الوسائل إلى غوامض الرسائل‏

- السيد رسول الموسوي الطهراني المزيد...
664 /
355

لأنّ قوله غير موافق لقطعه، أو الكبرى؛ بأن يقول: «ليس كلّ بول نجسا»، فحينئذ يلزم التناقض في كلامه.

قوله (رحمه اللّه): [و العجب أنّ المعاصر مثّل لذلك ...] أقول: حاصل ما يرد على مثاله هذا أوّلا: أنّ الكلام في المقام- كما هو المفروض- إنّما هو في القطع الطريقيّ، و ظاهر مثاله يعطي بأنّ مراده بالقطع هنا إنّما هو القطع الذي كان جزء للموضوع.

و ثانيا: إنّ كلامنا في القطع المزبور إنّما هو في ما إذا كان حاصلا للشخص، و ظاهر المثال إنّما هو نهي المولى عن الخوض في الأسباب التي تكون موجبة للقطع، فالمثال غير مطابق للممثّل» (1).

و أضف إلى ذلك بطلان قياس المولى المتحكّم بالشارع الأقدس الحكيم، و أضف إليه أيضا أنّ البحث في المقام في القطّاع، مع أنّ المنهيّ عنه في المثال هو نفس القطع، فافهم.

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 92 و 93.

356

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

357

التنبيه الرابع في حجّيّة العلم الإجماليّ‏

358

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

359

الرابع: أنّ المعلوم إجمالا هل هو كالمعلوم بالتفصيل [1] في الاعتبار، ...

____________

وجه جعل الإجمال و التفصيل صفة للمعلوم دون العلم‏

[1] حيث إنّ العلم أمر بسيط غير قابل للاتّصاف بصفة الإجمال و التفصيل، جعل المصنّف (رحمه اللّه) كلّا منهما صفة للمعلوم، أي صفة لمتعلّق العلم دون نفس العلم.

و بعبارة اخرى: كلّ من الإجمال و التفصيل وصف بحال متعلّق الموصوف- مثل زيد كريم الأب- لا لنفس الموصوف- كما في زيد كريم-. و لذا قال بعض تلامذته (رحمه اللّه): «إنّ اتّصاف العلم بالتفصيل و الإجمال إنّما هو باعتبار متعلّقه- و هو المعلوم- و إلّا فالعلم بنفسه لا يصلح للاتّصاف بهما، بعد كونه عبارة عن الصورة الحاصلة في الذهن أو حصول تلك الصورة؛ ضرورة أنّ الصورة المرقومة غير قابلة للإجمال و التفصيل، كما لا يخفى. ثمّ إنّ الفرق بين المعلوم بالإجمال و التفصيل بأنّ الثاني ما كان قابلا لأن يشار إليه بالإشارة الحسيّة على التعيّن، بخلاف الأوّل، فإنّه يشار إليه على سبيل الترديد» (1).

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 93.

360

أم لا؟ [1]

و الكلام فيه يقع [2]:

____________

تحرير محلّ البحث‏

[1] اعلم أنّ كلّ ما توجّه إليه المكلّف إمّا مجهول محض و يعبّر عنه اصطلاحا بالشبهة البدويّة، و إمّا معلوم محض المعبّر عنه اصطلاحا بالعلم التفصيليّ، و إمّا مركّب منهما يعبّر عنه اصطلاحا بالعلم الإجماليّ‏ (1).

أمّا الأوّل فلا نزاع في جريان البراءة و عدم ثبوت التكليف فيه، كما لا نزاع في ثبوت التكليف في الثاني به‏ (2)، بخلاف الثالث، فإنّه مختلف فيه من حيث ثبوت التكليف به و عدمه، و الحقّ هو الأوّل الذي اختاره المشهور، و يعبّر عنه اصطلاحا بتنجّز التكليف بالعلم الإجماليّ‏ (3)، فانتظر توضيحه مفصّلا.

الكلام في العلم الإجماليّ‏

[2] مراده (رحمه اللّه) أنّ البحث في التنبيه الرابع يقع في مقامين.

____________

(1) أي العلم المشوب بالجهل.

(2) أي بالعلم التفصيلي.

(3) أقول: الأحكام الشرعيّة بل جميع القوانين الاجتماعيّة و المدنيّة لها مراتب أربع: أحدها:

الشأن و قد يعبّر عنه بالاقتضاء؛ ثانيها: الإنشاء؛ ثالثها: الفعليّة؛ و رابعها: التنجّز، و المقصود هو أنّ تنجّز التكليف و وجوب امتثاله شرعا يثبت بعد وصوله إلى مرتبة البعث و الزجر، و الأمر و النهي، و التفصيل في محلّه. انظر كفاية الاصول: 258 عند قوله (رحمه اللّه): «ثمّ لا يذهب عليك أنّ التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليّا، و ما لم يصر فعليّا لم يكد يبلغ مرتبة التنجّز ...». و أيضا راجع فوائد الاصول 3: 101- 104.

361

تارة في اعتباره من حيث إثبات التكليف به [1]، و أنّ [2] الحكم المعلوم بالإجمال هل هو كالمعلوم بالتفصيل في التنجّز على المكلّف، أم هو كالمجهول رأسا؟ [3]

____________

المقام الأوّل: في ثبوت التكليف بالعلم الإجماليّ و عدمه‏

[1] إشارة إلى موضوع البحث في المقام الأوّل، و يبحث فيه عن تنجّز التكليف و ثبوته بالعلم الإجماليّ. و بعبارة اخرى: هل يثبت التكليف بالعلم الإجماليّ أم لا؟

[2] هذا عطف تفسير لما قبله.

الأقوال و المباني حول العلم الإجماليّ‏

[3] إشارة إجماليّة إلى بيان الأقوال و تبيين المذاهب في تنجّز التكليف بالعلم الإجماليّ و عدمه، و فيه ثلاثة مذاهب:

المذهب الأوّل: وجوب الموافقة القطعيّة؛

و هذا هو مختار المشهور القائلين بتنجّز التكليف بالعلم الإجماليّ و ثبوته به؛ إلحاقا له بالعلم التفصيليّ بجامع العلم بينهما.

و بعبارة اخرى: المشهور أنّه لا فرق بين العلم التفصيليّ بنجاسة هذا المائع المعيّن و بين العلم الإجماليّ بنجاسة أحد هذين المائعين من حيث وجوب‏

362

الاجتناب عنهما معا، كما صرّح به أكثر الأصحاب‏ (1)، و الوجه فيه‏ (2) عدم جريان أدلّة البراءة في أطراف العلم الإجماليّ و اختصاصها بالشبهة البدويّة (3).

المذهب الثاني: جواز المخالفة القطعيّة تدريجا؛

و هذا هو مختار المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) و بعض آخر ممّن ادّعى اعتبار حصول العلم التفصيليّ في ثبوت التكليف و عدم ثبوته بالعلم الإجماليّ؛ إلحاقا له بالشبهة البدويّة بجامع الجهل بينهما (4).

____________

(1) منهم المصنّف (رحمه اللّه)، كما صرّح به في مبحث البراءة و قال: «فالحقّ فيه [أي في الشبهة المحصورة] وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين وفاقا للمشهور، و في المدارك: أنّه مقطوع به في كلام الأصحاب [المدارك 1: 107]، و نسبه المحقّق البهبهانيّ في فوائده إلى الأصحاب [الفوائد الحائريّة: 245 و 248] و عن المحقّق المقدّس الكاظميّ في شرح الوافية: دعوى الإجماع عليه صريحا [الوافي في شرح الوافية (مخطوط): الورقة 210]». راجع فرائد الاصول 2: 210.

(2) أي في وجوب الاجتناب عنهما معا.

(3) أقول: القائلون بتنجّز التكليف بالعلم الإجماليّ أيضا اختلفوا في أنّه هل هو بنحو العلّيّة التامّة مطلقا، أو بنحو الاقتضاء مطلقا، أو بنحو العلّيّة التامّة بالنسبة إلى خصوص حرمة المخالفة القطعيّة، أو بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى خصوص وجوب الموافقة القطعيّة؟

و سيجي‏ء توضيح ذلك كلّه مفصّلا في محلّه. و قد أجاد تفصيل الأقوال المحقّق المشكينيّ في حاشيته على الكفاية 3: 120 و 121.

(4) أقول: المناسب هنا نقل شي‏ء من كلام المحدّث المذكور (رحمه اللّه) في الأربعين، فإنّه (قدّس سرّه) قال في كلامه المفصّل: «قيل: يجب الاحتراز عن الجميع من باب المقدّمة- إلى أن قال-: و قيل:

يحلّ له الجميع؛ لما ورد في الأخبار الصحيحة: «إذا اشتبه عليك الحلال و الحرام فأنت على حلّ حتّى تعرف الحرام بعينه» و هذا أقوى عقلا و نقلا»، (الأربعين: 582) و نقله المحقّق القمّيّ في القوانين 2: 27. [الرواية المنقولة في الأربعين لم نعثر عليها بعينها في المصادر-

363

و بعبارة اخرى: أنّه (رحمه اللّه) لا فرق عنده بين الشكّ في التكليف- كالشكّ في نجاسة مائع معيّن- و بين الشكّ في المكلّف به- كالمائعين في المثال المذكور- في جواز ارتكاب كلا المشتبهين و عدم وجوب الاجتناب‏ (1)، و الوجه فيه جريان أدلّة البراءة فيهما و شمولها عليهما من حيث صدق الشكّ و الجهل فيهما معا، و بعبارة أوضح: العلم الإجماليّ عنده كالمجهول رأسا، بحيث لا يثبت به التكليف شرعا، فافهم.

المذهب الثالث: كفاية وجوب الموافقة الاحتماليّة؛

و هذا هو مختار المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) و إن نسب إليه ما نسب إلى المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) من جواز المخالفة القطعيّة و ارتكاب أطراف العلم الإجماليّ في الشبهات الموضوعيّة- كالمائعين في المثال المذكور- لكنّه ليس بتامّ؛ لأنّ كلامه في القوانين لا يطابق ما نسب إليه، و إليك بقوله (رحمه اللّه) في القوانين: «أقول: و الأقوى فيه أيضا أصالة البراءة، بمعنى أنّه‏

____________

الحديثيّة، نعم ورد ما يقرب منها، مثل: قولهم (عليهم السّلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» و «كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه» انظر وسائل الشيعة 12: 59 و 60، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 و 4].

(1) و لا يخفى أنّ ما اختاره (رحمه اللّه) من جواز ارتكاب المشتبهين تدريجا، هو على مبناه العلميّ، و أمّا في مقام الفتوى و العمل فإنّه (رحمه اللّه) قد احتاط و قال بعدم جواز ارتكابهما و لو تدريجا.

و الشاهد عليه ما جاء في كلام صاحب الأوثق: 323 حيث قال (رحمه اللّه): «و أمّا المجلسيّ فعبارته المحكيّة غير صريحة في ذلك- إلى أن قال-: لأنّه يحتمل أن يريد به تقوية هذا القول بحسب الدليل دون الفتوى، و الفرق بينهما واضح ...».

364

يجوز الاستعمال بحيث لا يحصل العلم بارتكاب الحرام، و نحن لا نحكم بحلّية المجموع أبدا ...» (1)، فالصحيح أن ينسب إليه وجوب الاجتناب عن أحدهما مخيّرا بينهما، كما هو مختار بعض آخر (2).

و بعبارة اخرى: نسبة جواز ارتكاب أطراف الشبهة و لو تدريجا إلى المحقّق القمّيّ (قدّس سرّه)- مع اشتهاره حتّى بين الخواصّ- ممّا لا حقيقة له جدّا.

توضيحه: أنّ المحقّق المذكور (رحمه اللّه) لم يذهب إلى ما ذهب إليه المحدّث المجلسيّ من تجويزه المخالفة القطعيّة العمليّة تدريجا في أطراف مشتبهات الحرمة في الشبهات الموضوعيّة و لا إلى ما ذهب إليه مشهور الاصوليّين من إيجاب الموافقة القطعيّة فيها، بل اختار كفاية الموافقة الاحتماليّة التي نتيجتها جواز ارتكاب بعض الأطراف و وجوب الاجتناب عن بعض آخر منها.

نعم، له في أطراف الشبهة الحكميّة الوجوبيّة مذهب خاصّ تبعا للمحقّق الخوانساريّ، كما سيوضح مفصّلا في مبحث البراءة و الاشتغال‏ (3)، فتصحّ نسبة جواز المخالفة القطعيّة إليه في خصوص الشبهات الحكميّة الوجوبيّة بترك أطراف‏

____________

(1) قوانين الاصول 2: 25.

(2) منهم السيّد العامليّ في المدارك 1: 107 و 108، و المحقّق السبزواريّ في الذخيرة:

138.

(3) قال (قدّس سرّه) في فرائد الاصول 2: 279 و 280: «و يظهر من المحقّق الخوانساريّ (انظر مشارق الشموس: 267) دوران حرمة المخالفة مدار الإجماع، و أنّ الحرمة في مثل الظهر و الجمعة ناشئة منه، و يظهر من الفاضل القمّيّ (رحمه اللّه) الميل إليه (انظر قوانين الاصول 2:

37) ...».

365

و اخرى [1] في أنّه بعد ما ثبت التكليف بالعلم التفصيليّ أو الإجماليّ المعتبر [2]،

____________

العلم الإجماليّ فيها، كالظهر و الجمعة لو لا الإجماع، و سيوضح هذا كلّه في ما بعد مفصّلا.

أقول: هذا كلّه في العلم الإجماليّ الصغير، و أمّا العلم الإجماليّ الكبير فيبحث عنه مفصّلا في محلّه‏ (1).

المقام الثاني: في سقوط التكليف بالعلم الإجماليّ و عدمه‏

[1] إشارة إلى موضوع البحث في المقام الثاني، و البحث فيه عن كفاية الامتثال الإجماليّ مع التمكّن من الامتثال التفصيليّ و عدمها، و بعبارة اخرى: هل يسقط التكليف بامتثال العلم الإجماليّ أم لا؟

[2] احتراز عن العلم الإجماليّ في الشبهة الغير المحصورة، أو المحصورة التي يضطرّ المكلّف فيها إلى ارتكاب بعض أطرافها، أو المحصورة التي يكون بعض أطرافها خارجا عن محلّ الابتلاء، و غيرها من الموارد التي لا اعتبار فيها للعلم الإجماليّ، على ما سيأتي توضيحها مفصّلا في مبحث البراءة و الاشتغال‏ (2).

____________

(1) انظر على سبيل المثال فوائد الاصول 3: 197 حيث قال (قدّس سرّه): «و حاصل الفرق بين الانسداد الكبير و الانسداد الصغير: هو أنّ مقدّمات الانسداد الكبير إنّما تجري في نفس الأحكام ليستنتج منها حجّيّة مطلق الظنّ فيها، و أمّا مقدّمات الانسداد الصغير فهي إنّما تجري في بعض ما يتوقّف عليه استنباط الحكم من الرواية من إحدى الجهات الأربع المتقدّمة ليستنتج منها حجّيّة مطلق الظنّ في خصوص الجهة التي انسدّ باب العلم فيها ...».

(2) انظر فرائد الاصول 2: 262 و 265.

366

فهل يكتفى في امتثاله بالموافقة الإجماليّة و لو مع تيسّر العلم التفصيليّ، أم لا [1] يكتفى به إلّا مع تعذّر العلم التفصيليّ، فلا يجوز [2] إكرام شخصين أحدهما زيد مع التمكّن من معرفة زيد بالتفصيل، و لا فعل الصلاتين [3] في ثوبين مشتبهين مع إمكان الصلاة في ثوب طاهر؟

____________

[1] إشارة إلى بحث طويل مقرّر في محلّه من أنّه هل يجزي الامتثال الإجماليّ مع التمكّن من الامتثال التفصيليّ أم لا؟ (1)

توضيح ذلك: أنّه إذا أمر المولى بإكرام زيد مثلا، و تمكّن العبد من أن يتعرّف زيدا بشخصه بأن يسأل أصدقاءه عنه فيكرمه تفصيلا، فهل يجوز له أن يترك السؤال و يكرم شخصين يعلم إجمالا أنّ أحدهما زيد، فيكرم كليهما معا، أم لا؟

[2] الأولى و الأنسب أن يقال: «لا يجزي» بدل قوله (رحمه اللّه): «لا يجوز» و هذا صرّح به صاحب الأوثق (رحمه اللّه)(2).

[3] أي: «لا يجوز فعل الصلاتين ...». و الفاء في قوله: «فلا يجوز إكرام شخصين و لا فعل الصلاتين» تفريع على قوله (رحمه اللّه): «لا يكتفى به ...» و نتيجة له و الفرق بين المثالين هو أنّ الأوّل مثال عرفيّ و الثاني مثال شرعيّ.

____________

(1) أقول: و ستعرف في ما بعد مفصّلا أنّ مراتب الامتثال أربعة: أحدها: الامتثال العلميّ التفصيليّ؛ و ثانيها: الامتثال العلميّ الإجماليّ؛ و ثالثها: الامتثال الظنّيّ؛ و رابعها: الامتثال الاحتماليّ، و صرّح المصنّف (رحمه اللّه) بكلّ منها في مبحث الانسداد عند قوله (رحمه اللّه): «أنّه إذا وجب عقلا أو شرعا التعرّض لامتثال الحكم الشرعيّ، فله مراتب أربع:- إلى أن قال-: و هذه المراتب مترتّبة لا يجوز بحكم العقل العدول من سابقتها إلى لاحقتها إلّا مع تعذّرها ...».

فرائد الاصول 1: 431 و 432، أيضا انظر الصفحة 375.

(2) راجع أوثق الوسائل: 39.

367

و الكلام من الجهة الاولى يقع من جهتين [1]؛ لأنّ اعتبار العلم الإجماليّ له مرتبتان:

الاولى: حرمة المخالفة القطعيّة.

و الثانية: وجوب الموافقة القطعيّة.

و المتكفّل للتكلّم في المرتبة الثانية هي مسألة البراءة و الاشتغال عند الشكّ في المكلّف به، فالمقصود في المقام الأوّل التكلّم في المرتبة الاولى.

____________

مدار البحث في المقام الأوّل‏

[1] إشارة إلى جهة إثبات التكليف بالعلم الإجماليّ، و لعلّ الصواب أن يقال:

«المقام الأوّل» مكان «الجهة الاولى»، و الشاهد عليه قوله (رحمه اللّه) في ما سيأتي:

«فالمقصود في المقام الأوّل ... و لنقدّم الكلام في المقام الثاني ...».

و كيف كان، يقع البحث في المقام الأوّل من جهتين:

الجهة الاولى: حرمة المخالفة القطعيّة العمليّة، و هي المرتبة الأدنى.

الجهة الثانية: وجوب الموافقة القطعيّة العمليّة، و هي المرتبة الأعلى‏ (1).

____________

(1) أقول: إنّ كلّا من وجوب الموافقة القطعيّة و حرمة المخالفة القطعيّة حكم عقليّ، و الفرق بينهما أنّ الثاني عقليّ تنجيزيّ- مثل قبح الظلم- فلا يمكن أن يأذن الشارع الأقدس بجواز ارتكاب جميع أطراف الشبهة، و هو واضح ظاهر جدّا. و أمّا الأوّل فهو عقليّ تعليقيّ، فكأنّ العقل قال: إن لم يأذن الشارع الأقدس بارتكاب بعض الأطراف، أنا أحكم بوجوب الاجتناب عن جميعها، و التفصيل في محلّه؛ أعني مبحث الشكّ في المكلّف به. (انظر فرائد الاصول 2: 210).

368

صور العلم الإجماليّ من حيث المخالفة و الموافقة القطعيّتين‏

و لا يخفى أنّ صور العلم الإجماليّ من حيث إمكان المخالفة القطعيّة و الموافقة القطعيّة أربع و لا بأس بذكرها مختصرا (1).

الصورة الاولى: ما يمكن فيه الموافقة و المخالفة القطعيّتين معا؛

كما في الإناءين المشتبهين بالنجس اللذين يمكن ارتكابهما معا كما يمكن الاجتناب عنهما أيضا معا، فافهم.

الصورة الثانية: عكس ذلك، أي ما لا يمكن فيها الموافقة و لا المخالفة القطعيّتين؛

مثل صورة دوران الأمر بين المحذورين، كدفن الميّت المنافق مثلا المردّد بين الوجوب- إلحاقا بالمسلم- و بين الحرمة- إلحاقا بالكافر-، و المكلّف لا يمكن له الموافقة و المخالفة القطعيّتين في واقعة واحدة، سواء أراد الفعل أو الترك.

الصورة الثالثة: ما يمكن فيه المخالفة القطعيّة،

لا غير؛ كما إذا علمت المرأة بوجوب الصلاة أو حرمتها عليها في أيّام الاستظهار، فإنّه يمكن لها المخالفة القطعيّة بإتيان الصلاة في تلك الأيّام بلا نيّة القربة و بدون قصد الأمر (2).

____________

(1) و إن شئت توضيحها مفصّلا، فراجع على سبيل المثال مصباح الاصول 2: 334 و 335 عند قوله (رحمه اللّه): «إنّ العلم الإجماليّ على أربعة أقسام ...».

(2) أقول: أيّام الاستظهار هي الأيّام التي يتجاوز فيها الدم عن العادة، و لا يخفى أنّ-

369

الصورة الرابعة: عكس ذلك، أي ما يمكن فيه الموافقة القطعيّة لا غير،

كما إذا تكون الشبهة غير محصورة؛ مثل أن يعلم إجمالا بنجاسة أحد مصانع الخبز في بلدة طهران الكبيرة مثلا، فإنّه يتمكّن من عدم شراء الخبز من تلك المصانع بأجمعها، بأن يصنع الخبز في منزله مثلا، و أمّا المخالفة القطعيّة بأن يشتري الخبز من جميعها فلا يمكنه ذلك، و تفصيل الكلّ في محلّه‏ (1).

الأقوال في المسألة نقلا عن المحقّق المشكينيّ‏

و الأقوال في المسألة خمسة على ما حقّقه المحقّق المشكينيّ (رحمه اللّه)، فإنّه قال:

«إنّ الوجوه في المسألة و إن كان كثيرة إلّا أنّ الأقوال خمسة: أحدها: أنّ العلم الإجماليّ ليس علّة تامّة و لا مقتضيا بالنسبة إلى كلتا المرتبتين حرمة المخالفة

____________

صحّة التمثيل بالمثال المذكور مبنيّة على كون حرمة الصلاة للحائض ذاتيّة- كشرب الخمر مثلا- و أمّا بناء على حرمتها تشريعا- كالصلاة بلا طهارة أو مستدبر القبلة مثلا- فلا يتمّ التمثيل به. و اختلاف المبنى في هذه المسألة قد قرّر في الفقه مفصّلا، فاختار المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه) في مصباح الفقيه [4: 130]، الحرمة الذاتيّة، حيث قال: «فالأظهر كونها ذاتيّة كما يدلّ عليه جملة من الأخبار ...» و اختار الحرمة التشريعيّة الشيخ النجفيّ (رحمه اللّه) في جواهر الكلام [3: 152]، حيث قال: «أوّلا نمنع الحرمة الذاتيّة و إنّما هي تشريعيّة ...»، و قال المصنّف (رحمه اللّه) في كتاب الطهارة: «لا إشكال في تحريم الصلاة من حيث التشريع، و هل هي محرّمة ذاتا كقراءة العزائم أو لا حرمة له إلّا من جهة التشريع بفعل الصلاة الغير المأمور بها؟ وجهان ...» (راجع كتاب الطهارة 3: 374 و 375).

(1) انظر فرائد الاصول 2: 257.

370

القطعيّة و وجوب الموافقة كذلك، و ربّما يستفاد ذلك ممّن قال بجواز ارتكاب كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة (1)- إلى أن قال-: الثاني: أن يكون مقتضيا بالنسبة إلى كلتيهما، و هو مختار المتن في هذا المقام. الثالث: أن يكون علّة تامّة بالنسبة إلى كلتيهما، و هو مختاره في باب الاشتغال. الرابع: أن يكون علّة تامّة بالنسبة إلى المرتبة الاولى و مقتضيا بالنسبة إلى الثانية، و هو مختار الشيخ (قدّس سرّه) في الرسالة. الخامس: عدم الاقتضاء و لا العلّيّة بالنسبة إلى الثانية، و العلّيّة بالنسبة إلى الاولى، و هو مساوق لما اختاره المحقّق القمّيّ (قدّس سرّه) في الشبهة المحصورة، كما حقّقناه في باب الاشتغال» (2).

مواضع البحث في الكتاب عن العلم الإجماليّ‏

أمّا البحث عن الجهة الاولى من المقام الأوّل فيبحث عنها قريبا عند قوله (رحمه اللّه):

«أمّا المقام الأوّل- إلى أن قال-: و المقصود هنا بيان اعتباره في الجملة الذي أقلّ مرتبته حرمة المخالفة القطعيّة ...» (3)، و أيضا في مبحث البراءة و الاشتغال عند قوله (رحمه اللّه): «أحدهما: جواز ارتكاب كلا الأمرين أو الامور و طرح العلم الإجماليّ و عدمه، و بعبارة اخرى: حرمة المخالفة القطعيّة للتكليف المعلوم و عدمها» (4).

____________

(1) إشارة إلى مذهب المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه).

(2) كفاية الاصول مع حواشي المحقّق المشكينيّ (قدّس سرّه) 3: 120 و 121.

(3) فرائد الاصول 1: 77.

(4) فرائد الاصول 2: 199- 209.

371

و لنقدّم الكلام في المقام الثاني [1]، و هو كفاية العلم الإجمالي في الامتثال، فنقول:

____________

و أمّا البحث عن الجهة الثانية من المقام الأوّل، فيجي‏ء البحث عنها في مبحث البراءة و الاشتغال عند قوله (رحمه اللّه): «الثاني: وجوب اجتناب الكلّ و عدمه، و بعبارة اخرى: وجوب الموافقة القطعيّة للتكليف المعلوم و عدمه» (1).

و أمّا البحث عن المقام الثاني، فيشرع في بيانه قريبا بقوله (رحمه اللّه): «فنقول: مقتضى القاعدة: جواز الاقتصار ...» (2).

تفصيل الكلام في المقام الثاني (كفاية العلم الإجماليّ في الامتثال)

[1] اعلم أنّ المصنّف (رحمه اللّه) قبل الشروع في البحث عن الجهة الاولى‏ (3) من المقام الأوّل، شرع في البحث عن المقام الثاني بطريق اللفّ و النشر المشوّش‏

الاسم منه معرب و مبنيّ‏* * * لشبه من الحروف مدني‏

(4)، و وجهه ما ذكره صاحب الأوثق (قدّس سرّه) عند قوله: «فقدّم الكلام في المقام الثاني؛ لاختصاره و قلّة ما يتعلّق به ...» (5).

____________

(1) فرائد الاصول 2: 199 و 210.

(2) فرائد الاصول 1: 71.

(3) أي حرمة المخالفة القطعيّة.

(4) راجع المطوّل: 75، و شرح المختصر: 424 و 425، و كما صنع ابن مالك في الألفيّة: 17 في قوله:

الاسم منه معرب و مبنيّ‏* * * لشبه من الحروف مدني‏

(5) أوثق الوسائل: 39.

372

مقتضى القاعدة: جواز الاقتصار في الامتثال بالعلم الإجماليّ [1] بإتيان المكلّف به؛ أمّا فيما لا يحتاج سقوط التكليف فيه إلى قصد الإطاعة [2] ففي غاية الوضوح، و أمّا فيما يحتاج إلى قصد الإطاعة، فالظاهر ....

____________

و تبعه المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) في ذلك و قال: «و لنقدّم الكلام في المقام الثاني مع أنّه كان حقّه التأخير؛ تبعا للشيخ (قدّس سرّه) ...» (1).

[1] أي بحكم العقل و بناء العقلاء الذي هو المتّبع في باب الإطاعة و المعصية و تمييز المطيع عن العاصي.

جواز الاقتصار على العلم الإجماليّ في امتثال الواجبات التوصّليّة

[2] إشارة إلى الواجبات التوصّليّة المطلوب فيها صرف الوجود بأيّ داع كان، و عليه لو أنّ أحدا دفن ميّتا بداعي الخوف منه مثلا لا بداعي امتثال أمر الشارع مثلا، لعدّ عاملا بوظيفته، نعم لو فعله بداعي الامتثال له لاعطي الثواب عليه، و التفصيل في محلّه‏ (2).

و بالجملة، لا إشكال في جواز الامتثال الإجماليّ المعبّر عنه اصطلاحا بالعمل الاحتياطيّ، و لا خلاف فيه عقلا و لا شرعا في الواجبات التوصّليّة الغير المحتاجة

____________

(1) فوائد الاصول 3: 66.

(2) انظر كفاية الاصول: 72، حيث قال (رحمه اللّه): «الوجوب التوصّليّ، هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرّد حصول الواجب و يسقط بمجرّد وجوده، بخلاف التعبّديّ، فإنّ الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك، بل لا بدّ- في سقوطه و حصول غرضه- من الإتيان به متقرّبا به منه تعالى».

373

أيضا تحقّق الإطاعة [1] إذا قصد الإتيان بشيئين يقطع بكون أحدهما المأمور به.

____________

إلى قصد التقرّب، و لذا يجوز غسل الثوب المتنجّس مرّتين احتياطا إذا لم يعلم أنّه تنجّس بالبول أو بغيره، و كذا يجوز غسل الثوب النجس بماءين أحدهما مطلق، و الآخر مضاف، ليحصل العلم بطهارته؛ و هذا معنى نفي الخلاف في جواز الاحتياط و الامتثال الإجماليّ في ما لا يحتاج سقوط التكليف فيه إلى قصد الإطاعة.

النزاع في جواز الامتثال الإجماليّ في الواجبات التعبّديّة

[1] يعني الواجبات التعبّديّة المطلوب فيها قصد التقرّب، صارت معركة الآراء و محلّ الخلاف و النزاع بين العلماء من حيث إنّه هل يجوز الاحتياط و الامتثال الإجماليّ فيها أم لا؟ و الحقّ جوازه إلحاقا لها بالتوصّليّات، بدليل حكم العقل و بناء العقلاء كما قدّمناه، فإنّه المتّبع في باب الإطاعة و المعصية و تشخيص أنّ العبد عاص أو مطيع.

و لا يخفى أنّ المحتاط عندهم يعدّ مطيعا من غير فرق بين الشبهة الحكميّة- كالإتيان بالظهر و الجمعة مثلا عند اشتباه المكلّف به- و بين الشبهة الموضوعيّة- كالإتيان بالصلاة إلى أربع جهات مثلا عند اشتباه القبلة-، و إلى ذلك كلّه أشار المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) و قال: «إنّ حقيقة الطاعة عند العقل عبارة عن الانبعاث و كون الإرادة الفاعليّة منبعثة عن الإرادة الآمريّة (1) ...» (2).

____________

(1) و هو يصدق في حقّ المحتاط قطعا.

(2) فوائد الاصول 3: 66.

374

و دعوى [1]: ...

____________

أدلّة القائلين بعدم كفاية الامتثال الإجماليّ في العبادات إذا استلزم التكرار

[1] استدلّ الخصم على عدم كفاية الاحتياط و الامتثال الإجماليّ في الواجبات التعبّديّة المحتاجة إلى قصد التقرّب بأدلّة خمسة بل ستّة:

أحدها: اعتبار قصد التقرّب في العبادة حين العمل،

و هو لا يتحقّق إلّا بإتيانها تفصيلا لا إذا أتاها بنيّة الاحتياط، كما لا يخفى.

ثانيها: إجماع الأصحاب‏

و اتّفاقهم على عدم كفاية الامتثال الإجماليّ فيها.

ثالثها: اقتضاء قاعدة الاشتغال اليقينيّ البراءة اليقينيّة،

و لا يخفى أنّ حصولها بالامتثال التفصيليّ قطعيّ و بالامتثال الإجماليّ مشكوك فيه.

رابعها: اعتبار قصد الوجه في العبادات،

و هو لا يتحقّق إلّا بإتيانها تفصيلا لا إذا احتاط المكلّف و أتى بعملين مستقلّين.

خامسها: أنّه يصدق على المحتاط المتمكّن من الامتثال التفصيليّ أنّه أخذ أمر المولى لعبا و هزلا في بعض الصور؛

كالإتيان بمائة صلاة مثلا احتياطا مع إمكان الإتيان بواحدة منها خارجا (1).

سادسها: مخالفة الاحتياط مع السيرة العمليّة المستمرّة بين العلماء،

بل المتشرّعة بأجمعهم.

____________

(1) سيجي‏ء توضيح ذلك في خاتمة مبحث البراءة، انظر فرائد الاصول 2: 409.

375

لا يخفى أنّ المصنّف (رحمه اللّه) ذكر الأخيرين منها في مبحث خاتمة البراءة و الاشتغال‏ (1)، و لكن ما اختاره هنا يغاير ما اختاره هناك، نعم يوافق ما اختاره في مبحث الانسداد، حيث قال: «توضيح ذلك: أنّه إذا وجب عقلا أو شرعا التعرّض لامتثال الحكم الشرعيّ، فله مراتب أربع؛ الاولى: الامتثال العلميّ التفصيليّ، و هو أن يأتي بما يعلم تفصيلا أنّه هو المكلّف به. و في معناه ما إذا ثبت كونه هو المكلّف به بالطريق الشرعيّ و إن لم يفد العلم و لا الظنّ، كالاصول الجارية في مواردها، و فتوى المجتهد بالنسبة إلى الجاهل العاجز عن الاجتهاد. الثانية: الامتثال العلميّ الإجماليّ، و هو يحصل بالاحتياط. الثالثة: الامتثال الظنّيّ، و هو أن يأتي بما يظنّ أنّه المكلّف به. الرابعة: الامتثال الاحتماليّ، كالتعبّد بأحد طرفي المسألة من الوجوب و التحريم، أو التعبّد ببعض محتملات المكلّف به عند عدم وجوب‏

____________

(1) قال (قدّس سرّه) في فرائد الاصول 2: 409: «لكنّ الإنصاف عدم العلم بكفاية هذا النحو من الإطاعة الإجماليّة، و قوّة احتمال اعتبار الإطاعة التفصيليّة في العبادة، بأن يعلم المكلّف حين الاشتغال بما يجب عليه أنّه هو الواجب عليه. و لذا يعدّ تكرار العبادة- لإحراز الواقع- مع التمكّن من العلم التفصيليّ به أجنبيّا عن سيرة المتشرّعة، بل من أتى بصلوات غير محصورة لإحراز شروط صلاة واحدة- بأن صلّى في موضع تردّد فيه القبلة بين أربع جهات، في خمسة أثواب أحدها طاهر، ساجدا على خمسة أشياء أحدها ما يصحّ السجود عليه، مائة صلاة- مع التمكّن من صلاة واحدة يعلم فيها تفصيلا اجتماع الشروط الثلاثة، يعدّ في الشرع و العرف لاعبا بأمر المولى»، و لكنّ المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) قد ردّ هذا في ذلك المبحث فقال: «أمّا كون التكرار لعبا و عبثا، فمع أنّه ربّما يكون لداع عقلائيّ، إنّما يضرّ إذا كان لعبا بأمر المولى، لا في كيفيّة إطاعته ...» (كفاية الاصول: 274).

376

أنّ العلم بكون المأتيّ به مقرّبا معتبر حين الإتيان به [1] و لا يكفي العلم بعده بإتيانه [2]، ممنوعة [3]؛ إذ لا شاهد لها بعد تحقّق الإطاعة بغير ذلك أيضا.

فيجوز [4] لمن تمكّن من تحصيل العلم التفصيلي بأداء العبادات العمل بالاحتياط و ترك تحصيل العلم التفصيلي.

لكنّ الظاهر- كما هو المحكيّ عن بعض [5]-: ...

____________

الاحتياط أو عدم إمكانه، و هذه المراتب مرتّبة لا يجوز بحكم العقل العدول عن سابقتها إلى لاحقتها إلّا مع تعذّرها ...» (1).

[1] أي حين الإتيان بالمأتيّ به.

[2] أي العلم بإتيان العمل مقرّبا بعد الإتيان بالمأتيّ به إجمالا لا يكفي في تحقّق الامتثال بل الكافي له هو خصوص العلم به حين العمل.

دعوى اعتبار قصد التقرّب في العبادات حين العمل و المناقشة فيها

[3] ردّ منه (رحمه اللّه) الدليل الأوّل من الأدلّة المذكورة الدالّة على عدم كفاية الاحتياط في العبادات.

[4] تفريع لقوله: «إذ لا شاهد لها ...» و فاعله قوله (رحمه اللّه): «العمل بالاحتياط ...».

دعوى الإجماع في المقام‏

[5] إشارة إلى الدليل الثاني من الأدلّة المتقدّمة، و هي دعوى إجماع الأصحاب و اتّفاقهم على عدم كفاية الاحتياط و الامتثال الإجماليّ، و قد حكاها

____________

(1) فرائد الاصول 1: 431 و 432.

377

المصنّف (رحمه اللّه) عن صاحب الحدائق (رحمه اللّه) في مبحث الخاتمة و قال: «و ببالي أنّ صاحب الحدائق (رحمه اللّه) يظهر منه دعوى الاتّفاق على عدم مشروعيّة التكرار مع التمكّن من العلم التفصيليّ‏ (1)» (2).

و الحاصل: أنّ معقد الإجماع هو عدم كفاية الاحتياط في ما يتوقّف على التكرار- كالإتيان بصلاتين في ثوبين مشتبهين أحدهما طاهر و الآخر نجس، و كالإتيان بالظهر و الجمعة مثلا-، و أمّا الاحتياط في غير المتوقّف على التكرار- كإتيان الصلاة مع الاستعاذة مثلا عند الشكّ‏ (3) في جزئيّتها للصلاة و عدم جزئيّتها لها (4)- فليس داخلا في معقد الإجماع، و سيوضح هذا كلّه إن شاء اللّه في مبحث البراءة و الاشتغال‏ (5).

و يناسب هنا نقل بعض من كلام المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه)، فإنّه (قدّس سرّه) قال: «لا إشكال فيه في التوصّليّات، و أمّا في العباديّات فكذلك في ما لا يحتاج إلى‏

____________

(1) انظر الحدائق الناضرة 5: 406.

(2) فرائد الاصول 2: 409 و 410.

(3) أقول: منشأ الشكّ هنا اختيار ولد الشيخ الطوسي (رحمه اللّه)- المعروف بالمفيد الثاني- وجوب الاستعاذة في الصلاة، و التفصيل في محلّه. قال الشهيد (قدّس سرّه) في الذكرى 3: 331: «و للشيخ أبي عليّ ابن الشيخ الأعظم أبي جعفر الطوسيّ قول بوجوب التعوّذ للأمر به، و هو غريب؛ لأنّ الأمر هنا للندب بالاتّفاق، و قد نقل فيه والده في الخلاف الإجماع منّا [الخلاف 1:

324 و 325، المسألة 76] ...»، و أيضا راجع زبدة البيان للمحقّق الأردبيليّ 1: 140 و 141.

(4) و الفرق بين الإتيان بصلاتي الظهر و الجمعة و الإتيان بالصلاة مع الاستعاذة، أنّ الأوّل يعبّر عنه اصطلاحا بالمتباينين، و الثاني يعبّر عنه بالأقلّ و الأكثر الارتباطيّين.

(5) راجع فرائد الاصول 2: 409.

378

ثبوت الاتّفاق على عدم جواز الاكتفاء بالاحتياط إذا توقّف على تكرار العبادة، بل [1] ظاهر المحكيّ عن الحلّي- في مسألة الصلاة في الثوبين-: عدم جواز التكرار للاحتياط حتّى مع عدم التمكّن من العلم التفصيلي، و إن كان ما ذكره من التعميم ممنوعا [2]، و حينئذ فلا يجوز لمن تمكّن من تحصيل العلم بالماء المطلق،

____________

التكرار، كما إذا تردّد أمر عبادة بين الأقلّ و الأكثر- إلى أن قال-: و أمّا في ما احتاج إلى التكرار، فربّما يشكل من جهة الإخلال بالوجه تارة، و بالتمييز اخرى، و كونه لعبا و عبثا ثالثة ...» (1).

[1] «بل» للترقّي، و أشار (رحمه اللّه) إلى مذهب ابن إدريس الحلّيّ (رحمه اللّه)، فإنّه ذهب إلى عدم جواز تكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين، بل أوجب الإتيان بها عاريا؛ لكون رعاية قصد الوجه أهمّ من رعاية الستر (2)، و هذا قد ردّه المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الخاتمة بقوله: «و لقد بالغ الحلّيّ في السرائر، حتّى أسقط اعتبار الشرط المجهول تفصيلا و لم يجوّز التكرار المحرز له، فأوجب الصلاة عاريا على من عنده ثوبان مشتبهان و لم يجوّز تكرار الصلاة فيهما ...» (3).

[2] مراده (رحمه اللّه) من «التعميم» هنا هو ما نقله عنه (قدّس سرّه) بقوله هناك: «لقد بالغ‏

____________

(1) كفاية الاصول: 274.

(2) انظر السرائر 1: 184 و 185، حيث قال: «و إذا حصل معه ثوبان، أحدهما نجس و الآخر طاهر، و لم يتميّز له الطاهر و لا يتمكّن من غسل أحدهما، قال بعض أصحابنا: يصلّي في كلّ واحد منهما على الانفراد وجوبا و قال بعض منهم: ينزعهما و يصلّي عريانا، و هذا الذي يقوى في نفسي، و به افتي».

(3) فرائد الاصول 2: 410.

379

أو بجهة القبلة، أو في ثوب طاهر، أن يتوضّأ [1] وضوءين يقطع بوقوع أحدهما بالماء المطلق، أو يصلّي إلى جهتين يقطع بكون أحدهما القبلة، أو في ثوبين يقطع بطهارة أحدهما.

لكنّ الظاهر من صاحب المدارك (قدّس سرّه) [2]: التأمّل [3]- بل ترجيح الجواز [4]- في المسألة الأخيرة، و لعلّه متأمّل في الكلّ؛ ...

____________

الحلّيّ ...» و هو إشارة إلى ما ذهب إليه الحلّيّ (قدّس سرّه) من عدم جواز الاحتياط بتكرار العمل حتّى في صورة عدم التمكّن من تحصيل العلم التفصيليّ، فضلا عن صورة التمكّن منه‏ (1)، فافهم.

[1] هذا فاعل قوله «فلا يجوز» و الجمل التي بعده عطف عليه بنحو اللفّ و النشر المرتّب، فلا تغفل.

التشكيك في الإجماع المدّعى في المقام‏

[2] إشارة إلى التشكيك في الإجماع الذي ادّعاه صاحب الحدائق (رحمه اللّه).

[3] أي التأمّل في عدم جواز الاحتياط.

[4] «بل» هنا للترقّي، و مراده (رحمه اللّه) أنّ صاحب المدارك (قدّس سرّه) تأمّل في المسألة

____________

(1) أقول: هذا كلّه سيوضحه المصنّف (رحمه اللّه) مفصّلا في مبحث الانسداد، قال في مطاوي كلماته الطويلة: «و لذا أجمعوا ظاهرا على عدم كفاية الامتثال الإجماليّ مع التمكّن من التفصيليّ، بأن يتمكّن من الصلاة إلى القبلة في مكان و يصلّي في مكان آخر غير معلوم القبلة إلى أربع جهات، أو يصلّي في ثوبين مشتبهين أو أكثر مرّتين أو أكثر مع إمكان صلاة واحدة في ثوب معلوم الطهارة، إلى غير ذلك ...». (فرائد الاصول 1: 418).

380

إذ لا خصوصيّة للمسألة الأخيرة [1].

____________

الأخيرة من المسائل الثلاث‏ (1)؛ بمعنى أنّه (رحمه اللّه) شكّك في عدم جواز الاحتياط في ما يستلزم التكرار، بل رجّح فيه الاحتياط؛ أعني الإتيان بصلاتين في ثوبين يقطع بطهارة أحدهما.

[1] غرضه (رحمه اللّه) من كلامه هذا أنّ لصاحب المدارك أن يتأمّل في جميع المسائل الثلاث؛ لأنّه يجوّز الاحتياط فيها كلّها و لا خصوصيّة للأخيرة منها به.

نعم، قد ورد في المسألة الأخيرة رواية معتبرة تدلّ على وجوب الصلاة في ثوبين علم بإصابة البول أحدهما إجمالا من غير تعيين، إلّا أنّ الظاهر منها صورة عدم التمكّن من الامتثال التفصيليّ- كما هو المفروض في المقام- و يشهد عليه التصريح في الرواية بفقد الماء للتطهير.

و الرواية هذه: عن صفوان بن يحيى أنّه كتب إلى أبي الحسن (عليه السّلام) يسأله عن الرجل معه ثوبان، فأصاب أحدهما بول، و لم يدر أيّهما هو، و حضرت الصلاة و خاف فوتها و ليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال (عليه السّلام): «يصلّي فيهما جميعا» (2).

____________

(1) قال (قدّس سرّه) في مدارك الأحكام 2: 356: «متى امتنع الصلاة عاريا ثبت وجوب الصلاة في أحدهما أو في كلّ منهما؛ إذ المفروض انتفاء غيرهما، و الأوّل منتف؛ إذ لا قائل به، فيثبت الثاني».

(2) وسائل الشيعة 2: 1082، الباب 64 من أبواب النجاسات، الحديث الأوّل. إن قلت: لم لم يفت ابن إدريس (رحمه اللّه) بمفادها؟ قلنا: هذا مبنيّ على ما اختاره من عدم حجّيّة خبر الواحد (انظر السرائر 1: 39- 44). و هذا- أعني قوله بعدم اعتبار خبر الواحد حتّى في الفروع- تفريط من ابن إدريس (رحمه اللّه) مقابل إفراط الصدوق (رحمه اللّه) القائل باعتباره مطلقا حتّى في المسائل-

381

و أمّا إذا لم يتوقّف الاحتياط على التكرار [1]- كما إذا أتى بالصلاة مع جميع ما يحتمل أن يكون جزءا [2]- فالظاهر عدم ثبوت اتّفاق على المنع [3] ....

____________

أقول: يعلم بعد التدبّر أنّ لتأمّل صاحب المدارك في خصوص المسألة الأخيرة دليلا شرعيّا تعبّديّا، مثل الرواية المذكورة، و عليه فلا يجوز التعدّي عنها إلى غيرها كما فعله المصنّف (رحمه اللّه)، هذا تمام الكلام في الاحتياط المستلزم تكرار العمل و أمّا غير المستلزم له فيجي‏ء توضيحه ذيلا مفصّلا.

تحرير البحث حول الاحتياط الغير المستلزم تكرار العمل‏

[1] إشارة إلى كفاية الامتثال الإجماليّ في ما إذا لم يستلزم الاحتياط تكرار العمل‏ (1).

[2] كالاستعاذة، كما مرّ توضيحه آنفا.

[3] هذا جواب قوله: «و أمّا»، و مراده أنّه لم يثبت إجماع على المنع من الاحتياط الذي لا يستلزم التكرار، و عليه فلا يجب تحصيل اليقين التفصيليّ و الإتيان بالعمل تفصيلا.

____________

الاعتقاديّة كمسألة سهو النبيّ و الحبط و غيرها، و قد ذكرناها سابقا. فإنّه (رحمه اللّه) قال في الفقيه:

«و لو جاز أن تردّ الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن نردّ جميع الأخبار، و في ردّها إبطال الدين و الشريعة (انظر الفقيه 1: 235، باب أحكام السهو في الصلاة، ذيل الحديث 1031)، و التفصيل في محلّه. (راجع فرائد الاصول 1: 240 و ما بعده).

(1) أقول: مثاله الواضح الشكّ في الأقلّ و الأكثر- كالشكّ في أنّ الصلوات اليوميّة هل تجب فيها الاستعاذة بعد تكبيرة الإحرام، أم لا، فإنّ الاحتياط فيه لا يستلزم التكرار قبال الشكّ في المتباينين فإنّه يستلزم التكرار- كالظهر و الجمعة مثلا.

382

و وجوب تحصيل اليقين التفصيليّ [1]، لكن لا يبعد [2] ذهاب المشهور إلى ذلك، بل ظاهر كلام السيّد الرضيّ (رحمه اللّه)- في مسألة الجاهل بوجوب القصر- و ظاهر تقرير أخيه السيّد المرتضى (رحمه اللّه) له [3]: ثبوت الإجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها.

هذا كلّه في تقديم العلم التفصيليّ على الإجماليّ.

____________

[1] عطف على «المنع» و عليه تقدير الكلام هكذا: فالظاهر عدم ثبوت اتّفاق على المنع و على وجوب تحصيل اليقين التفصيليّ.

[2] عدول عمّا ادّعاه آنفا من نفي الإجماع، و تثبيت لما سيدّعيه عن قريب من تحقّق الإجماع و الشهرة على المنع عنه مطلقا، فاللّازم أن يحكم بممنوعيّة الاحتياط سواء استلزم التكرار أم لا، فانتظر توضيحه مفصّلا.

[3] الضمير المجرور في الموضعين يعود إلى «السيّد الرضيّ (رحمه اللّه)»، و الجملة بأسرها (1) مبتدأ خبرها قوله (رحمه اللّه): «ثبوت الإجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها»، و سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) بنصّه مرّة ثانية في خاتمة مبحث البراءة و الاشتغال‏ (2).

مذهب السيّد الرضيّ و المرتضى في الاحتياط

أقول: ملخّص ما جرى بين السيّد الرضيّ و المرتضى رحمهما اللّه، من الإشكال و الجواب، أنّهما توافقا في القول ببطلان عمل الجاهل بالحكم الشرعيّ بدليل‏

____________

(1) أي المعطوف و المعطوف عليه.

(2) انظر فرائد الاصول 2: 408.

383

الإجماع‏ (1)، ففي مثال الاستعاذة مثلا من شكّ في وجوبها يصدق عليه الجاهل بالحكم الشرعيّ و يصحّ إطلاقه عليه، فيشمله الإجماع المذكور و يحكم ببطلان عمله الاحتياطيّ- أعني الصلاة مع الاستعاذة-، و لا نعني من ممنوعيّة الاحتياط إجماعا حتّى في صورة عدم استلزامه التكرار إلّا هذا، فيتمّ ما قال المصنّف (رحمه اللّه): «لكن لا يبعد- إلى أن قال-: ثبوت الإجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها» (2).

و لذا (3) اعترض السيّد الرضيّ (رحمه اللّه) على أخيه بأنّه كيف يحكم بصحّة صلاة المسافر الجاهل بحكم القصر الذي أتى بصلاته تماما، مع قيام الإجماع على بطلان عمل الجاهل بالأحكام؟ و بعبارة أوضح: ما وجه الجمع بين قيام الإجماع على بطلان عمل الجاهل بالأحكام و الحكم بصحة صلاة الجاهل بحكم القصر؟

و أجاب عنه المرتضى (رحمه اللّه) بما ملخّصه أنّ الصلاة قصرا تجب على العالم بالحكم، فإنّ حكمه الواقعيّ إقامة الصلاة قصرا، فإذا أتى بها تماما فهي محكومة بالبطلان؛ لتغاير المأتيّ به ظاهرا مع المأمور به واقعا، و أمّا الجاهل بالحكم في خصوص هذه المسألة، حيث تغيّر الحكم الواقعيّ بالنسبة إليه بسبب جهله بالحكم فصلاته‏

____________

(1) انظر رسائل الشريف المرتضى 2: 383 و 384.

(2) أقول: يستثنى من هذا الحكم- أي بطلان عمل الجاهل بالحكم الشرعيّ إجماعا- مسألتان: إحداهما: مسألة القصر و الإتمام. و ثانيتهما: مسألة الجهر و الإخفات، بالتقريب الآتي من المصنّف (رحمه اللّه) في أواخر كتاب البراءة، حيث قال (قدّس سرّه) في فرائد الاصول 2: 437:

«و قد استثنى الأصحاب من ذلك: القصر و الإتمام و الجهر و الإخفات، فحكموا بمعذوريّة الجاهل في هذين الموضعين ...» (انظر مفتاح الكرامة 7: 187 و 188، و 10: 617 و 618).

(3) أي لقيام الإجماع على بطلان عمل الجاهل بالأحكام.

384

تماما محكومة، بالصحّة؛ إذ هو بمنزلة من أتى بوظيفته الواقعيّة؛ لتوافق المأتي به خارجا و المأمور به واقعا بالنسبة إليه، فسكت بجوابه الرضيّ (رحمه اللّه) و رضي به.

أقول: هذا الجواب منه (رحمه اللّه) ليس بتامّ قطعا، و العجب من سكوت الرضيّ (رحمه اللّه) بجوابه‏ (1) و وجهه: أوّلا أنّه مستلزم للتصويب و ينطبق على مذهب المصوّبة القائلين بدخل القطع و الاعتقاد في الأحكام‏ (2). و ثانيا: انّه يستلزم الدور، بالتقريب الآتي عن العلّامة (رحمه اللّه) في كتابه التحرير (3).

و الغرض هنا من نقل ما جرى بين السيّدين الشريفين رحمهما اللّه هو مجرّد إثبات اعترافهما بقيام الإجماع الدالّ على بطلان عمل الجاهل بالأحكام الشامل لما نحن فيه بالتقريب المذكور، و قد عرفت آنفا أنّ جواب المرتضى (رحمه اللّه) غير تامّ‏

____________

(1) أقول: الجواب الصحيح في المقام هو الالتزام بالتعبّد المحض في المسألتين، و يدلّ عليه قوله (عليه السّلام): «... إن كان قرئت عليه آية التقصير و فسّرت له ...» (وسائل الشيعة 5: 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4)؛ يعني: إن فسّر قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ (النساء: 101) للمسافر فصلاته تماما باطلة، و إلّا فهي صحيحة، و سيجي‏ء توضيحه من المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الظنّ بمناسبة. (انظر فرائد الاصول 1: 147 و 148).

(2) سيذكر المصنّف (رحمه اللّه) التصويب و أقسامه مفصّلا في أوائل مبحث الظنّ، راجع فرائد الاصول 1: 113 و ما بعده.

(3) أقول: نقل المصنّف محذور الدور عن العلّامة رحمهما اللّه، انظر فرائد الاصول 2: 280، و نحن لم نعثر عليه في التحرير، نعم ذكره في المنتهى 4: 230، حيث قال (قدّس سرّه): «الرابع: لو علم الغصب و جهل التحريم لم يكن معذورا؛ لأنّ التكليف لا يتوقّف على العلم بالتكليف، و إلّا لزم الدور المحال».

385

و هل يلحق بالعلم التفصيليّ الظنّ التفصيليّ المعتبر، فيقدّم [1] على العلم الإجماليّ، أم لا؟

____________

و سكوت الرضيّ (رحمه اللّه) غير مرضيّ، فالصواب في الجواب أنّ الحكمين من باب التعبّد المحض‏ (1).

الكلام في الامتثال بالعلم الإجماليّ مع التمكّن من تحصيل الظنّ التفصيليّ‏

[1] الضمير المستتر يعود إلى الظنّ التفصيليّ المعتبر (2) الذي يحتمل كونه مقدّما على العلم الإجماليّ‏ (3)؛ مثاله: إذا أفتى المجتهد الجامع للشرائط بوجوب الجمعة مثلا، فهل يجوز للمقلّد العامّيّ أن يمتثل بالعلم الإجماليّ بأن يأتي بالظهر و الجمعة احتياطا أم لا؟

أقول: الالتزام بتقديم الظنّ التفصيليّ على العلم الإجماليّ مبنيّ على الالتزام بتقديم العلم التفصيليّ عليه، و أمّا بناء على عدم الالتزام بالثاني فلا تصل النوبة إلى الالتزام بالأوّل، فلا تغفل.

____________

(1) أقول: هذا كلّه في الجاهل بحكم السفر، و أمّا الجاهل بموضوعه- أي الشاكّ في تحقّق عنوان السفر خارجا- فحكمه الإتيان بالصلاة تماما لأصالة عدم تحقّق السفر إلى أن يعلم تحقّقه، و التفصيل في محلّه.

(2) أقول: لفظة «المعتبر» صفة «الظنّ»، و احتراز عن الظنّ الغير المعتبر الذي هو في حكم الشكّ، كالظنّ الحاصل من الرؤيا مثلا.

(3) أقول: وجهه كون الظنّ المعتبر في حكم العلم، كما أنّ غير المعتبر منه في حكم الشكّ، كما سيصرّح به في مبحث البراءة (راجع فرائد الاصول 2: 11).

386

التحقيق [1] أن يقال: ...

____________

تحرير محلّ البحث و تحقيق المصنّف (رحمه اللّه) في المقام‏

[1] ملخّص الكلام في المقام: أنّ المحتاط في العبادة تارة يتمكّن من الامتثال التفصيليّ العلميّ- كالإتيان بصلاة الجمعة مثلا التي دلّ على وجوبها الخبر المتواتر مثلا- و اخرى يتمكّن من الامتثال التفصيليّ الظنّيّ بالظنّ الخاصّ- كالإتيان بالجمعة التي دلّ على وجوبها خبر الواحد مثلا- و ثالثة يتمكّن من الامتثال التفصيلي الظنّيّ بالظنّ المطلق- كالإتيان بالجمعة التي ظنّ بوجوبها من طريق الرؤيا مثلا (1).

و لا يخفى أنّ الاحتياط في مثل صلاة الظهر و الجمعة يستلزم التكرار، و أمّا الاحتياط الذي لا يستلزم التكرار، فمثاله الإتيان بالصلاة مع الاستعاذة بعد تكبيرة الإحرام، الذي ثبت وجوبه للمكلّف تارة علما، و اخرى بالظنّ الخاصّ، و ثالثة بالظنّ المطلق، فلا تغفل.

أمّا الأوّل فقد عرفت حكمه إثباتا و نفيا، و أمّا الثاني و الثالث فستعرف حكمه عن قريب، فانتظر.

____________

(1) أقول: ذكر الخبر المتواتر مثالا للامتثال العلميّ، و خبر الواحد مثالا للظنّ الخاصّ، و الرؤيا للظنّ المطلق من باب التمثيل، و إلّا فلكلّ منها أمثلة اخرى؛ كالكتاب مثلا للامتثال العلميّ، و الفتوى للظنّ الخاصّ، و خبر الفاسق للظنّ المطلق- المعبّر عنه اصطلاحا بالظنّ الانسداديّ-.

387

إنّ الظنّ المذكور إن كان ممّا لم يثبت اعتباره [1] ....

____________

الظنّ الخاصّ و المطلق و دليل اعتبارهما

[1] مراده (رحمه اللّه) من «الظنّ المذكور» الظنّ بالحكم، و الضمير المجرور يعود إلى الموصول الذي يراد منه الظنّ المطلق، و عدل الشرط هنا سيجي‏ء عند قوله (رحمه اللّه):

«و أمّا لو كان الظنّ ممّا ثبت اعتباره بالخصوص ...».

توضيح ذلك: أنّ الظنّ الخاصّ ما دلّ على اعتباره دليل خاصّ كخبر الثقة (1) مثلا، الذي يدلّ على اعتباره الأدلّة الأربعة من الكتاب و السنّة و العقل و الإجماع‏ (2)، بخلاف الظنّ المطلق المعبّر عنه اصطلاحا بالظنّ الانسداديّ، فإنّه لا يدلّ على اعتباره دليل بالخصوص سوى المقدّمات الأربع التي ذكرها المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الانسداد (3) و هي امور أربعة:

أحدها: العلم بالتكاليف الواقعيّة المجعولة من قبل الشارع الأقدس مع انسداد باب العلم لنا بالنسبة إليها.

ثانيها: العلم بكوننا مكلّفين قطعا بأخذها و العمل بها و عدم جواز إهمالها شرعا و عقلا.

____________

(1) أقول: خبر الثقة مثال للظنّ الخاصّ في الأحكام، و أمّا في الموضوعات فالمثال المناسب له هو سوق المسلم و يد المسلم و البيّنة، و التفصيل في محلّه.

(2) انظر فرائد الاصول 1: 254 و ما بعده.

(3) انظر فرائد الاصول 1: 384 و ما بعده.

388

إلّا من جهة دليل الانسداد [1]- المعروف بين المتأخّرين لإثبات حجّيّة الظنّ المطلق- ...

____________

ثالثها: عدم وجوب الاحتياط (1) المستلزم للعسر و الحرج بإتيان جميع مظنونات الوجوب، و الاجتناب عن جميع مظنونات الحرمة، مع أنّهما منفيّان في الشريعة بمقتضى قاعدة «لا حرج» (2).

رابعها: قبح ترجيح المرجوح (أي الموهومات و المشكوكات) على الراجح (أي المظنونات) و من المعلوم أنّ مع هذه الامور الأربعة تثبت حجّيّة مطلق الظنّ بالأحكام الشرعيّة كشفا أو حكومة.

[1] إشارة إلى ما ذكرناه آنفا من المقدّمات الأربع، و زاد عليها المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) مقدّمة اخرى فصارت خمسة (3). و كيف كان، يثبت بها اعتبار الظنّ من أيّ طريق حصل، حتّى لو حصل من طيران الغراب و جريان الميزاب، و التفصيل في محلّه.

____________

(1) أقول: قد أبدل بعض القائلين بالانسداد، المقدّمة الثالثة- أعني عدم وجوب الاحتياط- بعدم جواز الاحتياط، أي بطلانه. و بعبارة اخرى: فكأنّه قال: لا يجوز الاحتياط بإتيان جميع مظنونات الوجوب و مشكوكاته و موهوماته، و بالاجتناب عن جميع مظنونات الحرمة و مشكوكاتها و موهوماتها، المعبّر عنه اصطلاحا بالاحتياط التامّ المستلزم لاختلال النظام، و هذا- أي عدم جواز الاحتياط المذكور- سيشير إليه المصنّف (رحمه اللّه) عن قريب في مطاوى كلماته الآتية.

(2) لقوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (الحجّ: 78).

(3) راجع كفاية الاصول: 311.

389

فلا إشكال في جواز ترك تحصيله و الأخذ بالاحتياط [1] إذا لم يتوقّف على التكرار.

____________

هل يجزي الاحتياط في ما لا يستلزم التكرار مع التمكّن من الامتثال بالظنّ التفصيليّ المطلق‏

[1] مراده (رحمه اللّه) أنّ المكلّف مخيّر بين الأخذ بالاحتياط و بين الامتثال التفصيليّ الظنّيّ بظنّ مطلق بلا إشكال و خلاف، و لا يخفى أنّ التخيير في ما إذا تحقّق الاحتياط بالإتيان بالأكثر، و أمّا جواز الاحتياط في ما يستلزم التكرار ففيه خلاف و إشكال، بالتقريب الآتي توضيحه مفصّلا (1).

قال بعض المحشّين: «قوله (رحمه اللّه): [فلا إشكال في جواز ترك تحصيله و الأخذ بالاحتياط ...]، أقول: و ذلك لأنّ الذي هو من مقدّمات دليل الانسداد- على ما سيأتي- إنّما هو عدم وجوب الاحتياط؛ للزوم العسر و الحرج، لا عدم جواز الاحتياط، إلّا على القول باعتبار نيّة الوجه، و إذا كان الاحتياط جائز العمل، فلا مانع من العمل به مع التمكّن من الظنّ التفصيليّ» (2).

و تفصيل الفرق بين عدم وجوب الاحتياط و عدم جوازه، سيجي‏ء توضيحه عند كلام المصنّف (رحمه اللّه): «لا الظنّ المطلق الذي لم يثبت القائل به جوازه إلّا

____________

(1) انظر الصفحة 399 و ما بعدها، ذيل عنوان «تحرير البحث حول الاحتياط المستلزم للتكرار».

(2) قلائد الفرائد 1: 98.

390

و العجب ممّن يعمل بالأمارات [1] من باب الظنّ المطلق، ...

____________

بعدم وجوب الاحتياط، لا بعدم جوازه، فكيف يعقل تقديمه على الاحتياط؟ ...» (1)

و ملخّصه: أنّ بعد جواز العمل بالاحتياط إذا رضي المكلّف أن يتحمّل المشقّة و يعمل به من باب «أفضل الأعمال أحمزها» (2) فلا دليل للمنع عنه عقلا و شرعا و الحكم بتقديم الامتثال الظنّيّ التفصيليّ عليه، فافهم.

و بعبارة اخرى: إذا لا يستلزم الاحتياط التكرار فلا إشكال في العمل به، و إن يتمكّن المكلّف من الامتثال الظنّيّ التفصيليّ بالظنّ المطلق، مع أنّ المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) منع عنه و حكم بكونه ممنوعا شرعا (3).

ذكر المذاهب في انسداد باب العلم و انفتاحها في الأحكام الشرعيّة

[1] المصداق الأشهر للموصول هو المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) الذي يدّعي انسداد باب العلم في الأحكام مطلقا، خلافا للسيّد المرتضى (رحمه اللّه) المدّعي انفتاح باب العلم فيها مطلقا، و كلاهما قبال القول الثالث و هو القول بالتفصيل فيه.

توضيحه: أنّ هنا ثلاثة مذاهب:

المذهب الأوّل: انفتاح باب العلم، و هو مختار القدماء من الأصحاب‏ (4)، و لذا

____________

(1) انظر الصفحة 399 و ما بعدها.

(2) بحار الأنوار 70: 191، كتاب الإيمان و الكفر، باب 53، ذيل الحديث 2.

(3) راجع قوانين الاصول 2: 144.

(4) انظر فرائد الاصول 1: 390 عند قوله (رحمه اللّه): «و قد وقع ذلك تصريحا أو تلويحا في كلام-

391

نسب إلى السيّد (رحمه اللّه) أنّه ادّعى انفتاح باب العلم في معظم الأحكام الشرعيّة (1).

المذهب الثاني: انسداد باب العلم و العلميّ، و هو مختار المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه)(2)، فإنّه ادّعى أنّ اعتبار ظواهر الكتاب و السنّة و الفتاوى و غيرها من الأمارات الأخر من باب اللاعلاجيّة؛ لأجل اشتراك المسلمين في زماننا هذا مثلا مع المسلمين العائشين في الصدر الأوّل في التكاليف الشرعيّة الالهيّة (3).

و لا يخفى أنّ منع الأخذ بظاهر الكتاب لغير المقصودين بالإفهام- من قبل المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه)- على ما سيصرّح به المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الظنّ‏ (4)- صار منشأ

____________

جماعة من القدماء و المتأخّرين: منهم: الصدوق (قدّس سرّه) (انظر الفقيه 1: 233 و 234، ذيل الحديث 1031)، و منهم: السيّد (قدّس سرّه) حيث أورد على نفسه في المنع عن العمل بخبر الواحد- إلى أن قال:- فأجاب بما حاصله: دعوى انفتاح باب العلم في الأحكام (انظر رسائل الشريف المرتضى 3: 312)، و منهم: الشيخ (قدّس سرّه) (راجع العدّة 1: 136) و ...».

(1) انظر رسائل الشريف المرتضى 3: 312.

(2) راجع قوانين الاصول 1: 440 عند قوله (قدّس سرّه): «الأوّل: إنّ باب العلم القطعيّ في الأحكام الشرعيّة منسدّ في أمثال زماننا في غير الضروريّات غالبا، و لا ريب أنّا مشاركون لأهل زمان المعصومين (عليهم السّلام) في التكاليف ...».

(3) أقول: إنّ المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) أيضا تمسّك بالكتاب و السنّة و عمل على طبق ظواهرهما، و الشاهد عليه فتاواه في جامع الشتات الذي هو رسالته العمليّة. نعم، إنّه ادّعى أنّ اعتبار الظواهر ليس من باب الظنّ الخاصّ، بل هو من باب الظنّ المطلق و اللاعلاجيّة؛ لأجل اشتراكنا في التكليف مع المسلمين الذين عاشوا في الصدر الأوّل، و التفصيل في محلّه.

(و سيجي‏ء تفصيل الكلام في مبحث الظنّ. راجع فرائد الاصول 1: 160 و ما بعده).

(4) انظر فرائد الاصول 1: 160.

392

لالتزامه بالانسداد في باب الأحكام‏ (1).

المذهب الثالث: انسداد باب العلم و انفتاح باب العلميّ في الأحكام، و هو مختار المشهور و منهم المصنّف (رحمه اللّه)، و المقصود من العلميّ هو الظنون الخاصّة كخبر الثقة مثلا الذي يدلّ على اعتباره أدلّة خاصّة كخبر الثقلين الوارد متواترا عن طريق الخاصّة و العامّة (2) و الثابت به اعتبار الظنّ الحاصل من ظواهر القرآن الشريف و السنّة الصادرة عن العترة الطاهرة (عليهم السّلام)، و أيضا الظنّ الحاصل من فتوى المجتهد المعتبر شرعا بمقتضى قوله (عليه السّلام): «يا أبان! اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس، فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك» (3).

____________

(1) إشارة إلى الأحكام المترتّبة على المقدّمات الأربع المعروفة بدليل الانسداد التي ثبت بها اعتبار الظنّ و حجيّته من أيّ طريق حصل، حتّى من طيران الغراب و جريان الميزاب و الرمل و الجفر و الاسطرلاب و ظواهر الكتاب و السنّة و غيرها من امور أخر. ثمّ اعلم أنّ مقدّمات الانسداد لم تجي‏ء في كلام أحد من الانسداديّين حتّى القمّيّ (رحمه اللّه)، بل هي مستنبطة من مبناهم الذي التزموا به، و هو اختصاص ظواهر الكتاب و السنّة بالمقصودين بالإفهام لا غيرهم، و لذا قال المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه): «نعم؛ لو قلنا بمقالة المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) من أنّ اعتبار الظهورات مقصور بمن قصد إفهامه من الكلام- إلى أن قال-: كان لدليل الانسداد مجال، بل ممّا لا بدّ منه ...» (فوائد الاصول 3: 229).

(2) انظر مسند أحمد 3: 388، و 393 (3: 14 و 17)، الرقم 10720 و 10747، و 5: 492 و 500 (4: 367 و 371)، الرقم 18780 و 18826، و 6: 233 و 244 (5: 182 و 190)، الرقم 21068 و 21145، و المعجم الكبير 3: 62، الرقم 2678، و 5: 154، الرقم 4922 و 4923 و 4969 و 4980 و 4981 و 5025 و ...، و بحار الأنوار 2: 100، الحديث 59.

(3) رجال النجاشي: 10، الرقم 7.

393

اعلم أنّ الدليل الدالّ على اعتبار الكتاب و السنّة من باب الظنّ الخاصّ لا ينحصر في حديث الثقلين‏ (1)، بل يدلّ على اعتبار كلّ منهما دليل خاصّ آخر أيضا.

أمّا الكتاب، فيدلّ على اعتباره قوله (عليه السّلام): «اللّه اللّه في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم» (2).

و أمّا السنّة فدليل اعتباره قوله (عليه السّلام) مثلا: «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما يروي عنّا ثقاتنا» (3).

و هكذا لا ينحصر دليل اعتبار الاجتهاد و الفتوى أيضا في حديث أبان، بل يدلّ عليه أدلّة اخرى كقوله (عليه السّلام): «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» (4).

البحث حول المقدّمة الثالثة من مقدّمات الانسداد

إذا عرفت ذلك كلّه، فاعلم أنّه لو فرضنا المقدّمة الثالثة «عدم وجوب الاحتياط» لا «عدم الجواز»- كما هو المعروف عند القائلين بالانسداد- يكون مقتضاه جواز العمل بالظنّ المطلق لا وجوبه، فلا يلزم منه عدم جواز الأخذ بالاحتياط.

____________

(1) لا يخفى أنّه استشكل المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) في دلالة حديث الثقلين على ما ادّعيناه من حيث كونه ظنّا خاصّا. (انظر قوانين الاصول 2: 102 و ما بعده).

(2) نهج البلاغة: 540 (47- و من وصيّة له (عليه السّلام) للحسن و الحسين (عليهما السّلام)).

(3) وسائل الشيعة 18: 108، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40.

(4) كمال الدين: 511 ضمن الحديث 4، و وسائل الشيعة 18: 101، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.

394

و بعبارة اخرى: إنّ لازم القول بعدم وجوب الاحتياط شرعا جواز الأخذ بالاحتياط (1) و الرخصة في ترك العمل بالظنّ‏ (2) و لو مع التمكّن من تحصيله تفصيلا، مع أنّ المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) حكم فيه بتقديم الامتثال الظنّيّ التفصيليّ بالظنّ المطلق على الاحتياط و الامتثال العلميّ الإجماليّ‏ (3)، و لذا تعجّب منه المصنّف (رحمه اللّه) و قال: «و العجب ممّن يعمل بالأمارات من باب الظنّ المطلق ...» (4).

____________

(1) إشارة إلى ما ذكرناه آنفا من التخيير.

(2) و سيصرّح بذلك عن قريب.

(3) راجع قوانين الاصول 2: 144. يناسب الرجوع إلى مبحث الانسداد للردّ على المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه)، انظر فرائد الاصول 1: 419.

(4) أقول: استبعد المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) تعجّب المصنّف (رحمه اللّه) و قال: «و الإنصاف: أنّ تعجّب الشيخ ليس في محلّه، فإنّ المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) من القائلين بالكشف، فيكون حال الظنّ حال العلم [أي حجّيّة الظنّ المكشوف شرعا بمنزلة العلم التفصيليّ، تعبّدا] ...» (فوائد الاصول 3: 71)، ثمّ لا يخفى قد دفع الاستبعاد المذكور بعض محشّي الكفاية و قال (رحمه اللّه): «بطلان الاحتياط هو مبنى الكشف، كما أنّ عدم وجوبه مبنى الحكومة، فتعيّن الامتثال الظنّيّ المترتّب على بطلان الاحتياط إنّما هو على الكشف دون الحكومة؛ إذ المفروض جواز الاحتياط عليها، لا بطلانه. و من هنا يظهر: أنّ تعجّب الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من ذهاب من يعمل بالطرق و الأمارات من باب الظنّ المطلق إلى تقديم الامتثال الظنّيّ على الاحتياطيّ في محلّه؛ لأنّ حجّيّة الظنّ كشفا متوقّفة على بطلان الاحتياط لا جوازه، بخلاف حجّيّته على الحكومة؛ لجواز الاحتياط عليها، فتقديم الامتثال الظنّيّ عليه- بناء على الحكومة- لا يخلو من التعجّب؛ إذ لا منشأ لتقديمه عليه بعد فرض جواز الاحتياط أيضا. نعم، لو كان تعجّبه (قدّس سرّه) ناشئا من مجرّد العمل بالظنّ المطلق- و لو على الحكومة- لم يكن في محلّه».

(منتهى الدراية 4: 201، الهامش 1).

395

ثمّ يذهب إلى عدم صحّة عبادة تارك طريق الاجتهاد و التقليد [1] ....

____________

و بالجملة، فحيث كان مبنى المحقّق القمّيّ (قدّس سرّه) تقديم الامتثال الظنّيّ التفصيليّ بالظنّ المطلق على الاحتياط، ادّعى بطلان عمل العامل بالاحتياط التارك للعمل بالظنّ التفصيليّ الحاصل من الاجتهاد و التقليد، مع أنّه (رحمه اللّه) يرى حجّيّتهما من باب الظنّ المطلق الثابت حجّيّته بمقدّمات الانسداد التي ثالثتها عدم وجوب الاحتياط، لا عدم جوازه.

بطلان عبادة تارك طريق الاجتهاد و التقليد عند المحقّق القمّيّ‏

[1] إشارة إلى قول المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) ببطلان عمل غير المستند إلى الاجتهاد و التقليد- كالمحتاط في عباداته بإتيان الصلاة مع الاستعاذة مثلا عند الشكّ في جزئيّتها للصلاة- مع أنّه عرفت صحّته شرعا.

و الحاصل: أنّ الفتوى مثلا بعد أن كانت عنده (رحمه اللّه) من الظنون المطلقة التي ثبت اعتبارها بالمقدّمات الأربع التي ثالثتها عدم وجوب الاحتياط، لا ينبغي له أن يلتزم بتقديم الامتثال الظنّيّ المطلق باعتبار كونه تفصيليّا، على الامتثال العلميّ باعتبار كونه إجماليّا. نعم، لا بأس أن يلتزم به‏ (1) من جعل المقدّمة الثالثة عدم جواز الاحتياط و بطلانه‏ (2).

____________

(1) أي بتقديم الامتثال الظنّيّ على الامتثال العلميّ الإجماليّ.

(2) أقول: ما نسب إلى المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) من بطلان عمل تارك طريقي الاجتهاد و التقليد أصله من المشهور، على ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) في خاتمة مبحث البراءة و الاشتغال، و قال: «قد-

396

و الأخذ بالاحتياط [1]، و لعلّ الشبهة [2] من جهة اعتبار قصد الوجه.

____________

فائدة: اعلم أنّه طرح هذا البحث- أعني جواز العمل الاحتياطيّ مع التمكّن من الامتثال الظنّيّ التفصيليّ- المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) و صوّر فيها أربع صور، و حكم في الأوّل منها بتقديم الامتثال الاحتياطيّ على غيره، و حكم في الثاني و الثالث منها بتساوي الامتثالين، و حكم في الأخير منها بعكس الأوّل تأييدا لما اختاره القمّيّ (رحمه اللّه)، و قال: «و عليه فلا مناص عن الذهاب إلى بطلان عبادة تارك طريقي التقليد و الاجتهاد ...» (1).

[1] مثال الأخذ بالاحتياط الاجتهاديّ: أن يفتي المجتهد المستنبط وجوب صلاة الظهر مثلا، بالجمع بينه و بين الجمعة احتياطا، و أمّا مثال الأخذ بالاحتياط التقليديّ: أن يحتاط العامّيّ الذي وظيفته تقليد المجتهد المعتقد بوجوب الظهر، بالجمع بين رأيه و رأي المجتهد المعتقد بوجوب الجمعة، فيأتي بكلتا الصلاتين معا.

[2] إشارة إلى الشبهة العارضة على المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) في ما اختاره من كون العمل بالاحتياط ممنوعا و غير صحيح شرعا، و المصنّف (رحمه اللّه) بصدد تصحيحها و تبيين منشأها، و هو اعتبار قصد الوجه.

و كأنّ المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) قال: العمل الاحتياطيّ حيث يلزم منه إهمال قصد الوجه فيلزم الحكم بكونه ممنوعا و عدم صحّته شرعا، بخلاف العمل المستند إلى‏

____________

اشتهر بين أصحابنا: أنّ عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد غير صحيحة و إن علم إجمالا بمطابقتها للواقع ...» (فرائد الاصول 2: 406). لا يخفى أنّ المشهور في صورة توافقهم لمبنى القمّيّ (رحمه اللّه) يرد عليهم أيضا ما يرد عليه من التعجّب، فافهم و لا تغفل.

(1) كفاية الاصول: 275.

397

و لإبطال هذه الشبهة، و إثبات صحّة عبادة المحتاط محلّ آخر [1].

____________

الاجتهاد و التقليد، فإنّه يراعى فيه ما هو المطلوب عندي من الامتثال التفصيليّ- و لو ظنّا- الموجب لتحقّق قصد الوجه قطعا.

إبطال مختار المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه)

[1] اعلم أنّ ما ادّعاه القمّيّ (رحمه اللّه) و اختاره من ممنوعيّة العمل الاحتياطيّ- و لو مع عدم استلزامه التكرار- بعيد عن الصواب، بل باطل قطعا، لكن أغمضنا عنه؛ خوفا من الإطناب و رعاية للاختصار و نثبت بطلانه في المحلّ المناسب له إن شاء اللّه.

أقول: قد أنجز المصنّف (رحمه اللّه) وعده هذا في موارد متعدّدة:

منها: في مبحث الانسداد، حيث قال (رحمه اللّه): «و ممّا ذكرنا ظهر أنّ القائل بانسداد باب العلم و انحصار المناص في مطلق الظنّ ليس له أن يتأمّل في صحّة عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد إذا أخذ بالاحتياط- إلى أن قال-: فالأخذ بالظنّ و ترك الاحتياط عنده من باب الترخيص و دفع العسر و الحرج، لا من باب العزيمة (1) ...» (2).

و منها: في خاتمة مبحث البراءة و الاشتغال، حيث قال (رحمه اللّه): «فإنّ قيام الخبر الصحيح على عدم وجوب شي‏ء لا يمنع من الاحتياط فيه؛ لعموم أدلّة رجحان الاحتياط، غاية الأمر عدم وجوب الاحتياط، و هذا ممّا لا خلاف فيه‏

____________

(1) و لتوضيح اصطلاحيّ الرخصة و العزيمة ينبغي الرجوع إلى نهاية الوصول 1: 114، و تمهيد القواعد: 45، قاعدة 7.

(2) فرائد الاصول 1: 419.

398

و لا إشكال ...» (1).

و منها: في ذاك المبحث أيضا، حيث قال (رحمه اللّه): «إنّ الجاهل التارك للطريقين الباني على الاحتياط على قسمين؛ لأنّ إحرازه للواقع تارة لا يحتاج إلى تكرار العمل، كالآتي بالسورة في صلاته احتياطا- إلى أن قال-: و اخرى يحتاج إلى التكرار، كما في المتباينين- إلى أن قال-: أمّا الأوّل فالأقوى فيه الصحّة بناء على عدم اعتبار نيّة الوجه في العمل‏ (2)، و الكلام في ذلك قد حرّرناه في الفقه في نيّة الوضوء (3) ...» (4).

____________

(1) فرائد الاصول 2: 405.

(2) أقول: بعد ما نفرض محلّ البحث الاحتياط الغير المستلزم للتكرار- كإتيان الصلاة مع الاستعاذة مثلا- فلازم القول باعتبار قصد الوجه هو وجوب رعاية قصد الوجه حتّى في الأجزاء و الشرائط للصلاة أيضا، مضافا إلى وجوب رعايته في أصل الصلاة، مع أنّ المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) لا يلتزم بذلك قطعا. نعم، قد التزم به العلّامة- أعلى اللّه مقامه- على ما نسب إليه المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث البراءة و الاشتغال فقال (رحمه اللّه): «و لذا صرّح بعضهم كالعلّامة (رحمه اللّه) و يظهر من آخر منهم: وجوب تميّز الأجزاء الواجبة من المستحبّات ليوقع كلّا على وجهه» فرائد الاصول 2: 320. أيضا راجع فرائد الاصول 1: 416 حيث قال (رحمه اللّه): «... مذهب جماعة من العلماء بل المشهور بينهم اعتبار معرفة الوجه، بمعنى تمييز الواجب عن المستحبّ اجتهادا أو تقليدا- قال في الإرشاد في أوائل الصلاة: «يجب معرفة واجب أفعال الصلاة من مندوبها، و إيقاع كلّ منهما على وجهه- ...» انظر إرشاد الأذهان 1: 251، و قواعد الأحكام 1: 269، و جامع المقاصد 2: 221، و مفتاح الكرامة 6: 609- 622.

(3) انظر كتاب الطهارة للمصنّف 2: 44 عند قوله (رحمه اللّه): «و قد تلخّص ممّا ذكرنا أنّه لا يعتبر شي‏ء في الوضوء على وجه الغائيّة إلّا القربة ...». و أيضا انظر فرائد الاصول 1: 71 و 417، و 2: 408.

(4) فرائد الاصول 2: 407.

399

و أمّا لو توقّف الاحتياط على التكرار [1]، ففي جواز الأخذ به و ترك تحصيل الظنّ بتعيين [2] المكلّف به أو عدم الجواز [3]، وجهان:

من أنّ العمل بالظنّ المطلق لم يثبت إلّا جوازه [4] و عدم وجوب تقديم الاحتياط عليه، أمّا تقديمه على الاحتياط فلم يدلّ عليه دليل.

____________

تحرير البحث حول الاحتياط المستلزم للتكرار

[1] إشارة إلى كفاية الامتثال الإجماليّ في ما إذا استلزم الاحتياط تكرار العمل.

[2] الجارّ يتعلّق بالظنّ.

[3] الألف و اللام عوض عن المضاف إليه، و يكون تقديره: عدم جواز الأخذ بالاحتياط.

وجه جواز الأخذ بالاحتياط المستلزم للتكرار

[4] هذا دليل جواز الأخذ بالاحتياط و لو استلزم التكرار (1)، و ملخّص الكلام: أنّ الأخذ بالظنّ و العمل عليه- بعد تسليم تماميّة مقدّمات الانسداد- جائز، لا واجب، فلا يحكم بتقديمه على الاحتياط، و هو واضح لا خفاء فيه، كما صرّح به المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «أمّا تقديمه على الاحتياط فلم يدلّ عليه دليل ...».

____________

(1) و لا يخفى أنّ مفاد هذا القول أيضا التخيير، كالتخيير في الاحتياط الغير المستلزم للتكرار.

400

و من أنّ الظاهر [1] أنّ تكرار العبادة احتياطا في الشبهة الحكميّة مع ثبوت الطريق إلى الحكم الشرعيّ ...

____________

و بعبارة أوضح: إمضاء الشارع الأقدس الحجج الشرعيّة- كخبر الواحد الثقة مثلا بناء على حجّيّته من باب الظنّ المطلق- تسهيلا على العباد غايته الإجزاء و صحّة العمل المستند إليه، و أمّا كون أخذه واجبا بحيث لا يكون تركه و الأخذ بالاحتياط فيه جائزا فلا دليل عليه.

وجه عدم جواز الاحتياط المستلزم للتكرار في خصوص الشبهة الحكميّة

[1] هذا دليل عدم جواز الأخذ بالاحتياط في خصوص الشبهة الحكميّة، قال صاحب الأوثق (رحمه اللّه): «التقييد بذلك للتنبيه على عدم جريان دليل الانسداد في الشبهات الموضوعيّة؛ لانفتاح باب العلم فيها غالبا شرعا؛ لأجل وجود الأمارات الشرعيّة فيها مثل اليد و السّوق و قاعدة الطهارة و البيّنة و نحوها، فلا تغفل» (1).

و بالجملة، الشبهات الموضوعيّة (2) لا يتصوّر فيها انسداد أصلا؛ لوجود الطريق فيها إلى تعيين المشكوك عرفا- كالأمارات المذكورة- فضلا عن ترتيب مقدّماته‏ (3) و إثبات جواز العمل بالظنّ فيها، و لذا لم يقل أحد بالانسداد في الشبهات الموضوعيّة، بخلاف الشبهات الحكميّة (4)، فإنّه حيث يتصوّر فيها

____________

(1) أوثق الوسائل: 43.

(2) أي الشبهات التي منشأ الشبهة فيها امور خارجيّة.

(3) أي مقدّمات الانسداد.

(4) أي الشبهات التي منشأ الشبهة فيها الشارع الأقدس.

401

- و لو كان هو الظنّ المطلق [1]- خلاف السيرة المستمرّة بين العلماء، مع أنّ جواز العمل بالظنّ إجماعيّ [2]، فيكفي [3] ....

____________

الانسداد و يمكن تحصيل الظنّ تفصيلا، فيصحّ أن يقال: إنّ مع ثبوت الطريق إلى الحكم الشرعيّ فيها- كالظنّ المطلق الانسداديّ- لا يجوز ترك ذاك الطريق و الرجوع إلى الأخذ بالاحتياط و العمل عليه عند المتشرّعة.

[1] حرف «لو» هنا وصليّة، و الضمير المستتر في «كان» راجع إلى «الطريق».

و ملخّص الكلام: أنّ مع كون الظنّ المطلق عند المتشرّعة طريقا للوصول إلى تعيين الحكم الشرعيّ لا تصل النوبة إلى الأخذ بالاحتياط و العمل به. نعم، عند انتفاء الطريق إليه يجب الأخذ به كما ذهب إليه جماعة من العلماء، و التفصيل في محلّه، و سيشير إليه المصنّف (رحمه اللّه) في خاتمة مبحث البراءة و الاشتغال‏ (1).

[2] إشارة إلى دليل آخر لعدم جواز الأخذ بالاحتياط.

[3] فاعله قوله (رحمه اللّه): «احتمال عدم جوازه و اعتبار الاعتقاد التفصيليّ في الامتثال»، فكأنّه (رحمه اللّه) قال: يكفي في الحكم ببطلان الاحتياط المستلزم للتكرار احتمال كون الامتثال التفصيليّ مطلوبا عند الشارع الأقدس و لازم الرعاية عنده و لو ظنّا، و احتمال كون الامتثال الإجماليّ غير جائز لديه، و لا يخفى أنّ هذه الدعوى بعينها هي الدعوى الثالثة من الدعاوي الستّة المذكورة سابقا (2).

____________

(1) انظر فرائد الاصول 2: 409.

(2) انظر الصفحة 374، ذيل عنوان «أدلّة القائلين بعدم كفاية الامتثال الإجماليّ في العبادات إذا استلزم التكرار».

402

في عدم جواز الاحتياط بالتكرار احتمال عدم جوازه و اعتبار [1] الاعتقاد التفصيليّ في الامتثال.

و الحاصل [2]: أنّ الأمر دائر بين تحصيل الاعتقاد التفصيليّ و لو كان ظنّا [3]، و بين تحصيل العلم بتحقّق الإطاعة و لو إجمالا [4]، فمع قطع النظر عن الدليل الخارجيّ [5] يكون الثاني مقدّما على الأوّل في مقام الإطاعة بحكم العقل‏

____________

قال المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الانسداد: «إنّ العمل بالاحتياط مخالف للاحتياط؛ لأنّ مذهب جماعة من العلماء- بل المشهور بينهم- اعتبار معرفة الوجه ...» (1).

[1] عطف على قوله: «عدم».

حاصل الكلام في الأخذ بالاحتياط المستلزم للتكرار

[2] هذا توضيح آخر للوجهين المذكورين.

[3] أي ظنّا مطلقا.

[4] أي و لو تحقّقت الإطاعة إجمالا، بأن يعمل بمقتضى الاحتياط.

[5] إشارة إلى ما ادّعاه آنفا من أنّ الاحتياط التكراريّ على خلاف السيرة المستمرّة عند المتشرّعة، و غرضه (رحمه اللّه) أنّ تكرار العمل بالأخذ بالاحتياط يوجب القطع بإتيان المكلّف به خارجا، و تقديمه على الامتثال الظنّيّ التفصيليّ بالظنّ المطلق بحكم العقل و العقلاء أوضح من أن يخفى.

____________

(1) فرائد الاصول 1: 416.

403

و العقلاء، لكن بعد العلم بجواز الأوّل و الشكّ في جواز الثاني [1] في الشرعيّات [2]- من جهة منع جماعة من الأصحاب [3] ....

____________

اعلم أنّ بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) علّل هذا (1) بأنّ: «العلم من حيث هو مقدّم على الظنّ بحكم العقل و العقلاء» (2).

هذا بناء على قطع النظر عن سيرة المتشرّعة التي ادّعيت آنفا، و إلّا يلزم مع التوجّه إليها و بلحاظها تقديم الامتثال التفصيليّ- و لو كان ظنّيّا مطلقا انسداديّا- على الامتثال الإجماليّ و لو كان علميّا، فافهم.

[1] يعني بعد العلم بحجّيّة الظنّ المطلق و الشكّ في حجّيّة الاحتياط.

[2] لعلّه احتراز عن الامور الخارجيّة، و المراد أنّه لا منافاة بين رجحان الامتثال العلميّ في الموضوعات الخارجيّة و رجحان الامتثال الظنّيّ في الأحكام الشرعيّة.

[3] مراده من الجماعة السيّد أبو المكارم‏ (3) و المحقّق الحلّي‏ (4) و العلّامة (5) و المحقّق الثاني رحمهم اللّه‏ (6)، و هؤلاء كلّهم ذكروا اعتبار نيّة الوجه في الوضوء.

و لا يخفى أنّ لفظة «من» هنا نشويّة؛ يعني أنّ منشأ الشكّ في حجّيّة الاحتياط منع جماعة من الأصحاب عن العمل به.

____________

(1) أي تقدّم العلم على الظنّ بحكم العقل و العقلاء.

(2) قلائد الفرائد 1: 98.

(3) غنية النزوع 1: 53.

(4) شرائع الإسلام 1: 20.

(5) نهاية الإحكام 1: 29.

(6) جامع المقاصد 1: 201.

404

عن ذلك [1] و إطلاقهم اعتبار نيّة الوجه [2]- فالأحوط ترك ذلك [3] ...

____________

[1] الجارّ يتعلّق ب «منع»، و لفظة «ذلك» إشارة إلى الاحتياط.

[2] عطف على قوله: «منع ...»، و هذا إشارة إلى مذهب القائلين باعتبار قصد الوجه مع التمكّن من تحصيل الظنّ بالحكم، و لا يخفى أنّه بإطلاقه يشمل كلتا صورتي التمكّن من الامتثال العلميّ التفصيليّ و الظنّيّ التفصيليّ، و الظنّ منه يشمل أيضا الظنّيّ بظنّ خاصّ أو الظنّيّ بظنّ مطلق، فبناء عليه فالأحوط ترك الامتثال الاحتياطيّ التكراريّ و الالتزام بالامتثال الظنّيّ التفصيليّ بالظنّ المطلق.

و الحاصل: أنّ منشأ الشكّ في جواز الاحتياط أمران: أحدهما: منع جماعة من الأصحاب عن أخذه و العمل به، و ثانيهما: كون نيّة الوجه معتبرة عندهم مطلقا و هي تنافي الاحتياط التكراريّ قطعا.

[3] هذا نتيجة و تفريع على «العلم بجواز العمل بالظنّ و حجّيّته، و الشكّ في جواز العمل بالاحتياط»؛ يعني الأحوط ترك العمل بالاحتياط، و وجهه ما هو المعروف عند الاصوليّين من أنّ الشكّ في الحجّيّة مساوق للقطع بعدم الحجّيّة و إليه أشار المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) و قال: «مع الشكّ في التعبّد به يقطع بعدم حجّيّته و عدم ترتيب شي‏ء من الآثار عليه، للقطع بانتفاء الموضوع معه ...» (1).

و بعد ذلك كلّه قد اعترض عليه‏ (2) صاحب الأوثق (رحمه اللّه)(3).

____________

(1) كفاية الاصول: 280.

(2) أي على كلام المصنّف (رحمه اللّه).

(3) راجع أوثق الوسائل: 43 عند قوله (رحمه اللّه): «لا يخفى أنّه بعد استقلال العقل و ثبوت بناء