رحمه اللّه): «فإن ظهر منه أو من دليل خارج ...»، و أمّا المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) فقد ألحقه بالقطع الموضوعيّ الصفتيّ‏ (2)، فافهم و لا تغفل.

[1] الضمير المجرور يعود إلى الدليل الذي اخذ القطع فيه في الموضوع.

[2] بعد بطلان القسم الثالث بالتقريب المتقدّم علم أنّ المراد منه هو القطع الموضوعيّ الطريقيّ الملحوظ بنحو جزء الموضوع، فلا تغفل.

و هذا محطّ النزاع بين المصنّف و المحقّق الخراسانيّ رحمهما اللّه من حيث قيام الأمارات و بعض الاصول و عدم قيامهما مقامه، و الأوّل اختاره الأوّل و الثاني اختاره الثاني.

و عليه فكما تثبت الحرمة للخمر المنكشف بالعلم و القطع، كذلك تثبت أيضا

____________

(1) كفاية الاصول: 263 و 264.

(2) انظر كفاية الاصول: 263 و 264.

125

و إن ظهر من دليل الحكم [1] اعتبار القطع في الموضوع من حيث كونها صفة خاصّة قائمة بالشخص [2] لم يقم مقامه غيره، كما إذا فرضنا أنّ الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه [3] ...

____________

بالاستصحاب و البيّنة الشرعيّة، و الوجه فيه- كما عرفته من مطاوي ما ذكرناه سابقا (1)- هو تعلّق الحرمة أوّلا و بالذات بالخمر (2) لا بشرط العلم و غيره، و أمّا اعتبار العلم ثانيا في الدليل كان لمجرّد الكشف و المرآتيّة بلا خصوصيّة فيه‏ (3)، و من المعلوم أنّ معه لا مانع شرعا و عقلا من قيام كاشف و مرآة آخر غير العلم مقامه و هو المطلوب.

وجه عدم جواز قيام الأمارات و الاستصحاب مقام القطع الموضوعيّ الصفتيّ‏

[1] المضبوط في بعض النسخ- كالنسخة المحشّاة بحاشية الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه)- «منه» بدل «من دليل الحكم» (4)، و الأمر سهل.

[2] إشارة إلى صورة أخذ العلم و القطع في موضوع الدليل باعتبار كونهما صفة خاصّة و حالة مخصوصة في العالم و القاطع، و قد عرفت عدم جواز قيام الأمارات و الاستصحاب مقامهما، و الوجه فيه عدم حصول تلك الصّفة و الحالة بتلك الأسباب؛ أعني الأمارات و الاستصحاب، و لذا قال (رحمه اللّه): «لم يقم مقامه غيره ...».

[3] أي بما هي صفة نفسانيّة قائمة بالشخص.

____________

(1) انظر الصفحة 74 و 75 و ما بعدها، ذيل عنوان «محاذير وقوع القطع وسطا في القياس» و «المحذور الأوّل: كذب الكبرى».

(2) أي الخمر المنكشف بهما.

(3) أي في العلم.

(4) انظر الرسائل المحشّى: 4.

126

في حفظ عدد الركعات [1] الثنائيّة و الثلاثيّة ...

____________

حول مثال اعتبار القطع الصفتيّ في حفظ عدد الركعات‏

[1] عبّر (رحمه اللّه) في المثال ب: «كما إذا فرضنا ...» و هذا يرشد إلى أنّ اعتبار القطع الصفتيّ في حفظ عدد الركعات مجرّد فرض لا حقيقة له، و لعلّه الحقّ على ما يقرّر في محلّه.

قال بعض المحشّين: «قوله (رحمه اللّه): [اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات ...] أقول: هذا ممّا وقع فيه الخلاف؛ لما ورد من «أنّك إذا حفظت الاوليين فالأمر في الباقي سهل» (1)؛ فمن قال بأنّ المستفاد من الحفظ المأخوذ في موضوع الصحّة، خصوص وصف الحفظ، فلا يكفي في الصحّة حصول الظنّ، و من قال بأنّ المراد مجرّد الكشف، فيقوم مقامه الظنّ بالركعتين‏ (2)» (3).

____________

(1) لم نعثر عليه في المصادر الحديثيّة بهذه العبارة، نعم ورد ما يقرب منه في باب بطلان الصلاة بالشكّ في عدد الأوّلتين من الفريضة دون الأخيرتين منها، كقوله (عليه السّلام): «ليس في الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة سهو». وسائل الشيعة 5: 300، الباب 1 و 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 4، و تهذيب الأحكام 2: 186، الحديث 701 و 703 و فيه: «إذا شككت في الاوليين فأعد».

(2) أقول: القول الأخير وجهه- بقرينة فتاوى العلماء و بعض ما ورد في النصوص (انظر وسائل الشيعة 5: 316- 319، الباب 7 و 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة)- أنّ الواجب على المصلّي شرعا إحراز عدد خاصّ في الركعات و انكشافه مطلقا بأيّ طريق ممكن، و ثمرة ذلك جواز اعتماد المصلّي في عدد ركعات صلاته على البيّنة الشرعيّة المخبرة له بعدد خاصّ، و كذلك جواز اعتماده على استصحاب عدم الزائد، و هكذا.

(3) قلائد الفرائد 1: 48.

127

و الاوليين [1] من الرباعيّة [2]؛ فإنّ غيره ...

____________

لا يخفى أنّ هذا كلّه بحسب الواقع و الحقيقة، و أمّا بحسب ما فرضه (رحمه اللّه) فالمعتبر هو خصوص الصّفة الخاصّة لا مطلق الانكشاف، و لذا قال في الأوثق:

«فالموضوع هو الواقع المنكشف لا مطلق الانكشاف، فبانتفاء أحد القيدين ينتفي الحكم، و لذا جعله المصنّف (رحمه اللّه) مثالا لما كان القطع فيه معتبرا من باب الصفة الخاصّة على الفرض و التقدير لا على وجه الجزم ...» (1).

[1] الموجود في أكثر النسخ المصحّحة قديما و حديثا و أيضا في هذه النسخة الموجودة بأيدينا «الاوليين» بلا تشديد و بلا تاء و أمّا المضبوط في الشاذّ منها هو «الأوّلتين» مع التشديد و التاء و قد أنكره بعض و حمله على الغلط و الاشتباه، مع أنّ كليهما صحيح كما تشهد عليه الرواية الثالثة الآتية عن عليّ (عليه السّلام).

الروايات الواردة في لزوم إحراز عدد الركعات‏

[2] ورد في لزوم حفظ عدد الركعات في الصلوات الثنائيّة و الثلاثيّة و الاوليين من الرباعيّة روايات كثيرة، لا بأس بذكر بعضها تيمّنا و تبرّكا.

1- عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «إذا شككت في المغرب فأعد، و إذا شككت في الفجر فأعد» (2).

2- عن الفضيل، قال: سألته عن السهو فقال (عليه السّلام): «في صلاة المغرب إذا لم‏

____________

(1) أوثق الوسائل: 8.

(2) وسائل الشيعة 5: 304، الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث الأوّل.

128

- كالظنّ بأحد الطرفين أو أصالة عدم الزائد [1]- لا يقوم مقامه إلّا بدليل خاصّ [2]

____________

تحفظ ما بين الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك» (1).

3- عن عليّ (عليه السّلام) (في حديث الأربعمائة) قال: «لا يكون السّهو في خمس:

في الوتر، و الجمعة، و الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة مكتوبة، و في الصبح، و في المغرب» (2).

و لا يخفى أنّ هذه الروايات- بعد تسليم دلالتها على اعتبار القطع و الجزم بحفظ عدد الركعات بنحو صفة خاصّة على ما هو المفروض فعلا- لا يجوز معها قيام الأمارات و بعض الاصول مقامه و لكنّه قد عرفت آنفا أنّ اعتبار القطع الصفتيّ في حفظ عدد الركعات لا حقيقة له، بل هو مجرّد فرض.

[1] إشارة إلى استصحاب عدم الزائد على اثنين في صلاة الصبح و عدم الزائد على الثلاث في صلاة المغرب، قال بعض المحشّين: «الأولى أن يقول: كالظنّ بأحد الطرفين أو أصالة البناء على الأكثر لا يقوم مقامه» (3).

جواز قيام غير القطع مقامه عند وجود دليل خاصّ‏

[2] مثاله: أن يقول الشارع الأقدس مثلا: إنّي و إن اعتبرت القطع الصفتيّ في تشخيص عدد الركعات إلّا أنّي أقبل مع ذلك قيام البيّنة الشرعيّة مقامه‏ (4).

____________

(1) المصدر السابق: الحديث 9.

(2) المصدر السابق: الحديث 14.

(3) تسديد القواعد: 37.

(4) أقول: هذا الدليل الخاصّ- على فرض صدوره من قبل الشارع الأقدس- يعدّ حاكما-

129

خارجيّ غير أدلّة حجّية مطلق الظنّ في الصلاة [1] و أصالة عدم الأكثر [2].

____________

[1] إشارة إلى أدلّة كفاية الظنّ في تشخيص عدد الركعات عند عروض الشكّ فيها بعد التروّي و الفكر، و مراده (رحمه اللّه) أنّ مجرّد وجود أدلّة عامّة دالّة على اعتبار الظنون الحاصلة للمصلّي في الصلاة بعد التروّي، لا يكفي في قيام الظنّ مقام القطع الصفتيّ المأخوذ في عدد الركعات، على ما هو المفروض، بل لا بدّ فيه من دليل خاصّ دالّ على تنزيله‏ (1) منزلة العلم الصفتيّ، و لذا قال المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في الكفاية: «ثمّ لا ريب في قيام الطرق و الأمارات المعتبرة- بدليل حجّيّتها و اعتبارها- مقام هذا القسم‏ (2)، كما لا ريب في عدم قيامها بمجرّد ذلك الدليل مقام ما اخذ في الموضوع على نحو الصفتيّة من تلك الأقسام، بل لا بدّ من دليل آخر على التنزيل ...» (3).

[2] عطف على قوله: «حجّيّة مطلق الظنّ» أي غير أدلّة حجّيّة أصالة عدم الأكثر.

____________

على الأدلّة الدالّة على اعتبار القطع الصفتيّ في عدد الركعات. لكنّه هو مجرّد فرض أوّلا:

لا وجود له خارجا، و ثانيا: يرد عليه إشكال قويّ ذكره بعض المحشّين و قال (رحمه اللّه): «ظاهر العبارة [إشارة إلى قوله: «إلّا بدليل خاصّ خارجيّ»]- كما ترى- قيام الأمارة و الأصل مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتيّة إذا دلّ دليل خاصّ خارجيّ عليه، فيشكل بأنّه غير صحيح؛ لأنّ القطع إذا اخذ موضوعا ارتفع الموضوع عند عدم القطع قطعا، و لأجل هذا حكم بعدم قيامهما مقامه بنفس دليل اعتبارهما [أي الأمارة و الأصل‏]، و الدليل الخاصّ الخارجيّ لا يجعل الأمر المحال ممكنا». (تسديد القواعد: 37).

(1) أي تنزيل الظنّ.

(2) أي الطريقيّ المحض.

(3) كفاية الاصول: 263.

130

و من هذا الباب [1]: عدم جواز أداء الشهادة استنادا إلى البيّنة أو اليد- على قول [2]- ...

____________

القول باعتبار صفة القطع في أداء الشهادة

[1] أي من باب أخذ القطع في موضوع الحكم بما هو صفة خاصّة قائمة بالنفس عدم جواز أداء الشهادة استنادا إلى البيّنة أو اليد، و لذا لم يجوّز الشيخ الحرّ العامليّ (رحمه اللّه) أداء الشهادة عند الحاكم بملكيّة دار لزيد مثلا استنادا إلى كونه ذا اليد أو إلى البيّنة، و الوجه فيه كونهما (1) أمارتين ظنيّتين غير صالحتين لقيامهما مقام العلم و القطع ما لم يكن دليل خاصّ دالّ على تنزيلهما منزلة العلم و القطع.

و بعبارة اخرى: كأنّه (رحمه اللّه) قال: الأدلّة العامّة و إن دلّت على اعتبار اليد و البيّنة، إلّا أنّ مجرّد هذه الأدلّة لا تكفي في قيامهما مقام القطع الموضوعيّ الصفتيّ ما لم يدلّ عليه دليل خاصّ، كما عرفته آنفا عند البحث في لزوم الجزم بحفظ عدد الركعات.

و لا يخفى أنّ هذا من مصاديق المثال الثالث من الأمثلة الثلاثة المتقدّمة لمنع الأخذ بالقطع بالنسبة إلى غير القاطع‏ (2).

[2] ذهب إلى هذا القول- أعني اعتبار صفة القطع في مقام أداء الشهادة- الشيخ الحرّ العامليّ (قدّس سرّه) كما مرّ، و لذا عقد بابا في الوسائل بعنوان: «باب أنّه لا

____________

(1) أي كون البيّنة و اليد.

(2) انظر الصفحة 104 و ما بعدها، ذيل عنوان «ثلاثة أمثلة لجواز التصرّف في القطع الموضوعيّ بالنسبة إلى غير القاطع».

131

تجوز الشهادة إلّا بعلم» (1) و جاء فيه ببعض الروايات الدالّة بظاهرها على مطلوبه:

منها: عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «لا تشهدنّ بشهادة حتّى تعرفها كما تعرف كفّك» (2).

و منها: قال الصدوق (رحمه اللّه): «روي أنّه لا تكون الشهادة إلّا بعلم» (3).

و منها: عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- و قد سئل عن الشهادة-، قال: «هل ترى الشمس؟

على مثلها فاشهد أو دع» (4).

قول المشهور في المسألة

هذا كلّه مبنيّ على مذهب الشيخ الحرّ العامليّ (رحمه اللّه) و أمّا بناء على مذهب المشهور فيجوز أداء الشهادة أيضا بالاستناد إلى اليد و البيّنة و الاعتماد عليهما فيه، كما هو مفاد رواية حفص بن غياث الدالّة بظاهرها على مذهب المشهور.

لا بأس بذكر الرواية بنصّها تيمّنا و تبرّكا، و هي هكذا: عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

قال له رجل: أ رأيت إذا رأيت شيئا في يدي رجل أ يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال:

«نعم»، قال الرجل: أشهد أنّه في يده و لا أشهد أنّه له فلعلّه لغيره، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «أ فيحلّ الشراء منه؟» قال: نعم، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «فلعلّه لغيره‏

____________

(1) انظر وسائل الشيعة 18: 250، كتاب الشهادات، الباب 20.

(2) وسائل الشيعة 18: 250، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث الأوّل.

(3) المصدر السابق: الحديث 2.

(4) المصدر السابق: الحديث 3.

132

فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك؟ ثمّ تقول بعد الملك: هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟» ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» (1).

لا يقال: هذه الرواية الشريفة المذكورة في الوسائل لم لم يستدلّ بها صاحب الوسائل (رحمه اللّه) حتّى لا يخالف مذهبه مذهب المشهور- أي جواز الاستناد باليد و البيّنة في مقام العمل و في مقام أداء الشهادة- بلا فرق بينهما.

فإنّه يقال: إنّ دلالة الرواية على مذهب المشهور و إن كانت واضحة جدّا لا قصور فيها أصلا إلّا أنّ ضعف سندها يمنع عن الاستدلال بها بناء على عدم تماميّة انجبار ضعف السند بعمل الأصحاب، و لذا قال بعض المحشّين (رحمه اللّه): «الرواية ضعيفة سندا و قد يدّعى انجبارها بالشهرة المستفيضة، و دلالتها على جواز الاستناد إلى اليد في الشهادة واضحة، بل و إن اختصّ مورد السؤال باليد و لكنّها كما ادّعاه المصنّف (رحمه اللّه) تدلّ على جواز الاستناد في الشهادة إلى كلّ ما يجوز الاستناد إليه في مقام العمل، فإنّ ظاهر قوله (عليه السّلام): «فمن أين جاز لك أن تشتريه ...» ثبوت الملازمة بين ترتيب الأحكام الملك بالأمارة الشرعيّة و جواز الشهادة ...» (2).

____________

(1) الكافي 7: 387، الحديث الأوّل؛ و وسائل الشيعة 18: 215، الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى، الحديث 2، و فيه: «يجوز» بدل «أ يجوز».

(2) تسديد القواعد: 38.

133

و إن جاز تعويل الشاهد في عمل نفسه بهما إجماعا؛ لأنّ العلم بالمشهود به [1] مأخوذ في مقام العمل على وجه الطريقيّة، بخلاف مقام أداء الشهادة، إلّا أن يثبت من الخارج: أنّ كلّ ما يجوز العمل به من الطرق الشرعيّة يجوز الاستناد إليه في الشهادة؛ كما يظهر من رواية حفص الواردة في جواز الاستناد إلى اليد.

و ممّا ذكرنا [2] يظهر: أنّه لو نذر أحد أن يتصدّق كلّ يوم بدرهم ما دام متيقّنا بحياة ولده [3]، فإنّه لا يجب التصدّق عند الشكّ في الحياة لأجل استصحاب الحياة، بخلاف ما لو علّق النذر بنفس الحياة، ...

____________

[1] هذا تعليل للفرق بين جواز اعتماد الشاهد في عمل نفسه على اليد و البيّنة، و عدم جواز أداء الشهادة بالاستناد إليهما، و المراد من المشهود به هو المتاع الموجود في يد البائع الذي اريد شراؤه منه.

و قد أشار الشيخ الحرّ العامليّ إلى هذا الفرق عند السؤال عن جواز استناد الشاهد في مقام عمل نفسه بالبيّنة و اليد و عدم جواز ذلك في مقام أداء الشهادة، فأجاب بأنّ الأوّل حيث اخذ فيه القطع على وجه الطريقيّة فتقوم الأمارات الظنّيّة مقامه، و أمّا الثاني فإنّه حيث اخذ فيه القطع على وجه الصفتيّة فلا يوم مقامه شي‏ء منها، فلا تغفل.

[2] إشارة إلى ما ادّعاه المصنّف (رحمه اللّه) من عدم قيام الأمارة و بعض الاصول مقام القطع الموضوعيّ الصفتيّ.

[3] إشارة إلى عدم انعقاد النذر المترتّب على القطع الموضوعيّ الصفتيّ بمجرّد استصحاب الحياة أو إخبار العدلين بها، و عليه فلا يجب على الناذر أن‏

134

فإنّه يكفي في الوجوب الاستصحاب [1].

ثمّ إنّ هذا الذي ذكرنا- من كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقيّة و اخرى على وجه الموضوعيّة- جار في الظنّ أيضا [2]؛ ...

____________

يتصدّق بمجرّد إخبار عدلين بالحياة أو باستصحابها، و مع ذلك لا يبعد عدّ ذلك من الأمثلة المأخوذ فيها القطع بنحو الطريقيّة الذي يجوز قيام الأمارات و الاستصحاب مقامه، فلا تغفل.

[1] و اعترض عليه المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه) فقال: «قد يناقش في ذلك بأنّ وجوب التصدّق ليس من الأحكام المجعولة لحياة زيد حتّى يترتّب على استصحابه، ...» (1) و ملخّصه: أنّ الاستصحاب هنا مثبت و لا اعتبار به على مذهب المشهور.

إلحاق الظنّ بالقطع في جريان أقسامه فيه‏

[2] إشارة إلى أنّ الأقسام الخمسة للقطع جارية بعينها في الظنّ.

اعلم أنّ التفاصيل المذكورة للقطع تتصوّر بعينها في الظنّ أيضا؛ يعني كما أنّ القطع قد يكون طريقا محضا- بحيث لا يكون له دخل في الحكم- و قد يكون موضوعا بأقسامه الأربعة- بحيث يكون له دخل في الحكم- كذلك الظنّ ينقسم أيضا إلى تلك الأقسام.

و لكن من جهة اختلاف كيفيّة اعتبارهما- من حيث أنّ القطع معتبر ذاتا و بنفسه، و الظنّ معتبر عرضا و بجعل الشارع- يناسب هنا البحث عنه استقلالا و على حدته.

____________

(1) حاشية فرائد الاصول: 35.

135

فإنّه و إن فارق العلم في كيفيّة الطريقيّة [1] ...

____________

تصوير أقسام الظنّ‏

[1] كلام المصنّف (رحمه اللّه) هنا إلى خمسة أسطر في النسخ المختلفة في غاية الاضطراب و التشويش و يوجد فيها التصحيف و الغلط و السقطة و الزيادة كما ستعرفه عن قريب، مثلا لفظة «فإنّه» سقطت في نسخة الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه)(1) مع‏

____________

(1) انظر الرسائل المحشّى: 4.

136

- حيث إنّ العلم طريق بنفسه، و الظنّ المعتبر طريق بجعل الشارع [1]، ...

____________

أنّها موجودة في سائر النسخ المصحّحة حديثا و قديما كنسخة محمّد عليّ و غيرها من النسخ المطبوعة بعدها و قبلها، فرأينا أن ننقل بعضا منها:

«جار في الظنّ أيضا فإنّه و إن فارق العلم في كيفيّة الطريقيّة حيث إنّ العلم طريق بنفسه و الظنّ المعتبر طريق بجعل الشارع، بمعنى كونه وسطا في ترتّب أحكام متعلّقه كما أشرنا إليه سابقا، لكنّ الظنّ أيضا قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلّقه و قد يؤخذ موضوعا للحكم، سواء كان موضوعا على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه أو لحكم آخر، يقوم مقامه سائر الطرق الشرعيّة، فيقال حينئذ: إنّه حجّة، و قد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه أو لحكم آخر، و لا يطلق عليه الحجّة حينئذ، فلا بدّ من ملاحظة دليل ذلك ...».

[1] احتراز عن مطلق الظنّ المعبّر عنه اصطلاحا بالظنّ الانسداديّ الذي هو معتبر بحكم العقل بعد تماميّة مقدّماته الأربع المذكورة في مبحث الانسداد (1)، و بعد تسليم الحكومة دون الكشف، و التفصيل في محلّه‏ (2).

ما أفاده المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) في الفرق بين القطع و الظنّ‏

للمحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) هنا تحقيق رشيق لا بأس بنقل بعض كلامه، فإنّه (قدّس سرّه) قال:

«أمّا الظنّ فمجمل الكلام فيه، هو: أنّ الظنّ ليس كالعلم حجّيّته منجعلة و من‏

____________

(1) انظر فرائد الاصول 1: 384 و 385.

(2) انظر فرائد الاصول 1: 465- 466.

137

بمعنى كونه وسطا في ترتّب أحكام متعلّقه، كما أشرنا إليه سابقا [1]- ...

____________

مقتضيات ذاته، بل لا بدّ و أن تكون حجّيّته بجعل شرعيّ. و ما يقال من أنّ الظنّ في حال الانسداد على الحكومة يكون حاله كالعلم لم تكن حجّيّته بجعل شرعيّ، بل عقليّة محضة و ليس موردا لحكم شرعيّ- و لو بقاعدة الملازمة- فضعيف غايته‏ (1)، فإنّ الظنّ لا يكون حجّة عقليّة في شي‏ء من الحالات، و لا تكون منجعلة كالعلم؛ و اعتبار الظنّ في حال الانسداد بناء على الحكومة ليس معناه حجّيّة الظنّ عقلا بحيث يقع في طريق إحراز الواقعيّات و إثبات التكاليف به، بل معناه كفاية الامتثال الظنّيّ في الخروج من عهدة التكاليف المعلومة إجمالا، فالحكم العقليّ واقع في طريق الامتثال و الإطاعة، لا في طريق الإثبات و الإحراز حتّى يكون الظنّ حجّة عقليّة؛ و سيأتي توضيح ذلك مفصّلا- إن شاء اللّه تعالى- في محلّه ...» (2).

[1] إشارة إلى المثال الذي ذكره (رحمه اللّه) سابقا في عداد الأمثلة و الأقيسة التي كان الحدّ الوسط فيها صالحا لإثبات الأكبر لذات الأصغر، مثل: «هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه» فإنّ متعلّق الظنّ- أعني الخمريّة- ثبت حكمه- أعني الحرمة و وجوب الاجتناب- ببركة الحدّ الوسط في القياس، و هو الظنّ المعتبر شرعا، و هكذا سائر الأمثلة المذكورة هناك‏ (3).

____________

(1) أي غاية الضعف.

(2) فوائد الاصول 3: 31.

(3) راجع الصفحة 75 و ما بعدها.

138

إلّا أنّه أيضا [1]: قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلّقه [2] يقوم مقامه سائر الطرق الشرعيّة، و قد يؤخذ موضوعا لحكم.

____________

[1] كلمة «أيضا» لعلّها زائدة، كما لا توجد في بعض النسخ القديمة مع أنّها موجودة في أكثر النسخ المصحّحة حديثا و قديما، و بعد ذلك فالأمر سهل.

مشتركات القطع و الظنّ‏

[2] القطع و الظنّ مع افتراقهما من حيث الاعتبار ذاتا و عرضا، يشتركان من حيث الطريقيّة المحضة و الموضوعيّة بأقسامها الأربعة.

و عليه فنقول: قوله (رحمه اللّه): «قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلّقه» إشارة إلى الظنّ الطريقيّ المحض الصالح لكونه وسطا مثبتا لحكم متعلّقه كالمثال المذكور سابقا، مقابل قوله (رحمه اللّه): «و قد يؤخذ موضوعا للحكم» فإنّه إشارة إلى الظنّ الموضوعيّ على وجه الطريقيّة المنقسم إلى قسمين:

أحدهما: الموضوعيّ الثابت به حكم متعلّقه، كقول الشارع الأقدس مثلا: «إذا ظننت في الصلاة بركعة كذا فابن عليها».

و ثانيهما: الموضوعيّ الثابت به حكم آخر غير حكم متعلّقه، كقوله مثلا: «إذا ظننت بخمريّة مائع وجب عليك التصدّق».

و اعلم أنّ الظنّ الطريقيّ المحض و الموضوعيّ على وجه الطريقيّة بكلا قسميه كالقطع في أنّ الأمارات الشرعيّة و بعض الاصول العمليّة، تقوم مقامه، كما صرّح‏

139

فلا بدّ من ملاحظة دليل ذلك، ثمّ الحكم [1] بقيام غيره من الطرق المعتبرة مقامه، لكن الغالب فيه الأوّل.

____________

به المصنّف (رحمه اللّه) و قال: «يقوم مقامه سائر الطرق الشرعيّة ...»، و إن شئت توضيح تلك الأقسام مفصّلا، فراجع كلام المحقّق النائينيّ‏ (1).

[1] هذه عبارة اخرى لقوله (رحمه اللّه) سابقا: «فإنّه تابع لدليل الحكم، فإن ظهر منه أو من دليل خارج ...» و تقدير الكلام هكذا: إذا أردنا أن نعرف أنّه هل اعتبر الشارع الأقدس الظنّ على نحو الطريقيّة حتّى يجوز قيام الطرق الشرعيّة مقامه، أو على نحو الصفتيّة حتّى لا يجوز ذلك، فلا بدّ أوّلا من ملاحظة الدليل الذي وقع فيه الظنّ موضوعا، ثمّ الحكم بالقيام و عدمه، و لا يخفى أنّ الغالب هو الأوّل، أعني اعتبار الظنّ على نحو الطريقيّة، و إليه أشار المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «الغالب فيه الأوّل».

و نسب بعض المحشّين كلام المصنّف (رحمه اللّه) في الظنّ طريقا و صفة بكلا قسميهما إلى الاضطراب و التشويش فقال: «لا يخلو العبارة من التشويش ...» و شرع بعد ذلك في تصحيحه‏ (2).

و لا يخفى أنّ التعبير ب «الأخذ» في ابتداء البحث- الظاهر في الظنّ الموضوعيّ- و إن يوهم في بادئ الرأي ذهول المصنّف (رحمه اللّه) عن ذكر الظنّ الطريقيّ المحض، و لكن يعلم بعد دقّة النظر أنّه ليس كذلك، و أنّ كلامه يحتاج إلى التوجيه و التصحيح، فافهم.

____________

(1) انظر فوائد الاصول 3: 32 و 33.

(2) راجع تسديد القواعد: 43.

140

بقي أمران‏

و لا بدّ في المقام من التنبيه على أمرين:

أحدهما: أنّ لفظة «الغالب» ليس احترازا عن غير الغالب الذي يؤخذ فيه الظنّ بنحو الصفتيّة، و وجهه أنّه لا يوجد حكم شرعيّ يكون موضوعه اتّصاف المكلّف بصفة الظنّ بكذا، كما لا يوجد أيضا حكم شرعيّ يكون موضوعه اتّصاف المكلّف بصفة القطع بكذا، إذ الأحكام- بناء على مذهب العدليّة- تابعة للمصالح الواقعيّة النفس الأمريّة.

و ثانيهما: أنّ الشكّ من حيث إنّه لا يكشف عن الواقع لا ناقصا و لا تامّا، فلا يتصوّر فيه فرض الطريقيّة أصلا. نعم، يمكن فيه فرض الموضوعيّة بالنسبة إلى بعض الأحكام كقوله (عليه السّلام): «متى ما شككت فخذ بالأكثر ...» و «إذا سهوت فابن على الأكثر ...» (1)، فافهم.

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 317 و 318، الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 و 3.

141

تنبيهات مبحث القطع‏

142

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

143

و ينبغي التنبيه على امور [1]: ...

____________

بيان إجماليّ حول التنبيهات الأربعة

[1] شرع المصنّف (رحمه اللّه) في بيان امور مهمّة ضمن تنبيهات أربعة و من الجدير بالذكر هنا نقل كلام بعض تلامذته (رحمه اللّه) ملخّصا، قال: «قوله (رحمه اللّه): [و ينبغي التنبيه على امور] أقول: لمّا كان الكلام في هذا المقام في تحقيق حال القطع، و وقع الاختلاف في أنّه هل هو حجّة من جانب الشارع- بل مطلق المولى- على العبد و إن كان مخالفا للواقع، أو أنّه حجّة عليه إذا صادف الواقع، تعرّض (رحمه اللّه) لحاله في التنبيه الأوّل.

و أيضا لمّا وقع الاختلاف في أنّ القطع هل هو حجّة من أيّ سبب حصل، أم لا بل ما حصل من سبب خاصّ، فأتى (رحمه اللّه) لبيان حاله بالتنبيه الثاني‏ (1).

و أيضا لمّا وقع الاختلاف في أنّ القطع هل هو حجّة لأيّ قاطع حصل و لو كان قطّاعا أو الأشخاص المخصوصة، تعرّض (رحمه اللّه) لتحقيقه في التنبيه الثالث‏ (2).

و أيضا لمّا اختلفوا في أنّ العلم الإجماليّ كالتفصيليّ بحسب الاعتبار أم لا، أتى المصنّف (رحمه اللّه) لبيانه بالتنبيه الرابع‏ (3)» (4).

____________

(1) انظر فرائد الاصول 1: 51.

(2) انظر فرائد الاصول 1: 65.

(3) انظر فرائد الاصول 1: 69.

(4) قلائد الفرائد 1: 51.

144

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

145

التنبيه الأوّل في حجّيّة القطع الغير المصادف للواقع (التجرّي)

146

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

147

الأوّل [1] ....

____________

أربع اصطلاحات‏

[1] قبل الخوض في بيان كلام المصنّف (رحمه اللّه) ينبغي أن نبيّن أربع اصطلاحات هامّة دخيلة في المقام جدّا.

1- الإطاعة:

و هي عبارة عن الموافقة و التبعيّة الحقيقيّة و التفصيليّة لخطابات الشارع، و المراد من التبعيّة الحقيقيّة هو: إطاعة المكلّف للأمر الذي ثبت صدوره من الشارع‏ (1) و يسمّى «مطيعا» بمعنى أنّه يأتي بما أمر به المولى خارجا مثل إطاعة الأوامر الصريحة الواردة في الكتاب و السنّة؛ كالأمر بالصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ و ... (2).

2- الانقياد:

و هو عبارة عن الموافقة و التبعيّة الحكميّة لخطابات الشارع، و المراد من التبعيّة الحكميّة هو: إتيان الفعل الذي يعدّ به العبد في حكم المطيع‏ (3)؛ لاحتمال ورود الأمر به و يسمّى «منقادا» بمعنى أنّه يأتي بفعل احتمل تعلّق الأمر به و إن انكشف خلافه و ظهر أنّه لم يرد فيه أمر ككثير ممّا قيل باستحبابه.

فالمطيع و المنقاد كلاهما مشتركان في إتيان و تبعيّة ما أمر به المولى إلّا أنّ‏

____________

(1) انظر فرائد الاصول 1: 94، و أوثق الوسائل: 53.

(2) انظر أوثق الوسائل: 295- 298.

(3) انظر فرائد الاصول 2: 156.

148

إطاعة المطيع إطاعة حقيقيّة محكومة بالحسن فعلا و فاعلا توجب المثوبة استحقاقا و إطاعة، و انقياد المنقاد في حكم الإطاعة محكوما بالحسن فاعلا فقط لا فعلا يوجب استحقاق المثوبة تفضّلا و تشويقا.

3- المعصية:

و هي عبارة عن المخالفة الحقيقيّة و التفصيليّة لخطابات الشارع، و المراد من المخالفة الحقيقيّة هو: مخالفة المكلّف للنهي الذي ثبت صدوره من الشارع و يسمّى «عاصيا» بمعنى أنّه يأتي بما نهى عنه المولى خارجا مثل شرب المائع خمرا واقعا (1).

4- التجرّي:

و هو في اللغة مأخوذا من الجرأة (2) و في الاصطلاح هو عبارة عن المخالفة الحكميّة لخطابات الشارع، و المراد من المخالفة الحكميّة هو: إظهار الجرأة و التمرّد على المولى بارتكاب ما علم بكونه محرّما مع عدم كونه كذلك واقعا الذي يعدّ به العبد في حكم العاصي و يسمّى «متجرّيا» بمعنى أنّ المكلّف يأتي بالحرام مع القطع بحرمته و يترك الواجب مع القطع بوجوبه، ثمّ ينكشف عنده الخلاف أي عدم الحرمة و عدم الوجوب، و محصّله عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها كما صرّح به المصنّف و المحقّق الخراسانيّ رحمهما اللّه و غيرهما (3).

فالعاصي و المتجرّي كلاهما مشتركان في مخالفة أوامر الشارع إلّا أنّ مخالفة

____________

(1) انظر فرائد الاصول 1: 94، و أوثق الوسائل: 53.

(2) انظر المصباح المنير: مادّة «جرى».

(3) انظر فرائد الاصول 1: 48، و كفاية الاصول: 376، و حواشي المشكينيّ 4: 329، حيث قال (قدّس سرّه): «التجرّي عبارة عن عدم المبالاة».

149

أنّه قد عرفت [1]: ...

____________

العاصي تعدّ معصيته حقيقة محكومة بالقبح فعلا و فاعلا و توجب العقوبة قطعا، و مخالفة المتجرّي في حكم المعصية محكوما بالقبح فاعلا فقط لا فعلا، و الكلام في أنّ الشارع هل يعاقبه على مخالفة قطعه أم لا؟ سيجي‏ء في المباحث الآتية.

القطع المبحوث عنه في التجرّي‏

المستفاد من ظاهر كلام المصنّف (رحمه اللّه) اختصاص التجرّي بالقطع الطريقيّ المحض، و أمّا الموضوعيّ منه فهو بجميع أقسامه خارج عن موضوع البحث في المقام.

و القول بالتفصيل فيه ليس ببعيد بأن نقول: إنّ الخارج عن موضوع البحث هو خصوص القطع المأخوذ في الموضوع صفة بنحو تمام الموضوع‏ (1)، و أمّا الصفتيّ المأخوذ فيه بنحو جزء الموضوع‏ (2) أو المأخوذ طريقا فيه‏ (3) فلا مانع من دخوله في موضوع البحث، فافهم.

[1] الضمير للشأن، و مراده (رحمه اللّه) الإشارة إلى حجّيّة القطع ذاتا و أنّه لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا، و ما سيذكره (رحمه اللّه) من: «أنّ القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الأدلّة المثبتة لأحكام مقطوعه» (4) هو نتيجة حجّيّة القطع ذاتا، فلا تغفل.

____________

(1) أي سواء كان مطابقا للواقع أم لا.

(2) أي خصوص صورة كونه مطابقا للواقع.

(3) أي سواء كان بنحو تمام الموضوع أو جزء الموضوع.

(4) انظر فرائد الاصول 1: 29.

150

أنّ القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الأدلّة المثبتة لأحكام مقطوعه، فيجعل ذلك كبرى [1] لصغرى قطع بها، فيقطع بالنتيجة، ...

____________

استنباط الحكم الشرعيّ بالقطع و الظنّ‏

اعلم أنّ مجرّد قيام دليل شرعيّ على حرمة شرب الخمر مثلا يكفي في حكم العقل بوجوب متابعة القطع و وجوب الاجتناب عن مقطوع الخمريّة بلا حاجة إلى شي‏ء آخر، بخلاف مظنون الخمريّة، فإنّ الحكم بوجوب الاجتناب عنه يحتاج- مضافا إلى قيام دليل على حرمة شرب الخمر- إلى قيام دليل آخر دالّ على اعتبار هذا الظنّ، و الوجه فيه إلحاق الظنّ الغير المعتبر بالشكّ، كما صرّح به المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث البراءة (1).

و الحاصل: الظانّ بالحرمة يحتاج إلى دليلين و القاطع يحتاج إلى دليل واحد.

و لا يخفى أنّه كما كان الظنّ الغير المعتبر ملحق بالشكّ كذلك الظنّ المعتبر ملحق بالقطع.

جريان التجرّي في الأمارات الشرعيّة و الاستصحاب‏

[1] إشارة إلى كبرى شرعيّة منضمّة إلى صغرى وجدانيّة، فإنّ القاطع بخمريّة مائع يقول: «هذا خمر، و الخمر حرام، فهذا حرام أي يجب الاجتناب عنه» و بذلك صرّح المصنّف (رحمه اللّه) تارة عند قوله: «فإذا قطع بخمريّة شي‏ء، فيقال: هذا

____________

(1) انظر فرائد الاصول 2: 11.

151

فإذا قطع بكون شي‏ء خمرا، و قام الدليل على كون حكم الخمر في نفسها هي الحرمة [1]، فيقطع بحرمة ذلك الشي‏ء.

لكنّ الكلام في أنّ قطعه [2] ....

____________

خمر، و كلّ خمر يجب الاجتناب عنه ...» و اخرى عند قوله: «بمجرّد القطع يحصل له صغرى و كبرى ...» (1).

و بالجملة، فمراده (رحمه اللّه) أنّ القاطع بحكم من الأحكام الشرعيّة بأدلّة معتبرة- كحرمة الخمر مثلا- يجعل مقطوعه الوجدانيّ صغرى و يقول: هذا خمر و مدلول ذلك الدليل كبرى و يقول: كلّ خمر حرام، و بعد ذلك يقطع بالنتيجة، و هي وجوب الاجتناب عمّا يقطع بخمريّته شرعا من غير حاجة إلى أمر آخر خارجا.

و لا يخفى أنّ المراد من القطع بالنتيجة أعمّ من القطع الوجدانيّ أو التعبّديّ، و لذا عند شهادة عدلين على خمريّة مائع، أو دلالة الاستصحاب على بقاء خمريّة ما شكّ في انقلابه خلّا، يجب الاجتناب شرعا عن المشهود به و المستصحب، كما يجب الاجتناب عن المقطوع الخمريّة و هذا هو السرّ في سريان التجرّي إلى غير القطع و شموله الأمارات و الطرق الشرعيّة و عدم اختصاصه بالقطع، و التفصيل في محلّه‏ (2).

[1] إشارة إلى أنّ حرمة الخمر ذاتيّة لها من دون أن يكون العلم و الجهل دخيلا فيها.

[2] الضمير المجرور هنا و في قوله: «حجّة عليه» و أيضا الضمير المرفوع المستتر في قوله «يعاقب» يعود إلى «القاطع».

____________

(1) فرائد الاصول 1: 30 و 31.

(2) راجع فوائد الاصول 3: 53.

152

هذا هل هو حجّة عليه من الشارع و إن كان مخالفا للواقع [1] في علم اللّه [2]، فيعاقب على مخالفته، أو أنّه حجّة عليه إذا صادف الواقع؟ بمعنى أنّه لو شرب الخمر الواقعيّ عالما عوقب عليه في مقابل من شربها جاهلا، لا أنّه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا و إن لم يكن خمرا في الواقع.

____________

[1] لا يذهب عليك أنّ في ظاهر عبارة المصنّف (رحمه اللّه) إشكالا قد تعرّضه بعض المحشّين و أجاب عنه، و لا بأس بنقل محلّ الحاجة من كلامه، قال: «قوله (رحمه اللّه):

[لكنّ الكلام في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من الشارع و إن كان مخالفا للواقع ...] ينبغي تقديم امور: الأوّل: أنّ ظاهر هذه العبارة يخالف ما تقدّم منه (رحمه اللّه)، فإنّه ذكر أنّ القطع حجّة و حجّيّته ذاتيّة بحيث لا يمكن للشارع التصرّف فيها نفيا و إثباتا، و ظاهر التعبير هنا جواز تصرّف الشارع في حجّيّته، و ما قيل في توجيه العبارة وجوه: الأوّل: أنّ الكلام في السابق يكون في القطع المطابق للواقع و هنا في ما خالفه، و فيه ...» (1).

و الأوجه أنّ الحجّة هنا ليس بالمعنى المصطلح حتّى يلزم الإشكال، بل المراد منها هو ما يصحّح المؤاخذة و الاحتجاج، بمعنى أنّ الشارع هل يؤاخذه على مخالفة قطعه أم لا؟

جهات البحث عن التّجري‏

[2] هذه عبارة اخرى عن الجهل المركّب، كما أنّ قوله (رحمه اللّه): «إذا صادف الواقع» أيضا عبارة اخرى عن العلم و اليقين، و لذا يقال: «القطع، إن خالف الواقع‏

____________

(1) تسديد القواعد: 44.

153

يسمّى جهلا مركّبا، و إن صادفه يسمّى علما يقينا».

و البحث فيه الآن من حيث الحرمة و عدمها، فمن قال بها حكم بعقوبة شارب مقطوع الخمريّة و إن انكشف أنّه كان ماء في الواقع و من قال بعدمها إنّما حكم بذلك عند انكشافه خمرا، فالمسألة ذات وجوه و أقوال.

و لا يخفى أنّ التجرّي من حيث كون البحث فيه عن قبح الفعل و عدمه و جواز العقوبة عليه و عدمه يعدّ مسألة كلاميّة، و من حيث كون البحث فيه عن أنّ قبحه عقلا هل يستتبع الحرمة شرعا بقاعدة الملازمة أم لا، يعدّ مسألة اصوليّة، و من حيث كون البحث فيه عن جواز التجرّي و حرمته، يعدّ مسألة فقهيّة.

الأقوال في المسألة

و الجدير بالذكر نقل الأقوال في المسألة إجمالا فنقول: الأقوال فيها خمسة:

أحدها: القول بالحرمة مطلقا،

و نسبه المصنّف (رحمه اللّه) إلى المشهور في ما سيأتي منه عن قريب. و هو الذي اختاره المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه)(1).

ثانيها: القول بعدم الحرمة مطلقا،

و هو مختار المصنّف (رحمه اللّه) على ما سيظهر من مجموع كلماته‏ (2)، و انتظر توضيحه مفصّلا (3).

____________

(1) انظر كفاية الاصول: 259.

(2) تارة عند قوله (رحمه اللّه): «و من هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي؛ فإنّه لكشف ما تجرّى به عن خبث الفاعل، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى» و اخرى عند قوله: «و التحقيق ...» فرائد الاصول 1: 39 و 45.

(3) انظر الصفحة 210 و ما بعدها، ذيل عنوان «ما رام إليه المصنّف (رحمه اللّه) في التجرّي العمليّ».

154

ثالثها: التفصيل بين صورة كشف الخلاف و عدمه،

فتثبت العقوبة في الصورة الأخيرة، و لا تثبت في الصورة الاولى، و هو الذي اختاره العلّامة- أعلى اللّه مقامه- في التذكرة (1).

و

رابعها: التوقّف- أي التوقّف عن الفتوى- نفيا و إثباتا،

كما ذهب إليه العلّامة (رحمه اللّه) في النهاية (2) و الشيخ البهائيّ (رحمه اللّه) في الزبدة (3).

خامسها: التفصيل بين الموارد بثبوت الحرمة و استحقاق العقوبة في مورد و نفيها في مورد آخر،

و يعبّر عنه اصطلاحا بالوجه و الاعتبار (4)، و هذا هو المذهب المختار عند صاحب الفصول (رحمه اللّه)(5)، و سيجي‏ء مفصّلا توضيحه و الردّ عليه إن شاء اللّه في محلّه‏ (6).

و الحاصل: أنّ إعمال الجرأة و عدم المبالاة من العبد و عدم خوفه من مولاه و الإقدام منه على مخالفته المعبّر عنه اصطلاحا بالتجرّي قد وقع الخلاف فيه و الكلام بين الأعاظم و الأعلام من قديم الأيّام من جهات متعدّدة اصولا و فقها و كلاما و غيرها، و إن شئت توضيحها مفصّلا، فراجع إلى كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه)(7).

____________

(1) راجع تذكرة الفقهاء 2: 391.

(2) راجع نهاية الوصول 1: 110 و 111.

(3) راجع زبدة الاصول: 73.

(4) بمعنى أنّ القبح فيه ليس بذاتيّ.

(5) راجع الفصول الغرويّة: 431 و 432.

(6) انظر الصفحة 182 و ما بعدها، ذيل عنوان «تفصيل صاحب الفصول في المسألة» و «المناقشة في تفصيل صاحب الفصول».

(7) انظر فوائد الاصول 3: 37 و ما بعده.