الوسائل إلى غوامض الرسائل‏

- السيد رسول الموسوي الطهراني المزيد...
664 /
255

و من ثمّ وقع الاختلافات [1] و المشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة، و بين علماء الإسلام في اصول الفقه و المسائل الفقهيّة و علم الكلام، و غير ذلك.

و السبب في ذلك: أنّ القواعد المنطقيّة إنّما هي عاصمة من الخطأ من جهة الصورة [2]، لا من جهة المادّة، [إذ أقصى ما يستفاد من المنطق في باب موادّ الأقيسة [3] ...

____________

قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «قوله (رحمه اللّه): [و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق ...] أقول: إنّ هذا كالجنس و الفصل و النوع و العرض بقسميه‏ (1)؛ فإنّ أهل الميزان و إن بيّنوا مفهومها بما هو في محلّه، لكنّ هذا المفهوم ينتهي إلى مادّة هي بعيدة عن الإحساس غايته‏ (2)، كما في الحيوان الناطق و نحوه. و بعده عن الإحساس أمر حسّيّ؛ و لذا وقع التشاجر في حقيقته» (3).

[1] وجه الاختلافات و المشاجرات بعد هذه العلوم عن الحسّ و أنّها ليست من الضروريّات.

[2] يعني من جهة رعاية قواعد ترتيب القياس بإحدى الأشكال الأربعة بالتقريب المتقدّم آنفا (4).

[3] الأقيسة جمع القياس، و المقصود منها الصناعات الخمس، أعني البرهان‏

____________

(1) أي العرض العامّ و الخاصّ.

(2) أي غاية البعد.

(3) قلائد الفرائد 1: 75.

(4) انظر الصفحة 250، الهامش 2.

256

تقسيم الموادّ على وجه كلّيّ إلى أقسام [1]] [2] و ليست في المنطق قاعدة بها يعلم [3] أنّ كلّ مادّة مخصوصة داخلة في أيّ قسم من الأقسام، و من المعلوم امتناع وضع قاعدة تكفل بذلك.

ثمّ استظهر ببعض الوجوه تأييدا لما [4] ذكره [5]، و قال بعد ذلك:

____________

و الخطابة و الجدل و الشعر و المغالطة، أي السفسطة.

و بالجملة، فالقياس كما أنّه ينقسم باعتبار الهيئة و الصورة إلى الاقترانيّ و الاستثنائيّ، كذلك ينقسم باعتبار المادّة إلى الامور الخمسة المذكورة، و التفصيل في محلّه‏ (1).

[1] و المراد من الأقسام هي الصناعات الخمس، فلا تغفل.

[2] ما بين المعقوفتين ورد في بعض النسخ، منها نسخة الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه)(2) و أيضا في المصدر (3).

[3] إشارة إلى أنّه لا يمكن تأسيس قانون في المنطق به يعلم أنّ مادّة هذا القياس مثلا داخلة في صناعة البرهان، أو في صناعة المغالطة، مثل «العالم أثر القديم، و أثر القديم قديم، فالعالم قديم»، مقابل قولنا: «العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث».

[4] المراد من الموصول كثرة وقوع الخطأ و الاشتباه و المشاجرات بين العلماء.

[5] إشارة إلى ما استظهره الأسترآباديّ (رحمه اللّه) في مطاوي كلماته المفصّلة بقوله:

____________

(1) راجع الحاشية على تهذيب المنطق: 110- 113.

(2) راجع الرسائل المحشّى: 9.

(3) انظر الفوائد المدنيّة: 257.

257

فإن قلت: لا فرق في ذلك [1] بين العقليّات و الشرعيّات؛ و الشاهد على ذلك ما نشاهد من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في اصول الدين و في الفروع الفقهيّة.

قلت: إنّما نشأ ذلك [2] من ضمّ مقدّمة عقليّة باطلة [3] بالمقدّمة النقليّة الظنّيّة أو القطعيّة؛

و من الموضحات لما ذكرناه- من أنّه ليس في المنطق قانون يعصم عن الخطأ في مادّة الفكر-: أنّ المشّائيّين [4] ادّعوا البداهة في أنّ تفريق ماء كوز إلى‏

____________

«و ممّا يوضح ما ذكرناه من جهة النقل، الأحاديث المتواترة معنى، الناطقة بأنّ اللّه تعالى أخذ ضغثا من الحقّ و ضغثا من الباطل فمغثهما ثمّ أخرجهما إلى الناس‏ (1)، ثمّ بعث أنبياءه يفرّقون بينهما، ففرّقتهما الأنبياء ...» (2).

[1] أي في كثرة الخطأ و الاشتباه و عدم الأمن منه.

[2] أي الاختلاف بين أهل الشرع.

[3] هذا منه (رحمه اللّه) تحكّم محض؛ لأنّ منشأ الخلاف بين الفقهاء غالبا اختلاف فهمهم من الأحاديث المرويّة عن المعصومين (عليهم السّلام) و كيفيّة علاج التعارض عند وقوعه بينها، و الشاهد عليه اختلاف الأخباريّين أيضا في كثير من المسائل الشرعيّة.

[4] اعلم أنّ المشائيّين طائفة من الحكماء و الفلاسفة، و هم التابعون مذهب أرسطو، كما أنّ الإشراقيّين طائفة اخرى منهم، و هم التابعون مذهب أفلاطون.

____________

(1) أي خلط الحقّ و الباطل و ألقاهما بين الناس.

(2) الفوائد المدنيّة: 257.

258

قال صاحب الأوثق (رحمه اللّه): «إنّ المشائيّين طائفة من الحكماء لم يعتبروا في تحصيل المعارف بالرياضات و التصفية و المكاشفات، فأخذوا مسلك الاستدلال‏ (1) و الوقوف على حقيقة الأشياء بالبرهان، و قيل في وجه تسميتهم: إنّهم كانوا كثيري المشي و التردّد إلى استادهم المعلّم الأوّل لأخذ العلوم و تعلّمها، أو كان بناء المعلّم على التدريس حين مشيه ذهابا إلى الاسكندريّة و إيابا منها، و الإشراقيّون طائفة من الحكماء أعرضوا عن طريق الاستدلال، فاعتبروا في الوقوف على حقيقة الأشياء بالكشف و الشهود بمجاهدة النفس و تصفية الباطن» (2).

و اعلم أنّ أرسطو و أرسطاطاليس واحد، و هو تلميذ أفلاطون القائل بأنّ الاستدلال و البرهان لا يكفي في كشف الحقائق و المعارف، بل يحتاج كشفها إلى تصفية الباطن ليشرق عليه أنوار الهداية؛ لأنّ العلم نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء، و أمّا تلميذه فمشى في ذلك طريق الاستدلال و البرهان لا غير، فافهم.

ثمّ اعلم أنّ الموجودات- سواء كانت جوهرا أو عرضا مثل الأجسام و الألوان- هي قارّة عند الإشراقيّين، بمعنى أنّ وجود هذا الجسم بجميع أوصافه العرضيّة كالاتّصال و الانفصال و السواد و البياض و غيرها من عوارضه الأخر، عين وجوده السابق و المتجدّد في المستقبل، فإنّ تبادل الأجرام و الموادّ فيه لا يوجب الاختلاف أصلا، لبقاء الوحدة النوعيّة بينها وجودا و ماهيّة، و كونها

____________

(1) يعني مشيهم على الاستدلال فقط.

(2) أوثق الوسائل: 31.

259

محفوظة في جميع تلك التبادلات الحاصلة، و بذلك صرّح المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) في مبحث الاستصحاب بمناسبة البحث عن الاستصحاب الكلّيّ القسم الثالث عند ذكر المثال له‏ (1)، و أيضا مثّل لهما المصنّف (رحمه اللّه) بالسواد الشديد و الضعيف‏ (2).

و أمّا عند المشّائيّين فهي غير قارّة، بمعنى أنّ هذا الجسم مثلا يتجدّد وجوده في كلّ آن شيئا فشيئا في حدّ خاصّ‏ (3).

فهذا الجسم في الزمان السابق غيره في الزمان اللاحق، و كلّ منهما غيره في الزمان الآتي، و التفصيل في محلّه.

ثمّ إنّ الجوهر ينقسم إلى أقسام، و يعبّر عنها بالجواهر الخمسة، و هي المادّة و الصورة و الجسم و النفس و العقل، و العرض أيضا ينقسم إلى أقسام، و يعبّر عنها بالأعراض التسعة، و هي الكمّ و الكيف و الإضافة و الأين و الوضع و المتى و الملك و الفعل و الانفعال، فالمقولات العشر هي الجوهر و الأعراض التسعة، و التفصيل في محلّه‏ (4).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ تقسيم الماء الواحد إلى قسمين على المبنى الأخير (5)

____________

(1) انظر فوائد الاصول 4: 423 و 424.

(2) انظر فرائد الاصول 3: 196.

(3) أقول: لعلّ هذا عبارة اخرى عن الحركة الجوهريّة.

(4) انظر على سبيل المثال كشف المراد: 214- 389، المقصد الثاني في الجواهر و الأعراض، و شرح المنظومة 1: 416، المقصد الثاني في الجوهر و العرض.

(5) أي مبنى المشائيّين.

260

يعدّ إعداما للشخص الأوّل و إحداثا لشخصين آخرين خارجا، لكن حيث علمنا قطعا و جزما بعدم حدوثهما من كتم العدم، فلا بدّ من الالتزام بوجود ما به الاشتراك بين المعدوم الأوّل و الحادثين الآخرين المعبّر عنه تارة بالهيولى كما في اصطلاح فلاسفة يونان، و اخرى بالمادّة الاولى كما في اصطلاح غيرهم.

و على أيّ حال الجوهر كالماء في المثال المذكور و كالنواة في المثال الآتي قابل لعروض الأعراض عليه، و بهذا الاعتبار تصحّ الإشارة إلى الماءين الحادثين، فيقال: هذا يقبل الانقسام، نظير النواة المغروسة في الأرض إلى أن تكون شجرة مثلا، يصحّ بهذا الاعتبار أيضا الإشارة إليها و يقال: هذه تقبل الشجريّة، و الفرق بين المثالين أنّ الأوّل يعبّر عنه اصطلاحا ببرهان الوصل و الفصل؛ و الثاني يعبّر عنه ببرهان القوّة و الفعل.

و بعبارة اخرى: الإشارة المذكورة لا تصحّ إلّا بعد الالتزام بوجود ما به الاشتراك بين الماء الأوّل و الماءين الحادثين الثابت في حالتي الاتّصال و الانفصال معا، و هو مصحّح الإشارة إليهما و الحكم بقابليّتهما للانقسام، فإنّه بدون ذلك لا يجوز قطعا الإشارة المذكورة، و هو واضح ظاهر جدّا لا غبار عليه أصلا.

و الحاصل: أنّ المشّائيّين أثبتوا الهيولى بإثبات مقدّمات ثلاث:

المقدّمة الاولى: الالتزام بانعدام الماء الأوّل و حدوث شخصين آخرين، باعتبار أنّ كلّا منهما في كلّ حال يكون في حدّ خاصّ.

261

و المقدّمة الثانية: العلم الوجدانيّ بعدم حدوث هذين الماءين من كتم العدم.

و المقدّمة الثالثة: صحّة الإشارة إليهما و الحكم بقابليّة انقسامهما إلى قسمين.

و بالجملة، إنّ الأجسام بعد كونها في كلّ آن في حدّ خاصّ- كما هو مذهب المشّائيّين- فلا بدّ فيها من الالتزام بتركّبها من الهيولى و الصورة لتصحّ الإشارة إليها في جميع الحالات وصلا و فصلا قوّة و فعلا، كالمثالين المذكورين.

و أمّا الإشراقيّون فحيث أنكروا تركّبها رأسا، ادّعوا أنّ الماء في المثال لا يعدم شخصه فيحدث شخصان آخران حتّى اضطرّوا إلى الالتزام بالهيولى، قالوا: بل المعدوم هو خصوص وصفه العرضيّ- و هو الاتّصال- لا غير، و قد اختاره‏ (1) الخواجة الطوسيّ (رحمه اللّه) أيضا في كتاب التجريد في الفصل الأوّل من المقصد الثاني‏ (2).

لا يخفى أنّ هذين المبنيين أوضحهما صاحب الأوثق (رحمه اللّه) فقال: «الجوهر المتّصل في ذاته الذي كان بلا مفصّل، إذا طرأ عليه الانفصال انعدم و حدث هناك جوهران متّصلان في ذاتهما، فلا بدّ هناك من شي‏ء آخر مشترك بين المتّصل الأوّل و بين هذين المنفصلين، و لا بدّ أن يكون ذلك الشي‏ء باقيا بعينه في الحالتين، و إلّا لكان تفريق الجسم إلى جسمين إعداما لجسم بالكلّيّة و إيجادا للجسمين الآخرين من كتم العدم، و الضرورة تقتضي ببطلانه، و اجيب عنه بمنع الملازمة؛ لأنّ تفريق‏

____________

(1) أي إنكار التركّب.

(2) انظر كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 214- 229.

262

كوزين إعدام لشخصه [1] و إحداث لشخصين آخرين، و على هذه المقدّمة [2] بنوا إثبات الهيولى، و الإشراقيين ادّعوا البداهة في أنّه [3] ليس إعداما [4] للشخص الأوّل و إنّما انعدمت صفة من صفاته، و هو الاتصال.

____________

جسم إلى جسمين إعدام لصفة من صفات الجسم الأوّل بالضرورة، و هي صفة الاتّصال، لا أنّه إعدام لشخصه و إحداث للشخصين الآخرين حتّى يتمّ المطلوب ...» (1).

[1] أي الماء الأوّل.

[2] أي بداهة أنّ تفريق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه و إحداث لشخصين آخرين.

[3] أي التفريق.

[4] الضمير المنصوب يعود إلى «تفريق الماء».

ملخّص الكلام: أنّ الإشراقيّين المنكرين للهيولى رأسا قد ادّعوا أنّ الثابت في تفريق كلّ جسم إلى جسمين- ماء كان أو غيره- هو زوال صفة من صفات الجسم الأوّل، و هي الاتّصال لا زوال شخص و إيجاد شخصين آخرين غيره، مقابل المشّائيّين، فإنّهم قد ادّعوا بداهة زوال الجسم الأوّل و إيجاد جسمين آخرين، إلّا أنّه بعد القطع بعدم حدوثهما خارجا من كتم العدم يكشف عن وجود شي‏ء آخر ثابت في كلتا الحالتين، و هو الهيولى و المادّة (2)، و هو المطلوب.

____________

(1) أوثق الوسائل: 31.

(2) و يعبّر في الفارسيّ عن الهيولى و المادّة ب «ذات»، فافهم.

263

ثمّ قال:

إذا عرفت ما مهّدناه من الدقيقة الشريفة، فنقول:

إن تمسّكنا بكلامهم (عليهم السّلام) فقد عصمنا من الخطأ، و إن تمسّكنا بغيرهم [1] لم نعصم عنه، انتهى [2] كلامه.

و المستفاد من كلامه: عدم حجّية إدراكات العقل في غير المحسوسات و ما [3] تكون مبادئه قريبة من الإحساس.

____________

[1] في الفوائد المدنيّة «بغيره» (1)، و هو الصواب؛ لرجوع الضمير فيه إلى «الكلام»، و لكن في جميع نسخ الرسائل «بغيرهم»، فلا تغفل.

[2] إنّ المصنّف (رحمه اللّه) لم ير قطعا أصل الكتاب، و عين كلام المحدّث الأسترآباديّ و إلّا لم يدّع الانتهاء فإنّه لا ينتهي كلامه، فراجعه‏ (2).

و كيف كان، كأنّ المحدّث المذكور قال: هذه المسألة المطروحة في المقام- أي تفريق ماء إلى ماءين- التي هي من المسائل الساذجة جدّا إذا تشاجر فيها المتفكّرون الكبراء الحائزين جودة الفكر، كيف يحصل لنا الاطمينان بالرجوع إلى القواعد الفلسفيّة لتحصيل الأحكام الشرعيّة الفرعيّة.

[3] الأولى بل الصواب أنّه عطف على لفظة «غير» فيكون تقدير الكلام هكذا: إنّ مدركات العقل و الأحكام المكشوفة به لا تكون حجّة في غير المحسوسات و في غير ما تكون مبادئه و مقدّماته قريبة من الحسّ، فيكون حجّيّة

____________

(1) الفوائد المدنيّة: 259، يعني بغير كلامهم (عليهم السّلام).

(2) انظر المصدر السابق، و المضبوط فيه «لم يعصم عنه».

264

و قد استحسن ما ذكره- إذا لم يتوافق عليه العقول [1]- غير واحد ممّن تأخّر عنه، منهم السيّد المحدّث الجزائريّ (قدّس سرّه) في أوائل شرح التهذيب على ما حكي عنه. قال بعد ذكر كلام المحدّث المتقدّم بطوله:

____________

مدركات العقل منحصرا في المحسوسات و في الامور القريبة من الإحساس.

و ملخّص كلامه‏ (1): أنّ اعتبار الحكم الشرعيّ المكشوف بالعقل، مشروط بكونه من قبيل المحسوسات- نظير الواحد نصف الاثنين مثلا-، أو من قبيل ما كان مبادئه قريبا من الحسّ- نظير مسائل الحساب و الهندسة مثلا-، أو يكون ممّا اتّفق عليه العقول- نظير استحالة اجتماع الضدّين مثلا-، و إلّا لا يكون معتبرا أصلا، و كلّ ذلك قد سلّمه السيّد المحدّث الجزائريّ (رحمه اللّه)، على ما سيجي‏ء توضيحه في ما بعد.

[1] لم ترد عبارة «إذا لم يتوافق عليه العقول» في أكثر النسخ، و وردت في النسخة المحشّاة بحواشي الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه) بعد قوله: «من الإحساس» (2) و هو الصواب، و مراده (رحمه اللّه) الإشارة إلى الامور المختلف فيها عند العقول، فإنّها أيضا ليست حجّة أصلا، فتقدير الكلام هكذا: إنّ الامور المتّفق عليها العقول حجّة، و إن لم تكن من المحسوسات و لا من الامور القريبة من الحسّ.

____________

(1) أي المحدّث الأسترآباديّ.

(2) راجع الرسائل المحشّى: 9، و جاء فيه هكذا: «... و ما يكون مبادئه قريبة من الإحساس إذا لم يتوافق عليه العقول ...».

265

و تحقيق المقام يقتضي ما ذهب إليه [1]. فإن قلت: قد عزلت العقل عن الحكم في الاصول و الفروع، فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل؟ [2]

قلت: أمّا البديهيّات فهي له وحده، و هو الحاكم فيها [3]. و أمّا النظريات [4]:

____________

دائرة حكومة العقل عند المحدّث الجزائريّ (رحمه اللّه)

[1] هذا مقول قول السيّد المحدّث الجزائريّ (رحمه اللّه)، قال صاحب الأوثق (رحمه اللّه):

«خلاف هذا المحدّث مع المحدّث السابق بعد اعتباره ما اعتبره، في موضعين:

أحدهما: اعتبار هذا المحدّث حكم العقل في البديهيّات، و إن لم يكن ثبوتها من الشرع ضروريّا، بل كانت بديهيّة عند العقل- إلى أن قال-: ثانيهما: تقديمه الحكم العقليّ المعاضد بالنقليّ على الحكم النقليّ المعارض له ...» (1).

[2] إيراد من السيّد الجزائريّ (رحمه اللّه) على نفسه الشريفة، و ملخّصه: اعتزال العقل و انزاؤه عن الحكم يقتضي تصديق مذهب الأسترآباديّ؛ إذ مع تصديق كلام المحدّث الأسترآباديّ لا يبقى مورد يصلح أن يحكم العقل فيه اصولا و فروعا.

[3] إشارة إلى موارد يصلح أن يحكم فيها العقل وحده؛ نظير استحالة اجتماع الضدّين و النقيضين و ارتفاعهما، و نظير الكلّ أعظم من الجزء، و غيرهما من البديهيّات الأخر.

[4] قد عرفت أنّ النظريّات على قسمين:

أحدهما هي القريبة من الحسّ، التي يحكم فيها العقل وحده، و قد مرّ مثالها سابقا ضمن قولنا: إنّ نقيض السالبة الكلّيّة هي الموجبة الجزئيّة و بالعكس.

____________

(1) أوثق الوسائل: 31.

266

فإن وافقه النقل و حكم بحكمه قدّم حكمه [1] على النقل وحده، و أمّا لو تعارض هو و النقليّ [2] فلا شكّ عندنا في ترجيح النقل و عدم الالتفات إلى ما حكم به العقل.

____________

و ثانيهما هي البعيدة عن الحسّ، فإنّ حكم العقل فيها عند ما يوافقه النقل يقدّم على النقل وحده، و مثاله: تقبيح العقل التجرّي في مرحلة القصد و النيّة فعلا أو فاعلا، و هذا حيث يؤيّد بالآيات و الروايات الكثيرة، يقدّم على الروايات الدالّة على عدم قبحه، بل تدلّ على ترتّب الثواب عليه إذا عدل عن قصده، بالتقريب المتقدّم سابقا (1).

[1] الضمائر البارزة منصوبة و مجرورة تعود إلى «العقل»، و الضمير المرفوع المستتر في الفعل‏ (2) يعود إلى «النقل»، و المقصود تقدّم حكم العقل الذي يوافقه النقل على حكم النقل وحده عند وقوع التعارض بينهما.

تقدّم النقليّ القطعيّ على العقليّ القطعيّ عند التعارض و ذكر مسائل تتفرّع عليه‏

[2] إشارة إلى تعارض الحكم العقليّ المفيد للقطع مع النقليّ المفيد للقطع في مسألة و لا يترجّح أحدهما على الآخر، لكنّ المحدّث المذكور حكم بتقديم الثاني على الأوّل بالجزم، و ستعرف أنّه لا يمكن خارجا، و لذا يقول المصنّف (رحمه اللّه) في ما سيأتي متعجّبا منه: «فليت شعري ...»، فانتظر توضيحه منه (رحمه اللّه).

____________

(1) راجع الصفحة 212 و ما بعدها.

(2) أي قوله: «حكم».

267

قال:

و هذا أصل يبتنى عليه مسائل كثيرة، ثمّ ذكر جملة من المسائل المتفرّعة [1].

____________

[1] أي المتفرّعة على الأصل المذكور.

إشارة إلى مسائل عديدة تعارض فيها العقل و النقل، و قد حكم الأخباريّ فيها بتقديم الثاني على الأوّل بناء على المبنى المقرّر عندهم.

و تلك المسائل ذكرها السيّد الجزائريّ (رحمه اللّه) في شرح التهذيب‏ (1) و هذا الشرح مخطوط و ما كان حاضرا عند المصنّف (رحمه اللّه) كما سيصرّح به عن قريب و لذا لم ينقل عنه شيئا في المقام، و نقل عنه المحقّق الآشتيانيّ- الذي كان من أعاظم تلامذته- أربعا منها و أجاب عنها واحدا بعد واحد (2)، و لعلّه لا بأس بذكرها هنا بتوضيح و تقريب منّا ملخّصا، فنقول:

المسألة الاولى: حبط الأعمال‏

أثبت المحدّثون رحمهم اللّه الحبط الذي معناه إمحاء السيّئات اللاحقة الحسنات السابقة، بمقتضى ظواهر الآيات و الروايات بل صريحها، كقوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‏ (3).

و قوله تعالى: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ* (4).

____________

(1) شرح التهذيب (مخطوط): 47، نقلا عن فرائد الاصول 1: 55، الهامش 1.

(2) انظر بحر الفوائد، الجزء الأوّل: 33.

(3) الزمر: 65.

(4) التوبة: 17 و 69.

268

و قوله (عليه السّلام): «الغيبة تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (1).

و أيضا قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (2).

و كقوله (عليه السّلام): «أعوذ بك من الذنب المحبط للأعمال» (3).

و أمّا المتكلّمون و منهم الخواجة الطوسيّ (رحمه اللّه) فقد أنكروه شديدا، استنادا إلى العقل و الشرع‏ (4)، أمّا العقل فلأنّ الحبط يستلزم صدور الظلم من اللّه تعالى على عباده، و أمّا الشرع فلأنّه ينافي آيات كثيرة (5)، منها قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ (6).

و كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ (7).

و كقوله تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ‏ (8).

و كقوله تعالى: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ (9).

____________

(1) بحار الأنوار 75: 257، كتاب العشرة باب الغيبة، الحديث 48.

(2) بحار الأنوار 73: 257، كتاب الإيمان و الكفر باب الحسد، الحديث 30.

(3) تهذيب الأحكام 3: 88، باب الدعاء بين الركعات، الحديث 9 (237)، و بحار الأنوار 33: 453، الحديث 664.

(4) انظر كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 561، المسألة الثامنة من المقصد السادس.

(5) أقول: يمكن الجمع بينهما بحمل أدلة الحبط على الشرك من بين المعاصي، و بحمل الأدلّة النافية له على سائر المعاصي، و التفصيل في محلّه.

(6) الزلزلة: 7 و 8.

(7) النساء: 40.

(8) الأعراف: 170.

(9) آل عمران: 195.

269

و كقوله (عليه السّلام): «الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير، و إن شرّا فشرّ» (1).

و يقابل الحبط التكفير، و هو إمحاء الحسنات اللاحقة السيّئات السابقة، و يدلّ عليه قوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏ (2).

المسألة الثانية: سهو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

الثانية من تلك المسائل مسألة سهو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- الذي أثبته المحدّثون رحمهم اللّه و أصرّ عليه الصدوق تبعا لشيخه ابن الوليد رحمهما اللّه- و سيصرّح المصنّف (رحمه اللّه) بذلك في مبحث الظنّ‏ (3)، قال الصدوق (رحمه اللّه) في من لا يحضره الفقيه: «و أنا أحتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الردّ على منكريه إن شاء اللّه تعالى» (4).

أقول: عجبا من الإفراط و التفريط، فإنّ الصدوق (رحمه اللّه) يعدّ خبر الواحد معتبرا حتّى في الاصول الاعتقاديّة، و السيّد المرتضى و ابن إدريس رحمهما اللّه و بعض من تبعهما لا يعتبر عندهم خبر الواحد حتّى في الفروع الشرعيّة (5)، و خير الامور

____________

(1) التبيان في تفسير القرآن 7: 400.

(2) الفرقان: 70.

(3) انظر فرائد الاصول 1: 333.

(4) انظر من لا يحضره الفقيه 1: 235، باب أحكام السهو في الصلاة، ذيل الحديث 48.

(5) انظر الذريعة: 366- 372، و رسائل الشريف المرتضى 3: 309- 312، و السرائر 1: 40- 44.

270

أوسطها؛ كما هو مذهب المشهور المعتقدين بعدم اعتباره في الأوّل و اعتباره في الثاني، و التفصيل في محلّه‏ (1).

و كيف كان، فاستند المحدّثون لإثبات مدّعاهم إلى روايات عديدة غير صالحة للاستدلال بها على أصل من اصول العقائد:

منها: قوله (عليه السّلام): «إنّ الذي لا يسهو هو اللّه لا إله إلّا هو» (2).

و منها: عن سعيد الأعرج، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: «إنّ اللّه تبارك و تعالى أنام رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس، ثمّ قام فبدأ فصلّى الركعتين اللتين قبل الفجر، ثمّ صلّى الفجر، و أسهاه في صلاته، فسلّم في ركعتين ...» (3)، و هكذا روايات أخر (4).

و أنكره المتكلّمون من أصحابنا رحمهم اللّه أشدّ الإنكار، و قالوا: إنّه ينافي منصب النبوّة و يستلزم تنفّر الطباع عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(5)، مضافا إلى معارضة تلك الأخبار

____________

(1) انظر فرائد الاصول 1: 240.

(2) بحار الأنوار 17: 105، باب سهوه و نومه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن الصلاة، الحديث 14.

(3) من لا يحضره الفقيه 1: 233، باب أحكام السهو في الصلاة، الحديث 48.

(4) راجع بحار الأنوار 17: 101- 106، باب سهوه و نومه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن الصلاة، الحديث 4 و و 5 و 6 و 11.

(5) أقول: لا بأس بنقل بعض كلام العلّامة المجلسيّ- أعلى اللّه مقامه- هنا حيث قال:

«... الحديث الذي روته الناصبة و المقلّدة من الشيعة أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) سها في صلاته فسلّم في ركعتين ناسيا، فلمّا نبّه على غلطه في ما صنع أضاف إليهما ركعتين، ثمّ سجد سجدتي السهو، من أخبار الآحاد التي لا تثمر علما و لا توجب عملا ...» (راجع بحار الأنوار 17:-

271

أخبارا أخر (1).

و منها: حديث زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) أنّه هل سجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) سجدتي السهو قطّ؟ فقال (عليه السّلام): «لا، و لا سجدهما فقيه» (2)، و إن شئت توضيح ذلك مفصّلا نفيا و إثباتا، فراجع كشف المراد (3).

المسألة الثالثة: إرادة اللّه تعالى هل هي عين ذاته كسائر صفاته أم لا؟

الثالثة من تلك المسائل مسألة إرادة اللّه تعالى جلّ شأنه التي أقام المتكلّمون البرهان العقليّ على أنّها عين ذاته تعالى كالعلم و القدرة و الحياة، و لذا قال‏

____________

- 123). ثمّ أضف إلى ذلك كلّه أنّ السيّد الجزائريّ (رحمه اللّه) قد اعترف بلزوم تقديم حكم العقل المؤيّد بالنقل على النقليّ وحده، و من المعلوم أنّ مع هذا الاعتراف لا يبقى وجه للالتزام بما ادّعاه من جواز نسبة السهو و النسيان إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كذا المسألة الاولى، فإنّ العقليّ فيها يؤيّد بالنقليّ فيقدّم على النقليّ وحده، فافهم و لا تغفل.

(1) أقول: لعلّ هنا أيضا يمكن الجمع بين القولين بحمل أدلّة ثبوت السهو على الإسهاء من قبل اللّه تعالى لطفا منه على عباده، و بحمل الأدلّة النافية له على الإسهاء من قبل الشيطان، و لذا قال المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه): «إنّما جوّز الصدوق و شيخه الإسهاء من اللّه لنوع من المصلحة، و لم أر من صرّح بتجويز السهو الناشي من الشيطان عليهم ...» (بحار الأنوار 17:

98، و 25: 351)، لكنّه لا بعد في الإيراد عليه، و التفصيل في محلّه.

(2) بحار الأنوار 17: 102، باب سهوه و نومه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن الصلاة، الحديث 8، و 25: 350، باب نفي السهو عنهم (عليهم السّلام)، الحديث 3.

(3) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 471، المسألة الثالثة من المقصد الرابع، و انظر أيضا تنزيه الأنبياء: 147، و بحار الأنوار 17: 106- 129، ذيل الحديث 17، و 25: 350 و 351، باب نفي السهو عنهم (عليهم السّلام)، و روضة المتّقين 2: 451.

272

الخواجة الطوسيّ روّح اللّه روحه القدوسي: «و ليست‏ (1) زائدة على الداعي، و إلّا لزم التسلسل ...» (2).

لكنّ المحدّثين رحمهم اللّه أنكروه أشدّ الإنكار، و ادّعوا أنّ الإرادة زائدة على الذات، و أنّها من صفات الفعل، كما هو مقتضى الأخبار المستفيضة (3).

____________

(1) أي الإرادة.

(2) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 402، المسألة الرابعة من المقصد الثالث.

(3) أقول: إنّ أخبار الباب سبعة، ذكرها المحدّث الكلينيّ (رحمه اللّه) (انظر الكافي 1: 109- 112، كتاب التوحيد، باب الإرادة أنّها من صفات الفعل)، ثمّ بعد نقل تلك الروايات شرع في بيان الفرق بين صفات الذات و صفات الفعل تحت عنوان «جملة القول في صفات الذات و صفات الفعل» و حيث لا يخلو نقله من فائدة ننقل كلامه بتوضيح و تمثيل منّا ملخّصا، فنقول: الصفات الموجودة في حقّه تعالى إن استعملت فيه بلا نقيضها، فهي من صفات الذات، و إن استعملت فيه مع نقيضها فهي من صفات الفعل؛ مثلا: العلم و القدرة من صفات الذات؛ لصحّة نسبتهما إليه تعالى (إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، النمل: 70) بلا نقيضهما، فيقال: اللّه عالم و قادر، و لا يقال: إنّه لا يعلم و لا يقدر، و أمّا الإرادة فهي تستعمل فيه تبارك و تعالى مع نقيضها، كقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (البقرة: 185). و هكذا (الحبّ و البغض و الرضا) بشهادة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ (البقرة: 222)، و قوله تعالى: لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ* (لقمان: 18، الحديد: 23)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «يا فاطمة! إنّ اللّه عزّ و جل يغضب لغضبك و يرضى لرضاك» (بحار الأنوار 43: 20- 26، الحديث 8 و 12 و 26)، و هكذا «الخلق» حيث يصحّ أن يقال: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ (إبراهيم: 19). و «إنّ اللّه لا يخلق بحرا من زيبق» مثلا، و أيضا «لم يخلق إنسانا ذا رأسين» مثلا. و لا يخفى أنّ بعض ما ذكرناه سيّما «العلم» لعلّه يشكّك فيه، باعتبار استعمال نقيضه في حقّ اللّه تبارك-

273

منها: قوله (عليه السّلام): «إنّ المريد لا يكون إلّا لمراد معه، لم يزل [اللّه‏] عالما قادرا ثمّ أراد» (1).

و منها: قوله (عليه السّلام): «فإرادة اللّه الفعل، لا غير ذلك ...» (2).

المسألة الرابعة: ما هو أوّل الواجبات؟

الرابعة من تلك المسائل مسألة تعيين أوّل الواجبات، و قد أقام المحقّقون من أصحابنا الإماميّة رحمهم اللّه البرهان العقليّ على أنّ أوّل واجب أوجبه اللّه تعالى على المكلّفين هي معرفة اللّه تعالى‏ (3)، فخالفهم المحدّثون و ادّعوا أنّه الإقرار بالشهادتين، و أمّا معرفة اللّه فهي أمر فطريّ، نظير قول الحكماء: إنّ الطفل متعلّق‏

____________

و تعالى على ما في ظواهر بعض الآيات، لكن لا يناسب الجواب عنه هنا، و الأمر موكول إلى محلّه. و المناسب هنا ذكر بعض الآيات التي نسب فيها عدم العلم إليه تبارك و تعالى:

أحدها قوله تعالى: جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ‏ (الرعد: 33)، فإنّه و إن دلّ بظاهره على نفي العلم عنه تعالى لكنّ المقصود هو نفي المعلوم، بمعنى أنّ اللّه تعالى عالم بانتفاء الشريك له في الأرض. ثانيها: قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ‏ (آل عمران: 142). و المعنى: أن اللّه تعالى عالم بعدم مجاهدتكم لنصرة دينه، فلا تدخلون الجنّة، و التفصيل في محلّه.

(1) الكافي 1: 109، باب الإرادة، الحديث الأوّل.

(2) المصدر السابق، الحديث 3.

(3) انظر مصنّفات الشيخ المفيد: 4، كتاب أوائل المقالات: 61 (30- القول في المعرفة)، و رسائل الشريف المرتضى 3: 15.

274

أقول: لا يحضرني شرح التهذيب حتّى الاحظ ما فرّع على ذلك، فليت شعري! إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشي‏ء [1]، كيف يجوز حصول القطع أو الظنّ من الدليل النقليّ على خلافه؟ [2] و كذا لو فرض حصول القطع من الدليل النقليّ، كيف يجوز حكم العقل بخلافه على وجه القطع؟

____________

على ثدي أمّه بإلهام فطريّ إلهيّ‏ (1)، و بذلك صرّح المحقّق الآشتيانيّ (رحمه اللّه) و أوضحه مفصّلا (2).

[1] كبطلان الحبط و السهو مثلا.

امتناع تعارض حكم العقل و النقل القطعيّين عند المصنّف (رحمه اللّه)

[2] توضيح ذلك: أنّ بعد الحكم القطعيّ من العقل بامتناع شي‏ء- كالحكم بامتناع التجسّم على اللّه تبارك و تعالى و بامتناع عوارضه عليه كالتحيّز له تبارك و تعالى- لا يمكن لنا القطع بل الظنّ على خلافه من طريق النقل الدالّ بظاهره على التجسّم و عوارضه.

بل معه لا يمكن الترديد و الشكّ فيه؛ لأنّ القطع معناه المنع عن النقيض الذي لا سبيل لاحتمال الخلاف فيه و لو ضعيفا، كاحتمال واحد بين ألف احتمال، فقوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ (3) و إن دلّ بظاهره على التجسّم، لكن بعد

____________

(1) انظر المعجم الفلسفي 1: 130.

(2) انظر بحر الفوائد، الجزء الأوّل: 33.

(3) طه: 5.

275

و ممّن وافقهما على ذلك في الجملة [1]: المحدّث البحراني في مقدّمات الحدائق، حيث نقل كلاما للسيّد المتقدّم في هذا المقام و استحسنه، إلّا أنّه صرّح بحجّية العقل الفطري الصحيح، و حكم بمطابقته للشرع و مطابقة الشرع له. ثمّ قال:

____________

إقامة البراهين العقليّة القطعيّة المذكورة في محلّه على امتناع ذلك على اللّه تبارك و تعالى، فلا بدّ فيه من التصرّف و التأويل بالتقريب الآتي توضيحه مفصّلا (1).

قال صاحب الأوثق (رحمه اللّه): «الحقّ عدم إمكان التعارض في ظنّين شخصيّين فضلا عن القطعيّين، سيّما إذا كانا بديهيّين، و إلّا لزم اجتماع الضدّين ...» (2).

تطابق العقل الفطريّ و الشرع عند المحدّث البحرانيّ‏

[1] هذه عبارة اخرى عن الموجبة الجزئيّة، مقابل «بالجملة» فإنّها عبارة اخرى عن الموجبة الكلّيّة، و ضمير التثنية يعود إلى «المحدّث الأسترآباديّ و السيّد الجزائريّ (قدّس سرّهما)» و «ذلك» إشارة إلى «تقديم النقل على العقل».

و المراد أنّهما رحمهما اللّه قد أسقطا حكم العقل و التزما بعدم اعتباره بلا تفصيل و فرق بين الفطريّ منه و غيره، و أمّا المحدّث البحرانيّ فقد وافقهما في بعض الموارد و خالفهما في العقل الفطريّ.

و المحدّث البحرانيّ (رحمه اللّه) و إن وافق المحدّث الأسترآباديّ و الجزائريّ رحمهما اللّه، لكن جاء في كلامه ما لا يوجد في كلامهما، و هو حجّيّة العقل الفطريّ السليم الخالي‏

____________

(1) انظر الصفحة 286.

(2) أوثق الوسائل: 33.

276

لا مدخل للعقل في شي‏ء من الأحكام الفقهيّة من عبادات و غيرها [1]، و لا سبيل إليها إلّا السماع عن المعصوم (عليه السّلام)؛ لقصور العقل المذكور عن الاطّلاع عليها [2]. ثمّ قال:

____________

عن الشوائب و الأوهام، و ادّعى مطابقته الشرع و مطابقة الشرع إيّاه المعبّر عنه بقاعدة الملازمة اصطلاحا، و الوجه في ذلك صدور كلّ منهما من قبل اللّه عزّ و جلّ، فافهم و راجع كلامه في الحدائق‏ (1).

[1] يعني العقود و الإيقاعات.

[2] إشارة إلى أنّ العقل- حتّى الفطريّ منه- لا صلاحيّة له أن يتدخّل في الأحكام الفقهيّة الجزئيّة بأن يقول مثلا: ما وجه كون صلاة الصبح ركعتين، و صلاة المغرب ثلاث ركعات، و غيرهما أربع ركعات؟ و هذا لا ينافي ما ادّعاه المحدّث المذكور آنفا من تطابق العقل الفطريّ و الشرع، و الوجه فيه أنّ المبحوث عنه هنا هو عدم دخالته في جزئيّات الأحكام، و المبحوث عنه هناك حكمه على طبق المصالح الواقعيّة النفس الأمريّة.

و أقوى شاهد في ذلك رواية أبان بن تغلب الواردة في بيان حكم قطع أصابع المرأة و تفاوته مع قطع أصابع الرجل عند التجاوز عن الثلث‏ (2).

و بعبارة اخرى: أنّ العقل الفطريّ الصحيح الخالي عن الشوائب و الأوهام يمكن أن يعرف الكلّيّات، كما يعرف أنّ الصلاة مثلا تنهى عن الفحشاء و المنكر (3)،

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 129- 133.

(2) انظر وسائل الشيعة 19: 268، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث الأوّل.

(3) إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (العنكبوت: 45).

277

نعم، يبقى الكلام بالنسبة إلى ما لا يتوقّف على التوقيف [1]، فنقول:

____________

و أمّا جزئيّاتها كعدد ركعاتها مثلا، فلا يمكنه أن يعرفها، و إليه أشار بقوله: «لقصور العقل المذكور عن الاطّلاع عليها ...».

[1] أي الإعلام و البيان، و هذا قد أوضحه بعض المحشّين بقوله: «ذلك كالأخلاقيّات و بعض الاعتقاديّات الغير المتوقّفة على بيان الشارع» (1).

و مثال الأخلاقيّات وجوب شكر المنعم، و مثال بعض الاعتقاديّات قبح العقاب بلا بيان، فإنّ كلا منهما حكم عقليّ بديهيّ غاية البداهة، بحيث لا يختلف فيه أحد، و غير متوقّفة على بيان الشارع الأقدس.

اعلم أنّ انطباق عبارته (رحمه اللّه) على الأخلاقيّات و بعض الاعتقاديّات يحصل على فرض وجود لفظة «لا» في عبارته (رحمه اللّه)، كما أنّ الصواب وجودها و أنّه لا بدّ منها، و أمّا بناء على حذفها- كما في بعض النسخ الحديثة (2)- فتنطبق العبارة على الأحكام الفقهيّة مع أنّه يخلّ بالتناسب جدّا؛ لقوله آنفا: «لا مدخل للعقل في شي‏ء من الأحكام الفقهيّة ...» و عليه فالواجب ذكر لفظة «لا» قطعا.

أقول: و بعض من‏ (3) وجّه عمل مصحّح تلك النسخة باحتمال استناده في حذفه لفظة «لا» إلى بعض نسخ الحدائق‏ (4)، فنقول له أوّلا: هذا على فرض صحّته لا يناسب‏

____________

(1) تسديد القواعد: 78.

(2) انظر فرائد الاصول 1: 55، الهامش 2.

(3) لم نعثر على قائله.

(4) راجع الحدائق الناضرة 1: 132 عند قوله (رحمه اللّه): «إلّا أنّه يبقى الكلام بالنسبة إلى ما يتوقّف على التوقيف».

278

إن كان الدليل العقليّ المتعلّق بذلك [1] بديهيّا ظاهر البداهة- مثل: الواحد نصف الاثنين- فلا ريب في صحّة العمل به، و إلّا [2]:

فإن لم يعارضه دليل عقليّ و لا نقليّ فكذلك [3].

____________

شأن المصحّح، فإنّ المصحّح لا بدّ له من المتابعة عن عين متن المصنّف (رحمه اللّه) الذي نقل عنه، و لا يتعدّى عنه و يحفظ الأمانة، نعم له أن يذكر الاختلاف في الهامش، فافهم.

و ثانيا: عين هذه الكلمات المذكورة في الحدائق مذكورة في كتاب آخر له و ما أثبته المصنّف (رحمه اللّه) مطابق لما جاء في كتابه الدرر النجفيّة (1).

و الحاصل: كأنّ المحدّث البحرانيّ (رحمه اللّه) قال: الامور البديهيّة سواء كانت من الأخلاقيّات- كشكر المنعم مثلا- أو من الاعتقاديّات- كقبح العقاب بلا بيان- و غيرهما من سائر الامور البديهيّة يكفي في ثبوتها حكم العقل و لا حاجة فيه إلى بيان الشارع.

[1] أي بما لا يتوقّف على التوقيف.

[2] أي و إن لم يكن بديهيّا ظاهر البداهة، نظير قبح التكليف بما لا يطاق مثلا.

و يشهد على عدم بداهة قبح التكليف بما لا يطاق تجويز بعض العامّة- كالأشاعرة و غيرهم- ذلك، و التفصيل في محلّه‏ (2).

[3] أي لا ريب في صحّة العمل بالدليل العقليّ.

____________

(1) انظر الدرر النجفيّة: 148.

(2) انظر على سبيل المثال الإحكام في اصول الأحكام للآمدي 1: 115- 124، و نهاية الوصول 1: 545.

279

و إن عارضه دليل عقليّ آخر [1]: فإن تأيّد أحدهما بنقلي كان الترجيح له [2]، و إلّا فإشكال [3].

و إن عارضه دليل نقليّ [4]: ...

____________

[1] مثاله قولنا: «العالم متغيّر و كل متغيّر حادث، فالعالم حادث» و قولنا:

«العالم أثر القديم و أثر القديم قديم، فالعالم قديم»، و هذان الحكمان و إن كانا متعارضين إلّا أنّ الأوّل منهما مؤيّد بالدليل الشرعيّ كقوله (عليه السّلام): «كان اللّه عزّ و جلّ، و لا شي‏ء غيره» (1) فلا بدّ من أخذه مقابل الحكم الثاني المعارض له، فإنّه حيث لا يؤيّد بشي‏ء من دليل شرعيّ فلا يعتنى به، كما قال (رحمه اللّه): «فإن تأيّد أحدهما بنقليّ كان الترجيح له ...».

[2] المضبوط في النسخة المحشّاة: «كان الترجيح للمتأيّد بالدليل النقليّ و إلّا فإشكال ...» (2).

[3] أي عند عدم تأييد أحد الدليلين العقليّين الغير البديهيّتين بالدليل النقليّ، ففي تقديم أحدهما على الآخر إشكال.

[4] مراده (رحمه اللّه) بيان حكم صورة تعارض الدليل العقليّ الغير البديهيّ و الدليل النقليّ، و ملخّص كلامه هنا: أنّ العقليّ‏ (3) كذلك، أي في صورة تأييده بالدليل النقليّ، فالترجيح له، و إليه أشار بقوله (رحمه اللّه): «الترجيح للعقليّ ...»، و أمّا في صورة

____________

(1) الكافي 1: 107، كتاب التوحيد، باب صفات الذات، الحديث 2، و بحار الأنوار 57:

234، و فيه: «كان اللّه و لم يكن معه شي‏ء».

(2) انظر الرسائل المحشّى: 10.

(3) أي العقليّ الغير البديهيّ.

280

فإن تأيّد ذلك العقليّ بدليل نقلي كان الترجيح للعقليّ- إلّا أنّ هذا [1] في الحقيقة تعارض في النقليّات- و إلّا [2] فالترجيح للنقليّ، وفاقا للسيّد المحدّث المتقدّم ذكره، و خلافا للأكثر.

هذا [3] بالنسبة إلى العقليّ بقول مطلق [4]، أمّا لو اريد به المعنى الأخصّ، و هو الفطريّ الخالي عن شوائب الأوهام الذي هو حجّة من حجج الملك العلّام- و إن شذّ وجوده في الأنام- ففي ترجيح النقليّ عليه إشكال [5]، انتهى.

____________

عدم تأييده به فالترجيح للنقليّ، و إليه أشار بقوله (رحمه اللّه): «وفاقا للسيّد (رحمه اللّه) ...».

[1] أي تعارض الدليل النقليّ و الدليل العقليّ المؤيّد بالدليل النقليّ.

[2] أي و إن لم يؤيّد الدليل العقليّ بالنقليّ.

[3] إشارة إلى ما ادّعاه آنفا من ترجيح الدليل النقليّ على العقليّ.

[4] إشارة إلى العقل الموجود في عامّة الناس قبال العقل الفطريّ الموجود في الأوحديّ منهم، و غرضه (رحمه اللّه) أنّ ترجيح النقليّ على العقليّ قد اختصّ بالعقليّ المتعارف، و أمّا ترجيحه على العقليّ الفطريّ الخالي عن شوائب الأوهام ففيه إشكال و ترديد.

[5] جواب قوله: «أمّا لو اريد ...»، و تقدير الكلام هكذا: ما ذكرناه آنفا من تقديم النقليّ على العقليّ ناظر إلى العقول الشائعة و المتعارفة، و أمّا العقل الفطريّ الخالي عن الشوائب المختصّ بالأوحديّ من الناس، ففي تقديم النقل عليه إشكال.

281

و لا أدري كيف [1] جعل الدليل النقليّ في الأحكام النظريّة مقدّما على ما هو في البداهة من قبيل «الواحد نصف الاثنين»: ....

____________

بطلان نظريّة تعارض الدليل النقليّ الضروريّ و العقليّ البديهيّ‏

[1] تعجّب (رحمه اللّه) ممّا فعله المحدّث البحرانيّ من تقديم الدليل النقليّ على العقليّ البديهيّ الذي هو من قبيل الواحد نصف الاثنين.

أقول: قوله (رحمه اللّه): «و لا أدري ...» إلى قوله (رحمه اللّه): «على ذلك» لا يوجد في بعض النسخ المصحّحة القديمة، كنسخة محمّد عليّ (رحمه اللّه)، و من الواضح أنّ هذه الزيادة يخلّ بالمقصود؛ لاشتمالها على إيراد غير وارد على المحدّث المذكور.

و بعبارة اخرى: المحدّث البحرانيّ (رحمه اللّه) بعد تصريحه بجملة: «فلا ريب في صحّة العمل به ...» لا يرد عليه ما أورده المصنّف (رحمه اللّه عليه) بما هو المذكور في النسخ المتداولة.

إنّ ما ادّعيناه في المقام من وجود الزيادة المخلّة بالمقصود يؤيّد بما ذكره بعض المحشّين حيث قال: «و هنا في بعض نسخ الكتاب زيادات مخلّة بالمقصود، و النسخة المصحّحة بعد انتهاء كلام المحدّث البحرانيّ هكذا: و العجب ممّا ذكره في الترجيح عند تعارض العقل و النقل كيف يتصوّر الترجيح في القطعيّين ...» (1).

و كذا قال الشيخ رحمة اللّه الكرمانيّ (قدّس سرّه) في الحاشية: «أقول: و ما أدري أنّه من‏

____________

(1) تسديد القواعد: 78.

282

مع أنّ ضروريّات الدين و المذهب لم يزد في البداهة على ذلك؟! [1]

و العجب ممّا ذكره في الترجيح عند تعارض العقل و النقل، كيف يتصوّر الترجيح في القطعيّين [2]، ...

____________

أين فهم [الشيخ‏] أنّه‏ (1) جعل الدليل النقليّ مقدّما على ما هو في البداهة من قبيل الواحد نصف الاثنين، فإنّه ليس في العبارة المنقولة منه عين و لا أثر ...» (2).

[1] كلمة «ذلك» إشارة إلى العقل البديهيّ، و غرضه (رحمه اللّه): أنّ مسائل المذهب اصولا و فروعا ليست بأوضح من مثل الواحد نصف الاثنين، فكما أنّ بديهيّات المذهب لا يحتاج إثباتها إلى شي‏ء، كذلك البديهيّات العقليّة.

توضيح ذلك: أنّ مسألة وجوب الصوم و الصلاة مثلا ليس بأوضح من مسألة الواحد نصف الاثنين، و عليه فالالتزام بتقديم المسألة الاولى على الثانية- كما التزم به صاحب الحدائق بناء على هذه النسخة الموجودة بأيدينا- ممّا لا وجه له، فكما جاز الأخذ ببديهيّات المذهب جاز الأخذ ببديهيّات العقل بلا رجحان لأحدهما على الآخر.

[2] المحدّث المذكور و إن لم يصرّح في كلامه المتقدّم بترجيح الدليل النقليّ القطعيّ على العقليّ القطعيّ، لكنّه بعد تجويزه (رحمه اللّه) تقديم النقليّ الغير القطعيّ على العقليّ القطعيّ، فبطريق أولى جوّز تقديم النقليّ القطعيّ على العقليّ القطعيّ، فتأمّل.

____________

(1) أي المحدّث البحرانيّ.

(2) الرسائل المحشّى: 10، الحاشية 3.

283

و أيّ دليل على الترجيح المذكور؟! [1]

و أعجب من ذلك [2]: الاستشكال في تعارض العقليّين [3] من دون ترجيح [4]؛ مع أنّه لا إشكال في تساقطهما [5]، و في تقديم العقليّ الفطريّ [6] ....

____________

[1] تقدير الكلام فيه و في ما قبله هكذا: أوّلا لا يصحّ ما ادّعاه من الترجيح ثبوتا، و ثانيا لا دليل على ذلك إثباتا، فإنّ الترجيح يحتاج إلى الدليل و هو منتف في المقام ظاهرا.

[2] أي أعجب ممّا ذكره المحدّث البحرانيّ في ترجيح العقليّ المؤيّد بالنقليّ.

[3] ردّ لما ادّعاه المحدّث المذكور بقوله (رحمه اللّه): «و إلّا فإشكال»، و ملخّصه: أنّ العقليّين المتعارضين حكمهما حكم النقليّين المتعارضين من حيث التساقط عند فقد المرجّح لأحدهما و لزوم الأخذ بأحدهما معيّنا مع وجوده، فلا يبقى مجال للإشكال فيه.

و بالجملة، أوّلا: القطع بشي‏ء لا يجتمع مع القطع بخلافه، بل و مع الشكّ فيه.

و ثانيا: على فرض تسليمه، لا بدّ من الالتزام بتساقطهما معا عند فقد المرجّح، و كيف كان، فلا وجه للاستشكال و الترديد فيه، فافهم.

[4] أي من دون تأييد أحد العقليّين المتعارضين بمرجّح.

[5] وجهه أنّ أدلّة الحجّيّة لا تشمل العقليّين المتعارضين.

[6] عطف على «في تعارض العقليّين»، يعني و أعجب من ذلك أيضا الاستشكال في تقديم ...

و المقصود ردّ ما ادّعاه المحدّث المذكور بقوله أخيرا: «ففي ترجيح النقليّ عليه إشكال».

284

الخالي [1] عن شوائب الأوهام على الدليل النقليّ؛ مع أنّ العلم بوجود الصانع جلّ ذكره إمّا أن يحصل [2] من هذا العقل الفطريّ، ....

____________

و ملخّصه: أنّه لا مجال للإشكال فيه، بل يجب الالتزام بتقديم الحكم العقليّ الفطريّ على النقليّ.

و بعبارة اخرى: بعد حكم العقل الفطريّ السليم بوجود الصانع جلّ ذكره مثلا، لا يبقى مجال لمعارضة النقل إيّاه، فضلا عن ترجيح أحدهما على الآخر، فافهم و لا تغفل.

[1] جاء في النسخة المحشّاة و بعض النسخ الاخرى: «و في تقديم النقليّ على العقليّ الفطريّ الخالي ...» (1).

[2] إشارة إلى أنّ العلم و المعرفة بوجود الصانع جلّ ذكره تارة يحصل من طريق العقل الفطريّ الخالي عن الشوائب و الأوهام، كما في قصّة إبراهيم (عليه السّلام) حيث قال (عليه السّلام) بعد نفي الآلهة الواهية: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ (2).

و اخرى من طريق امور حسّيّة بديهيّة كما في قصّة العجوز التي استدلّت عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لوجوده تعالى برفع يدها عن دولابها (3)، و هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أمضاه و قال:

____________

(1) انظر الرسائل المحشّى: 10، و لا يخفى أنّه هو الصواب، لانطباقه مع ما مرّ من كلام صاحب الحدائق (رحمه اللّه) حيث قال هناك: «ففي ترجيح النقليّ عليه إشكال ...» و بعد ذلك كلّه الأمر سهل بعد وضوح المراد.

(2) الأنعام: 79.

(3) و نظيره قول الأعرابيّ: البعرة تدلّ على البعير، و هكذا.

285

أو ممّا دونه من العقليّات البديهيّة [1]، بل النظريّات المنتهية إلى البداهة.

و الذي يقتضيه النظر [2]- وفاقا لأكثر أهل النظر- أنّه:

____________

«عليكم بدين العجائز» (1) (2).

و ثالثة من طريق ترتيب المقدّمات النظريّة المنتهية إلى البديهيّات، كقولهم:

«العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث» و «كلّ حادث محتاج إلى العلّة الموجدة، فالعالم لا بدّ له من علّة موجدة و هو اللّه تبارك و تعالى».

أقول: هذه الطرق الثلاثة الصالحة لأن يثبت بها وجود الصانع- بعد اعتبارها عند الكلّ- لا تبقي مجالا للدليل النقليّ الدالّ على نفيه تبارك و تعالى.

[1] أي التي هي أقل مرتبة من العقل الفطريّ.

اعتبار الدليل العقليّ عند المصنّف (رحمه اللّه) و أنّه لا يعارضه النقليّ القطعيّ‏

[2] شرع (رحمه اللّه) في تقريب إثبات الحقّ بعد تقريب إبطال الباطل، و ملخّصه أوّلا:

أنّه لا يوجد مورد يعارض فيه الدليل العقليّ القطعيّ الدليل النقليّ بحيث لا يمكن فيه الجمع بينهما إلّا ما شذّ و ندر.

و ثانيا: على فرض وجوده، يلزم أخذ العقليّ القطعيّ و طرح النقليّ الذي‏

____________

(1) بحار الأنوار 69: 136.

(2) أقول: اشتهر أنّ جملة «عليكم بدين العجائز» من كلام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و يحتمل كونه من كلام رجل يسمّى سفيان، كما قال المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) في القوانين: «و فيه منع صحّة الرواية عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بل قد قيل: إنّه من كلام سفيان ...»، و إن شئت توضيح ذلك إثباتا و نفيا، فراجع قوانين الاصول 2: 185.

286

كلّما حصل القطع من دليل عقليّ فلا يجوز [1] أن يعارضه دليل نقليّ، و إن وجد ما ظاهره المعارضة فلا بدّ من تأويله إن لم يمكن طرحه [2].

و كلّما حصل القطع من دليل نقليّ- مثل القطع الحاصل من إجماع جميع الشرائع على حدوث العالم زمانا [3]- ....

____________

عارضه إذا أمكن- مثل أن يكون خبرا واحدا ظنّيّا- و عند عدم إمكان الطرح، يؤوّل و يتصرّف فيه كما إذا كان خبرا متواترا أو آية.

[1] أي فلا يمكن.

[2] مثاله قوله تعالى: جاءَ رَبُّكَ‏ (1)، و قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ (2) و غيرهما من الأدلّة الدالّة بظاهرها على تجسّمه تعالى‏ (3)، قبال الدليل العقليّ القطعيّ الدالّ على كونه تعالى منزّها عن ذلك.

فيلزم التصرّف و التأويل في الآيتين الشريفتين بتقدير «أمر» في الاولى أي «جاء أمر ربّك» و يعبّر عنه بالمجاز في الإسناد- كما في: «أنبت الربيع البقل»- و بحمل «الاستواء» في الثانية على استيلائه تعالى و تسلّطه على ما سواه، و يعبّر عنه بالمجاز في الكلمة (4)، نظير الاستواء في قول الشاعر:

قد استوى بشر على العراق‏* * * من غير سيف و دم مهراق‏

[3] و الإجماع هنا غير الإجماع المصطلح عند الاصوليّين المعتبر في الفروع‏

____________

(1) الفجر: 22.

(2) طه: 5.

(3) مثل قوله تعالى: إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ (القيامة: 23).

(4) راجع شرح المختصر: 54 و 395.

287

الفقهيّة (1)، بل المراد منه اتّفاق أهل الأديان بل الأنبياء بأجمعهم على أنّ العالم خلقه اللّه تعالى بيد قدرته في زمان بعد أن لم يكن شيئا مذكورا في زمان آخر (2)، و هذا مقابل للقول بقدمه زمانا الذي هو نوع من الشرك و الإلحاد، و لذا قال المحقّق الداماد (رحمه اللّه)

إنّ الوجود عندنا أصيل‏* * * دليل من خالفنا عليل‏

(3) في كتابه القبسات: «إنّ حدوث العالم زمانا هو مجمع عليه عند جميع الأنبياء و الأوصياء» و قال في موضع آخر: «الاعتقاد بقدم العالم نوع من‏

____________

(1) أقول: ادّعى المصنّف (رحمه اللّه) مثل هذا الإجماع في مبحث الانسداد و قال: «الإجماع على أنّ المخطئ في العقائد غير معذور ...» (فرائد الاصول 1: 576).

(2) أقول: إنّ معقد إجماع أهل الشرائع و الأديان حدوث العالم زمانا، و أمّا حدوثه ذاتا فقد اعتقد به المشركون أيضا بدليل قوله تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏ (لقمان: 25). و بعبارة اخرى: المهمّ عند أهل الشرائع و الأديان هو الاعتقاد بحدوث العالم بعد حدوث الزمان، بمعنى أنّ العالم كان معدوما في زمان فصار موجودا في زمان آخر، و أمّا الاعتقاد بحدوثه قبل حدوث الزمان المعبّر عنه اصطلاحا بالحدوث الذاتيّ و القدم الزمانيّ فقال به أيضا المشركون و الملاحدة من الفلاسفة، و التفصيل في محلّه.

(3) المحقّق الداماد (رحمه اللّه) هو من علماء القرن الحادي عشر و توفّي في سنة 1040 ه. ق و هو استاذ صاحب الأسفار المتوفّى سنة 1050 ه. ق. كان الاستاذ قائلا بأصالة الماهيّة، و أمّا تلميذه المذكور بعد أن كان مذهبه مذهب الاستاذ في برهة من الزمان لكن ذهب بالأخرة إلى أصالة الوجود، الذي اختاره المشهور بعده إلى الآن، و قال الحكيم السبزواريّ (رحمه اللّه) في المنظومة 1: 182:

إنّ الوجود عندنا أصيل‏* * * دليل من خالفنا عليل‏

و ملخّصه: إنّ مجرّد الاعتقاد بحدوث العالم لا يكفي للموحّد؛ لأنّ المشرك أيضا يعترف بذلك، بل اللّازم عليه أن يعتقد بحدوثه زمانا؛ إذ به يحصل الامتياز بينهما كما يمتاز الشيعيّ عن السنّي مثلا باعتقاد الولاية لعليّ (عليه السّلام) بعد اشتراكهما في الشهادة بالتوحيد و النبوّة، فافهم و لا تغفل.

288

فلا يجوز [1] أن يحصل القطع على خلافه [2] من دليل عقليّ، مثل استحالة تخلّف الأثر عن المؤثّر [3]، ...

____________

الشرك» و قال في موضع آخر: «إنّه نوع من الإلحاد ...» (1).

و المحقّق الداماد نسب إليه الحدوث دهرا، و هذه عبارة اخرى عن الحدوث زمانا (2)، و لذا قال الحكيم السبزواريّ (رحمه اللّه) في منظومته: «دهريّ أبدي سيّد الأفاضل ...» و قال في شرح كلامه هذا: «و هو السيّد المحقّق الداماد البارع في الحكمة الحقّة، بحيث قيل له: المعلّم الثالث، فهو يقول بحدوث العالم دهريّا ...» (3) و تفصيل البحث في محلّه.

[1] أي فلا يمكن، و هذا جواب قوله: «كلّما حصل ...».

[2] لاستحالة حصول القطع بأمرين متنافيين.

[3] يعني: القول بتخلّف الأثر عن المؤثّر مثلا شبهة في مقابل البديهيّ.

توضيحه: أنّ القول بقدم العالم نشأ من مقدّمات مغالطيّة سفسطيّة مشابهة بالقضايا البرهانيّة، كقول بعض الملاحدة: هذا العالم أثر القديم، و أثر القديم قديم،

____________

(1) القبسات: 271.

(2) أقول: إنّ الحادث الدهريّ و الزمانيّ بعد اشتراكهما مفادا يفرّق بينهما بأنّ العدم السابق في الثاني وقع في افق الزمان و أجزائه العرضيّة، بمعنى أنّه عند مجي‏ء الحادث المتأخّر يكون معه الحادث المتقدّم كتحقّق العلّة مثلا عند حدوث المعلول. و أمّا في الأوّل، فقد وقع العدم السابق في افق الدهر و أجزائه الطوليّة، بحيث لا يجتمع الحادث المتأخّر و المتقدّم في آن واحد كأجزاء الزمان مثلا؛ لأنّ كلّ جزء منه كان معدما لجزء سابق عليه، بل وقع في طوله، و التفصيل في محلّه.

(3) انظر شرح المنظومة 1: 311.

289

و لو حصل منه [1] صورة برهان كانت شبهة في مقابلة البديهة، لكن هذا لا يتأتّى في العقل البديهيّ [2] من قبيل: «الواحد نصف الاثنين»، ...

____________

فهذا العالم قديم و إذا كان قديما فلا يحتاج إلى المؤثّر الموجد له، فهذا العالم لا موجد له و لا مؤثّر فيه‏ (1).

و لعلّ الأولى ترتيب القياس المذكور هكذا: اللّه تعالى قديم ذاتا، و حيث إنّ العالم أثره تعالى، فهو متّصف بالقدم أيضا، و إلّا يلزم تخلّف الأثر عن المؤثّر، بل تخلّف الفيض عن الفيّاض على الإطلاق، و لبطلانه- لاستلزامه تأخّر المعلول عن العلّة- لا بدّ من الالتزام بالقول بقدم العالم زمانا، كوجوب الالتزام بالقول بقدم اللّه تعالى ذاتا، و هذا كلّه- كما عرفت- شبهة في مقابل البديهيّ، و ليس برهانا و استدلالا، فلا تغفل.

[1] أي من الدليل العقليّ.

[2] لفظة «هذا» إشارة إلى التقابل المستفاد من سياق الكلام، و غرضه (رحمه اللّه) أنّ تقابل الدليل العقليّ و النقليّ القطعيّين- على فرض تحقّقه خارجا مع أنّه يجب التصرّف و التأويل في أحدهما- يختصّ بالدليل العقليّ الغير البديهيّ الغير الفطريّ كالأمثلة المذكورة، و أمّا الدليل العقليّ البديهيّ و الفطريّ فلا يجري فيه بل و لا يمكن جريانه فيه.

____________

(1) هذا يمكن تقريره بنحو آخر بأن يقال: العالم معلول لوجود الباري تعالى فهو إذا كان قديما فيكون العالم قديما و إلّا لزم انفكاك العلّة عن المعلول و الأثر عن المؤثّر، و بعد ذلك لعلّ الأوضح ما ذكرناه في الشرح، فلا تغفل.

290

و لا في الفطريّ الخالي عن شوائب الأوهام، فلا بدّ في مواردهما من التزام عدم حصول القطع من النقل على خلافه [1]؛ لأنّ الأدلّة القطعيّة النظريّة في النقليّات مضبوطة محصورة [2] ليس فيها شي‏ء يصادم العقل البديهيّ أو الفطريّ.

فإن قلت [3]: ....

____________

و أمّا الدليل العقليّ البديهيّ- كالحكم بأنّ الواحد نصف الاثنين و الكلّ أعظم من الجزء مثلا- و كذا الدليل العقليّ الفطريّ- كالحكم بقبح الظلم و حسن الإحسان مثلا- فلا يمكن فيهما التقابل بل لا يتصوّر أصلا، و الوجه فيه أنّ الشبهة دائما يحصل في قبال العقل المشوب، و أمّا غير المشوب منه- كالعقل البديهيّ و الفطريّ اللذين لا شوب فيهما- فلا يحصل في قبالهما شبهة.

[1] ضمير التثنية يعود إلى «العقل البديهيّ» و «العقل الفطريّ» و ضمير المفرد يعود إلى «العقل»، و مراده (رحمه اللّه) الردّ على صاحب الحدائق (رحمه اللّه) الذي ادّعى إمكان تعارض الدليل النقليّ و الدليل العقليّ البديهيّ و الفطريّ، فراجع ما تقدّم.

[2] إشارة إلى الأدلّة المعتبرة المضبوطة في الكتب الاصوليّة، من الآيات و الأخبار المتواترة، و أخبار الآحاد المحفوفة بالقرائن، و الإجماعات المتواترة التي لا يوجد فيها شي‏ء يعارض العقليّ البديهيّ الفطريّ، بحيث يحتاج إلى التأويل أو الطرح.

وجوب امتثال الشارع مشروطا بتوسّط الحجّة

[3] إشارة إلى إشكال الأخباريّ بأنّ إنكارنا حجّيّة العقل و تقديم النقل عليه إنّما هو لورود الأخبار الدالّة على تقييد وجوب إطاعة الشارع بكون الحجّة

291

لعلّ نظر هؤلاء في ذلك [1] إلى ما يستفاد من الأخبار- مثل قولهم (عليهم السّلام): «حرام عليكم أن تقولوا بشي‏ء ما لم تسمعوه منّا» [2]، و قولهم (عليهم السّلام): «لو أنّ رجلا قام ليله، و صام نهاره، و حجّ دهره، و تصدّق بجميع ماله، و لم يعرف ولاية وليّ اللّه؛ فيكون أعماله بدلالته فيواليه، ما كان له على اللّه ثواب» [3]، و قولهم (عليهم السّلام): «من دان اللّه بغير سماع من صادق فهو كذا و كذا ...» [4]، ....

____________

واسطة في إبلاغ أمره و نهيه، و إليه أشار المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه) بقوله: «حاصل التوجيه أنّ المستفاد من الأخبار إنّما هو تقييد وجوب إطاعة الشارع بما إذا كان الحجّة واسطة في تبليغ أوامره و نواهيه لا مطلقا» (1).

[1] أي في تقديم النقل على العقل.

[2] هذا شطر من رواية مفصّلة ذكرها المحدّث الكلينيّ (رحمه اللّه) في الكافي‏ (2).

[3] و هذا أيضا شطر من رواية مفصّلة ذكرها البرقيّ (رحمه اللّه) في المحاسن‏ (3).

[4] هذا الحديث ذكره الشيخ الحرّ العامليّ (رحمه اللّه) في الوسائل‏ (4) و المحدّث‏

____________

(1) حاشية فرائد الاصول: 48.

(2) انظر الكافي 2: 402، كتاب الإيمان و الكفر، باب الضلال، الحديث الأوّل و فيه: «شرّ» بدل «حرام»، و في الوسائل هكذا: «أمّا أنّه شر عليكم أن تقولوا بشي‏ء ما لم تسمعوه منه»، وسائل الشيعة 18: 47، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25.

(3) راجع المحاسن 1: 286 الحديث 430، و ذكر الشيخ الحرّ العامليّ (رحمه اللّه) شطرا منه كما هنا في وسائل الشيعة 1: 91، الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 2؛ و 18: 25، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13، و ذكرها المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) أيضا في بحار الأنوار 23: 294، الحديث 33.

(4) وسائل الشيعة 18: 51، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، الحديث 37.

292

إلى غير ذلك [1]-: من [2] أنّ الواجب علينا هو امتثال أحكام اللّه تعالى التي بلّغها حججه (عليهم السّلام)، فكلّ حكم لم يكن الحجّة واسطة في تبليغه لم يجب امتثاله، بل يكون [3] من قبيل: «اسكتوا عمّا سكت اللّه عنه» [4]؛ ...

____________

المجلسيّ (رحمه اللّه) أيضا في البحار (1).

و لفظة «كذا و كذا» إشارة إلى ما ذكره الإمام (عليه السّلام) في ذيل الحديث الشريف بقوله (عليه السّلام): «ألزمه اللّه التّيه يوم القيامة» (2).

[1] إشارة إلى أحاديث أخر، منها: قول أبي بصير للصادق (عليه السّلام): ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه و لا سنّته فننظر فيها؟ فقال (عليه السّلام): «لا، أمّا إنّك إن أصبت لم توجر، و إن أخطأت كذبت على اللّه» (3).

[2] بيان للموصول في قوله (رحمه اللّه): «ما يستفاد من الأخبار ...».

[3] الضمير المستتر يعود إلى الحكم الذي لا يكون فيه وساطة الحجّة.

[4] ذكره ابن أبي جمهور الأحسائيّ في عوالي اللآلي‏ (4).

و غرضه (رحمه اللّه) أنّ الحكم الشرعيّ المكشوف بالعقل حيث يصدق عليه أنّه ممّا سكت اللّه عنه، فيلزم طرحه شرعا و عدم جواز أخذه قطعا، و لا نعني من اعتبار كون الحجّة واسطة في الأحكام الشرعيّة إلّا هذا.

____________

(1) بحار الأنوار 2: 93، الحديث 24.

(2) وسائل الشيعة 18: 51، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، الحديث 37، و بحار الأنوار 2: 93، الحديث 24 و فيه «إلى يوم القيامة».

(3) وسائل الشيعة 18: 24، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.

(4) عوالي اللآلي 3: 166، الحديث 61.

293

فإنّ معنى سكوته عنه [1] عدم أمر أوليائه بتبليغه، و حينئذ فالحكم المستكشف بغير واسطة الحجّة ملغى في نظر الشارع و إن كان مطابقا للواقع؛ كما يشهد به تصريح الإمام (عليه السّلام) بنفي الثواب على التصدّق بجميع المال، مع القطع بكونه محبوبا و مرضيّا عند اللّه.

و وجه الاستشكال في تقديم النقلي على العقليّ الفطري [2] السليم: ما ورد من النقل المتواتر على حجّيّة العقل، ....

____________

[1] الضمير المجرور في «سكوته» يعود إلى «اللّه»، و في «عنه» يعود إلى الموصول في «عمّا» المراد منه الحكم، و المقصود: أنّ اللّه تعالى لا يرضى بما حكم به العقل من غير توسّط الحجّة فيه.

توجيهه (رحمه اللّه) مذهب الأخباريّين‏

[2] جواب عن سؤال مقدّر أورده بعض على المستشكل المذكور الذي كان بصدد الدفاع و توجيه مذهب الأخباريّين و منهم صاحب الحدائق (رحمه اللّه).

أمّا السؤال، فملخّصه: أنّ المستشكل في المقام- بناء على ما ادّعاه آنفا من عدم اعتبار الحكم المكشوف بغير توسّط الحجّة- لا يبقي مجالا لما ارتكبه صاحب الحدائق في صورة تعارض الدليل النقليّ و العقليّ، من استشكاله و ترديده في تقديم النقليّ على العقليّ عند قوله: «في ترجيح النقليّ عليه إشكال» بل لا بدّ له من أن يلتزم بأخذ النقليّ و تقديمه على العقليّ بنحو الجزم و القطع بلا استشكال و ترديد فيه.

294

و أنّه حجّة باطنة [1]، و أنّه ممّا يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان [2]، ....

____________

و أمّا ملخّص الجواب عنه و الدفاع عن ساحة صاحب الحدائق (رحمه اللّه) فبأنّه وردت روايات كثيرة دالّة بالصراحة على حجّيّة العقل و اعتبار الأحكام المكشوفة به، و أنّها بمنزلة الأحكام الشرعيّة، و عليه فالعقل و النقل متساويان بل هو هو جدّا، و حيث إنّه (رحمه اللّه) بعد توجّهه إلى العقل الذي كان بهذه المنزلة الرفيعة لم يتمكّن من الالتزام بحكم بنحو الجزم و القطع، و عليه فيبقى له مجال جدّا للالتزام بالحكم بنحو الاستشكال و الترديد، فيقال: «في ترجيح النقليّ عليه‏ (1) إشكال» (2).

[1] هذا توضيح و تفسير لما قبله المعبّر عنه اصطلاحا بالعطف التفسيريّ و إشارة إلى حديث هشام الذي أشرنا إلى بعض فقراته سابقا (3).

[2] إشارة إلى رواية أجاب فيها الإمام (عليه السّلام) عن قول السائل: «ما العقل» (4).

____________

(1) أي على العقليّ.

(2) لا يذهب عليك أنّ بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) قد أنكر ارتباط كلامه (رحمه اللّه) هذا أعني قوله (رحمه اللّه):

«وجه الاستشكال ...» بالمبحوث عنه في المقام، و قال (رحمه اللّه): «ربط هذا الكلام بالمقام في غاية البعد، كما لا يخفى» (قلائد الفرائد 1: 88). أقول: و كلامه (رحمه اللّه) هذا منه (رحمه اللّه) عجيب جدّا، بعد أن كان المستشكل بصدد توجيه مذهب الأخباريّين و منهم صاحب الحدائق، و عليه فالربط بينهما في غاية الوضوح كما لا يخفى، فلا تغفل.

(3) انظر الكافي 1: 16، كتاب العقل و الجهل، الحديث 12، الفقرة الرابعة عشر، و أيضا انظر الصفحة 242.

(4) راجع الكافي 1: 11، كتاب العقل و الجهل، الحديث 3.

295

و نحوها [1] ممّا يستفاد منه كون العقل السليم أيضا حجّة من الحجج، فالحكم المستكشف به حكم بلّغه الرسول الباطني، الذي هو شرع من داخل، كما أنّ الشرع عقل من خارج.

و ممّا يشير إلى ما ذكرنا [2] من قبل هؤلاء: ما ذكره السيّد الصدر (رحمه اللّه) في شرح الوافية- في جملة كلام له في حكم ما يستقلّ به العقل- ما لفظه:

إنّ المعلوم هو أنّه يجب فعل شي‏ء أو تركه [3] أو لا يجب إذا حصل الظنّ [4].

____________

[1] إشارة إلى أخبار أخر واردة في تمجيد العقل، منها قوله (عليه السّلام): «إنّه أوّل ما خلق اللّه و به يثاب و يعاقب» (1)، و منها ما ذكرناه سابقا من قوله (عليه السّلام): «ألا و مثل العقل في القلب كمثل السراج في وسط البيت» (2).

استشهاد المستشكل بكلام السيّد الصدر

[2] يعني يشير إلى ما ذكرنا من أنّ نظر الأخباريّين في ذلك إلى ما يستفاد منه ... هو كلام السيّد الصدر (رحمه اللّه).

[3] إشارة إلى ما هو الثابت في الأخبار و الروايات من دلالتها على وجوب الصوم و الصلاة و لزوم ترك الخمر و الميسر مثلا.

[4] المراد من الظنّ هو الظنّ الخاصّ الذي دلّ على اعتباره دليل شرعيّ كخبر الثقة مثلا.

____________

(1) انظر بحار الأنوار 1: 96- 99، كتاب العقل و الجهل، باب حقيقة العقل، الحديث 1 و 3 و ...

(2) بحار الأنوار 1: 99، كتاب العقل و الجهل، باب 2، الحديث 14.

296

أو القطع بوجوبه أو حرمته أو غيرهما [1] من جهة [2] نقل قول المعصوم (عليه السّلام) أو فعله أو تقريره، لا أنّه يجب فعله أو تركه أو لا يجب مع حصولهما من أيّ طريق كان [3]، انتهى موضع الحاجة.

قلت [4]: ....

____________

[1] المراد من «غيرهما» الأحكام الوضعيّة أو التكليفيّة الأخر، و المقصود أنّ الأحكام الوضعيّة أو التكليفيّة إذا حصل الظنّ أو القطع بها من غير جهة قول المعصوم أو فعله أو تقريره لا يجب إطاعته و امتثاله شرعا، و لا نعني من لزوم توسّط الحجّة في تبليغ الأحكام إلّا هذا.

[2] الجارّ يتعلّق بقوله: «حصل».

[3] ضمير التثنية في «حصولهما» يعود إلى «وجوب الفعل أو الترك» من الأحكام، و المقصود- كما عرفت آنفا- أنّه لا يكفي حصولهما من قبل غير المعصوم (عليه السّلام) و لو بطريق العقل القطعيّ البديهيّ الفطريّ.

الجواب الأوّل عن التوجيه بمنع لزوم توسّط الحجّة

[4] قال المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه): «حاصل الجواب: أنّ وجوب إطاعة اللّه تعالى من المستقلّات العقليّة الغير القابلة للتخصيص، و في كلامه إشارة إلى أنّ المناط في وجوب الإطاعة و حرمة المعصية إنّما هو إحراز كون الشي‏ء محبوبا عند اللّه تعالى، بحيث لا يرضى بتركه، أو كونه مبغوضا على وجه لا يرضى بفعله ...» (1).

____________

(1) حاشية فرائد الاصول: 49 و 50.

297

حاصل الكلام: أنّ العقل حاكم بوجوب إطاعة اللّه، و الأمر الصادر من الشارع الأقدس في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ (1) مثلا إرشاد منه تعالى إلى ما حكم به العقل، و من هنا يقال: إنّ الأمر بوجوب إطاعة اللّه تعالى يستحيل كونه أمرا شرعيّا مولويّا يجب إطاعته؛ لاستلزامه التسلسل، خلافا للأخباريّ المدّعي اشتراط وجوب الإطاعة بالسماع عن المعصوم.

قال صاحب الأوثق (رحمه اللّه) في توضيحه: «و لا ريب أنّ كيفيّة الإطاعة و المعصية موكولة إلى العقلاء، و لذا ترى أنّ ولد المولى لو كان واقعا على جانب بئر بحيث يشرف على الوقوع فيها و اطّلع العبد على ذلك و كان متمكّنا من تخليصه من ذلك فتركه على حاله فوقع في البئر، لذمّه العقلاء و إن لم يكن المولى آمرا له بذلك‏ (2)، بل كان غير مطّلع على حال ولده، فلو اعتذر العبد بعدم أمر المولى لم يسمع منه و استحق المذمّة و التوبيخ منهم، و ليس ذلك إلّا من جهة كفاية ما قطع به العبد من أنّ المولى لو اطّلع على حال ولده لأمره بإنجائه و لم يرض منه بترك ولده على ما هو عليه ...» (3).

و الحاصل: أنّ العبد بعد معرفته عدم رضا المولى بترك حفظ ولده، و بعد حكم العقل بلزوم إطاعته، يجب عليه رعاية حال الولد و حفظه من الضياع و الشرور

____________

(1) النساء: 59.

(2) أي بحفظ الولد و تخليصه من الوقوع في البئر.

(3) أوثق الوسائل: 34.

298

و من جميع الآفات و إن لم يصرّح المولى بكلّ واحد واحد منها على حدتها.

أقول: هنا مثال آخر يدلّ على أنّ توسّط الحجّة و السماع منه (عليه السّلام) لا دخل له في لزوم الإطاعة، و هو الحكم بإباحة الصيد الذي يستفاد من الأمر الواقع عقيب الحظر (1) في قوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا (2).

ملخّص الكلام في المقام: أنّ السماع من الحجّة (عليه السّلام) هو لمجرّد كونه طريقا للوصول إلى الواقع‏ (3)، و قد قرّر في محلّه أنّ الطريق لا دخل له في إثبات الحكم، و قد مرّ توضيح ذلك مفصّلا في القطع الطريقيّ المحض‏ (4)، و أضف إلى ذلك كلّه استلزامه الدور بالتقريب المذكور في حاشية القلائد (5).

____________

(1) إشارة إلى قوله تعالى: وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً (المائدة: 96).

(2) المائدة: 2.

(3) أقول: ما أوضحناه إلى هنا الهمنا من قوله (عليه السّلام): «عليكم بالدرايات لا بالروايات» (بحار الأنوار 2: 160، كتاب العلم باب 21 (آداب الرواية)، الحديث 12)، و من قوله (عليه السّلام):

«همّة السفهاء الرواية و همّة العلماء الدراية» (المصدر السابق، الحديث 13)، و يؤيّد ذلك كلّه أيضا قوله (عليه السّلام): «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا» (المصدر السابق: ص 183، باب 26، الحديث 3).

(4) انظر الصفحة 81 و ما بعدها، ذيل عنوان «الجهة الاولى: امتناع أخذ القطع الطريقيّ في الحكم وقوعه وسطا للقياس بخلاف الموضوعيّ».

(5) انظر قلائد الفرائد 1: 88 حيث قال (رحمه اللّه): «إنّ مدخليّة قول المعصوم (عليه السّلام) في الحكم، إن كان المراد تقييد الحكم الواقعيّ به، فهو مستلزم للدور؛ كيف، و قول المعصوم (عليه السّلام) بوجوب شي‏ء أو حرمته، يتوقّف على الوجوب و الحرمة واقعا؟! و إلّا لكان كذبا؛ فلو توقّف الوجوب و الحرمة واقعا على قول المعصوم (عليه السّلام) يلزم الدور».

299

أوّلا: نمنع مدخليّة توسّط تبليغ [1] الحجّة في وجوب إطاعة حكم اللّه سبحانه؛ كيف! و العقل بعد ما عرف أنّ اللّه تعالى لا يرضى بترك الشي‏ء الفلانيّ، و علم بوجوب إطاعة اللّه، لم يحتج ذلك إلى توسّط مبلّغ [2].

و دعوى: استفادة ذلك من الأخبار، ممنوعة [3]؛ فإنّ المقصود من أمثال الخبر المذكور عدم جواز الاستبداد في الأحكام الشرعيّة [4] بالعقول الناقصة الظنّيّة- على ما كان متعارفا في ذلك الزمان من العمل بالأقيسة و الاستحسانات- من غير مراجعة حجج اللّه، بل في مقابلهم (عليهم السّلام)؛ ....

____________

[1] الأولى حذف إحدى الكلمتين إمّا «توسّط» و إمّا «تبليغ»، فافهم.

[2] أي العقل بعد إدراكه وجوب الإطاعة لم يحتج فيه إلى توسّط المبلّغ.

[3] أي استفادة توسّط الحجّة و مدخليّة تبليغها في إثبات الحكم من الأخبار المتقدّمة آنفا في كلام المستشكل ممنوع.

[4] ملخّص الكلام في المقام: أنّه لو سأل أحد أنّه ما هو المقصود من أمثال تلك الأخبار الدالّة بظاهرها على توسّط الحجّة و دخلها (عليه السّلام) في إثبات الحكم؟

لأجاب عنه المصنّف (رحمه اللّه) و يقول: المقصود من هذه الروايات أنّه لا يجوز المشي على طريق أئمّة النفاق الغير المراجعين إلى أئمّة الهدى اعتمادا على عقولهم الناقصة و أفكارهم الفاترة و آرائهم الفاسدة، كما كان هو المتعارف في زمن الصادق (عليه السّلام) من أمثال أبي حنيفة و قتادة و غيرهما من سائر الخبثاء (1).

____________

(1) عن أبي إسحاق الأرجانيّ، رفعه، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «أ تدري لم امرتم بالأخذ-

300

و إلّا [1] ...

____________

و الحاصل: أنّ الأخبار المتقدّمة تنصرف إلى هؤلاء الأخباث الذين ما كانوا ليراجعوا إلى الأئمّة (عليهم السّلام)، بل كانوا يقابلونهم و يضادّونهم (عليهم السّلام) في الفتيا و العمل، دون الشيعة الإماميّة الذين كانوا يراجعون إليهم (عليهم السّلام) في جميع امورهم مدى الدهور و طيلة الأزمان.

و الشاهد على ما قلناه من مقابلتهم الأئمّة (عليهم السّلام) هو أمر أبي حنيفة لعنه اللّه بفتح إحدى العينين و غمض الاخرى في السجود ليستيقن أنّه عمل على خلاف الصادق (عليه السّلام)(1)، و سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) في ما بعد (2).

[1] أي الأخبار الدالّة بظاهرها على منع العمل بغير المسموع إن لم يكن المراد منها عدم جواز الاستبداد بالرأي و يكون مفادها مجرّد حرمة العمل بالدليل العقليّ الذي لا يمكن الجمع بينه و بين الدليل النقليّ- كما أصرّ عليه الأخباريّ- فيرد عليه محذوران: أحدهما: ما أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «فإدراك العقل القطعيّ ...»، و ثانيهما: ما أشار إليه بقوله: «مع أنّ ظاهرها ...».

____________

بخلاف ما تقول العامّة؟»، فقلت: لا أدري، فقال: «إنّ عليّا (عليه السّلام) لم يكن يدين اللّه بدين إلّا خالف عليه الامّة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، و كانوا يسألون أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن الشي‏ء الذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّا من عندهم، ليلتبسوا على الناس».

(وسائل الشيعة 18: 83، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 24).

(1) حكاه المحدّث الجزائريّ في زهر الربيع: 522.

(2) انظر فرائد الاصول 1: 615، و 4: 125.

301

فإدراك العقل القطعيّ للحكم المخالف للدليل النقليّ على وجه [1] لا يمكن الجمع بينهما في غاية الندرة، بل لا نعرف وجوده، فلا ينبغي الاهتمام به [2] في هذه الأخبار الكثيرة، ....

____________

أمّا الأوّل، فتوضيحه: أنّ مثل هذا التعارض إمّا غير موجود أصلا أو هو نادر الوقوع جدّا، و معه يلزم أن تكون تلك الأخبار لغوا لأنّ الأئمّة (عليهم السّلام) اهتمّوا اهتماما شديدا على المنع عن الرجوع إلى الحكم العقليّ، بل حصروا (عليهم السّلام) وجوب العمل بالأحكام في ما يسمع عنهم (عليهم السّلام) و لو كان معارضا للعقليّ القطعيّ الذي لا يمكن الجمع بينه و بين النقليّ.

و أمّا الثاني، فتوضيحه: أنّه يلزم بطلان جميع الأحكام العقليّة و لو في صورة عدم التعارض، مع أنّ صاحب الحدائق (رحمه اللّه) قال آنفا: «فإن لم يعارضه دليل عقليّ و لا نقليّ فكذلك» (1) أي لا ريب في صحّة العمل بالدليل العقليّ‏ (2).

[1] الجارّ هنا يتعلّق ب «المخالف».

[2] أي بأمر نادر، و المقصود: أنّ الشارع الأقدس لا ينبغي له الاهتمام ببيان حكم صورة التعارض بين العقل و النقل و إلزام المكلّف بتقديم الثاني على الأوّل، و الوجه فيه أنّ الحكيم ليس من شأنه الاهتمام بشي‏ء نادر الوجود أو غير الموجود خارجا، و هو واضح.

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 132 و 133.

(2) لا يخفى أنّ صاحب الحدائق (رحمه اللّه) ذكر هذا كلّه في الأحكام الغير التوقيفيّة، و أمّا في الأحكام التوقيفيّة فلم يقل بشي‏ء من ذلك حتّى يرد عليه ما أورده المصنّف (رحمه اللّه)، فلا تغفل.

302

مع أنّ ظاهرها ينفي حكومة العقل و لو مع عدم المعارض [1]. و على ما ذكرنا يحمل [2] ما ورد من: «أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول» [3].

و أمّا نفي الثواب على التصدّق [4] ....

____________

[1] ردّ و تعريض على ما ذكره صاحب الحدائق (رحمه اللّه) من قوله في ما تقدّم: «فإن لم يعارضه دليل عقليّ و لا نقليّ فكذلك ...».

[2] المراد من الموصول قوله (رحمه اللّه): «المقصود من أمثال الخبر المذكور عدم جواز الاستبداد بالأحكام الشرعيّة بالعقول الناقصة الظنّيّة ...».

[3] لا يخفى أنّ مفاد الحديث الشريف قرينة لما قلناه في توجيه الأخبار المتقدّمة من أنّ المراد منها عدم جواز الاستبداد في الأحكام الشرعيّة بالعقول الناقصة الكامنة في أئمّة النفاق، و كان من اللّازم أن يذكر المصنّف (رحمه اللّه) كلمة «الناقصة»؛ لأنّها موجودة في الحديث‏ (1)، فلا تغفل.

جواب خاصّ عن خبر نفي الثواب على التصدّق‏

[4] شرع (رحمه اللّه) في تقريب جواب مستقلّ عن خبر يدلّ على نفي الثواب عن‏

____________

(1) أقول: في البحار هكذا: قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): «إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقاييس الفاسدة، و لا يصاب إلّا بالتسلّم، فمن سلّم لنا سلم و من اهتدى بنا هدى، و من دان بالقياس و الرأي هلك، و من وجد في نفسه شيئا ممّا نقوله أو نقضي به حرجا كفر بالذي أنزل السبع المثاني و القرآن العظيم و هو لا يعلم» (بحار الأنوار 2:

303، كتاب العلم باب 34، الحديث 41). و في الكافي و الوسائل هكذا: «إنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس» (الكافي 1: 56 كتاب فضل العلم (باب البدع)، الحديث 7، و وسائل الشيعة 18: 27، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 18).

303

مع عدم كون العمل [1] بدلالة وليّ اللّه، فلو ابقي على ظاهره [2] ....

____________

تصدّق يكون بغير إذن الإمام المعصوم (عليه السّلام).

قال صاحب الأوثق (رحمه اللّه): «هذا الخبر حيث كان غير قابل للحمل على ما استظهره [الشيخ (رحمه اللّه)‏] من الأخبار المتقدّمة من المنع عن العمل بالعقول الناقصة الظنّيّة لكون مورده ممّا يستقلّ به العقل من حسن التصدّق، أفرده من تلك الأخبار و أجاب عنه بجواب آخر ...» (1).

و الحاصل: أنّ المدافع عن الأخباريّ بعد أن استشهد لإثبات مدّعاه- أعني عدم اعتبار العقل المعارض بالنقل- بخبر نفي الثواب عن الصدقة الواقعة بغير إذن المعصوم (عليه السّلام) الملازم لنفي الحسن عنها شرعا، مع أنّ حسنها ممّا لا شكّ فيه جدّا بمقتضى العقل الفطريّ المستقلّ، فأجاب عنه المصنّف (رحمه اللّه) بجوابين، فانتظر توضيحهما مفصّلا.

[1] في بعض النسخ «العمل به» و عليه فيعود الضمير المجرور إلى «التصدّق».

[2] الفعل بصيغة المجهول جواب قوله: «و أمّا ...»، و المقصود أنّ الحديث الشريف لا يمكن الالتزام بظاهره، حيث إنّه دلّ على عدم اعتبار العقل الفطريّ المستقلّ، مع أنّ الأخباريّ كصاحب الحدائق (رحمه اللّه) قد اعترف باعتباره، بل عدّه من حجج الملك العلّام، فراجع ما تقدّم‏ (2).

____________

(1) أوثق الوسائل: 34.

(2) انظر الصفحة 275 و ما بعدها، ذيل عنوان «تطابق العقل الفطريّ و الشرع عند المحدّث البحرانيّ».

304

دلّ على عدم الاعتبار بالعقل الفطريّ الخالي عن شوائب الأوهام، مع اعترافه [1] بأنّه حجّة من حجج الملك العلّام، فلا بدّ من حمله على التصدّقات الغير المقبولة [2]، مثل التصدّق على المخالفين لأجل تديّنهم بذلك الدين الفاسد [3] ...

____________

و الحاصل: أنّ الخبر الدالّ على نفي الثواب عن تصدّق يكون بغير إذن الإمام المعصوم (عليه السّلام)، كما يتوجّه فيه الإيراد على الاصوليّ يتوجّه على الأخباريّ أيضا.

[1] أي الأخباريّ المنطبق على صاحب الحدائق (رحمه اللّه).

[2] هذا هو الجواب الأوّل، و ملخّصه: أنّ الحديث الشريف لا بدّ فيه من ارتكاب خلاف الظاهر و التصرّف فيه بإحدى الوجوه الآتية، أحدها الالتزام بنفي الثواب عن صدقة خاصّة غير الصدقة المقبولة، لا مطلق التصدّق المقطوع بحسنه عند العقل الفطريّ البديهيّ المستقلّ، حتّى يتمّ مطلوب الخصم.

[3] بيان و توضيح لمصداق الصدقة الخاصّة الغير المقبولة المحكومة بعدم الثواب و عدم الحسن حتّى بحكم العقل الفطريّ، و هي التصدّق على المخالف بعنوان أنّه مخالف الذي حقيقته التصدّق و الإحسان على خصم اللّه تبارك و تعالى، و من المعلوم أنّ معه لا يبقى مجال لتوقّع الثواب و الأجر منه تعالى في مقابل الإحسان على خصمه.

لا يقال: إنّ لازم تقبيح الصدقة على المخالف تخصيص حكم العقل، مع أنّه يقرّر في محلّه أنّ التخصيص لا يعرض عليه.

لأنّا نقول: هذا خارج عنه تخصّصا لا تخصيصا، بتقريب أنّ تحسين العقل إيّاها مشروط بعدم مزاحمتها بمفسدة اخرى، و إلّا لا يحكم بحسنها، فافهم‏