الوسائل إلى غوامض الرسائل‏

- السيد رسول الموسوي الطهراني المزيد...
664 /
305

- كما هو الغالب في تصدّق المخالف على المخالف، كما في تصدّقنا على فقراء الشيعة؛ لأجل محبّتهم لأمير المؤمنين (عليه السّلام) و بغضهم لأعدائه-، أو على أنّ المراد حبط ثواب التصدّق [1]؛ .....

____________

و تأمّل، و يؤيّد ما قلناه قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏ (1).

نعم، لو تصدّق على المخالف بعنوان أنّه إنسان و مخلوق من مخلوقاته تعالى فلا يتصوّر مانع من الالتزام بترتّب الثواب عليه، بل بترتّبه على الإحسان على الكلب مثلا، و الشاهد على ذلك كلّه قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّ لكلّ كبد حرّاء أجرا» (2) و الشاهد الآخر فعل المعصوم (عليه السّلام)؛ أعني الإحسان و الإعانة على فقراء المخالفين في الليالي المظلمة، فراجع حياة مولانا عليّ بن الحسين (عليهما السّلام).

[1] عطف على «التصدّقات الغير المقبولة» و إشارة إلى الجواب الثاني ملخّصه: أنّ المراد من نفي الثواب هو حبطه لانتفاء شرطه، و هو القول بالولاية لعليّ (عليه السّلام) نظير اشتراط صحّة العمل بالتوحيد بمقتضى قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‏ (3).

و الفرق بينه و بين النحو الأوّل أنّ نفي الثواب هنا لوجود المانع و هناك لفقد المقتضي، فلا تغفل.

____________

(1) البقرة: 264.

(2) بحار الأنوار 74: 370، كتاب العشرة باب 23 (باب إطعام المؤمن و سقيه)، الحديث 58 و 60، و انظر بيانه (رحمه اللّه) ذيل الحديث 63.

(3) الزمر: 65.

306

من أجل عدم المعرفة لوليّ اللّه، أو على غير ذلك [1].

____________

و بعبارة أوضح: أنّ التصدّق و إن كان أمرا راجحا ممدوحا يترتّب عليه الثواب بحكم العقل الفطريّ المستقلّ- لأنّه من مصاديق الإحسان- إلّا أنّ قبح جحد حقّ وليّ اللّه و عدم معرفته صيّره مرجوحا مذموما بحيث لا يترتّب عليه الثواب، كما هو مقتضى أخبار كثيرة مذكورة في محلّه مفصّلا (1).

[1] عطف على «التصدّقات ...» أيضا و إشارة إلى نحو آخر من أنحاء التصرّفات، و ملخّصه: حمل الحديث على الكناية، أعني ذكر الملزوم (نفي الثواب) و إرادة اللّازم (نفي ترفيع الدرجة).

و بعبارة اخرى: كناية عن نفي الثواب الكامل، كما قال صاحب الأوثق (رحمه اللّه):

«يمكن حمل قوله (عليه السّلام): [ما كان له على اللّه ثواب‏] على الثواب الذي يستحقّ به الجنّة و يبعد به عن سخط اللّه ...» (2).

اعلم أنّ هنا توجيها آخر أشار إليه بعض المحشّين حيث قال: «الغرض من نفي الثواب هو نفيه عن العامل لا نفي الثواب رأسا فيكون ثواب عمله للمؤمنين كما هو مدلول بعض الأخبار ...» (3).

____________

(1) أقول: هذا التوجيه يعبّر عنه بإسكات الخصم اصطلاحا، و وجهه ما عرفت سابقا من اعتراف الأخباريّين بإمكان الحبط عقلا و جوازه شرعا، و قد عرفت توضيح امتناعه عند الاصوليّين و المتكلّمين مفصّلا، فالتوجيه المذكور هنا يعدّ جوابا جدليّا لا برهانيّا، و التفصيل في محلّه.

(2) أوثق الوسائل: 34.

(3) تسديد القواعد: 79.

307

و ثانيا: سلّمنا [1] مدخليّة تبليغ الحجّة في وجوب الإطاعة، لكنّا [2] إذا علمنا إجمالا [3] ....

____________

الجواب الثاني عن التوجيه بأنّ طريق إثبات صدور الأحكام لا ينحصر بالسماع‏

[1] شرع (رحمه اللّه) في تقريب جواب آخر عن روايات تدلّ على اعتبار توسّط الحجّة و لزوم السماع منه (عليه السّلام)، و ملخّصه نفي التلازم بين اعتبار التوسّط و السماع؛ لإمكان طريق آخر يستكشف به التوسّط، و عليه فكأنّه (رحمه اللّه) قال:

أوّلا: نمنع دخل توسّط الحجّة و اعتبار صدور الحكم منه (عليه السّلام) في وجوب الإطاعة، بعد إمكان إحرازه عن طريق العقل بالتقريب المتقدّم.

و ثانيا: على فرض تسليمه نمنع انحصار طريق إثبات الصدور بالسماع بعد إمكان إثباته من طريق العقل بالتقريب الآتي مفصّلا، و ملخّصه في كلمة واحدة جامعة هو أنّ السماع له طريقيّة لا موضوعيّة، فانتظر توضيحه.

[2] أي لكنّا نمنع التلازم بين توسّط الحجّة و السماع منه.

نموذج إحراز الصدور من طريق العقل‏

[3] تقريب ذلك: أنّ اعتبار قصد القربة في العبادات- كالصوم و الصلاة مثلا- ممّا اتّفق عليه الكلّ، و أمّا اعتبار قصد الوجه فيها كنيّة الوجوب و الندب مثلا فقد

308

ادّعاه بعض كالسيّد المرتضى‏ (1) و الرضيّ‏ (2) رحمهما اللّه و بعض من تبعهما (3) استنادا إلى بعض أدلّة كلاميّة (4).

و خالفهم في ذلك جمّ غفير و جمع كثير، و وجهه عدم الدليل عليه شرعا، بتقريب أنّه بعد أن كان قصد الوجه أمرا عامّ البلوى بين آلاف ملايين من المسلمين، بحيث لو كان لاشتهر و بان‏ (5)، و حيث لم يشتهر و لم يبن، علمنا بحكم العقل المستقلّ عدم اعتباره شرعا، فبصورة الشكل الأوّل من القياس نقول: إنّ عدم اعتبار قصد الوجه شرعا دلّ عليه العقل المستقلّ، و كلّ ما دلّ عليه العقل المستقلّ نقطع بصدوره من الحجّة (عليه السّلام)، فعدم اعتبار قصد الوجه شرعا نقطع‏

____________

(1) انظر رسائل الشريف المرتضى 2: 359، و فرائد الاصول 2: 408.

(2) لم نعثر عليه.

(3) كابن إدريس (انظر السرائر 1: 94) و العلّامة (انظر قواعد الأحكام 1: 269) و القمّيّ (انظر قوانين الاصول 1: 440، و 2: 144) و المحقّق الثاني (انظر جامع المقاصد 2: 221) و الكلام في ذلك موكول إلى الفقه (انظر على سبيل المثال مفتاح الكرامة 2: 609 و 622، و كتاب الطهارة للمصنّف 2: 44، و فرائد الاصول 1: 71 و 417، و 2: 408، و أيضا راجع الصفحة 397 من هذا الأثر ذيل عنوان «إبطال مختار المحقّق القمّيّ»).

(4) قال المحقّق الطوسي (قدّس سرّه): «بشرط فعل الواجب لوجوبه أو لوجه وجوبه و المندوب كذلك ...»، انظر كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 551، المسألة الخامسة من المقصد السادس؛ و هذا قد ردّ عليه المحقّق الحلّيّ (رحمه اللّه) على ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الانسداد بل حمله على الكلام الشعريّ أي التخيّليّ، فراجع فرائد الاصول 1: 417.

(5) أي لو كان قصد الوجه معتبرا في العبادة لعلم جميع المسلمين.

309

بصدوره‏ (1) من الحجّة (عليه السّلام)، و لا نعني من إمكان إحراز الصدور بطريق العقل إلّا هذا (2).

و الحاصل: أنّ النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أوصياءه المكرّمين (عليهم السّلام) لم يهملوا الحاضرين في زمانهم و الباقين و المشافهين و التابعين و تابعي التابعين و كلّ من في أصلاب الرجال و أرحام النساء إلى يوم القيامة إلّا و قد بيّنوا من باب اللطف أحكامهم الشرعيّة و وظائفهم العمليّة سيّما المبتلى بها من تلك الأحكام، و لا شكّ أنّ قصد الوجه من حيث كونه عامّ البلوى لو كان واجبا شرعا لوجدناه في آية أو في رواية قطعا، و حيث لم نجده نجزم بعدم اعتباره شرعا، و هو المطلوب.

و بعبارة اخرى: اعتبار قصد القربة في العبادات صدر من الحجّة بطريق السماع، و عدم اعتبار قصد الوجه فيها صدر من الحجّة بطريق العقل المستقلّ، و إذا ثبت ذلك في مورد أعني في مسألة يعمّ الابتلاء بها فبضميمة الإجماع أو عدم القول بالفصل بين هذه المسألة و غيرها، نجزم بالصدور في غير تلك المسألة و عليه فيثبت المطلوب بالنسبة إلى جميع الموارد، و هو المطلوب.

____________

(1) لا يبعد ترتيب القياس الشكل الأوّل من المتن هنا بتقرير آخر: بحمل قوله (رحمه اللّه): «لو أدركنا ذلك الحكم ...» على الصغرى، و قوله: «إذا علمنا إجمالا ...» على الكبرى، و قوله: «نجزم من ذلك ...» على النتيجة، فافهم.

(2) قال المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في الحاشية: «ثمّ لا يخفى أنّه ليس في الأخبار و الآثار من اعتبار الوجه و التمييز عين و لا أثر، و لم يكن في الصدر الأوّل ممّا يلتفت إليه إلّا نادرا، فلا يكون معه مجال لاحتمال اعتبارهما في الامتثال ...» (درر الفوائد: 52)، و أيضا قال (رحمه اللّه) في الكفاية: «و احتمال اعتباره أيضا في غاية الضعف، لعدم عين منه و لا أثر في الأخبار مع أنّه ممّا يغفل عنه غالبا، و في مثله لا بدّ من التنبيه على اعتباره ...» (كفاية الاصول: 274).

310

بأنّ حكم الواقعة الفلانية لعموم الابتلاء بها [1] قد صدر يقينا من الحجّة- مضافا إلى ما ورد من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في خطبة حجّة الوداع [2]: «معاشر الناس [3] ما من شي‏ء يقرّبكم إلى الجنّة و يباعدكم عن النار إلّا أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقرّبكم إلى النار و يباعدكم عن الجنّة إلّا و قد نهيتكم عنه»- ...

____________

و لا يخفى أنّ هذا الحكم الشرعيّ- أي عدم اعتبار قصد الوجه شرعا في العبادات- الذي ثبت صدوره من الشارع بطريق العقل دون السماع، يؤيّد بما جاء عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من خطبته في حجّة الوداع، حيث تدلّ بظاهرها على عدم اعتبار قصد الوجه في العبادات لأنّه لم يأمر (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) به فيها، مع أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) صرّح فيها بأنّه بيّن جميع ما يحتاج إليه الناس من الأحكام، و إليه أشار المصنّف (رحمه اللّه) بقوله:

«مضافا إلى ما ورد من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في خطبة حجّة الوداع ...».

[1] هذا ينطبق على ما مثّلناه من قصد الوجه في العبادات.

[2] غرضه (رحمه اللّه) أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يؤيّد ما ادّعاه آنفا من صدور الأحكام العامّ البلوى من الحجّة (عليه السّلام) قطعا، بل جميعها و لو كانت غير عامّ البلوى، كحرمة ضرب اليتيم مثلا.

[3] في الوسائل هكذا: عن أبي حمزة الثماليّ عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: خطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حجّة الوداع فقال: «يا أيّها الناس ما من شي‏ء يقرّبكم من الجنّة و يباعدكم من النار إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقرّبكم من النار و يباعدكم من الجنّة إلّا و قد نهيتكم عنه ...» (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 12: 27، الباب 12 من أبواب مقدّمات كتاب التجارة، الحديث 2.

و الجدير بالذكر أنّ الحديث الشريف الذي ذكره المصنّف (رحمه اللّه) هنا ذكره أيضا بالمناسبة في أواخر مبحث التعادل و التراجيح (راجع فرائد الاصول 4: 96).

311

ثمّ [1] أدركنا ذلك الحكم إمّا بالعقل المستقلّ و إمّا بواسطة مقدّمة عقليّة [2]، نجزم من ذلك [3] بأنّ ما استكشفناه بعقولنا صادر عن الحجّة (صلوات اللّه عليه)، فيكون الإطاعة بواسطة الحجّة.

____________

[1] عطف على قوله: «إذا علمنا إجمالا».

[2] هذا عدل قوله: «إمّا بالعقل»، و مثاله قوله (عليه السّلام): «في الغنم السائمة زكاة (1)» (2) فإنّه بمقتضى مقدّمة عقليّة أعني «انتفاء الحكم‏ (3) عند انتفاء الوصف‏ (4)» حكم بعدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة و إلّا يلزم أن يكون كلام الحكيم لغوا، فيعلم أنّ كلّا من وجوب الزكاة في السائمة و عدمه في المعلوفة صدر من الحجّة، إلّا أنّ الأوّل كان بطريق السماع و الثاني بطريق مقدّمة عقليّة، و إليه أشار (رحمه اللّه) بقوله: «الإطاعة بواسطة الحجّة ...» (5).

[3] جواب لقوله: «إذا علمنا إجمالا».

____________

(1) أي الغنم المرسلة إلى المراتع التي تأكل من علوفتها مجّانا، يجب على مالكها أن يعطي زكاتها للفقراء.

(2) مستدرك الوسائل 7: 63، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأوّل. و فيه: «الزكاة في الإبل و البقرة و الغنم السائمة».

(3) أي الوجوب.

(4) أي السوم.

(5) اعلم أنّ للمقدّمة العقليّة أمثلة اخرى غير ما ذكرناه، منها: وجوب المقدّمة، فإنّ العقل بعد ملاحظة التلازم بين وجوب المقدّمة كالسير مثلا و ذي المقدّمة كالحجّ مثلا حكم بوجوبها، و عليه فيصحّ ادّعاء أنّ التلازم بين وجوب المقدّمة و وجوب ذيها مقدّمة عقليّة يدرك بواسطتها وجوب المقدّمة.

312

إلّا أن يدّعى [1]: أنّ الأخبار المتقدّمة و أدلّة وجوب الرجوع إلى الأئمة (صلوات اللّه عليهم) أجمعين تدلّ على مدخليّة تبليغ الحجّة و بيانه [2] في طريق الحكم، و أنّ كلّ حكم لم يعلم [3] من طريق السماع عنهم (عليهم السّلام) و لو بالواسطة فهو غير واجب الإطاعة، و حينئذ فلا يجدي مطابقة الحكم المدرك لما صدر عن الحجّة (عليه السّلام) [4].

لكن قد عرفت عدم دلالة الأخبار [5]، و مع تسليم ظهورها فهو أيضا من باب تعارض النقل الظنّيّ [6] مع العقل القطعيّ؛ ....

____________

مزيد توضيح لمدخليّة تبليغ الحجّة في طريق الحكم و الردّ عليه‏

[1] إشارة إلى ما أوضحه (رحمه اللّه) مفصّلا تحت عنوان: «إن قلت ...» (1).

[2] هذا عطف تفسير لتبليغ الحجّة و توضيح له، و قوله: «في طريق الحكم ...» يتعلّق ب «مدخليّة»، و المقصود مدخليّة السماع موضوعا لا طريقا.

[3] هذا أيضا عطف تفسير لما قبله.

[4] إشارة إلى الحكم المدرك بالعقل في المثال المذكور، و الجارّ في قوله:

«لما»، يتعلّق بقوله: «مطابقة»، فلا تغفل.

[5] أي على مدّعى المستشكل، و الوجه فيه ما ذكرناه من أنّ السماع له طريقيّة لا موضوعيّة.

[6] الضمير المرفوع المنفصل يعود إلى «ظهور»، و تقدير الكلام: أنّه أولا: لا ظهور لتلك الأخبار على ما ادّعاه المستشكل كما مرّ توضيحه مفصّلا.

____________

(1) انظر الصفحة 290، ذيل عنوان «وجوب امتثال الشارع مشروطا بتوسّط الحجّة».

313

و لذلك [1] لا فائدة مهمّة في هذه المسألة [2]؛ إذ بعد ما قطع العقل بحكم و قطع بعدم رضا اللّه جلّ ذكره بمخالفته، فلا يعقل ترك العمل بذلك [3] ما دام هذا القطع باقيا، فكلّ ما دلّ على خلاف ذلك فمؤوّل [4] أو مطروح [5].

____________

و ثانيا: على فرض تسليم الظهور فإنّ الدليل النقليّ الظنّيّ لا يعارض الدليل العقليّ القطعيّ.

و ما نحن فيه أيضا من مصاديق ما أوضحناه سابقا (1) عند الردّ على الأخباريّين من وجوب تقديم العقليّ القطعيّ على النقليّ الظنّيّ، فإنّ الأخبار الدالّة على عدم اعتبار الحكم المدرك بالعقل لا تفيد أكثر من الظنّ، و لا فائدة مهمّة هنا في البحث عنه ثانيا، فلا تغفل.

[1] أي و لأجل ظهور الأخبار من باب تعارض النقليّ الظنّيّ و العقليّ القطعيّ.

[2] أي في مسألة حصول القطع من المقدّمات العقليّة.

[3] أي العمل بأمر مقطوع به عقلا.

[4] أي الأخبار الدالّة على انحصار طريق إثبات صدور الأحكام بالسماع، لا بدّ من تأويلها، بأن يقال: المراد منها الردّ على أئمّة النفاق من العامّة، فكأنّه (عليه السّلام) في قبالهم قال: كذا و كذا، لا في قبال ما قطع به العقل.

[5] أي عند عدم التمكّن من التأويل، و أشار إليه سابقا عند قوله (رحمه اللّه): «إن وجد ما ظاهره المعارضة فلا بدّ من تأويله إن لم يمكن طرحه ...».

____________

(1) إشارة إلى قوله (رحمه اللّه) سابقا: «كلّ ما حصل القطع من دليل عقليّ فلا يجوز أن يعارضه دليل نقليّ ...». (فرائد الاصول 1: 57، و أيضا انظر الصفحة 285، ذيل عنوان «اعتبار الدليل العقليّ عند المصنّف ...»).

314

نعم، الاتصاف [1] أنّ الركون إلى العقل فيما يتعلّق بإدراك مناطات الأحكام [2] لينتقل منها إلى إدراك نفس الأحكام، موجب للوقوع في الخطأ كثيرا في نفس الأمر، ...

____________

رأي المصنّف (رحمه اللّه) في تحديد دائرة الاعتماد على العقل‏

[1] قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «أقول: توضيحه: أنّه لا يجوز الخوض في المطالب العقليّة في تحصيل مناط الحكم على طريق اللمّ‏ (1)، و الأخبار الآتية محمولة على ذلك لا العقل المستقلّ» (2).

و المقصود أنّ الممنوع شرعا إنّما هو الركون إلى العقل النظريّ لدرك مناطات الأحكام، و أمّا مجرّد استظهار حكم شرعيّ منه فلا يمنع عنه مانع أصلا.

و بعبارة اخرى: أنّ رأي الأخباريّين الذين لا يعتنون بالعقل أصلا إفراط، كما أنّ قول المتجدّدين الذين يراجعون إلى عقولهم الناقصة القاصرة عن درك المناطات الواقعيّة في درك الأحكام الشرعيّة تفريط؛ كقولهم مثلا: إنّ مناط حرمة التختّم بالذهب مثلا للرجال أمر اقتصاديّ، و هو أن لا تتجمّع الثروة في محلّ واحد، و هكذا.

[2] إشارة إلى المصالح و المفاسد الواقعيّة التي هي علل الأحكام بناء على مذهب العدليّة.

____________

(1) أي الانتقال من العلّة إلى المعلول.

(2) قلائد الفرائد 1: 89.

315

و إن لم يحتمل ذلك [1] عند المدرك، كما يدلّ عليه [2] الأخبار الكثيرة الواردة بمضمون: «أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول»، و «أنّه لا شي‏ء أبعد عن دين اللّه من عقول الناس» [3].

و أوضح من ذلك كلّه: رواية أبان بن تغلب [4] عن الصادق (عليه السّلام): «قال: قلت:

رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة، كم فيها من الدية؟ قال: عشر من الإبل.

قال: قلت: قطع إصبعين؟ قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثا؟ قال: ثلاثون.

____________

[1] لفظة «ذلك» نائب فاعل «لم يحتمل» و هي إشارة إلى وقوع الخطأ، و «المدرك» بصيغة اسم الفاعل هو مريد إدراك مناطات الأحكام.

[2] الضمير المجرور يعود إلى «عدم جواز الركون إلى العقل» في ما يتعلّق بإدراك مناطات الأحكام المفهوم من الكلام.

الروايات الدالّة على عدم جواز الركون إلى العقل لإدراك مناطات الأحكام‏

[3] ذكرنا الحديث الأوّل بتمامه سابقا (1)، و أمّا الحديث الثاني فهو في الوسائل هكذا: «ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال عن القرآن ...» (2).

[4] هذه الرواية ذكرها المحدّث الكلينيّ (رحمه اللّه) في فروع الكافي باختلاف‏

____________

(1) تقدّم تخريجه في الصفحة 236، الهامش 3.

(2) وسائل الشيعة 18: 149، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 69، و في الحديث 73 «من تفسير القرآن ...». أقول: إنّ المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الانسداد ذكر الحديث الشريف هكذا: «لا شي‏ء أبعد عن عقول الرجال من دين اللّه» (انظر فرائد الاصول 1: 530).

316

قلت: قطع أربعا؟ قال: عشرون. قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعا فيكون عليه عشرون؟! كان يبلغنا هذا و نحن بالعراق، فقلنا:

إنّ الذي جاء به شيطان! قال (عليه السّلام): مهلا يا أبان، هذا حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، إنّ المرأة تعاقل [1] الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان، إنّك أخذتني بالقياس [2]، و السنّة إذا قيست محق الدين».

و هي و إن كانت ظاهرة في توبيخ أبان [3] على ردّ الرواية الظنّيّة ....

____________

يسير (1) و أوضح منه ما جاء في الوسائل‏ (2).

[1] العقال و إن اخذ من العقل بمعنى الدية، و لكن معناه هنا التساوي و التوازن.

[2] يعني: أردت منّي التلبّس بالقياس و أن افتي بمقتضاه‏ (3).

كلام المصنّف (رحمه اللّه) حول رواية أبان بن تغلب‏

[3] هذا جواب عن سؤال مقدّر.

أمّا ملخّص السؤال: أنّ هذه الرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه، أي خارجة عمّا كان‏

____________

(1) انظر الكافي 7: 299، الحديث 6.

(2) راجع وسائل الشيعة 19: 268، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث الأوّل.

(3) أقول: أنّ هنا مسألتين: إحداهما: أنّ ثبوت الدية يختصّ بموارد وقوع الجناية خطأ أو شبه خطأ، و أمّا في موارد وقوعها عمدا فالمجنيّ عليه مخيّر بين أخذ الدية و القصاص، و التفصيل في محلّه. ثانيتهما: أنّ الدية الكاملة للرجل المجنيّ عليه كانت مردّدة بين امور ستّة، و هي:

مائة إبل، أو مائتا بقرة، أو مائتا حلّة، أو ألف مثقال من ذهب، أو عشرة آلاف درهم، و كلّ ذلك ينصّف في المرأة بعد التجاوز عن الثلث، و أمّا قبله فهي و الرجل سواء، و التفصيل في محلّه.

317

- التي سمعها في العراق- بمجرّد استقلال عقله بخلافه [1]، أو على تعجّبه [2] ممّا حكم به الإمام (عليه السّلام)؛ من جهة مخالفته [3] لمقتضى القياس، إلّا أنّ مرجع الكلّ [4]

____________

المصنّف (رحمه اللّه) بصدد إثباته، و هو التوبيخ على الرجوع إلى العقل لاستنباط مناطات الأحكام، مع أنّ الظاهر من قوله (عليه السّلام): «مهلا يا أبان» هو التوبيخ على ردّه الرواية المعتبرة سندا و حملها على ما جاء به الشيطان و أنّه لم تعجّب من حكم الإمام (عليه السّلام).

و أمّا ملخّص الجواب عنه: أنّه و إن كان كذلك ظاهرا لكنّه بعد الدقّة و التأمّل في الرواية يعلم أنّ متعلّق التوبيخ هو ما قلناه؛ لأنّ أبانا راجع إلى عقله القاصر عن استنباط الأحكام و استنبط من العلل الظاهريّة الطارئة على الأذهان ابتداء، فكأنّه (عليه السّلام) وبّخه على المقدّمات العقليّة القياسيّة المؤدّية إلى مخالفة الواقع، فالرواية المستشهد بها لما ادّعيناه لا تكون أجنبيّة و لا تخرج عمّا نحن بصدد إثباته.

[1] الأولى بل الصواب تأنيث الضمير؛ لرجوعه إلى الرواية الظنّيّة، و لكن في جميع النسخ المصحّحة حديثا و قديما جاء مذكّرا، فالصواب الالتزام بإرجاعه إلى «الرواية» باعتبار كونها من مصاديق الخبر أو إلى «مضمون الرواية الظنّيّة» و الأمر سهل، فلا تغفل.

[2] عطف على «توبيخ أبان»، و التقدير هكذا: أو ظاهرة في توبيخ أبان على تعجّبه ...، فتوبيخ الإمام (عليه السّلام) أبانا: إمّا لردّه الرواية الظنّيّة، أو لتعجّبه من الحكم المذكور، بحيث قال: سبحان اللّه.

[3] أي مخالفة ما حكم به الإمام (عليه السّلام) للقياس.

[4] الألف و اللام عوض عن المضاف إليه، أي مرجع كلّ واحد من الأمرين،

318

إلى التوبيخ على مراجعة العقل في استنباط الأحكام، فهو توبيخ على المقدّمات المفضية إلى مخالفة الواقع.

و قد أشرنا هنا و في أوّل المسألة [1] إلى: عدم جواز الخوض [2] ....

____________

و المقصود أنّ توبيخه (عليه السّلام) وقع في الحقيقة على ما ارتكبه أبان من مراجعته إلى عقله في استنباط الأحكام الشرعيّة من المقدّمات العقليّة المؤدّية إلى امور غير واقعيّة و هو الذي ادّعينا انطباق الرواية عليه.

لا يخفى أنّ توبيخ الإمام (عليه السّلام) أبانا (رحمه اللّه) لو كان على ردّ الرواية المعتبرة- كما زعمه السائل المتقدّم- للزم عليه توبيخه على ذلك لا على رجوعه إلى المقدّمات العقليّة و مخالفة مضمون الرواية لحكم العقل، و الوجه فيه أنّ العلل تنسب غالبا إلى فقد المقتضي- أعني عدم اعتبار السند هنا- لا إلى وجود المانع- أعني مخالفة حكم العقل- و هذا معنى قولهم: إنّ مقتضى القاعدة أن يكون التعليل بعدم المقتضي لا بوجود المانع، و التفصيل في محلّه.

النهي عن الخوض في المطالب العقليّة لاستنباط الأحكام الشرعيّة

[1] إشارة إلى قوله (رحمه اللّه) سابقا: «إن أرادوا عدم جواز الخوض ...» و قوله (رحمه اللّه) لاحقا: «نعم الإنصاف ...».

[2] أي عدم جواز الخوض في المطالب العقليّة المبنيّة على المقدّمات الحدسيّة النظريّة، فالجارّ في كلامه الآتي، أي «في المطالب العقليّة» يتعلّق بالخوض فلا تغفل.

319

لاستكشاف الأحكام الدينيّة، في المطالب العقليّة، و الاستعانة بها [1] في تحصيل مناط الحكم و الانتقال منه إليه [2] على طريق اللّمّ [3]؛ لأنّ انس الذهن بها [4] يوجب عدم حصول الوثوق بما يصل إليه من الأحكام التوقيفيّة، فقد يصير [5] ...

____________

[1] أي لا يجوز الاستعانة بالمطالب العقليّة.

[2] الضمير الأوّل يعود إلى «مناط الحكم»، و الثاني يعود إلى «الحكم»، يعني لا يجوز الانتقال من مناط الحكم إلى الحكم.

[3] المراد من اللّمّ هو استكشاف المعلول من العلّة، قبال الإنّ المراد منه استكشاف العلّة من المعلول.

و بعبارة اخرى: الاستدلال بالعلّة على وجود المعلول- بأن يستدلّ بالمناط لإثبات الحكم- يعبّر عنه بالدليل اللّمّي اصطلاحا، و الاستدلال بالمعلول على وجود العلّة بأن يستدلّ بالمصنوع مثلا لإثبات الصانع يعبّر عنه اصطلاحا بالدليل الإنّيّ‏ (1)، و التفصيل في محلّه.

و المصنّف (رحمه اللّه) و إن لم يتفوّه هنا بكلمة الإنّ و لم يشر إلى دليل إنّيّ، لكنّه (رحمه اللّه) أشار إليه في مبحث البراءة عند قوله (رحمه اللّه): «استدلالا إنّيّا ...» (2).

[4] تعليل لعدم جواز الخوض في المطالب العقليّة، و ضمير التأنيث فيه يعود إلى «المطالب العقليّة».

[5] الضمير المستتر في الفعل هنا يعود إلى «الخوض فى المطالب العقليّة»

____________

(1) و يصحّ أيضا تعبير آخر، و هو: كشف العلّة عن المعلول و كشف المعلول عن العلّة.

(2) فرائد الاصول 2: 156.

320

منشأ لطرح الأمارات النقليّة الظنّيّة؛ لعدم حصول الظنّ له منها بالحكم [1].

و أوجب من ذلك: ترك الخوض في المطالب العقليّة النظريّة لإدراك ما يتعلّق باصول الدين [2]؛ ....

____________

و لا يبعد عوده إلى «انس الذهن المنتهى إلى عدم الوثوق بالأحكام التوقيفيّة» (1).

[1] الضمير المذكّر يعود إلى «الخائض في المطالب العقليّة» المستفاد من سياق الكلام، و لا يبعد عوده إلى «المأنوس بالامور العقليّة»، و الضمير المؤنّث يعود إلى «الأمارات النقليّة الظنّيّة»، و المراد من الحكم هو الحكم الشرعيّ الصادر من المعصومين (عليهم السّلام) من طريق الأمارات النقليّة الظنّيّة.

[2] يعني أوجب من ترك الخوض في العقليّات لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة، ترك الخوض فيها لاستنباط ما يتعلّق بالاصول الاعتقاديّة، و وجهه أنّ الانحراف في الفروع و عدم إصابة الواقع بسبب الخوض في تلك المقدّمات، غايته حصول الفسق و المعصية، بخلاف الانحراف في الاصول و عدم إصابة الواقع، فإنّه تعريض للهلاك الدائم و العقاب الخالد، كإنكار المعاد الجسمانيّ مثلا استنادا إلى قاعدة: «إعادة المعدوم ممّا امتنع» مع أنّها مردودة بقوله تعالى: بَلى‏ قادِرِينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ‏ (2) و غيره من الآيات و الروايات العديدة الكثيرة، و التفصيل في محلّه.

____________

(1) أي الأحكام التعبّديّة.

(2) القيامة: 4.

321

فإنّه تعريض للهلاك الدائم و العذاب الخالد [1]، و قد اشير إلى ذلك [2] عند النهي عن الخوض في مسألة القضاء و القدر، ....

____________

[1] الضمير المنصوب في قوله: «فإنّه» يعود إلى «الخوض في العقليّات لإدراك ما يتعلّق باصول الدين»؛ إذ الانحراف فيها يوجب تعريض النفس للمهالك و العقوبات الاخروية.

حول الأخبار الناهية عن الخوض في العقليّات لإدراك الاعتقاديّات‏

[2] لفظة «ذلك» إشارة إلى أنّ الخوض في المطالب العقليّة في اصول الدين تعريض للهلاك الدائم و العذاب الخالد.

أقول: ما ادّعاه المصنّف (رحمه اللّه) من عدم جواز الخوض في العقليّات لإدراك الاعتقاديّات يتمّ في بعض الامور الاعتقاديّة، كالتكلّم في ذات واجب الوجوب جلّ و عزّ، و كالقضاء و القدر و غيرهما من الامور التي ورد النهي عن التكلّم فيها، و أمّا غيرها كالبحث في التوحيد و إثبات الصفات الثبوتيّة لوجوده تعالى و نفي الصفات السلبيّة عنه تعالى فلا منع فيه جدّا، و التفصيل في محلّه.

و ورد في بعض الروايات جواز التكلّم في كلّ مسألة سوى ذات اللّه تبارك و تعالى و لذا قال (عليه السّلام): «تكلّموا في خلق اللّه و لا تتكلّموا في اللّه، فإنّ الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلّا تحيّرا» (1) و أيضا قال (عليه السّلام): «تكلّموا في كلّ شي‏ء و لا تتكلّموا

____________

(1) الكافي 1: 92، باب النهي عن الكلام في الكيفيّة، الحديث الأوّل.

322

و عند نهي بعض أصحابهم (صلوات اللّه عليهم) عن المجادلة [1] في المسائل الكلاميّة.

____________

في ذات اللّه» (1) بأن يبحث في أنّه تبارك و تعالى مادّة أو مجرّد، و بناء على الأوّل هل هو بسيط أو مركّب، و هكذا (2).

و في حديث آخر: جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، فقال (عليه السّلام): «بحر عميق فلا تلجه». فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، قال (عليه السّلام): «طريق مظلم فلا تسلكه». قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، قال (عليه السّلام): «سرّ اللّه فلا تتكلّفه». قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، الحديث‏ (3).

و بالجملة، يستفاد من الأخبار الناهية عن الخوض في مسألة القضاء و القدر عدم رضا الشارع الأقدس بالاعتماد على المقدّمات العقليّة فيها، و التفصيل في محلّه كالكتب الكلاميّة المبحوثة فيها عن الاصول الاعتقاديّة.

[1] الجارّ الأخير يتعلّق بالنهي و المقصود النهي عن البحث في المسائل الكلاميّة (4).

____________

(1) انظر المصدر السابق، ذيل الحديث الأوّل.

(2) راجع الكافي 1: 92، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفيّة، أحاديث 1- 10، و التوحيد للشيخ الصدوق: 441، الباب 67 (باب النهي عن الكلام و الجدال و المراء في اللّه عزّ و جلّ)، أحاديث 1- 35.

(3) بحار الأنوار 5: 110، باب 3 (باب القضاء و القدر)، الحديث 35.

(4) أقول: ذكر لوجه تسمية علم الكلام بذلك وجوه: منها: أنّ أوّل مسألة تكلّم فيها المتكلّمون-

323

لكنّ الظاهر من بعض تلك الأخبار [1]: أنّ الوجه في النهي عن الأخير عدم الاطمئنان بمهارة الشخص المنهيّ في المجادلة، ....

____________

[1] إشارة إلى بعض الروايات الواردة في المقام الناهية عن الخوض في العقليّات، فإنّه يستفاد بعد التأمّل و الدقّة فيها أنّ نهي المعصومين (عليهم السّلام) بعض أصحابهم عن البحث و المجادلة، كان من جهة عدم اطمئنانهم (عليهم السّلام) بمهارة الشخص في البحث و الجدال، لا من جهة ممنوعيّة الخوض في المسائل العقليّة ذاتا، و لتوضيح ما ذكرناه راجع الكافي و البحار.

أقول: إنّ حديث البحار لعلّه أنسب بالمقام، فإنّ الصادق (عليه السّلام) بعد أن سأله الراوي عن الجدال التي هي أحسن و التي ليست بأحسن قال (عليه السّلام): «أمّا الجدال بغير التي هي أحسن أن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا تردّه بحجّة قد نصبها اللّه تعالى ...، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم و على المبطلين، أمّا المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته و ضعف في يده حجّة له على باطله، و أمّا الضعفاء منكم فتغمّ قلوبهم لما يرون من ضعف المحقّ في يد المبطل، و أمّا الجدال التي هي أحسن، فهو ما أمر اللّه تعالى به نبيّة أن يجادل به‏ (1) من جحد البعث بعد الموت و إحيائه له فقال اللّه حاكيا عنه: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ‏ فقال اللّه في الردّ عليه‏

____________

هي مسألة كيفيّة كلام اللّه و خصوصيّاته بمناسبة قوله تعالى: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى‏ تَكْلِيماً (النساء: 164).

(1) إشارة إلى قوله تعالى: وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ (النحل: 125).

324

فيصير مفحما [1] عند المخالفين، و يوجب ذلك [2] وهن المطالب الحقّة في نظر أهل الخلاف.

____________

قُلْ‏ يا محمّد: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ (1)» (2).

و لا يخفى أنّ الرجوع إلى حديث الكافي أيضا لا يخلو عن الفائدة جدّا؛ لدلالتها صريحا على عدم كون تعلّم المسائل الكلاميّة و الخوض في المسائل العقليّة ممنوعا ذاتا (3).

[1] الفحم في الفارسي هو «زغال» و هو كناية عن كون غير الماهر مغلوبا في البحث و يصير وجهه مسودّا كالفحم.

[2] أي إفحام غير الماهر من أصحابنا يوجب الوهن لنا عند مخالفينا.

____________

(1) يس: 78 و 79.

(2) بحار الأنوار 2: 125، باب 17، الحديث 2.

(3) انظر الكافي 1: 171، كتاب الحجّة، باب الاضطرار إلى الحجّة، الحديث 4.

325

التنبيه الثالث في حجّيّة قطع القطّاع‏

326

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

327

الثالث: قد اشتهر في ألسنة المعاصرين: أنّ قطع القطّاع لا اعتبار به [1].

____________

كلام في معنى «القطّاع»

[1] القطّاع على وزن الفعّال هو من صيغ المبالغة، و معناه المطابقيّ: سريع القطع، و يقال له بالفارسيّة: «خوش‏باور» فلا يصحّ تفسيره بكثير القطع، نعم هو لازم معناه، فدلالته على كثرة القطع دلالة التزاميّة، و عليه فالقطّاع يقابل الوسواس‏ (1)، و هو بالفارسيّة: «ديرباور».

و بالجملة، فالقطّاع هو من يحصل له القطع من طرق لا يحصل منها لمتعارف الناس، مثل القطع الحاصل من الرؤيا، أو من إخبار المجنون، أو الصبيّ، أو الرمّال، أو غيرها من الأسباب الغير المتعارفة بين الناس، و صرّح بهذا كلّه صاحب الأوثق (رحمه اللّه)(2).

ثمّ لا يخفى أنّ مراده (رحمه اللّه) من قوله: «في ألسنة المعاصرين» هو صاحب الجواهر (3) و بعض آخر كصاحب الفصول‏ (4).

____________

(1) استعمل المصنّف (رحمه اللّه) كلمة «الوسواس» في مبحث الانسداد لمناسبة. راجع فرائد الاصول 1: 531.

(2) انظر أوثق الوسائل: 36.

(3) قال (قدّس سرّه) في جواهر الكلام 12: 422: «أمّا من كان كثير الظنّ أو القطع، فالظاهر البناء على ظنّه و قطعه إلّا إذا كان ما استفاد منه الظنّ أو القطع معلوما، و كان لا يستفاد منه ذلك عند العقلاء، فإنّه حينئذ يشكل البناء عليه».

(4) قال (قدّس سرّه) في الفصول الغرويّة: 343: «و من هذا الباب ما أفتى به بعض المحقّقين من أنّ-

328

و لعلّ الأصل في ذلك ما صرّح به كاشف الغطاء (قدّس سرّه) [1]- بعد الحكم بأنّ كثير الشكّ لا اعتبار بشكّه- قال:

و كذا من خرج عن العادة في قطعه أو في ظنّه، فيلغو اعتبارهما في حقّه [2]، انتهى.

____________

أوّل من صرّح بعدم اعتبار قطع القطّاع‏

[1] أوّل من صرّح بعدم اعتبار قطع القطّاع الشيخ جعفر النجفيّ صاحب كشف الغطاء (1) (2) و سيجي‏ء إن شاء اللّه توضيح ذلك‏ (3).

[2] إنّ ضمير التثنية يعود إلى «القطع» و «الظنّ»، و المفرد يعود إلى الموصول في قوله (رحمه اللّه): «من خرج ...»، فتقدير الكلام هكذا: غير المتعارف من الناس شاكّا كان أو ظانّا أو قاطعا لا اعتبار بشكّه و ظنّه و قطعه.

ما أفاده المحقّق النائينيّ في وجه عدم اعتبار العناوين الثلاثة

بعد الإشارة إلى مذهب كاشف الغطاء في المسألة، يناسب بيان مذهب المصنّف (رحمه اللّه) في المقام إجمالا ليعلم محلّ النزاع بينهما رحمهما اللّه من أوّل الأمر، فنقول:

____________

القطّاع الذي يكثر قطعه بالأمارات التي لا يوجب القطع عادة يرجع إلى المتعارف، و لا يعوّل على قطعه الخارج منه».

(1) أقول: الغطاء: الستار و هو بالفارسيّة: «پرده»، و المقصود أنّ كتاب كشف الغطاء يكشف أستار معضلات الفقه و مشكلاته، و هو كذلك جدّا، كما يظهر لمن له أدنى تدبّر.

(2) انظر كشف الغطاء 1: 308.

(3) انظر الصفحة 338 و ما بعدها، ذيل عنوان «تحليل عدم اعتبار قطع القطّاع المأخوذ طريقا في محتملات ثلاثة».

329

إنّ وظيفة الشكّاك في عدد ركعات الصلاة بمقتضى قوله (عليه السّلام): «لا شكّ لكثير الشكّ» (1) أن لا يعتني بشكّه و يبني على أيّ ركعة منها شاء، و لا نعني من عدم اعتبار شكّ كثير الشكّ إلّا هذا، فقوله (عليه السّلام) مثلا: «إذا شككت فابن على الأكثر» (2) ناظر إلى الشاكّ المتعارف، و أمّا غير المتعارف فلا اعتبار بشكّه، و أمّا الظنّان فإنّه أيضا لا اعتبار بظنّه، فقوله (عليه السّلام) مثلا: «إذا ظننت بكون القبلة جهة كذا فصلّ إليها» (3) ناظر إلى الظانّ المتعارف، و أمّا غير المتعارف فلا اعتبار بظنّه‏ (4).

و هذا وجه انصراف العناوين المأخوذة في لسان الأدلّة إلى ما هو المتعارف منها، كما صرّح به المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) حيث قال (قدّس سرّه): «العناوين التي تؤخذ في ظاهر الدليل تنصرف إلى ما هو المتعارف، من غير فرق في ذلك بين الشكّ و الظنّ‏

____________

(1) إشارة إلى قوله (عليه السّلام): «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك ...» و ما أشبه ذلك، انظر وسائل الشيعة 5: 329، الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 و 3 و 6 و 7 و 8.

(2) إشارة إلى قوله (عليه السّلام): «متى ما شككت فخذ بالأكثر ...» وسائل الشيعة 5: 317، الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث الأوّل و الثالث، و فيه: «إذا سهوت فابن على الأكثر ...».

(3) إشارة إلى مفاد بعض الروايات المذكورة في باب وجوب الاجتهاد في معرفة القبلة، انظر على سبيل المثال وسائل الشيعة 3: 223، الباب 6 من أبواب القبلة، الحديث 2 و 3.

(4) و أضف إلى ذلك أنّ الأصل الأوّلي أيضا قد دلّ على عدم اعتبار الظنّ، بل حرمة العمل به ما دام لم يدلّ على اعتباره دليل خاصّ عقليّ أو شرعيّ، على ما سيوضحه المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الظنّ عند قوله (رحمه اللّه): «التعبّد بالظنّ الذي لم يدلّ على التعبّد به دليل محرّم بالأدلّة الأربعة ...». انظر فرائد الاصول 1: 125.

330

و القطع، فالشكّ المأخوذ في باب الركعات ينصرف إلى ما هو المتعارف، و لا عبرة بشكّ كثير الشكّ، و لو فرض أنّه لم يرد قوله (عليه السّلام): [لا شكّ لكثير الشكّ‏]، غايته أنّه لو لم يرد ذلك كان شكّ كثير الشكّ مبطلا للصلاة و لو تعلّق في الأخيرتين، لأنّه لا يندرج في أدلّة البناء على الأكثر، فلا يكون له طريق إلى إتمام الصلاة، فتبطل؛ و لكن بعد ورود قوله (عليه السّلام): [لا شكّ لكثير الشكّ‏] يلزمه البناء على الأقلّ أو الأكثر، أي هو في الخيار بين ذلك. و كذا الحال في الظنّ الذي اخذ موضوعا في عدد الركعات، فإنّه ينصرف إلى المتعارف و لا يعمّ كثير الظنّ، فيكون حكم ظنّ كثير الظنّ حكم الشكّ. و كذا الحال في القطع المأخوذ موضوعا ينصرف إلى المتعارف‏ (1)، فلا يعمّ قطع القطّاع ...» (2).

و هذا كم له من نظير في الأدلّة الشرعيّة كالشبر في مسألة حدّ الكرّ مثلا، فإنّه ينصرف إلى المتعارف، و كأصبع الإبهام و الوسطى في مسألة حدّ غسل الوجه مثلا، فإنّهما أيضا ينصرفان إلى المتعارف، و هكذا.

و لا يخفى أنّ الدليل الخاصّ على اعتبار الظنّ إن كان هو العقل، فاللّازم أخذ القدر المتيقّن منه، و هو الظنّ المتعارف- كما هو شأن الأدلّة اللبّيّة- و أمّا إن كان هو الشرع، فإنّ عمومه و إن يشمل الظنّ المتعارف و غير المتعارف- كما هو شأن‏

____________

(1) مثاله: «إذا قطعت بالمشهود به فاشهد». إشارة إلى قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- و قد سئل عن الشهادة- قال: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أودع»، وسائل الشيعة 18: 250، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث 3.

(2) فوائد الاصول 3: 64 و 65.

331

أقول: أمّا عدم اعتبار ظنّ من خرج عن العادة [1] في ظنّه؛ فلأنّ أدلّة اعتبار الظنّ- في مقام يعتبر فيه [2]- ....

____________

الأدلّة اللفظيّة- إلّا أنّه لا بدّ من الالتزام بانصرافه إلى خصوص الأوّل منهما بمقتضى قاعدة الانصراف، و لا نعني من عدم اعتبار ظنّ كثير الظنّ إلّا هذا.

و أمّا القطّاع، فإنّ اعتبار قطعه و عدم اعتباره تابع لملاحظة القطع موضوعيّا و طريقيّا، فعلى الأوّل‏ (1) لا اعتبار بقطع القطّاع، و على الثاني‏ (2) فهو معتبر بالتقريب المتقدّم سابقا (3).

[1] بعد إيضاح حكم القسم الأوّل من الأقسام الثلاثة- أعني عدم اعتبار شكّ كثير الشكّ- شرع (رحمه اللّه) بتوضيح حكم القسم الثاني منها، أعني عدم اعتبار ظنّ كثير الظنّ، و ملخّصه ما قلناه آنفا من انصراف العناوين المأخوذة في لسان الأدلّة إلى المتعارف منها.

[2] ما اعتبر فيه الظنّ هو أمر معرفة القبلة و البناء في عدد الركعات، حيث إنّه يجوز الاعتماد على الظنّ و العمل به لتشخيص القبلة و البناء في عدد الركعات، و أمّا غيرهما فالأصل الأوّلي فيه عدم اعتبار الظنّ، بل حرمة العمل به فيه بالأدلّة الأربعة، على ما سيجي‏ء توضيحه من المصنّف (رحمه اللّه) مفصّلا في مبحث الظنّ‏ (4).

____________

(1) أي صورة أخذ القطع موضوعا في دليل الحكم.

(2) أي صورة أخذ القطع طريقا في دليل الحكم.

(3) راجع الصفحة 89 و ما بعدها، ذيل قوله (رحمه اللّه): «ثمّ ما كان منه طريقا ...». فرائد الاصول 1:

31.

(4) راجع فرائد الاصول 1: 125.

332

مختصّة بالظنّ الحاصل من الأسباب التي يتعارف حصول الظنّ منها لمتعارف الناس لو وجدت تلك الأسباب عندهم على النحو الذي وجد عند هذا الشخص [1]، فالحاصل [2] من غيرها يساوي الشكّ في الحكم.

____________

[1] إشارة إلى ما عرفت من اختصاص اعتبار الظنّ بموارد يحصل له من الأسباب المتعارفة، كما هو شأن جميع العناوين المأخوذة في لسان الأدلّة.

[2] الألف و اللام في قوله: «فالحاصل» موصول، و المراد منه الظنّ، فتقدير الكلام هكذا: فكما أنّ الشكّ ليس له الطريقيّة و لا يكشف عن شي‏ء، كذلك الظنّ الحاصل من الأسباب الغير المتعارفة لا يعدّ طريقا أيضا؛ و نظير ذلك قوله (رحمه اللّه) في أوائل مبحث البراءة: «ثمّ إنّ الظنّ الغير المعتبر حكمه حكم الشكّ‏ (1) ...» (2).

تحرير محلّ النزاع‏

و بعد ذلك كلّه علم أنّ محلّ النزاع بين المصنّف و كاشف الغطاء رحمهما اللّه هو خصوص القسم الأخير من الأقسام الثلاثة، حيث إنّ كاشف الغطاء حكم بعدم اعتبار قطع القطّاع مطلقا و بلا تفصيل بين موارد كون القطع موضوعيّا أو طريقيّا، و المصنّف (رحمه اللّه) قد فصّل بينهما بالتقريب الآتي منه (رحمه اللّه) و عليه فالنزاع بينهما محدود بالقسم الأخير، و انتظر توضيحه مفصّلا.

____________

(1) أقول: يصحّ أن يقال بقرينة المقابلة: «الظنّ المعتبر حكمه حكم القطع».

(2) فرائد الاصول 2: 11.

333

و أمّا قطع من خرج قطعه عن العادة [1]: فإن اريد بعدم اعتباره عدم اعتباره في الأحكام التي يكون القطع موضوعا لها- كقبول شهادته و فتواه [2] ....

____________

توجيه عدم اعتبار قطع القطّاع المأخوذ موضوعا في دليل الحكم‏

[1] شرع (رحمه اللّه) في تقريب محلّ النزاع و أنّ عدم اعتباره يتمّ في ما إذا كان القطع موضوعا لحكم و أمّا ما كان طريقا له فلا يتمّ هذا فيه، و وجهه إمكان تصرّف الشارع الأقدس في الأوّل و عدم إمكانه في الثاني؛ لاستلزامه التناقض فيه بالتقريب المتقدّم منه (رحمه اللّه)، حيث مثّل سابقا بالبول و قال: «ثمّ ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته- إلى أن قال-: و يكون مأخوذا في الموضوع، و حكمه أنّه يتّبع في اعتباره- مطلقا أو على وجه خاصّ- دليل ذلك الحكم الثابت الذي اخذ العلم في موضوعه ...» (1).

ملخّص ذلك: أنّ الدليل المأخوذ فيه القطع موضوعا، إن اخذ مقيّدا بكون القاطع متعارفا، فعدم اعتباره في القاطع الغير المتعارف واضح جدّا لا خفاء فيه، و أمّا إن اخذ مطلقا فينصرف أيضا إلى المتعارف منه، و عليه فالحقّ مع كاشف الغطاء من جهة عدم اعتبار قطع من ليس بمتعارف، كالقطّاع.

[2] الضميران يعودان إلى «القطّاع» و قد مرّت أمثلة قبول شهادته و فتواه منه (رحمه اللّه)(2)، و تقريبه: أن يقول الشارع خطابا للعامي: قلّد المجتهد القاطع بحكم شرعيّ من طريق متعارف عند المجتهدين، أعني الكتاب و السنّة، و أمّا القاطع به‏

____________

(1) فرائد الاصول 1: 31.

(2) راجع فرائد الاصول 1: 33، عند قوله (رحمه اللّه): «و أمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم غير القاطع كثيرة ...».

334

و نحو ذلك [1]- فهو حقّ؛ لأنّ أدلّة اعتبار العلم في هذه المقامات لا تشمل هذا [2] قطعا، لكن ظاهر كلام من ذكره في سياق كثير الشكّ إرادة غير هذا القسم [3].

____________

من غير طريق متعارف كالرمل و الجفر مثلا فلا يجوز لك تقليده، و أيضا كقوله خطابا للقاضي: إنّما يجوز لك قبول شهادة الشاهد القاطع بالمشهود به، من طريق متعارف و هو الحسّ، و أمّا من قطع به من طريق غير متعارف- كالحدس و التخمين- فلا يجوز لك قبول شهادته، و هكذا الأمثلة الاخرى المذكورة هناك مفصّلا (1).

[1] مثاله ما مرّ منه (رحمه اللّه) سابقا من القطع المأخوذ في حفظ العدد في الركعتين الاوليين من الرباعيّة (2).

[2] إشارة إلى «من خرج قطعه عن العادة»، كالقطّاع.

القرينة الدالّة على اختصاص محلّ النزاع بالقطع الطريقيّ‏

[3] إشارة إلى قرينة دالّة على أنّ كاشف الغطاء أراد القطع الطريقيّ و أنّ قطع القطّاع لا اعتبار له فيه.

توضيح ذلك: أنّ عدم اعتبار كثرة الشكّ في ركعات الصلاة لازمه عدم اعتبار كثرة القطع فيها، و من المعلوم أنّ القطع المتعلّق بها هو من باب الطريقيّة لا من باب الموضوعيّة.

____________

(1) انظر الصفحة 130 و 131 و ما بعدهما، ذيل عنوان «القول باعتبار القطع في أداء الشهادة» و «قول المشهور في المسألة».

(2) انظر فرائد الاصول 1: 34 عند قوله (رحمه اللّه): «كما إذا فرضنا أنّ الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات الثنائيّة و الثلاثيّة و الاوليين من الرباعيّة ...».

335

و بعبارة اخرى: إنّ كاشف الغطاء (رحمه اللّه) بعد التزامه بعدم اعتبار الشكّ الغير المتعارف قال: «و كذا قطع الغير المتعارف»، فبمقتضى وحدة السياق كأنّه قال: إنّ كلّا من الشكّ و القطع إذا خرج عن حدّه المتعارف و وصل إلى حدّ الكثرة سقط حكمه الواقعيّ، و من المعلوم انطباق ذلك- أعني سقوط الحكم الواقعيّ- على القطع الطريقيّ المحض لا غير، و هو المطلوب.

اعلم أنّ هنا إشكالا ذكره بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) مع الجواب عنه، و يناسب نقل تمام كلامه بنصّه؛ لأنّه مع اشتماله على الإشكال المذكور يوضح وجود القرينة في المقام، فإنّه (رحمه اللّه) قال: «ربّما يقع في بعض الأوهام إشكال شكيل في المقام، و هو: أنّ الشكّ لا يوجد فيه شائبة الطريقيّة، بل لا يكون قابلا لكونه طريقا أصلا، فكيف استظهر (رحمه اللّه)(1) إرادة القطع الطريقيّ من القطع المزبور، من جهة ذكره في سياق كثير الشكّ، مع أنّ إرادة ضدّه- أعني القطع الموضوعيّ- أولى بالاستظهار؛ لأنّ الشكّ ربّما يجعل جزء للموضوع في الحكم الظاهريّ‏ (2)؟! و يمكن دفعه بأنّه ليس نظر المصنّف (رحمه اللّه) في الاستظهار المزبور إلى طريقيّة الشكّ أو موضوعيّته، حتّى يأتي الإشكال فيه، بل لعلّ نظره (رحمه اللّه) إلى أنّ كثير الشكّ- ككثير السفر و ما هو

____________

(1) أي المصنّف (رحمه اللّه).

(2) إشارة إلى قوله (عليه السّلام): «إذا سهوت فابن على الأكثر»، فكأنّ المستشكل قال في المقام:

الشكّ في هذه الرواية لمّا وقع موضوعا لحكم شرعيّ- أي البناء على الأكثر- فذكر «القطّاع» بعده قرينة على أنّ المراد منه هو القطع الموضوعيّ بعكس ما ادّعاه المصنّف (رحمه اللّه) من أنّ المراد منه القطع الطريقيّ.

336

مثله- موضوع من الموضوعات الواقعيّة، و نظر الفقهاء فيه إلى أنّ الشكّ إذا وصل إلى حدّ الكثرة يوجب رفع اليد عمّا هو في الواقع، و بعبارة اخرى: إنّ كثرة الشكّ يوجب سقوط الحكم الواقعيّ، فله نظر إلى إسقاط الحكم الواقعيّ، و حينئذ فليكن المراد من القطع الذي ذكره في سياقه، ما هو الملحوظ بالنسبة إلى الواقع؛ يعني أنّ القطع إذا وصل إلى حدّ الكثرة، يوجب سقوط الحكم الواقعيّ، و معلوم أنّ القطع بالنسبة إلى الحكم الواقعيّ لا يكون إلّا طريقا، هذا ...» (1).

أقول: كأنّ المحشّي المذكور (رحمه اللّه) قال: كما أنّ الشكّ في عدد الركعات- الذي حكمه الواقعيّ هو البناء على الأكثر- يسقط حكمه الواقعيّ عند الخروج عن الحدّ المتعارف، كذلك القطع بعدد الركعات- الذي حكمه الواقعيّ هو البناء على الركعة المقطوع بها- يسقط حكمه الواقعيّ أيضا عند الخروج عن الحدّ المتعارف، المعبّر عنه اصطلاحا بقطع القطّاع.

و بالجملة، القطع الخارج عن الحدّ المتعارف المحكوم بعدم الاعتبار عند كاشف الغطاء (رحمه اللّه) حيث يراد منه‏ (2) سقوط حكمه الواقعيّ بقرينة سقوط الحكم الواقعيّ من الشكّ الخارج عن المتعارف، فينطبق على خصوص الطريقيّ منه‏ (3)، و هو المطلوب.

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 89 و 90.

(2) أي من عدم الاعتبار.

(3) أي من القطع الخارج عن الحدّ المتعارف.

337

و الحاصل: أنّ كاشف الغطاء (رحمه اللّه) إن أراد من عدم اعتبار قطع القطّاع القطع الطريقيّ المحض- كما هو ظاهر كلامه- فما ذهب إليه باطل قطعا، لعدم جواز التصرّف فيه نفيا و إثباتا بالتقريب المتقدّم سابقا (1)، و إن أراد منه القطع المأخوذ موضوعا في الدليل، فهو حقّ، و كلّ ذلك قد أوضحه المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) و قال:

«حكي عن الشيخ الكبير (2) عدم اعتبار قطع القطّاع، و هو بظاهره فاسد، فإنّه إن أراد من قطع القطّاع القطع الطريقيّ الذي لم يؤخذ في موضوع الدليل، فهو ممّا لا يفرق فيه بين القطّاع و غيره؛ لعدم اختلاف الأشخاص و الأسباب و الموارد في نظر العقل في طريقيّة القطع و كونه منجّزا للواقع عند المصادفة و عذرا عند المخالفة، و إن أراد القطع الموضوعيّ فهو و إن كان له وجه، لأنّ العناوين التي تؤخذ في ظاهر الدليل تنصرف إلى ما هو المتعارف من غير فرق في ذلك بين الشكّ و الظنّ و القطع، فالشكّ المأخوذ في باب الركعات ينصرف إلى ما هو المتعارف و لا عبرة بشكّ كثير الشكّ ...» (3).

____________

(1) انظر فرائد الاصول 1: 31 عند قوله (رحمه اللّه): «ثمّ ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته، من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه؛ إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلّقه، فيترتّب عليه أحكام متعلّقه، و لا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به؛ لأنّه مستلزم للتناقض»، و انظر الصفحة 89 و ما بعدها، ذيل عنوان «الجهة الثانية: عدم جواز التصرّف في القطع الطريقيّ و جوازه في الموضوعيّ».

(2) أي كاشف الغطاء (رحمه اللّه).

(3) فوائد الاصول 3: 64.

338

و إن اريد [1] عدم اعتباره في مقامات يعتبر القطع فيها من حيث الكاشفيّة و الطريقيّة إلى الواقع:

____________

تحليل عدم اعتبار قطع القطّاع المأخوذ طريقا في محتملات ثلاثة

[1] إشارة إلى ما هو المتعيّن في المقام من إرادة القطع الطريقيّ.

أقول: الأولى بل الصواب أن يقول (رحمه اللّه): «فأراد ...» بدل: «و إن اريد ...» (1) فكأنّه (رحمه اللّه) قال: بعد وجود قرينة ظاهرة في كلام كاشف الغطاء على عدم إرادته القطع الموضوعيّ، فأراد بعدم الاعتبار عدم اعتبار قطع القطّاع في خصوص القطع الطريقيّ الكاشف عن الواقع.

و عليه هنا ثلاثة احتمالات‏ (2) أشار إليها بقوله: «فإن اريد بذلك- إلى أن قال-:

و إن اريد بذلك- إلى أن قال-: و إن اريد بذلك»، و ستعرف مفصّلا توضيح الكلّ مع ردّه و إبطاله إمّا بالجملة (3) و بنحو الإيجاب الكلّيّ كالاحتمال الأوّل، و إمّا في الجملة و بنحو الإيجاب الجزئيّ كالاحتمال الثاني و الثالث.

____________

(1) في نسخة الرسائل المحشّاة بحواشي الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه) هكذا: «و إن اريد به- أي بعدم اعتبار قطع القطّاع-»، انظر الرسائل المحشّى: 13.

(2) لبعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) هنا كلام وجيه، فإنّه قال: «ملخّص ما يرد على كلام كاشف الغطاء (رحمه اللّه) هذا، بعد تقرير أنّه أراد من القطع المزبور ما يكون طريقا هو: أنّ الكلام في القطّاع يقع من جهات ثلاث: الاولى: في معاملته مع نفسه، و الثانية: في معاملة الغير معه، و الثالثة:

في ما إذا انكشف الواقع و ظهر له خلاف قطعه ...». قلائد الفرائد 1: 90.

(3) أي رأسا.

339

فإن اريد [1] بذلك [2] أنّه [3] حين قطعه كالشاكّ، فلا شكّ في أنّ أحكام الشاكّ و غير العالم [4] لا تجري في حقّه؛ ....

____________

بطلان الاحتمال الأوّل بنحو الإيجاب الكلّيّ‏

[1] هذا إشارة إلى الاحتمال الأوّل من المحتملات الثلاثة و ردّه.

[2] لفظة «ذلك» هنا و في ما سيأتي إشارة إلى عدم اعتبار قطع القطّاع.

[3] أي القطّاع.

[4] و يحتمل بعد ذكر الشاكّ انطباق غير العالم على المتوهّم و الظانّ ظنّا غير معتبر، لكن لعلّ الصواب انطباقه على الظانّ فقط، بل و لا يبعد إرادة من هو أعمّ من الشاكّ و الظانّ ظنّا غير معتبر الذي هو بمنزلة الشاكّ.

و كيف كان، فالمراد أنّ أحكام غير العالم شاكّا كان أو ظانّا لا تجري على القاطع، بأن يقال له: أيّها القاطع بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلا، و أيّها القاطع بحرمة التتن مثلا، أنت لأجل كونك قطّاعا تكون بمنزلة الشاكّ، بحيث يجوز لك الرجوع إلى أدلّة البراءة الدالّة على عدم وجوب الدعاء و عدم حرمة التتن، أو يقال: أيّها القاطع بإتيان ثلاث ركعات في صلاة رباعيّة، أنت لأجل كونك قطّاعا تكون كالشاكّ، بحيث يجب عليك البناء على الأكثر و التسليم فيه و الإتيان بركعة اخرى بعد الصلاة احتياطا.

و كلّ ذلك باطل قطعا؛ لاستلزامه التناقض، و من هنا تعجّب المصنّف (رحمه اللّه) و قال:

«كيف يحكم ...».

340

و كيف يحكم على القاطع بالتكليف بالرجوع إلى ما [1] دلّ على عدم الوجوب عند عدم العلم، و القاطع بأنّه صلّى ثلاثا بالبناء على أنّه صلّى أربعا، و نحو ذلك [2].

و إن اريد بذلك وجوب ردعه عن قطعه و تنزيله إلى الشكّ [3]، ...

____________

[1] المراد من الموصول أعني لفظة «ما» أدلّة البراءة، و لا يذهب عليك أنّ الاكتفاء بعدم الوجوب للاختصار، و إلّا فهو يشمل غيره أيضا كعدم الحرمة، و لذا مثّلنا آنفا بمثالين، فلا تغفل.

و لا يخفى أنّ كلّا من المثالين المذكورين حكميّ، بخلاف المثال الأخير، فإنّه كان موضوعيّا، فلا تغفل.

و بعد ذلك كلّه يثبت ما قلناه من بطلان الاحتمال الأوّل رأسا و أنّه غير معقول جدّا بنحو الإيجاب الكلّيّ، فانتظر توضيح بطلان الاحتمال الثاني و الثالث بنحو الإيجاب الجزئيّ.

[2] هذا له أمثلة كثيرة منها: أنّ القاطع ببطلان صلاته بعد الفراغ منها لا يمكن أن يقال له: أيّها القاطع أنت لأجل كونك قطّاعا تكون بمنزلة الشاكّ و عليه فصلاتك صحيحة بمقتضى قاعدة الفراغ.

بطلان الاحتمال الثاني بنحو الإيجاب الجزئيّ‏

[3] اعلم أنّ هذا الاحتمال مع كونه معقولا ممكنا بعيد جدّا بحيث يصحّ ادّعاء أنّ كاشف الغطاء لم يرده قطعا.

و كيف كان، فقد اورد عليه بعدم اختصاص الحكم المذكور بالقطّاع، بل يجري في غيره أيضا بالتقريب الآتي مفصّلا، و ملخّصه: أنّ المراد من عدم اعتبار قطع‏

341

أو تنبيهه على مرضه [1] ليرتدع بنفسه، و لو بأن يقال له: إنّ اللّه سبحانه لا يريد منك الواقع [2]- لو فرض عدم تفطّنه لقطعه بأنّ اللّه يريد الواقع منه و من كلّ أحد- فهو حقّ، ...

____________

القطّاع إيجاب وظيفة شرعيّة أخلاقيّة للمسلمين بأن يردعوا القطّاع عن قطعه الباطل و يرشدوه إلى الحقّ و ينبّهوه على ابتلائه بمرض لا يتوجّه إليه، بل غافل عنه رأسا، و كلّ ذلك برجاء تنزيله عن مرتبة القطع إلى مرتبة الشكّ في المقطوع به، و إن لم يكن فلا أقلّ تنزيله إلى مرتبة الظنّ فيه.

و لا يخفى أنّ هذه الوظيفة ثابتة بالنسبة إلى غير القطّاع أيضا، فانتظر توضيحه.

[1] عطف على قوله: «ردعه»، أي و إن اريد بعدم اعتبار قطع القطّاع وجوب تنبيهه على أنّه مريض، كي يكفّ نفسه باختيار و إرادة عن العمل بالمقطوع به و رفع إليه بطيب نفسه، و لو مع اتّصافه بالقطع خارجا.

[2] إشارة إلى أدنى فردي التنبيه و الإرشاد، إلّا أنّه مشروط بشرط لم يعتبر في الفرد الآخر منه، و هو غفلة القطّاع و عدم التفاته إلى أنّ اللّه تعالى أراد منه و من كلّ أحد الأحكام الواقعيّة.

توضيحه: أنّ مستند قطع القطّاع أمران معا:

أحدهما: كون المقطوع به حكم اللّه الواقعيّ.

و ثانيهما: أنّ اللّه تعالى أراد منه امتثال الأحكام الواقعيّة.

و لا يخفى أنّ إمكان تنبيه القطّاع على أنّ اللّه لا يريد منك الواقع، يختصّ بصورة غفلته عن الأمر الثاني.

342

لكنّه [1] يدخل في باب الإرشاد [2]، و لا يختصّ بالقطّاع، بل بكلّ من قطع بما يقطع [3] بخطئه فيه من الأحكام الشرعيّة و الموضوعات الخارجيّة [4] ...

____________

[1] الضمير المنصوب يعود إلى وجوب الردع بالمعنى المذكور.

[2] إشارة إلى وجوب إرشاد الجاهل بالأحكام قطّاعا كان أو غيره، بخلاف الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فإنّ وجوبهما يختصّ بالعالم بها الذي يخالفها خارجا، و التفصيل في محلّه.

أقول: لقائل أن يقول: إنّ القطّاع بعد قطعه بشي‏ء كيف يصحّ عدّه جاهلا و الحكم بكونه مندرجا تحت عنوان الجاهل الواجب إرشاده؟

قلنا: القطّاع أيضا جاهل لكن جهلا مركّبا من جهله بالواقع و جهله بجهله، و عليه فلا منع من اندراجه تحت عنوان الجاهل الواجب إرشاده، فافهم.

[3] و الصواب في هذين الفعلين أن يقرأ الأوّل‏ (1) بصيغة المعلوم و الأخير (2) بصيغة المجهول، و فاعل الأوّل هو «من» المراد منه الجاهل، و نائب فاعل الثاني هو الجارّ و المجرور بعده، أعني قوله: «بخطئه فيه» و الضمير في «فيه» يعود إلى «القطع» أي يقطع بخطإ القاطع في قطعه.

و المقصود أنّ أدلّة وجوب الإرشاد تشمل كلّ من يحصل له القطع بشي‏ء من الأحكام و الموضوعات، و يعلم غيره خطأه في قطعه، من غير فرق بين القطّاع و غيره.

[4] بيان للموصول قبله.

____________

(1) أي «قطع».

(2) أي «يقطع».

343

المتعلّقة بحفظ النفوس و الأعراض، بل الأموال [1] ...

____________

[1] هذه الجملة بأجمعها صفة للأحكام و الموضوعات، و حيث لا يتّضح المراد منها إلّا بالتمثيل، فلا بدّ من ذكر أمثلة وجوب إرشاد الجاهل جهلا مركّبا فيها، حكميّة كانت أو موضوعيّة.

أمّا النفوس فمثالها الحكميّ: أن يقطع الجاهل بجواز قتل الكافر الذمّيّ مع أنّه لا يجوز إلّا قتل الكافر الحربيّ، فيجب إرشاده و ردعه عمّا قطع به كبرويّا، بأن يقال له: الكافر الذمّيّ لا يجوز قتله شرعا.

و مثالها الموضوعيّ: أن يقطع بكون زيد مثلا كافرا حربيّا أو مرتدّا يجوز قتله، مع أنّه ليس كافرا بل هو مؤمن واقعا، فيجب إرشاده و ردعه عمّا قطع به صغرويّا، بأن يقال له: إنّ زيدا ليس بكافر حربيّ و لا مرتدّ.

و أمّا الأعراض، فمثالها الحكميّ: أن يقطع بأنّ نكاح اخت زوجته حلال مثلا، فيجب أيضا إرشاده و ردعه عمّا قطع به كبرويّا.

و مثالها الموضوعيّ: أن يقطع بكون هذه المرأة أجنبيّة يجوز نكاحها، مع أنّها ليست أجنبيّة واقعا، بل هي أمّه أو اخته من الرضاعة مثلا، فيجب هنا أيضا إرشاده و ردعه عمّا قطع به صغرويّا، بعين ما تقدّم آنفا.

و أمّا الأموال فمثالها الحكميّ: أن يقطع بحصول الملكيّة في الخمر و الخنزير، فيجب إرشاده أيضا كبرويّا.

و مثالها الموضوعيّ: أن يقطع بكون هذه الدار مثلا ملكه يجوز له التصرّف فيها، مع أنّها ليست ملكه واقعا، فيجب فيه إرشاده صغرويّا، بعين التقريب المتقدّم.

344

في الجملة [1]، و أمّا في ما عدا ذلك ممّا [2] يتعلّق بحقوق اللّه سبحانه، فلا دليل على وجوب الردع في القطّاع، ....

____________

[1] هذا قيد للأخير فقط، و هي كناية عن الأموال الخطيرة و المعتدّ بها كالدار في المثال، و أمّا الأموال الحقيرة الغير المعتدّ بها كحبّة حنطة مثلا، فلا دليل على وجوب ردع القاطع عن تملّكها، بخلاف النفوس و الأعراض، فإنّه يجب الردع فيهما مطلقا و بلا قيد (1)، فافهم.

و الحاصل: أنّ القاطع بخلاف الواقع- موضوعيّا كان القطع أو حكميّا- يجب إرشاده إلى الواقع و ردعه عمّا قطع به صغرويّا أو كبرويّا بلا فرق بين القطّاع و غيره.

اعلم أنّ هذا كلّه في حقوق الناس- كالنفوس و الأعراض و الأموال- و أمّا في حقوق اللّه- كما في القاطع بكون مائع معيّن ماء يجوز شربه، مع كونه خمرا واقعا أو ماء نجسا واقعا- فلا دليل على وجوب إرشاده بلا فرق أيضا بين القطّاع و غيره، و أشار (رحمه اللّه) إلى هذا بقوله: «أمّا في ما عدا ذلك ...».

[2] بيان للموصول قبله.

____________

(1) أقول: إنّ هنا- على ما ادّعاه صاحب الأوثق (رحمه اللّه)- احتمالان: أحدهما: كونه قيدا للأموال احترازا عن الأموال المحقّرة، فوجوب الإرشاد- على هذا- يختصّ بالأموال المعتدّ بها، لا مطلقا كحبّة حنطة مثلا، بخلاف النفس و العرض اللذين يجب حفظ كلّ منهما مطلقا. ثانيهما:

كونه قيدا لوجوب الردع؛ احترازا عن غير الحاكم الشرعيّ، فوجوب الإرشاد مختصّ بالمكلّف الخاصّ كالحاكم الشرعيّ، لا مطلقا كالعاميّ مثلا، و لا يخفى أنّ الأوّل من الاحتمالين أوضح و أظهر من الثاني، فافهم. و إن شئت توضيح ذلك، فراجع أوثق الوسائل:

37.

345

كما لا دليل عليه في غيره [1].

و لو بني [2] على وجوب ذلك [3] ...

____________

[1] الضمير المجرور الأوّل‏ (1) يعود إلى «وجوب الردع» و الثاني‏ (2) يعود إلى «القطّاع».

[2] الأولى بل الصواب قراءة الفعل بصيغة المعلوم، و يعود الضمير المستتر فيه إلى «كاشف الغطاء».

[3] لفظة «ذلك» إشارة إلى «وجوب الردع»، و المقصود إثبات بطلان الفرق بين القاطع و القطّاع و الانفكاك بينهما إثباتا و نفيا، و سيصرّح بذلك عند قوله (رحمه اللّه):

«و لم يفرّق أيضا بين القطّاع و غيره».

ملخّص الكلام في المقام: أنّ الدليل الدالّ على وجوب الردع من باب الإرشاد في حقوق الناس يجري في كلّ من القاطع و القطّاع بلا فرق بينهما، كعدم جريانه في كلّ منهما أيضا في حقوق اللّه.

نعم، بعد ظهور بعض الأدلّة نصّا و فتوى في وجوب الردع مطلقا- حتّى في حقوق اللّه- لا بدّ من الالتزام به من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لكن هذا أيضا لا يختصّ بواحد دون آخر، بل يجب أمر كلّ من القاطع و القطّاع و نهيهما فيها، بلا فرق فيها (3) بينهما أصلا.

____________

(1) أي «عليه».

(2) أي «غيره».

(3) أي في حقوق اللّه.

346

في حقوق اللّه سبحانه من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر- كما هو [1] ظاهر بعض النصوص و الفتاوى- لم يفرّق [2] أيضا بين القطّاع و غيره.

و إن اريد بذلك أنّه [3] بعد انكشاف الواقع لا يجزي [4] ما أتى به على طبق قطعه، فهو [5] أيضا حقّ في الجملة [6]؛ ....

____________

و بعبارة اخرى: القاطع و القطّاع لا فرق فيهما و لا انفكاك بينهما في كلا البابين‏ (1).

[1] «هو» يعود إلى «وجوب الردع من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في حقوق اللّه أيضا».

[2] جواب قوله: «و لو بني».

بطلان الاحتمال الثالث بنحو الإيجاب الجزئيّ‏

[3] لفظة «ذلك» إشارة إلى عدم اعتبار قطع القطّاع، و الضمير المنصوب للشأن و يحتمل رجوعه إلى قطع القطّاع، فافهم.

[4] شرع (رحمه اللّه) في توضيح الاحتمال الثالث من المحتملات الثلاثة في كلام كاشف الغطاء (رحمه اللّه)، فانتظر توضيحه مفصّلا.

[5] أي عدم الإجزاء.

[6] إشارة إلى تماميّة الاحتمال الأخير لكن في خصوص بعض الصور (2)، لا مطلقا، و قد أوضحه المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «لأنّ المكلّف ...».

____________

(1) أي باب الإرشاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

(2) كصورة دخل القطع و الاعتقاد في التكليف.

347

توضيح ذلك: أنّ التكليف تارة يترتّب على الواقع بما هو واقع بلا دخل الاعتقاد فيه؛ كالطهارة عن الحدث مثلا، فإنّ المكلّف به واقعا هي الصلاة مع الطهارة من غير دخل الاعتقاد فيه ظنّا أو علما، فالمصلّي المعتقد ببقاء طهارته ظنّا أو علما إذا صلّى حسب اعتقاده و أتى بها خارجا فانكشف كونه محدثا، تبطل صلاته، من غير فرق بين القطّاع و غيره.

و الوجه فيه ما عرفته آنفا من كون المكلّف به واقعا الصلاة مع الطهارة، و معلوم أنّه بعد انكشاف الحدث تثبت مخالفة المأتيّ به خارجا مع المأمور به واقعا، و لا نعني من عدم الإجزاء إلّا هذا.

و اخرى يترتّب التكليف على الواقع لا بما هو واقع وحده، بل للاعتقاد أيضا فيه دخل، بأن يكون الموضوع مركّبا (1) من الواقع و الاعتقاد، بحيث يؤخذ الاعتقاد فيه ظنّا أو علما؛ كالصلاة إلى القبلة مثلا، فإنّ المكلّف به هي الصلاة إلى الجهة المظنون أو المقطوع كونها قبلة، لا إلى القبلة الواقعيّة، فالمصلّي إلى تلك الجهة المعتقدة إذا انكشف له أنّه صلّى إلى غير جهة القبلة الواقعيّة، يجب عليه إعادتها إذا كان قطّاعا خارجا في قطعه عن المتعارف، بخلاف المتعارف في قطعه، فإنّه لا يجب عليه الإعادة.

و بالجملة، ما ادّعاه كاشف الغطاء من عدم اعتبار قطع القطّاع هو حقّ في‏

____________

(1) اعلم أنّ مذهب التركيب هو مذهب المصوّبة بالنسبة إلى جميع الأحكام الشرعيّة، و التفصيل في محلّه.

348

لأنّ المكلّف إن كان تكليفه حين العمل مجرّد الواقع [1] من دون مدخليّة للاعتقاد، فالمأتيّ به المخالف للواقع لا يجزي عن الواقع، سواء القطّاع و غيره. و إن كان للاعتقاد مدخل فيه- كما في أمر الشارع بالصلاة إلى ما يعتقد كونها قبلة- ...

____________

التكليف القسم الثاني، و أمّا في القسم الأوّل منه فهو باطل قطعا، فقولنا: القاطع بالقبلة تصحّ صلاته، يشمل خصوص المتعارف منه دون غير المتعارف.

و بعبارة اخرى: بعد فرض كون المأمور به في المقام القبلة المعلومة لا الواقعيّة، إذا انكشف أنّه صلّى إلى غير جهة القبلة الواقعيّة يحكم بصحّة الصلاة في خصوص القاطع المتعارف دون غيره.

و الوجه فيه ما أوضحناه سابقا من انصراف العناوين المأخوذة في لسان أدلّة الأحكام إلى المتعارف منها، فراجع ما تقدّم من نقل كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه)(1)، فافهم و لا تغفل عنه؛ فإنّ له نظائر كثيرة في الفقه، مثل جواز الإفطار المترتّب على خوف الضرر من الصوم، حيث إنّ المناط دخل اعتقاد المكلّف بالضرر، لا الضرر الواقعيّ‏ (2).

[1] هذه عبارة اخرى لقولنا: إنّ التكليف يترتّب على الواقع بما هو واقع‏ (3).

____________

(1) راجع الصفحة 329 و 330، و فوائد الاصول 3: 64.

(2) إشارة إلى قوله (عليه السّلام): «كلّ ما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب». وسائل الشيعة 7: 156، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

(3) أقول: لعلّ البحث عن دخل الاعتقاد و أخذ الظنّ أو العلم في موضوع التكليف لا يناسب هنا بعد كون البحث في القطع الطريقيّ المحض، و هذا صرّح به بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه)، فراجع قلائد الفرائد 1: 92.

349

فإنّ قضيّة هذا [1] كفاية القطع المتعارف، لا قطع القطّاع، فيجب عليه الإعادة و إن لم تجب على غيره.

ثمّ إنّ بعض المعاصرين وجّه الحكم بعدم اعتبار قطع القطّاع [2] ....

____________

[1] أي مقتضى دخل القطع في الواقع المعبّر عنه اصطلاحا ب «القطع الموضوعيّ على وجه الطريقيّة».

توجيه بعض المعاصرين الحكم بعدم اعتبار قطع القطّاع مطلقا

[2] المقصود منه صاحب الفصول (رحمه اللّه)؛ فإنّه (رحمه اللّه) وجّه الحكم بعدم اعتبار قطع القطّاع حتّى في القطع الطريقيّ المحض مضافا إلى عدم اعتباره في الموضوعيّ، حيث قال: «... و هذا الجواب عندي غير مستقيم على إطلاقه، و ذلك لأنّ استلزام الحكم العقليّ للحكم الشرعيّ واقعيّا كان أو ظاهريّا مشروط في نظر العقل بعدم ثبوت منع شرعيّ عنده من جواز تعويله عليه، و لهذا يصحّ عقلا أن يقول المولى الحكيم لعبده: لا تعوّل في معرفة أوامري و تكاليفي على ما تقطع به من قبل عقلك أو يؤدّي إليه حدسك، بل اقتصر في ذلك على ما يصل منّي إليك بطريق المشافهة أو المراسلة أو نحو ذلك، و من هذا الباب ما أفتى به بعض المحقّقين من أنّ القطّاع الذي يكثر قطعه بالأمارات التي لا يوجب القطع عادة يرجع إلى المتعارف و لا يعوّل على قطعه الخارج منه، فإنّ هذا إنّما يصحّ إذا علم القطّاع أو احتمل أن يكون حجّيّة قطعه مشروطا بعدم كونه قطّاعا، فيرجع إلى ما ذكرناه من اشتراط حجّيّة القطع بعدم المنع، لكنّ العقل قد يستقلّ في بعض الموارد بعدم ورود منع شرعيّ؛

350

- بعد تقييده بما إذا علم القطّاع أو احتمل أن يكون حجيّة قطعه مشروطة بعدم كونه قطّاعا [1]-: ....

____________

لمنافاته لحكمة فعليّة قطعيّة، و قد لا يستقلّ بذلك لكن حينئذ يستقلّ بحجّيّة القطع في الظاهر ما لم يثبت المنع ...» (1).

اعلم أنّ التوجيه المذكور مبنيّ على تماميّة مقدّمتين:

إحداهما: إمكان التعليق و الاشتراط في الأحكام العقليّة.

و ثانيتهما: إمكان منع الشارع بعض أفراد القطع الطريقيّ المحض، مع أنّ بطلانهما ممّا لا يخفى على أحد جدّا.

أمّا الاولى فلعدم تطرّق التعليق و الاشتراط في الأحكام العقليّة، كعدم تطرّق الترديد و الشكّ فيها بالتقريب الآتي في مبحث الاستصحاب‏ (2).

و أمّا الثانية فلعدم تصوّر المنع شرعا عن القطع الطريقيّ المحض؛ لأنّه بعد فرض كون حجّيّته ذاتيّة، لا تناله يد الجعل إثباتا و نفيا بالتقريب المتقدّم مفصّلا في المباحث السابقة (3).

[1] اعلم أنّ صاحب الفصول (رحمه اللّه) أوّلا قيّد كلام كاشف الغطاء، و ثانيا وجّهه، و بعبارة اخرى: توجيهه كلامه ليس مطلقا بل مختصّ بفرد خاصّ، كالقطّاع الذي‏

____________

(1) الفصول الغرويّة: 343.

(2) انظر فرائد الاصول 3: 37- 40.

(3) في الصفحة 65 و ما بعدها، ذيل قوله (رحمه اللّه): «لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا؛ لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و ليس طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا». راجع فرائد الاصول 1: 29.

351

بأنّه يشترط [1] في حجّية القطع عدم منع الشارع عنه و إن كان العقل أيضا [2] قد يقطع بعدم المنع، ...

____________

يحتمل اشتراط اعتبار القطع بعدم المنع عنه شرعا، فكأنّه (رحمه اللّه) اطّلع على ما في ضمير كاشف الغطاء و أخبر عنه و ادّعى أنّه (رحمه اللّه) أراد أنّ القطّاع الخاصّ لا اعتبار بقطعه، لا مطلق القطّاع، فلا تغفل.

و ملخّص التوجيه المذكور: أنّ اعتبار القطع مشروط بإحراز عدم المنع عنه شرعا، و القطّاع حيث لا يحرز ذلك بعد احتماله المنع شرعا عن قطعه من ناحية اتّصافه بصفة القطّاعيّة فلا مجال لاعتبار قطعه، كما هو شأن انتفاء الشرط في سائر الموارد- كبطلان الصلاة مثلا عند عدم إحراز شرط صحّتها و هو الطهارة-، و لتثبيت ذلك قد مثّل صاحب الفصول (رحمه اللّه) في كلامه المتقدّم بما «إذا قال المولى لعبده: لا تعوّل في معرفة أوامري على ما تقطع به ...»، فانتظر توضيحه.

[1] الجارّ يتعلّق بقوله: «وجّه الحكم» و الضمير للشأن.

[2] لفظة «أيضا» و إن كانت موجودة في جميع النسخ المصحّحة قديما و حديثا لكنّها زائدة قطعا، و لذا لا توجد في كلام صاحب الفصول (رحمه اللّه) أصلا، فراجع كلامه المتقدّم، بل هي مخلّة بالمقصود جدّا، فلا تغفل، و بعد حذفها يصير تقدير الكلام هكذا: العقل المستقلّ يقطع و يجزم بعدم منع الشارع الأقدس عن القطع الطريقيّ؛ لاستلزامه التناقض كما مرّ توضيحه سابقا عند التمثيل بالبول‏ (1).

____________

(1) انظر فرائد الاصول 1: 31، و الصفحة 90 و ما بعدها.

352

إلّا أنّه إذا احتمل المنع يحكم بحجّية القطع ظاهرا ما لم يثبت المنع [1].

____________

[1] غرضه (رحمه اللّه): أنّ العقل المستقلّ و إن جزم باعتبار القطع الطريقيّ المحض و عدم إمكان المنع عنه شرعا- كما هو شأن الحجج الذاتيّة- لكنّه حيث يحتمل المنع عنه شرعا من جهة كونه قطّاعا- كما هو المفروض- يحكم باعتباره مؤقّتا ما دام لم يثبت المنع عنه، و إذا ثبت المنع عنه- و لو احتمالا- فلا يحكم العقل باعتباره أصلا، و لا نعني بعدم اعتبار قطع القطّاع إلّا هذا، و عليه فيتمّ كلام كاشف الغطاء (رحمه اللّه)، و هو المطلوب.

و لا يخفى أنّ هذا التوجيه على فرض تسليمه يدلّ على ما اختاره صاحب الفصول (رحمه اللّه) من إنكار قاعدة الملازمة (1)، و التفصيل في محلّه.

____________

(1) أقول: إنّ صاحب الفصول (رحمه اللّه) في إثبات ما ادّعاه من إنكار قاعدة الملازمة أراد أن يجعل كاشف الغطاء (رحمه اللّه) موافقا لمذهبه، بل الدّاعي المهمّ إلى توجيه كلامه هو هذا، لا غير، كما هو الظاهر من قوله (رحمه اللّه): «و إن كان العقل قد يقطع بعدم المنع، إلّا أنّه احتمل المنع ...»؛ يعني العقل المستقلّ بعد دلالته على اعتبار القطع الطريقيّ و حجّيّته ذاتا بنحو الإطلاق، لا يلازمه الشرع، بل يمكن أن يخالفه و يحكم بعدم اعتباره شرعا في القطّاع، فافهم. ثمّ لا يخفى عليك أنّ الدليل الأقوى على بطلان القاعدة عند صاحب الفصول (رحمه اللّه) و غيره من المخالفين- أعني الأخباريّين بأجمعهم- قوله تعالى: ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (الإسراء: 15)، فإنّ الظاهر منه عدم اعتبار حكم العقل القطعيّ قبل إرسال الرسل و إنزال الكتب، بل يدلّ على جواز مخالفته من دون أن يعذّب، بحيث بعد التصرّف في الأمانة و الوديعة مثلا الذي حكم بقبحه العقل القطعيّ لا مجال لعقوبة المتصرّف فيهما قبل ورود قوله تعالى: أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها (النساء: 58)، و لا نعني من عدم الملازمة إلّا هذا.

و بعد هذا كلّه قد أبطل المصنّف (رحمه اللّه) مدّعاه و أثبت القاعدة المذكورة في مبحث البراءة و قال:-

353

و أنت خبير بأنّه يكفي في فساد ذلك عدم تصوّر القطع بشي‏ء [1] و عدم ترتيب آثار ذلك الشي‏ء عليه مع فرض كون الآثار آثارا له.

____________

ملخّص الكلام: أنّ وجه عدم حجّيّة قطع القطّاع الخاصّ عند صاحب الفصول (رحمه اللّه) فقدان شرطها؛ لأنّ حجّيّة القطع عنده مشروطة بعدم المنع عنه، و هو منتف في القطّاع؛ بعد احتمال المنع عنه شرعا؛ لأجل اتّصافه بالقطّاعيّة، و عليه فلا يبقى مجال لحجّيّة قطعه.

و بعد معرفة ذلك كلّه، علم أنّ تقدير قوله (رحمه اللّه): «إذا احتمل المنع يحكم بحجّيّة القطع ظاهرا ...» هكذا: إنّ القطّاع إذا احتمل المنع الشرعيّ لا يحكم بالحجّيّة بل يحكم بها ما لم يحتمل المنع عنه، و علم أيضا أنّ قوله: «ما لم يثبت»، معناه: ما لم يحتمل، فافهم.

المناقشة في التوجيه المذكور

[1] ردّ على صاحب الفصول (رحمه اللّه) في توجيهه المذكور و ملخّصه بتقريب و تمثيل منّا: أنّه إذا قطع بخمريّة مائع مثلا، لا يتصوّر المنع عنه و عدم ترتّب الحرمة عليه بعد كونها من آثار الخمريّة شرعا، نظير القطع بالبول على ما مثّل به المصنّف (رحمه اللّه) سابقا.

____________

«الرسول [في الآية الشريفة] كناية عن إتمام الحجّة و بيان التكليف ...» (فرائد الاصول 2: 22). اعلم أنّ قاعدة الملازمة- أعني كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع و بالعكس- قد اتّفق عليه الكلّ إلّا أحد الاصوليّين- كصاحب الفصول- و الأخباريّون بأجمعهم، و التفصيل فيه إثباتا و نفيا موكول إلى محلّه.

354

و العجب أنّ المعاصر مثّل لذلك [1] بما إذا قال المولى لعبده: لا تعتمد [2] في معرفة أوامري على ما تقطع به من قبل عقلك، أو يؤدّي إليه حدسك، بل اقتصر على ما يصل إليك منّي بطريق المشافهة أو المراسلة. و فساده يظهر ممّا سبق [3] من أوّل المسألة إلى هنا.

____________

و بالجملة، بعد حكم العقل المستقلّ بعدم إمكان المنع عن العمل بالقطع شرعا- لأجل التناقض- فلا مجال لاحتماله، بل هو ممّا لا يعقل جدّا، و من المعلوم أنّ معه لا يبقى وجه للتوجيه المذكور، و هو المطلوب.

[1] تعجّب (رحمه اللّه) عن تمثيل صاحب الفصول في كلامه المتقدّم لإثبات ما ادّعاه من اشتراط حجّيّة القطع بعدم ثبوت المنع عنها شرعا.

[2] في الفصول: «لا تعوّل ...» بدل «لا تعتمد»، و الأمر سهل.

[3] هذا إبطال للمثال المذكور؛ لأجل استلزامه التناقض، و قد ردّ عليه أيضا بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) و قال: «قوله (رحمه اللّه): [ثمّ إنّ بعض المعاصرين وجّه الحكم بعدم اعتبار قطع القطّاع، بعد تقييده ...] أقول: إنّ المراد به صاحب الفصول (رحمه اللّه) حيث ذكر هذا الكلام في باب الملازمة بين العقل و الشرع. و ملخّص ما يرد عليه بين وجوه: أحدها: أنّه يلزم على ما ذكره أن يكون القطع قابلا للجعل، و قد مضى أنّه حجّة بنفسه، غير قابل للجعل. و ثانيها: أنّ القطّاع إذا حصل له القطع بأنّ حجّيّة قطعه مشروطة بعدم كونه قطّاعا، ننقل الكلام إلى قطعه هذا، بأنّ هذا القطع هل هو معتبر أم لا؟ و ثالثها: أنّ المنع من الشارع غير معقول؛ لأنّ منعه إمّا أن يرجع إلى الصغرى؛ بأن يقول: «إنّ هذا ليس بولا» مثلا، فحينئذ يلزم تكذيب الإمام (عليه السّلام)؛