الوسائل إلى غوامض الرسائل‏

- السيد رسول الموسوي الطهراني المزيد...
664 /
155

ظاهر كلماتهم في بعض المقامات: الاتّفاق على الأوّل [1]؛ كما يظهر من دعوى جماعة الإجماع على أنّ ظانّ ضيق الوقت إذا أخّر الصلاة عصى و إن انكشف بقاء الوقت؛ ...

____________

الاستدلال بالإجماع على حرمة التجرّي‏

[1] إشارة إلى مذهب المشهور القائلين بحجّيّة القطع مطلقا (1) و بحرمة التجرّي بالتبع‏ (2) و استدلّوا لإثبات مدّعاهم بوجوه أربعة:

أحدها: ادّعاء الإجماع في مسألتين‏ (3):

الاولى: صحّة عقوبة تارك الصلاة و هو قاطع أو ظانّ بضيق الوقت و إن انكشف الخلاف و ظهر بقاء الوقت خارجا.

الثانية: وجوب إتمام الصلاة على من سلك طريقا قد قطع بكونه مخطورا، بل‏

____________

(1) أي سواء وافق الواقع و طابقه أم لا.

(2) أقول: إنّ المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) بعد نقل الحديث الدالّ على أنّ علّة خلود أهل النار في النار نيّتهم الإقدام على المعصية أبدا ...، قال: «يمكن أن يستدلّ به على أنّ بالعزم على المعصية يستحقّ العقاب و إن عفى اللّه عن المؤمنين تفضّلا ...» (بحار الأنوار 70: 201 و 202، كتاب الإيمان و الكفر، باب النيّة، ذيل الحديث 5). و لا يخفى أنّه لا يبعد عدّ الحديث المذكور و ما شابهه من الكتاب و السنّة دليلا آخر لمذهب المشهور، غير ما سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) من الأدلّة الاخرى الآتي توضيحها عن قريب، و بذلك صرّح المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) فقال: «و لا يخفى أنّ في الآيات و الروايات، شهادة على صحّة ما حكم به الوجدان ...» (كفاية الاصول: 262).

(3) منهم العلّامة في المنتهى 4: 107، و الفاضل الهنديّ في كشف اللثام 3: 109.

156

فإنّ تعبيرهم بظنّ الضيق لبيان أدنى فردي الرجحان، فيشمل القطع بالضيق [1].

نعم، حكي عن النهاية [2] و شيخنا البهائيّ التوقّف في العصيان، بل في التذكرة: لو ظنّ ضيق الوقت عصى لو أخّر إن استمرّ الظنّ، و إن انكشف خلافه فالوجه عدم العصيان، انتهى ....

____________

حتّى لو ظنّ به، و الحكم بكونه عاصيا و إن انكشف الخلاف و ظهر عدم الخطر خارجا، و سيصرّح المصنّف (رحمه اللّه) بذلك هنا و كذا في مبحث البراءة عند قوله: «و قد صرّح الفقهاء في باب المسافر: بأنّ سلوك الطريق الذي يظنّ معه العطب معصية ...» (1).

[1] أي بالأولويّة القطعيّة.

[2] إشارة إلى قول آخر في مسألة الظانّ بضيق الوقت‏ (2).

و لا يذهب عليك أنّ عدّ المصنّف (رحمه اللّه) «التوقّف» في المسألة من أحد الأقوال، إيراد منه (رحمه اللّه) على ادّعاء الإجماع المذكور، و يشهد عليه تعبيره (رحمه اللّه) بلفظة «نعم» الدالّة على الاستدراك عمّا تقدّم، و أوضح منه نقاشا فيه‏ (3) لفظة «بل» الدالّة على الترقّي.

و عليه فكأنّه (رحمه اللّه) قال: بعد توقّف بعض الأكابر في عصيان المتجرّي، بل بعد تصريحهم بعدم تحقّق العصيان منه عند انكشاف الخلاف، لا يبقى مجال لادّعاء الإجماع على حرمة التجرّي شرعا استنادا إلى مجرّد الاتّفاق في بعض المقامات كالمسألتين المذكورتين، و الوجه فيه‏ (4) كفاية مخالفة شخص واحد- و لو كان‏

____________

(1) فرائد الاصول 2: 124.

(2) و الحاكي هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول، و قد حكى التوقّف عن الزبدة، و حكى عن النهاية قولين، راجع مفاتيح الاصول: 308.

(3) أي في ادّعاء الإجماع.

(4) أي في عدم بقاء المجال لادّعاء الإجماع.

157

و استقرب العدم سيّد مشايخنا في المفاتيح [1].

و كذا لا خلاف [2] بينهم- ظاهرا- في أنّ سلوك الطريق المظنون الخطر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه و لو بعد انكشاف عدم الضرر فيه [3]، ...

____________

معلوم النسب- في عدم انعقاد الإجماع عليه بناء على تماميّة قاعدة اللطف، و أمّا بناء على القول بدخوله (عليه السّلام) في المجمعين فلا يضرّ المخالفة إلّا من مجهول النسب، و التفصيل في محلّه‏ (1).

[1] مراده (رحمه اللّه) استاذه السيّد المجاهد (2) ابن صاحب الرياض رحمهما اللّه، و المفاتيح‏ (3) كتاب اصوليّ، و له كتاب آخر في الفقه يسمّى بالمناهل، و كما ترى قد اتّبع المصنّف (رحمه اللّه) في المسألة (4) استاذه‏ (5).

[2] شرع المصنّف (رحمه اللّه) في تقريب مثال آخر لتأييد مذهب المشهور. و لا يخفى أنّ لفظة «لا خلاف» في هذه المسألة عبارة اخرى: «الإجماع» في المسألة الاولى.

[3] أي في السلوك.

____________

(1) سيجي‏ء تفصيل البحث في مبحث حجّيّة الإجماع المنقول، انظر فرائد الاصول 1: 185 و ما بعده.

(2) تعبيره (رحمه اللّه) عن استاذه ب «سيّد المشايخ» جاء أيضا في موردين آخرين (انظر فرائد الاصول 3: 222، و 4: 157).

(3) أي مفاتيح الاصول.

(4) يعني في مسألة عدم حرمة التجرّي مطلقا أي في صورة كشف الخلاف و عدمه.

(5) راجع مفاتيح الاصول: 308 عند قوله (رحمه اللّه): «الثاني: لو أخّر عن الزمان المفروض، فتبيّن كذب ظنّه و قدرته على الإتيان بالواجب في الزمان الذي ظنّ فوته فيه فهل يكون عاصيا أو لا- إلى أن قال-: و الأقرب عندي هو القول الثاني ...».

158

[فتأمّل‏] [1].

____________

النقاش في استدلال المشهور بالمثالين‏

[1] عبارة «فتأمّل» أخذناها من نسخة الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه)(1) و وجهه التشكيك في استدلال المشهور، بتقريب أنّ موضوع البحث في المقام هو القطع الطريقيّ، مع أنّ المثالين المذكورين من قبيل القطع الموضوعيّ الصفتيّ بنحو تمام الموضوع الذي لا يتصوّر فيه كشف الخلاف أصلا، و لذا قال المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه): «إنّ كلّا من الموردين اللذين ادّعي عليهما الإجماع خارج عمّا نحن فيه، و ليس من موارد التجرّي. أمّا في الأوّل فلأنّ خوف الضيق يكون تمام الموضوع للوجوب ...» (2).

و لعلّ المناسب هنا نقل كلام بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) تأييدا لما قلناه في تقريب وجه التأمّل، فإنّه (رحمه اللّه) قال: «أقول: قبل تحرير الكلام في هذا المقام لا بدّ من بيان أمرين: الأوّل: إنّ كلامنا في هذه المسألة إنّما هو بالنسبة إلى القطع الطريقيّ و الموضوعيّ الكشفيّ‏ (3)، دون الموضوعيّ الوصفيّ؛ و ذلك لأنّ الكلام في المقام في ما إذا كان لقطعه واقع، و كان قطعه مخالفا له، و هذا لا يتصوّر في ما إذا اعتبر العلم في الموضوع على وجه الوصفيّة؛ لأنّ واقعه هو هذا اليقين الحاصل للقاطع، و لم ينكشف الخلاف بالنسبة إليه، مثلا إذا فرضنا أنّ الشارع حكم بوجوب التصدّق بدرهم على أحد ما دام متيقّنا بحياة ولده، و حصل له اليقين بحياة الولد و خالف، فهو عاص؛ لأنّه خالف الواقع و إن انكشف أنّه لم يكن حيّا؛ و وجهه أنّ‏

____________

(1) انظر الرسائل المحشّى: 5.

(2) فوائد الاصول 3: 51.

(3) أي الطريقيّ.

159

و يؤيّده: بناء العقلاء على الاستحقاق [1]، و حكم العقل بقبح التجرّي.

____________

موضوع وجوب التصدّق هو التيقّن بحياة الولد لا حياة الولد و المفروض أنّ وصف التيقّن حاصل له، فإذا خالف فهو عاص ...» (1).

تأييد القول بالحرمة ببناء العقلاء

[1] إشارة إلى دليل ثان لتأييد مذهب المشهور كما أنّ قوله (رحمه اللّه): «حكم العقل بقبح التجرّي» أيضا دليل ثالث لهم، و لذا قال بعض المحشّين: «أدلّة القائلين بالحرمة وجوه: الأوّل: دعوى الإجماع؛- إلى أنّ قال-: الثاني: بناء العقلاء على استحقاق العقاب و المؤاخذة؛ الثالث: حكم العقل بقبح التجرّي ...» (2).

اعلم أنّ الفرق بين حكم العقل و بناء العقلاء هنا واضح، بتقريب أنّ العقل حكم بأنّ العاصي و المتجرّي سيّان مناطا و هو إعمال كلّ منهما الجرأة، و هو يوجب العقوبة؛ لأنّ المتجرّي أيضا بصدد الطغيان و عازم على العصيان باعتقاده و نيّته، كما صرّح به المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) و أيّده بالرجوع إلى الوجدان‏ (3).

و أمّا العقلاء فإنّهم رأوا المتجرّي مستحقّا للعقوبة بحسب سيرتهم العمليّة في امورهم العاديّة (4)، و سيأتي توضيح ذلك في ما بعد مع ذكر المثال له‏ (5).

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 51 و 52.

(2) تسديد القواعد: 45.

(3) انظر كفاية الاصول: 259 و 262.

(4) قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «إنّ الفرق بينهما ليس إلّا بالإجمال و التفصيل كما لا يخفى». (قلائد الفرائد 1: 53).

(5) انظر الصفحة 165، ذيل عنوان «الفرق بين حكم العقل و بناء العقلاء و النسبة بينهما».

160

و قد يقرّر دلالة العقل [1] على ذلك: بأنّا إذا فرضنا شخصين قاطعين، بأن قطع أحدهما بكون مائع معيّن خمرا، و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا، فشرباهما،

____________

تقرير دلالة العقل على قبح التجرّي‏

[1] المقرّر هو الفاضل السبزواريّ (رحمه اللّه) صاحب الكفاية و الذخيرة، و هو قائل بحرمة التجرّي‏ (1)، و ستعرف تقريب استدلاله و الردّ عليه مفصّلا (2)، حتّى أنّ‏

____________

(1) أقول: استدلال الفاضل السبزواريّ (رحمه اللّه) في كتاب ذخيرة المعاد يرجع إلى شخصين جاهلين بمسائل الصلاة اللذين شرعا فيها و صادفت صلاة أحدهما مطابقة للواقع و صلاة الآخر غير مطابقة له، إلّا أنّ المصنّف (رحمه اللّه) قد طبّقه على المتجرّي، و عليه فلا يرد اعتراض بعض محشّي الكفاية من أنّ استدلال الشيخ (رحمه اللّه) يغاير مع استدلال الفاضل فقال (رحمه اللّه): «لمّا كان تقرير كلّ من المصنّف و الشيخ رحمهما اللّه مغايرا لما ظفرنا عليه في الذخيرة ...» (منتهى الدراية 4: 59). و لكنّ المناسب أن يراجع و يلاحظ استدلاله في الذخيرة. (انظر ذخيرة المعاد 209 و 210)، و لا يخفى أنّ لبعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) هنا كلاما لا بأس بنقله تأييدا لما قلناه من عدم ورود الاعتراض على المصنّف (رحمه اللّه) في ذلك، قال (رحمه اللّه): «قوله (رحمه اللّه): [و قد يقرّر دلالة العقل على ذلك بأنّا إذا فرضنا شخصين قاطعين ...] أقول: تقرير الدليل العقليّ بالوجه المزبور، ممّا استخرجه المصنّف (رحمه اللّه)- على ما صرّح به في أثناء الدرس- من بعض كلمات المحقّق السبزواريّ (رحمه اللّه) في مسألة الجاهل بالعبادة ملخّصه: أنّ الشخصين المزبورين اللذين قد اشتركا في أصل الشرب اختيارا إمّا أن يستحقّا العقاب، فهو المطلوب. أو لا يستحقّان أصلا فيلزم عدم استحقاق العاصي للعقاب. أو يستحقّ من صادف قطعه الواقع دون الآخر، فيلزم إناطة استحقاق العقاب بأمر غير اختياريّ، و هو اتّفاق المصادفة، و هذا خلاف مذهب العدليّة، و فساد عكس هذه الصورة أوضح من أن يبيّن». (قلائد الفرائد 1:

53).

(2) سيجي‏ء البحث عنه في الصفحة 171 و 174 و ما بعدها، ذيل عنوان «المناقشة في الاستدلال بالدليل العقليّ» و «تقريب الردّ على الدليل العقليّ».

161

فاتّفق مصادفة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر: فإمّا أن يستحقّا العقاب، أو لا يستحقّه أحدهما [1]، ...

____________

المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) القائل بحرمة التجرّي قد ردّ عليه بقوله: «و معه لا حاجة إلى ما استدلّ على استحقاق المتجرّي للعقاب» (1).

لا يخفى أنّ ردّ المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) على الدليل العقليّ للسبزواريّ (رحمه اللّه) في حاشيته على الرسائل أشدّ من ردّه عليه في الكفاية حيث قال: «أمّا الدليل العقليّ، فالشقّ الثالث لا يستلزم إناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار، فإنّ استحقاق من صادف قطعه إنّما هو لتحقّق سببه‏ (2) و هو المخالفة اختيارا، و عدم استحقاق من لم يصادف قطعه إنّما هو لعدم تحقّق سبب الاستحقاق و لو بدون الاختيار ...» (3) (4).

[1] الأولى أن يقال: «أو لا يستحقه كلّ منهما ...»، و الأمر سهل حيث لا خفاء في المراد.

____________

(1) كفاية الاصول: 262.

(2) أي سبب العقاب.

(3) درر الفوائد: 40.

(4) أقول: و العجب أنّه صرّح بهذا عينا في الكفاية نقلا عن الخصم- أي الشيخ الأنصاريّ (رحمه اللّه)، انظر كفاية الاصول: 262- و لا يبعد أنّه (رحمه اللّه) أشار به إلى قاعدة «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار»، و هي قاعدة فلسفيّة كلاميّة دخيلة في الفقه و الاصول، استند إليها الفقهاء في بعض الفروع الفقهيّة، و تمسّك بها الاصوليّون لحلّ بعض المشكلات الاصوليّة، منها: كيفيّة توجيه أمر الغاصب بالخروج من الأرض المغصوبة مع أنّ الخروج غصب أيضا. انظر على سبيل المثال كفاية الاصول: 168، و فوائد الاصول (1- 2): 446- 452، و الموسوعة الفقهيّة الميسّرة 5: 113 و 114.

162

أو يستحقّه من صادف قطعه الواقع دون الآخر، أو العكس [1].

لا سبيل إلى الثاني و الرابع، و الثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار، و هو مناف لما يقتضيه العدل، فتعيّن الأوّل [2].

و يمكن الخدشة في الكلّ:

أمّا الإجماع، فالمحصّل منه غير حاصل [3]، ....

____________

[1] لا يذهب عليك أنّ الاستدلال المذكور من حيث كونه دائرا بين النفي و الإثبات اطلق عليه الدليل العقليّ، و من حيث دورانه بين امور أربعة اطلق عليه الدليل الرباعيّ، و كيف كان، فيمكن عدّه دليلا رابعا للمشهور.

[2] لا يخفى أنّ هذا الاستدلال نظير السبر و التقسيم‏ (1).

المناقشة في الاستدلال بالإجماع‏

[3] شرع المصنّف (رحمه اللّه) في تقريب الخدشة و التشكيك في أدلّة القائلين بقبح التجرّي عقلا و حرمته شرعا مطلقا (2).

قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «قد أفاد (رحمه اللّه) في مجلس الدرس أنّ الغرض ردّ

____________

(1) جاء في كتاب الحاشية على تهذيب المنطق: 108: «و هو (أي السبر و التقسيم) أن يتفحّص أوّلا أوصاف الأصل و يردّد أنّ علّة الحكم هل هي هذه الصفة أو تلك؟ ثمّ يبطل ثانيا حكم علّيّة كلّ كلّ حتّى يستقرّ على وصف واحد و يستفاد من ذلك كون هذا الوصف علّة ...»؛ أيضا انظر نهاية الوصول 4: 151، المبحث الثامن في السبر و التقسيم.

(2) أقول: نظير هذا الكلام وقع من المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) بمناسبة التشكيك في بعض أدلّة حجّيّة خبر الواحد حيث قال: «و أمّا عن الإجماع، فبأنّ المحصّل منه غير حاصل، و المنقول منه للاستدلال به غير قابل ...». كفاية الاصول: 296.

163

الإجماع المزبور بوجوه ثلاثة: أحدها: أنّ الإجماع المحصّل عبارة عن اتّفاق أهل الحلّ و العقد على أمر دينيّ بحيث يكشف عن رضا المعصوم (عليه السّلام)، و لم يثبت لنا مثل هذا الاتّفاق الكاشف في هذه المسألة. و ثانيها: أنّ المسألة عقليّة فلا ينفع الإجماع فيها؛ لأنّ الإجماع في مصطلحهم- كما عرفت آنفا- هو الاتّفاق على أمر دينيّ، و المسألة العقليّة ليس لها جهة شرعيّة و دينيّة حتّى يدخل فيها الإجماع المصطلح- إلى أن قال-: و ثالثها: أنّ الاتّفاق غير حاصل؛ لما عرفت من مخالفة غير واحد. و الفرق بين الأوّل و الثالث: أنّ مبنى الأوّل عدم ثبوت الاتّفاق الكاشف، و مبنى الثالث وجود المخالف» (1).

اعلم أنّ الإجماع المحصّل هو تحصيل آراء الكلّ ليستكشف به قول الإمام أو رضاه بمعقد الإجماع، و من المعلوم أنّه غير ممكن خارجا سيّما في الأزمنة السابقة التي كان العلماء فيها منتشرين في مشارق الأرض و مغاربها، و يقابل ذلك الإجماع المنقول الذي يمكن تحقّقه خارجا كالإجماعات المنقولة المدّعاة في الكتب الفقهيّة و غيرها، و ستعرف في محلّه مفصّلا عدم اعتباره شرعا (2)، و لذلك كلّه يقال: الإجماع الممكن تحقّقه- كالمنقول- لا دليل على اعتباره، و المعتبر منه- كالمحصّل- لا يمكن تحقّقه.

و على أيّ حال مقصود المصنّف (رحمه اللّه) التشكيك في استدلالهم بالإجماع محصّلا

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 54.

(2) انظر فرائد الاصول 1: 179 و ما بعده، و كفاية الاصول: 296.

164

و المسألة عقليّة، خصوصا مع مخالفة غير واحد، كما عرفت من النهاية و ستعرف من قواعد الشهيد (قدّس سرّه) [1]، و المنقول منه ليس حجّة في المقام.

و أمّا بناء العقلاء، فلو سلّم [2] ...

____________

و منقولا، مضافا إلى وجود المخالف في المسألة مثل الذين أنكروا حرمة التجرّي رأسا، و أضف إلى ذلك كلّه أنّ البحث عن التجرّي هو بحث كلاميّ عقليّ، بمعنى أنّه هل يصحّ عقوبة المتجرّي أم لا يصحّ؟ مع أنّ المقرّر في محلّه اعتبار الإجماع في خصوص الفروع و المسائل الفقهيّة التي بيانها من شأن الشارع الأقدس، و التفصيل في محلّه.

[1] كتاب القواعد و الفوائد فيه بحوث في الفقه و الاصول و الأدب، فراجع‏ (1).

المناقشة في بناء العقلاء

[2] هذا تشكيك في دليلهم الثاني لحرمة التجرّي، أعني بناء العقلاء فيه.

و لا بأس بتوضيح بناء العقلاء مرّة ثانية من حيث إنّه الدليل العمدة للمشهور في استدلالهم لإثبات حرمة التجرّي، و إن تكلّمنا فيه آنفا.

فنقول: إنّا نرى أنّ العقلاء لا يذمّون المولى إذا عاقب عبده عند إتيانه بما اعتقد حرمته أو ترك ما اعتقد وجوبه و لا يعدّونه ظالما له بل يرون العبد مستحقّا للعقوبة و إن انكشف الخلاف بعده، بل و في بعض الموارد يقبّحون ترك العقوبة و يحسبونه من ضعف نفس المولى و سخافة عقله و رأيه مثل ما يقتل العبد عدوّ المولى باعتقاد

____________

(1) القواعد و الفوائد 1: 107 و 108، الفائدة الحادية و العشرون.

165

أنّه ابنه فينكشف الخلاف، أو يجامع زوجته باعتقاد أنّها زوجة مولاه، ثمّ ينكشف الخلاف، و هكذا سائر الأمثلة و هلمّ جرّا، و العبد المطيع المنقاد على عكس ذلك في تلك الموارد.

الفرق بين حكم العقل و بناء العقلاء و النسبة بينهما

و من المناسب هنا أن نذكر بعض الأمثلة المنطبقة على زماننا هذا لتوضيح المرام، فنقول:

أوّلا: النسبة بين حكم العقل و بناء العقلاء هي العموم و الخصوص مطلقا (1).

و ثانيا: العقلاء بما هم عقلاء قد يكون بينهم امور متعارفة معمولة ليس فيها للعقل دخل أصلا، و مثاله الواضح أنّ القانون العالميّ المنطبق على الموازين المصوّبة عند جميع الملل هو أن يكون لكلّ مائة نفر من نفوس مملكة طبيب مثلا و أنّ أيّ مملكة لا يتّبع هذا القانون فهي غير منطبقة على تلك الموازين المصوّبة، و من المعلوم أنّ العقل ليس له دخل في ذلك، و كم له من نظير خارجا لا مجال لذكره هنا، فافهم.

و الحاصل: أنّ الوجدان الحاكم على الإطلاق في باب الإطاعة و العصيان يحكم بإلحاق المتجرّي بالعاصي، كإلحاق المنقاد بالمطيع مع الفرق الفاحش‏

____________

(1) توضيحه: أنّه يمكن تصوّر وجود العقل بنفسه من دون وجود عاقل خارجا، و أمّا وجود العقلاء بلا وجود العقل، فلا يتصوّر أصلا.

166

بينهما؛ إذ العصيان محكوم بالقبح فعلا و فاعلا حال كون التجرّي محكوما بالقبح فاعلا فقط لا فعلا، كما أنّ الإطاعة محكومة بالحسن فعلا و فاعلا حال كون الانقياد محكوما بالحسن فاعلا فقط لا فعلا، و لتفصيل ذلك كلّه إثباتا و نفيا راجع حاشية المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) على الرسائل‏ (1).

و بالجملة، أنّ مجرّد القبح الفاعليّ عند المشهور يصحّح به العقوبة- أي عقوبة المتجرّي- و لو مع حسنه الفعليّ، فإنّهم ادّعوا استحقاقه العقوبة بمجرّد صفته الباطنيّة حتّى مع عدم العزم على المخالفة.

و أمّا المصنّف (رحمه اللّه)، فلم يسلّم ذلك و لم يجوّز العقوبة بمجرّد القبح الفاعليّ، بل اعتبر فيها القبح الفعليّ المنفيّ في ما نحن فيه على ما هو المفروض في مفهوم التجرّي، و لعلّه الحقّ.

أقول: الجامع بين المبنيين المذكورين كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) حيث قال: «إنّ المناط في استحقاق العقاب عند العقل و إن كان هو القبح الفاعليّ، إلّا أنّ القبح الفاعليّ المتولّد من القبح الفعليّ الذي يكون إحرازه موجبا للقبح الفاعليّ، لا القبح الفاعليّ المتولّد من سوء السريرة و خبث الباطن، و كم بين هذا و ذلك من الفرق، فإنّ المناط في أحدهما غير المناط في الآخر، حيث إنّ مناط أحدهما القبح الفعليّ المحرز و عدم الانبعاث عن البعث الواقعيّ المعلوم، و مناط الآخر سوء

____________

(1) انظر درر الفوائد: 37 عند قوله (رحمه اللّه): «ثمّ إنّه ظهر أيضا بما ذكرنا هاهنا أنّ الفعل المتجرّى به لا يكاد أن يتّصف بالقبح عقلا أصلا، لا فعلا و لا شأنا ...».

167

السريرة التي أوجبت عدم الانبعاث عن تخيّل البعث؛ و دعوى عدم الفرق بينهما في نظر العقل ممّا لا شاهد عليها، فتحصّل أنّ القبح الفاعليّ الناشئ عن سوء السريرة و خبث الباطن لا يستتبع استحقاق العقاب ...» (1).

توضيح ذلك: أنّ صفة الحسد مثلا لا يعاقب صاحبها عليها ما دامت هي مكنونة في نفس الحسود و لم يظهر منه عمل في الخارج بل يتوجّه إليه الذمّ فحسب، و أمّا إذا أظهر مكنونه و بلغ مرتبة الفعل خارجا بأن أهان المحسود عليه مثلا فيتوجّه إليه العقاب و الذمّ معا، كما صرّح به المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في الكفاية (2).

المباني في مناط العقوبة

اعلم أنّ في المقام مبنيين:

أحدهما: اعتبار القبح الفعليّ في العقوبة و أنّه المناط فيها عقلا.

و ثانيهما: عدم اعتباره‏ (3) و كفاية القبح الفاعليّ لها (4).

و القائلون بالأخير، منهم من يقول بترتّب العقوبة على الفاعل المرتكب فعلا في الخارج بنيّة تحقّق المعصية و إيجادها خارجا (5).

____________

(1) فوائد الاصول 3: 49.

(2) انظر كفاية الاصول: 259.

(3) أي القبح الفعليّ.

(4) أي العقوبة.

(5) هذا يعبّر عنه اصطلاحا بالتجرّي العمليّ.

168

و منهم من يقول بترتّبها على مجرّد قصد المعصية الناشئ عن سوء السريرة بلا ارتكاب فعل في الخارج أصلا (1)، و عليه فالمباني ثلاثة:

الاولى‏ (2): ما اختاره المصنّف (رحمه اللّه)(3) تبعا لاستاذه السيّد المجاهد (رحمه اللّه)(4).

و الثانية (5): ما اختاره المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه)(6) تبعا للمشهور (7).

و الثالثة (8): ما اختاره بعض بالتقريب الآتي توضيحه‏ (9).

____________

(1) هذا يعبّر عنه اصطلاحا بالتجرّي القصديّ.

(2) أي ترتّب العقوبة على القبح الفعليّ لا الفاعليّ، و نتيجته القول بعدم صحّة عقوبة المتجرّي مطلقا.

(3) انظر الصفحة 210، ذيل عنوان «ما رام إليه المصنّف (رحمه اللّه) في التجرّي العمليّ».

(4) انظر مفاتيح الاصول: 308.

(5) أي ترتّب العقوبة على القبح الفاعليّ، و كان التجرّي على المعصية بتحقّقها خارجا، و نتيجته صدق عنوان العاصي على المتجرّي بحيث يصحّح العقوبة مطلقا.

(6) انظر كفاية الاصول: 259. حيث قال (قدّس سرّه): «و بالجملة، ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحقّ بها إلّا مدحا أو ذمّا، و إنّما يستحقّ الجزاء بالمثوبة أو العقوبة إذا صار بصدد الجري على طبقها و العمل على وفقها ...».

(7) منهم العلّامة، و الفاضل الهنديّ، كما تقدّم تخريج المصادر آنفا، فراجع الصفحة 155، الهامش 3.

(8) أي ما كان التجرّي على المعصية بقصد المعصية، و هذا سيشير إليه المصنّف (رحمه اللّه) عند قوله: «نعم، لو كان التجرّي على المعصية بالقصد إلى المعصية ...». (فرائد الاصول 1:

46).

(9) انظر الصفحة 212 و ما بعدها، ذيل عنوان «حكم التجرّي القصديّ بحسب النصوص الواردة فيه».

169

فإنّما هو على مذمّة الشخص من حيث إنّ هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه، لا على نفس فعله، كمن انكشف لهم من حاله أنّه بحيث لو قدر على قتل سيّده لقتله؛ فإنّ المذمّة على المنكشف، لا الكاشف [1].

و من هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي؛ فإنّه لكشف ما تجرّى به [2] عن خبث الفاعل، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى.

____________

و سيشير إلى الأخير في القسم الأوّل من أقسام التجرّي‏ (1).

اعلم أنّ لبعض المحشّين هنا كلاما مختصرا لا بأس بنقله، قال (رحمه اللّه):

«المكلّف إنّما يستحقّ العقاب بأفعاله الاختياريّة دون صفاته الثابتة عليه‏ (2) ...» (3).

[1] أي العقلاء يذمّون مثل هذا العبد على خبث باطنه، لا على فعل شرب الماء المقطوع خمريّته مثلا، و بعبارة اخرى: المذمّة على المنكشف أي صفة الشقاوة لا على الكاشف- أي الفعل المتجرّى به-.

[2] الضمير المنصوب يعود إلى «قبح التجرّي» و المجرور يعود إلى «الموصول» المراد منه الفعل المتجرّى به، و لفظة «هنا» إشارة إلى كون المذمّة على المنكشف لا الكاشف، و المراد التشكيك في الدليل الثالث للمشهور بعين التشكيك المتقدّم في الدليل الثاني لهم.

____________

(1) راجع فرائد الاصول 1: 48.

(2) أي صفاته الباطنيّة.

(3) أوثق الوسائل: 28.

170

و الحاصل: أنّ الكلام في كون هذا الفعل- الغير المنهيّ عنه واقعا [1]- مبغوضا للمولى من حيث تعلّق اعتقاد المكلّف بكونه مبغوضا، لا في أنّ هذا الفعل- المنهيّ عنه باعتقاده ظاهرا- ينبئ عن سوء سريرة العبد [2] مع سيّده و كونه [3] في مقام الطغيان و المعصية؛ فإنّ هذا غير منكر في المقام، لكن لا يجدي [4] في كون الفعل محرّما شرعيّا؛ ...

____________

[1] إشارة إلى الماء الذي شربه المتجرّي بزعم أنّه خمر، و قد عرفت أنّ المشهور ادّعى حرمته و مبغوضيّته عند المولى باعتبار تعلّق القطع و اعتقاد القاطع بالحرمة و المبغوضيّة، و هذا قد أبطله المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه)، حيث قال: «لوضوح أنّ العلم بخمريّة ماء و تعلّق الإحراز به لا يوجب انقلاب الماء عمّا هو عليه و صيرورته قبيحا ...» (1).

[2] إشارة إلى نفي الخلاف في القبح الفاعليّ، و بعبارة اخرى: الخلاف في ما نحن فيه إنّما هو في القبح الفعليّ الذي ادّعاه المشهور و نفاه غيرهم، و أمّا القبح الفاعليّ فلا خلاف فيه أصلا بل هو أمر مسلّم جدّا، و إليه أشار بقوله (رحمه اللّه): «فإنّ هذا غير منكر في المقام‏ (2) ...».

[3] عطف على لفظة «سوء» يعني ينبئ الفعل المتجرّى به عن كون العبد جريئا على الطغيان و عازما على العصيان.

[4] أي لا ينفع، و هذا إشارة إلى عدم إجداء ذمّ العبد في صيرورة الفعل محرّما

____________

(1) فوائد الاصول 3: 41.

(2) أي في مقام التجرّي.

171

لأنّ استحقاق المذمّة على ما [1] كشف عنه الفعل لا يوجب استحقاقه على نفس الفعل، و من المعلوم أنّ الحكم العقليّ باستحقاق الذمّ إنّما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلّق بالفعل، لا بالفاعل [2].

و أمّا ما ذكر من الدليل العقليّ، فنلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع؛ لأنّه عصى اختيارا، دون من لم يصادف [3].

____________

شرعيّا واقعيّا، و الوجه فيه ما أشار إليه المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) آنفا من أنّه: «لا يوجب انقلاب الماء عمّا هو عليه و صيرورته قبيحا ...».

و الحاصل: أنّ استحقاق المذمّة من حيث الشقاوة و خبث الباطن لا يلازم استحقاقها لأجل الفعل.

[1] المراد من الموصول خبث الباطن و الضمير المجرور بعده يعود إليه.

[2] توضيح ذلك: أنّ التلازم بين مذمّة المتجرّي في الدنيا و استحقاق عقوبته في الآخرة يختصّ بما إذا تعلّق الذمّ بالفعل، و حيث إنّ الفعل لا مذمّة فيه- على ما هو المفروض في المقام- بل الفاعل هو المذموم، فلا ملازمة بينهما أصلا، و بعبارة اخرى: الذمّ الفعليّ يلازم العقوبة لا الذمّ الفاعليّ، و هو المطلوب.

المناقشة في الاستدلال بالدليل العقليّ‏

[3] وجهه عدم صدق العصيان في حقّ من لم يصادف الحرام (الواقع) بمجرّد شرب الماء، و مراده (رحمه اللّه) التشكيك في الاستدلال بالدليل العقليّ المقرّر بالنفي و الإثبات، و ملخّصه اختيار الشقّ الثالث من الشقوق الأربعة، و هو الالتزام بعقوبة من صادف قطعه الواقع دون من لم يصادفه قطعه، و الوجه فيه أنّ الأوّل يسبّب‏

172

وقوع المعصية في الخارج عن اختيار دون الثاني، كما اعترف به‏ (1) المستدلّ أيضا عند التزامه بالشقّ الأوّل أعني عقوبة كلّ من المصادف و غيره.

و بعبارة اخرى: حيث اعترف المقرّر بقبح إناطة العقاب بأمر غير اختياريّ، فلا بدّ له من أن يعترف بذلك في الفرض الأوّل أيضا؛ لأنّه كالفرض الثالث من حيث الخروج عن الاختيار، و هذا جواب نقضيّ قد غفل عنه المصنّف (رحمه اللّه) و اكتفى بالجواب الحلّيّ.

ثمّ إنّ الجواب الحلّيّ ملخّصه: أنّ عدم العقوبة في الفرض الثالث على أمر غير اختياريّ لا محذور فيه إذا كان مثل شرب الماء، و إنّما المحذور في العقوبة إذا كان هذا الأمر غير اختياريّ مثل شرب الخمر، و هو (2) منتف جدّا بعد كون الفاعل مختارا في فعله، كما لا يخفى.

و بعبارة اخرى: الثابت عند العقل هو قبح العقاب بأمر غير اختياريّ و أمّا عدم العقاب بأمر غير اختياريّ فلا قبح فيه أصلا.

و الحاصل: أوّلا: أنّ محذور عقوبة المصادف للواقع من ناحية إناطتها بأمر غير اختياريّ يرد على المقرّر أيضا بعد كون العقوبة في الفرض الأوّل أيضا فيه محذور إناطة العقوبة بأمر غير اختياري كالفرض الثالث بعينه.

و ثانيا: عدم الاختيار لا يصدق بالنسبة إلى المصادف بعد صدور نفس الفعل عنه اختيارا الموجب لتحقّق المعصية خارجا، على ما هو مقتضى قاعدة:

____________

(1) أي بوقوع المعصية.

(2) أي محذور العقوبة.

173

و قولك [1]: إنّ التفاوت بالاستحقاق و العدم لا يحسن أن يناط [2] بما هو خارج عن الاختيار [3]، ممنوع؛ فإنّ العقاب بما لا يرجع بالأخرة إلى الاختيار قبيح،

____________

«الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» (1) و هذا هو السرّ في عقوبة من ألقى نفسه من شاهق الجبل، و التفصيل في محلّه، و ملخّصه: أنّ من ألقى نفسه من شاهق الجبل باختياره و مات، يذمّه العقلاء، و يعاقب في الآخرة قطعا، فإنّ زهوق روحه و موته و إن لم يكن باختياره واقعا إلّا أنّ مجرّد كون بعض المقدّمات- كالصعود و الإلقاء مثلا- أمرا اختيارا يصحّح العقوبة عقلا؛ لأنّه صار بلا اختيار باختياره، و من المعلوم أنّ هذا لا ينافي الاختيار عقابا.

و لذا قال المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه): «و يكفي في كون الفعل اختياريّا انتهاؤه إلى مقدّمة اختياريّة؛ ضرورة أنّه لا يشترط في اختياريّة الفعل كون جميع مقدّماته اختياريّة، و إلّا فلا يكاد يوجد فعل اختياريّ ...» (2).

[1] هذا مبتدأ خبره قوله (رحمه اللّه): «ممنوع»، و جاءت لفظة «و قولك» في بعض النسخ بلا «واو» (3) و الأولى وجودها، كما لا يخفى.

[2] الضمير المرفوع المستتر في الفعل المجهول يعود إلى «التفاوت»، فلا تغفل.

و لا يخفى أنّ جملة: «أن يناط» بعد تأويلها بالمصدر (4) فاعل قوله: «لا يحسن».

[3] هذا مقول القول و إشارة إلى الاستدلال الأخير من المقرّر للدليل العقليّ،

____________

(1) راجع الصفحة 161، الهامش 4.

(2) حاشية فرائد الاصول: 42.

(3) انظر الرسائل المحشّى: 5.

(4) أي الإناطة.

174

إلّا أنّ عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم [1]؛ ....

____________

أعني إناطة العقوبة بأمر غير اختياريّ و هو مصادفة الواقع، و ملخّص كلامه: أنّ التفاوت بين المصادف و غير المصادف باستحقاق الأوّل- أي شارب الخمر- للعقوبة، و بعدم استحقاق الثاني- أي شارب الماء- لها لا يحسن أن يناط هذا التفاوت بأمر خارج عن الاختيار، فانتظر الردّ عليه.

تقريب الردّ على الدليل العقليّ‏

[1] الأولى بل الصواب أن يقال: «و أمّا عدم العقاب»، و بكلامه هذا شرع (رحمه اللّه) في تقريب الردّ على الاستدلال المذكور، و ملخّصه: أنّ القبيح عبارة عن ترتّب العقوبة على أمر غير اختياريّ محض، الغير المنتهى إلى الاختيار أصلا كشرب الخمر مجبورا و مكرها، و أمّا شارب الخمر الواقعيّ القاطع بالخمريّة، فلا قبح في عقوبته بعد صدور الشرب منه عن اختيار.

و قوله: «غير معلوم» هو من باب المماشاة مع الخصم و إلّا فالحقّ أنّه معلوم العدم.

ثمّ اعلم أنّ هنا صورا أربعا، أشار المصنّف (رحمه اللّه) إلى صورتين منها، و إليك بجميع الصور الأربع:

إحداها: الفعل القبيح الاختياريّ؛ كشرب الخمر مثلا عن عمد و اختيار، و هذا لا شكّ في جواز عقوبته.

و ثانيها: الفعل القبيح الغير الاختياريّ؛ كشرب الخمر مثلا عن إكراه و إجبار، و هذا لا شكّ في قبح عقوبته.

175

و ثالثها: الفعل الغير القبيح الاختياريّ؛ كشرب الماء مثلا عن اختيار و إرادة، و هذا أيضا لا شكّ في قبح عقوبته.

و رابعها: الفعل الغير القبيح الغير الاختياري؛ كشرب مائع اختيارا بزعم الخمريّة، فيظهر كونه ماء بلا اختيار.

و المستفاد من مجموع كلام المصنّف (رحمه اللّه) هو خصوص الصورة الاولى و الرابعة، فلا تغفل.

اعلم أنّ مورد البحث منها- من حيث الحرمة و عدمها و من حيث ترتّب العقوبة عليها و عدمه- هو خصوص الصورة الرابعة؛ لأنّها التي حكم الفاضل السبزواريّ بحرمتها و ترتّب العقوبة عليها بالتقريب المتقدّم منه، خلافا للمصنّف (رحمه اللّه) المنكر لذلك رأسا، و ادّعى استحقاق المتجرّي للمذمّة فقط لا غير.

و بالجملة، الفرق بين شارب الخمر الواقعيّ بأن يعاقب، و شارب الماء الواقعيّ بأن لا يعاقب، لا قبح فيه أصلا.

أمّا الأوّل- أعني عقوبة شارب الخمر- فلصدق الاختيار فيه بعد كون بعض مقدّماته اختياريّا و هو تحقّق الشرب خارجا.

و أمّا الثاني- أعني عدم عقوبة شارب الماء- فلأنّه و إن لم يصدق عليه الاختيار لكنّه حيث لم يقبح الفعل ذاتا فيقبح عقوبته، و كلّ ذلك قد أوضحه بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) مفصّلا (1).

____________

(1) راجع قلائد الفرائد 1: 56 عند قوله (رحمه اللّه): «أقول: ما يتصوّر في حقّ من صادف قطعه الواقع إنّما هو امور: ...».

176

كما يشهد به الأخبار [1] الواردة في أنّ: من سنّ سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، و من سنّ سنّة سيّئة كان له مثل وزر من عمل بها.

____________

النصوص الدالّة على الفرق بين المصادف و غيره‏

[1] أي يشهد به الأخبار الدالّة على التفاوت. قال المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه):

«قوله (رحمه اللّه): [كما يشهد به الأخبار ...] أقول: أي يشهد بمنع عدم التفاوت؛ يعني يشهد بالتفاوت الأخبار الواردة ...» (1).

ملخّص الاستشهاد المذكور: أنّ مجرّد صدور الفعل عن اختيار يكفي في ترتّب آثاره المتفرّعة عليه- و لو مع خروج تلك الآثار عن تحت الاختيار- و هذا يستفاد من الأخبار المتواترة بوضوح.

و تلك الأخبار وردت بعناوين مختلفة متفاوتة، ينبغي نقل بعض منها.

فمنها: قال العالم (عليه السّلام)(2): «من استنّ بسنّة حسنة، فله أجرها و أجر من عمل بها من غير أن ينقص من اجورهم شي‏ء، و من استنّ بسنّة سيّئة، فعليه وزرها و وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شي‏ء» (3).

أقول: تأمّل في لطافة كلام المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه) الظاهر في أنّ نفي النفي- أي‏

____________

(1) حاشية فرائد الاصول: 42.

(2) يعني موسى بن جعفر (عليهما السّلام).

(3) بحار الأنوار 2: 24، كتاب العلم، باب 8، الحديث 75. أقول: توهّم تنافي الفقرة الأخيرة من الحديث مع قوله تعالى: لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ (الأنعام: 164) مدفوع بأنّ استنان السيّئة حيث وقع بفعله الاختياريّ، فيعدّ من مصاديق ترتّب العقوبة على أمر اختياريّ، فيترتّب عليه العقوبة حيث يوجد العمل بها من أيّ شخص كان، فافهم.

177

فإذا فرضنا أنّ شخصين سنّا سنّة حسنة أو سيّئة، و اتّفق كثرة العامل بإحداهما و قلّة العامل بما سنّه الآخر، فإنّ مقتضى الروايات كون ثواب الأوّل أو عقابه أعظم، و قد اشتهر: «أنّ للمصيب أجرين و للمخطئ أجرا واحدا» [1] ...

____________

منع عدم التفاوت- يفيد الإثبات- أي التفاوت-.

و منها: عن أبي جعفر الباقر (عليه السّلام)، قال: «من علّم باب هدى، كان له أجر من عمل به، و لا ينقص اولئك من اجورهم، و من علّم باب ضلال كان عليه مثل وزر من عمل به، و لا ينقص اولئك من أوزارهم» (1).

و منها: عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من سنّ سنّة حسنه، فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شي‏ء» (2).

[1] يفهم من كلام المصنّف (رحمه اللّه): «و قد اشتهر» أنّه لم يطّلع فيه على رواية، لكنّ المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) قد اطلع عليها و نقلها في القوانين مرسلة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و قال (رحمه اللّه): «ورد عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: [إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، و إن أخطأ فله أجر واحد] ...» (3).

و الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائيّ (رحمه اللّه) قال في عوالي اللآلي: «و روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: من اجتهد و أصاب فله حسنتان، و من اجتهد و أخطأ فله حسنة» (4).

و هذا المضمون ذكره أيضا المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) بغير عنوان الحديث و قال (رحمه اللّه):

____________

(1) المحاسن للبرقيّ (1- 2): 27، الحديث 9.

(2) وسائل الشيعة 11: 16، الباب 5 من أبواب جهاد العدوّ و ما يناسبه، الحديث الأوّل.

(3) قوانين الاصول 2: 216، مبحث الاجتهاد و التقليد.

(4) عوالي اللآلي 4: 63، الحديث 16.

178

و الأخبار في أمثال ذلك [1] في طرف الثواب [2] ....

____________

«المجتهد بعد استفراغ الوسع قد يصيب، و قد يخطئ؛ و المخطئ مصاب؛ لبذل جهده، و خطأه مغتفر، و للمصيب أجران: أحدهما لإصابته، و الآخر لاجتهاده ...» (1).

اعلم أنّ اشتهار هذا الحديث بين العامّة أكثر من اشتهاره بين الإماميّة (رضوان اللّه عليهم).

و قد أورده عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أكثر أصحاب الصحاح و المسانيد كالبخاريّ و مسلم في صحيحيهما و أحمد في مسنده و غيرهم‏ (2).

[1] أي في ترتّب الثواب و العقاب على أمر غير اختياريّ.

[2] إشارة إلى أخبار كثيرة دالّة على ترتّب الثواب على أمر غير اختياريّ.

منها: ما دلّ على أنّ ثواب إمام الجماعة إذا كثر المأمومون به أكثر من إمام قلّ المقتدون به‏ (3).

و منها: ما دلّ على وصول مثل أجر عمل الولد الصالح لوالده، دون من لم يكن له ولد صالح‏ (4).

و منها: ما دلّ على إفاضة بعض الألطاف الإلهيّة إلى من مات ليلة الجمعة

____________

(1) مرآة العقول 1: 200، ذيل الحديث التاسع عشر.

(2) انظر على سبيل المثال السنن الكبرى 3: 461، كتاب القضاء، الرقم 5918/ 1 و 5920/ 3، و مسند أحمد 5: 222 (4: 198)، الرقم 17320 و 231 (204)، الرقم 17360.

(3) انظر مستدرك الوسائل 6: 443، الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3.

(4) انظر الكافي 6: 7، باب فضل الولد، الحديث 12.

179

و العقاب [1] بحدّ التواتر.

فالظاهر: أنّ العقل إنّما يحكم بتساويهما في استحقاق المذمّة من حيث شقاوة الفاعل [2] ....

____________

و يومها دون من مات في غيرهما (1)، و غيرها من الأخبار الأخر (2).

[1] و لعلّ هذا بظاهره ينافي رحمته و عدله تبارك و تعالى، فيلزم التصرّف فيه إمّا بحمله على من صدر منه بعض مقدّمات أفعاله الاختياريّة، أو بحمل العقاب على فوت بعض المثوبات و الدرجات العالية (3)، فافهم.

جواب آخر عن الدليل العقليّ‏

[2] هذا ردّ ثان على الدليل العقليّ، و ملخّصه: أنّ تساوي المصادف و غير المصادف في المثال المذكور إنّما هو في خصوص جهة القبح الفاعليّ و سوء سريرتهما

____________

(1) عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّه سئل عن يوم الجمعة و ليلتها، فقال (عليه السّلام):

«... فمن مات يوم الجمعة عارفا بحقّ أهل البيت كتب له براءة من النار و براءة من عذاب القبر، و من مات ليلة الجمعة اعتق من النار». الاختصاص: 130.

(2) مثل ما ورد عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السّلام)، قال: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلّا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته، فهي تجري بعد موته، و سنّة سنّها هدى، فهي تعمل بها بعد موته، و ولد صالح يستغفر له». الأمالي للصدوق: 38، المجلس التاسع، الحديث 7.

(3) أقول: و يشهد على لزوم التصرّف فيه رواية أوردها البرقيّ (رحمه اللّه) في المحاسن عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «من نسي سورة من القرآن مثّلت له في صورة حسنة و درجة رفيعة في الجنّة، فإذا رآها قال: من أنت؟ ما أحسنك! ليتك لي، فتقول: أما تعرفني؟ أنا سورة كذا و كذا، لو لم تنسني لرفعتك إلى هذا المكان». (المحاسن للبرقي (1- 2): 96، الحديث 57).

180

و خبث سريرته مع المولى، لا في استحقاق المذمّة على الفعل المقطوع بكونه معصية.

و ربما يؤيّد ذلك [1]: أنّا نجد من أنفسنا الفرق في مرتبة الذمّ بين من صادف قطعه الواقع و بين من لم يصادف.

____________

و شقاوتهما في قبال مولاهما و أمّا من جهة تحقّق المعصية و القبح الفعليّ فيتفاوتان جدّا، كما قال (رحمه اللّه): «لا في استحقاق المذمّة على الفعل المقطوع بكونه معصية ....».

[1] لفظة «ذلك» إشارة إلى التفاوت بين المصادف و غيره في استحقاق المذمّة و عدمه، و قد أحال (رحمه اللّه) الأمر إلى الوجدان السليم الحاكم بالتفاوت بينهما قطعا.

و توضيحه: أنّه لو أراد زيد و عمرو مثلا قتل ابن بكر ثمّ تحقّق القتل خارجا بيد عمرو، فإنّ بكرا و إن يذمّ كليهما لتشفّي قلبه إلّا أنّ ذمّه عمروا أشدّ منه بالنسبة إلى زيد، و لا نعني من التفاوت إلّا هذا.

قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «أقول: إنّ هذا استشهاد رابع، و تقريره: أنّا إذا راجعنا وجداننا نجد أنّ ذمّ من صادف قطعه أزيد من ذمّ الآخر، و ليس هذا إلّا من جهة أمر غير اختياريّ؛ فعدم المذمّة بالقدر الزائد من ذمّ الآخر، ليس إلّا من جهة أمر غير اختياريّ. و القول: بأنّ هذا اعتراف منك بأنّ من لم يصادف قطعه الواقع يكون مذموما عند العقلاء، غايته أنّه يكون أقلّ مذمّة ممّن صادف مدفوع: بأنّ الذمّ غير منكر عند العقلاء، لكنّه من جهة خبث الفاعل لا الفعل حتّى يستلزم العقاب ...» (1).

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 62.

181

إلّا أن يقال [1]: إنّ ذلك [2] إنّما هو في المبغوضات العقلائيّة؛ من حيث إنّ زيادة العقاب من المولى و تأكّد الذمّ من العقلاء بالنسبة إلى من صادف اعتقاده الواقع لأجل التشفّي، المستحيل في حقّ الحكيم تعالى، فتأمّل [3].

____________

[1] و كأنّ هذا إيراد و إنكار من قبل المقرّر لجهة التشكيك في المثال المذكور بتقريب أنّ التشفّي يكون علّة للفرق بين المصادف و غيره في المثال بكون الذمّ المتوجّه لأحدهما أشدّ من الذمّ المتوجّه إلى الآخر، و هذا مستحيل في حقّه تعالى، فلا يمكن الفرق بينهما بالنسبة إلى أحكام اللّه تبارك و تعالى، كما إذا شربا المقطوع الخمريّة مثلا، و هو المطلوب.

[2] أي الفرق في مرتبة الذمّ بين المصادف و غيره.

[3] قال المحقّق الهمدانيّ (قدّس سرّه): «قوله (رحمه اللّه): [فتأمّل‏] أقول: و لعلّه إشارة إلى أنّا نرى ذلك و لو بعد تخلية الذهن، أو بالنظر إلى حال الغير الذي لا مدخليّة له بعملها أصلا، بل نرى في أنفسنا أنّه لو ارتكب شخص معصية، فعرضه الندامة عليها، ثمّ انكشف له عدم كون ما ارتكبه حراما في الواقع، لسرّه ذلك و رأى أمره أهون ممّا لو كان حراما في الواقع، فليتدبّر» (1).

و قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «قوله (رحمه اللّه): [فتأمّل‏] أقول: لعلّه إشارة إلى أنّه لو اغمض النظر عن جهة التشفّي و الغرض الخارجيّ، و سيق النظر إلى الاستحقاق من حيث المخالفة، فمع ذلك نجد في أنفسنا الفرق بينهما في مرتبة الذمّ» (2).

____________

(1) حاشية فرائد الاصول: 43.

(2) قلائد الفرائد 1: 65.

182

هذا، و قد يظهر من بعض المعاصرين: التفصيل [1] في صورة القطع بتحريم شي‏ء غير محرّم واقعا، فرجّح استحقاق العقاب بفعله، ....

____________

تفصيل صاحب الفصول في المسألة

[1] إشارة إلى القول الخامس في المسألة، و هو التفصيل بين موارد التجرّي، و القائل به صاحب الفصول (قدّس سرّه) في مبحث الاجتهاد و التقليد، فصل معذوريّة الجاهل‏ (1).

اعلم أنّ صاحب الفصول (رحمه اللّه) قد ادّعى في المقام ثلاثة امور ذكرها المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) و أجاب عنها مفصّلا، فإنّه قال في مطاوي كلماته المفصّلة: «الثاني:

ذكر صاحب الفصول أنّ قبح التجرّي يختلف بالوجوه و الاعتبار، و ربّما يطرأ عليه ما يخرجه عن القبح، كما إذا علم بحرمة ما يكون في الواقع واجبا و كان مصلحة الوجوب غالبة على مفسدة التجرّي أو مساوية، و على هذا يختلف التجرّي حسنا و قبحا شدّة و ضعفا باختلاف الفعل المتجرّى به، ثمّ ذكر أنّ التجرّي لو صادف المعصية الحقيقيّة يتداخل عقابه مع عقاب المعصية و لا يتعدّد عقابه، هذا. و لكن لا يخفى عليك أنّه لا يستقيم شي‏ء ممّا ذكره، أمّا في دعواه الاولى: من كون قبح التجرّي يختلف بالوجوه و الاعتبار، ففيها- إلى أن قال-: و أمّا في دعواه الثانية: من أنّ العلم بحرمة ما يكون واجبا مغيّر لجهة قبح التجرّي، ففيها- إلى أن قال-: و أمّا ما في دعواه الثالثة: من أنّ التجرّي لو صادف المعصية يتداخل عقابه، ففيها ...» (2).

____________

(1) الفصول الغرويّة: 431 عند قوله (رحمه اللّه): «... فإنّ قبح التجرّي ليس عندنا ذاتيّا بل يختلف بالوجوه و الاعتبار ...».

(2) فوائد الاصول 3: 54 و 55.

183

أقول: ملخّص كلام صاحب الفصول: أنّ التجرّي مع اقتضائه القبح عقلا قد يتّصف بالحسن لعارض؛ مثل انكشاف كون مقطوع المعصية واجبا توصّليّا (1) واقعا؛ كما إذا اعتقد زيد مثلا بكفر عمرو و حرمة دفنه شرعا، فيدفنه تجرّيا و مخالفة لأمر الشارع ثمّ ينكشف كونه مسلما يجب دفنه.

و في غير هذه الصورة- مثل كون مقطوع المعصية في الواقع واجبا تعبّديّا أو مستحبّا أو حراما أو مكروها أو مباحا- يبقى التجرّي فيها على قبحه بحسب اختلاف مراتبها، فمقطوع المعصية إن كان في الواقع واجبا تعبديّا أو مستحبّا يعاقب المتجرّي على حسب اختلاف مراتب كلّ منهما شدّة و ضعفا، و أيضا إن كان حراما أو مكروها أو مباحا فكذلك يعاقب بحسب اختلاف المراتب فيها شدّة و ضعفا، و وجه كلّ ذلك تحقّق ما يقتضي القبح خارجا بلا عروض مانع عليه.

بخلاف صورة فرض الواقع واجبا توصّليّا، فإنّ تحقّق المصلحة الكائنة في الواجب الغير المشروط بقصد القربة تعارض المقتضي للقبح و يمنع عنه شرعا، بحيث قد ينتفي معه العقوبة قطعا، و سيجي‏ء توضيح ذلك كلّه بذكر الأمثلة له.

و بالجملة، فيختصّ التجرّي الغير القبيح عند صاحب الفصول (رحمه اللّه) بمورد واحد؛ كما في الصورة الأخيرة و أمّا غيرها- كسائر الصور المذكورة إجمالا- فيبقى على قبحه، و هذا يكفي في صدق الاختلاف بالوجه و الاعتبار.

____________

(1) الذي يكون المطلوب فيه صرف الوجود، في قبال الواجب التعبّديّ المشروط تحقّقه بقصد القربة. راجع كفاية الاصول: 72.

184

إلّا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة [1]، فإنّه لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه مطلقا [2] أو في بعض الموارد [3]؛ نظرا إلى معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة؛ ...

____________

[1] إشارة إلى الواجب التوصّليّ الذي حكم صاحب الفصول (رحمه اللّه) بعدم قبح التجرّي فيه، كما سيوضح في ضمن بعض الأمثلة الآتية.

[2] أي لا فرق في المصلحة الموجودة في الحكم الواقعيّ بين كونها أقوى من مفسدة التجرّي، أو مساوية لها، أو أضعف منها. و كأنّه قال: التجرّي في مورد الواجب التوصّليّ لا عقوبة عليه، سواء تكون مصلحة الواقع أهمّ و أقوى من مفسدة التجرّي أو مساوية لها أو أضعف منها.

[3] إشارة إلى خصوص فرض كون مصلحة الواقع أقوى من مفسدة التجرّي، و لذا قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «و المراد بقوله: [في بعض الموارد] ما إذا كان جهة مصلحة الواجب أقوى من جهة المفسدة في التجرّي؛ فإنّه حينئذ يحكم بعدم قبحه و رفع العقاب عنه، بخلاف ما إذا كان جهة المفسدة في التجرّي أقوى، فإنّه حينئذ يحكم بقبحه، و المراد بقوله: [معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة] إنّما هو معارضة المصلحة الواقعيّة الكامنة في الواجب، للمفسدة (1) التي حصلت من طرف التجرّي ...» (2).

____________

(1) الجارّ يتعلّق ب «المعارضة».

(2) قلائد الفرائد 1: 65 و 66.

185

فإنّ قبح التجرّي عندنا ليس ذاتيّا [1]، بل يختلف بالوجوه و الاعتبار.

____________

وجوه اتّصاف الأفعال بالحسن و القبح‏

[1] تعليل لقوله (رحمه اللّه): «لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه ...» إلّا أنّ توضيحه يحتاج إلى مقدّمة موجزة، و هي: أنّ الأفعال الصادرة عن الفاعل خارجا على وجوه ثلاثة؛ لأنّها تارة تكون علّة تامّة للحسن و القبح، كالظلم و الإحسان، و الإطاعة و العصيان، فإنّها تتّصف بالحسن و القبح ذاتا بحيث لا يتصوّر مورد أصلا يتحقّق فيه هذه العناوين بلا اتّصافها بالحسن و القبح، كما هو شأن جميع العلل التامّة بالنسبة إلى معلولاتها، و هذا معنى قولهم: «إنّ ذاتيّ الشي‏ء لا ينفكّ عنه» (1) كالزوجيّة للأربعة، و الحرارة للشمس، و الحيوانيّة للإنسان، و هكذا الذاتيّات الأخر.

و اخرى تكون مقتضية (2) لهما (3) كالصدق و الكذب مثلا، فإنّهما و إن اتّصفا بالحسن و القبح، لكنّ الصدق بمجرّد استلزامه الضرر على مؤمن مثلا يرتفع حسنه و يتّصف بالقبح، كما أنّ الكذب بمجرّد استلزامه النفع و حفظ النفس المحترمة مثلا يرتفع قبحه و يتّصف بالحسن، و لذا ورد في بعض الأخبار: «إنّ اللّه تعالى أحبّ الكذب في الصلاح‏ (4) و أبغض الصدق في الفساد (5)» (6)، و هكذا ضرب اليتيم، فإنّه‏

____________

(1) انظر فوائد الاصول 3: 18، الهامش 1، و نهاية الأفكار 3: 7.

(2) و يعبّر عنه أحيانا بالعلّة الناقصة.

(3) أي للحسن و القبح.

(4) أي إصلاح ذات البين.

(5) أي إفساد ذات البين.

(6) وسائل الشيعة 8: 578، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث الأوّل.

186

مع كونه مقتضيا للقبح بحيث يهتزّ ببكائه أركان العرش- كما هو صريح بعض الروايات‏ (1)- و مع ذلك لا بأس بضربه بعنوان التأديب، و قد ورد عن عليّ (عليه السّلام):

«أدّب اليتيم بما تؤدّب منه ولدك، و اضربه ممّا تضرب منه ولدك» (2).

و ثالثة تكون غير مقتضية لهما، أي لا تتّصف بحسن و لا قبح إلّا باعتبار المنويّ فيها- المعبّر عنها اصطلاحا بالأفعال اللااقتضائيّة-، و هذا له أمثلة كثيرة:

منها: الإقدام على السفر، فإنّه لا حكم له واقعا لا علّة و لا اقتضاء إلّا أنّه إن وقع لصلة الرحم مثلا كان راجحا و إن كان لقطع الرحم مثلا كان قبيحا.

و منها: حفر البئر، فإنّه إن كان بنيّة خدمة الخلق كسقايتهم منه مثلا كان راجحا و إن كان بنيّة إلقائهم فيه كان قبيحا (3).

____________

(1) روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «من مسح يده على رأس يتيم ترحّما له كتب اللّه له بكلّ شعرة مرّت عليه يده حسنة و إن وجدته باكيا فسكّته بلطف و رفق، فإنّه روي عن العالم (عليه السّلام): «أنّه إذا بكى اليتيم اهتزّ له العرش ...». بحار الأنوار 82: 79 و 80، الحديث 16.

(2) الكافي 6: 47، الحديث 8، و المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) بعد نقل هذا الحديث الشريف قال: «ظاهره جواز تأديب اليتيم حسبة». (راجع مرآة العقول 21: 83، ذيل الحديث الثامن).

(3) و منها: عنوان العشق، فإن كان متعلّقه أولياء اللّه كان راجحا، و إن كان أعداء اللّه كان قبيحا.

و منها: القيام، فإنّه لا حكم له ذاتا إلّا أنّه إن قصد به الاحترام لمسلم مثلا كان حسنا و إن قصد به الإهانة عليه كان قبيحا، و لذا يقال: الاحترام و الإهانة من العناوين القصديّة قبال عنوان الأكل و الشرب مثلا فإنّهما يتحقّقان و لو مع عدم القصد لهما، و التفصيل في محلّه. انظر على سبيل المثال فوائد الاصول (1- 2): 288.

187

فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافر واجب القتل [1]، فحسب أنّه ذلك الكافر و تجرّى فلم يقتله [2]، فإنّه لا يستحقّ الذمّ على هذا الفعل [3] عقلا عند من انكشف له الواقع، و إن كان معذورا لو فعل [4].

____________

العنوان الطارئ على قبح التجرّي عند صاحب الفصول‏

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ التجرّي عند المشهور هو من قبيل القسم الأوّل، و لذا حكموا بحرمته و قبحه مطلقا، و أمّا عند صاحب الفصول (رحمه اللّه) فهو من قبيل القسم الثاني‏ (1)، و هذا معنى الاختلاف بالوجه و الاعتبار (2).

[1] شرع (رحمه اللّه) في ذكر أمثلة كون مقطوع المعصية هو الواجب التوصّليّ، و إثبات أنّ قبح التجرّي ليس ذاتيّا، بل قد يكون قبيحا و قد لا يكون.

[2] بل حفظه شديدا بزعم أنّه كافر، و مع ذلك لا يذمّه العقلاء بعد انكشاف الواقع، و هو أقوى شاهد على أنّ قبح التجرّي ليس ذاتيّا، بل قبحه بالوجه و الاعتبار.

[3] أي الفعل المتجرّى به.

[4] و وجهه حجّيّة القطع ذاتا و تجب متابعته عقلا.

____________

(1) أقول: إنّ بعضا من المحشّين قد ادّعى أنّ التجرّي عند صاحب الفصول (رحمه اللّه) من قبيل القسم الثالث، و أصرّ على ذلك، لكنّه ستعرف إبطاله بذكر بعض الشواهد. انظر الصفحة 196، عند قولنا: «... و الشاهد عليه اعترافه (رحمه اللّه) صريحا بقبحه ...».

(2) أي قد يكون قبيحا و قد لا يكون.

188

و أظهر من ذلك: ما لو جزم بوجوب قتل نبيّ أو وصيّ، فتجرّى [1] و لم يقتله.

أ لا ترى [2]: أنّ المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدوّ له، فصادف العبد ابنه و زعمه ذلك العدوّ فتجرّى و لم يقتله، أنّ المولى إذا اطّلع على حاله لا يذمّه على هذا التجرّي، بل يرضى به و إن كان معذورا لو فعل. و كذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوّه [3]، فأدّى الطريق إلى تعيين ابنه فتجرّى و لم يفعل.

و هذا الاحتمال [4] حيث يتحقّق عند المتجرّي لا يجديه إن لم يصادف الواقع؛

____________

[1] إشارة إلى شاهد آخر لإثبات عدم قبح التجرّي و عدم استحقاق المتجرّي العقوبة، و وجه الأظهريّة كون الواجب التوصّليّ هنا أقوى مناطا عن الواجب التوصّليّ في المثال المتقدّم، و هو واضح ظاهر جدّا.

[2] هذا الفعل له مفعولان: أحدهما جملة: «أنّ المولى الحكيم ...» و ثانيهما جملة: «أنّ المولى إذا اطّلع ...».

[3] أي و كذلك لا يقبح التجرّي و لا يذمّ المتجرّي عند ما يوظّفه مولاه بمتابعة شهادة عدلين مثلا في معرفة عدوّه، فإنّ العبد بمجرّد انطباق شهادتهما على العدوّ و إن وجب عليه الامتثال و الإقدام بقتل المشهود به- كما هو شأن جميع الطرق المنصوبة من قبل المولى- لكنّه إذا تجرّى و لم يقتله و اتّفق مصادفته لابن مولاه واقعا لا يذمّه أحد، بل يرضى عنه المولى قطعا، و لا نعني من غلبة المصلحة الواقعيّة على المفسدة الظاهريّة إلّا هذا.

[4] يعني احتمال الخطأ، أي احتمال مخالفة الطريق المنصوب الواقع و عدم إصابته إيّاه.

189

لا يخفى أنّ الضمير المرفوع في الفعلين المذكورين- أي «لا يجديه» و «لم يصادف»- يعود إلى «احتمال الخطأ» و الضمير المنصوب البارز في الفعل الأوّل يعود إلى «المتجرّي».

اعلم أنّ كلامه (رحمه اللّه) هذا جواب عن إشكال مقدّر يرد على صاحب الفصول (رحمه اللّه).

ملخّص الإشكال: أنّ لازم كلامه (رحمه اللّه) جواز مخالفة الطرق المعتبرة المنصوبة من قبل المولى استنادا إلى احتمال الخطأ و احتمال مخالفتها الواقع، ففي صورة إخبار الثقة عن وجوب صلاة الجمعة مثلا يجوز للمكلّف مخالفته عقلا و ترك الواجب المخبر به رأسا استنادا إلى احتمال الخطأ، مع أنّه لا يجوز له ذلك قطعا، كما لا يخفى.

و ملخّص الجواب: أنّ قياس المثال المذكور- أي ترك قتل العدوّ المشهود به- بوجوب صلاة الجمعة الذي أخبر عنه الثقة باطل، لكونه قياسا مع الفارق؛ لإمكان كشف الخلاف في الأوّل‏ (1) و عدمه في الثاني‏ (2)؛ لأنّ كشف الخلاف و عدمه فيه‏ (3) لا يحصل إلّا في الآخرة.

و بعبارة اخرى: كأنّ صاحب الفصول (رحمه اللّه) في مقام دفع الإشكال قال: إنّا و إن سلّمنا ذاك اللّازم- أي جواز مخالفة الطرق المعتبرة- لكنّه إنّما يجدي في خصوص صورة مصادفة ذلك الاحتمال الواقع؛ كصورة انكشاف الحال و إمكان ظهور كون الفعل المتجرّى به واجبا واقعا، كالمثال الأوّل، و أمّا في صورة عدم‏

____________

(1) أي ترك القتل.

(2) أي ترك الجمعة.

(3) أي في الثاني.

190

و لذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب؛ لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب، بخلاف ما لو ترك العمل به، فإنّ المظنون فيه عدمها [1].

و من هنا [2] يظهر: أنّ التجرّي على الحرام في المكروهات الواقعيّة أشدّ منه في مباحاتها، و هو فيها أشدّ منه في مندوباتها [3]، ...

____________

مصادفته الواقع بمجرّد احتمال الخطأ فيه كالمثال الثاني، فلا يجدي احتمال الخطأ للمتجرّي أصلا، و هذا هو السرّ في إيجاب العقل الأخذ بالطرق المنصوبة من قبل المولى؛ لما فيه من السلامة عن العقوبة و الأمن منها قطعا سواء صادف الواقع أم لم يصادفه و قد أشار (رحمه اللّه) إليه بقوله: «و لذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب ...».

و علم بعد ذلك كلّه أنّ عدم قبح التجرّي في صورة مخالفة الطريق المنصوب هو لأجل المصلحة الواقعيّة- كصورة مخالفة القطع- لا لأجل احتمال الخطأ، و إلّا فعدم قبحه مطلقا ثابت حتّى في صورة عدم المصادفة.

[1] أي المظنون في الترك، عدم السلامة من العقاب.

[2] أي من أنّ قبح التجرّي عندنا ليس ذاتيّا بل يختلف بالوجوه و الاعتبار.

[3] الضمير المذكّر مرفوعا و مجرورا يعود إلى «التجرّي» و أمّا الضمائر المؤنّثة المجرورة، فالأوّل و الثالث منها يعودان إلى «الواقعيّة»، و الثاني منها يعود إلى «المباحات»، فلا تغفل.

ترتّب العقوبة على التجرّي و عروض الجهة المحسّنة الغالبة على قبحه‏

اعلم أنّ ارتكاب المقطوع الحرمة عند صاحب الفصول (رحمه اللّه) يترتّب عليه العقوبة بنحو أشدّ في موضعين:

191

أحدهما: عند انكشاف الحرمة واقعا كشرب الخمر الواقعيّ المقطوعة حرمتها ظاهرا.

و ثانيهما: عند انكشاف الوجوب التعبّديّ واقعا، كالإتيان بصلاة الجمعة مثلا الواجبة واقعا مع القطع بحرمته ظاهرا.

أمّا الأوّل، فوجهه واضح، و هو تحقّق الحرام واقعا في الخارج.

و أمّا الثاني، فوجهه عدم إمكان تمشّي قصد التقرّب منه فيها بخلاف صورة انكشاف الوجوب التوصّليّ؛ كما إذا قطع بكون شخص عدوّ المولى فصادف أنّه كان ابنه، فإنّ التجرّي فيه- كما عرفت آنفا- لا يحرم و لا يترتّب عليه العقوبة بعد عروض الجهة المحسّنة الغالبة على قبح التجرّي‏ (1).

إذا عرفت ذلك كلّه، فاعلم أنّ ارتكاب المقطوع الحرمة عند انكشاف كراهته واقعا كأكل الطعام جنبا، يترتّب عليه العقوبة عند صاحب الفصول (رحمه اللّه)، و الوجه فيه تأكّد قبح التجرّي حينئذ بالكراهة الواقعيّة بحيث يصحّح به عقوبة المرتكب له، لكنّه مع التخفيف بدرجة بالنسبة إلى منكشف الحرمة واقعا، كما أنّ في صورة انكشاف إباحته واقعا كشرب الماء الواقعيّ مثلا المقطوع خمريّته ظاهرا، يترتّب عليه أيضا العقوبة عنده لكنّه مع التخفيف بدرجتين بالنسبة إليه‏ (2)، كما أنّ في صورة انكشاف استحبابه واقعا كالتختّم باليمين و كأكل الرمّان يوم الجمعة مثلا بعد

____________

(1) راجع الفصول الغرويّة: 431 و 432.

(2) أي منكشف الحرمة.

192

و يختلف [1] باختلافها [2] ضعفا و شدّة كالمكروهات [3]، ...

____________

الاعتقاد بحرمتهما شرعا، يترتّب أيضا عليه العقوبة لكنّه مع التخفيف بدرجات بالنسبة إليه، و هذا معنى كون التجرّي أشدّ في المكروهات منه بالنسبة إلى المباحات و كونها أشدّ منه بالنسبة إلى المستحبّات.

و بعبارة اخرى: التجرّي في المستحبّات أخفّ من التجرّي في المباحات و التجرّي فيها هي أخفّ من التجرّي في المكروهات.

و ملخّص الكلام في المقام: أنّ عروض الجهة المحسّنة الموجبة لتغيّر قبح التجرّي قد اختصّ عند صاحب الفصول (رحمه اللّه) بصورة انكشاف الواجب التوصّليّ، كالأمثلة المذكورة في المتن، و أمّا في غير تلك الصورة كالأمثلة المذكورة في الشرح فقبح التجرّي فيها باق بحاله، و عليه فالصورة الاولى لا قبح و لا عقوبة للتجرّي فيها أصلا، و أمّا في غيرها فيعاقب المتجرّي شديدا في موضعين، و ضعيفا في مواضع ثلاثة، و لا نعني من الوجوه و الاعتبار إلّا هذا.

[1] أي قبح التجرّي.

[2] أي باختلاف مراتب المندوبات.

اختلاف مراتب العقوبة الحاصلة من التجرّي‏

[3] أي اختلاف مراتب المكروهات من حيث التأكّد و عدمه كاختلاف مراتب المندوبات، و المقصود أنّ في صورة انكشاف كون الفعل المتجرّى به مستحبّا مؤكّدا لا يبعد تأثيره في تخفيف العقوبة أكثر بالنسبة إلى صورة ظهوره‏

193

و يمكن أن يراعى في الواجبات الواقعيّة ما هو الأقوى [1] من جهاته [2] و جهات التجرّي. انتهى كلامه، رفع مقامه.

____________

مستحبّا غير مؤكّد، و هكذا المكروهات المؤكّدة و غيرها، و بعبارة اخرى: إنّ الكراهة الشديدة توجب زيادة قبح التجرّي و أنّ المستحب المؤكّد يوجب ضعف قبحه.

[1] لا يذهب عليك أنّ هذا توضيح و تفصيل لقوله آنفا: «مطلقا أو في بعض الموارد ...».

و بعبارة اخرى: إنّ صاحب الفصول (رحمه اللّه) قد فصّل هنا بين الأمثلة المتقدّمة، بحيث سلّم عدم استحقاق العقوبة في خصوص صورة ترك قتل النبيّ أو الوصيّ (عليهما السّلام)؛ بل يتّصف بالحسن جدّا لكون مصلحته أقوى من قبح التجرّي واقعا، و أمّا في غيره كترك قتل ابن المولى مثلا فلا يسلّم ذلك بعد احتمال كون مفسدة التجرّي أقوى منه، و عليه فيعاقب فيه المتجرّي و لو يسيرا (1)، و لا نعني من إمكان رعاية ما هو الأقوى إلّا هذا.

[2] الضمير يعود إلى «الواقع» و يحتمل عوده إلى «الواجب» و الأمر سهل؛ بعد وضوح الفرق بين المثالين المذكورين.

و بالجملة، فبعد إمكان ملاحظة مراتب المكروهات و المندوبات شدّة و ضعفا بالتقريب المتقدّم ينبغي أيضا ملاحظة تلك المراتب في الواجبات الواقعيّة التوصّليّة من حيث كون المناط فيها أقوى من مناط التجرّي.

و بعبارة اخرى: كما أنّ التجرّي المستلزم للعقوبة يجوز فيه رعاية اختلاف المراتب، كذلك التجرّي الغير المستلزم لها أيضا يجوز فيه ذلك، فافهم و تأمّل جيّدا.

____________

(1) انظر الفصول الغرويّة: 431 و 432.

194

أقول: يرد عليه: أوّلا [1]: منع ما ذكره من عدم كون قبح التجرّي ذاتيّا؛ ...

____________

المناقشة في تفصيل صاحب الفصول (رحمه اللّه)

[1] شرع المصنّف (رحمه اللّه) في تقريب الردّ على ما ادّعاه صاحب الفصول من إنكار ذاتيّة قبح التجرّي و ادّعاء أنّه بالوجه و الاعتبار، و ملخّصه: أنّ التجرّي علّة تامّة للقبح بعد كونه من مصاديق الظلم فلا يعرض عليه جهة حسن أصلا كما سيجي‏ء عن قريب، و مع التنزّل فهو مقتض له، فعروض الجهة المحسّنة عليه ممنوع ما دام لم يمنع عنه مصلحة أقوى ملتفتا إليها حتّى يتدارك بها مفسدته، مع أنّ الأمثلة المذكورة في كلام صاحب الفصول (رحمه اللّه) هي ممّا لا يلتفت إليها المتجرّي أصلا كترك قتل المؤمن مثلا.

و بعبارة اخرى: ترك قتل المؤمن الورع العالم بعد اعتقاد المتجرّي بحرمة تركه أمر صدر عنه غفلة و من غير اختيار، و من المعلوم أنّ معه لا يتدارك قبح التجرّي أصلا، و الوجه فيه دخل العلم و الالتفات في باب الحسن و القبح المنتفي في تلك الأمثلة بأجمعها، و لذا قال المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه): «إنّه لا يعقل الاختلاف في قبح التجرّي، فإنّ القبح ذاتيّ له، كقبح المعصية و حسن الطاعة و قبح الظلم و ما شابه ذلك من العناوين التي لا تتغيّر عمّا هي عليها، و ليس كقبح الكذب و حسن الصدق ممّا يمكن أن يطرأ عليه جهة توجب حسن الأوّل، و قبح الثاني- إلى أن قال-: لو سلّمنا اختلاف قبح التجرّي بالوجوه و الاعتبار، و لكن الجهات المغيّرة للحسن و القبح، لا بدّ أن تكون ملتفتا إليها؛ لما تقدّم من أنّ العلم في باب الحسن و القبح‏

195

لأنّ التجرّي على المولى قبيح ذاتا- سواء كان لنفس الفعل أو لكشفه عن كونه جريئا [1]- كالظلم، ...

____________

العقليّ له جهة موضوعيّة، و لا يمكن أن يكون الشي‏ء قبيحا عقلا بلا أن يكون الموجب للقبح ملتفتا إليه، فالكذب الذي يتوقّف عليه إنجاء النبيّ قبيح إذا لم يلتفت إلى التوقّف، و الصدق الموجب لهلاك النبيّ حسن إذا لم يلتفت إلى ذلك، و باب الحسن و القبح غير باب المصلحة و المفسدة التي لا دخل للعلم بها؛ فمجرّد كون الفعل المتجرّى به ذا مصلحة واقعا لا يوجب تغيير قبح التجرّي بعد ما لم تكن المصلحة معلومة ...» (1).

و ملخّص الكلام في المقام: أنّ ترك قتل المؤمن في كلام صاحب الفصول (رحمه اللّه) مع كونه أمرا حسنا واقعا لا يرتفع به قبح التجرّي الواقع في ضمنه؛ إذ الرافع للقبح هو خصوص وجود الجهة المحسّنة العلميّ لا وجودها الواقعيّ، و هذا هو الفارق بين باب الحسن و القبح و باب المصالح و المفاسد، و هذا سيصرّح به المصنّف (رحمه اللّه) عند الردّ عليه بقوله: «و من المعلوم أنّ ترك قتل المؤمن ...».

[1] إشارة إلى قبح التجرّي من ناحية الكاشف و المنكشف، و كأنّه (رحمه اللّه) قال: كما أنّ الانقياد و التذلّل في قبال أوامر المولى و نواهيه حسن ذاتا يمنع عن عروض جهة مقبّحة عليه، كذلك التجرّي فيها أيضا قبيح ذاتا يمنع عن عروض جهة محسّنة عليه، سواء كان قبحه من جهة نفس الفعل الموجب للعقوبة- كما هو مذهب المشهور- أو من جهة خبث السريرة، كما هو مذهب غيرهم كالمصنّف (رحمه اللّه).

____________

(1) فوائد الاصول 3: 54 و 55.

196

بل هو قسم من الظلم، فيمتنع عروض الصفة المحسّنة [1] له، و في مقابله الانقياد للّه سبحانه و تعالى، فإنّه يمتنع أن يعرض له جهة مقبّحة.

و ثانيا: لو سلّم أنّه لا امتناع [2] في أن يعرض له جهة محسّنة، لكنّه باق على قبحه ما لم يعرض له تلك الجهة [3]، و ليس ممّا لا يعرض له في نفسه حسن و لا قبح إلّا بعد ملاحظة ما يتحقّق في ضمنه [4].

____________

[1] وجهه أنّ التجرّي يصدق عليه عنوان الظلم، بل هو هو حقيقة بعد كون الظلم معناه التعدّي عن حدّ الشي‏ء و الخروج عنه عرفا.

[2] الأولى التعبير ب «لا يمتنع» ليشاكل «يمتنع».

[3] الأولى بل الصواب أن يقال: «ما لم يلتفت إلى عروض تلك الجهة» كما في كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه)(1).

[4] كلامه هنا و في ما سيجي‏ء عند قوله: «ليس‏ (2) من قبيل الأفعال التي لا يدرك العقل ...» إشارة إلى الأفعال اللااقتضائيّة، و قد أصرّ بعض بانطباق مذهب صاحب الفصول (رحمه اللّه عليها) (3) اكتفاء بظاهر المتن و قد ذهل عن صريح كلامه (رحمه اللّه) المنطبق على المقتضي، فقوله (رحمه اللّه): «يختلف بالوجوه و الاعتبار» ينطبق على الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة المتقدّمة- أعني كون التجرّي مقتضيا للقبح- لا على الوجه الثالث منها- أعني كونه غير مقتض إيّاه- و الشاهد عليه اعترافه (رحمه اللّه) صريحا

____________

(1) انظر فوائد الاصول 3: 55.

(2) أي التجرّي.

(3) أي على الأفعال اللااقتضائيّة.

197

و بعبارة اخرى: لو سلّمنا عدم كونه علّة تامّة للقبح كالظلم، فلا شكّ في كونه مقتضيا له كالكذب، و ليس من قبيل الأفعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها و لا قبحها [1]، ...

____________

بقبحه حيث قال: «فإنّ قبح التجرّي عندنا ليس ذاتيّا بل يختلف بالوجوه و الاعتبار ...» و الشاهد الآخر قوله (رحمه اللّه): «نظرا إلى معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة»، و هكذا قوله (رحمه اللّه): «في بعض الموارد ...» و قد عرفت توضيحه في السابق نقلا عن حاشية القلائد (1).

و أضف إلى ذلك كلّه كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) المتقدّم ذكره مفصّلا، فإنّه قال:

«الثاني: ذكر صاحب الفصول أنّ قبح التجرّي يختلف بالوجوه و الاعتبار، و ربّما يطرأ عليه ما يخرجه عن القبح، كما إذا علم بحرمة ما يكون في الواقع واجبا و كان مصلحة الوجوب غالبة على مفسدة التجرّي ...» (2).

عدم إدارك العقل اتّصاف الأفعال اللااقتضائيّة بالحسن و القبح‏

[1] فمثل حفر البئر و الإقدام على السفر بما هو هو لا يدرك العقل حسنه و لا قبحه ذاتا، و هكذا سائر الأمثلة اللااقتضائيّة التي تقدّم ذكرها سابقا (3).

____________

(1) راجع قلائد الفرائد 1: 65 و 66، و انظر الصفحة 184، ذيل قولنا: «إشارة إلى خصوص ...».

(2) فوائد الاصول 3: 54.

(3) انظر الصفحة 185- 186، ذيل عنوان «وجوه اتّصاف الأفعال بالحسن و القبح».

198

و حينئذ [1] فيتوقّف ارتفاع قبحه على انضمام جهة يتدارك بها قبحه، كالكذب المتضمّن لإنجاء نبيّ [2].

و من المعلوم أنّ ترك قتل المؤمن بوصف أنّه [3] مؤمن في المثال الذي ذكره [4]- كفعله- ليس من الامور التي تتّصف بحسن أو قبح؛ ...

____________

[1] أي حين كون التجرّي مقتضيا للقبح عقلا و عرفا.

[2] احتراز عن كذب ينجي نبيّا مثلا اتّفاقا و بلا توجّه و اختيار و من دون علم الكاذب بذلك و التفاته إليه، فإنّ التجرّي حينئذ يبقى على قبحه شرعا و لا يتّصف بالحسن أصلا، و هو المطلوب.

[3] الضمير المنصوب يعود إلى «المقتول» أي المقتول بوصف كونه مؤمنا واقعا، و يحتمل عوده إلى «ترك القتل»، فافهم.

[4] الضمير المرفوع المستتر في الفعل يعود إلى «صاحب الفصول (رحمه اللّه)» و الضمير المنصوب يعود إلى «المثال» و مراده ترك القتل الذي أقدم عليه القاطع بالكفر تجرّيا و المقصود أنّ تركه كفعله، و لذا لا وجه لاتّصافه بالحسن لما تقدّم من أنّ محطّ القبح هو خصوص وجود الجهة المحسّنة علما لا واقعا (1) كما أنّه لو فعله عملا بقطعه لا وجه لاتّصافه بالقبح أيضا، و إليه أشار المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «ليس من‏

____________

(1) أقول: إنّ عدم اتّصاف الترك بالحسن، له وجه آخر خاصّ به، و هو أنّ الترك أمر عدميّ و قد تقرّر في محلّه أنّه لا يتّصف بالحسن أو القبح، و إلّا يلزم كون المؤمنين الذين تركوا الزنا و السرقة مثلا بلا التفات إليها متّصفين بفعل الحسنات في كلّ يوم بل في كلّ آن، و التفصيل في محلّه، و ملخّصه: أنّ العدم بما هو هو- أي بما أنّه لا شي‏ء محض- ليس بعلّة و لا معلول و لا بصفة و لا موصوف إلّا أن يؤوّل بالكفّ، فلا تغفل.

199

للجهل بكونه قتل مؤمن؛ و لذا اعترف في كلامه [1] بأنّه لو قتله كان معذورا، فإذا لم يكن هذا الفعل [2] الذي تحقّق التجرّي في ضمنه ممّا يتّصف بحسن أو قبح [3]، لم يؤثّر [4] في اقتضاء ما [5] يقتضي القبح، كما لا يؤثّر [6] ...

____________

الامور التي تتّصف بحسن أو قبح؛ للجهل ...»، و الوجه فيه أنّ ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع، فافهم.

اعلم أنّ وجه عدم اتّصاف القتل بالقبح كون القاتل منقادا عند قتله المؤمن الواقعيّ، و قد اعتقد بكفره، فحسن فعله الظاهريّ لا يرتفع بقبحه الواقعيّ.

[1] أي لعدم اتّصاف فعل القتل بالقبح اعترف صاحب الفصول (رحمه اللّه) بأنّه لو قتله كان معذورا، و هذا يدلّ على فرض جهل القاتل بإيمانه.

[2] المراد من الفعل هو ترك القتل المعبّر عنه اصطلاحا بالفعل المتجرّى به، و هو فاعل قوله «لم يؤثّر».

[3] مراده (رحمه اللّه): أنّ ترك قتل المؤمن في المثال- حيث لم يتّصف بحسن و لا قبح لأجل الجهل به كما هو المفروض- لا يمنع عن تأثير التجرّي الذي يقتضي القبح.

[4] جواب للشرط المتقدّم أعني قوله: «فإذا لم يكن».

[5] الموصول هنا مصداقه التجرّي، قبال الموصول الآتي في قوله: «ما يقتضي الحسن»، فإنّ مصداقه الانقياد.

[6] يعني كما أنّ الفعل الذي لا يتّصف بالقبح في نفسه من حيث الجهل به- كالقتل الحاصل انقيادا- لا يمنع عن تأثير ما يقتضي الحسن.

200

في اقتضاء ما يقتضي الحسن لو فرض أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا معتقدا كفره [1]؛ فإنّه لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد و عدم مزاحمة حسنه بكونه في الواقع قتل مؤمن [2].

و دعوى: أنّ الفعل [3] ...

____________

[1] الضمير المرفوع المستتر في الأمر يعود إلى «المولى» و الضمير المنصوب البارز يعود إلى «العبد» و الضمير المجرور في قوله: «معتقدا كفره» يعود إلى «المؤمن».

[2] يعني لا إشكال في عدم مزاحمة حسن الانقياد بكون فعل القتل في الواقع قتل مؤمن، و الوجه فيه ما عرفته آنفا من أنّ الأمر المجهول العنوان لا يتّصف بحسن و لا قبح.

و ملخّص الردّ على صاحب الفصول (رحمه اللّه) هو أنّ ترك قتل المؤمن بعد كونه أمرا مجهولا صدر عن غفلة و عن غير اختيار لا يؤثّر في اتّصافه بالحسن، بحيث يرتفع به قبح التجرّي، كما أنّ فعل قتل المؤمن باعتقاد كفره أيضا لا يتّصف بالقبح بحيث يرتفع به حسن الانقياد.

دعوى صاحب الفصول صحّة اتّصاف التجرّي بالحسن الواقعيّ‏

[3] المراد من الفعل ترك القتل المعبّر عنه اصطلاحا بالفعل المتجرّى به.

و لا يذهب عليك أنّ الدعوى هنا هي من قبل صاحب الفصول (رحمه اللّه) ردّا على ما ادّعاه المصنّف (رحمه اللّه) من عدم تأثير ترك القتل قهرا في رفع قبح التجرّي.

201

الذي يتحقّق به التجرّي و إن لم يتّصف في نفسه بحسن و لا قبح- لكونه مجهول العنوان- لكنّه [1] لا يمتنع أن يؤثّر في قبح ما يقتضي القبح بأن [2] يرفعه، إلّا أن نقول [3] بعدم مدخليّة الامور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح و الذمّ،

____________

هذه الدعوى ملخّصها: أنّ ترك قتل المؤمن و إن سلّمنا عدم اتصافه بالحسن لأجل الجهل بعنوانه و لكونه أمرا قهريّا خارجا عن الاختيار، لكنّه مع ذلك لا يمتنع أن يؤثّر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه، نظير عروض السكر على شارب الخمر- و لو مع الجهل به و عدم الالتفات إليه- المعبّر عنه اصطلاحا بالأثر الوضعيّ‏ (1).

قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «حاصل الدعوى هو أنّا سلّمنا عدم ثبوت الحسن لهذا الفعل لكي يعارض قبح التجرّي؛ لكونه غير اختياريّ، لكن لا مانع من كونه مؤثّرا في رفع اقتضاء ما يقتضي القبح- أعني التجرّي- بأن رفع قبحه ...» (2).

[1] الضمير يعود إلى «الفعل الذي يتحقّق به التجرّي».

[2] لفظة «أنّ» هنا للتفسير نظير قوله تعالى: نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ... (3) و عليه تكون جملة «بأن يرفعه» تفسيرا أو توضيحا لقوله: «أن يؤثّر».

[3] هذا إيراد من قبل صاحب الفصول على نفسه الشريفة، فإنّه بعد ادّعاء إمكان التأثير في ما نحن فيه كأنّه قال: نعم، يصحّ إنكار ذلك بناء على مقالة

____________

(1) توضيح ذلك: أنّ مقطوع المائيّة مثلا لو شربه شارب فينكشف كونه خمرا، فهذا الكشف و إن كان أمرا خارجا عن الاختيار كما لا يخفى لكنّه مع ذلك يتحقّق أثره الوضعيّ و هو عروض السكّر عليه، و لا نعني من إمكان مدخليّة أمر غير اختياري و تأثيره خارجا إلّا هذا.

(2) قلائد الفرائد 1: 67.

(3) الصّافات: 104.

202

و هو [1] محلّ نظر، بل منع [2].

و عليه يمكن ابتناء منع الدليل العقليّ السابق [3] في قبح التجرّي.

____________

الفاضل السبزواريّ (رحمه اللّه) الذي أنكر التفاوت بين المصادف و غير المصادف للواقع بأن يعاقب الأوّل و لا يعاقب الثاني؛ لإناطتهما على أمر خارج عن القدرة و الاختيار بالتقريب المتقدّم منه سابقا (1).

[1] الضمير يعود إلى «عدم مدخليّة».

[2] إشارة إلى عدم تماميّة الإيراد المذكور و قد أوضحه بعض المحشّين بقوله:

«مبنى هذا المنع هو إمكان مدخليّة الامور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح و الذمّ ...» (2).

[3] إشارة إلى ما استدلّ به المصنّف (رحمه اللّه) سابقا عند الردّ على الدليل العقليّ السابق من إمكان مدخليّة أمر غير اختياريّ في طرفي الثواب و العقاب، و قد ابتنى (رحمه اللّه عليه) المنع عن عدم المدخليّة، و من المعلوم أنّه لا يصحّ إنكار ذلك‏ (3) هنا بعد كون ما نحن فيه كالدليل العقليّ المذكور.

و لا يخفى أنّ الجارّ في قوله: «عليه» متعلّق بالابتناء، و الضمير المجرور فيه يعود إلى «عدم الامتناع» المستفاد من قوله: «لا يمتنع»، و المقصود أنّ منع الدليل العقليّ السابق من المصنّف (رحمه اللّه) في قبال الفاضل السبزواريّ مبنيّ على إمكان تأثير

____________

(1) انظر الصفحة 171 و ما بعدها، ذيل قوله (رحمه اللّه): «و أمّا ما ذكر من الدليل العقليّ ...».

(2) تسديد القواعد: 55.

(3) أي إمكان مدخليّة أمر غير اختياريّ في طرفي الثواب و العقاب.

203

الأمر الغير الاختياريّ كشرب الماء في رفع استحقاق عقوبة شاربه.

و بعبارة اخرى: أنّ المصنّف (رحمه اللّه) بعد اعترافه هناك بإمكان ترتّب مزيد الثواب على إصابة الاجتهاد الواقع مثلا مع أنّه ليس بأمر غير اختياريّ، فلا بدّ له من الالتزام هنا بإمكان ترتّب رفع القبح على أمر غير اختياريّ خارج عن القدرة في مثال ترك القتل قهرا، و هو المطلوب.

قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «إنّ المراد بالدليل العقليّ، هو التقرير المحكيّ عن المحقّق السبزواريّ (رحمه اللّه) له في قبح التجرّي. توضيح ابتناء منع ذلك الدليل على ما في المقام هو أنّ المستدلّ به لمّا أراد الحكم بعقاب كلّ من الشخصين المفروضين في كلامه مستدلّا بأنّ اختصاص العقاب بمن صادف دون من لم يصادف يوجب إناطة استحقاق العقاب بأمر غير اختياريّ، فمنعه المصنّف (رحمه اللّه) بأنّ عدم العقاب على الأمر الغير الاختياريّ غير قبيح. و هذا المدّعي‏ (1) يقول: إنّك منعت الدليل العقليّ، بأنّ الأمر الغير الاختياريّ يوجب ارتفاع العقاب، و كيف لا تقول هنا أنّ الأمر الغير الاختياريّ يوجب ارتفاع القبح؟! فكما أنّ مبنى منع ذلك الدليل إنّما هو كون الأمر الغير الاختياريّ مؤثّرا في عدم اقتضاء العقاب، فكذلك في ما نحن فيه يقال: إنّ ترك قتل المؤمن في الواقع و إن لم يكن اختياريّا و غير متّصف بالحسن لكنّه يؤثّر في عدم اقتضاء التجرّي للقبح» (2).

____________

(1) أي صاحب الفصول.

(2) قلائد الفرائد 1: 68.

204

مدفوعة [1]- مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه و بين ما تقدّم [2] من الدليل العقليّ، كما لا يخفى على المتأمّل-: ....

____________

الجواب الأوّل عن الدعوى‏

[1] هذا خبر قوله: «و دعوى ...».

[2] ملخّصه: أنّ قياس ما هنا بما هناك قياس مع الفارق، بعد كون مفروض البحث هناك في اقتضاء التجرّي القبح و أمّا هنا فالمقتضي له مفروغ منه عند صاحب الفصول (رحمه اللّه).

قال المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه): «الفرق بين المقامين أمّا أوّلا: فبأنّ مجرّد الاحتمال يكفي في المقام الأوّل؛ لكونه مانعا عن الحرمة، بخلاف الثاني، فإنّ المفصّل‏ (1) يحتاج إلى إثبات التأثير حتّى يتمّ مطلبه. و أمّا ثانيا: فبأنّ الدفع أهون من الرفع، فلا امتناع في تأثيره في الدفع دون الرفع» (2).

توضيح ذلك: أنّ الأمر الغير الاختياريّ- أي شرب الماء- كان هناك دافعا لاستحقاق العقاب، و أمّا استحقاق العقاب هنا ثابت متحقّق، فلا يرفعه الأمر الغير الاختياريّ كترك قتل المؤمن، و الاعتراف بالتأثير (3) في مقام الدفع لا يلازم الاعتراف بذلك في مقام الرفع‏ (4)، فهنا لا مانع من الاعتراف بعدمه، و هو المطلوب.

____________

(1) أي صاحب الفصول (رحمه اللّه).

(2) حاشية فرائد الاصول: 45.

(3) أي تأثير أمر غير اختياريّ في نفي العقوبة المجملة.

(4) و لا يخفى أنّ الدفع هو المنع عن الوجود و الرفع هو المنع عن البقاء، و يعادل هذا في-