الوسائل إلى غوامض الرسائل‏

- السيد رسول الموسوي الطهراني المزيد...
664 /
405

و إن لم يكن واجبا [1]؛ لأنّ نيّة الوجه لو قلنا باعتباره [2] فلا نسلّمه إلّا مع العلم بالوجه أو الظنّ الخاصّ [3]، ....

____________

[1] الضمير المستتر يعود إلى «ترك ذلك (الاحتياط)»، أي نحن و إن ادّعينا آنفا وجوب ترك الامتثال الاحتياطيّ، لكن هو من باب الاحتياط؛ فرارا من محذور مخالفة جماعة من الأصحاب، لا من باب الوجوب؛ لفقد الدليل القطعيّ على اعتبار قصد الوجه مطلقا.

[2] الضمير يرجع إلى «نيّة»، فيلزم تأنيثه، إلّا أن يدّعى أنّه يرجع إلى معناها، و هو القصد، فلا تغفل.

[3] الضمير المنصوب في قوله: «لا نسلّمه» يرجع إلى «اعتبار قصد الوجه»، و المقصود ما أشرنا إليه آنفا من عدم الدليل على اعتبار قصد الوجه مطلقا؛ إذ الأدلّة الدالّة عليه تختصّ بموارد العلم بالوجه- كالخبر المتواتر مثلا-، أو الظنّ الخاصّ- كخبر الواحد الثقة مثلا-، و أمّا في مورد الظنّ المطلق الثابت اعتباره بمقدّمات الانسداد فلا نسلّم دلالته على اعتباره أصلا، كي تصل النوبة إلى الحكم بتقديمه على الاحتياط، و لذا قال (رحمه اللّه): «لا الظنّ المطلق» (1).

____________

العقلاء على جواز تقديم الإطاعة الإجماليّة على الإطاعة التفصيليّة الظنّيّة، لا وجه لفرض الشكّ في جواز ذلك في امتثال الأوامر الشرعيّة، و لو بملاحظة فتوى جماعة بالمنع أو باعتبار قصد الوجه؛ إذ القطع لا يجامع الشكّ ...».

(1) أقول: إنّ المقصود موارد إثبات الحكم الشرعيّ بالخبر المتواتر أو خبر الواحد الثقة فإنّ قصد الوجه على فرض تسليم اعتباره يختصّ بهذه الموارد و أمّا في موارد إثبات الحكم الشرعيّ بالظنّ المطلق فلا نسلّم اعتبار قصد الوجه فيها، و أمثلة ذلك ستجي‏ء في المباحث-

406

لا الظنّ المطلق [1] الذي لم يثبت القائل به جوازه [2] إلّا بعدم وجوب الاحتياط، لا بعدم جوازه [3]، فكيف يعقل تقديمه على الاحتياط؟

____________

[1] ذكر (رحمه اللّه) هذا في مبحث الانسداد أيضا و قال: «و ممّا ذكرنا ظهر أنّ القائل بانسداد باب العلم و انحصار المناص في مطلق الظنّ ليس له أن يتأمّل في صحّة عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد إذا اخذ بالاحتياط؛ لأنّه لم يبطل عند انسداد باب العلم إلّا وجوب الاحتياط، لا جوازه ...» (1).

و بالجملة، فبعد تماميّة دليل الانسداد يعدّ كلّ من الاحتياط و الظنّ المطلق حجّة يجوز العمل بهما عقلا بناء على الحكومة، و شرعا بناء على الكشف، و من المعلوم أنّ مع جواز العمل بكلّ واحد منهما لا يبقى مجال للحكم بتقديم أحدهما على الآخر، و إليه أشار بقوله (رحمه اللّه): «فكيف يعقل تقديمه على الاحتياط ...» أي لا يعقل تقديم الظنّ المطلق على الاحتياط.

[2] الأقرب أنّ الفعل هنا من باب الإفعال و «جوازه» مفعول به له، و الضمير في «به» يعود إلى «الظنّ المطلق» و في «جوازه» يعود إلى «العمل بالظنّ المطلق».

[3] الضمير يعود إلى «الاحتياط»، و هذا إشارة إلى مذهب الانسداديّ، كالمحقّق القمّيّ (رحمه اللّه) و غيره ممّن جعل مطلق الظنّ حجّة بالمقدّمات الأربع التي منها

____________

الآتية. و لا يخفى أنّ هذا التوضيح مع ذكر الأمثلة له في عين تماميّته و صحّته لعلّه لا يحتاج إليه بحيث جاز إبقاء ظاهر المتن بحاله بلا احتياج إليه، و الشاهد عليه كلام المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الانسداد عند قوله: «التحقيق: أنّ الظنّ بالوجه إذا لم يثبت حجّيّته فهو كالشكّ فيه، لا وجه لمراعاة نيّة الوجه معه أصلا ...» (فرائد الاصول 1: 417 و 418).

(1) فرائد الاصول 1: 419.

407

عدم وجوب الاحتياط، كما هو الحقّ، مقابل القول بعدم جوازه، كما أشرنا إليه سابقا، فكأنّه (رحمه اللّه) قال: بعد أخذ المقدّمة الثالثة «عدم وجوب الاحتياط، بل جوازه شرعا» يصير العمل بالظنّ المطلق أمرا جائزا لا واجبا، فلا يبقى مانع من الالتزام بالتخيير بين الأخذ بالظنّ المطلق و الأخذ بالاحتياط بالتقريب المتقدّم عند توضيح قوله (رحمه اللّه): «فلا إشكال ...» (1).

نعم، بناء على فرض المقدّمة الثالثة «عدم جواز الاحتياط شرعا»، لا بدّ من الالتزام بتقديم الظنّ المطلق على الاحتياط.

و بالجملة، على فرض تسليم اعتبار قصد الوجه في التعبّديّات وجوبا و ندبا، هو يختصّ بموارد إمكان العلم التفصيليّ بشي‏ء- كغسل الجنابة مثلا الذي يدلّ على وجوبه الخبر المتواتر- و يختصّ أيضا بموارد إمكان الظنّ التفصيليّ الخاصّ بشي‏ء- كغسل الجمعة مثلا، الذي يدلّ على استحبابه خبر الواحد.

و أمّا ما نحن فيه- أعني ما يتمكّن فيه من الظنّ التفصيليّ المطلق بشي‏ء؛ كالظنّ بوجوب شي‏ء من طريق الرؤيا مثلا- فلا دليل على اعتبار قصد الوجه فيه أصلا حتّى يحكم بتقديم الامتثال التفصيليّ الظنّيّ على الامتثال العلميّ الإجماليّ، و الوجه فيه ما عرفته مكرّرا من فرض المقدمة الثالثة «عدم وجوب الاحتياط»، و إليه أشار بقوله: «فكيف يعقل تقدّمه على الاحتياط ...».

____________

(1) انظر الصفحة 389، ذيل عنوان «هل يجزي الاحتياط في ما لا يستلزم التكرار مع التمكّن مع الامتثال بالظنّ التفصيليّ المطلق».

408

و لا يخفى أنّ أمثلة ذلك كثيرة؛ مثل العلم التفصيليّ بوجوب الصلوات اليوميّة و الظنّ التفصيليّ باستحباب صلاة الليل مثلا، فلا يبعد الالتزام بوجوب مراعاة قصد الوجه فيهما، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ وجوبه مثلا ثبت بالظنّ المطلق الغير الثابت اعتباره بدليل خاصّ، فلا تجب مراعاته بعد كون الظنّ الغير المعتبر في حكم الشكّ، و لذا قال المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث الانسداد: «التحقيق: أنّ الظنّ بالوجه إذا لم يثبت حجّيّته فهو كالشكّ فيه، لا وجه لمراعاة نيّة الوجه معه أصلا ...» (1).

ملخّص الكلام في المقام: أنّ بناء على الأوّل‏ (2) لو أخذ أحد الاحتياط مبنى له في مقام العمل من باب «أفضل الأعمال أحمزها»، لكانت رتبة الامتثال العلميّ الإجماليّ مقدّمة على الامتثال الظنّيّ التفصيليّ، و يكون هو مؤخّرا عنه، فلا يبقى إذا مانع من الالتزام بالتخيير، و هو المطلوب.

و بالجملة، المقدّمة الثالثة سواء فرضناها عدم وجوب الاحتياط أو عدم جوازه، يثبت بها- بعد ضمّ مرجوحيّة الشكّ و الوهم إليها- حجّيّة الامتثال ظنّا، إلّا أنّه مخيّر بين الأخذ بالاحتياط و الأخذ بالظنّ بناء على الفرض الأوّل، و أمّا بناء على الفرض الثاني فيلزم الالتزام بالأخير، لا غير.

هذا تمام الكلام في الامتثال التفصيليّ الظنّيّ بالظنّ المطلق، و أمّا الظنّيّ بالظنّ الخاصّ، فيجي‏ء توضيحه ذيلا مفصّلا.

____________

(1) فرائد الاصول 1: 417 و 418.

(2) أعني عدم وجوب الاحتياط، بل جوازه شرعا.

409

و أمّا لو كان الظنّ ممّا ثبت اعتباره بالخصوص [1]، فالظاهر [2] أنّ تقديمه على الاحتياط إذا لم يتوقّف على التكرار مبنيّ على اعتبار قصد الوجه، ...

____________

حكم الامتثال الظنّيّ التفصيليّ بالظنّ الخاصّ‏

[1] هذا عدل قوله: «إن كان ممّا لم يثبت اعتباره إلّا من جهة دليل الانسداد ...». شرع المصنّف (رحمه اللّه)- بعد الفراغ من بيان حكم المكلّف المتمكّن من الامتثال العلميّ الإجماليّ و الظنّيّ التفصيليّ بالظنّ المطلق إثباتا و نفيا- في بيان حكم المكلّف المتمكّن من الامتثال التفصيليّ الظنّيّ بالظنّ الخاصّ، و مثاله الواضح قيام خبر الثقة أو فتوى المجتهد بشي‏ء- كوجوب الصلاة بلا استعاذة أو وجوب صلاة الجمعة مثلا- عند شخص، فإنّ وظيفة المكلّف هنا هل هو خصوص الامتثال التفصيليّ الظنّيّ مع قصد الوجه و التمييز، بأن يأتي بالصلاة بلا استعاذة و أن يأتي بالجمعة وحدها فحسب، أو التخيير بينه و بين الامتثال الإجماليّ العلميّ بإتيان الصلاة مع الاستعاذة و إتيان الظهر و الجمعة معا احتياطا؟ فيه وجهان اللذان قد مرّ توضيحهما عند الكلام في فرض التمكّن من الامتثال الظنّيّ بالظنّ المطلق من التخيير بين الامتثالين و تعيّن الامتثال الظنّيّ قطعا.

و لا يخفى أنّ المصنّف (رحمه اللّه) هنا لم يلتزم بقول معيّن و لم يختر مذهبا خاصّا، بل ما زال أثبت شيئا مرّة و نفاه اخرى، بحيث يصحّ أن يقال في حقّه: في كلّ يوم بل في كلّ سطر من كلامه هو في شأن، فافهم.

[2] خبره قوله: «مبنيّ على اعتبار قصد الوجه» و المقصود اعتبار قصد الوجه‏

410

و حيث قد رجّحنا في مقامه عدم اعتبار نيّة الوجه، فالأقوى [1] جواز ترك تحصيل الظنّ و الأخذ بالاحتياط. و من هنا [2] يترجّح القول بصحّة عبادة المقلّد إذا أخذ بالاحتياط و ترك التقليد، إلّا أنّه خلاف الاحتياط [3]؛ من جهة وجود القول بالمنع من جماعة [4].

____________

في جميع الأجزاء، و يعبّر عنه أحيانا بقصد التمييز، و قد عرفت سابقا نسبة ذلك إلى العلّامة أعلى اللّه مقامه‏ (1).

[1] هذا نتيجة قوله (رحمه اللّه): «عدم اعتبار نيّة الوجه» و جواب قوله «حيث».

[2] أي و ممّا ذكرنا من عدم اعتبار نيّة الوجه.

[3] هذه عبارة اخرى لقوله (رحمه اللّه) آنفا: «فالأحوط ترك ذلك»، فيعود الضمير المنصوب إلى «الأخذ بالاحتياط».

[4] لفظة «من» هنا نشويّة، و المقصود أنّ الأخذ بالاحتياط خلاف الاحتياط و منشؤه منع جماعة من الأصحاب عنه، و يحتمل أن يكون كلامهم هو الحقّ واقعا، فافهم.

و لا يخفى أنّ المراد من الجماعة هنا غير الجماعة المذكورين آنفا، فإنّهم- أي الجماعة هناك- قد اعتبروا نيّة الوجه في أصل العمل؛ لا في أجزائه و لذا منعوا عن الاحتياط التكراريّ فقط لا غير، بخلاف الجماعة المانعين هنا، فإنّهم مضافا إلى هذا المنع قد منعوا عن الاحتياط الغير التكراريّ أيضا، كما مرّ توضيحه سابقا (2).

____________

(1) انظر الصفحة 398، الهامش 2.

(2) انظر الصفحة 397 و 398، ذيل عنوان «إبطال مختار المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه)».

411

و إن توقّف الاحتياط على التكرار فالظاهر- أيضا- جواز التكرار، بل أولويّته على الأخذ بالظنّ الخاصّ؛ لما تقدّم: من أنّ تحصيل الواقع بطريق العلم و لو إجمالا أولى [1] من تحصيل الاعتقاد الظنّيّ به [2] و لو كان تفصيلا. و أدلّة الظنون الخاصّة [3] إنّما دلّت على كفايتها عن الواقع، لا تعيّن العمل بها في مقام الامتثال.

____________

[1] وجه الأولويّة: إمكان وقوع الخطأ في الاعتقاد التفصيليّ الظنّيّ و لو مع كونه ظنّا خاصّا معتبرا، بخلاف الاحتياط فإنّه يدرك به المصالح الواقعيّة النفس الأمريّة، كما لا يخفى.

[2] الضمير يعود إلى «الواقع».

إشكال و جواب حول الأخذ بالاحتياط و تشريعه‏

[3] هذا جواب عن إشكال مقدّر، بتقريب أنّ أدلّة حجّيّة الظنون الخاصّة تدلّ بظاهرها على وجوب العمل بها متعيّنا، و مع هذا لا يبقى مجال للمتمكّن من تحصيل خبر الثقة و فتوى المجتهد مثلا أن يرفع اليد عنهما و يأخذ بالاحتياط بتكراره العمل.

و بعبارة اخرى: مع وجود أدلّة دالّة على وجوب العمل بالظنون الخاصّة- كخبر الثقة و الفتوى- لا يبقى وجه لتشريع الاحتياط.

و الجواب عنه: أنّ غاية ما يستفاد من تلك الأدلّة إجزاء العمل بها و أنّ العمل بها مبرئ للذمّة و إن لم يصب الواقع، فلا دلالة لها على تعيّن الأخذ بها و العمل عليها.

و بعبارة اخرى: أنّ وظيفة المكلّف هو تحصيل تكليفه من طرق شرعيّة معتبرة، و تشريع العمل بالخبر و الفتوى هو من باب أنّهما أسهل الطرق في مقام الامتثال، لا أنّهما متعيّنان لا غير.

412

إلّا أنّ شبهة اعتبار نيّة الوجه- كما هو قول جماعة، بل المشهور بين المتأخّرين- جعل الاحتياط في خلاف ذلك [1]، مضافا [2] إلى ما عرفت من مخالفة التكرار للسيرة المستمرّة.

مع إمكان أن يقال: إنّه إذا شكّ- بعد القطع بكون داعي الأمر هو التعبّد بالمأمور به [3]، ...

____________

و بعبارة أوضح: الرجوع إلى تلك الظنون الشرعيّة هو من باب الرخصة و تسهيل الأمر على العباد، لا من باب التعيّن و العزيمة، و التفصيل في محلّه‏ (1).

[1] و هذا أيضا عبارة اخرى لقوله آنفا: «فالأحوط ترك ذلك»، و لا يخفى أنّ «جعل» خبر قوله: «أنّ شبهة ...» فعلى هذا يلزم تأنيثه، إلّا أن يدّعى أنّه خبر قوله:

«اعتبار»، فافهم، و لفظة «ذلك» إشارة إلى الاحتياط.

[2] هذا بمنزلة دليل آخر على كون الاحتياط التكراريّ خلاف الاحتياط، كما أنّ قوله (رحمه اللّه): «مع إمكان» بمنزلة دليل ثالث، فانتظر توضيحه.

إرجاع الشكّ في المقام إلى الشكّ في المحصّل الموجب للاحتياط (2)

[3] هذا يصحّ في العبادات خاصّة؛ لأنّ داعي الأمر بالصلاة مثلا هو محض التعبّد و مجرّد حصول التقرّب بإتيان المأمور به، بخلاف التوصّليّات، حيث إنّ‏

____________

(1) انظر على سبيل المثال: نهاية الوصول 1: 114، مبحث السابع: في الرخصة و العزيمة، و تمهيد القواعد: 45، قاعدة 7، و أوثق الوسائل: 63 و 340، و فوائد الاصول 3: 118، و مصباح الاصول 3: 87.

(2) اعلم أنّ الاحتياط هنا غير العمل الاحتياطي الذي هو محلّ الخلاف إثباتا و نفيا، فلا تغفل.

413

داعي الأمر بها هو مجرّد التحقّق خارجا، و لذا يقال: المطلوب في التوصّليّات هو صرف الوجود في الخارج بأيّ وجه اتّفق، كما مرّ توضيحه في أوّل المبحث في ضمن التمثيل بدفن الميّت‏ (1).

فإذا شكّ المكلّف عند قيام الخبر أو فتوى المجتهد بوجوب صلاة الجمعة مثلا في أنّ الداعي له هل هو الإتيان بها متميّزة عمّا عداها، أو هو الإتيان بها و لو في ضمن أمرين كالظهر و الجمعة معا، فالمتعيّن هو الأوّل، إمّا من باب قاعدة اقتضاء الاشتغال اليقينيّ البراءة اليقينيّة، أو من باب قاعدة دوران الأمر بين التعيين و التخيير، أو من باب قاعدة لزوم تحصيل الغرض، أي غرض المولى‏ (2).

أقول: إرجاع الشكّ في المقام‏ (3) إلى المحصّل الموجب للاحتياط و إن ادّعاه‏

____________

(1) انظر الصفحة 372.

(2) لا يخفى أنّ المصنّف (رحمه اللّه) سيذكر هذه العناوين و الأبواب الثلاثة مفصّلا في محلّه المناسب- أعني كتاب البراءة و الاشتغال- إلّا أنّنا اكتفينا هنا بالأخير منها، فإنّه (قدّس سرّه) بعد إجراء البراءة في الشكّ بين الأقلّ و الأكثر مع كون الشكّ فيه شكّا في المكلّف به قال: «نعم، قد يأمر المولى بمركّب يعلم أنّ المقصود منه تحصيل عنوان يشكّ في حصوله إذا أتى بذلك المركّب بدون ذلك الجزء المشكوك، كما إذا أمر بمعجون (كالسقمونيا) و علم أنّ المقصود منه إسهال الصفراء، بحيث كان هو المأمور به في الحقيقة، أو علم أنّه الغرض من المأمور به، فإنّ تحصيل العلم بإتيان المأمور به لازم، كما سيجي‏ء في المسألة الرابعة (انظر فرائد الاصول 2: 319 و 352).

(3) أي الشكّ في الغرض الداعي بإتيان المأمور به في خصوص العبادات المطلوب فيها حصول التقرّب.

414

لا حصوله بأيّ وجه اتّفق [1]- في أنّ الداعي [2] هو التعبّد بإيجاده و لو في ضمن أمرين أو أزيد [3]، أو التعبّد بخصوصه متميّزا عن غيره، ...

____________

المصنّف (رحمه اللّه) في خاتمة مبحث البراءة و الاشتغال‏ (1)، لكنّ المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه) ردّه هناك و قال: «و توهّم الفرق بين قصد القربة و بين فروعها برجوع الشكّ فيها إلى الشكّ في المحصّل لاحتمال أن يكون لقصد الوجه مثلا دخل في حصول القربة عقلا، فلا تتحقّق الطاعة و الامتثال بدونه، فاسد، فإنّ أقصى ما يمكن أن يدّعى هو أن يكون قصد الوجه قد اعتبر قيدا في حصول القربة و تحقّق الامتثال، إلّا أنّ اعتباره على هذا الوجه إنّما يكون بجعل من الشارع؛ و ليس من المجعولات العقليّة بحيث يستقلّ العقل باعتبار قصد الوجه في حصول الطاعة؛ إذ ليس من وظيفة العقل اعتبار شي‏ء قيدا أو جزء في المأمور به، بل ذلك من وظيفة الشرع؛ فيرجع الشكّ بالأخرة إلى أخذ الشارع قصد الوجه قيدا في المأمور به و تجري فيه البراءة ...» (2).

[1] احتراز عن الواجب التوصّليّ؛ كغسل الثوب النجس مثلا.

[2] الجارّ يتعلّق بقوله: «إذا شكّ» فلا تغفل.

[3] اعلم أنّ «أمرين» ينطبق على صلاة الظهر و الجمعة عند اشتباه المكلّف به و «أزيد» ينطبق على الصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة.

____________

(1) انظر فرائد الاصول 2: 407 و 408.

(2) فوائد الاصول 4: 268 و 269.

415

فالأصل [1] عدم سقوط الغرض الداعي إلّا بالثاني، و هذا [2] ليس تقييدا في دليل تلك العبادة [3] ....

____________

أصالة عدم سقوط الغرض الداعي إلّا بإتيان المأمور به متميّزا عمّا عداه‏

[1] الأصل هنا يراد منه الاستصحاب، و المقصود أصالة عدم سقوط الغرض و استصحاب بقائه إلى زمان إتيان العبادة متميّزة عمّا عداها، فالأصل في المقام هو التعيين دون التخيير و حينئذ فالمكلّف المتمكّن من الامتثال التفصيليّ لا يجوز له الاحتياط و الامتثال الإجماليّ.

[2] أي اعتبار التعبّد بالمأمور به بخصوصه متميّزا عن غيره، و لا يخفى أنّ هذا نظير ما ذكره سابقا نقلا عن بعض بقوله: «و دعوى أنّ العلم بكون المأتيّ به مقرّبا معتبر حين الإتيان به ...»، و كيف كان، لا يخفى ما فيه من استلزامه الأصل المثبت كما ادّعاه بعض المحشّين‏ (1).

جواب عن إشكال مقدّر

[3] قد علّل القيد بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه) و قال: «و ذلك لأنّ القيد المزبور- أعني إتيانه متميّزا عمّا عداه- شرط للامتثال بالمأمور به، و هو متأخّر عن وجود

____________

(1) قال (قدّس سرّه) في أوثق الوسائل: 43: «لا يخفى أنّ استصحاب بقاء الغرض و عدم سقوطه إنّما يثبت بقاء الأمر من باب الملازمة العقليّة، فيصير الأصل مثبتا، فالأولى أن يتمسّك في المقام بحكم العقل بوجوب تحصيل غرض الشارع، و لا يحصل العلم به إلّا بإتيان المأمور به متميّزا عمّا عداه ...».

416

الأمر، لا أنّه شرط لنفس المأمور به حتّى لزم التقييد فيه و يرفعه إطلاقه» (1).

أقول: قول المحشّي: «شرط للامتثال بالمأمور به» إشارة إلى اعتبار خصوصيّة كيفيّة الإطاعة، و يعبّر عنه اصطلاحا بالشروط الثانويّة، و قوله: «شرط لنفس المأمور به» إشارة إلى اعتبار خصوصيّة في المأمور به، و يعبّر عنه اصطلاحا بالشروط الأوّليّة.

و لا يخفى أنّ التمسّك بالإطلاق و الحكم بعدم اعتبار الخصوصيّة- أي عدم اعتبار القيد- يختصّ بالصورة الأخيرة منهما (2)، و لذا لو شككنا في اعتبار جلسة الاستراحة بعد السجدتين مثلا لأخذنا بإطلاق قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ (3) و حكمنا بعدم اعتبارها (4)، و هكذا لو شككنا في اعتبار الإيمان في عتق الرقبة مثلا لأخذنا بإطلاق قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (5) و حكمنا بعدم اعتباره، و كذا سائر القيود المشكوكة المحتمل اعتبارها في المأمور به شرعا، و هذا معنى حكومة أصالة الإطلاق عقلا و شرعا إلى أن يثبت التقييد بنحو الجزم و القطع خارجا.

____________

(1) قلائد الفرائد 1: 99.

(2) أي الشكّ في اعتبار الخصوصيّة في المأمور به.

(3) البقرة: 43.

(4) أي جلسة الاستراحة.

(5) المجادلة: 3.

417

هذا كلّه في الصورة الأخيرة، و أمّا الصورة الاولى‏ (1)، فلا يجوز فيها التمسّك بالإطلاق و الحكم بعدم اعتبار تلك الخصوصيّة، و الوجه فيه تأخّر مرتبة الإطاعة خارجا عن الأمر، فإنّ الإطاعة عبارة عن الإتيان بالمأمور به بداعي الأمر المعلوم و على هذا فلا بدّ في الأمر من إحرازه أوّلا كي يتحقّق به إتيان المأمور به ثانيا فيصدق الإطاعة خارجا و إلّا يلزم محذور الدور المستحيل، كما صرّح به المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في بعض كلماته‏ (2).

أقول: فعلم بهذا البيان الجواب عن الإشكال المقدّر، أمّا الإشكال فملخّصه:

أنّ الأصل في المقام هو التخيير بين الامتثالين- أي الامتثال الإجماليّ و التفصيليّ- لا خصوص التعيين- أي الامتثال التفصيليّ رعاية لقصد الوجه- كما ادّعاه المصنّف (رحمه اللّه)، و الوجه فيه أنّ التعبّد بخصوصه متميّزا عن غيره تقييد في إطلاق الدليل بلا حجّة معتبرة.

فكما يؤخذ بإطلاق‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ (3) و يحكم بعدم اعتبار جلسة الاستراحة مثلا شرعا، كذلك يؤخذ بإطلاق الأدلّة و عمومها و يحكم بعدم اعتبار التعبّد متميّزا عن الغير شرعا.

____________

(1) أي الشكّ في اعتبار خصوصيّة كيفيّة الإطاعة أي متميّزة عن غيرها.

(2) قال (قدّس سرّه) في كفاية الاصول: 24: «لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتّى إلّا من قبل الطلب في متعلّقه ...»، و قال أيضا في الصفحة 72: «و ذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتّى إلّا من قبل الأمر بشي‏ء في تعلّق ذاك الأمر ...».

(3) البقرة: 43.

418

حتّى يدفع بإطلاقه [1]، كما لا يخفى.

____________

و أمّا الجواب فملخّصه: أنّ ما نحن فيه هو من قبيل الصورة الاولى من الصورتين المذكورتين التي لا يجوز فيها الأخذ بالإطلاق بالتقريب المتقدّم آنفا و سيصرّح بذلك المصنّف (رحمه اللّه) في خاتمة مبحث البراءة و الاشتغال عند قوله:

«هذا الشرط ليس على حدّ سائر الشروط المأخوذة في المأمور به الواقعة في حيّز الأمر- إلى أن قال-: بل هو على تقدير اعتباره شرط لتحقّق الإطاعة و سقوط المأمور به و خروج المكلّف عن العهدة، و من المعلوم أنّ مع الشكّ في ذلك لا بدّ من الاحتياط و إتيان المأمور به على وجه يقطع معه بالخروج عن العهدة ...» (1).

و أضف إلى ذلك كلّه كون الشكّ في المقام شكّا في حصول الغرض المحكوم بوجوب الاحتياط فيه بالتقريب الآتي في مبحث البراءة و الاشتغال عند قوله (رحمه اللّه):

«نعم، قد يأمر المولى بمركّب ...» (2).

[1] أي حتّى يرفع‏ (3) القيد بسبب إطلاق الدليل (أي دليل تلك العبادة)، و المقصود أنّ ما نحن فيه ليس من مصاديق الإطلاق- كما زعمه المستشكل- بل هو من مصاديق الإجمال اللّازم فيه الأخذ بالقدر المتيقّن، و هو العمل على طبق الظنّ التفصيليّ الخاصّ مع رعاية نيّة الوجه، و هو المطلوب.

____________

(1) فرائد الاصول 2: 407 و 408.

(2) فرائد الاصول 2: 319.

(3) في نسخة الشيخ رحمة اللّه (قدّس سرّه): «يرفع» بدل «يدفع» و لعلّه الصواب. راجع الرسائل المحشّى: 16.

419

و حينئذ [1]: فلا ينبغي، بل لا يجوز [2] ترك الاحتياط- في جميع موارد إرادة التكرار [3]- بتحصيل الواقع [4] أوّلا بظنّه المعتبر، من التقليد أو الاجتهاد بإعمال الظنون الخاصّة أو المطلقة [5]، و إتيان الواجب مع نيّة الوجه، ثمّ الإتيان بالمحتمل الآخر بقصد القربة من جهة الاحتياط.

____________

[1] أي حين كون المسألة ذات وجهين من أولويّة العمل بالاحتياط الموجب لدرك الواقع، و أولويّة الامتثال ظنّا الموجب لرعاية نيّة الوجه؛ بالتقريب المتقدّم.

[2] قال المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه): «أي بالنظر إلى الوجه الذي أشار إليه بقوله (رحمه اللّه):

[مع إنكار ...]» (1).

[3] المقصود تكرار العبادة كالجمع بين الظهر و الجمعة في المثال.

[4] الجارّ هنا يتعلّق بالاحتياط، و المقصود أنّ وظيفة المكلّف الذي أدّى طريقه الظنّيّ الاجتهاديّ أو التقليديّ إلى وجوب الجمعة مثلا، العمل بظنّه المعتبر- أي الإتيان بالجمعة مع نيّة الوجه و التمييز- أوّلا، و يأتي بالمحتمل الآخر أي الظهر قربة إلى اللّه بلا نيّة الوجه ثانيا، فإن كان التكليف الواقعيّ الجمعة فقد أتى بها مع قصد وجهها، و إن كان الظهر فقد أتى بها تقرّبا إلى اللّه تعالى، و به يؤدّي الغرض الداعي للأمر بالصلاة.

[5] إشارة إلى المجتهد الانفتاحيّ العامل على طبق مؤدّيات ظنونه الخاصّة، و الانسداديّ العامل على طبق مؤدّيات ظنونه المطلقة بالتقريب المتقدّم توضيحه سابقا (2).

____________

(1) حاشية فرائد الاصول: 68.

(2) انظر الصفحة 390، ذيل عنوان «ذكر المذاهب في انسداد باب العلم و انفتاحها في الأحكام الشرعيّة».

420

و توهّم: أنّ هذا [1] قد يخالف الاحتياط؛ من جهة احتمال كون الواجب ما أتى به بقصد القربة، فيكون قد أخلّ فيه بنيّة الوجوب.

مدفوع [2]: بأنّ هذا المقدار من المخالفة للاحتياط ممّا لا بدّ منه؛ إذ لو أتى به بنيّة الوجوب كان فاسدا قطعا؛ لعدم وجوبه [3] ظاهرا على المكلّف بعد فرض الإتيان بما وجب عليه في ظنّه المعتبر.

و إن شئت قلت: إنّ نيّة الوجه ساقطة فيما يؤتى به من باب الاحتياط [4]

____________

توهّم و دفع‏

[1] لفظة «هذا» إشارة إلى الإتيان بالمحتمل الآخر قربة إلى اللّه بلا نيّة الوجه كالظهر في المثال الذي تداخل فيه نيّة الوجه، و لذا ادّعى المتوهّم كونه خلاف الاحتياط.

[2] شرع (رحمه اللّه) في تقريب دفع التوهّم المذكور، و ملخّصه: أنّه يجوز مخالفة الاحتياط التامّ بهذا المقدار، بتقريب أنّ الأمر يدور بين الفعل المحرّم- أعني التشريع، كإتيان صلاة الظهر في المثال بداعي الوجوب بعد إتيان الواجب الظاهريّ كالجمعة بقصد الوجوب جزما- و بين ارتكاب خلاف الاحتياط- أعني ترك قصد الوجه في صلاة الظهر مع احتمال وجوبه واقعا-، و من المعلوم أنّه يجب ترك المحرّم و ارتكاب خلاف الاحتياط عند دوران الأمر بينهما، كما لا يخفى.

[3] الضمير المجرور هنا و في ما قبله يعود إلى «المحتمل الآخر».

[4] هذا صرّح (رحمه اللّه) به في خاتمة مبحث البراءة و الاشتغال ببيان آخر و قال:

«إعادة بعض العبادات الصحيحة ظاهرا من باب الاحتياط، فلا يشبه ما نحن فيه؛

421

إجماعا حتّى [1] من القائلين باعتبار نيّة الوجه؛ لأنّ لازم قولهم [2] باعتبار نيّة الوجه في مقام الاحتياط عدم مشروعيّة الاحتياط و كونه لغوا [3]، و لا أظنّ أحدا يلتزم بذلك [4] ...

____________

لأنّ الأمر على تقدير وجوده هناك لا يمكن قصد امتثاله إلّا بهذا النحو، فهو أقصى ما يمكن هناك من الامتثال ...» (1).

[1] متعلّق بقوله: «ساقطة».

[2] تعليل لسقوط قصد الوجه في موارد إرادة الاحتياط التامّ إجماعا.

عدم إمكان الجمع بين الاحتياط التامّ و بين اعتبار قصد الوجه‏

[3] يعني أنّ اجتماع الاحتياط التامّ مع قصد الوجه غير ممكن؛ لاستلزامه كون الاحتياط لغوا و غير مشروع.

توضيحه: أنّ مدّعي اعتبار قصد الوجه في موارد الاحتياط التامّ كالسيّد أبي المكارم (رحمه اللّه) كان في الحقيقة منكر للاحتياط رأسا و بالمرّة؛ لعدم إمكان اجتماعهما معا، فاللّازم إمّا رفع اليد عن اعتبار قصد الوجه في الاحتياط التامّ، و إمّا الالتزام بلغويّة الاحتياط و عدم مشروعيّته رأسا بنحو الإطلاق، و لا أظنّ أحدا يلتزم بذلك.

و بالجملة، التزام الفقهاء رحمهم اللّه بأجمعهم بمشروعيّة الاحتياط في العبادات يكشف عن عدم لزوم قصد الوجه في موارد الاحتياط التامّ.

[4] أي عدم مشروعيّة الاحتياط رأسا.

____________

(1) فرائد الاصول 2: 429.

422

عدا السيّد أبي المكارم في ظاهر كلامه في الغنية في ردّ الاستدلال على كون الأمر للوجوب: ب: أنّه أحوط [1]، ...

____________

[1] الجارّ هنا يتعلّق بالاستدلال.

اعلم أنّ من مهامّ المسائل الاصوليّة أنّ صيغة الأمر هل تدلّ على الوجوب إلّا ما خرج بالدليل، أو على الاستحباب إلّا ما خرج بالدليل، أو على مطلق الرجحان الشامل على الأوّلين؟ فيه وجوه بل أقوال‏ (1):

اختار الأخير جمع كثير؛ بدليل أنّ الأخذ بالمأمور به و العمل على طبقه يوافق الواقع و نفس الأمر بالمآل سواء كان واجبا أو مستحبا (2).

و اختار الآخرون الثاني؛ بدليل كثرة استعماله في الاستحباب، بحيث صار مجازا مشهورا.

و أمّا الأوّل فاختاره المشهور بأدلّة متعدّدة، عمدتها: أنّ الأمر لو لم يحمل على الوجوب بادّعاء ظهوره في الاستحباب لما وجد داع غالبا إلى الأخذ به و العمل على طبقه خارجا مع كونه محتمل الوجوب في الواقع و نفس الأمر، فالأحوط حمله على الوجوب حتّى يلتزم المكلّف بأخذه و العمل عليه.

هذا الاستدلال قد ردّه السيّد أبو المكارم (رحمه اللّه) و ادّعى كونه ضدّ الاحتياط باعتبار عروض بعض التوالي الفاسدة المترتّبة عليه:

أحدها: اعتقاد وجوب الفعل المأمور به.

____________

(1) راجع معالم الدين: 46، و كفاية الاصول: 70.

(2) راجع معالم الدين: 53.

423

و سيأتي ذكره عند الكلام على الاحتياط [1] في طيّ مقدّمات دليل الانسداد.

____________

و ثانيها: اعتقاد قبح تركه.

و ثالثها: التزام المكلّف بأدائه بقصد وجهه، أي بقصد الوجوب، و حيث إنّ هذا كلّه قبيح قطعا فاللّازم الإعراض عنه جدّا، و إلّا يلزم التشريع، و لا نعني من كونه ضدّ الاحتياط إلّا هذا (1).

و بالجملة، لازم إصرار السيّد أبي المكارم (رحمه اللّه) على اعتبار نيّة الوجه حتّى في موارد الاحتياط على ما فهمه المصنّف (رحمه اللّه) هو إنكار الاحتياط ظاهرا، و عدم مشروعيّته رأسا؛ لأجل استلزامه المفاسد المذكورة.

[1] قال بعض تلامذة المصنّف (رحمه اللّه): «الظاهر أنّه لم يف بعهده على ما لاحظناه» (2).

و قال المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه) أيضا: «الظاهر أنّه (قدّس سرّه) لم يتعرّض لكلام السيّد (قدّس سرّه) في طيّ مقدّمات دليل الانسداد، و يمكن أن يكون مقصوده ذكر عدم اعتباريّة الوجه في مقام الاحتياط، لا ذكر كلام السيّد» (3).

و يناسب هنا نقل كلام صاحب الأوثق (رحمه اللّه) أيضا فإنّه قال: «لا يذهب عليك أنّه‏

____________

(1) و يناسب هنا نقل كلام السيّد أبي المكارم (رحمه اللّه) بنصّه، فإنّه قال في كتابه الغنية: «قولهم: إنّ ذلك (أي الحمل على الوجوب) أحوط في الدين غير صحيح، بل هو ضدّ الاحتياط؛ لأنّه يؤدّي إلى أفعال قبيحة: منها: اعتقاد وجوب الفعل، و منها: العزم على أدائه على هذا الوجه (أي الاعتقاد بوجوب الفعل)، و منها: اعتقاد قبح تركه ...». (غنية النزوع 2: 279).

(2) قلائد الفرائد 1: 99.

(3) حاشية فرائد الاصول: 70.

424

أمّا المقام الأوّل [1] و هو كفاية العلم الإجماليّ في تنجّز التكليف، ...

____________

لم يتعرّض المصنّف (رحمه اللّه) عند الكلام على الاحتياط في مقدّمات دليل الانسداد للكلام على عدم مشروعيّة الاحتياط و لا لكلام السيّد مع إطنابه الكلام ثمّة في وجوب الاحتياط و منعه» (1).

و كيف كان، أنّ المصنّف (رحمه اللّه) قد فهم من كلام السيّد أبي المكارم أنّ الاحتياط المذكور ليس بمشروع؛ لأجل استلزامه التوالي الفاسدة، و اللّه أعلم بحقائق الامور.

تفصيل الكلام في المقام الأوّل (كفاية العلم الإجماليّ في تنجّز التكليف)

[1] بعد الفراغ من البحث في المقام الثاني شرع (رحمه اللّه) في البحث عن المقام الأوّل على خلاف الترتيب الطبيعيّ، كما مرّ توضيحه سابقا (2).

و كيف كان، فموضوع البحث هنا هو تنجّز التكليف بالعلم الإجماليّ كتنجّزه بالعلم التفصيليّ، و قد عرفت سابقا أنّ له جهتين و مرتبتين:

الاولى: مرتبة حرمة المخالفة القطعيّة التي ستعرف توضيحها في السطور الآتية (3). و الثانية: مرتبة وجوب الموافقة القطعيّة التي ستعرف توضيحها مفصّلا

____________

(1) أوثق الوسائل: 44.

(2) انظر الصفحة 371، ذيل قوله (رحمه اللّه): «و لنقدّم الكلام في المقام الثاني ...». (فرائد الاصول:

1: 71).

(3) و قد عرفت سابقا الخلاف و النزاع إجمالا في أنّ تنجيز العلم الإجماليّ للتكليف هل هو-

425

و اعتباره [1] كالتفصيليّ، فقد عرفت: أنّ الكلام في اعتباره بمعنى وجوب الموافقة القطعيّة و عدم كفاية الموافقة الاحتماليّة راجع إلى مسألة البراءة و الاحتياط [2]، و المقصود هنا بيان اعتباره في الجملة [3] الذي أقلّ مرتبته [4] حرمة المخالفة القطعيّة، فنقول:

____________

في مبحث الشكّ في المكلّف به‏ (1).

[1] الضمير يعود إلى «العلم الإجماليّ».

[2] إحالة إلى ما ذكرناه آنفا في مبحث الشكّ في المكلّف به‏ (2).

[3] احتراز عن مذهب المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) الذي لا اعتبار للعلم الإجماليّ عنده (رحمه اللّه)، بل هو عنده كالمجهول رأسا، كما أوضحناه سابقا (3).

فالمراد من قوله (رحمه اللّه): «في الجملة» أنّ موضوع البحث في المقام مجرّد إثبات التكليف بالعلم الإجماليّ و حرمة المخالفة القطعيّة فيه، قبال السلب الكلّيّ من المحدّث المذكور المعتقد بإلحاق العلم الإجماليّ بالشبهة البدويّة و أنّه كالمجهول رأسا.

[4] الضمير يعود أيضا إلى «العلم الإجمالي».

____________

بنحو الاقتضاء مطلقا، أو بنحو العلّة التامّة مطلقا، أو بنحو التفصيل فيهما، و أيضا قد عرفت إجمالا صور العلم الإجماليّ و أنّها أربعة، انظر الصفحة 368، ذيل عنوان «صور العلم الإجماليّ من حيث المخالفة و الموافقة القطعيّتين»، و انتظر توضيح الكلّ مفصّلا.

(1 و 2) انظر فرائد الاصول 2: 210.

(3) انظر الصفحة 361، ذيل عنوان «الأقوال و المباني حول العلم الإجماليّ».

426

إنّ للعلم الإجمالي صورا كثيرة [1]؛ ...

____________

صور العلم الإجماليّ‏

[1] إشارة إلى صور العلم الإجماليّ الستّ، سواء كانت الشبهة فيها حكميّة أو موضوعيّة، و سواء كانت الحكميّة منها شكّا في التكليف أو في المكلّف به، فانتظر توضيح الكلّ مفصّلا.

و قبل الشروع في البحث في صور العلم الإجماليّ لا بدّ من تعريف الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة و توضيح الشكّ في التكليف إجمالا، فنقول: الشبهة الموضوعيّة هي التي يكون منشأها امورا خارجيّة، مع بيان الشارع الأقدس حكمها في الكتاب و السنّة، و أمّا الشبهة الحكميّة فهي التي يكون منشأها نفس الشارع من ناحية عدم النصّ، أو إجمال النصّ، أو تعارض النصّين، بالتقريب الآتي توضيحها مفصّلا في كتاب البراءة و الاشتغال‏ (1).

و لا يخفى أنّ الشكّ في التكليف المبحوث عنه في باب العلم الإجماليّ هو خصوص الشكّ في التكليف النوعيّ مع العلم بجنس التكليف؛ كدفن الميّت المنافق مثلا، فإنّ جنس التكليف فيه معلوم و هو الإلزام المتوجّه إلى المكلّف، و إنّما المشكوك نوع التكليف من وجوب دفنه إلحاقا بالمسلم، و حرمته إلحاقا بالكافر، فالإلزام فيه لا يعلم تفصيلا وجوبه و لا حرمته، و الأمر فيه دائر بين المحذورين.

____________

(1) انظر فرائد الاصول 2: 18.

427

لأنّ الإجمال الطارئ [1]:

إمّا من جهة متعلّق الحكم مع تبيّن نفس الحكم تفصيلا [2]، ....

____________

و بعبارة اخرى: المناسب بمبحث القطع هو البحث عن خصوص الشكّ في التكليف النوعيّ، و أمّا التكليف الجنسيّ المعبّر عنه بالشبهة البدويّة- كالشكّ في حرمة التتن أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلا-، فلا يناسب هذا المبحث، بل محلّه المناسب هو مبحث البراءة؛ لأنّه شكّ محض ليس فيه علم أصلا لا إجماليّ و لا تفصيليّ، و معه لا يبقى مجال لاندراجه في صور العلم الإجماليّ، فافهم.

[1] إشارة إلى الاشتباه العارض على العلم الإجماليّ، و هو السرّ في التعبير عن العلم الإجماليّ بالعلم المشوب بالجهل، قبال العلم التفصيليّ المعبّر عنه بالعلم المحض الخالي عن الجهل و الاشتباه.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الاشتباه في أطراف العلم الإجماليّ تارة يكون في الموضوع فقط مع تبيّن الحكم تفصيلا، و اخرى يكون بالعكس، أي يكون الاشتباه في الحكم فقط مع تبيّن الموضوع تفصيلا، و ثالثة يكون الاشتباه في كلّ من الموضوع و الحكم معا.

و الشبهة في هذه الصور الثلاث قد تكون حكميّة و قد تكون موضوعيّة، فصارت صور المسألة ستّا فانتظر توضيح الكلّ مع ذكر أمثلتها مفصّلا.

[2] بعد كون المتعلّق بمعنى الموضوع تصير هذه الجملة عبارة اخرى‏

428

كما لو شككنا أنّ حكم الوجوب في يوم الجمعة يتعلّق بالظهر أو الجمعة [1]، و حكم الحرمة يتعلّق بهذا الموضوع الخارجيّ من المشتبهين أو بذاك.

و إمّا من جهة نفس الحكم مع تبيّن موضوعه [2]، ....

____________

لقولنا آنفا: «تارة يكون في الموضوع فقط مع تبيّن الحكم تفصيلا»، و كيف كان، غرضه (رحمه اللّه) الإشارة إلى الصورة الاولى منها- أي كون المكلّف به مجملا مشكوكا و التكليف معيّنا معلوما بالتفصيل- كما سيوضح في ضمن التمثيل.

[1] شرع (رحمه اللّه) في تقريب التمثيل الموعود آنفا.

توضيح ذلك: أنّه إذا خاطب الشارع الأقدس المكلّف بقوله: «صلّ يوم الجمعة»، فإنّ وجوب الصلاة عليه في ذلك اليوم معلوم لا خفاء فيه، إلّا أنّ تعلّقه‏ (1) بصلاة الظهر أو بصلاة الجمعة مشكوك فيه، و هذا هو السرّ في التعبير عنه بالشكّ في المكلّف به في الشبهة الحكميّة، قبال الشكّ في تعلّق الحرمة بأحد الإناءين المشتبهين في الخارج، فإنّه يعبّر عنه بالشكّ في المكلّف به في الشبهة الموضوعيّة، و إليه أشار (رحمه اللّه) بقوله: «حكم الحرمة يتعلّق بهذا الموضوع ...».

[2] هذه عبارة اخرى لقولنا آنفا: «و اخرى يكون بالعكس» و مراده (رحمه اللّه) الإشارة إلى صورة كون التكليف مجملا مشكوكا و المكلّف به مبيّنا معلوما بالتفصيل، و في هذا القسم أيضا أشار (رحمه اللّه) إلى الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة من دون‏

____________

(1) أي تعلّق الوجوب.

429

كما لو شكّ في أنّ هذا الموضوع المعلوم الكلّيّ أو الجزئيّ يتعلّق به الوجوب أو الحرمة [1].

و إمّا من جهة الحكم و المتعلّق جميعا [2]؛ ....

____________

أن يذكر لهما مثالا، و كان من حقّه أن يبيّنهما بالمثال، فانتظر توضيحه بذكر المثال.

[1] اعلم أنّ لفظة «الكلّيّ» إشارة إلى الشبهة الحكميّة و لفظة «الجزئيّ» إشارة إلى الشبهة الموضوعيّة.

أمّا مثال الاولى فما ذكرناه آنفا من دفن الميّت المنافق الذي هو موضوع كلّيّ مبيّن مشتبه الحكم في النوع- أي من حيث الوجوب و الحرمة- مع كونه معلوما في جنسه و هو الإلزام، بالتقريب المتقدّم هناك.

و أمّا مثال الثانية فما سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) من المرأة المردّد أمرها بين من حلف بوطيها حتّى يجب وطيها، أو حلف على تركه حتّى يحرم‏ (1)، فإنّ الموضوع هنا واضح و الحكم مجمل‏ (2).

[2] هذه عبارة اخرى لقولنا آنفا: «و ثالثة يكون الاشتباه في كلّ من الموضوع و الحكم معا»، و في هذا القسم مضافا إلى عدم ذكره المثال لم يشر فيه إلى الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة، فانتظر توضيحهما بذكر المثال.

____________

(1) انظر فرائد الاصول 1: 83.

(2) أقول: و لهذا أمثلة كثيرة، منها ما سيذكره المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث البراءة، لكنّ المثال الذي ذكره هنا أولى و أوضح جدّا. راجع فرائد الاصول 2: 193 عند قوله (رحمه اللّه): «و الأولى: فرض المثال في ما إذا وجب إكرام العدول و حرم إكرام الفسّاق و اشتبه حال زيد من حيث الفسق و العدالة».

430

مثل أن نعلم أنّ حكما من الوجوب و التحريم تعلّق بأحد هذين الموضوعين [1].

ثمّ الاشتباه في كلّ من الثلاثة:

إمّا من جهة الاشتباه في الخطاب الصادر عن الشارع، كما في مثال الظهر و الجمعة.

____________

[1] كلامه (رحمه اللّه) هنا مجمل يحتاج إلى توضيحات وافية و بيانات شافية كافية بذكر أمثلة من الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة، فنقول:

مثال الشبهة الحكميّة: كما أن يعلم المكلّف إجمالا تعلّق أحد حكمي الوجوب و الحرمة بإحدى صلاتي الظهر و الجمعة مثلا، و هو بحيث لو علم أحيانا أنّ الحكم هنا هو الوجوب مثلا لما ينقضي شكّه في أنّ متعلّقه هو الظهر أو الجمعة.

و أمّا مثال الشبهة الموضوعيّة: فكما شكّ من له زوجتان في أنّه كان قد حلف بوطي إحدى زوجتيه معيّنة أو بترك وطيها، فهو عالم بالجزم و القطع أنّ واحدة منهما إمّا يجب عليه وطيها و إمّا يحرم، و هو بحيث لو علم أحيانا بوجوب الوطي عليه مثلا ليبقى بعد شاكّا في أنّ متعلّقه هذه أو تلك.

و بالجملة، الإجمال الطارئ على العلم الإجماليّ بعد تصوّر الصور الثلاث فيه بالتقريب المتقدّم و بعد ضربها في قسمي من الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة، يحصل منه الصور الستّ التي أوضحناها مفصّلا و ذكرنا لها أمثلة مناسبة، فافهم و اغتنم.

431

تصوير صور العلم الإجماليّ‏

432

و إمّا من جهة اشتباه مصاديق متعلّق ذلك الخطاب، كما في المثال الثاني [1].

و الاشتباه في هذا القسم [2]: إمّا في المكلّف به كما في الشبهة المحصورة، و إمّا في المكلّف [3].

و طرفا الشبهة في المكلّف: إمّا أن يكونا احتمالين في مخاطب واحد كما في الخنثى [4]، و إمّا أن يكونا احتمالين في مخاطبين، كما في واجدي المني في الثوب المشترك.

____________

[1] لا يذهب عليك أنّ الجملة الاولى من كلامه‏ (1) إشارة إلى الشبهة الحكميّة، و الثانية منه‏ (2) إشارة إلى الشبهة الموضوعيّة، و الصواب هنا رعاية للاختصار أن يقال: ثمّ الاشتباه في كلّ من الثلاثة إمّا حكميّة و إمّا موضوعيّة.

[2] يعني في الشبهة الموضوعيّة.

[3] غرضه (رحمه اللّه) تعميم الحكم في الشبهة الموضوعيّة، أي أنّها كما تتصوّر في الشكّ في المكلّف به- كالإناءين المشتبهين في المثال- كذلك تتصوّر في المكلّف أيضا، و ستعرف قريبا انقسامه‏ (3) إلى قسمين: قسم يكون طرفا الشبهة فيه احتمالين في مخاطب واحد كما في الخنثى، و آخر يكونان احتمالين في مخاطبين كما في واجدي المنيّ في الثوب المشترك، فانتظر توضيحه.

[4] توضيحه: أنّ الخنثى لا تعلم أنّها مشمولة لخطاب: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ‏

____________

(1) أي قوله: «إمّا من جهة الاشتباه في الخطاب ...».

(2) أي قوله: «و إمّا من جهة اشتباه مصاديق ...».

(3) أي المكلّف.

433

يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‏ (1) أو مشمولة لخطاب: وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ‏ (2)، فتكون مردّدة بين الاحتمالين، و بمقتضى العلم الإجماليّ يجب عليها احتياطا غضّ البصر عن النساء و الاستتار من الرجال معا، كما سيوضح مفصّلا، و هي تقابل واجدي المنيّ في الحكم، كما يأتي قريبا، و قد أوضحهما صاحب الأوثق (رحمه اللّه) بقوله: «لا يخفى أنّ الشبهة في المكلّف لا تكون إلّا مصداقيّة، نعم قد يرجع الشكّ فيه إلى الشكّ في التكليف كما إذا كان طرفا الشبهة في المكلّف احتمالين في مخاطبين- كما في واجدي المنيّ في الثوب المشترك؛ لأنّ كلّا منهما شاكّ في توجّه الأمر بالاغتسال إليه، و قد يرجع إلى الشكّ في المكلّف به- كما إذا كان طرفا الشبهة فيه احتمالين في مخاطب واحد كالخنثى بناء على عدم كونه طبيعة ثالثة ...» (3).

ملخّص الكلام في المقام: أنّ المصنّف (رحمه اللّه) بعد تقسيم الجنس- أي الشبهة- إلى قسمين: الحكميّة و الموضوعيّة، قسّم الثاني منهما إلى نوعين: الشكّ في المكلّف به و الشكّ في المكلّف، و الثاني منهما أيضا قسّم إلى صنفين: كما في الخنثى و واجدي المنيّ في الثوب المشترك، و سيجي‏ء توضيح الكلّ في ما بعد مفصّلا، فانتظر توضيحه‏ (4).

____________

(1) النور: 30.

(2) النور: 31.

(3) أوثق الوسائل: 44.

(4) انظر الصفحة 557 و ما بعدها، ذيل عنوان «حكم ما بقي من الصور الستّ للعلم الإجماليّ».

434

و لا بدّ قبل التعرّض لبيان حكم الأقسام [1] من التعرّض لأمرين:

الأوّل: أنّك قد عرفت في أوّل مسألة اعتبار العلم [2]: أنّ اعتباره قد يكون من باب محض الكشف و الطريقيّة، و قد يكون من باب الموضوعيّة [3] بجعل الشارع.

و الكلام هنا [4] في الأوّل؛ ...

____________

لا يقال: إنّ مع هذين القسمين يتصوّر للعلم الإجماليّ ثمان صور، مع أنّ المدّعى أوّلا أنّها ستّ.

لأنّا نقول: هذان القسمان ليسا مستقلّين في قبال الستّة، بل يندرجان تحت واحد منها و هي الشبهة الموضوعيّة، فلا يبقى إشكال في البين.

و لا يخفى أنّ اندراج الخنثى في الشبهة الموضوعيّة مبنيّ على عدم كونها طبيعة ثالثة و إلّا يندرج في الشبهة الحكميّة، كما ستعرف في ما بعد مفصّلا (1).

[1] أي الأقسام الستّة المتقدّمة.

[2] إشارة إلى مبحث حجّيّة القطع.

[3] إشارة إلى القطع الطريقيّ و الموضوعيّ.

[4] أي في باب العلم الإجماليّ.

بقي أمران: الأوّل: اختصاص البحث بالقطع الطريقيّ‏

ملخّص الكلام في المقام: أنّ البحث عن كون العلم الإجماليّ كالعلم التفصيليّ في تنجّز التكليف به- كما هو مذهب المشهور- أو كالشبهة البدويّة في عدم تنجّز

____________

(1) انظر الصفحة 580، ذيل عنوان «الخنثى ليست طبيعة ثالثة».

435

إذ اعتبار العلم الإجمالي و عدمه في الثاني تابع لدلالة ما دلّ [1] على جعله موضوعا، فإن دلّ على كون العلم التفصيليّ داخلا في الموضوع ...

____________

التكليف به- كما هو مذهب المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه)- إنّما هو في خصوص القطع الطريقيّ المحض، و أمّا القطع الموضوعيّ المأخوذ في لسان الدليل موضوعا للحكم الشرعيّ، فلا وجه للبحث عنه أصلا بعد كونه من حيث العموم و الخصوص تابعا لدليله الذي اخذ فيه القطع موضوعا له‏ (1).

[1] هذه عبارة اخرى لقوله سابقا: «يتّبع في اعتباره- مطلقا أو على وجه خاصّ- دليل ذلك الحكم ...» (2)، و غرضه (رحمه اللّه) أنّ الدليل الدالّ على اعتبار العلم في الموضوع لو كان أعمّ من التفصيليّ و الإجماليّ، فلا يعتري ريب في إثبات التكليف بالعلم الإجماليّ و لزوم متابعته كالأمثلة المتقدّمة، و أمّا لو دلّ الدليل‏ (3) على اعتبار خصوص العلم التفصيليّ و إثبات التكليف به فقط، فلا يبقى إشكال في عدم اعتبار العلم الإجماليّ.

و بعبارة اخرى: لو قال الشارع الأقدس: «اجتنب عن معلوم النجس مثلا» يشمل كلّا من النجاسة التفصيليّة و الإجماليّة، و أمّا لو قال: «اجتنب عن النجس المعلوم بالتفصيل مثلا» فلا يشمل النجاسة المعلومة بالإجمال، بل يشمل خصوص النجاسة المعلومة تفصيلا، بحيث يصير العلم بنجاسة

____________

(1) أي للحكم الشرعيّ.

(2) فرائد الاصول 1: 31.

(3) بسبب قرينة داخليّة أو خارجيّة.

436

- كما لو فرضنا [1] أنّ الشارع لم يحكم بوجوب الاجتناب إلّا عمّا علم تفصيلا نجاسته- فلا إشكال في عدم اعتبار العلم الإجماليّ بالنجاسة.

الثاني [2]: أنّه إذا تولّد من العلم الإجماليّ العلم التفصيليّ بالحكم الشرعيّ في مورد، وجب اتّباعه و حرمت مخالفته [3]؛ لما تقدّم: من اعتبار العلم التفصيليّ [4] من غير تقييد بحصوله من منشأ خاصّ [5]، ...

____________

أحد الإناءين إجمالا كالمجهول رأسا غير منجّز به التكليف أصلا، فلا يتصوّر النزاع بين المشهور و المحدّث المذكور (رحمه اللّه) هنا في تنجيز العلم الإجماليّ و عدمه.

[1] إشارة إلى مذهب التصويب، كما أوضحناه سابقا (1).

الثاني: حجّيّة العلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ‏

[2] إشارة إلى الأمر الثاني؛ يعني كما أنّ العلم التفصيليّ الذي هو الطريقيّ حجّة مطلقا، كذلك العلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ حجّة مطلقا، فإذا تولّد العلم التفصيليّ بالحكم الشرعيّ من العلم الإجماليّ في مورد، يجب اتّباعه و تحرم مخالفته.

[3] هذا عطف تفسيريّ لقوله: «وجب اتّباعه».

[4] العلم التفصيليّ هو القطع الطريقيّ المحض الذي قد عرفت سابقا حجّيّته ذاتا بحكم العقل المستقلّ‏ (2).

[5] هذه عبارة اخرى لقوله (رحمه اللّه) سابقا: «ثمّ ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين‏

____________

(1) انظر الصفحة 84، ذيل عنوان «بحث إجماليّ حول المخطّئة و المصوّبة».

(2) انظر الصفحة 65، ذيل عنوان «وجه لزوم متابعة القطع و كون طريقيّته ذاتيّة».

437

فلا فرق [1] بين من علم تفصيلا ببطلان صلاته بالحدث [2]، أو بواحد مردّد بين الحدث و الاستدبار [3]، أو بين ترك ركن و فعل مبطل [4]، أو بين فقد شرط من شرائط صلاة نفسه و فقد شرط من شرائط صلاة إمامه [5]- بناء [6] على اعتبار وجود شرائط الإمام في علم المأموم-، إلى غير ذلك [7].

____________

خصوصيّاته، من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه ...» (1).

[1] أي في البطلان و عدم كفاية ما وقع من الصلاة خارجا عن واجبه.

[2] كمن علم بحدوث النوم أو البول أو الغائط أو المنيّ منه في حال الصلاة.

[3] قوله: «بواحد» عطف على قوله: «بالحدث»، أي علم ببطلان صلاته، لكن علما تفصيليّا متولّدا من العلم الإجماليّ ببطلانها و هو مردّد بين كون المبطل هو الحدث أو الاستدبار عن القبلة.

[4] هذا و ما بعده أيضا من موارد العلم بالبطلان تفصيلا متولّدا من العلم الإجماليّ، و بالجملة، من تيقّن أنّه إمّا ترك الركوع في صلاته أو تكلّم فيها عمدا، تبطل صلاته البتّة.

[5] مثل من اقتدى بإمام و علم إجمالا بجنابته أو جنابة إمامه، فإنّه أيضا علم ببطلان صلاته تفصيلا متولّدا عن العلم الإجماليّ.

[6] إشارة إلى أحد الأقوال في المسألة التي سيجي‏ء توضيحها مفصّلا.

[7] مثل من علم ببطلان صلاته إمّا من ناحية وقوع صلاته في المكان المغصوب أو في اللباس المغصوب.

____________

(1) فرائد الاصول 1: 31.

438

و بالجملة: فلا فرق [1] بين هذا العلم التفصيليّ [2] و بين غيره من العلوم التفصيليّة.

إلّا أنّه [3] قد وقع في الشرع موارد توهم خلاف ذلك [4]:

منها: ما حكم به بعض فيما إذا اختلفت الامّة على قولين [5] ....

____________

[1] أي في وجوب المتابعة و حرمة المخالفة.

[2] إشارة إلى العلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ.

[3] استثناء من قوله: «فلا فرق ...» و الضمير للشأن.

مسائل موهمة عدم اعتبار العلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ‏

[4] إشارة إلى المسائل الآتية الموهمة بظاهرها عدم اعتبار العلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ.

الاولى: خرق الإجماع المركّب و إحداث القول الثالث‏

[5] هذا سيوضحه (رحمه اللّه) مفصّلا في كتاب البراءة (1)، و مثاله: كما إذا اختلف الأصحاب في صلاة الجمعة وجوبا و تحريما في زمن الغيبة (2)، فإنّه بعد موافقة رأي المعصوم (عليه السّلام) قطعا لأحد القولين يعدّ الأخذ بالأصل و الالتزام بالبراءة من‏

____________

(1) فرائد الاصول 2: 183.

(2) بأن يذهب بعض الأصحاب إلى وجوب الجمعة و بعض آخر منهم إلى وجوب الظهر و حرمة الجمعة.

439

و لم يكن مع أحدهما دليل [1]: من أنّه يطرح القولان [2] و يرجع إلى مقتضى الأصل؛ فإنّ إطلاقه يشمل ما لو علمنا بمخالفة مقتضى الأصل للحكم الواقعيّ [3] المعلوم وجوده بين القولين، ...

____________

الوجوب و الحرمة مخالفا للعلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ المعبّر عنه اصطلاحا بخرق الإجماع المركّب و إحداث القول الثالث المخالف للواقع قطعا (1).

[1] أي و لم يكن مع أحدهما دليل يترجّح به على الآخر.

[2] بيان للموصول في قوله: «ما حكم به بعض ...».

[3] هذا دفع توهّم في المقام.

أمّا التوهّم فملخّصه: أنّ جريان الأصل في مورد اختلاف الامّة على قولين يختصّ، بموارد لا يستلزم من إجراء الأصل فيها المخالفة التفصيليّة؛ كالاختلاف في حرمة التتن و حلّيته واقعا، فإنّ طرح القولين حينئذ و الرجوع إلى الأصل الذي مفاده الإباحة الظاهريّة لا محذور فيه من ناحية المخالفة بعد توافقه‏ (2) مع القول الثاني، و عليه فالاختلاف في صلاة الجمعة مثلا من حيث الوجوب و الحرمة خارج عمّا نحن فيه من طرح القولين؛ لأنّ إجراء الأصل فيه مستلزم للمخالفة التفصيليّة.

و أمّا الدفع فملخّصه: أنّ إطلاق الكلام الحاكم بطرح القولين في موارد اختلاف الامّة يشمل جميع الموارد من غير فرق بين أمثلتها.

____________

(1) أقول: و لعلّ بعد كون الأصل حكما ظاهريّا- كما هو شأن الاصول العمليّة- لا يلزم من إجرائه في المقام محذور طرح الحكم الواقعيّ، و على أيّ حال خرق الإجماع المركّب وجهه مخالفة الكلّ مع الإباحة.

(2) أي الأصل.

440

بل ظاهر كلام الشيخ (رحمه اللّه) القائل بالتخيير [1]: هو التخيير الواقعيّ المعلوم تفصيلا مخالفته لحكم اللّه الواقعيّ في الواقعة.

____________

كلام الشيخ الطوسيّ في المقام و ما قيل فيه من النقض و الإبرام‏

[1] غرضه (رحمه اللّه) أنّ المحذور المذكور- أعني لزوم المخالفة التفصيليّة و إحداث القول الثالث- يلزم حتّى على مذهب الشيخ الطوسيّ (رحمه اللّه) القائل بالتخيير الواقعيّ عند اختلاف الامّة على قولين‏ (1) (2)، و وجهه: أنّ الحكم الواقعيّ إمّا هذا معيّنا، و إمّا ذاك معيّنا، فحينئذ الالتزام بالتخيير بينهما واقعا يعدّ مخالفة للواقع و إحداثا لقول الثالث قطعا، و هو باطل عقلا و شرعا.

نعم، إنّا لا ننكر التخيير الواقعيّ في بعض الأحكام؛ كخصال الكفّارات في الصوم‏ (3)- أي العتق و صيام ستّين يوما و إطعام ستّين مسكينا (4)-

____________

(1) راجع العدّة في اصول الفقه 2: 636 و 637 عند قوله (رحمه اللّه): «لأنّهم إذا اختلفوا على قولين علم أنّ قول الإمام موافق لأحدهما لا محالة- إلى أن قال-: نحن مخيّرون في الأخذ بأيّ القولين شئنا، و يجري ذلك مجرى خبرين تعارضا و لا يكون لأحدهما مزيّة على الآخر، فإنّا نكون مخيّرين في العمل بهما، و هذا الذي يقوى في نفسي».

(2) أقول: غرضه (رحمه اللّه) من نقل مذهب الشيخ الطوسيّ (رحمه اللّه) أنّه خولف في اعتبار العلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ حتّى على مذهبه أيضا، و قد عرفت أنّه لا فرق بين العلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ و بين غيره.

(3) أقول: و المثال الآخر للتخيير في الحكم واقعا الصلاة في الأماكن الأربعة- أي المسجد الحرام، و مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و مسجد الكوفة، و الحائر الحسيني (عليه السّلام) فإنّ المسافر تخيّر فيها بين القصر و الإتمام (راجع الروضة البهيّة 1: 311).

(4) أقول: التخيير الثابت في خصال الكفّارات شرعيّ واقعيّ مقابل التخيير في خبرين-

441

و التفصيل في محلّه‏ (1).

تنبيه: اعلم أنّ نسبة التخيير الواقعيّ إلى الشيخ الطوسيّ (رحمه اللّه) و لازمه إحداث قول ثالث جاءت أوّلا في كلام المحقّق الحلّيّ صاحب الشرائع (رحمه اللّه) على ما سيصرّح به المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث البراءة (2).

و بعد ذلك كلّه لا يبعد كون ما ادّعاه الشيخ الطوسيّ تماما بعد إرادة إمكان التخيير الظاهريّ من كلامه، و لذا قال المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في توجيه كلامه ضمن كلماته المفصّلة: «و أمّا ما اختاره الشيخ (قدّس سرّه) من التخيير، فالظاهر أنّه تخيير بين القولين كالتخيير بين الخبرين المتعارضين، فيعيّن عليه كلّ ما اختاره من القولين من دون قطع بالمخالفة أصلا، لاحتمال الموافقة مع كلّ واحد منهما ...» (3).

____________

متعارضين، فإنّه شرعيّ ظاهريّ، و كلّ منهما يقابل التخيير الواقعيّ العقليّ- كما في المتزاحمين- و التخيير الظاهريّ العقليّ الذي هو أصل من الاصول العمليّة الجاري عند دوران الأمر بين المحذورين، و التفصيل في محلّه. انظر الصفحة 40، ذيل عنوان «فائدة:

في أقسام التخيير و أنواعه»، و لا يخفى أنّ منشأ التخيير الشرعيّ الظاهريّ في خبرين متعارضين قوله (عليه السّلام) في بعض الأخبار العلاجيّة: «إذن فتخيّر» المعبّر عنه اصطلاحا بالتخيير في المسألة الاصوليّة، مقابل التخيير العقليّ الظاهريّ المعبّر عنه اصطلاحا بالتخيير في المسألة الفرعيّة، فافهم.

(1) راجع الروضة البهيّة 1: 407 و 408، و كتاب الصلاة للمصنّف 3: 53.

(2) فرائد الاصول 2: 183. قال المصنّف (رحمه اللّه) هناك: «إنّ ظاهر كلام الشيخ القائل بالتخيير- كما سيجي‏ء- هو إرادة التخيير الواقعيّ المخالف لقول الإمام (عليه السّلام) في المسألة، و لذا اعترض عليه المحقّق بأنّه لا ينفع التخيير فرارا عن الرجوع إلى الثالث المطابق للأصل؛ لأنّ التخيير أيضا طرح لقول الإمام (عليه السّلام) ...».

(3) درر الفوائد: 54.

442

و منها: حكم بعض بجواز ارتكاب كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة [1] دفعة أو تدريجا؛ ...

____________

و بالجملة، إنّ ردّ الشيخ الطوسيّ (رحمه اللّه) في ضمن بعض كلماته القول بطرح كلا القولين لاستلزامه طرح الحكم الواقعيّ و إحداث القول الثالث يعدّ قرينة واضحة على أنّ مراده من التخيير هو التخيير الظاهريّ دون الواقعيّ كما زعمه المحقّق الحلّيّ (رحمه اللّه)(1) و تبعه المصنّف (رحمه اللّه) مستشهدا ببعض قرائن خفيّة، و اللّه العالم بحقائق الامور.

الثانية: جواز ارتكاب المشتبهين في الشبهة المحصورة

[1] القائل بجواز ارتكاب كلا المشتبهين بالشبهة المحصورة هو المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) في الأربعين، كما مرّ توضيحه‏ (2).

و وجهه أنّه‏ (3) مشمول أدلّة البراءة، فإنّ في بعض تلك الأدلّة توجد لفظة «بعينه»، مثل قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف‏

____________

(1) قال (قدّس سرّه) في معارج الاصول: 133: «المسألة الثانية: إذا اختلفت الإماميّة على قولين- إلى أن قال-: فإن كان مع إحدى الطائفتين دلالة قطعيّة توجب العلم وجب العمل على قولها؛ لأنّ الإمام معها قطعا، و إن لم يكن مع إحداهما دليل قاطع، قال الشيخ (رحمه اللّه): تخيّرنا في العمل بأيّهما شئنا، قال بعض أصحابنا: طرحنا القولين و التمسنا دليلا من غيرهما و ضعّف الشيخ (رحمه اللّه) هذا القول (أي القول بالطرح) بأنّه يلزم منه إطراح قول الإمام (عليه السّلام). قلت: و بمثل هذا يبطل ما ذكره (رحمه اللّه)؛ لأنّ الإماميّة إذا اختلفت على قولين، فكلّ طائفة توجب العمل بقولها، و تمنع من العمل بالقول الآخر، فلو تخيّرنا لاستبحنا ما حظره المعصوم (عليه السّلام)».

(2) انظر الصفحة 361 و 362، ذيل عنوان «الأقوال و المباني حول العلم الإجماليّ».

(3) أي المشتبهين بالشبهة المحصورة.

443

الحرام منه بعينه فتدعه» (1).

و قد عرفت سابقا أنّه (رحمه اللّه) ألحق العلم الإجماليّ بالشبهة البدويّة قبال المشهور الذين ألحقوه بالعلم التفصيليّ.

و لا يخفى أنّ المحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) في تجويزه ذلك‏ (2) حيث لم يصرّح بكيفيّة الارتكاب، فإطلاق كلامه و إن يشمل ارتكاب الإناءين دفعة بأن يخلطهما و يشرب دفعة كما يشمل صورة ارتكابهما تدريجا بأن يشرب أحدهما أوّلا و الآخر ثانيا، لكنّ المسلّم أنّ مراده (رحمه اللّه) هو الصورة الثانية، لا الاولى، و الصورة الاولى لا قائل بها أصلا (3)، كما صرّح به صاحب الأوثق (رحمه اللّه)(4)، و عليه فقول المصنّف (رحمه اللّه): «دفعة أو تدريجا» ليس بصحيح قطعا، و إن صحّحه المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه) بتقريب آخر و قال: «ارتكاب كلا طرفي الشبهة دفعة، إمّا بفعل واحد- كما إذا جمعهما في لقمة واحدة، أو جعلهما ثمنا في بيع واحد، فهو على هذا التقدير بنفسه مخالفة للعلم التفصيليّ-، أو بفعلين في زمان واحد- كما إذا شرب أحد الإناءين، و أراق الآخر في المسجد مثلا، فإنّه يعلم إجمالا بأنّ أحد الفعلين‏

____________

(1) وسائل الشيعة 12: 59 و 60، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأوّل.

(2) أي ارتكاب كلا المشتبهين.

(3) أقول: إنّ نسبة جواز ارتكاب أطراف الشبهة و لو تدريجا إلى المحقّق القمّيّ (رحمه اللّه)- مع اشتهاره بين العلماء حتّى الخواصّ منهم- لا حقيقة له، كما أوضحناه سابقا (انظر الصفحة 362 و 363).

(4) أوثق الوسائل: 45.

444

فإنّه [1] قد يؤدّي إلى العلم التفصيليّ بالحرمة [2] أو النجاسة، ...

____________

محرّم عليه، فلو سجد في ذلك المكان يتولّد من علمه الإجماليّ علم تفصيليّ ببطلان صلاته، إمّا لنجاسة مسجده أو بدنه-، و القائل بجواز ارتكابهما دفعة بحسب الظاهر لا يقول إلّا في الفرض الأخير، و أمّا الأوّل فممّا لا يظنّ بأحد الالتزام به؛ لكونه بديهيّ الفساد و اللّه العالم» (1).

[1] الضمير هنا يعود إلى «ارتكاب كلا المشتبهين».

[2] الحرمة هنا أعمّ من الحكم التكليفيّ و الحكم الوضعيّ- كبطلان البيع في المثال الآتي- بخلاف النجاسة، فإنّها حكم وضعيّ محض بلا خلاف، فلا تغفل.

و لا يخفى أنّ كلامه هذا احتراز عن ارتكاب إناءين مشتبهين بالنجس، الذي لا يؤدّي إلى العلم التفصيليّ بالمخالفة، بتقريب أنّه يدّعى حين ارتكاب الأوّل أنّ النجس هو الإناء الآخر، و حين ارتكاب الثاني يدّعى نجاسة ما ارتكبه أوّلا، و عليه فلا يحصل العلم التفصيليّ بالمخالفة عند ارتكاب كلّ واحد منهما بخلاف ارتكاب المشتبهين بالميتة في المثال الآتي، فإنّه يحصل فيه العلم التفصيليّ بالمخالفة حين البيع قطعا، و لكن اعترض عليه المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في الحاشية في عدّ هذا البيع من موارد تولّد العلم التفصيليّ من العلم الإجماليّ‏ (2).

____________

(1) حاشية فرائد الاصول: 70، و المقصود من «بدنه» هو «فمه» الذي أصاب الإناء.

(2) قال (قدّس سرّه) في درر الفوائد: 54: «و أمّا ما حكم بعض بجواز ارتكاب كلا المشتبهين، فلا وجه في عدّه من تلك الموارد أيضا، فإنّ الميتة المشتبهة بينهما إذا جاز الاقتحام فيها و المعاملة معها معاملة المذكّى شرعا- كما هو المفروض- لا يكون البيع بالنسبة إلى ما يقع بإزائها-

445

كما لو اشترى بالمشتبهين [1] بالميتة جارية [2]؛ فإنّا نعلم تفصيلا بطلان البيع في تمام الجارية؛ لكون بعض ثمنها ميتة، فنعلم تفصيلا بحرمة وطئها [3]، مع أنّ القائل بجواز الارتكاب لم يظهر من كلامه إخراج هذه الصورة [4].

____________

[1] أي في ما يشتبه المذكّى بالميتة، بأن كان هناك ذبيحان و لا يعلم أيّهما ذبح شرعا مع العلم بكون واحد منهما ميتة.

[2] اشتراء الجارية بالمشتبهين يقع تارة بفعل واحد، بأن يجعلهما ثمن الجارية دفعة، و اخرى بفعلين تدريجا، بأن يشتري نصف الجارية بأحد المشتبهين و نصفها الآخر بالآخر منهما، و على أيّ حال من اشترى الجارية بثمن يعلم إجمالا أنّه لا يملك بعضه- كالميتة- يحصل له العلم التفصيليّ بالمخالفة حين الوطي.

و لا يخفى أنّ مخالفة العلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ في المقام يكون في فرض تعدّد البيع و تحقّقه تدريجا في الخارج، و أمّا في فرض تحقّقه دفعة فتحصل المخالفة بمجرّد وقوع نفس البيع، و لذا قال المحقّق الهمدانيّ (رحمه اللّه):

«هذا في ما إذا تعدّد البيع، و إلّا فهو بنفسه مخالفة تفصيليّة ...» (1).

[3] إشارة إلى الحكم التكليفيّ، كما أنّ بطلان البيع إشارة إلى الحكم الوضعيّ.

[4] يعني أنّ مجوّز ارتكاب المشتبهين حيث لم يستثن صورة جواز شراء

____________

باطلا، كي يكون وطي الجارية التي يكون هذه الميتة المشتبهة بعض ثمنها محرّما، بل يكون شراؤها (أي الجارية) بالمشتبهين بها (أي الميتة) في تمامها صحيحا حتّى في ما يقع بإزاء الميتة المشتبهة- إلى أن قال:- و منشأ توهّم كون هذا من الموارد الموهمة كون الميتة غير قابلة للنقل و الانتقال».

(1) حاشية فرائد الاصول: 70.

446

و منها: حكم بعض بصحّة ائتمام أحد واجدي المنيّ في الثوب المشترك بينهما بالآخر [1]، مع أنّ المأموم يعلم تفصيلا ببطلان صلاته من جهة حدثه أو حدث إمامه.

____________

الجارية بالمشتبهين بالميتة، فإطلاق كلامه‏ (1) يشمله أيضا، فظهر أنّ العلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ غير معتبر عنده مطلقا.

الثالثة: صحّة ائتمام أحد واجدي المنيّ في الثوب المشترك، بالآخر

[1] الجارّ في «في الثوب ...» متعلّق ب «واجدي المنيّ» و في «بالآخر» متعلّق ب «ائتمام»، و المراد من «البعض» هو العلّامة- أعلى اللّه مقامه-، و انتظر مصادر كلامه.

اعلم أنّ لهذه المسألة فروعا كثيرة سيوضحها المصنّف (رحمه اللّه) في ما بعد مفصّلا (2).

و ما نحن فيه الآن هو ائتمام أحد واجدي المنيّ بالآخر، أو ائتمام ثالث بكلّ منهما في صلاتين، فعلى الأوّل يعلم المأموم فساد الجماعة تفصيلا و بطلانها رأسا، إمّا من جهة صلاة نفسه و إمّا من جهة صلاة الإمام، و أمّا على الثاني فيعلم فساد جماعة أحد الإمامين إجمالا، فإنّه يؤدّي إلى فساد إحدى صلاتي المأموم تفصيلا، و في كلا الفرضين لا يجب الغسل على أيّ واحد من واجدي المنيّ في الثوب المشترك.

قال السيّد اليزديّ (رحمه اللّه) في العروة في مبحث الأغسال: «مسألة 3: في الجنابة

____________

(1) أي تجويز ارتكاب المشتبهين بنحو الإطلاق و بلا ذكر مثال خاصّ.

(2) راجع الصفحة 574، ذيل عنوان «حكم الاقتداء بأحد واجدي المنيّ».

447

الدائرة بين شخصين لا يجب الغسل على واحد منهما و الظنّ كالشكّ ...؛ مسألة 4:

إذا دارت الجنابة بين شخصين لا يجوز لأحدهما الاقتداء بالآخر، للعلم الإجماليّ بجنابته أو جنابة إمامه ...» (1) و قد جوّزه العلّامة (رحمه اللّه) في أكثر كتبه‏ (2).

قال المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) عقيب كلامه المتقدّم: «أمّا مسألة حكم بعض بصحّة الائتمام فيمكن أن يكون نظره إلى منع مانعيّة الحدث للصلاة ما لم يعلم حدوثه من شخص معيّن، أو منع شرطيّة صحّة صلاة الإمام لصحّة الائتمام، بل الشرط إنّما هو مجرّد إحراز المأموم أنّ الإمام يصلّي على نحو لا يخلّ بما يجب عليه ظاهرا و لو كان إحرازه ذلك مستندا إلى عدالته مطلقا، و لو ظهر بعد ذلك أنّه أخلّ ببعض ذلك سهوا أو عمدا، تقصيرا أو قصورا، كما يظهر من فتواهم بعدم بطلان صلاة المأموم لو انكشف بطلان صلاة الإمام، بل و لو ظهر كونه يهوديّا كما في الخبر ...» (3).

و لا يخفى أنّ حكم ائتمام واحدة من واجدتي الحيض في الثوب المشترك بالاخرى أيضا كذلك.

و يناسب نقل كلام المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) في المقام توضيحا للمرام، فإنّه قال: «قد يتولّد من العلم بجنابة أحد الشخصين ما يقتضي تعارض الأصلين؛ و ذلك يتصوّر في موارد: منها: ما إذا اجتمعا في صلاة الجمعة بحيث كانا من المتمّمين للعدد

____________

(1) العروة الوثقى 1: 281.

(2) راجع تذكرة الفقهاء 1: 224، و نهاية الإحكام 1: 101، و تحرير الأحكام 1: 90.

(3) درر الفوائد: 55.

448

و منها: حكم الحاكم بتنصيف العين التي تداعاها رجلان [1]، ...

____________

المعتبر فيها، سواء كانا مأمومين أو كان أحدهما مأموما و الآخر إماما، فلا تصحّ صلاة كلّ منهما، بل لا تصحّ صلاة كلّ من اجتمع معهما؛ لأنّه يعتبر في صلاة الجمعة أن يكون كلّ من المأمومين محرزا- و لو بالأصل- صحّة صلاة الإمام و بقيّة المأمومين، و مع العلم بجنابة المجتمعين لصلاة الجمعة لا يمكن إحراز صحّة صلاة الجميع، فلا يمكن أن يجري كلّ شخص أصالة عدم الجنابة في حقّ نفسه ...» (1).

الرابعة: الحكم بتنصيف عين قد تداعاها اثنان‏

[1] لفظة «تداعا» فعل ماض لمفرد مذكّر من باب التفاعل و في بعض النسخ القديمة «تداعياها» و هو غلط؛ لأنّ الفعل إذا اسند إلى الظاهر يأتي مفردا مطلقا كما في المقام‏

و جرّد الفعل إذا ما اسندا* * * لاثنين أو جمع كفاز الشهداء

(2).

و كيف كان، فمراده (رحمه اللّه) توضيح مثال آخر لإيهام مخالفة العلم التفصيليّ المتولّد من العلم الإجماليّ في مسألة حكم الحاكم بتنصيف عين كالدار مثلا الذي ادّعى زيد مالكيّة تمامها و ادّعى عمرو أيضا مالكيّة تمامها، فإنّ الحاكم بالتنصيف يعلم بالقطع و اليقين كذب أحد المتداعيين و مخالفة حكمه الواقع بعد كون الدار بأجمعها ملكا لأحدهما واقعا، و وجه التنصيف فيه ورود بعض الروايات المعتبرة المعمول‏

____________

(1) فوائد الاصول 3: 81 و 82.

(2) كما صرّح به ابن مالك: 152 عند قوله:

و جرّد الفعل إذا ما اسندا* * * لاثنين أو جمع كفاز الشهداء

449

بحيث يعلم صدق أحدهما و كذب الآخر؛ فإنّ لازم ذلك [1] جواز شراء ثالث للنصفين من كلّ منهما، مع أنّه يعلم تفصيلا عدم انتقال تمام المال إليه من مالكه الواقعيّ.

____________

بها عند الأصحاب‏ (1) كما صرّح به المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) بقوله: «لو ادّعى أحد الشخصين ملكيّة جميع الدار و ادّعى الآخر ملكيّة الجميع أيضا، و كانت الدّار في يد كلّ منهما، أو أقام كلّ منهما البيّنة، أو حلف كلّ منهما على نفي ما يدّعيه الآخر، فالذي عليه الأصحاب و نطقت به الروايات هو الحكم بالتنصيف ...» (2).

و سيذكر المصنّف (رحمه اللّه) هذه المسألة في مبحث التعادل و التراجيح نقلا عن الشهيد (رحمه اللّه) في تمهيد القواعد (3).

[1] أي لازم حكم الحاكم بالتنصيف صحّة شراء شخص ثالث نصف الدار من زيد و نصفها الآخر من عمرو مع أنّه يعلم تفصيلا عدم انتقال المال إليه من مالكه الواقعيّ‏ (4).

____________

(1) أقول: و قد وقع نظير هذا التداعي في زمن حكومة أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام)، حيث تداعى رجلان بعيرا فأقام كلّ منهما بيّنة شرعيّة فجعله (عليه السّلام) بينهما. راجع وسائل الشيعة 13: 170، الباب 10 من أبواب في أحكام الصلح، الحديث الأوّل.

(2) فوائد الاصول 3: 85.

(3) انظر فرائد الاصول 4: 29، و تمهيد القواعد: 284.

(4) أقول: قال المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) عقيب كلامه المتقدّم: «أمّا مسألة حكم الحاكم بتنصيف العين التي تداعاها رجلان، فحالها كحال المسألة الاولى في أنّ عدّها من الموارد إنّما يكون على مذهبه، و عليه لا بدّ أن يلتزم بأنّ تلقّى الملك فهو حكم له شرعا بسبب ملك كهبة، أو-

450

و منها: حكمهم فيما لو كان لأحد درهم و لآخر درهمان، فتلف أحد الدراهم من عند الودعي: أنّ لصاحب الاثنين واحدا [1] و نصفا و للآخر نصفا؛ فإنّه قد يتّفق إفضاء [2] ذلك إلى مخالفة تفصيلية، كما لو أخذ الدرهم المشترك بينهما ثالث [3]، فإنّه يعلم تفصيلا بعدم انتقاله من مالكه الواقعيّ إليه.

____________

الخامسة: الحكم بتنصيف الدرهم المشترك‏

[1] مسألة: لو أودع شخص درهما عند الودعيّ الأمين و أودع شخص آخر عنده درهمين، فتلف درهم من المجموع المشترك فيردّ درهم و نصف لصاحب الدرهمين و نصف درهم لصاحب الدرهم على ما حكم به الأصحاب، مع أنّ من يشتري منهما الدرهم المشترك يعلم تفصيلا بعدم انتقال بعض المال إليه من مالكه الواقعيّ، كالمسألة المتقدّمة بعينها.

و لا يخفى أنّ هذه المسألة أيضا سيذكرها المصنّف (رحمه اللّه) في مبحث التعادل و التراجيح‏ (1)، و ورد فيها أيضا رواية معتبرة ذكرها الشيخ الحرّ العامليّ (رحمه اللّه) في الوسائل‏ (2).

[2] أي قد ينجرّ.

[3] هذا فاعل قوله: «أخذ».

____________

شراء، أو غيرها، يوجب كون المتلقّى مالكا له ظاهرا، كما سيأتي شرحه ...». (درر الفوائد: 55).

(1) انظر فرائد الاصول 4: 31.

(2) انظر وسائل الشيعة 13: 171، الباب 12 من أحكام الصلح، الحديث الأوّل.

451

و منها: ما لو أقرّ بعين لشخص ثمّ أقرّ بها لآخر، فإنّه يغرم للثاني قيمة العين بعد دفعها إلى الأوّل [1]؛ فإنّه قد يؤدّي ذلك إلى اجتماع العين و القيمة عند واحد و يبيعهما بثمن واحد، فيعلم عدم انتقال تمام الثمن إليه؛ لكون بعض مثمنه مال المقرّ في الواقع.

____________

السادسة: إقرار شخص واحد بعين لشخصين‏

[1] إشارة إلى قاعدة مستفادة من بعض الروايات المرسلة و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز (1)» (2) التي يستفاد منها مشروعيّة الإقرار و نفوذه‏ (3).

و لا يخفى أنّ الشيخ الطوسيّ (رحمه اللّه) لم يلتزم بهذه القاعدة و حكم بكون الإقرار الثاني لغوا (4)، و نسب إلى المشهور الحكم بأخذ العين المقرّ بها- ككتاب مثلا- من المقرّ- كخالد مثلا- و تسليمها إلى المقرّ له الأوّل- كزيد مثلا- و أخذ قيمتها من‏

____________

(1) المراد من الجواز هو النفوذ و مشروعيّة الإقرار. انظر العناوين 2: 630- 633، العنوان 81، و القواعد الفقهيّة للبجنورديّ 3: 37.

(2) وسائل الشيعة 16: 111، الباب 3 من كتاب الإقرار، الحديث 2. قال صاحب الجواهر (رحمه اللّه) عنه: «النبويّ المستفيض أو المتواتر» (جواهر الكلام 35: 3).

(3) أقول: يوجد مورد في الشرع قد اتّفق الأصحاب فيه على بطلان الإقرار الأوّل و عدم نفوذه شرعا، و هو: إذا أقرّ أوّلا باللواط أو الزنا مع المحصنة، و عدل عنه ثانيا فلا يجوز في هذا المورد إجراء الحدّ عليه استنادا إلى إقراره الأوّل، و التفصيل في محلّه. انظر على سبيل المثال: كتاب الخلاف 5: 378، المسألة 17 قال: «إذا أقرّ بحدّ، ثمّ رجع عنه، سقط الحدّ».

(4) لم نعثر عليه.

452

و منها: الحكم بانفساخ العقد المتنازع في تعيين ثمنه أو مثمنه [1] على وجه [2] يقضى فيه [3] بالتحالف، ....

____________

المقرّ للمقرّ له الثاني- كعمرو مثلا-، و لا يخفى أنّ فيه أيضا مخالفة العلم التفصيليّ بالنسبة إلى الثالث.

توضيح ذلك: إذا وهب كلّ من زيد و عمرو مثلا الكتاب و الغرامة- أي القيمة- إلى شخص ثالث فحصل عنده العين و الغرامة، فباعهما الثالث بشخص رابع بثمن واحد، فإنّه- أي الشخص الثالث- بعد علمه الإجماليّ بكون بعض المثمن- أي الكتاب أو قيمته- في الواقع ملكا للمقرّ، علم تفصيلا بعدم انتقال تمام الثمن إليه‏ (1).

السابعة: ما لو تنازع المتبايعان في الثمن أو المثمن ...

[1] إشارة إلى تنازع المتبايعين في الثمن أو المثمن بعد توافقهما على وقوع أصل البيع.

[2] الجارّ يتعلّق بالتنازع المستفاد من «المتنازع».

[3] الضمير هنا يعود إلى «العقد المتنازع ...»، و المقصود أداء التنازع بينهما إلى التحالف و اليمين عند الحاكم، و قد قرّر في محلّه أنّه ينفسخ البيع قهرا و يرجع كلّ من الثمن و المثمن إلى مالكه الأصليّ.

____________

(1) أقول: و لعلّ الحقّ في المسألة مع الشيخ الطوسيّ (رحمه اللّه)، فإنّه مضافا إلى محذور اللغويّة يلزم محذور آخر، و هو أنّه لا بدّ من لزوم الإقرار في الملك، مع أنّه بعد الإقرار الأوّل لا ملك للمقرّ خارجا حتّى يتحقّق فيه الإقرار، و التفصيل في محلّه.

453

كما لو اختلفا في كون المبيع بالثمن المعيّن عبدا أو جارية [1]؛ فإنّ ردّ الثمن إلى المشتري بعد التحالف مخالف للعلم التفصيليّ بصيرورته ملك البائع ثمنا للعبد أو الجارية. و كذا لو اختلفا في كون ثمن الجارية المعيّنة [2] عشرة دنانير أو مائة درهم؛ فإنّ الحكم بردّ الجارية مخالف للعلم التفصيليّ بدخولها في ملك المشتري.

____________

و قد قرّر في محلّه أنّه إذا أقام أحد المتنازعين بيّنة على إثبات مدّعاه شرعا، يحكم الحاكم له و على المدّعى عليه‏ (1) و يلزم العقد، و هكذا إذا حلف أحدهما مع نكول الآخر، فإنّه يحكم أيضا له و على صاحبه، و أمّا إن حلفا معا فيحكم بانفساخ العقد قهرا و رجوع العوضين إلى صاحبهما.

[1] هذا مثال لصورة التنازع و الاختلاف في تعيين المثمن، فإذا ادّعى أحدهما أنّه كانت جارية و الآخر أنّه كان عبدا، مع توافقهما في الثمن كمائة درهم مثلا، فكلّ واحد منهما يعترف بكون البائع مالكا لمائة درهم، و من المعلوم أنّ مع انفساخ البيع و حكم الحاكم بردّ الثمن إلى المشتري يحصل له العلم التفصيليّ بالتصرّف في ملك الغير، أي البائع.

[2] هذا مثال لصورة التنازع و الاختلاف في تعيين الثمن، فإذا ادّعى أحدهما أنّه كان عشرة دنانير و الآخر أنّه كان مائة، مع توافقهما في المثمن بأنّها جارية مثلا، فكلّ منهما يعترف بكون المشتري مالك الجارية، و من المعلوم أنّ مع‏

____________

(1) أي يحكم الحاكم بنفع ذي البيّنة و بضرر الفاقد لها و أيضا يحكم بنفع الحالف و بضرر الناكل.

454

و منها: حكم بعضهم بأنّه لو قال أحدهما: بعتك الجارية بمائة، و قال الآخر:

وهبتني إيّاها: أنّهما يتحالفان [1] و تردّ الجارية إلى صاحبها، مع أنّا نعلم تفصيلا بانتقالها عن ملك صاحبها إلى الآخر.

____________

انفساخ البيع و حكم الحاكم بردّ المثمن إلى البائع يحصل له العلم التفصيليّ بالتصرّف في ملك الغير، أي المشتري.

أقول: إنّ في طرح المسألة في كلا الموردين تسامحا، سينبّه عليه المصنّف (رحمه اللّه) في ما بعد إن شاء اللّه‏ (1)، و قد نبّه عليه أيضا صاحب الأوثق (رحمه اللّه) هنا و قال: «لا يخفى أنّه مع الحكم بانفساخ العقد لا يلزم منه مخالفة العلم التفصيليّ أصلا؛ إذ مع الانفساخ يردّ كلّ مال إلى صاحبه الأوّل، و الإشكال إنّما هو في الحكم بوجوب ردّ الثمن إلى المشتري في الفرض الأوّل، و ردّ الجارية المبيعة إلى البائع في الفرض الثاني مع الحكم ببقاء العقد و عدم انفساخه، و إلّا فلا إشكال في ما ذكر مع الحكم بالانفساخ ...» (2).

الثامنة: في ما إذا اختلف المتعاقدان في كون العين مبيعة أو موهوبة

[1] هذا مثال لصورة تنازع المتعاقدين في أنّ تمليك الجارية كان هبة مجّانا أو بيعا معوّضا، فكلّ منهما يعترف بكون مدّعي الهبة مالكا لها، فيلزم من ردّ الجارية إلى مدّعي البيع بعد التحالف مخالفة العلم التفصيليّ؛ للقطع‏

____________

(1) انظر الصفحة 463، ذيل عنوان «التوجيه الخامس الذي يوجّه به المسألتان الأخيرتان».

(2) أوثق الوسائل: 44.