الوصائل إلى الرسائل‏ - ج6

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
355

إلّا أن يراد إثبات ظهورها، من حيث إنّ حملها على خصوص المؤاخذة يوجب عدم التخصيص في عموم الأدلّة المثبتة لآثار تلك الامور و حملها على العموم يوجب التخصيص فيها.

____________

و لا يخفى: انّ الفرق بين كون الرواية ظاهرة في رفع المؤاخذة- كما ادعاه المصنّف- و بين كونها مجملة، و ان رفع المؤاخذة متيقن- كما نسب الى العلّامة- هو انّه على الأوّل: يحكم بأنّ المراد من الموصول في «ما لا يعلمون»: الفعل- كما تقدّم- أما على الثاني: فهو يشمل الفعل و الحكم، فيشمل الموصول في:

«ما لا يعلمون» الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة معا، و هذا هو الذي رجّحناه.

الثاني من الموهنات الثلاثة التي ذكرها المصنّف لإرادة نفي جميع الآثار هو ما أشار اليه بقوله: (إلّا أن يراد: إثبات ظهورها) أي: ظهور الرّواية في رفع المؤاخذة (من حيث إنّ حملها على خصوص المؤاخذة، يوجب عدم التخصيص في عموم الأدلة المثبتة لآثار تلك الامور.

فانّ التكاليف إذا أخطأ العبد فيها، أو نسيها، أو اضطر إليها، لها آثار كثيرة جدا، فاذا حملنا حديث الرّفع على المؤاخذة فقط، كان المرفوع: المؤاخذة، فيكون التخصيص في تلك العمومات قليلا، لأنّ سائر الآثار باقية على حالها، أمّا إذا حملنا الحديث على رفع جميع الآثار، وجب التخصيص في كل تلك الآثار بسبب الخطأ، و النسيان، و نحوهما.

و من المعلوم: انّ قلة التخصيص أولى من كثرته، فاذا كان- مثلا-: كلمة الفاسق علما لشخص، و له معنى لغوي يشمل كلّ عاص، فقال المولى: أكرم العلماء و لا تكرم الفاسق، و تردّد الفاسق بين أن يكون المراد به: العلمي، فالخارج‏

356

فعموم تلك الأدلّة مبيّن لتلك الرواية،

____________

من أكرم العلماء شخص واحد، و ان يكون: الوصفي، فالخارج منه عشرة، لفرض وجود عشرة من العلماء الفسّاق، كان أكرم العلماء دليلا على إرادة الفاسق العلمي، لأن التخصيص حينئذ أقل.

و مثال المقام: من نسي الطهارة وجب عليه إعادة الصلاة، و قضاؤها، و المؤاخذة، كما نرى في الموالي العرفية ذلك، فانّهم يؤاخذون الناسي لأوامرهم.

و كذا من قتل مسلما خطأ وجب عليه الكفارة، و الدية، و الصيام، و المؤاخذة.

فيدور أمر حديث الرفع بين رفع المؤاخذة فقط و بقاء سائر الآثار، و بين رفع كل الآثار و حيث إنّ الأوّل أقل تخصيصا يقدّم على الثاني: لأن العام شمل الجميع، فاذا تردّد المخصّص بين الأقل و الأكثر حمل على الأقل.

هذا، و لكنّا ذكرنا: انّ الظاهر من الحديث هو: رفع كل الآثار، فلا مجال للقول بإجمال المخصّص و دورانه بين الأقل و الأكثر حتى يقال: بان التخصيص الأقل أولى من الأكثر، فيكون العام دليلا على كون المخصص يراد به الأقل.

و على أي حال: (ف) عند المصنّف‏ (عموم تلك الأدلة) التي أطلقت الآثار لتلك الأشياء، مثل إطلاق أدلة آثار الصلاة و غيرها (مبيّن لتلك الرّواية) و مراد المصنّف بالعموم: أعم من العموم و الاطلاق، فانّ أصالة العموم و أصالة الاطلاق في الأدلة المثبتة للأحكام و الآثار للصلاة، و الصوم، و الحج، و القتل، و ما أشبه، تكون قرينة على ان المرفوع في هذه الرواية المخصصة، الدالة على رفع تسعة امور عن الامة هو المؤاخذة فقط.

357

فانّ المخصّص إذا كان مجملا من جهة تردّده بين ما يوجب كثرة الخارج و بين ما يوجب قلّته، كان عموم العامّ بالنسبة إلى التخصيص المشكوك فيه مبيّنا لاجماله، فتأمّل.

و أضعف من الوهن‏

____________

(فانّ المخصّص) كحديث الرفع- مثلا- (إذا كان مجملا من جهة تردّده بين ما يوجب كثرة الخارج، و بين ما يوجب قلّته، كان عموم العام) و إطلاق المطلق‏ (بالنسبة الى التخصيص المشكوك فيه) و التقييد المشكوك فيه: بانّه هل التخصيص و التقييد للأفراد الأكثر، أو للأفراد الأقل؟ (مبيّنا لا جماله) أي:

لا جمال ذلك المخصّص و المقيّد.

(فتأمّل) لعلّه إشارة الى ما ذكرناه: من كون الظهور في العموم و الاطلاق، أو اشارة الى ان ظهور العام و إطلاق المطلق لا يرفع إجمال المخصّص الدائر أمره بين الأقل و الأكثر، بل المخصّص و المقيّد يبقى على إجماله، و إنّما يحمل ما نحن فيه على إرادة المؤاخذة فقط، من باب ان المؤاخذة هي القدر المتيقن، لا من باب الظهور.

و عليه: فالعام و المطلق لا يبينان المراد من المجمل حتى يكون للمخصّص و المقيد ظهور في الأقل، و إنّما يؤخذ بالقدر المتيقن من المخصّص و المقيّد.

ثم إنك قد عرفت: انّ المصنّف ليس بناؤه العموم في حديث الرفع، و انّما يخصّصه برفع المؤاخذة فقط، لكنّه (رحمه الله) ذكر: إن جماعة ذكروا الموهنات للعموم، و حيث لم يرتض المصنّف تلك الموهنات قام بتصنيفها و ردّها، و قد ردّ موهنين منها بعد ذكرها.

الثالث من تلك الموهنات للعموم هو ما أشار اليه بقوله: (و أضعف من الوهن‏

358

المذكور وهن العموم بلزوم التخصيص بكثير من الآثار بل أكثرها، حيث انّها لا ترفع بالخطإ و النسيان و أخواتهما، و هو ناش عن عدم تحصيل معنى الرّواية كما هو حقّه.

____________

المذكور) المتقدّم‏ (وهن العموم بلزوم التّخصيص بكثير من الآثار، بل أكثرها) فانّه لو كان المراد: رفع جميع الآثار، كان حديث الرفع نفسه موردا للتخصيص الكثير (حيث انّها) أي: تلك الآثار (لا ترفع بالخطإ، و النسيان، و أخواتهما).

فانّه لو كان المرفوع: كل الآثار، لزم أن لا يكون للسهو في الصلاة سجدة خاصة، و لا الخطأ في إفطار رمضان بزعم الغروب أو بزعم عدم طلوع الفجر موجبا للقضاء، و لا الخطأ في القتل موجبا للدية، و هكذا، و الحال إنّا نرى: إنّ هذه الآثار ثابتة للخطإ، و النسيان، و نحوهما من سائر ما ذكر في حديث الرفع، و هذا دليل على أن المرفوع: المؤاخذة فقط.

(و هو) أي: هذا التوهم: بأن حديث الرفع لو كان شاملا لكل الآثار وجب التخصيص الكثير فيه‏ (ناش عن عدم تحصيل معنى الرّواية كما هو حقه) فانّه سواء أريد بالرواية المؤاخذة، أو كل الآثار، لا يكون موجبا لرفع آثار الخطأ، و النسيان، و نحوهما، ممّا رتب على الخطأ بما هو خطأ، و على النسيان بما هو نسيان، و إنّما يرفع الآثار المرتبة على الصلاة و الصيام و نحوهما، بما هي صلاة، و صوم، و نحوهما.

فانّ الدليل الشرعي قد يدلّ على أثر للصلاة بما هي صلاة، كما اذا قال الدليل:

الجهر واجب في صلاة الصبح.

و قد يدلّ الدّليل على أثر للصلاة بشرط الخطأ فيها، فيكون موضوع الأثر:

الصلاة المشروطة بالخطإ كما إذا قال الدليل: الصلاة المسهوّ فيها تحتاج‏

359

فاعلم أنّه إذا بنينا على عموم رفع الآثار، فليس المراد بها الآثار المترتّبة على هذه العنوانات من حيث هي، إذ لا يعقل رفع الآثار الشرعيّة

____________

الى سجدتي السهو.

و قد يدلّ الدليل على أثر للصلاة بشرط عدم الخطأ فيها، فيكون موضوع الأثر:

الصلاة التي لم يخطأ فيها، كما إذا قال الدليل: إنّ الصلاة التي لم يخطأ فيها الإمام تكون واجبة المتابعة للمأموم، أما إذا أخطأ الإمام فيها، بأن نسي التشهد- مثلا- فاللازم على المأموم أن يتشهد بنفسه، لا أن يتبع الإمام في القيام بعد السجدة الثانية قبل التشهد.

و هكذا بالنسبة الى القتل: فالقتل المشروط بالعمد: عليه القصاص.

و القتل المشروط بعدم العمد: عليه الدّية.

و القتل بما هو قتل: له كذا من الحكم كالكفارة- مثلا-.

اذا عرفت ذلك قلنا في جواب هذا الموهن للعموم: (فاعلم: انّه إذا بنينا على عموم رفع الآثار) في حديث الرفع، فانّه مع ذلك لا يشمل الحديث بعض أصناف الآثار قطعا.

(فليس المراد بها) أي: بالآثار المرفوعة (الآثار المترتبة على هذه العنوانات) أي: عنوان الخطأ، و عنوان السهو، و عنوان الاضطرار، و نحوها (من حيث هي) فانّ الشارع جعل لنفس هذه العناوين آثارا مخصوصة، كما مثّلنا بسجدتي السهو أثرا للنسيان في الصلاة، و القضاء أثرا للخطإ في الأكل قبل الفحص عن الغروب، و الدية أثرا للخطإ في القتل، و هكذا.

و من الواضح: انّ هذه الآثار لا ترفع بالخطإ، و السهو، و النسيان، و ما أشبه، بل انّ هذه الآثار تثبت بسبب هذه العناوين‏ (إذ لا يعقل رفع الآثار الشّرعيّة

360

المترتّبة على الخطأ، و السّهو من حيث هذين العنوانين، كوجوب الكفارة المترتّب على قتل الخطأ، و وجوب سجدتي السّهو المترتّب على نسيان بعض الأجزاء.

و ليس المراد أيضا رفع الآثار المترتّبة على الشي‏ء بوصف عدم الخطأ، مثل قوله: «من تعمّد الافطار فعليه كذا»، لأنّ هذا الأثر يرتفع بنفسه‏

____________

المترتبة على الخطأ، و السّهو،) و النسيان، و ما أشبه‏ (من حيث هذين العنوانين) أي: الخطأ، و السهو، و كذا سائر العناوين المأخوذة في حديث الرفع.

و تلك الآثار: (كوجوب الكفّارة المترتّب على قتل الخطأ، و وجوب سجدتي السّهو المترتّب على نسيان بعض الأجزاء) و وجوب القضاء المترتب على الخطأ في الأكل بدون الفحص عن الفجر أو عن الغروب، إلى غير ذلك.

(و) كذا (ليس المراد أيضا) من رفع جميع الآثار في حديث الرفع: (رفع الآثار المترتبة على الشي‏ء بوصف عدم) هذه العناوين أي: الصلاة المشروطة بعدم‏ (الخطأ) و عدم النسيان، و ما أشبه‏ (مثل قوله) (عليه السلام) (: من تعمّد الافطار فعليه كذا) من الكفارة، و قوله (عليه السلام): «من قتل مسلما متعمدا فعليه القصاص»، و قوله (عليه السلام): «من زنا متعمدا بدون اضطرار، أو نسيان‏ (1)، أو جهل‏ (2)، أو ما أشبه، فعليه الحدّ»، الى آخر هذه العناوين المترتبة على الأشياء بوصف العمد.

و ذلك‏ (لأنّ هذا الأثر) و نحوه، المترتب على متعمّد الفعل‏ (يرتفع بنفسه‏

____________

(1)- راجع وسائل الشيعة: ج 28 ص 110 ب 18 و فيه ثمانية أحاديث.

(2)- راجع وسائل الشيعة: ج 28 ص 32 ب 14.

361

في صورة الخطأ.

بل المراد أنّ الآثار المترتّبة على نفس الفعل لا بشرط الخطأ و العمد قد رفعها الشارع عن ذلك الفعل إذا صدر عن خطأ.

____________

في صورة الخطأ) و نحوه بانتفاء موضوعه، لفرض انّ موضوعه: هو الشي‏ء بوصف التعمد، فاذا أخطأ الانسان، لم يكن ذلك الأثر، لأنه لم يكن تعمد، فانّ الحكم يرتفع بانتفاء موضوعه، و لا حاجة الى التمسك بحديث الرفع في رفع هذا الأثر المترتب على الشي‏ء بوصف التعمد.

و الحاصل: انّ الصلاة في الشريعة لها أحكام ثلاثة:

الأوّل: الأحكام المترتبة على الصلاة من حيث السهو.

الثاني: الأحكام المترتبة على الصلاة من حيث العمد.

و هذان الأثران لا يرتفعان بحديث الرفع.

الثالث: الصلاة بما هي صلاة، فاذا كان للصلاة بما هي صلاة آثار، رفع تلك الآثار حديث الرفع.

و الى هذا الثالث أشار المصنّف بقوله:-

(بل المراد: أنّ الآثار المترتبة على نفس الفعل) بما هو فعل‏ (لا بشرط الخطأ و العمد) و لا بشرط النسيان و الذكر، و لا بشرط الجهل و العلم، و لا بشرط الاختيار و عدمه، و لا بشرط السهو و عدمه، بل الصلاة بما هي صلاة، فإنّ الشارع رتّب على الصلاة بما هي صلاة أحكاما و حديث الرفع‏ (قد رفعها) أي: رفع تلك الاحكام التي رتبها (الشّارع، عن ذلك الفعل) الصلاتي فيما (إذا صدر عن خطأ) أو نسيان، أو اضطرار، أو سهو، أو جهل، أو ما أشبه ذلك.

و عليه: فان حديث الرفع يكون مخصصا لهذا النحو من الأدلة المثبتة للآثار

362

ثمّ المراد بالآثار هي الآثار المجعولة الشرعيّة الّتي وضعها الشارع، لأنّها القابلة للارتفاع برفعه.

و أمّا ما لم يكن بجعله من الآثار العقليّة و العاديّة، فلا تدلّ الرواية على رفعها

____________

بنحو الاطلاق أو العموم، بدون تقييد للصلاة و الصوم و نحوهما بالعمد أو باللاعمد.

(ثم) إنّ هنا مطلبا آخر و هو: إنّ الأثر المرفوع بحديث الرفع هو الأثر الشرعي فقط، لا الأثر العقلي، أو العرفي، أو العادي.

فللصبي المميز- مثلا- آثار، فاستحباب الصلاة له، اثره شرعا، و كونه في الحيز، اثره عقلا، و انه يحترم في المجتمع، أثره عرفا، و انبات اللحية له إذا وصل الى عمر كذا، أثره عادة، و حديث الرفع يرفع القسم الأوّل من الآثار، لا سائر الأقسام، لأن وضع سائر الاقسام و رفعها إنّما يكون بأسبابها الخاصة، لا بالتشريع الشرعي، فالشارع إنّما يرفع الأثر الذي وضعه هو، لا الآثار العقليّة و العرفيّة و العاديّة.

و لذا قال المصنّف: (المراد بالآثار) المرفوعة بحديث الرفع عند من يرى رفع جميع الآثار (هي: الآثار المجعولة الشّرعيّة الّتي وضعها الشارع): من القضاء، و الاعادة، و الكفارة، و الحدّ، و الضمان، و غيرها (لأنّها القابلة للارتفاع برفعه) أي: برفع الشارع.

(و أمّا ما لم يكن بجعله من الآثار العقليّة) كالكون في الحيّز (و العادّية) كنبات اللحية عند البلوغ، و العرفيّة كاحترام المجتمع له‏ (فلا تدلّ الرّواية على رفعها) فمن اضطر إلى شرب الخمر- مثلا- فشربها سكر، و الشارع لا يرفع السكر.

363

و لا رفع الآثار المجعولة المترتّبة عليها.

____________

و عليه: فكما لا يرتفع بحديث الرفع الآثار العقلية، و العادية، و العرفية بنفسها كذلك لا يرتفع بحديث الرفع أثر تلك الآثار العقليّة، و العاديّة و العرفيّة.

و لهذا قال المصنّف: (و لا رفع الآثار المجعولة المترتبة عليها) أي: على الآثار العقلية، و العرفية، و العادية، فاذا نذر- مثلا-: انه كلما سكر صلّى ركعتين، فاذا اضطر الى شرب الخمر و سكر، لا يرتفع عنه وجوب صلاة ركعتين، لأنّه جعل موضوع نذره: السكر مطلقا، لا مقيدا بأن يكون السكر مترتبا على شرب حرام، أو جائز من جهة الاضطرار، الى غير ذلك من الأمثلة.

ثم انّ المراد بالرفع: ما يكون له مقتض و إن كان المقتضي ضعيفا لا يتمكن من الأثر، أو كان المقتضي قويا في نفسه يتمكن من الأثر ذاتا، لكن هناك مانع يقف أمامه فلا يدعه يؤثر أثره، أو كان له مقتضي في الامم السابقة و لا مقتضي له إطلاقا في هذه الامّة، فان إطلاق الأثر على هذا القسم الثالث أيضا صحيح.

مثلا: النّار الضعيفة لا تحرق العود القوي لضعف المقتضي، و النار القوية لا تحرق العود الضعيف المرطوب لوجود المانع، و النار المستمرة في إحراق أشياء البيت من: القماش، و الخشب، و الكتاب، إذا وصلت الى ماء الحوض لا تحرقه، لأن النار لم تخلق لإحراق الماء، فليس بينهما سببية و مسببيّة، بل الماء خارج موضوعا.

و بهذا المعنى الثالث قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع القلم عن الصبيّ و المجنون» (1) فانهما

____________

(1)- وسائل الشيعة: ج 1 ص 45 ب 4 ح 81، غوالي اللئالي: ج 3 ص 528 ح 3 (بالمعنى)، بحار الانوار: ج 5 ص 303 ح 13 ب 14.

364

ثمّ المراد بالرّفع ما يشمل عدم التكليف مع قيام المقتضي له، فيعمّ الدفع و لو بأن يوجّه التكليف على وجه يخصّ بالعامد،

____________

خارجان موضوعا عن وضع القلم.

بخلاف رفع القلم عن المكره حيث يمكن وضع القلم عليه، بأن يقال له:

لا تفعل الحرام و إن قتلك المكره- بالكسر- و كذا على المضطر، بأن يقال له:

لا تشرب الخمر و إن سبب المرض موتك إلى غير ذلك.

إذن: فربّما يمكن وضع القلم، لكن الشارع يرفعه، و ربّما لا يمكن وضع القلم و إنّما يطلق الرفع باعتبار أن القلم كان غير مرفوع عن زيد و عمرو و بكر، فاذا وصل إلى خالد الصبي أو المجنون ارتفع، و كذا كان القلم موضوعا على أمة إبراهيم، و موسى، و عيسى، و لوط، و إسحاق، لكن لما وصل إلى أمة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ارتفع.

و على أيّ حال: فقد قال المصنّف: (ثمّ المراد بالرّفع ما يشمل عدم التّكليف مع قيام المقتضي له) أي: للتكليف‏ (فيعم) الرفع في هذا الحديث‏ (الدفع) فانّه قد يكون تكليف على انسان ثم يرفع عنه، و قد لا يجعل له تكليف و إنّما يدفع التكليف عنه قبل مجيئه إليه كما قال: (و لو بأن يوجه التكليف على وجه يخصّ بالعامد) فيكون عدم تكليف الجاهل، و الناسي، و من أشبه، من باب الدفع حيث لم يوضع التكليف عليهم، لا من باب الرفع، بأن وضع عليهم التكليف ثم ارتفع، فانّه قد يصب الماء على إنسان ثم يرتفع بلله بواسطة المنشفة، و قد يمنع من صبّ الماء عليه، و كلاهما يطلق عليهما: الرفع.

و ربّما يطلق على الأوّل: الرفع، و على الثاني: الدفع.

و إن شئت قلت: انّ بين الرفع و الدفع عموما مطلقا، فإنّ كل دفع رفع، و ليس‏

365

كلّ رفع دفعا، و حديث الرفع من باب الدفع لا من باب الرفع، لأنّه من الأوّل لم توضع التكاليف على هذه الامّة حتى ترفع عنها، و انّما دفع التكليف عنها بعد ما كان مثبتا على الامم السابقة.

و عليه: فقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن امتي ...» إخبار عن عدم جعل التكليف رأسا في موارد الخطأ، و النسيان، و الاكراه، و عدم الطاقة، و الاضطرار، و الحسد، و الطيرة، و الوسوسة، و ما لا يعلمون.

و التعبير بالرفع دون الدفع لعله للاشارة إلى ثبوت هذه التكاليف بهذه العناوين على الامم السابقة، كما ذكرنا في مثال رفع القلم عن الصبيّ و المجنون.

و لا يخفى: انّه لا تكليف في «ما لا يعلمون» اطلاقا، لا أنّه تكليف غير منجّز، و المراد بالاطلاق: مقابل العلم الاجمالي، حيث يمكن جعل الاحتياط على العلم الاجمالي، أمّا إذا لم يعلم إنسان شيئا، لا علما إجماليا و لا تفصيليا، و كان قاصرا، فانّه لا يعقل وضع التكليف عليه، إذ ما فائدة هذا التكليف من الحكيم؟.

لا يقال: انّ وضع التكليف عليه يفيد: انّه متى علم به ترتب عليه أثره: من القضاء، و الكفارة، و نحوهما.

لأنّه يقال: أوّلا: نفرض انّه لم يعلم به حتى الموت، و لم يكن له بعد موته أثر أيضا: كقضاء ولده الاكبر- مثلا- أو القضاء بالاستيجار له من ماله، لانّه لا ولد و لا مال له- مثلا-.

و ثانيا: انّه إذا علم ثبت عليه تكليف بالقضاء و نحوه، لا انه يصح التكليف عليه، حال جهله، كما انّ القضاء بالنسبة إلى ولده الاكبر، أو القضاء من تركته، تكليف جديد لا انّه تكليف كان عليه انتقل إلى غيره.

366

و سيجي‏ء بيانه.

فان قلت: على ما ذكرت يخرج أثر التكليف في «ما لا يعملون» عن مورد الرّواية، لأنّ استحقاق العقاب أثر عقليّ له‏

____________

لا يقال: فيه الاقتضاء في حال الجهل، لأنّ التكليف تابع للمصلحة و المفسدة لأنّه يقال: الاقتضاء لا يسمى تكليفا، و كلامنا في التكليف لا في الاقتضاء.

و كيف كان: فالمراد بالرفع: الدفع‏ (و سيجي‏ء بيانه) مفصلا إنشاء اللّه تعالى.

(فان قلت:) أوّلا: انكم قلتم: إنّ الأثر المرفوع في حديث الرفع، هو الأثر الشرعي لا الأثر العقلي، و الحال انّ العقاب على المعصية أثر عقليّ، لا ان الشارع جعله بالتشريع.

ثانيا: و قلتم أيضا: ان المرفوع هو الأثر المترتب على الشي‏ء بما هو هو، أي:

على الصلاة- مثلا- بما هي صلاة، لا على الصلاة المشروطة بشي‏ء، أو المشروطة بعدم شي‏ء، و في «ما لا يعلمون» كلا الأمرين منتفيان و ذلك كما يلي:

أوّلا: انّ الصلاة المنسية- مثلا- قلتم: العقاب فيها مرفوع، بينما العقاب أثر عقلي و ليس أثرا شرعيا.

ثانيا: انّ العقاب مترتب على ترك الصلاة بشرط العصيان، فترك الصلاة بشرط العصيان يترتب عليه العقاب، و قد ذكرتم انّ المرفوع: هو أثر الصلاة بلا شرط، فكيف تقولون إنّ الصلاة المنسية مرفوع عنها العقاب بحديث الرفع؟ و الى هذين المطلبين أشار المصنّف بقوله:

أولا: (على ما ذكرت يخرج أثر التكليف) كالتكليف بالصلاة (في «ما لا يعلمون» عن مورد الرّواية، لأنّ استحقاق العقاب أثر عقليّ له) فاثر التكليف غير المعلوم كحرمة التتن- مثلا- هو استحقاق المؤاخذة و هو أثر عقلي‏

367

مع أنّه متفرّع على المخالفة بقيد العمد، إذ مناطه، أعني المعصية، لا يتحقق إلّا بذلك.

و أمّا نفس المؤاخذة فليست من الآثار المجعولة الشرعيّة.

و الحاصل:

____________

و ليس أثرا شرعيا حتى يرتفع بحديث الرفع، فلا معنى للرفع بالنسبة الى «ما لا يعلمون».

ثانيا: (مع انّه) أي: الاستحقاق‏ (متفرّع على المخالفة بقيد العمد، إذ مناطه) أي: مناط الاستحقاق‏ (أعني المعصية لا يتحقق إلّا بذلك) أي: بقيد العمد، فانّ استحقاق المؤاخذة من الآثار المقيدة بالعمد، نظير من تعمد ترك الصلاة أو تعمد الافطار، حيث إنه مناط المعصية، فانّ المعصية عبارة عن المخالفة العمدية، و قد تقدّم: انّ هذا المصنّف من الأثر يرتفع بنفسه عند انتفاء العمد، فلا حاجة في رفعه الى حديث الرفع.

ثم ان الاشكال الأوّل إنّما هو فيما إذا قلنا بانّ استحقاق العقاب يرتفع بسبب «ما لا يعلمون».

(و أمّا) إذا قلنا: إن‏ (نفس المؤاخذة) ترتفع بما لا يعلمون‏ (ف) فيه: انّه‏ (ليست) المؤاخذة (من الآثار المجعولة الشرعيّة) القابلة للارتفاع، فانّ نفس المؤاخذة هي من فعل اللّه سبحانه و تعالى ينفذها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ (1).

(و الحاصل:) من كل ذلك هو ما يلي:

____________

(1)- سورة التحريم: الآية 6.

368

أنّه ليس في «ما لا يعلمون» أثر مجعول من الشارع مترتّب على الفعل لا بقيد العلم و الجهل حتّى يحكم الشارع بارتفاعه مع الجهل.

قلت: قد عرفت أنّ‏

____________

أوّلا: (أنّه ليس في «ما لا يعلمون» أثر مجعول من الشارع مترتب على الفعل) لأن الأثر اما هو استحقاق العقاب، و أما نفس المؤاخذة، و كلاهما ليس أثرا شرعيّا لشرب التتن- مثلا- و إنّما الأول أثر عقليّ، و الثاني أثر خارجي له.

ثانيا: انه لو فرضنا وجود الأثر، لم يكن هذا الأثر (لا بقيد العلم و الجهل، حتى يحكم الشارع بارتفاعه مع الجهل) و قد ذكرتم: انّ الأثر المرفوع هو الأثر الموضوع على الشي‏ء مطلقا لا بقيد العلم و الجهل و نحو ذلك، فحدّ شرب الخمر- مثلا- من الآثار الشرعية المترتبة على الشرب، و لم يكن بقيد العلم او الجهل، فيحكم الشارع بارتفاعه مع الجهل.

و كذا حدّ الزنا موضوع على الزنا لا بقيد العلم و الجهل، كما في الآية الكريمة:

الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (1) فيحكم الشارع برفع هذا الاثر مع الجهل.

أما في المقام، فالمؤاخذة و الاستحقاق هما أثران مجعولان لترك الصلاة بقيد العمد، فحديث الرفع لا يتمكن أن يرفع مثل هذا الأثر و لو فرضنا كونه أثرا شرعيا.

هذا و قد أجاب المصنّف عن الاشكال الأوّل بقوله: (قلت: قد عرفت: انّ‏

____________

(1)- سورة النور: الآية 2.

369

المراد برفع التكليف عدم توجيهه إلى المكلّف مع قيام المقتضي له، سواء كان هناك دليل يثبته لو لا الرفع أم لا.

____________

المراد برفع التّكليف: عدم توجيهه إلى المكلّف مع قيام المقتضي له، سواء كان هناك دليل يثبته) أي: يثبت التكليف‏ (لو لا الرفع) فيكون رفعا (أم لا) بان لم يكن دليل يثبت التكليف فيكون دفعا، فالمرفوع ليس هو امّا المؤاخذة و امّا استحقاق العقاب، حتى يقال انّه ليس أثرا شرعيا، بل المرفوع شي‏ء آخر ممّا هو أثر شرعي، و ترتبه على الفعل بنحو «لا بشرط»، فيكون نفيه سببا للبراءة و نفي التكليف، فانّه لما أمكن توجيه الخطاب الى الشاك، و مع ذلك لم يوجّه الشارع اليه تكليفا، صدق انّه رفع التكليف عنه لما تقدّم: من انّ الرفع يشمل الأعم من الدفع.

بل قد ذكرنا نحن: صحة أن يقال: رفع عن الصبي و عن المجنون- أيضا- باعتبار: انّ القلم استمر على الناس حتى وصل إليهما فرفع عنهما و لم يستمر بالوضع عليهما و ان لم يكن فيهما مقتضى التكليف أصلا.

و بهذا ظهر: انه ليس المرفوع أوّلا و بالذات رفع المؤاخذة حتى يقال: انّ المؤاخذة ليست أثرا شرعيّا فلا يكون رفعها بيد الشارع، بل المراد: انّ منشأ المؤاخذة و هو: وجوب الاحتياط مرفوع، و إذا رفع منشأ المؤاخذة ارتفعت المؤاخذة بتبعه، من غير فرق بين أن يكون هناك دليل، يثبت التكليف لو لا الرفع مثل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (1) فان التكليف بالحرمة شامل للمختار و للمضطر لكن حديث الرفع نفاه فهو رفع للتكليف، أو لم يكن دليل يثبته: مثل من تعمد

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 3.

370

فالرفع هنا، نظير رفع الحرج في الشريعة. و حينئذ فاذا فرضناه أنّه لا يقبح في العقل أن يوجّه التكليف بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشكّ فيه، فلم يفعل، و لم يوجب تحصيل العلم و لو بالاحتياط و وجّه التكليف على وجه يختصّ بالعالم تسهيلا على المكلّف كفى‏

____________

الافطار فعليه الكفارة و التعزير، فانّه ليس بحيث يثبت وجوب الكفارة و التعزير على غير القادر لو لا حديث الرفع فغير القادر لا تكليف ثابت عليه حتى ينفيه حديث الرفع فهو دفع للتكليف.

و عليه: (فالرفع هنا، نظير رفع الحرج في الشريعة) حيث انّه يكون برفع منشئه فيرتفع هو بتبعه.

ثم أشار المصنّف إلى الجواب عن الاشكال الثاني بقوله: (و حينئذ) أي: حين كان رفع الأثر برفع التكليف و كان رفعه بمعنى: عدم توجهه مع وجود المقتضي‏ (فاذا فرضناه: انّه لا يقبح في العقل أن يوجّه التّكليف بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشك فيه) اذ لا يقبح عقلا توجيه الحرمة بايجاب الاحتياط و الاجتناب على الانسان الشاك في مائع: انّه خمر أم لا، و انّ الخمر حرام أم لا، و مع ذلك‏ (فلم يفعل) أي: لم يوجّه الشارع التحريم إلى الشاك بايجاب الاحتياط عليه.

(و لم يوجب تحصيل العلم) بالواقع‏ (و لو بالاحتياط، و وجّه التكليف على وجه يختص بالعالم) و ذلك‏ (تسهيلا على المكلّف) فانه اذا لم يقم دليل على وجوب الاحتياط (كفى) عدم القيام هذا في اختصاص تحريم الخمر بالعالم و إن‏

371

في صدق الرفع.

و هكذا الكلام في الخطأ و النسيان، فلا يشترط في تحقّق الرّفع وجود دليل يثبت التكليف في حال العمد و غيره، نعم لو قبح عقلا المؤاخذة على الترك، كما في الغافل الغير المتمكّن من الاحتياط، لم يكن في حقّه‏

____________

كان ظاهر قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ (1) شامل للجاهل و العالم؛ و عليه:

فعدم إيجاب الاحتياط الموجب لتحريم الخمر على الشاك، مع وجود المقتضي- تسهيلا عليه- يكفي‏ (في صدق الرفع) مع أنه دفع، و ذلك لما عرفت: من وجود المقتضي للتكليف و عدم المانع الموجب للقبح في توجيه الخطاب.

(و هكذا الكلام في الخطأ و النسيان) فانّه لا يقبح عقلا تحريم الخمر على الناسي و الخاطئ إذا أمكنهما التحفظ، فانّه إذا أمكن التحفظ و لم يكن في توجيه الخطاب قبح أصلا و مع ذلك لم يوجه الخطاب إليهما، كان صدق الرفع محققا، و لا يحتاج صدق الرفع إلى توجيه التكليف أولا الى الكل ثم رفع هذا التكليف عن الناسي و الخاطئ، بل يكفي في صدق الرفع: عدم التكليف بايجاب التحفظ و الاحتياط مع وجود المقتضي للتكليف.

إذن: (فلا يشترط في تحقق الرّفع: وجود دليل يثبت التكليف في حال العمد و غيره) و بذلك ظهر الجواب عن الاشكالين السابقين.

ثم إن المصنّف قال: (نعم، لو قبح عقلا المؤاخذة على الترك) أي: مؤاخذة الشارع على مخالفة التكليف‏ (كما في الغافل) أو الجاهل المركب‏ (غير المتمكن من الاحتياط) و الناسي أو الخاطئ الذي لا يتمكن من التحفظ (لم يكن في حقه‏

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 90.

372

رفع أصلا، إذ ليس من شأنه أن يوجّه التكليف اليه.

و حينئذ فنقول: معنى رفع أثر التحريم في «ما لا يعلمون» عدم إيجاب الاحتياط و التحفّظ فيه حتّى يلزمه ترتّب العقاب، إذا أفضى ترك التحفّظ إلى الوقوع في الحرام الواقعيّ.

و كذلك الكلام في رفع أثر النسيان و الخطأ، فانّ‏

____________

رفع أصلا) و ذلك لعدم اقتضاء المفسدة الواقعية توجه التكليف إلى مثل الجاهل و الناسي و الخاطئ، مع عدم إمكان الاحتياط و التحفظ بالنسبة إليهم‏ (إذ ليس من شأنه أن يوجه التّكليف إليه).

أقول: لكنّك عرفت صحة نسبة الرفع بالنسبة إليهم- أيضا- لكن لا بمعنى الوضع عليهم ثم الرفع عنهم ثانيا، و لا بمعنى انّه كان متوجها إليهم و دفع عنهم، بل بالمعنى المتقدّم الذي صحّ بسببه رفع القلم عن المجنون و الطفل و النائم كما في حديث آخر.

و كيف كان، فانّه حيث أراد المصنّف تأكيد ما ذكره: من ان الرفع في «ما لا يعلمون» و نحوه، باعتبار إمكان إيجاب الاحتياط و إيجاب التحفظ قال:

(و حينئذ فنقول: معنى رفع أثر التّحريم) و هو المؤاخذة (في «ما لا يعلمون») هو: (عدم) توجه التحريم بواسطة (إيجاب الاحتياط، و) إيجاب‏ (التحفظ فيه حتى يلزمه ترتب العقاب إذا أفضى ترك) الاحتياط و (التحفظ إلى الوقوع في الحرام الواقعي) فمعنى الرفع: إنّه لم يوجب الاحتياط مع إمكان الاحتياط بالنسبة الى الجاهل، و لم يوجب التحفظ مع إمكان التحفّظ بالنسبة إلى الناسي و الخاطئ.

(و كذلك الكلام في رفع أثر النسيان و الخطأ) و أثرهما هو المؤاخذة (فانّ‏

373

مرجعه إلى عدم إيجاب التحفّظ عليه، و إلّا فليس في التّكاليف ما يعمّ صورة النّسيان لقبح تكليف الغافل.

و الحاصل: أنّ المرتفع، في «ما لا يعلمون» و أشباهه ممّا لا يشمله أدلّة التكليف، هو إيجاب التحفّظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعيّ، و يلزمه ارتفاع العقاب و استحقاقه،

____________

مرجعه إلى عدم) توجه التكليف بواسطة (إيجاب التّحفظ عليه) أي على الناسي و الخاطئ فانه لم يوجب التحفظ عليهما حتى يترتب العقاب على المخالفة.

(و الّا) بأن لم يكن معنى الرفع ذلك، بل كان معناه: رفع التكليف بعد ثبوته‏ (فليس في التّكاليف ما يعم صورة النّسيان) و الخطأ لوضوح: انّ عموم التكاليف لصورة النسيان و الخطأ موقوف على قيام الدليل على وجوب التحفظ و الاحتياط، و قيام الدليل على ذلك مفقود (لقبح تكليف الغافل) و حيث يقبح التكليف لم يدل دليل على وجوب التحفظ و الاحتياط، فلا يكون التكليف موجها إلى مثل الناسي و الخاطئ و الغافل.

(و الحاصل: أنّ المرتفع في «ما لا يعلمون» و أشباهه ممّا لا يشمله أدلة التّكليف) و عدم شمول أدلة التكليف له إنّما هو لأن الشارع لم يوجب التحفظ و الاحتياط عليه فالمرتفع فيها (هو:) توجه التكليف بواسطة (إيجاب التحفّظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعي، و يلزمه) أي: يلزم عدم إيجاب الشارع التحفظ و الاحتياط هذا (ارتفاع العقاب و استحقاقه) فمعنى رفع المؤاخذة رفع سبب المؤاخذة، الذي هو التحفظ و الاحتياط.

إذن: فلا يقال: انّ المؤاخذة و استحقاقها أثران عقليّان لا يمكن للشارع وضعهما و رفعهما.

374

فالمرتفع أوّلا و بالذات أمر مجعول يترتّب عليه ارتفاع أمر غير مجعول.

و نظير ذلك،

____________

لأنه يقال: انّ الشارع إنّما يرفع سبب المؤاخذة و الاستحقاق، و السبب هو:

وجوب الاحتياط و التحفظ، فانّ الشارع لم يوجب الاحتياط و التحفظ، و بسبب عدم وجوبه لهما ارتفع لازمهما و هو: المؤاخذة و الاستحقاق.

و عليه: (فالمرتفع أوّلا و بالذات أمر مجعول) و الأمر المجعول هو التكليف بسبب إيجاب الاحتياط و التحفظ، و (يترتب عليه: ارتفاع أمر غير مجعول) و هو: الاستحقاق و المؤاخذة.

(و نظير ذلك) الذي ذكرناه: من انّ المرفوع: وجوب الاحتياط و التحفظ، و برفع هذا الأثر الشرعي ارتفعت المؤاخذة اللازمة له، هو ما ذكره من مسألة ناسي الجزء و الشرط في الصلاة، فقد قال بعض الفقهاء:

انّ الصلاة المنسي جزئها أو شرطها، لا تحتاج الى إعادة و ذلك لدليل حديث الرفع.

و ردّه آخر: بأنّ هذه الصلاة تحتاج إلى إعادة، و ذلك لأنّ الاعادة مترتبة على البطلان الذي هو مخالفة لمأتي به المأمور به، و المخالفة ليست من الآثار الشرعية لنسيان الجزء أو الشرط، بل من الآثار العقلية، و حديث الرفع لا يرفع هذا الاثر.

أجاب المصنّف عن هذا الرد بمثل الجواب السابق و هو: انّه لو نسي إنسان شرط الصلاة كالطهارة عن الخبث بأن صلّى في الخبث ناسيا، أو نسي جزء الصلاة كالفاتحة بأن صلّى بلا فاتحة، لا يلزم عليه إعادة الصلاة، لان كلا من الشرط المنسي أو الجزء المنسي مرفوع، و إذا كان مرفوعا طابق المأتي به للمأمور به، و إذا تطابقا فقد أدّى التكليف و لا حاجة إلى الاعادة.

375

ما ربّما يقال في ردّ من تمسّك، على عدم وجوب الاعادة على من صلّى في النجاسة ناسيا، بعموم حديث الرّفع من: «أنّ وجوب الاعادة و إن كان شرعيّا إلّا أنّه مترتّب على مخالفة المأتي به للمأمور به الموجب لبقاء الأمر الأوّل، و هي ليست من الآثار الشرعيّة للنسيان، و قد تقدّم أنّ الرواية لا تدلّ على رفع الآثار الغير المجعولة

____________

و على هذا: فالتمسك بحديث الرفع لعدم وجوب الاعادة هو مقتضى القاعدة، و الرد عليه مردود، و اليه أشار المصنّف بقوله: (ما ربّما يقال: في ردّ من تمسك على عدم وجوب الاعادة، على من صلّى في النجاسة ناسيا) أي في النجاسة الخبثية، أمّا النجاسة الحدثية: بأن لم يكن متوضئا أو مغتسلا عن الجنابة، أو ما أشبه، فاللازم عليه وجوب الاعادة.

و كيف كان: فقد تمسك بعضهم لعدم وجوب الاعادة على الناسي‏ (بعموم حديث الرّفع) فجاء بعض آخر (من) الفقهاء و ردّ هذا القائل بقوله: (انّ وجوب الاعادة و إن كان)، أثرا (شرعيا) للنسيان، و قوله: «من انّ»، بيان لقوله: «ما ربما يقال»، (إلّا) انّ بينه و بين نسيان الجزء أو الشرط، واسطة عقليّة، و هو (انّه مترتّب على) البطلان.

ثم ان البطلان ليس أثرا شرعيا، لانه عبارة عن: (مخالفة المأتي به للمأمور به، الموجب) تلك المخالفة (لبقاء الأمر الأوّل، و هي:) أي: المخالفة (ليست من الآثار الشرعيّة للنسيان) أي: لنسيان الجزء أو الشرط، بل من الآثار العقليّة للنسيان‏ (و قد تقدّم: انّ الرّواية لا تدل على رفع الآثار غير المجعولة) من جهة الشارع، كالبطلان، و نحوه، فانّ البطلان أثر عقلي و ليس بأثر شرعي.

376

و لا الآثار الشرعيّة المترتّبة عليها هنا كوجوب الاعادة فيما نحن فيه».

و يردّه: ما تقدّم في نظيره، من أنّ الرّفع راجع هنا إلى شرطيّة طهارة اللباس بالنسبة إلى الناسي، فيقال بحكم حديث الرّفع: إنّ شرطيّة الطهارة شرعا مختصّة بحال الذكر، فيصير صلاة النّاسي في النّجاسة، مطابقة للمأمور به فلا يجب الاعادة، و كذلك الكلام في الجزء المنسيّ،

____________

(و لا الآثار الشرعيّة المترتبة عليها هنا) أي: المترتبة على الآثار غير المجعولة (كوجوب الاعادة فيما نحن فيه) فانّ وجوب الاعادة مترتب على البطلان، و البطلان مترتب على ترك الجزء أو الشرط، فهو أثر عقلي فلا يرفعه حديث الرفع، فيلزم على قول هذا الراد: وجوب إعادة الصلاة لمن نسي جزءا أو شرطا، لأن حديث الرفع لا يشمل نسيان الجزء أو الشرط.

(و يردّه) أي: يرد هذا الراد، فانّ الشيخ يؤيد من قال بعدم وجوب الاعادة (ما تقدّم في نظيره: من انّ الرّفع راجع هنا الى) أمر مجعول أعني: (شرطيّة طهارة اللّباس بالنّسبة إلى النّاسي فيقال: بحكم حديث الرّفع: إنّ شرطيّة الطّهارة شرعا مختصة بحال الذكر) و لم تجعل طهارة اللباس، أو طهارة البدن، شرطا للناسي.

و عليه: (فيصير صلاة النّاسي في النّجاسة، مطابقا للمأمور به فلا يجب الاعادة) عليه.

إذا عرفت هذا بالنسبة إلى ناسي النجاسة البدنية، او اللباسية، نقول: (و كذلك الكلام في الجزء المنسي) مثل نسيان الحمد، و السورة، و التسبيحات و اذكار الركوع و السجود، و ما أشبه.

نعم، نسيان الرّكن يوجب الاعادة لما ذكر في الفقه من الدّليل عليه.

377

فتأمّل.

و اعلم أيضا أنّه لو حكمنا بعموم الرّفع لجميع الآثار، فلا يبعد اختصاصه بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان على الامّة، كما إذا استلزم إضرار المسلم.

____________

(فتأمّل) لعل وجهه: انّ الجزئية و الشرطيّة ليستا عند المصنّف من المجعولات المستقلة حتى تقبلا الارتفاع، بل هما منتزعتان من الأمر بالمركب المشتمل على الجزء و الشرط، فالجزئية و الشرطية ليستا من الأحكام المجعولة على مبنى المصنّف، فكيف يمكن رفعهما بسبب حديث الرفع؟.

(و اعلم أيضا: أنّه) إذا قلنا بأن المرفوع: خصوص المؤاخذة، أو الأثر المناسب لكلّ واحد واحد من التسعة، فهو، و أما (لو حكمنا بعموم الرّفع لجميع الآثار، فلا يبعد اختصاصه) أي: اختصاص الرفع‏ (بما) أي: بالأثر الذي‏ (لا يكون في رفعه ما) أي: إضرار (ينافي الامتنان على الامّة) لأنّ الرواية في مقام الامتنان على جميع الامّة فتختص الرواية برفع الذي هو منّة لهم جميعا، و عليه: فلا يشمل الرفع الذي هو خلاف المنّة على بعض الامّة (كما إذا استلزم) رفع الأثر عن المسلم بسبب انّه ممّا لا يعلمون أو ما اضطروا اليه، أو ما لا يطيقون، أو ما أشبه ذلك‏ (إضرار المسلم) الآخر.

و كذا إذا استلزم ضرر من هو محترم المال و لو كان كافرا فانّ الكافر غير المحارب محترم المال حتى ماله الذي لا احترام له عندنا: كخمر الذمي، و خنزيره ما لم يتجاهر به فانّه لا يحق للمسلم إتلافهما، إلى غير ذلك من أموالهم المحترمة عندهم غير المحترمة عندنا، فإنّ الكافر غير المحارب سواء كان ذميا أو معاهدا أو محايدا يحترم ماله كما ذكرناه في «الفقه».

378

فإتلاف المال المحترم نسيانا أو خطأ لا يرتفع معه الضّمان، و كذلك الاضرار بمسلم، لدفع الضرر عن نفسه، لا يدخل في عموم ما اضطرّوا إليه، إذ لا امتنان في رفع الأثر عن الفاعل باضرار الغير، فليس الاضرار بالغير نظير سائر المحرّمات الالهيّة المسوغة لدفع الضّرر.

____________

و عليه: (فإتلاف المال المحترم نسيانا، أو خطأ) أو اضطرارا مثل: ما إذا نسي انّ المال للغير، أو أخطأ في ضرب طير- مثلا- فانكسر به اناء الغير، أو اضطرارا لأجل سدّ الجوع، أو ما أشبه ذلك، فانّه‏ (لا يرتفع معه الضّمان) على المتلف، و الضمان هو أثر إتلاف مال الغير. (و كذلك) أي: نظير الاتلاف‏ (الاضرار بمسلم، لدفع الضرر عن نفسه)، كما إذا توجه الضرر الى زيد، فصرف زيد الضرر عن نفسه إلى الغير بأن أرادت الدولة- مثلا- الضريبة من زيد فأخذ مال عمرو و أعطاه ضريبة للدولة، فانّه بفعله هذا يرتكب الحرام و يكون المال مضمونا عليه، فانّ دفع مال عمر و ان كان نوعا من الاضطرار، إلا انّه‏ (لا يدخل في عموم) قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): (ما اضطرّوا اليه).

و إنما لا يدخل في العموم‏ (إذ لا امتنان في رفع الأثر عن الفاعل) الذي هو مضطر (باضرار الغير) لأن إضرار الغير لرفع الضرر عن النفس ليس منّة على جميع الامّة بينما ظاهر حديث الرفع هو المنّة على جميع الامّة.

إذن: (فليس الاضطرار بالغير) لأجل الاضطرار (نظير سائر المحرمات الإلهيّة) المضطر إليها كشرب الخمر، و أكل الميتة، و ما أشبه‏ (المسوغة) بصيغة اسم المفعول، صفة المحرمات أي: المحرمات الجائزة (لدفع الضّرر).

نعم، يمكن أن يقال: إذا دار الأمر بين الأهم و المهم، كان الضمان بدون الحرمة، كما إذا كان عند زيد دينار لعمرو، فطلبه الظالم و قال: لو لم تعطني ديناره‏

379

و أمّا ورود الصحيحة المتقدّمة عن المحاسن في مورد حقّ الناس، أعني العتق و الصدقة، فرفع أثر الاكراه عن الحالف يوجب فوات نفع على المعتق و الفقراء، لا إضرارا بهم، و كذلك رفع أثر

____________

أحرقت دارك، فانّه يجوز له إعطاء الدينار، لأن حفظ داره أهم في نظر الشريعة من حفظ دينار غيره و إن كان ضامنا له.

(و) إن قلت: فكيف تمسك الإمام (عليه السلام) بحديث الرفع مع ان فيه إضرارا بالعبد حيث الا ينعتق، و بالفقراء حيث لا يحصلون على المال بسبب إكراه المالك على الحلف بالعتق و الصدقة؟.

قلت: (أمّا ورود الصّحيحة المتقدّمة عن المحاسن‏ (1) في مورد حقّ النّاس أعني:

العتق و الصّدقة، فرفع أثر الاكراه عن الحالف) و عدم ترتب الاثر على حلفه بالعتق و التصدّق، إنّما (يوجب فوات نفع على) العبد (المعتق) حيث لا يعتق‏ (و الفقراء) حيث لا يحصلون على المال‏ (لا) انّه يكون‏ (إضرارا بهم) و من المعلوم: انّ عدم النفع غير الضرر، فالرفع في هذا المقام عن الحالف كرها ليس ضررا على الغير.

لكن لا يخفى: انّه ربّما يعدّ عدم النفع: ضررا، كما إذا أراد بيع داره بألف حيث السوق رائج، فحبسه ظالم حتى فتر السوق، و تنزلت قيمة الدار الى أربعمائة، فانّه لا يستبعد ضمان الظالم للستمائة، لأنه عرفا قد سبّب ضرر المالك، و قد أشرنا إلى ذلك في «الفقه و الاصول».

(و كذلك) أي نظير رفع أثر الاكراه عن الحالف بالعتق و الصدقة (رفع أثر

____________

(1)- المحاسن: ص 339 ح 124، وسائل الشيعة: ج 23 ص 226 ب 12 ح 29436.

380

الاكراه عن المكره، فيما إذا تعلّق الاكراه باضرار مسلم من باب عدم وجوب تحمّل الضرر لدفع الضّرر عن الغير،

____________

الاكراه عن المكره)- بالفتح- (فيما إذا تعلّق الاكراه باضرار مسلم) أو شخص محترم المال. كما اذا أكره الظالم زيدا بأن يأخذ مالا من عمرو فأخذه، فانه يدخل في عموم رفع ما استكرهوا عليه، فلا مؤاخذة على زيد تكليفا، كما انّه لا ضمان عليه وضعا لحديث الرفع.

و إنما لا يكون ضامنا، لانه ليس من باب الاضرار بالغير و انّما (من باب عدم وجوب تحمّل الضّرر) على النفس‏ (لدفع الضّرر عن الغير) فلا يكون ضامنا إلا في موارد الاهم و المهم- على ما عرفت- فانّ الضرر لما كان أوّلا و بالذات متوجها إلى الغير، لا يلزم على المكره- بالفتح- رفع الضرر عن الغير باضرار نفسه حتى و إن كان الضرران متساويين، كما إذا قال الظالم لزيد: اغصب لي دينارا من عمرو، و إلّا أخذت دينارا منك؛ لكن لا يخفى ما في مثل هذه المسألة من اشكال.

نعم، لا إشكال في انّه لا يجوز أن يقتل المكره- بالفتح- الغير، فيما إذا قال الظالم له: اقتل زيدا و إلّا قتلتك، فانّه لا تقية في الدّماء و بطريق أولى لو قال: اقتل زيدا و إلّا قطعت يدك، فانّه لا يجوز له قتل زيد.

أمّا إذا قال: اقطع يد زيد و إلا قتلتك لا يبعد جواز القطع بل وجوبه، من جهة الأهم و المهم، و المسألة سيالة في الدم: نفسا و طرفا، و المال، و العرض، و كل واحد من الاربعة قد يدور بين المتساويين، و قد يكون بين الأهم و المهم و تارة:

الأهم في المكره- بالفتح- و المهم في طرفه، و اخرى بالعكس، كما إنّ من المسألة: ما لو دار بين أحد الأربعة المذكورة و الآخرين: كالمال و العرض، و المال و الدم و هكذا.

381

و لا ينافي الامتنان، و ليس من باب الاضرار على الغير لدفع الضرر عن النفس لينافي ترخيصه الامتنان على العباد، فانّ الضرر أوّلا و بالذات متوجّه على الغير بمقتضى إرادة المكره- بالكسر-، لا على المكره- بالفتح-، فافهم.

بقي في المقام شي‏ء: و إن لم يكن مربوطا به و هو أنّ النبويّ المذكور مشتمل على ذكر الطّيرة و الحسد

____________

هذا (و لا ينافي) الرفع هنا (الامتنان، و ليس) هو (من باب: الاضرار على الغير لدفع الضرر عن النفس، لينافي ترخيصه) اي: ترخيص الاضرار و رفعه‏ (الامتنان على العباد) و إنما يكون هذا من باب عدم تحمل الضرر، لا من باب الاضرار، لانه كما قال: (فانّ الضرر) هنا (اوّلا و بالذات متوجه على الغير بمقتضى إرادة المكره- بالكسر- لا على المكره- بالفتح-) فهو إذن ليس من باب الاضرار بالغير حتى يتنافى رفعه مع الامتنان.

(فافهم) لعله إشارة الى أنّ المؤاخذة و إن كانت هنا مرفوعة، إلّا انه- كما سبق- لا يبعد عدم رفع الضمان عن المكره- بالفتح- فللمتضرر الرجوع الى كل من المكره- بالكسر- و المكره- بالفتح.

[بقي في المقام شي‏ء]

(بقي في المقام) أي: فيما يختص بالنبوي المشتمل على الرفع‏ (شي‏ء و إن لم يكن مربوطا به) أي: بهذا المقام بالذات، و هو الاستدلال بالنبوي على البراءة، فانّ الكلام الذي نريد ان نتكلم فيه: هو حول الحديث نفسه، لا حول الاستدلال به على البراءة. (و هو: انّ النبوي‏ (1) المذكور مشتمل على ذكر: الطّيرة، و الحسد،

____________

(1)- انظر الخصال: ص 417، التوحيد: 353 ح 24، تحف العقول: ص 50.

382

و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفته، و ظاهره رفع المؤاخذة على الحسد مع مخالفته لظاهر الأخبار الكثيرة.

و يمكن حمله على ما لم يظهر الحاسد أثره باللسان أو غيره بجعل عدم النّطق باللّسان قيدا له أيضا.

____________

و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفته) الضمير في قوله:

«بشفته»، راجع إلى «من تطيّر، و حسد، و تفكر»، كما نستظهره نحن من الرّواية.

أما المصنّف فقد قال: (و ظاهره) أي: ظاهر هذا الحديث النبوي‏ (: رفع المؤاخذة على) مطلق‏ (الحسد) و هذا حسب استظهار المصنّف حيث يرى: انّ قوله: «ما لم ينطق بشفته»، راجع إلى الجملة الأخيرة، أمّا حسب ما نستظهره نحن من ان قوله: ما لم ينطق بشفته، راجع إلى كل من الطيرة، و الحسد، و التفكر، فلا يأتي فيه هذا الكلام.

و على أي حال: فالمصنف استظهر إنّ رفع الحسد مطلق غير مقيد، و معناه: انّه لا يؤخذ الحسود بحسده سواء أظهر أثره باللّسان و اليد أم لا؟ فيكون معنى رفع الحسد: انّ الحسد كان حراما في الامم السابقة مطلقا، فارتفعت حرمته عن هذه الامة مطلقا.

هذا (مع مخالفته) أي: مخالفة هذا الظاهر الذي استظهرناه من لفظ الحسد في النبوي‏ (لظاهر) الآيات و ظاهر (الأخبار الكثيرة) الدالة على الحرمة و المؤاخذة على الحسد.

(و يمكن حمله) أي: حمل النبوي الدال على رفع الحسد. (على ما لم يظهر الحاسد أثره باللسان أو غيره) أي: غير اللسان، كالاشارة و نحوها (بجعل عدم النّطق باللسان) المذكور في آخر الرواية (قيدا له) أي: الحسد (ايضا).

383

و يؤيّده تأخير الحسد عن الكلّ في مرفوعة الهندي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، المرويّة في آخر أبواب الكفر و الايمان من اصول الكافي:

«قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): وضع عن امّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و ما استكرهوا عليه، و الطّيرة و الوسوسة في التفكّر في الخلق،

____________

فلفظ الحسد في النبوي ليس بمطلق، بل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما لم ينطق بشفته، قيد للثلاثة: الطيرة، الحسد، و التفكر، جميعا، و المعنى: انّ الحسد كان حراما مطلقا في الامم السابقة، فارتفع عن هذه الامة حرمة الحسد المجرد عن اللّسان و اليد.

لا يقال: كيف كان الحسد في الامم السابقة حراما مطلقا، و الحال ان فعل القلب ليس بيد الانسان حتى يكون محرّما؟.

لأنّه يقال: المراد الحسد الذي هو سببه، لا الحسد الذي يلقى في القلب من غير اختيار.

(و يؤيّده) أي: يؤيد كون عدم النطق المذكور في آخر الرواية قيدا للحسد أيضا (تأخير الحسد عن الكلّ في مرفوعة الهندي) و قد تمسكنا أوّلا برواية الصدوق دون هذه المرفوعة، لأن رواية الصدوق صحيحة، بينما رواية الهندي مرفوعة.

و على أي حال: فرواية الهندي مروية (عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المرويّة في آخر أبواب الكفر و الايمان من اصول الكافي، قال) (عليه السلام): (قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

وضع عن أمّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و ما استكرهوا عليه، و الطيرة، و الوسوسة في التّفكر في الخلق،

384

و الحسد ما لم يظهر بلسان أو بيد»، الحديث.

و لعلّ الاقتصار في النبويّ الأوّل على قوله: «ما لم ينطق»، لكونه أدنى مراتب الاظهار.

و روي: «ثلاثة لا يسلم منها أحد، الطّيرة و الحسد و الظنّ.

____________

و الحسد ما لم يظهر بلسان أو بيد، الحديث) (1) فيكون قيد «ما لم يظهر» متعلقا بالحسد قطعا.

و حيث انّ الحديثين واحد مآلا، فاللازم أن يقال: إنّ القيد في الحديث الأوّل و هو قوله: «ما لم ينطق بشفته»، متعلق كما في الحديث الثاني «بالحسد، و التفكر في الوسوسة في الخلق».

لا يقال: إنّه لم يذكر في حديث الصدوق: «أو بيد»، و قد ذكر في هذا الحديث.

لأنه يقال: (و لعلّ الاقتصار في النبوي الأوّل) الذي رواه الصدوق‏ (على قوله:

«ما لم ينطق»، لكونه أدنى مراتب الاظهار) إذ الاظهار باليد أسوأ من الاظهار باللسان، فهو مثل قوله سبحانه: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ (2) حيث إنّ «أف» ادنى مراتب العقوق، فيعلم حرمة الأعلى بالفحوى.

(و) يؤيد كون الحسد المرفوع: هو الحسد مقيدا بعدم النطق و عدم العمل باليد- ايضا- انّه قد (روي: ثلاثة لا يسلم منها أحد: الطّيرة، و الحسد، و) سوء (الظنّ) فكل إنسان غير المعصوم لا بدّ أن يعرض له شيئا من التطير، أو الحسد أو سوء الظنّ.

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 2 ص 463 ح 2.

(2)- سورة الإسراء: الآية 23.

385

قيل: فما نصنع؟.

قال: إذا تطيّرت فامض، و إذا حسدت فلا تبغ، و إذا طننت فلا تحقّق».

و البغي عبارة عن استعمال الحسد، و سيأتي في رواية الخصال: «إنّ المؤمن لا يستعمل حسده».

____________

(قيل) للامام (عليه السلام) (فما نصنع) إذا عرض علينا شيئا من هذه الثلاثة؟.

(قال) (عليه السلام): (إذا تطيّرت فامض) و لا تعتن بتطيرك و تشاؤمك‏ (و إذا حسدت فلا تبغ) أي: لا تعمل حسب ما يدعوك إليه حسدك‏ (و إذا ظننت فلا تحقّق) (1) ظنّك بإظهار بيد أو لسان.

(و البغي) في قوله: «فلا تبغ» (عبارة عن استعمال الحسد) لأن البغي هو الطلب المقترن بالعمل، و لهذا تسمّى المرأة الفاجرة: بالبغية، لأنها تطلب الحرام و تفعله.

و من الواضح: انّ وجه تأييد هذه الرواية لما ذكرناه من ان الحسد المرفوع هو المقيد بعدم إظهاره بيد أو لسان، انّه (عليه السلام) نهى عن استعمال الحسد، فيستفاد منه:

ان الحسد المرفوع حرمته هو: ما لم يظهر أثره، و قد تقدّم: انّ في الآية الكريمة:

وَ مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (2) اشارة الى هذا المعنى فانه إذا حسد، اي اذا أظهر حسده‏ (و سيأتي في رواية الخصال) ما يشير الى هذا المعنى أيضا، حيث يقول (عليه السلام): ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكر في الوسوسة في الخلق، و الطيرة، و الحسد: إلّا (إنّ المؤمن لا يستعمل حسده) (3) و معنى ذلك: إن الحسد

____________

(1)- بحار الانوار: ج 58 ص 320 ب 11 ح 9.

(2)- سورة الفلق: الآية 5.

(3)- الخصال: ص 89 ح 27، الكافي (روضة): ج 8 ص 94 ح 86.

386

موجود في كل أحد، إلا انّ الذي آمن باللّه و اليوم الآخر لا يستعمل حسده بيد أو لسان.

و عليه: فتكون هذه الرواية قرينة على انّ رواية الصدوق المتقدّمة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، يراد من قوله فيها: «ما لم ينطق الانسان بشفته» تقييد الحسد أيضا، لا تقييد الجملة الأخير فقط.

أقول: قال بعض في تفسير هذه الرواية: إنّ مادة الحسد الموجودة في القلب حسنة، لأنها توجب التقدّم من جهة التنافس، و إنّما صورة الحسد الظاهرة باللّسان و اليد قبيحة، كمادة النار: فهي حسنة، لأنّها تطهي الطعام و تنفع في تهيئة الوسائل و الآلات، و إنّما استعمالها في الاحراق الضار قبيح، و كذلك مادة الطيرة، فانّها مادة تعدّل التفاؤل و التشاؤم في داخل الانسان ليختار الانسان بينهما الأحسن، و إنّما صورتها الظاهرة و هو الوقوف عن العمل بسبب التطير قبيح.

و كذلك حال الوسوسة فانّها تقليب لوجوه الآراء و الافكار، و إنّما الاستمرار عليها و الشك في الخالق و كيفية الخلقة قبيح.

و واضح: الأنبياء معصومون، و لم يكونوا متّصفين إلّا بالصفات الحسنة من هذه الثلاثة، دون السيئة منها.

إن قلت: قوله (عليه السلام): «لم ينج فيها» الظاهر في انّها صفات سيئة.

قلت: باعتبار إن الأغلب يستعملون هذه الثلاثة في الامور السيئة جاء التعبير كذلك، فالرواية على هذا التفسير مثل قوله تعالى: الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (1)

____________

(1)- سورة المعارج: الآية 19.

387

و لأجل ذلك عدّ في الدّروس من الكبائر في باب الشهادة إظهار الحسد، لا نفسه، و في الشرائع: «إنّ الحسد معصية، و كذا الظنّ بالمؤمن، و التظاهر بذلك قادح في العدالة».

و الانصاف: أنّ في كثير من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك.

____________

و قوله سبحانه: إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (1) و غير ذلك من الآيات الكريمة.

و ربّما يقال: ان الرواية بنفسها ضعيفة السند، فلا يستند إليها.

(و لأجل ذلك) الذي ذكرناه: من ان إظهار الحسد حرام، لا نفس الحسد القلبي‏ (عدّ في الدّروس من الكبائر في باب الشّهادة: إظهار الحسد، لا نفسه) فالحسد الكامن في النفس لا يعدّ عصيانا.

(و) قال المحقق‏ (في الشرائع: إنّ الحسد معصية، و كذا الظّنّ بالمؤمن، و التظاهر بذلك) أي: بكل واحد من الحسد و الظنّ‏ (قادح في العدالة)، ممّا يدل على إنّ كلا من الحسد المجرد، و كذلك الظنّ المجرد، ليس بقادح في العدالة، و عدم قدحه إما من جهة كونه معصية قلبية فقط، بمعنى القبح الفاعلي لا الفعلي، و امّا من جهة كونه صغيرة مرفوعة عن هذه الامّة.

(و الانصاف: انّ في كثير من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك) أي: إلى التظاهر به ممّا يدل على ان الحسد المحرّم هو التظاهر بالحسد، أما الحسد المرفوع عن هذه الامّة فهو الحسد القلبي الذي لا يظهر بيد أو لسان.

نعم، لا شك في أنّ الحسد الذي هو عبارة عن: تمنّي زوال نعمة المحسود- في مقابل الغبطة التي هي صفة حسنة و معناها: تمني ارتفاع الانسان بنفسه‏

____________

(1)- سورة الأحزاب: الآية 72.

388

و أمّا الطّيرة، بفتح الياء، و قد يسكّن، و هي في الأصل التشاؤم بالطّير، لأنّ أكثر تشاؤم العرب كان به، خصوصا الغراب.

و المراد، إمّا رفع المؤاخذة عليها،

____________

الى مستوى المغبوط- صفة سيئة يلزم على الانسان تزكية نفسه عنها، و لها قبح فاعلي، و إن لم يكن لها قبح فعلي، و الامم السابقة كانوا مأمورين بازالة هذا الحسد القلبي بسبب تزكية النفس، فلو أبقوه في قلوبهم كتب معصيته عليهم.

(و أمّا الطّيرة- بفتح الياء و قد يسكن- و هي في الأصل) أي: في معناها اللغوي‏ (التشاؤم بالطّير) فانّ كثيرا من الناس إذا رأوا طيرا يطير ذات اليمين أو ذات الشمال، أو رأوا طيران يتناقران، أو ما أشبه، جعلوا ذلك دليلا على حسن ما يريدون من العمل فأتوا به، أو على سوئه فتركوه و إن كان لازما و قد عزموا عليه.

ثم صار التطيّر بالغلبة اسما لمطلق التشاؤم، سواء كان بالطير أو بسائر الأشياء فإذا خرج- مثلا من داره و هو يريد السفر، فرأى جنازة أمامه، يتشاءم من سفره ذلك و يتركه، و نحو هذه الامور التي لم ينزل الله بها من سلطان.

و إنّما سمي التشاؤم بالتطيّر (لأنّ أكثر تشاؤم العرب كان به) أي: بالطير دون سائر الأشياء، و (خصوصا الغراب) من بين الطيور، و قد تقدّم شعر يزيد الصريح في الكفر: «نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح» (1)، الى آخره.

(و المراد) من رفع الطيرة: (اما رفع المؤاخذة عليها). بمعنى: إن التطيّر كان محرما في الامم السابقة، لكن رفع عن هذه الامة حرمتها فلا يؤاخذون عليها.

____________

(1)- بحار الانوار: ج 45 ص 199 ب 39 ح 40.

389

و يؤيّده ما روي من أنّ الطيرة شرك و إنّما يذهبه التوكّل،

____________

(و يؤيّده) أي: يؤيد كون التطيّر كان محرما في الامم السابقة و قد ارتفع عن هذه الامّة (ما روي: من انّ الطّيرة شرك) باللّه سبحانه و تعالى، لأن المتطيّر يرى تأثير هذا الطير أو ذلك الشي‏ء الذي يتطيّر به على مصيره، فهو لا يرى اللّه تعالى المؤثر الوحيد في كل اموره.

ثم انه جاء في الرواية بعد الكلام المتقدّم: (و انّما يذهبه) أي: يذهب التطير و يبطله: (التّوكل) (1) فاذا توكل الانسان على اللّه و واصل عمله و لم يعتن بتطيّره لم يكن به بأس، لأنه بعد اعتنائه هذا، نفي الشرك باللّه سبحانه عن نفسه، لان من الشرك ان يرى مع اللّه مؤثرا في اموره.

و الحاصل: ان هنا ثلاثة امور:

الأوّل: أن يمرّ التطيّر بخاطر الانسان من دون أن يعتقد به، أو يرتب عليه أثره، و هذا مرفوع عن هذه الامة.

الثاني: أن يعتقد بكونه مؤثرا في مصيره، و يرتب عليه اثره فيتوقف عن عمله، هذا حرام قطعي و شرك.

الثالث: ان لا يعتقد قلبا بذلك، و إنّما يرتب عليه أثره عملا: بان يتوقف عن عمله الذي أراد أن يعمله، أو قولا: بان لا يتوقف عن عمله، لكنّه يقول: هذا غراب ينعب فيسبب لنا المشاكل في عملنا، و هذا حرام لأنّه أظهره بلسان أو بعمل.

____________

(1)- و قد ورد في الكافي (روضة): ج 8 ص 198 ب 8 ح 236 و في وسائل الشيعة: ج 22 ص 404 ب 35 و في بحار الانوار: ج 55 ص 322 (كفارة الطيرة التوكل).

390

و إمّا رفع أثرها، لأنّ الطّير كان يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع.

____________

(و امّا) ان يكون المراد من رفع الطيرة: (رفع أثرها) أي: أثر الطيرة من التشاؤم بالشر (لأنّ الطّير كان) بسبب التشاؤم به‏ (يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع) و أمرهم بالمضي في مقاصدهم، بدون أن يتأثروا بالتطيّر و يتخذوا منه سببا لوقوفهم عن العمل الذي يقصدونه.

و هنا شي‏ء آخر و هو: انّه لا يكون للطيرة تأثير في الخارج أيضا، و ذلك لأن للنفس تأثير في الخارج كما لها تأثير في البدن، أما تأثيرها في البدن: فان كلا من النفس و البدن يؤثر في الآخر، فاذا حزنت نفس الانسان سقم بدنه، كما إذا سقم بدن الانسان حزنت نفسه.

و أما تأثيرها في الخارج: فقد ورد: «أنّ العين لتدخل الرجل القبر، و البعير القدر» (1) مع وضوح: انّ العين حركة نفسية لا أكثر و لا أقل لكنها تؤثر في الخارج فتردي الذي وقعت عليه، كما ورد: «لا تعادوا الأيام فتعاديكم» (2) فانّ هذه الرواية مع قطع النظر عن تأويلها بالأئمة (عليهم السلام)، ظاهرة في ان نفس معادات الأيام توجب معادات الأيام للانسان، فاذا تصور الانسان ان يوم الاربعاء- مثلا- نحس لعمل ما، صار ذلك اليوم نحسا عليه.

و ورد أيضا: «إنّ الرؤيا تقع على ما عبّر» (3) و قد عبّر يوسف (عليه السلام) الرؤيا الكاذبة بالصلب، مع انه لم ير رؤيا في المنام، بل فكر في نفسه شيئا و قال له‏

____________

(1)- بحار الانوار: ج 63 ص 26 ب 1 ح 29.

(2)- الخصال: ص 394، معاني الاخبار: ص 123، مستدرك الوسائل: ج 13 ص 77 ب 11 ح 14804.

(3)- وسائل الشيعة: ج 6 ص 502 ب 40 ح 8549 و ح 8550، بحار الانوار: ج 61 ص 174 ح 34 ب 44.

391

و أمّا الوسوسة في التفكّر في الخلق، كما في النبويّ الثاني، أو التكفّر في الوسوسة فيه، كما في الأوّل، فهما واحد، و الأوّل أنسب، و لعلّ الثاني اشتباه من الرّاوي.

____________

بصورة الرؤيا، فرؤياه أثّر في اليقظة، و تفكيره أثر في الواقع.

كما ان تلك المرأة لما رأت الرؤيا و عبّر الرجل لها بموت زوجها مات زوجها، الى غير ذلك ممّا هو بحث مفصل مذكور في علم النفس.

(و أمّا الوسوسة في التفكّر في الخلق كما في النبوي الثاني) (1) أي: مرفوعة الهندي‏ (أو التفكر في الوسوسة فيه) أي: في الخلق‏ (كما في الأوّل) (2) الذي نقله الصدوق‏ (فهما واحد) معنى، لوضوح: انّه لا فرق بين أن يقال: وسوس في تفكره، أو تفكر في وسوسته.

(و الأوّل: أنسب) إذ الوسوسة توجد في التفكر، و إن كان الثاني صحيحا أيضا- على ما عرفت- فقول المصنّف: (و لعل الثاني اشتباه من الرّاوي) محل تأمّل.

و ربّما يقال: انّه من باب القلب في الكلام مثل عرضت الحوض على الناقة أي: الناقة على الحوض.

كما و يحتمل أن يكون فيه معنى النسبة، مثل قول المتكلمين: الواجبات الشرعيّة، ألطاف في الواجبات العقلية، أي: بالنسبة إليها.

و على أي حال: فالوسوسة في التفكر أو التفكر فيها مرفوع عن هذه الامّة

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 2 ص 463 ح 2.

(2)- الخصال: ص 89 ح 27، الكافي (روضة): ج 8 ص 94 ح 86.

392

و المراد به- كما قيل-: وسوسة الشيطان للانسان عند تفكّره في أمر الخلقة. و قد استفاضت الأخبار في العفو عنه.

ففي صحيحة جميل بن درّاج قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّه يقع في قلبي أمر عظيم، فقال (عليه السلام): قل: لا إله إلّا اللّه. قال جميل: فكلّما وقع في قلبي شي‏ء قلت لا إله إلّا اللّه فذهب عني».

و في رواية حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن الوسوسة

____________

(و المراد به كما قيل: وسوسة الشيطان للإنسان عند تفكّره في أمر الخلقة) بأن يتفكر في انّه هل له خالق أو لا؟ و إذا كان له خالق فكيف يمكن أن يكون خالق لا جسم له، و لا صورة، و لا عرض، و لا جوهر، و لا ما أشبه ذلك؟ و إذا كان كذلك فمن هو خالق الخالق؟ و اذا كان للخالق خالق فمن هو خالق ذلك الخالق؟ و هكذا.

و المفهوم من النبوي: انه كان حراما في الامم السابقة، و معنى حرمته عليهم:

هو الامتداد في التفكير فيه و ذلك فيما إذا كان امتداده بيد الانسان و باختياره، و أما نفس الالقاء في القلب بدون الاختيار فليس بمحرم حتى عليهم‏ (و قد استفاضت الأخبار في العفو عنه) و عدم المؤاخذة عليه ان تعمده أحد من هذه الامة، و اما ان لم يتعمده فواضح انه لا حرمة فيه‏ (ففي صحيحة جميل بن دراج قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّه يقع في قلبي أمر عظيم؟ فقال (عليه السلام): قل لا إله إلّا اللّه، قال جميل:

فكلما وقع في قلبي شي‏ء قلت: لا إله إلا اللّه فذهب عني) (1) و من المعلوم: انّ المراد بالأمر العظيم أمثال ما ذكرناه.

(و في رواية حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)) انّه سأله‏ (عن الوسوسة

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 2 ص 424 ح 2.

393

و إن كثرت، قال (عليه السلام): «لا شي‏ء فيها، تقول: لا إله إلّا اللّه».

و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «جاء رجل إلى النبيّ، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال: يا رسول اللّه! إنّي هلكت. فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أتاك الخبيث، فقال لك: من خلقك، فقلت: اللّه تعالى، فقال: من خلقه؟ فقال: أي و الذي بعثك بالحقّ، قال كذا فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ذاك و اللّه محض الايمان».

____________

و إن كثرت؟) بمعنى الامتداد الزمني، أو بمعنى التشعب الى فروع مختلفة، كالوسوسة في اللّه، و في الرسول، و في الامام، و في المعاد، و ما أشبه ذلك؟.

(قال (عليه السلام): لا شي‏ء فيها، تقول: لا إله إلّا اللّه) (1) و كأن قول لا إله إلّا اللّه يوجب الايحاء الى النفس ببطلان تلك الامور التي وقعت فيها، أو لأن الشيطان يطرد بسبب قول لا إله إلا اللّه.

(و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): جاء رجل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رسول اللّه إني هلكت، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أتاك الخبيث) أي:

الشيطان‏ (فقال لك: من خلقك؟ فقلت: اللّه تعالى، فقال: من خلقه؟ فقال) الرجل مصدقا للنبي: (أي و الّذي بعثك بالحق قال:) لي الخبيث‏ (كذا) مثل ما قلت يا رسول اللّه‏ (فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ذاك و اللّه محض الايمان) (2).

لا يقال: فكيف قال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): انّه محض الايمان؟ و هل تكون الوسوسة من محض الايمان؟.

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 2 ص 424 ح 1، فقه الرضا: ص 385.

(2)- الكافي (اصول): ج 2 ص 425 ح 3 (بالمعنى).

394

قال ابن أبي عمير؛ فحدّث ذلك عبد الرحمن بن الحجّاج، فقال: حدّثني أبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إنّما عنى بقوله «محض الايمان» خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض في قلبه ذلك».

و في رواية أخرى عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و الذي بعثني بالحقّ إنّ هذا لصريح الايمان، فاذا وجدتموه فقولوا: آمنّا باللّه و رسوله، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه».

____________

لأنه يقال: (قال ابن أبي عمير: فحدّث) أيضا (ذلك) الحديث الذي حدثه محمّد بن مسلم‏ (عبد الرحمن بن الحجّاج فقال) بعد نقله للحديث المتقدّم:

(حدّثني أبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّما عنى بقوله) ذلك:

( «محض الايمان» خوفه) أي: خوف الرجل‏ (أن يكون قد هلك حيث عرض في قلبه ذلك) (1) فانّ من يخاف الهلاك لا يكون إلّا مؤمنا، إذا غير المؤمن لا يعتقد بهلاكه بسبب مثل هذا التفكير- كما هو واضح-.

(و في رواية اخرى عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) بعد ان سئل عن الوسوسة انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:

(و الّذي بعثني بالحقّ إنّ هذا لصريح الايمان، فاذا وجدتموه) أي: مثل هذا التفكير في النفس‏ (فقولوا: آمنّا باللّه و رسوله و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه) (2).

و لعلّ المستفاد من اختلاف الروايات فيما يقوله الذي يجد في نفسه الوسوسة: انّه يصح التخلص بكلّ ما يؤدّي ذلك، كأن يقول: لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، أو يقول: اللّه أعبد وحده لا شريك له، أو يقول: لا شريك لك‏

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 2 ص 425 ح 4 (بالمعنى).

(2)- الكافي (اصول): ج 2 ص 425 ح 4.

395

و في رواية أخرى عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ الشّيطان أتاكم من قبل الأعمال، فلم يقو عليكم، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلّكم، فاذا كان كذلك فليذكر أحدكم اللّه تعالى وحده».

و يحتمل أن يراد بالوسوسة في الخلق الوسوسة في امور النّاس و سوء الظنّ بهم،

____________

يا ربّ جلّ اسمك و عزّ ذكرك، أو ما أشبه ذلك.

و لعل المستفاد أيضا من هذه الأحاديث أن يكون الأمر كذلك بالنسبة الى الوسوسة و التشكيك في الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيصح أن يقول: أشهد أنّ محمّدا عبد اللّه و رسوله، أو أشهد أنّ محمّدا عبد اللّه و رسوله أرسله الى الناس كافة، و ما أشبه ذلك، و هكذا بالنسبة الى النبوة العامّة، و الامامة، و العدل، و المعاد، لاستفادة الملاك من الأحاديث المتقدّمة و إن لم أر من تعرض لها.

(و في رواية أخرى عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) بعد أن سئل عن الوسوسة فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): (إنّ الشّيطان أتاكم من قبل الأعمال، فلم يقو عليكم) أي: لم يتمكن من أن يصرعكم كما يصرع المصارع رقيبه‏ (فأتاكم من هذا الوجه) أي: من وجه التفكر و الوسوسة في القلب‏ (لكي يستزلكم) و يوجب وقوعكم في المعصية و الكفر، (فاذا كان كذلك فليذكر أحدكم اللّه تعالى وحده) (1) بأن يقول- مثلا: لا إله إلا اللّه، و هذه الرواية تؤيد ما ذكرناه: من إنّ المقصود: ذكر اللّه لدفع الوسوسة التي عرضت عليه.

(و يحتمل أن يراد بالوسوسة) في التفكر (في الخلق: الوسوسة) في التفكر (في أمور النّاس، و) ذلك عن طريق‏ (سوء الظّنّ بهم) فيكون المراد من الخلق‏

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 2 ص 425 ح 5.

396

و هذا أنسب بقوله: «ما لم ينطق بشفته».

ثمّ هذا الذي ذكرنا، هو الظاهر المعروف في معنى الثلاثة الأخيرة المذكورة في الصحيحة.

____________

في الرواية: المخلوق دون الخالق.

يؤيد، و هذا المعنى، ما تقدّم في الرواية: من انّه ثلاثة لا يسلم منها أحد:

الطيرة، و الحسد، و الظنّ‏ (1)، و قد ذكرنا هناك انّ المراد بالظنّ: الظنّ السيئ‏ (و هذا أنسب بقوله: «ما لم ينطق بشفته» (2)) و لعلّ وجه الأنسبية ما ذكروه: من انّ الوسوسة في أمر المخلوق ربّما يجري على اللسان، دون الوسوسة في أمر الخلقة فانّه لا يجري على اللسان.

لكن لا يخفى: ان الأنسبية محل تأمّل، بلّ الأنسب: هو المعنى المشهور المنصرف من الروايات المذكورة.

(ثمّ هذا الذي ذكرنا: هو الظاهر المعروف في معنى الثلاثة الأخيرة المذكورة في الصحيحة): من الوسوسة في التفكر في الخلق، و الطيرة، و الحسد.

لكن قيل في تفسيرها معنى آخر، فرفع الطيرة- مثلا- قالوا: يعني: تحريمها على الامّة، و نهيهم عن الاعتناء و الالتفات إليها أو العمل بها، لا رفع حرمتها أو أثرها العادي، فلا يكون رفعها حينئذ على سياق رفع أخواتها.

كما قيل في معنى رفع الحسد: أن الحسد الذي يخطر بالبال أحيانا، رفع حرمته، أما الحسد العمدي فغير مرفوع سواء أظهره أم لا؟.

و هكذا قيل في معنى الوسوسة: بانّه هو التفكر في القضاء و القدر، و خلق‏

____________

(1)- بحار الانوار: ج 58 ص 320 ب 11 ح 9.

(2)- تحف العقول: ص 50، الخصال: ص 417، التوحيد: ص 353 ح 24.

397

و في الخصال، بسند فيه رفع، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال ثلاث لم يعر منها نبيّ فمن دونه، الطيرة و الحسد و التفكّر في الوسوسة في الخلق».

و ذكر الصدوق (رحمه الله)، في تفسيرها: أنّ المراد بالطيرة، التطيّر بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو المؤمن، لا تطيّره،

____________

الأشرار من مثل إبليس و غيره، و إنّ أفعال العباد باختيارهم أو بمشيئة اللّه سبحانه و تعالى، و غير ذلك من الامور المرتبطة بالخالق أو بالخلق.

هذا، و لكن قد أشرنا فيما مضى: بأن الظاهر منها هو ما ذكرناه.

ثم انّه لما كان الظاهر تطابق الفقرات الأخيرة في النبوي، المعترضة للحسد و الطيرة و الوسوسة، مع حديث الخصال الآتي ذكره المصنّف ليذكر توجيه الصدوق له بما لا ينافي مقام الأنبياء و عصمتهم فقال: (و في الخصال بسند) مذكور، لكن‏ (فيه رفع) أي: ان هذا الخبر مرفوع و ليس سنده متصلا، فهو ضعيف السند (عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ثلاث لم يعر) أي، لم يخلو (منها) أي: من هذه الثلاثة (نبيّ فمن دونه: الطّيرة، و الحسد، و التفكّر في الوسوسة في الخلق) (1) فانّك ترى إنّ هذا الحديث يتطابق مع النبوي، في فقراته الأخيرة بفارق: إنّ في هذا الحديث قد نسب هذه الثلاثة إلى الأنبياء أيضا.

(و ذكر الصّدوق (رحمه الله) في تفسيرها: أنّ المراد بالطّيرة: التطيّر بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو المؤمن، لا تطيّره) أي: لا يتطير النبي نفسه، فان النبي لا يتطير، و إنّما يتطير

____________

(1)- بحار الانوار: ج 11 ص 75 ب 4 ح 2.

398

كما حكى اللّه، عزّ و جل، عن الكفّار:

قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ.

و المراد بالحسد أن يحسد، لا أن يحسد، كما قال اللّه تعالى:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ.

____________

الكفار بالأنبياء و المؤمنين، كما ورد في القرآن الحكيم: يَطَّيَّرُوا بِمُوسى‏ وَ مَنْ مَعَهُ‏ (1) و (كما حكى اللّه عزّ و جلّ عن الكفّار) من قوم صالح (عليه السلام)، حيث انهم‏ قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ‏) (2) من المؤمنين بك.

(و المراد بالحسد: أن يحسد) بصيغة المفعول، أي: بأن يكون النبي و المؤمنون محسودين‏ (لا أن يحسد) النبي بنفسه بصيغة الفاعل‏ (كما قال اللّه تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ) مِنْ فَضْلِهِ‏ (3) بمعنى: ان الناس يحسدون الأنبياء و المؤمنين على ما آتاهم اللّه من فضله، و «أم» في قوله تعالى:

أَمْ يَحْسُدُونَ .. بمعنى: بل، كما ذكره المفسرون و غيرهم.

انتهى الجزء السادس و يليه الجزء السابع في تتمّة الاستدلال بالسنّة للبراءة و نستمد منه العون في إتمامه‏

____________

(1)- سورة الاعراف: الآية 131.

(2)- سورة النمل: الآية 47.

(3)- سورة النساء: الآية 54.

399

المحتويات‏

تتمّة التنبيه الثالث 7

اعتبار الظنون الرجاليّة 8

الظن بالمسائل الاصوليّة 10

التنبيه الرابع: الظنّ في التطبيقات ليس حجّة 32

التنبيه الخامس: في اعتبار الظنّ في أصول الدين 43

الجهات التي يمكن ان يتكلم فيها 47

الذي لا يجب فيه تحصيل الاعتقاد 88

المقام الأول: في القادر 88

المقام الثاني: في غير المتمكن من العلم 107

التنبيه السادس: هل يترتب على الظن آثار غير الحجيّة 138

المقام الأول: الجبر بالظن غير المعتبر 139

المقام الثاني: في كون الظنّ غير المعتبر موهنا 154

المقام الثالث: في الترجيح بالظن غير المعتبر و هو على قسمين 172

القسم الاول: ما ورد النهي عنه بالخصوص 173

القسم الآخر: الظنّ غير المعتبر لبقائه تحت اصالة حرمة الظنّ 180

الترجيح بهذا الظنّ في الدلالة 182

الترجيح به في وجه الصدور 190

400

الترجيح به من حيث الصدور 191

المقصد الثالث: في الشك 247

مبحث البراءة و الاشتغال 249

الانحصار عقلي 282

تقسيم الاصول الاربعة 285

الشك دون ملاحظة الحالة السابقة 286

الشك في التكليف 287

المطلب الأول دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب 293

المسألة الاولى: ما لا نصّ فيه 294

قول الاصوليين بالبراءة 296

أدلة الاصوليين: الاول: الكتاب 296

الثاني: السنة 331

المحتويات 399