الوسائل إلى غوامض الرسائل‏

- السيد رسول الموسوي الطهراني المزيد...
664 /
205

بأنّ [1] العقل مستقلّ بقبح التجرّي [2] في المثال المذكور، ...

____________

ملخّص الكلام: أنّ صاحب الفصول (رحمه اللّه) حيث إنّه هنا بصدد إثبات ارتفاع القبح بأمر غير اختياريّ بعد تسليم ثبوته في مثال ترك القتل، فلا يكفيه مجرّد ادّعاء عدم الممنوعيّة، بل لا بدّ له أن يستدلّ عليه باستدلال علميّ و برهانيّ، و أمّا المصنّف (رحمه اللّه) فحيث إنّه كان هناك بصدد المنع عن الدليل العقليّ المذكور يكفيه مجرّد ادّعاء الممنوعيّة، و لا نعني من الفرق بين المقامين إلّا هذا، فلا تغفل.

و بعبارة اخرى: الاعتراف بالتأثير هناك هو مصداق الدفع، و لذا بمجرّد انكشاف المائيّة يمكن اندفاع احتمال العقوبة، و أمّا المنع هنا فهو من حيث كونه مصداق الرفع فبانكشاف ترك قتل المؤمن لا يمكن اندفاع احتمال العقوبة بعد تسليم صاحب الفصول بتحقّق مقتضى القبح خارجا، و الوجه ما أشرنا إليه آنفا من أنّ الاعتراف بالتأثير في مقام الدفع لا يلازم الاعتراف به في مقام الرفع، فافهم و تأمّل جيّدا.

الجواب الثاني عن الدعوى‏

[1] الجارّ يتعلّق بقوله: «مدفوعة».

[2] ملخّص هذا الجواب: أنّ التجرّي بعد كون قبحه من الأحكام العقليّة المستقلّة الواقعة في سلسلة العلل‏ (1) كالظلم لا يتمّ ادّعاء تعارض المصلحة الواقعيّة

____________

الفارسي «پيش‏گيرى از ابتلاء به بيمارى آسان‏تر از درمان است»، و لتوضيح ذلك مفصّلا راجع حاشية أوثق الوسائل: 22.

(1) أقول: إنّ عدّ المصنّف (رحمه اللّه) التجرّي من الأحكام العقليّة المستقلّة لعلّه لا يخلو عن-

206

و مجرّد تحقّق ترك قتل المؤمن في ضمنه [1]- مع الاعتراف بأنّ ترك القتل لا يتّصف بحسن و لا قبح- لا يرفع قبحه؛ و لذا [2] يحكم العقل بقبح الكذب و ضرب اليتيم إذا انضمّ إليهما ما يصرفهما [3] إلى المصلحة [4] إذا جهل الفاعل بذلك [5].

____________

مع القبح الموجود فيه عند الجهل بتلك المصلحة، كما هو المفروض في ما نحن فيه، و الوجه فيه وجود المقتضي للقبح- و هو التجرّي- و فقد المانع عنه، و مجرّد ترك قتل المؤمن في المثال لا يصلح لأن يؤثّر في رفع القبح، بل يبقى بحاله ما دام لم يعلم عروض الحسن عليه جزما، نظير الكذب المترتّب عليه نجاة المسلم، و ضرب اليتيم المترتّب عليه تأديبه من دون أن يعلمهما (1) الكاذب و الضارب، و كلّ ذلك وجهه ما ذكرناه سابقا من اعتبار العلم و الالتفات في باب الحسن و القبح.

[1] الضمير المجرور هنا و في ما سيأتي من قوله: «لا يرفع قبحه» يعود إلى «التجرّي».

[2] أي و لأجل أنّ مجهول العنوان لا يتّصف بحسن و لا قبح.

[3] إنّ ضمير التثنية في الموضعين يعود إلى «الكذب و الضرب»، و الموصول المراد منه النجاة و التأديب، هو فاعل قوله: «انضمّ».

[4] أي المصلحة الواقعيّة.

[5] أي بالانضمام.

____________

الإشكال، و الوجه فيه: أنّ التجرّي حقيقة هو مخالفة أمر المولى، كما أنّ الانقياد حقيقة هو موافقته، و من المعلوم أنّ كلّا من المخالفة و الموافقة من الأحكام العقليّة الغير المستقلّة الواقعة في سلسلة المعاليل إلّا أن يدّعى كونه من مصاديق الظلم بل هو هو، و التفصيل في محلّه.

(1) أي النجاة و التأديب.

207

ثمّ إنّه ذكر هذا القائل في بعض كلماته [1]: أنّ التجرّي إذا صادف المعصية الواقعيّة تداخل عقابهما.

و لم يعلم معنى محصّل لهذا الكلام [2]؛ إذ مع كون التجرّي عنوانا مستقلا في‏

____________

نقد كلام آخر لصاحب الفصول (رحمه اللّه)

[1] إشارة إلى كلام آخر لصاحب الفصول (رحمه اللّه)، فإنّه في أواخر مبحث مقدّمة الواجب قال: «التحقيق أنّ التجرّي على المعصية معصية أيضا لكنّه إذا صادفها تداخلا و عدّا معصية واحدة ...» (1).

[2] و يناسب نقل كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) هنا ردّا على مقالة صاحب الفصول (رحمه اللّه)، قال: «و أمّا ما في دعواه الثالثة من أنّ التجرّي لو صادف المعصية يتداخل عقابه، ففيها: أنّ التجرّي لا يعقل أن يجتمع مع المعصية حتّى يتداخل العقاب، بل التجرّي في طرف النقيض للمعصية؛ إذ قوام التجرّي هو عدم المصادفة و مخالفة الواقع، كما أنّ قوام المعصية هو المصادفة للواقع، فكيف يجتمع التجرّي مع المعصية؟ نعم، يمكن أن يوجّه كلامه بحيث يرجع إلى أمر معقول- و إن كان خلاف ظاهر كلامه- بأن يقال: إنّ مراده من المعصية المجتمعة مع التجرّي غير المعصية التي علم بها و تجرّى فيها، بل معصية اخرى، كما لو علم بخمريّة مائع فتجرّى و شربه، ثمّ تبيّن أنّه مغصوب‏ (2)، فإنّ في مثل هذا يمكن أن يقال: إنّ‏

____________

(1) الفصول الغرويّة: 87.

(2) أقول: إنّ هذا قد أورد عليه المحقّق العراقيّ (رحمه اللّه) عند قوله: «أقول: الظاهر من المثال كون-

208

المكلّف تجرّى بالنسبة إلى شرب الخمر و عصى بالنسبة إلى شرب المغصوب، بناء على أنّ العلم بجنس التكليف و الإلزام يكفي في تنجّز التكليف و إن لم يعلم فصله‏ (1) ...» (2).

ثمّ إنّ صاحب الفصول (رحمه اللّه) بملاحظة أنّ تعدّد السبب يستلزم تعدّد المسبّب قد التزم بكون عقوبة المتجرّي مضاعفا مرّة بعنوان تحقّق التجرّي، و اخرى بعنوان تحقّق المعصية، لكنّه بعد ملاحظة قيام الإجماع و الضرورة على أنّ المعصية الواحدة لا يكون لها إلّا عقوبة واحدة، قد التزم بالتداخل.

و لا يخفى بطلانه بعد أنّ الهتك الواحد للمولى يستلزم عقوبة واحدة لا متعدّدة، فلا تصل النوبة إلى الالتزام بالتداخل جمعا بين الملاحظتين، و لذا قال المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه): «ثمّ لا يذهب عليك: أنّه ليس في المعصية الحقيقيّة إلّا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة، و هو هتك واحد، فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهّم، مع ضرورة أنّ المعصية الواحدة لا توجب إلّا عقوبة واحدة، كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما ...» (3).

____________

القضيّة مشكوكة بدويّة، و إلّا فلو كان طرفا للعلم الإجماليّ فتكون الخمريّة أيضا مشكوكا مثل الغصبيّة، و هو خلاف ظاهر فرضه ...». فوائد الاصول 3: 56، الهامش 1.

(1) أقول: بعد عدم كفاية الجنس في تنجّز التكليف- كما هو الحقّ، نظير دوران الأمر بين المحذورين- لا يتصوّر عصيان في المقام حتّى يجتمع مع التجرّي.

(2) فوائد الاصول 3: 55 و 56.

(3) كفاية الاصول: 262.

209

استحقاق العقاب لا وجه للتداخل إن اريد به [1] وحدة العقاب [2]؛ فإنّه ترجيح بلا مرجّح [و سيجي‏ء في الرواية أنّ على الراضي إثما، و على الداخل إثمان‏] [3]،

____________

[1] أي بالتداخل.

[2] هذا قد أوضحه صاحب الأوثق (رحمه اللّه) مفصّلا و قال (قدّس سرّه): «فحينئذ لا يخلو إمّا أن يكون هذا المقدار من العقاب بإزاء كلّ من العنوانين أو أحدهما بعينه أو لا بعينه، فالأوّل يستلزم اجتماع علّتين مستقلّتين‏ (1) على أثر واحد و هو محال، و على الثاني يلزم ترجيح بلا مرجّح، و الثالث غير معقول مضافا إلى لزوم إلغاء إحدى العلّتين، و إمّا أن يريد به عقابا زائدا على عقاب محض التجرّي بحسب الكمّ أو الكيف، فهذا ليس تداخلا أصلا؛ لأنّ كلّ فعل اجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد عقابه كمّا أو كيفا على ما كان فيه أحدهما، كأكل النجس المغصوب و الإفطار بالمحرّم في نهار شهر رمضان ...» (2).

[3] ما بين المعقوفتين ورد في بعض النسخ، منها نسخة الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه)(3) و عليه فالرواية تدلّ على عدم التداخل و تعطي تعدّد العقوبة في مثل ما نحن فيه باعتبار تعدّد أسبابها، أعني التجرّي و المعصية بناء على مذهب صاحب الفصول (رحمه اللّه) و سيجي‏ء نقل الرواية عن قريب بذكر مدركها و مصدرها (4).

____________

(1) أي كون العقاب الواحد معلولا لعلّتين، أي عنوان التجرّي و المعصية.

(2) أوثق الوسائل: 25.

(3) انظر الرسائل المحشّى: 7.

(4) إشارة إلى قوله (عليه السّلام): «الراضي بفعل قوم كالداخل معهم فيه، و على كلّ داخل في باطل-

210

و إن اريد به عقاب زائد على عقاب محض التجرّي، فهذا ليس تداخلا؛ لأنّ كلّ فعل اجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد عقابه على ما كان فيه أحدهما [1].

و التحقيق [2]: أنّه لا فرق في قبح التجرّي بين موارده، و أنّ المتجرّي لا إشكال في استحقاقه الذمّ من جهة انكشاف خبث باطنه و سوء سريرته بذلك [3]، ...

____________

[1] الموصول هنا مصداقه «فعل»، و الضمير المفرد يعود إليه، و ضمير التثنية يعود إلى «عنوانان».

ما رام إليه المصنّف (رحمه اللّه) في التجرّي العمليّ‏

[2] تحقيق إجماليّ في الردّ على مذهب المشهور و صاحب الفصول (رحمه اللّه) بعد الردّ التفصيليّ عليهم في ما تقدّم.

توضيح ذلك: أنّه بعد ثبوت قبح التجرّي بحكم العقل المستقلّ لا مجال لادّعاء الاستثناء فيه بالنسبة إلى بعض الموارد و الالتزام بعدم القبح فيه، و الوجه فيه عدم إمكان تطرّق التخصيص في الأحكام العقليّة المستقلّة، و أيضا بعد ثبوت مجرّد القبح الفاعليّ للمتجرّي لا مجال لادّعاء ترتّب العقوبة عليه، و الوجه فيه استحالة انقلاب الشي‏ء عمّا هو عليه، فراجع ما تقدّم‏ (1).

[3] لفظة «بذلك» لا توجد في بعض النسخ المصحّحة قديما و حديثا و الحقّ‏

____________

إثمان: إثم العمل به، و إثم الرضا به». وسائل الشيعة 11: 411، الباب 5 من أبواب الأمر و النهي، الحديث 12، و انظر الصفحة 216.

(1) انظر الصفحة 194 و 195 نقلا عن فوائد الاصول 3: 54 و 55.

211

و أمّا استحقاقه للذمّ من حيث الفعل المتجرّى [1] في ضمنه، ففيه إشكال، كما اعترف به الشهيد (قدّس سرّه) [2] فيما يأتي من كلامه.

نعم، لو كان التجرّي على المعصية بالقصد [3] إلى المعصية، ...

____________

أنّه لا يحتاج إليها و بدلا عنها توجد فيها لفظة اخرى و هي «و جرأته».

[1] الصواب أن يقرأ هذا بصيغة اسم المفعول، و الضمير الموجود في قوله (رحمه اللّه):

«في ضمنه» يعود إلى «الفعل».

[2] مراده الشهيد الأوّل في القواعد و الفوائد (1)، فإنّه الذي اعترف بالإشكال في قبح الفعل المتجرّى به بعد انكشاف الخلاف و ظهور إباحته خارجا و سيأتي نقل عين كلامه‏ (2).

مختار المصنّف (رحمه اللّه) في التجرّي على المعصية بالقصد

[3] اعلم أنّ المصنّف (رحمه اللّه) بعد الفراغ من بيان حكم التجرّي العمليّ- أي التجرّي الصادر من الجوارح و الأعضاء خارجا- شرع في بيان حكم التجرّي القصديّ أي التجرّي المنويّ بالقلب و الجوانح من دون وقوع فعل خارجا.

و لا يخفى أنّ هذا الاستدراك ناظر إلى قوله آنفا: «و أمّا استحقاقه‏ (3) للذمّ من حيث الفعل المتجرّى في ضمنه، ففيه إشكال ...».

____________

(1) انظر القواعد و الفوائد 1: 107، الفائدة الحادية و العشرون.

(2) انظر الصفحة 227 و 228، ذيل عنوان «ما ذهب إليه الشهيد (قدّس سرّه) في مبحث التجرّي».

(3) أي المتجرّي.

212

فالمصرّح به في الأخبار الكثيرة العفو عنه [1]، ...

____________

حكم التجرّي القصديّ بحسب النصوص الواردة فيه‏

اعلم أنّ التجرّي القصديّ- كقصد شرب مقطوع الخمريّة مثلا من دون وقوعه خارجا- هو معفوّ عنه بمقتضى طائفة من الأخبار، و كان مأخوذا به و معاقبا عليه بمقتضى طائفة اخرى منها.

و المشهور القائلون بحرمة التجرّي العمليّ جزما قد تردّدوا في حرمة التجرّي القصديّ، و لذا حكموا بها استنادا إلى روايات عديدة و آيات كثيرة (1) و أنكروها (2) استنادا إلى طائفة اخرى من الروايات.

الطائفة الاولى: النصوص الدالّة على العفو

[1] إشارة إلى الأخبار الدالّة صريحا على عدم ترتّب العقوبة لمجرّد القصد (3).

منها: عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السّلام)، قال: «إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل لآدم في ذرّيّته من همّ بحسنة و لم يعملها كتبت له حسنة، و من همّ بحسنة و عملها كتبت له‏

____________

(1) سيجي‏ء البحث عنها في المباحث الآتية ذيل عنوان «الطائفة الثانية: النصوص الدالّة على العقاب».

(2) أي الحرمة.

(3) انظر الكافي 2: 428، كتاب الإيمان و الكفر، باب من يهمّ بالحسنة أو السيّئة، الحديث 1 و 2 و 4؛ و راجع وسائل الشيعة 1: 35- 41، الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات الحديث 1 و 3 و 4 و 6 و ....

213

و إن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا، مثل: قوله (صلوات اللّه عليه): «نيّة الكافر شرّ من عمله» [1].

و قوله: «إنّما يحشر الناس على نيّاتهم» [2].

____________

بها عشرا، و من همّ بسيئة و لم يعملها لم تكتب عليه [سيّئة]، و من همّ بها و عملها كتبت عليه سيّئة (1)» (2).

الطائفة الثانية: النصوص الدالّة على العقاب‏

[1] تمام الحديث هكذا: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «نيّة المؤمن خير من عمله و نيّة الكافر شرّ من عمله» (3).

و حيث إنّ ذيل هذا الحديث الشريف بظاهره لا يخلو عن إشكال- لدلالته على أنّ ناوي الزنا مثلا يعاقب أشدّ من الزاني- قد تصدّى المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) توضيحه، و وجّهه بتوجيهات عديدة تبلغ اثني عشر توجيها (4).

[2] لهذا الحديث ذيل لم يذكره المصنّف (رحمه اللّه)، و هو قوله (عليه السّلام): «يوم القيامة» (5).

____________

(1) و من هذا يتّضح معنى قوله (عليه السّلام): «ويل لمن غلبت آحاده أعشاره»، فافهم و تأمّل فيه (وسائل الشيعة 11: 383، الباب 98 من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه، الحديث 2).

(2) الكافي 2: 428، الحديث الأوّل.

(3) الكافي 2: 84، كتاب الإيمان و الكفر، باب النيّة، الحديث 2، و وسائل الشيعة 1: 35، الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 3.

(4) راجع مرآة العقول 8: 92- 96، و بحار الأنوار 70: 189- 193، ذيل الحديث 2.

(5) راجع وسائل الشيعة 1: 34، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 5.

214

و ما ورد من تعليل خلود أهل النار في النار و خلود أهل الجنّة في الجنّة [1]؛ بعزم كلّ من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية و الطاعة لو خلّدوا في الدنيا.

و ما ورد من أنّه: «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار [2]، قيل: يا رسول اللّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: لأنّه أراد قتل صاحبه».

____________

[1] إشارة إلى التعليلين المذكورين في الرواية اللذين ذكرهما البرقيّ (رحمه اللّه) في المحاسن، و المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) في البحار، و الشيخ الحرّ العامليّ (رحمه اللّه) في الوسائل‏ (1).

و لا بأس بذكر الرواية بنصّها تيمّنا و تبرّكا، عن الصادق (عليه السّلام): «إنّما خلّد أهل النار في النار، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللّه أبدا، و إنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللّه أبدا، فبالنيّات خلّد هؤلاء و هؤلاء»، ثمّ تلا قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ‏ (2)، قال: «على نيّته» (3).

[2] لفظ الحديث هكذا: «إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة القاتل‏

____________

(1) انظر المحاسن للبرقيّ (1- 2): 330، الحديث 94، و بحار الأنوار 8: 347، الحديث 5، و وسائل الشيعة 1: 36، الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 4.

(2) الإسراء: 84.

(3) أقول: بعد كون مناط الخلود في النار هو العناد- كما هو المستفاد من صريح قوله (عليه السّلام) في دعاء كميل: «أن تخلّد فيها المعاندين ...»- لا بدّ من حمل الحديث الشريف على الكفّار المعاندين، و لعلّ غيرهم لا يخلّدون فيها، و اللّه العالم.

215

و ما ورد في العقاب على فعل بعض المقدّمات بقصد ترتّب الحرام، كغارس الخمر [1] و الماشي لسعاية مؤمن [2].

____________

و المقتول في النار ...» (1).

[1] إشارة إلى رواية لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيها عدّة أفراد، منهم غارس الخمر (2).

و لا يخفى أنّ المراد من الخمر هنا العنب، استعمل في غير معناه الحقيقيّ بعلاقة ما يؤول‏ (3)، كما في قوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً (4).

[2] لعلّه إشارة إلى رواية ذكرها صاحب الوسائل عن جعفر بن محمّد، عن آبائه (عليهم السّلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: إنّ أشرّ الناس يوم القيامة المثلّث، قيل: يا رسول اللّه، و ما المثلّث‏ (5)؟ قال: الرجل يسعى بأخيه إلى إمامه فيقتله، فيهلك نفسه و أخاه و إمامه» (6).

____________

(1) تهذيب الأحكام 6: 194، باب النوادر، الحديث 25 (142)، و وسائل الشيعة 11:

113، الباب 67 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث الأوّل.

(2) انظر وسائل الشيعة 12: 165، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(3) اللفظ إن استعمل في معناه الموضوع له فالاستعمال حقيقيّ (كاستعمال لفظ الأسد و إرادة الحيوان المفترس) و إن استعمل في غير معناه الموضوع له فإن كان بين المعنى الموضوع له و المستعمل فيه علاقة فالاستعمال مجازيّ (كاستعمال لفظ الأسد و إرادة الرجل الشجاع)، و إن لم يكن بينهما علاقة فالاستعمال غلط (كاستعمال لفظ الأسد و إرادة الشمس أو الجدار مثلا)، و العلاقة إن كانت علاقة مشابهة سمّي المجاز استعارة و إلّا فمجازا مرسلا، و التفصيل في محلّه. راجع على سبيل المثال المطوّل: 64، مبحث الحقيقة و المجاز، و شرح المختصر:

338- 340، مبحث المجاز المرسل.

(4) يوسف: 36.

(5) أقول: المثلّث بصيغة اسم الفاعل معناه قاتل ثلاثة.

(6) وسائل الشيعة 19: 9، الباب 2 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.

216

و فحوى ما دلّ على أنّ الرضا بفعل كفعله [1]، مثل ما عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) [2]:

أنّ «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، و على الداخل إثمان: إثم الرضا و إثم الدخول».

و ما ورد في تفسير قوله تعالى [3]:

فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏

:

____________

و في رواية: «الساعي قاتل ثلاثة: قاتل نفسه، و قاتل من سعى به، و قاتل من سعى إليه» (1).

[1] الفحوى يعبّر عنها تارة بالمفهوم الموافق، مقابل المفهوم المخالف، و اخرى بلحن الخطاب، مقابل دليل الخطاب، و ثالثة بالأولويّة القطعيّة، مقابل الأولويّة الظنّيّة.

و المقصود أنّ الرضا على الإثم الصادر عن الغير إذا كان مقتضيا للعقوبة- كما هو ظاهر الرواية- فإرادة فعله- أي قصد الإتيان به- يكون مقتضيا له بطريق أولى.

[2] إشارة إلى رواية عن عليّ (عليه السّلام): «الراضي بفعل قوم كالداخل معهم فيه، و على كلّ داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، و إثم الرضا به‏ (2)» (3).

[3] إشارة إلى رواية مفصّلة في ذيل الآية الشريفة: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (4)، قال (عليه السّلام): «إنّما رضوا قتل اولئك فسمّوا قاتلين» (5) ذكرها

____________

(1) وسائل الشيعة 11: 410، الباب 5 من أبواب الأمر و النهي، الحديث 7.

(2) أقول: و هذا يؤيّده قوله (عليه السّلام) في زيارة عاشوراء: «لعن اللّه أمّة سمعت بذلك فرضيت به».

(3) وسائل الشيعة 11: 411، الباب 5 من أبواب الأمر و النهي، الحديث 12.

(4) آل عمران: 183.

(5) أقول: الاستشهاد بهذه الآية الشريفة ذكرت في نسخة الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه) بعد رواية:

«من رضي بفعل فقد لزمه ...» الآتية في كلامه، انظر الرسائل المحشّى: 7.

217

من أنّ نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخّرهم عن القاتلين بكثير [1] لرضاهم بفعلهم.

و يؤيّده [2]: قوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏

، و قوله تعالى:

إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏

[3]، و ما ورد من أنّ: «من رضي بفعل فقد لزمه و إن لم يفعل» [4]، و قوله تعالى:

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً

[5].

____________

السيّد هاشم البحرانيّ (رحمه اللّه) و الشيخ الحرّ العامليّ (رحمه اللّه)(1).

[1] لعلّه خمسمائة عام، كما يستفاد من بعض الروايات‏ (2).

[2] أي يؤيّد استحقاق العقاب بمجرّد القصد و الإرادة، و لعلّ وجه التعبير بالتأييد دون الدلالة، كون المحبّة أشدّ من الإرادة و القصد، و من المعلوم أنّه لا دليل لتسرية الحكم الثابت للأشدّ إلى الأخفّ و لا تلازم بينهما.

[3] و لعلّ وجه التعبير بالتأييد هنا دون الدلالة احتمال كون المراد من الموصول في الآية الشريفة هو خصوص الحسد أو الفساد في الاعتقاد، و مع ذلك لا يبعد ادّعاء دلالته على المطلوب.

[4] هذا الحديث لم نعثر عليه بلفظه. نعم، ورد بمعناه‏ (3).

[5] هنا آيات مؤيّدة أخر لم يذكرها المصنّف (رحمه اللّه)؛ كقوله تعالى:

____________

(1) البرهان في تفسير القرآن 2: 137، الحديث 6، و وسائل الشيعة 11: 412، الباب 5 من أبواب الأمر و النهي، الحديث 14.

(2) راجع البرهان في تفسير القرآن 2: 136، الحديث 2 و 4، ذيل آية 183 من سورة آل عمران.

(3) لاحظ تفسير القمّيّ: 151، ذيل الآية 155 من سورة النساء، و وسائل الشيعة 11: 409، الباب 5 من أبواب الأمر و النهي عن المنكر، الحديث 4 و 5.

218

و يمكن حمل الأخبار الاول [1] على من ارتدع عن قصده [2] بنفسه، و حمل الأخبار الأخيرة على من بقي على قصده حتّى عجز عن الفعل لا باختياره.

____________

إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (1) و قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ‏ (2) و غيرها.

الجمع بين نصوص العفو و العقاب‏

[1] المضبوط في النسخ المصحّحة- كنسخة محمّد علي و غيرها-: «الاول» بدل «الأوّلة» (3) و هو الصواب؛ لأنّها جمع «الاولى» التي هي مؤنّث «الأوّل»، و كيف كان، فهي إشارة إلى الطائفة الاولى من الروايات الدالّة على العفو عن نيّة المعصية، قبال الطائفة الثانية منها الدالّة على ترتّب العقوبة عليها، فافهم.

[2] الارتداع أي الرجوع، و في مقابله قوله (رحمه اللّه): «من بقي على قصده»، و المقصود الجمع بين الطائفتين من الأخبار بحمل الاولى منها على المنتهى عن قصد المعصية اختيارا، و الثانية على الباقي على قصده و العازم على الإتيان بما أراده، لكن لم يفعله عن عجز و عن غير اختيار.

و لا يخفى أنّ هذا الجمع يعبّر عنه اصطلاحا بالجمع التبرّعيّ‏ (4) الذي لا يدلّ‏

____________

(1) الإسراء: 36.

(2) البقرة: 225.

(3) كما في نسخة الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه). انظر الرسائل المحشّى: 7.

(4) أقول: الجمع التبرّعيّ قد ارتكبه الشيخ الطوسيّ (رحمه اللّه) في الجمع بين: «ثمن العذرة من-

219

أو يحمل الاول [1] على من اكتفى بمجرّد القصد، و الثانية على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدّمات؛ كما يشهد له حرمة الإعانة على المحرّم [2]، حيث عمّمه بعض الأساطين [3] لإعانة نفسه على الحرام؛ ...

____________

عليه شاهد من آية أو رواية معتبرة، مقابل الجمع الآتي الذي يدلّ عليه بعض الآيات بالتقريب الذي نذكره، و عليه فالجمع الثاني أولى و أنسب من الأوّل، فلا تغفل.

[1] إشارة إلى الجمع الثاني بحمل الطائفة الاولى على المكتفي بمجرّد القصد، و بحمل الثانية على المشتغل ببعض المقدّمات مثل من قصد اتّخاذ الخمر مثلا و غرس شجرها خارجا.

[2] استشهاد منه (رحمه اللّه) على الجمع الثاني بقوله تعالى: تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ (1).

[3] و هو الشيخ جعفر كاشف الغطاء (رحمه اللّه)، حيث عمّم حرمة الإعانة على الإثم لصورة إعانة النفس عليه، في شرحه على القواعد (2)، و عليه فكأنّه (رحمه اللّه) قال: كما أنّ‏

____________

السحت» و بين «لا بأس ببيع العذرة» بحمل الأوّل على عذرة حيوان غير مأكول، و الثاني منهما على عذرة حيوان مأكول (انظر الاستبصار 3: 56، باب النهي عن بيع العذرة، ذيل الحديث 181 و 182 و 183)، و قد ردّ المصنّف (رحمه اللّه) هذا الجمع في أوائل مبحث المكاسب المحرّمة (انظر كتاب المكاسب 1: 23)، و في أوائل مبحث التعادل و التراجيح (انظر فرائد الاصول 4: 20 و 21).

(1) المائدة: 2.

(2) راجع شرح القواعد (مخطوط): الورقة 16، نقلا عن فرائد الاصول 1: 48، الهامش 4.

220

و لعلّه لتنقيح المناط [1]، لا بالدلالة اللفظيّة.

____________

المعين لشارب الخمر مثلا يفعل حراما، كذلك غارس الكرم‏ (1) الذي يعين نفسه على اتّخاذ الخمر يفعل حراما فيستحقّ العقوبة.

[1] الضمير المنصوب يعود إلى «التعميم»، و المقصود أنّ الآية الشريفة تدلّ على حرمة إعانة النفس على الحرام بمناط النهي عن إيجاد المعصية خارجا، و من المعلوم أنّ مع تنقيح المناط تشمل الآية إعانة النفس و إعانة الغير، و التفصيل في محلّه‏ (2) و ملخّصه: أنّ الآية الشريفة إنّما تدلّ بظاهرها (3) على حرمة الإعانة على مقدّمات الحرام الصادر من الغير فقط، فلا تشمل إعانة الحرام الصادر من نفسه، لذا نسب المصنّف (رحمه اللّه) التعميم- الذي هو خلاف ظاهر الآية- إلى بعض الأساطين.

و بعد ذلك كلّه كأنّ بعض الأساطين قال: إنّ قوله تعالى: وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ‏ و إن كان ظهوره الأوّلي في إعانة الغير و لا يشمل إعانة النفس لفظا إلّا أنّه يشملها مناطا، و هذا كم له من نظير، مثل قول القائل: كلّ خبريّ كاذب مثلا بأن يقوله بعد أخبار عديدة، فإنّه و إن لا يشمل هذا الخبر نفسه- لاستلزامه تولّد الموضوع من الحكم- لكنّه يشمله مناطا، و التفصيل في محلّه‏ (4).

____________

(1) أي شجرة العنب.

(2) راجع أوثق الوسائل: 26.

(3) أي بالدلالة اللفظيّة.

(4) راجع فرائد الاصول 1: 268 و 269، الهامش 2، فإنّه (رحمه اللّه) قال: «الممتنع هو توقّف فرديّة بعض أفراد العامّ على إثبات الحكم لبعضها الآخر، كما في قول القائل: كلّ خبريّ صادق أو كاذب ...».

221

ثمّ اعلم: أنّ التجرّي على أقسام [1]، يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها.

أحدها: مجرّد القصد إلى المعصية.

ثانيها: القصد مع الاشتغال بمقدّماته.

و ثالثها: القصد مع التلبّس بما يعتقد كونه معصية.

و رابعها: التلبّس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقّق المعصية به.

و خامسها: التلبّس به لعدم المبالاة بمصادفة الحرام.

و سادسها: التلبّس برجاء أن لا يكون معصية، و خوف أن يكون معصية.

____________

أقسام التجرّي‏

[1] إشارة إلى تقريب الصور المتصوّرة للتجرّي خارجا و أوضح كلّها صاحب الأوثق (قدّس سرّه) فقال: «قد ذكر للتجرّي ستّة أقسام، الثلاثة الاول منها مندرجة متصاعدة، بمعنى كون اللاحق آكد من سابقه، و الثلاثة الأخيرة مندرجة متنازلة، على عكس ما ذكر ...» (1).

توضيح ذلك: أنّ الصورة الاولى من الصور الثلاث الاولى من التجرّي أخفّ من الثانية و هي أيضا أخفّ من الثالثة؛ مثلا يقصد المتجرّي تارة مجرّد المعصية بلا إقدام على شي‏ء من مقدّماتها- كأن يقصد شرب الخمر فقط- و اخرى يقصده مع الإقدام على بعض مقدّماته كغرس الكرم، و ثالثة يقصد شرب الخمر و يقدّم خارجا على شرب المائع المقطوع خمريّته.

____________

(1) أوثق الوسائل: 27.

222

و من الواضح أنّ الصورة الاولى أخفّ من الصورة الثانية حكما، و هي من الصورة الثالثة، و بعبارة اخرى: الصورة الثالثة هي آكد و أشدّ حكما من الصورة الثانية و هي من الصورة الاولى.

و أمّا الصور الثلاث الأخيرة فبالعكس، حيث إنّ الاولى منها أشدّ من الثانية، و هي أشدّ من الثالثة؛ مثلا المتجرّي يقصد تارة محتمل المعصية، كما إذا شرب المائع المحتمل خمريّته برجاء إصابته الواقع- أي كونه خمرا- و بنيّة تحقّق المعصية خارجا، و اخرى: يشربه من غير نيّة المصادفة- أي سواء صادف الواقع أم لم يصادف-، و ثالثة يشربه برجاء عدم الإصابة و عدم تحقّق المعصية- كأن يشرب ما في أحد الإناءين المشتبهين اللذين يعلم إجمالا بكون ما في أحدهما خمرا برجاء أنّ ما يشربه ليس بخمر إن شاء اللّه.

و من الواضح أنّ الصورة الاولى أشدّ من الصورة الثانية حكما، و هي من الصورة الثالثة.

و لا يخفى أنّ الصورة الاولى من الصور الثلاث الأخيرة، بشرط شي‏ء- أي قصد محتمل الحرمة بشرط كونه معصية- و الثانية منها لا بشرط- أي قصد محتمل الحرمة أعمّ من كونه معصية أو غيرها- و الثالثة منها بشرط لا- أي قصد محتمل الحرمة بشرط عدم إصابته المعصية.

223

و يشترط في صدق التجرّي في الثلاثة الأخيرة: عدم كون الجهل عذرا عقليّا أو شرعيّا [1] ...

____________

شرط صدق التجرّي في الثلاثة الأخيرة

[1] شرع (رحمه اللّه) في بيان شروط الصور الأخيرة، و نحن نذكر شقوقها ضمن مثال، و هو أن يرتكب المكلّف أحد إناءين مشتبهين بالخمر مثلا حال كونه محتملا إصابته للواقع و أنّه خمر في الواقع و لو إجمالا.

إنّ توضيح ذلك يحتاج إلى مقدّمة موجزة، و هي: أنّ الشبهة تارة تكون بدويّة، و اخرى مقرونة بالعلم الإجماليّ.

و الاولى يجري فيها أصالة البراءة عند الاصوليّين بلا خلاف بينهم، سواء كانت الشبهة وجوبيّة- كالشكّ في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلا- أو تحريميّة- كالشكّ في حرمة التتن مثلا- و الوجه فيه‏ (1) معذوريّة الجاهل بالحكم على ما هو مقتضى ظاهر أدلّة البراءة.

و أمّا الثانية يجري فيها أصالة الاحتياط عند الاصوليّين بلا خلاف معتدّ به بينهم، سواء كانت وجوبيّة- كالشكّ في وجوب الظهر أو الجمعة في عصر الغيبة- أو تحريميّة- كالشكّ في حرمة أحد هذين الإناءين مثلا- و الوجه فيه‏ (2) هو عدم معذوريّة الجاهل هنا، و هذا معنى قولهم: إنّ العلم الإجماليّ في الشبهة المحصورة

____________

(1) أي في جريان أصل البراءة في الشبهة البدويّة.

(2) أي في جريان الاحتياط في الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ.

224

كالعلم التفصيليّ في كونه منجّزا للتكليف، فكما أنّ في صورة العلم بحرمة هذا الإناء المعيّن يجب اجتنابه، كذلك في صورة العلم بحرمة أحد هذين الإناءين أيضا يجب الاجتناب عنهما معا.

نعم، المدّعي انحصار تنجّز التكليف بالعلم التفصيليّ لا فرق عنده بين الشبهة البدويّة و الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ، و لذا جوّز بعض الاصوليّين ارتكاب بعض أطراف العلم الإجماليّ‏ (1)، بل جميعها (2)، و التفصيل في محلّه‏ (3).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ التجرّي في الصور الثلاث الأخيرة يتصوّر على المذهب الأوّل- أي بناء على القول به تنجّز التكليف بالعلم الإجماليّ- و إليه أشار المصنّف (رحمه اللّه) فقال: «يشترط في صدق التجرّي في الثلاثة الأخيرة عدم كون الجهل عذرا ...» و أمّا بناء على المذهب الآخر- أي بناء على القول بعدم تنجّز التكليف بالعلم الإجماليّ و انحصاره في العلم التفصيليّ- فلا يتصوّر التجرّي أصلا، و إليه أشار المصنّف (رحمه اللّه) فقال: «و إلّا لم يتحقّق احتمال المعصية ...».

ثمّ اعلم أنّ المثالين المذكورين في الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ- أعني الشكّ في وجوب صلاة الظهر أو الجمعة، و الشكّ في حرمة أحد الإناءين- يحكم كلّ من العقل و الشرع فيهما بوجوب الاحتياط، أمّا العقل فبمقتضى قاعدة اقتضاء

____________

(1) و هو مذهب المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه)، انظر قوانين الاصول 2: 25.

(2) و هو مذهب المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه)، انظر الأربعين: 582.

(3) راجع فرائد الاصول 2: 279 و 280، و سيجي‏ء تفصيل الكلام في الصفحة 361، ذيل عنوان «الأقوال و المباني حول العلم الإجمالي».

225

- كما في الشبهة المحصورة [1] الوجوبيّة أو التحريميّة-؛ و إلّا لم يتحقّق احتمال المعصية و إن تحقّق احتمال المخالفة للحكم الواقعيّ، ...

____________

الاشتغال اليقينيّ البراءة اليقينيّة، و أمّا الشرع فبمقتضى قوله (عليه السّلام): «إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط» (1) و لا نعني من عدم معذوريّة الجاهل بالحكم فيهما إلّا هذا.

و لكن في المثالين المذكورين في الشبهة البدويّة- أعني الشكّ في وجوب الدعاء و حرمة التتن- فإنّ كلّا من العقل و الشرع يحكم فيهما بالبراءة، أمّا العقل فبمقتضى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أمّا الشرع فبمقتضى قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (2)، و لا نعني من معذوريّة الجاهل بالحكم إلّا هذا (3)، و تفصيل ذلك كلّه سيجي‏ء في محلّه‏ (4).

[1] احتراز عن الشبهة الغير المحصورة، فإنّ الجهل فيها عذر عقلا أو شرعا- كالمعذوريّة في الشبهة البدويّة-، و لذا جوّز المصنّف (رحمه اللّه) ارتكاب جميع أطرافها سوى واحد منها، و التفصيل في محلّه‏ (5).

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 111، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 18: 127، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.

(3) و منها: صورة الاضطرار بشرب أحد الإناءين في المثال المتقدّم، فإنّ العقل الحاكم بوجوب حفظ النفس عن الخطر و الضرر، و أيضا الشرع الحاكم بأنّ ما اضطرّت إليه الامّة مرفوع عنهم حكما بأنّ الشرب بقدر رفع الاضطرار معفوّ عنه، و تفصيل ذلك كلّه سيجي‏ء مفصّلا. (انظر فرائد الاصول 2: 245 و ما بعده).

(4) راجع فرائد الاصول 2: 199- 255.

(5) انظر فرائد الاصول 2: 257- 274.

226

كما في موارد أصالة البراءة [1] و استصحابها [2].

ثمّ إنّ الأقسام الستّة كلّها مشتركة في استحقاق الفاعل للمذمّة من حيث خبث ذاته و جرأته و سوء سريرته، و إنّما الكلام [3] في تحقّق العصيان بالفعل المتحقّق في ضمنه التجرّي. و عليك بالتأمّل في كلّ من الأقسام [4].

____________

[1] إشارة إلى تساوي الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ مع الشبهة البدويّة من حيث جريان أصالة البراءة فيها بناء على مذهب المحدّث المجلسيّ و بعض الاصوليّين.

[2] المراد منه استصحاب البراءة الأصليّة الثابتة بحكم العقل المستقلّ قبل البلوغ، و لا يخفى أنّ هذا الاستصحاب سيردّه المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث البراءة، فإنّه (قدّس سرّه)- بعد الفراغ عن الاستدلال بالأدلّة الأربعة الدالّة على البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة بالتقريب الآتي هناك مفصّلا- قال: «و قد يستدلّ على البراءة بوجوه غير ناهضة، منها: استصحاب البراءة ...» (1).

[3] مراده (رحمه اللّه) أنّه لا كلام في قبح التجرّي فاعلا من حيث خبث ذاته و سوء سريرته و إنّما الكلام في القبح الفعليّ و أنّه هل يعاقب أم لا؟

[4] يعني تأمّل فيها تجد أنّ المتجرّي في القسم الأخير من أقسامه يكون قليل المبالاة في دينه و أمّا في غيره فهو لا يبالي فيه مع اختلاف مراتبه، فلا تغفل.

____________

(1) فرائد الاصول 2: 59.

227

قال الشهيد (قدّس سرّه) في القواعد [1]:

لا يؤثّر نيّة المعصية عقابا و لا ذمّا ما لم يتلبّس بها، و هو ما ثبت في الأخبار العفو عنه [2].

____________

ما ذهب إليه الشهيد (قدّس سرّه) في مبحث التجرّي‏

[1] ذهب الشهيد (رحمه اللّه) في القواعد و الفوائد جازما إلى عدم تأثير قصد المعصية في الذمّ فضلا عن العقاب ما دام لم يتلبّس بها خارجا، و تردّد في تأثيره عند التلبّس بها و انكشاف خلافها، و قال: فيه نظر (1)، و انتظر توضيحه في ضمن الأمثلة الآتية.

[2] عبارة المتن في بعض النسخ القديمة هكذا: ما لم يتلبّس بها و هي ممّا ثبت في الأخبار العفو عنه، و عليه فالضمير الأوّل يعود إلى «المعصية» و الثاني يعود إلى «النيّة» من دون تكلّف- أي نيّة المعصية- و أمّا بناء على التذكير في الثاني كما في النسخة الموجودة بأيدينا فهو أيضا يعود إلى «النيّة»، لكنّه بتكلّف و تأويل، يعني باعتبار معنى النيّة و هو القصد- أي قصد المعصية-، فلا تغفل.

و لا يخفى أنّ الأولى بل الصواب أن يقال: «ممّا ثبت» كما في تلك النسخة و النسخة المحشّاة بحاشية الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه)(2) بدلا عمّا في النسخة الموجودة بأيدينا- أي «ما ثبت»- و بعد كلّ ذلك الأمر فيه سهل.

____________

(1) انظر القواعد و الفوائد 1: 107 و 108، الفائدة الحادية و العشرون.

(2) انظر الرسائل المحشّى: 8.

228

و لو نوى المعصية و تلبّس بما يراه معصية، فظهر خلافها، ففي تأثير هذه النيّة نظر:

من أنّها لمّا لم تصادف المعصية صارت كنيّة مجرّدة، و هو [1] غير مؤاخذ بها.

و من دلالتها على انتهاك [2] الحرمة و جرأته على المعاصي. و قد ذكر بعض الأصحاب [3]: أنّه لو شرب المباح تشبّها بشرب المسكر فعل حراما [4]، و لعلّه ليس لمجرّد النيّة، بل بانضمام فعل الجوارح.

____________

[1] المضبوط في بعض النسخ القديمة و النسخة المحشّاة بحاشية الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه) هو تأنيث الضمير في المتن هنا- أي «هي»- (1) و هو الصواب؛ لأنّه راجع إلى «النيّة»، و لعلّ التذكير كان باعتبار معناها أي القصد، و الأمر سهل؛ لأنّ المراد واضح.

[2] الضمائر هنا منصوبا و مجرورا و مرفوعا تعود إلى «النيّة»، ثمّ لا يخفى أنّ صدر الجملة (2) دليل على عدم تأثير النيّة عند كشف خلاف الظاهر، و ذيلها (3) دليل على تأثيرها عنده و المقصود من انتهاك الحرمة هو هتك حرمة المولى.

[3] و هو أبو الصلاح الحلبيّ في الكافي في الفقه‏ (4).

[4] هذا و إن ينتقض به كلام الشهيد (رحمه اللّه)؛ لظهوره في تأثير النيّة في طرف العقاب، لكنّه (رحمه اللّه) أجاب عنه بلا فصل بقوله: «لعلّه ليس لمجرّد النيّة ...» بمعنى أنّ‏

____________

(1) المصدر السابق.

(2) أي قوله: «من أنّها ...».

(3) أي قوله: «من دلالتها ...».

(4) راجع الكافي في الفقه: 279.

229

و يتصوّر محلّ النظر في صور [1]:

منها: ما لو وجد امرأة في منزل غيره، فظنّها أجنبيّة فأصابها، فبان أنّها زوجته أو أمته.

و منها: ما لو وطئ زوجته بظنّ أنّها حائض، فبانت طاهرة.

و منها: ما لو هجم على طعام بيد غيره فأكله، فتبيّن أنّه ملكه.

و منها: ما لو ذبح شاة بظنّها للغير بقصد العدوان، فظهرت ملكه.

و منها: ما إذا قتل نفسا بظنّ أنّها معصومة، فبانت مهدورة.

و قد قال بعض العامّة: نحكم بفسق المتعاطي [2] ....

____________

الحرمة ليست لمجرّد النيّة، بل هي بانضمام فعل الجوارح- أي الأفعال الصادرة من الشارب خارجا- إليها.

[1] شروع في ذكر أمثلة موارد محلّ النظر، و لا يخفى أنّ اثنتين منها في الأعراض، و اثنتين منها في الأموال، و واحد منها في الدماء.

لا يخفى أنّ الأمثلة المذكورة لعلّ انطباقها على التجرّي لا يخلو من إيراد و إشكال، بتقريب أنّ التجرّي يتصوّر في موارد فقد أصل أو دليل شرعيّ ظاهريّ، مع أنّ كلّ واحد من تلك الأمثلة فيه أصل أو دليل، كاستصحاب عدم حلّ الوطي و عدم جواز تملّك مال في يد الغير و أصالة حقن الدم و هكذا، و هذا كلّه قد أوضحه بعض المحشّين‏ (1).

[2] المتعاطي: المباشر و المرتكب، و المراد تفسيق المتجرّي المرتكب للقتل،

____________

(1) انظر أوثق الوسائل: 28.

230

ذلك [1]؛ لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي، و يعاقب في الآخرة- ما لم يتب- عقابا متوسّطا بين الصغيرة و الكبيرة [2]. و كلاهما تحكّم و تخرّص على الغيب [3]، انتهى [4].

____________

و لا يخفى أنّ التجرّي لا ينحصر في تلك الأمثلة بل له نظائر كثيرة في الأبواب المتفرّقة في الفقه.

[1] هذا ناظر إلى المثال الأخير- أي مرتكب القتل- فقط.

[2] أي يعاقب المتجرّي عقابا أشدّ من عقاب الذنوب الصغيرة و أخفّ من عقاب الذنوب الكبيرة كما عن بعض العامّة (1).

[3] يعني تفسيق المتعاطي في الدنيا حكم بلا دليل، و أيضا تعيين العقوبة له في الآخرة متوسّطا إخبار عن الغيب، بل افتراء على اللّه تبارك و تعالى.

[4] أي انتهى كلام الشهيد (رحمه اللّه) في القواعد و الفوائد.

____________

(1) انظر على سبيل المثال: قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1: 21 و 22.

231

التنبيه الثاني في حجّيّة القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة

232

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

233

الثاني [1]: أنّك قد عرفت: ....

____________

مناقشة الأخباريّين في القطع الحاصل من العقل‏

[1] شرع (رحمه اللّه) في تقريب الأمر الثاني من الامور الأربعة، و هو إثبات حجّيّة القطع مطلقا، سواء حصل من الكتاب أو السنّة أو غيرهما.

و الفرق بين القطع الطريقيّ- أي القطع الكاشف محضا عن الواقع الغير الدخيل في الحكم- و القطع الموضوعيّ- أي الدخيل في الحكم- قد مرّ توضيحه مفصّلا (1).

و قلنا هناك: إنّ الأوّل حجّة مطلقا، من أيّ شخص و أيّ سبب حصل، و في أيّة مسألة و في أيّ زمان كان، و إليه أشار (رحمه اللّه) بقوله سابقا: «ثمّ ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته، من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه ...» (2).

و أمّا الثاني، فهل هو حجّة بنحو الإطلاق، أو على وجه خاصّ تابع لدليل الحكم الواقع فيه القطع موضوعا، و إليه أشار (رحمه اللّه) بقوله سابقا: «و يكون مأخوذا في‏

____________

(1) راجع الصفحة 80 و ما بعدها، ذيل عنوان «انقسام القطع إلى طريقيّ محض و موضوعيّ و جهات الفرق بينهما ...».

(2) فرائد الاصول 1: 31.

234

أنّه لا فرق فيما يكون العلم فيه كاشفا محضا بين أسباب العلم، و ينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريّين [1] ....

____________

الموضوع، و حكمه أنّه يتّبع في اعتباره- مطلقا أو على وجه خاصّ- دليل ذلك الحكم الثابت الذي اخذ العلم في موضوعه ...» (1).

و خالف في ذلك الأخباريّ، و قيّد حجّيّة القطع الطريقيّ بكونه حاصلا من الكتاب و السنّة.

[1] و هم المحدّث الأسترآباديّ‏ (2)، و المحدّث الجزائريّ رحمهما اللّه‏ (3)، و من تبعهما (4) على ما سيجي‏ء توضيحه عند نقل كلامهم مع الردّ عليهم مفصّلا (5).

تشكيك المحقّق الخراسانيّ في أصل هذه النسبة

اعلم أنّ هذه النسبة قد شكّك فيها المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه)، فقال: «و إن نسب إلى بعض الأخباريّين أنّه لا اعتبار بما إذا كان بمقدّمات عقليّة، إلّا أنّ مراجعة

____________

(1) فرائد الاصول 1: 31.

(2) انظر الفوائد المدنيّة: 254 و ما بعده، الفصل الثاني: في بيان انحصار مدرك ما ليس من ضروريّات الدين من المسائل الشرعيّة أصليّة كانت أو فرعيّة في السماع عن الصادقين (عليهم السّلام)، و نقل عنه في فرائد الاصول 1: 52- 54.

(3) راجع شرح التهذيب (مخطوط): 47، نقلا عن فرائد الاصول 1: 55، الهامش 1، و نقل عنه في فرائد الاصول 1: 54.

(4) كالمحدّث البحرانيّ في الحدائق الناضرة 1: 125- 133، المقدّمة العاشرة: في بيان حجّيّة الدليل العقليّ و عدمها، و الدرر النجفيّة: 147 و 148، و نقل عنه في فرائد الاصول 1:

55 و 56.

(5) انظر الصفحة 246 و 265 و ما بعدهما.

235

كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة، بل تشهد بكذبها، و أنّها إنّما تكون إمّا في مقام منع الملازمة- إلى أن قال-: و إمّا في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدّمات العقليّة؛ لأنّها لا تفيد إلّا الظنّ، كما هو صريح الشيخ المحدّث الأمين الأسترآباديّ ...» (1).

تنقيح موضوع البحث في المقام‏

و بعد ذلك نقول: البحث في المقام يقع في موضعين:

الأوّل: أنّه هل يمكن حصول القطع بالحكم الشرعيّ من المقدّمات العقليّة أم لا؟ و هذا بحث صغرويّ.

الثاني: أنّه بعد تسليم حصوله منها، هل يمكن للشارع الأقدس المنع عنه أم لا؟ و هذا بحث كبرويّ.

أمّا الأوّل، فستعرف تصريح المصنّف (رحمه اللّه) بإمكانه في الأحكام العقليّة المستقلّة، حيث يقول: «ثمّ أدركنا ذلك الحكم إمّا بالعقل المستقلّ و إمّا بواسطة مقدّمة عقليّة ...» (2).

و أمّا الثاني، فقد عرفت تصريحه (رحمه اللّه) بعدم إمكانه في القطع الطريقيّ، و بإمكانه في القطع الموضوعيّ، حيث قال: «ثمّ ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته- إلى أن قال-: و يكون مأخوذا في الموضوع، و حكمه أنّه يتّبع ...» (3).

____________

(1) كفاية الاصول: 270.

(2) فرائد الاصول 1: 62.

(3) فرائد الاصول 1: 31.

236

وجه تسمية الأخباريّ بالأخباريّ‏

قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) في توضيح وجه تسمية الأخباريّ بذلك:

«يعجبني أن أذكر في المقام، ما استفدته من المصنّف (قدّس سرّه) في مجلس درسه؛ و هو أمران: أحدهما في بيان وجه تسمية الفرقة المرقومة بالأخباريّ، و هو أحد أمرين: الأوّل: كونهم عاملين بتمام الأقسام من الأخبار من الصحيح و الحسن و الموثّق و الضعيف، من غير أن فرّقوا بينها في مقام العمل، في قبال المجتهدين.

و الثاني: أنّهم لمّا أنكروا ثلاثة من الأدلّة الأربعة، و خصّوا الدليل بالواحد منها- أعني الأخبار- فلذلك سمّوا بالاسم المذكور. و وجه منعهم حجّيّة الكتاب و الإجماع، محرّر في محلّه، و وجه منعهم حجّيّة العقل، ما يأتي ...» (1).

وجه منع الأخباريّين حجّيّة الكتاب و العقل و الإجماع‏

اعلم أنّ وجه منعهم حجّيّة الكتاب قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (2) و وجه منعهم حجّيّة العقل قوله (عليه السّلام): «إنّ دين اللّه عزّ و جلّ لا يصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقاييس الفاسدة ...» (3) و أمّا وجه منعهم حجّيّة

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 71.

(2) وسائل الشيعة 18: 136، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25.

(3) كمال الدين و تمام النعمة: 356 و 357، الحديث 9، و عنه في بحار الأنوار 2: 303، كتاب العلم باب 34، الحديث 41.

237

عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة القطعيّة الغير الضروريّة [1]؛ لكثرة وقوع الاشتباه و الغلط فيها [2]، فلا يمكن الركون إلى شي‏ء منها.

____________

الإجماع أنّه مخترع العامّة، و هم المؤسّسون له، و التفصيل في محلّه‏ (1).

[1] احتراز عن العقليّة القطعيّة الضروريّة، كاستحالة اجتماع الضدّين أو النقيضين، و ارتفاعهما مثلا و كاستحالة التكليف بما لا يطاق مثلا.

وجه عدم اعتبار الحكم الشرعيّ المستفاد من المقدّمات العقليّة عند الأخباريّين‏

[2] اعلم أنّ منعهم من اعتبار الحكم المكشوف بالعقل كان من وجهين، و هذا (2) أحد وجهي المنع في ما حكم به العقل و لم يذكر حكمه في الكتاب و السنّة، كحكم العقل مثلا بعدم وجوب الزكاة للغنم المعلوفة استنادا إلى قاعدة:

«الانتفاء عند الانتفاء» (3)- أي انتفاء الحكم (وجوب الزكاة) عند انتفاء الوصف (كون الغنم معلوفة)- المستفادة من قوله (عليه السّلام): «الزكاة في الإبل و البقر و الغنم السائمة (4)» (5).

____________

(1) انظر فرائد الاصول 1: 184.

(2) أي كثرة وقوع الاشتباه و الغلط.

(3) انظر تمهيد القواعد: 112، قاعدة 26، و فرائد الاصول 1: 263، و كفاية الاصول: 194.

(4) أي الغير المعلوفة.

(5) مستدرك الوسائل 7: 63، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأوّل.

238

و لا يخفى أنّ للمنع وجها آخر لم يذكره المصنّف (رحمه اللّه) هنا، و هو لزوم توسّط المعصوم (عليه السّلام) في الأحكام الشرعيّة بين الخالق و الخلق كما هو مقتضى بعض الروايات، منها قوله (عليه السّلام): «كلّ ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل» (1) و «كلّ شي‏ء لم يخرج من هذا البيت فهو وبال» (2).

و الحاصل: أنّ الأخباريّين و إن سلّموا ما هو المشهور عند الإماميّة من الحسن و القبح العقليّين، الذي نتيجته اعتبار الأحكام المكشوفة بالعقل أيضا، إلّا أنّ الوجهين المذكورين- أي كثرة الغلط و لزوم توسّط الحجّة- قد منعا عن تسليمهم بذلك.

كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) في المقام‏

اعلم أنّ المبحوث عنه في المقام جهات ثلاث قد أوضحها المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) مفصّلا، قال: «الجهة الاولى: قد نسب إلى جملة من الأشاعرة إنكار الحسن و القبح العقليّين و أنّ العقل لا يدرك حسن الأشياء و قبحها، بل بالغ بعضهم و أنكر ثبوت جهة الحسن و القبح للأشياء، و أنّ الحسن ما حسّنه الشارع و القبيح ما قبّحه، و ليست الأحكام تدور مدار المصالح و المفاسد- إلى أن قال-: الجهة الثانية: في الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، بمعنى أنّه في المورد الذي استقلّ العقل‏

____________

(1) بحار الأنوار 2: 94، كتاب العلم باب 14، الحديث 32.

(2) الاختصاص: 31.

239

فإن أرادوا [1] ....

____________

بحسن شي‏ء أو قبحه، فعلى طبقه يحكم الشرع بوجوبه أو حرمته، و هو المراد من قولهم: كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، و قد أنكر هذه الملازمة بعض الأخباريّين، و تبعهم بعض الاصوليّين كصاحب الفصول، حيث أنكر الملازمة الواقعيّة بين حكم العقل و حكم الشرع‏ (1) و التزم بالملازمة الظاهريّة- إلى أن قال-: الجهة الثالثة: ما نسب إلى بعض الأخباريّين أيضا من أنّ القاعدة و إن اقتضت الملازمة بين حكم العقل و الشرع، إلّا أنّه قامت الأدلّة السمعيّة على منع العمل بهذه الملازمة، و أنّه لا بدّ من توسيط تبليغ الحجّة، و لا عبرة بالحكم الواصل من غير تبليغ الحجّة؛ و لذلك حكي عن بعض الأخباريّين من المنع عن العمل بالقطع الحاصل من المقدّمات العقليّة ...» (2).

بيان احتمالين في وجه المنع‏

[1] اعلم أنّ لمنع الأخباريّين عن اعتبار القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة احتمالين، و قد ردّهما المصنّف (رحمه اللّه) و أجاب عنهما بجوابين حلّيّ و نقضيّ:

____________

(1) استنادا إلى قوله تعالى: ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (الإسراء: 15)، كما سيجي‏ء توضيحه في الصفحة 352، الهامش 1، و أيضا راجع الفصول الغرويّة: 342 و 353.

(2) فوائد الاصول 3: 57- 63، و لا يخفى أنّ الجهة الثانية لا دخل لها فعلا في هذا المبحث.

نعم، سيوضح فائدتها في ما بعد عند نقل كلام صاحب الفصول (رحمه اللّه) راجع الصفحة 352، الهامش 1.

240

عدم جواز الركون بعد حصول القطع [1]، فلا يعقل ذلك في مقام اعتبار العلم من حيث الكشف؛ و لو أمكن الحكم بعدم اعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدّمات الشرعيّة طابق النعل بالنعل.

____________

الاحتمال الأوّل و جواب المصنّف (رحمه اللّه) عنه‏

[1] إشارة إلى أحد وجهي الاحتمال في كلام الأخباريّين، و هو عدم جواز الركون إلى القطع بعد حصوله خارجا و عدم جواز الاعتماد عليه شرعا.

و هذا الوجه قد أجاب عنه المصنّف (رحمه اللّه): أوّلا بالحلّ؛ و هو أنّ ذلك في مقام اعتبار القطع الطريقيّ المحض ممنوع، بل هو غير معقول جدّا كعدم معقوليّة إنكار الشمس في رائعة النهار، و وجهه أنّ ما هو المطلوب يحصل بالقطع الطريقيّ المحض، أعني إراءته الواقع و انكشافه به خارجا و عليه فما هو وجه عدم جواز الركون إليه؟

مثاله الواضح: أنّا إذا نقطع و نجزم بقيام من قام في الليل المظلم بمجرّد اشتعال السراج و إضاءته، فلا يجوز لأحد أن يدّعي عدم اعتبار هذا القطع لأجل ظهور القيام لنا باشتعال السراج و لا بدّ أن يحصل لنا ظهوره بطلوع الشمس مثلا، و إلى ذلك أشار المصنّف (رحمه اللّه) و قال: «لا يعقل ذلك في مقام اعتبار العلم ...» مضافا إلى استلزامه التناقض‏ (1).

____________

(1) إشارة إلى قوله (رحمه اللّه) سابقا: «فحكم الشارع بأنّه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له ...»، فرائد الاصول 1: 31.

241

و إن أرادوا عدم جواز الخوض في المطالب العقليّة [1] لتحصيل المطالب الشرعيّة؛ ....

____________

و أجاب (رحمه اللّه) ثانيا بالنقض، بأنّ الاشتباه و الغلط في المقدّمات الشرعيّة أيضا كثير، و يشهد عليه مسألة سهو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الذي قال به الصدوق (رحمه اللّه)(1)، و ادّعى أنّه لطف من اللّه تعالى على العباد؛ لأنّ السهو حقيقة هو الإسهاء منه تعالى، و قال (رحمه اللّه) في من لا يحضره الفقيه: «أنا أحتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الردّ على منكريه» (2)، و التفصيل في محلّه‏ (3).

و إلى ذلك كلّه أشار المصنّف (رحمه اللّه) فقال: «لو أمكن الحكم بعدم اعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدّمات الشرعيّة طابق النعل بالنعل».

الاحتمال الثاني و جواب المصنّف (رحمه اللّه) عنه‏

[1] إشارة إلى ثاني وجهي الاحتمال في كلام الأخباريّين.

و قد أجاب المصنّف (رحمه اللّه) عن هذا أيضا بجوابين حلّيّ و نقضيّ.

____________

(1) أقول: دليله بعض الروايات التي لا اعتبار بها في الاصول الاعتقاديّة و معلوم أنّ العقل أيضا يأباه قطعا؛ لسلب اعتماد النفس عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا احتمل سهوه و نسيانه في كلّ واحد واحد من أحكام شريعته، و قد ردّ عليه السيّد المرتضى (رحمه اللّه) في تنزيه الأنبياء و أيضا المحدّث المجلسيّ (قدّس سرّه) مفصّلا في البحار. و ستعرف توضيحه في الصفحة 269- 271 من هذا الأثر.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 233- 235، باب أحكام السهو في الصلاة، ذيل الحديث 48.

(3) راجع تنزيه الأنبياء: 147، و بحار الأنوار 17: 108- 129، باب سهوه و نومه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الصلاة، و روضة المتّقين 2: 451، و سيجي‏ء الكلام فيه تفصيلا في الصفحة 269- 271، ذيل عنوان «المسألة الثانية: سهو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)».

242

لكثرة وقوع الغلط و الاشتباه فيها، فلو سلّم ذلك [1] و اغمض عن المعارضة [2] بكثرة ما يحصل من الخطأ في فهم المطالب من الأدلّة الشرعيّة، ....

____________

و الفرق بينه و بين الوجه الأوّل، أنّه (رحمه اللّه) بعد الإشارة الإجماليّة أوّلا إلى الجوابين الحلّيّ و النقضيّ، أغمض هنا عنهما ثانيا، و سلّم الاحتمال الثاني تلويحا و قال:

«فله وجه ...».

[1] إشارة إلى الجواب الحلّيّ عن الوجه الثاني، و لفظة «ذلك» ناظر إلى كثرة وقوع الغلط و الاشتباه في المقدّمات العقليّة.

و ملخّص الجواب الحلّيّ و النقضيّ أوّلا: أنّا لا نسلّم كثرة الغلط و الاشتباه في المقدّمات العقليّة، و ثانيا: لو سلّمناه فهو معارض بوقوعه خارجا في فهم المطالب من الأدلّة الشرعيّة، فكثرة وقوع الخطأ لو كانت موجبة لبطلان العمل في الأدلّة العقليّة لكانت موجبة في الأدلّة الشرعيّة. و أضف إليه الروايات العديدة الدالّة على لزوم موافقة الأحكام المكشوفة بالعقل كقوله (عليه السّلام): «ألا و مثل العقل في القلب كمثل السراج في وسط البيت» (1)، و أيضا الرواية المفصّلة الواردة عن موسى بن جعفر (عليهما السّلام): «... يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، و حجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة (عليهم السّلام)، و أمّا الباطنة فالعقول» (2).

[2] إشارة إلى الجواب النقضيّ الذي ذكرناه.

____________

(1) بحار الأنوار 1: 99، كتاب العقل و الجهل باب 2، الحديث 14.

(2) الكافي 1: 16، كتاب العقل و الجهل، الحديث 12، الفقرة الرابعة عشر، و بحار الأنوار 1:

137، كتاب العقل و الجهل باب 4، الحديث 30، في ضمن وصيّة موسى بن جعفر (عليهما السّلام) لهشام بن الحكم.

243

فله وجه [1]، و حينئذ: فلو خاض فيها [2] و حصل القطع بما لا يوافق الحكم الواقعيّ [3] لم يعذر في ذلك؛ لتقصيره في مقدّمات التحصيل ....

____________

[1] يعني بعد تسليم كثرة الغلط و الاشتباه في الأدلّة العقليّة و الإغماض عن المعارضة المذكورة، يكون للمنع عن الخوض في المقدّمات العقليّة وجه.

توضيح عبارة المصنّف (رحمه اللّه)

اعلم أنّ جملة «فله وجه» جعلها أكثر المحشّين جوابا للشرط في قوله: «فلو سلّم» كما جعلوا جملة «فلو سلّم» جوابا للشرط في قوله: «إن أرادوا ...».

و لعلّ الأظهر جعل جملة: «فله وجه» جوابا للشرط في قوله: «إن أرادوا»، و جعل جملة «فلو سلّم» جملة معترضة بين الشرط و الجواب المذكور، و كأنّ المصنّف (رحمه اللّه) قال: الأخباريّ المنكر حجّيّة القطع الحاصل من غير طريق الكتاب و السنّة إن أراد عدم جواز الخوض في المقدّمات العقليّة لتحصيل الأحكام الشرعيّة، فهو وجيه بعد تسليم كثرة الاشتباه في المقدّمات العقليّة و غمض العين عن المعارضة في المقام، و الأمر سهل؛ لوضوح المراد.

[2] تقدير الكلام هكذا: و حين عدم جواز الرجوع إلى المقدّمات العقليّة لو عصى المكلّف و خاض فيها ....

[3] إشارة إلى عدم معذوريّة القاطع السالك الطريق العقليّ‏ (1)؛ كالعامل ببعض القواعد الفلسفيّة الدالّة على عدم وجوب شي‏ء هو واجب واقعا أو عدم حرمة

____________

(1) بخلاف سالك الطريق الشرعيّ، فإنّه معذور مطلقا و بلا شرط، فلا تغفل.

244

إلّا أنّ الشأن [1] في ثبوت كثرة الخطأ أزيد ممّا يقع في فهم المطالب من الأدلّة الشرعيّة.

____________

شي‏ء هو حرام واقعا، و لا يخفى أنّ عدم كونه معذورا يختصّ بما إذا لا يوافق عمله ما كان من وظيفته أن يراجع إليه، سواء كان واقعا حقيقيّا- كالحكم المطابق مع اللوح المحفوظ- أو واقعا تعبّديّا كالحكم المطابق مع خبر الثقة أو فتوى المجتهد مثلا، و أمّا عند مطابقته مع أحدهما فهو معذور و لو خالف النهي عن الخوض، و وجهه ما قرّر في محلّه من ترتّب العقوبة على ذي الطريق لا نفس الطريق، و التفصيل في محلّه.

أقول: قوله (رحمه اللّه): «الواقعيّ» هنا يشمل الظاهريّ أيضا، و لذا يعبّر عن الحكم الظاهريّ بالواقعيّ الثانويّ أحيانا، و بذلك صرّح المصنّف (رحمه اللّه) في أوّل مبحث البراءة فقال: «يطلق عليه‏ (1) الواقعيّ الثانويّ أيضا ...» (2).

و هذا هو السرّ في تقييد عدم كونه معذورا بعدم موافقة ما كان وظيفته الرجوع إليه، فلا تغفل.

[1] استثناء من قوله: «فله وجه»، و «الشأن» معناه الكلام، و المقصود منع كون الخطأ في العقليّات أزيد من الخطأ في الشرعيّات.

و بعبارة اخرى: كأنّ المصنّف (رحمه اللّه) قال: بعد التسليم و الإغماض المذكورين و إن كان ممنوعيّة الخوض في المقدّمات العقليّة أمرا مسلّما قطعيّا، إلّا أنّ‏

____________

(1) أي على الظاهريّ.

(2) فرائد الاصول 2: 10.

245

و قد عثرت- بعد ما ذكرت هذا [1]- على كلام يحكى عن المحدّث الأسترآباديّ في فوائده المدنيّة، قال- في عداد ما استدلّ به على انحصار الدليل في غير الضروريّات [2] ....

____________

الالتزام بكون الخطأ و الاشتباه أكثر في الأدلّة العقليّة منه في الأدلّة الشرعيّة، ادّعاء بلا دليل.

و لعلّ الأولى بل الصواب ذكر الاستثناء المذكور قبل جملة «فله وجه»، حتّى يكون استثناء من قوله: «لو سلّم»، بمعنى أنّه لو سلّمنا أصل الاشتباه في الأدلّة العقليّة لكن لا نسلّم كونه أزيد منه في الأدلّة الشرعيّة، فافهم.

قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «تقرير المنع في الأوّل: أنّا سلّمنا أنّ الخطأ و الاشتباه يقع كثيرا في الدليل العقليّ، لكن نمنع أنّ كلّ ما هو كذلك لا يجوز العمل به؛ لما نرى في الشرعيّات [من‏] كثرة وقوع الخطأ و الاشتباه فيها، و مع ذلك لا يمنع عن العمل بها، كما اعترف به الخصم؛ و في الثاني: أنّا نمنع أنّ كثرة الخطأ و الاشتباه في العقليّات أزيد من كثرة الخطأ في الشرعيّات، بل هما متساويان» (1).

[1] إشارة إلى أنّ توجيهه الأخير بقوله: «فله وجه» قد اطّلع (رحمه اللّه عليه) في كلام المحدّث الأسترآباديّ صريحا (2).

[2] احتراز عن مثل الصوم و الصلاة.

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 74.

(2) انظر الفوائد المدنيّة: 254 و 256.

246

الدينيّة في السماع عن الصادقين (عليهم السّلام) [1]-:

الدليل التاسع [2] مبنيّ على مقدّمة دقيقة شريفة تفطّنت لها بتوفيق اللّه تعالى، و هي:

____________

[1] قراءته بصيغة التثنية و إن كانت صحيحة كناية عن الباقر و الصادق (عليهما السّلام)، باعتبار صدور أكثر الأحكام منهما (عليهما السّلام)، لكنّ الأصحّ قراءته بصيغة الجمع، بشهادة لفظة «(عليهم السّلام)» التي ذكرت في كلام المحدّث الأسترآباديّ‏ (1).

لا يخفى أنّ السماع أعمّ من السماع بلا واسطة و معها، و هو بظاهره و إن اختصّ بالألفاظ و الأقوال لكنّه هنا أعمّ من القول و الفعل و التقرير من المعصوم (عليه السّلام) و قد عرفت سابقا أنّ الأخباريّين حيث لم يعتبروا الاستدلال بظواهر الكتاب فالتزموا بانحصار الدليل لإثبات الأحكام الغير الضروريّة بالسماع عنهم (عليهم السّلام).

ما قاله المحدّث الأسترآباديّ في المقام‏

[2] ملخّص الدليل الذي ذكره المحدّث الأسترآباديّ (رحمه اللّه): أنّ الحكم الشرعيّ المكشوف بالعقل ليس بحجّة، و إنّما الحجّة منه ما كان مكشوفا بالأخبار، سواء كانت قطعيّة كالخبر المتواتر أو ظنّيّة كخبر الواحد بأقسامه و إلّا لم نعصم من الخطأ، و لذا قال في آخر كلامه: «إذا عرفت ما مهّدناه من الدقيقة الشريفة، فنقول:

و إن تمسّكنا بكلامهم فقد عصمنا عن الخطأ، و إن تمسّكنا بغيره لم نعصم عنه ...» (2).

____________

(1) انظر الفوائد المدنيّة: 254 و 256.

(2) راجع المصدر السابق: 259.

247

أنّ العلوم النظريّة قسمان [1]:

____________

أقسام العلوم‏

[1] العلوم النظريّة يراد منها العلوم الاكتسابيّة (1)، مقابل العلوم البديهيّة الغير المحتاجة إلى النظر و الاستدلال، و اللّازم علينا هنا التقسيم العلوم إلى أقسام، فنقول: العلم على قسمين: آليّ، و غير آليّ.

أمّا الأوّل: فإن لوحظ فيه صيانة اللسان عن الخطأ في المقال، فهو علم الصرف و النحو بمعناهما الأعمّ‏ (2)، و إن لوحظ فيه صيانة الفكر عن الخطأ و الاشتباه، فهو علم المنطق؛ و لذا يقال: «المنطق آلة قانونيّة تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر» (3).

و أمّا الثاني: فهو ما كان مطلوبا بنفسه استقلالا من غير لحاظ كونه وسيلة و آلة لعلم آخر، و هذا هو علم الحكمة المنقسمة إلى الحكمة العمليّة و النظريّة.

الحكمة العمليّة و النظريّة و بيان أقسامهما

اعلم أنّ الحكمة إن تصدّت إدارة امور الناس معاشا و معادا، فيعبّر عنها اصطلاحا بالحكمة العمليّة، و إلّا فيعبّر عنها بالحكمة النظريّة التي عرّفت بأنّها علم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه بقدر الطاقة البشريّة.

____________

(1) أي العلوم التي يحتاج اكتسابها إلى النظر و الاستدلال.

(2) أي هما علمان بقوانين ألفاظ العرب و فائدتهما حفظ اللسان عن الخطأ في المقال (راجع جامع المقدّمات 2: 436، كتاب الصمديّة).

(3) الحاشية على تهذيب المنطق: 11.

248

ثمّ إنّ إدارة امور الناس معاشا و معادا إمّا تتعلّق بأشخاص خاصّة و معيّنة من أفراد الناس، فتسمّى بالأخلاق‏ (1)، و إمّا تتعلّق بمصلحة جماعة مشتركة في النفع- كالولد و الوالد و المالك و المملوك مثلا-، فتسمّى بتدبير المنزل؛ و إمّا تتعلّق بمصلحة جماعة مشتركة في بعض المصالح كأهل مملكة واحدة مثلا، فتسمّى بسياسة المدن.

و بعبارة اخرى: الحكمة العمليّة تتعلّق تارة بالأفراد، فتسمّى بالأخلاق؛ و اخرى بالمجتمع الصغير، فتسمّى بتدبير المنزل؛ و ثالثة بالمجتمع الكبير، فتسمّى بسياسة المدن.

و أمّا الحكمة النظريّة، فإنّها تنقسم إلى الإلهيّات و الطبيعيّات و الرياضيّات‏ (2)، و كلّ منها لها اصول و فروع.

أمّا الحكمة الإلهيّة فاصولها عبارة عن البحث في الامور العامّة- كالوجود و العدم و الوجوب و الإمكان و غيرها- و فروعها عبارة عن البحث في اصول الفقه و اصول الدين، كالمبدإ و المعاد، و النبوّة و الإمامة و غيرها من الامور المبحوث عنها في علم الكلام.

و أمّا الحكمة الطبيعيّة، فاصولها عبارة عن البحث في المادّة و الصورة، و المعدن‏

____________

(1) و هو الذي يعبّر عنه أحيانا ب «فلسفة الأخلاق».

(2) أقول: الإلهيّات يعبّر عنها بالفلسفة العليا، و الرياضيّات بالفلسفة الوسطى، و الطبيعيّات بالفلسفة السفلى.

249

قسم ينتهي إلى مادّة هي قريبة من الإحساس [1]، ...

____________

و النبات، و الحيوان و الإنسان، و غيرها من الامور الطبيعيّة؛ و فروعها عبارة عن علم الطبّ و البيطاريّ‏ (1)، و علم السحر و غيرها.

و أمّا الحكمة الرياضيّة، فهي تنحصر في ثلاثة: أحدها: الحساب؛ و ثانيها: الهندسة؛ و ثالثها: الموسيقى، الغير المذكور في المتن كعدم ذكر الحكمة العمليّة فيه رأسا، فافهم.

قال بعض المحشّين: «اصول علم الرياضيّ ثلاثة: الهندسة، و هو ما يبحث فيه عن المقادير. و الحساب، و هو ما يبحث فيه عن العدد. و علم الهيئة و النجوم، و هو ما يبحث فيه عن أوضاع العالم العلويّ و هيئتها» (2).

[1] إشارة إلى أنّ الحكمة النظريّة مع ابتنائها على النظر و الاستدلال، يمكن أن تكون مؤدّاها محسوسة غير قابلة للإنكار أصلا، كمسائل الحساب و الهندسة و غيرها من الامور المحسوسة أو قريبة من الإحساس.

قال صاحب الأوثق (رحمه اللّه): «قوله (رحمه اللّه): [علم الهندسة ...] موضوعه الكمّ المتّصل القارّ الذات، أعني الجسم التعليميّ و السطح و الخطّ، و من مسائله قول المهندسين:

كلّ خطّ قام على خطّ فإنّ زاوية جنبيه قائمتان أو متساويتان لهما. قوله (رحمه اللّه):

[و علم الحساب ...] موضوعه الكمّ المنفصل، و هو العدد، و من مسائله قولهم: إذا ضربت عدد كذا في عدد كذا يحصل كذا ...» (3).

____________

(1) معالج الإنسان يسمّى بالطبيب، و معالج الحيوان يسمّى بالبيطار.

(2) قلائد الفرائد 1: 74. أقول: لعلّ الأولى بل الصواب- بناء على ما نقلنا عنه- عدّ الموسيقى من فروع علم الرياضيّ، فلا تغفل.

(3) أوثق الوسائل: 30.

250

و من هذا القسم [1] علم الهندسة [2] و الحساب [3] و أكثر أبواب المنطق [4]، ...

____________

و الشاهد على عدم إمكان إنكار أمثال هذه المسائل هو تشبيه الناس امورهم الواضحة كثيرا بقولنا: دو دوتا چهارتا، مثلا.

[1] أي من قسم العلوم النظريّة المنتهية إلى مادّة قريبة من الإحساس.

[2] «الهندسة» بفتح الهاء و الدال و السّين معرّب «أندزه» (1).

[3] الأولى ضمّ علم الموسيقى إليهما؛ لكونه من فروع علم الرياضيّ، كما أوضحناه آنفا.

[4] إشارة إلى بعض القواعد المسلّمة في علم المنطق، ككون نقيض السالبة الكلّيّة موجبة جزئيّة، مثلا إذا نفى شخص كلّ رجل في الدار بنحو السالبة الكلّيّة بقوله مثلا: لا رجل في الدار، فرأينا فيها بأعيننا رجلا، صحّ أن يقال له: إنّ خبرك هذا يناقض ما في الخارج، و كاعتبار إيجاب الصغرى و كلّيّة الكبرى في الشكل الأوّل من القياس، و كاشتراط اختلاف المقدّمتين و كلّيّة الكبرى في الشكل الثاني منه، و هكذا الشرائط المذكورة في سائر الأشكال الأربعة

« مغ‏كب» اوّل« خين‏كب» ثاني و« مغ‏كاين» سيم‏* * * در چهارم« مين كغ» يا« خين‏كاين» شرط دان‏

(2).

____________

(1) انظر المنجد في اللغة: مادّة «هندس».

(2) و قد نظم الشاعر شرائط إنتاج الأشكال الأربعة بالفارسيّة تسهيلا للضبط و الحفظ:

«مغ‏كب» اوّل «خين‏كب» ثاني و «مغ‏كاين» سيم‏* * * در چهارم «مين كغ» يا

«خين‏كاين» شرط دان‏

حيث إنّ «مغ‏كب» يرمز به إلى اشتراط كون الصغرى موجبة و الكبرى كلّيّة، و «خين‏كب» يرمز به إلى اشتراط اختلاف المقدّمتين في الإيجاب و السلب و كلّيّة الكبرى، و «مغ‏كاين» يرمز به إلى اشتراط إيجاب الصغرى و كلّيّة إحدى المقدّمتين، و «مين كغ»

251

و هذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء [1] و الخطأ في نتائج الأفكار؛ ....

____________

اعلم أنّ عدّ المنطق آنفا من العلوم الآليّة الخارجة عن الحكمة النظريّة، لا ينافي عدّه هنا من الحكمة و اندراجه فيها.

توضيح ذلك: أنّ ذكر المنطق في العلوم النظريّة القريبة و البعيدة هو لمجرّد قربه منها في بعض مسائله و بعده عنها في البعض الآخر، و عليه فلا منافاة بين فرض المنطق علما آليّا و وسيلة لحفظ الأفكار عن الخطأ، و بين عدّه من العلوم النظريّة القريبة و البعيدة، مرّة بلحاظ مسائله القريبة من الحسّ كما اشير إليه آنفا، و اخرى بلحاظ مسائله البعيدة عن الحسّ كما سيشير إليه عن قريب‏ (1).

و بالجملة، ذكر المنطق من أقسام الحكمة النظريّة هو لمجرّد التشبيه له بها من حيث المادّة قريبة و بعيدة، و إلّا ففي الحقيقة هو من أقسام العلم الآليّ، فلا تغفل.

عدم وقوع الخطأ في الحكمة النظريّة القريبة من الحسّ و وقوعه في البعيدة عنه‏

[1] إشارة إلى نفي الخلاف و النزاع بين العلماء في الحكمة النظريّة القريبة من الحسّ، مقابل الحكمة النظريّة البعيدة عن الحسّ كالإلهيّة و الطبيعيّة، فإنّه يقع‏

____________

يرمز به إلى اشتراط إيجاب المقدّمتين و كلّيّة الصغرى، و «خين‏كاين» يرمز به إلى اشتراط اختلاف المقدّمتين في الإيجاب و السلب و كلّيّة إحدى المقدّمتين. (راجع الحاشية على تهذيب المنطق: 96، الهامش 1).

(1) انظر الصفحة 254 و 255.

252

و السبب في ذلك أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادّة، و الخطأ من جهة الصورة [1] لا يقع من العلماء؛ لأنّ معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، و الخطأ من جهة المادّة لا يتصوّر في هذه العلوم؛ لقرب الموادّ فيها إلى الإحساس.

و قسم ينتهي إلى مادّة هي بعيدة عن الإحساس، و من هذا القسم الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة و علم الكلام و علم اصول الفقه [2] ....

____________

فيها الخلاف و النزاع بينهم، و عليه فتقدير الكلام هكذا: العلوم النظريّة الاكتسابيّة، موادّها تارة حسّية، و اخرى بعيدة عن الحسّ، و الأوّل لا يقع فيه الاشتباه و الخطأ، لكنّ الثاني يقع فيه ذلك، و حيث إنّ ما نحن فيه- أي الأحكام المكشوفة بالعقل النظريّ- من هذا القبيل، فلا اعتبار بها، كما هو مطلوب الأخباريّ.

أقول: تقريب بيان الخلاف و النزاع في الحكمة النظريّة الإلهيّة أنّه اختلف الباحثون عن أحوال الوجود و عوارضه مثلا في أنّ الموجودات- واجبة كانت أو ممكنة- هل هي حقيقة واحدة مقولة بالتشكيك أو حقائق مختلفة مباينة ذاتا، و اختلفوا أيضا في أنّ الإرادة هل هي من أفعال الباري تعالى أو من صفاته الذاتيّة و هلمّ جرّا.

[1] الألف و اللام في «الصورة» عوض عن المضاف إليه، أي صورة القياس و هيئته. و من الواضح أنّه لا يقع الخطأ من العلماء في ما ذكره المنطقيّون من أنّ تكرّر حدّ الوسط في الصغرى و الكبرى مثلا من جملة شرائط إنتاج القياس، مثل «العالم متغيّر و كلّ متغيّر حادث فالعالم حادث».

[2] لعلّ الأنسب ذكر علم الاصول في العلوم الآليّة؛ لكونه وسيلة و آلة

253

و المسائل النظريّة الفقهيّة [1] ....

____________

لتحصيل المسائل الشرعيّة الفرعيّة، كما عرّفوه بقولهم: «فهو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة» (1)، و التفصيل في محلّه‏ (2).

الاختلاف في العلوم النظريّة و ذكر نماذج من وقوع الخطأ فيها

[1] هذا من باب تقدّم الصفة على الموصوف.

و جميع ذلك من فروع الحكمة الإلهيّة البعيدة موادّها عن الحسّ، و كثيرا ما يقع فيها النزاع و الخلاف.

كما يقع الخلاف مثلا في الحسن و القبح العقليّين في علم الكلام، و قد أنكرهما الأشاعرة و أثبتهما غيرهم‏ (3) و يقع الخلاف أيضا في التكليف بما لا يطاق الذي أثبته الأشاعرة و أنكره غيرهم‏ (4)، و كذا يقع الخلاف في علم الاصول في أنّ الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن الضدّ أم لا؟ فإنّه أثبت ذلك جمع و أنكره آخرون‏ (5)، و أيضا في علم الفقه يبحث عن فوريّة خيار الغبن و تراخيه‏ (6)، و اختار المحقّق‏

____________

(1) قوانين الاصول 1: 5.

(2) انظر على سبيل المثال كفاية الاصول: 9.

(3) انظر كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 417- 420، المسألة الاولى من الفصل الثالث، و فوائد الاصول 3: 57- 60.

(4) انظر على سبيل المثال الإحكام في اصول الأحكام للآمدي 1: 115- 124، و نهاية الوصول 1: 545، ذيل عنوان «في امتناع التكليف بالمحال».

(5) راجع معالم الدين: 63، و كفاية الاصول: 129.

(6) ملخّصه: أنّ بعد تخصيص العامّ- كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (المائدة: 1)- بأدلّة-

254

و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق [1]؛ ....

____________

الثاني (رحمه اللّه) الأوّل‏ (1)، و الشهيد الثاني (رحمه اللّه) الثاني‏ (2)، كما قرّبه المصنّف (رحمه اللّه) مفصّلا في المكاسب‏ (3)، و مجملا في مبحث الاستصحاب‏ (4).

[1] إشارة إلى بعض المسائل الخلافيّة في المنطق، منها: النزاع بين المعلّم الثاني أبو نصر الفارابيّ و الشيخ الرئيس في مبحث القضايا الممكنة المعبّر عنها اصطلاحا بمبحث عقد الوضع، مثل الإنسان كاتب فهاهنا وقع النزاع بينهما في أنّه هل هي بالفعل أو بالإمكان؟ ذهب الثاني إلى الأوّل، و الأوّل إلى الثاني و لمّا اختار التفتازانيّ مذهب الثاني، قال: «لا عكس للممكنتين ...» (5).

____________

خيار الغبن، هل يقتضي القاعدة بعد مضيّ زمان عن اطّلاع الغبن الرجوع إلى عموم العام، أو يقتضي الرجوع إلى استصحاب حكم المخصّص؟ و ذهب المحقّق الثاني إلى الأوّل، و ذهب الشهيد الثاني (رحمه اللّه) إلى الثاني، و التفصيل في محلّه. (انظر على سبيل المثال مفتاح الكرامة 14: 242 و 243).

(1) أي أنّه فوريّ (راجع جامع المقاصد 4: 38).

(2) أي أنّه على التراخي، يعني يجري الاستصحاب في هذا الخيار (راجع مسالك الأفهام 3:

190 و 204).

(3) انظر كتاب المكاسب 5: 209، و ما بعده عند قوله (رحمه اللّه): «و أمّا استناد القول بالتراخي إلى الاستصحاب، فهو حسن ...».

(4) انظر فرائد الاصول 3: 275، التنبيه العاشر من تنبيهات الاستصحاب.

(5) راجع الحاشية على تهذيب المنطق: 77 و 78. حيث قال: قوله: [و لا عكس للممكنتين ...] اعلم أنّ صدق وصف الموضوع على ذاته في القضايا المعتبرة في العلوم، بالإمكان عند الفارابيّ و بالفعل عند الشيخ- إلى أن قال-: فالمصنّف لمّا اختار مذهب الشيخ- إذ هو المتبادر في العرف و اللغة- حكم بأنّه لا عكس للممكنتين ...».