حاشية على كفاية الأصول‏ - ج1

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
176 /
55

الثاني خلو ما يسند من الأفعال إلى غير الزمانيات كالزمان نفسه و المجردات و التزام المجاز فيها جميعا كما ترى.

الثالث اشتراك المضارع بين الحال و الاستقبال و ليس باشتراك لفظي و إلّا لزم الاستعمال في أكثر من معنى واحد في مثل قولنا يضرب زيد الآن و غدا و لا معنوي إذ لا جامع بين الحال و الاستقبال لتباين اجزاء الزمان ذاتا فليس إلّا ان فيه خصوصية ملائمة لكل من الزمانين.

الرابع ان الماضي ربما يستعمل فيما هو مستقبل حقيقة و بالعكس فالفعل انما يدل على الزمان بالإطلاق فيما يسند إلى الزمانيات لا بالوضع و قد أورد عليه شيخنا الأستاذ أعلى اللّه مقامه في الحاشية بان الدلالة بالإطلاق انما يتصور إذا كانت الخصوصية المأخوذة فيه أشد مناسبة لما هو ظاهر فيه لا متعينة فيه من غير ملائمة لغيره أصلا فلو كانت دلالة الماضي على ما يختص به من الزمان بالإطلاق جاز استعماله في غيره لكنا لا نشك في عدم صحة قولنا ضرب غدا و يضرب أمس فالماضي موضوع للحدث المقارن بالنسبة إلى الزمان الماضي و المضارع موضوع للحدث المقارن بالنسبة إلى ما لم يمض من الزمان فينطبق على كل من الحال و الاستقبال.

ثم أجاب عن الوجه الثاني من الوجوه الأربعة بان التقدم و التأخر الزمانيين في الزمانيات بعرض الزمان و في نفس اجزاء الزمان بالذات.

فقولنا مضى الزمان لا يتفاوت مع قولنا مضى زيد إلّا بالذات و العرض‏

56

و اما الأستاذ إلى المجردات فللمجرد معية قيومية مع الزمانيات فهو معها من غير تقيد بالزمان.

و عن الثالث بان المأخوذ في المضارع ما لم يمض من الزمان و لا محذور عليه.

و عن الرابع بأنه من قبيل الاختلاف في الحال فقد يجعل الحال حال التكلم و يؤخذ الماضي و المستقبل بالنسبة إليه و قد يجعل شي‏ء مما مضى أو يأتي و يؤخذان بالنسبة إليه و من هذا القبيل المثالان اللذان أوردهما في المتن انتهى ملخصا (و قد عرفت) ما يتعلق به من الكلام اما الحجة فكون المثالين من الغلط ممنوع كيف و استعمال الماضي في الحوادث المستقبلة إذا كانت محققة الوقوع شايع و في القرآن منه شي‏ء كثير كقوله تعالى و نفخ في الصور فصعق الآية و سيق الذين اتقوا الآية و كذا المضارع في مورد حكاية الحال السابقة و بالجملة فما ناسب من الموارد ما أخذ في الماضي و المضارع من خصوصية النسبة أعني النسبة المحققة في الماضي و النسبة المترقبة المتحقق في المضارع فاستعمالهما فيه صحيح ليس من الغلط في شي‏ء مضافا إلى ما عرفت من سقوط النسب في الإنشاءات و حيز الشروط و غيرها.

قوله (رحمه الله) تبادر خصوص المتلبس بالمبدإ:

(1) الطريق السهل لإثبات كون المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدإ فقط بناء على ما اخترناه سابقا ان يقال: ان معنى المشتق هو الوصف‏

57

مأخوذا بنسبة و من المعلوم ان لا مطابق له الا الذات باعتبار تلبسه بالمبدإ و المصنف (رحمه الله) حيث اختار ان المنتزع عنه هو الذات باعتبار تلبسه بالمبدإ كان عليه ان يتمسك بما ترى من التبادر و صحة السلب و غيرهما.

قوله (رحمه الله) و لو لم يكن استعماله فيما انقضى إلخ:

(1) هذا اعتراف منه (رحمه الله) بالإشكال كما هو ظاهر قوله (رحمه الله) ان مفهوم المشتق على ما حققه المحقق الشريف إلخ المراد بالباسطة خروج الذات عن مفهومه في مقابل من يقول بتركب مفهومه من الحدث و النسبة و الذات و الّذي يوجد في كلامه هو خروج الذات و الشي‏ء عن مفهوم المشتقات دون دعوى البساطة فذلك تسمية من غيره هذا و يرد على ما أفاده المحقق الشريف انه على تقدير تمامه انما يفيد خروج الذات المأخوذ بنحو الاستقلال عن مفهوم المشتقات و اما أخذه غير مستقل بجعله طرف النسبة على ما قررناه فلا.

قوله (ره) أحدهما قضية الإنسان إنسان إلخ:

(2) ظاهره الرد على صاحب الفصول على كلا التقديرين بان المحمول ان كان هو الذات المقيد بنحو دخول التقيد و خروج القيد فالذات حال التقيد ضروري الثبوت لنفسه فقد صح الانقلاب و ان كان هو الذات المقيد مع القيد فمجموع الذات مع القيد و ان لم يكن ضروريا غير ان القضية لانحلالها إلى ضرورية في عقد الوضع و ممكنة

58

في عقد الحل لا يخلو عن ضرورة أيضا فيتحقق الانقلاب أيضا مع ان عقد الوضع اما مطلقة أو ممكنة فهو (ره) انما أخذ القضية الضرورية من ذات الموضوع و الذات المفروضة الأخذ في جانب المحمول و لو لا ذلك لم يختص الإشكال بالممكنة التي محمولها مشتق بل يجري في كل ممكنة عنوان موضوعها عنوان الذات كقولنا الإنسان ذو كتابة و الإنسان له الكتابة بالإمكان فالإشكال على ما سلكه في تقريبه واقع و لو لم يؤخذ الذات في مفهوم المشتق في عين القضية التي حللها فما سلكه (رحمه الله) غير مستقيم هذا، و ربما يورد عليه ان أصل انحلال القضية إلى عقدي الوضع و الحمل من باب لزوم ما لا يلزم بل هو مبنى على ما وضعه المنطقيون في القضايا ان المعتبر في جانب الموضوع هو الذات و في جانب المحمول هو الوصف و لا حاجة إليه بعد اعتبار الاتحاد في الوجود في الحمل الشائع.

أقول و هو غفلة عن غرض القوم فان العلوم انما تشتغل بالبحث عن الحقائق الخارجية و الكشف عن محمولاتها الذاتيّة على ما عرفت في الكلام على موضوع العلم و المقدار الّذي يتعرض فيها بحال الألفاظ انما هو تنزل إلى سطح افهام المتعلمين تسهيلا للتعليم ثم ان الّذي عليه الأمر في نفسه ان الموضوع هو الذات و المحمول ما يعرضه لذاته مما يحمل عليه ثم لو حمل على المحمول شي‏ء من عارض ذاتي فانما يعرضه بما هو متقوم بالموضوع الأول و هو الذات فان هذا هو الحق الّذي في الأعيان من قيام ما وجوده للغير بالغير دون العكس بالبرهان ثم البرهان مع ذلك قائم على‏

59

صدق العكس المستوى في القضايا و البرهانان جميعا يعطيان جميعا ان الموضوع في القضايا هو الذات و ان الانعكاس بتبدل مكاني الوصفين بالتقدم و التأخر فعقد الوضع و الحمل ينحلان إلى قضيتين هذا.

مضافا إلى ان البرهان قائم على عمومية نسبة النعتية و الوصفية و هي نسبة الوجود له ثابتة بين كل امر موجود و بين المستقل بالذات الّذي معه سواء كان المستقل الموجود معه غيره كما في الاعراض أو عينه كما في غيرها هذا.

و اما حديث الاتحاد في الوجود في الحمل الشائع فلا يكفى فيما مر من الدقيقة و ان كان لا بد من اعتباره.

قوله (ره) ان معنى البساطة بحسب المفهوم وحدته إدراكا و تصورا إلخ:

(1) اللفظ حيث انه مأخوذ وجودا للمعنى و لا معنى لوجود واحد يوجد به أمور كثيرة فوق الواحد من غير رجوعها إلى جهة واحدة يجمعها بان يكون الوجود واحد و الموجود به كثيرا لكون الوجود عين موجودية الموجود فاللفظ الواحد له صورة تصورية واحدة من حيث انها معناه سواء كان بسيطا غير مركب أصلا كالأجزاء الأخيرة للمركبات أو مركبا بالتحليل كالإنسان مثلا المنحل إلى الحيوان الناطق فالوحدة و التركب من حيث اللحاظ هو الفارق بين الحد و المحدود أو مركبا من غير تحليل كالدار و الجملة و الخطبة و غير ذلك إذا عرفت ذلك علمت ان هذه الوحدة اللحاظية لا مفر منه سواء

60

قلنا ببساطة معنى المشتق حقيقة أو بمعنى خروج الذات عن مفهومها أو بتركبه من الذات و النسبة و الحدث فالبساطة اللحاظية غير متنازع فيه و لا ينافيها القول بالتركب أصلا كما نبه به شيخنا الأستاذ أعلى- اللّه مقامه في الحاشية انما النزاع في ان معنى المشتق هل هو المبدأ فقط من غير نسبة و لا ذات كما نسب إلى المحقق الدواني أو هو المبدأ و النسبة من غير ذات كما عليه المحقق الشريف أو مجموع الذات و النسبة و المبدإ كما عليه المشهور فهاهنا ثلاثة أقوال.

القول الأول ان المشتق هو المبدأ معنى و نسب إلى المحقق الدواني و المنقول منه ثلاثة أوجه من الاستدلال.

أحدها ما ذكره في حاشيته على شرح القوشچي على تجريد الكلام قال: التحقيق ان المشتق لا يشتمل على النسبة بالحقيقة فان معنى الأبيض و الأسود و نظائرهما ما يعبر عنه بالفارسية بسفيد و سياه و أمثالهما و لا مدخل في مفهومهما للموصوف لا عاما و لا خاصا إذ لو دخل في مفهوم الأبيض الشي‏ء كان معنى قولنا الثوب الأبيض الثوب الشي‏ء الأبيض و لو دخل فيه الثوب بخصوصه كان معناه الثوب الثوب الأبيض و كلاهما معلوم الانتفاء بل معنى المشتق هو المعنى الناعت وحده.

ثانيها انا إذا رأينا شيئا أبيض فالمرئي بالذات هو البياض و نحن نعلم بالضرورة انا قبل ملاحظة ان البياض عرض و العرض لا يوجد قائما بنفسه نحكم بأنه بياض و أبيض و لو لا الاتحاد بالذات بين الأبيض‏

61

و البياض لما حكم العقل بذلك في هذه المرتبة و لم يجوز قبل ملاحظة هذه المقدمات كونه أبيض لكن الأمر على خلاف ذلك.

ثالثها ان المعلم الأول و مترجمي كلامه عبروا عن المقولات بالمشتقات و مثلوا لها بها فعبروا عن الكيف بالمتكيف و مثلوا له بالحار و البارد.

أقول و هذه الوجوه الثلاثة و ان حكيت عنه لإثبات الدعوى المنسوبة إليه و هو اتحاد معنى المشتق و المبدأ ذاتا لكن التأمل فيما نقل من كلامه يعطى ان بحثه مع القوم من جهتين مختلفتين لا من جهة واحدة بعينها إحداهما ان مفهوم المشتق هل هو مفهوم المبدأ بعينه و لا يعنى بالمبدإ المبدأ المشهوري و هو المصدر كما نسبه إليه صاحب الفصول فكلامه صريح في ذلك بل انما يعنى بالمبدإ العرض الخارجي ثم يدعى ان الذات غير مأخوذة في مفهومه لاستلزام أخذه التكرار في قولنا الثوب الأبيض و لصحة الغفلة عن الذات مع تصور معنى المشتق عند تصورنا العرض الخارجي بنحو الناعت (و من هنا يظهر) ان مراده من نفى النسبة عن المشتق في أول كلامه هو انتفاء الذات كما ينادى به كلامه و استدلاله لدعواه فنسبة القول بخلو معنى المشتق عن الذات و النسبة جميعا إليه ليس على ما ينبغي كيف و هو ينادى بقيامه بالذات و حمله عليها و كونه معنى ناعتا و هل الاشتمال على النسبة غير كون المعنى ناعتا و قد أطبقت كلمتهم على ان العرض وجوده في نفسه عين وجوده لغيره فما به يكون السواد سوادا عين ما به يكون الجسم أسود و الأول‏

62

هو نفس السواد و وجوده و الثاني هو الأسود و وجوده فالسواد عين الأسود و هذا غير كون السواد أسود أولا و بالذات و الجسم أسود ثانيا و بالعرض فلا تغفل.

الجهة الثانية ان المبدأ يحمل عليه المشتق أو لا و بالذات و الذات القائم به المبدأ يحمل عليه المشتق بواسطته و عرضه فالسواد أسود بنفسه و الجسم أسود بالسواد و هو لازم استدلاله ان الّذي يناله الحس أو لا هو سواد الجسم و ان الّذي يراه أسود العقل و هذا لا يختص بالاعراض بل الّذي تناله النّفس نيلا أوليا أو ثانويا تجد معه استقلالا فتشاهد نسبة بين ما تشاهده و ما تجده و هذا هو نسبة الناعتية نعبر عنه في الاعراض بالوجود لغيره يسرى في كل ما وجوده في نفسه من أي المعقولات كان كما ان الإنسان إنسان و متصف بالإنسانية و الوجود وجود و موجود و السواد سواد و أسود نعنى بذلك كله ان المعقول ثابت في نفسه و ثابت لحيثيته الاستقلال التي نجدها معه ثم العقل يحكم بان هذا الّذي يثبت له المعقول في الاعراض امر وراء العرض و هو الجوهر بخلاف غيرها و حكم العقل ثانيا لا يبطل حكمه أولا فالسواد أسود بحكم العقل أو لا و الجسم أسود بحكمه ثانيا و عند ذلك ينقسم الوجود قسمين وجود لنفسه كما في الجواهر و وجود لغيره و اما معنيا الوجود فيه و الوجود له فمتصادقان متساويان دائما.

و من هنا يظهر ان انحلال العقدين في القضية إلى قضيتين مما

63

لا مفر منه.

و من هنا اشتبه الأمر على المحقق المزبور حيث ظن ان الّذي يجده العقل ثانيا و هو الموضوع المستقل الموجود له العرض لم يكن يجده في التعقل الأولى للعرض و العرضي و ليس كذلك بل العقل يجد الاستقلال المذكور أولا و ثانيا على حد سواء و ليس من الأمور المحسوسة حتى يناله ثانيا بعد ما لم يكن يناله أو لا و انما الفرق بين الوجدانين هو ان الحكم يكون الموضوع غير الوصف بالقوة أو لا و بالفعل ثانيا فاذن الذات متحد مع الوصف أولا و بالذات لا بواسطة المبدأ فافهم ذلك و بقية الكلام موكول إلى محله فراجع.

و اما استدلاله الثالث فقد عرفت سر التعبير عن المقولات بالمشتقات بما مر في الكلام في عقدي الوضع و الحمل.

القول الثاني ان مفهوم المشتق هو المبدأ و النسبة من غير أخذ الذات و هو القول المنسوب إلى المحقق الشريف و قد عرفت ان الكلام المنقول من تلميذه المحقق الدواني منطبق عليه و عليه عدة من الأصوليين و استدل له بما عن المحقق الشريف ان أخذ الذات فيه موجب لدخول العرض العام في الفصل أو انقلاب الممكنة العامة إلى الضرورية.

و بما استدل له المحقق الدواني ان ذلك يوجب التكرار في مثل قولنا الثوب الأبيض و الشي‏ء الأبيض‏

64

و قد عرفت ان غاية ما يلزمه ان يكون الذات غير مأخوذ بنحو الاستقلال و المعنى الاسمي لا مطلقا و ان ما ذكروه من انتزاع مفهوم المشتق عن الذات باعتبار تلبسه بالمبدإ و اتحاده معه يوجب كون الذات لمكان استقلاله في الأخذ مدلولا عليه بالدلالة الغير الحرفية مع ان مادة المشتق انما تدل على المبدأ و غير المادة و هو الهيئة دال حرفي و لا يدل باللفظ الحرفي على المعنى الاسمي هذا.

القول الثالث ان مفهوم المشتق مشتمل على المبدأ و النسبة و الذات جميعا و استدل له ببعض وجوه ضعيفة مثل ان علماء العربية فسروا المشتق بما يشتمل عليها كقولهم ان معنى اسم الفاعل ما ثبت له الفعل أو ذات أو شي‏ء حصل منه الفعل و اسم المفعول ما وقع عليه الفعل إلى غير ذلك.

و استدل له شيخنا الأستاذ أعلى اللّه مقامه في الحاشية ان من المعلوم ان مفهوم المشتق متحد مع الذات الموصوف و من المعلوم ان المبدأ مغاير لذي المبدأ هو الذات فلا يصح الحكم باتحاده معه في الوجود و ان اعتبر فيه الف اعتبار إذ هذه الاعتبارات لا يوجب انقلاب المبدأ عما هو عليه من المغايرة الذاتيّة و ليست مغايرة اعتبارية تتغير بتغير الاعتبار و تزول بزواله و من المعلوم أيضا ان نسبة واحدية المبدأ و هي النسبة المدلول عليها بالمشتق لا تتحد مع الذات ما لم يعتبر في طرفها الذات‏

65

و كذا المجموع من المبدأ و النسبة لا يتحد معه فلا مناص بعد وضع هذه المقدمات من الالتزام بأخذ الذات في مفهوم المشتق بان يؤخذ امر مبهم من جميع الجهات قابل الانطباق على الذات و المبدأ و يتقوم به العنوان و يكون معرفه العنوان فقط فلفظ الضارب مثلا يدل على صورة مبهمة قائمة بنفسها معرفها الضرب هذا ملخص ما ذكره ره (قال) و لا ينافيه القول بعدم أخذ الذات لا عموما و لا خصوصا في مفهوم المشتق إذ ما ذكرناه من الأمر المبهم أعم من الذات و المبدأ و ليس بجوهر و لا عرض و لا هو مفهوم الذات و ان اعتبار هذا الأمر المبهم لا ينافى البساطة العنوانية بمعنى تمثل صورة وحدانية في الذهن على حد الوحدانية في الخارج هذا محصل ما أفاده ره (و فيه) أو لا ان كون المبدأ مغايرا لذي المبدأ مما لا يمكن تصحيحه أصلا فضلا عن كونه مسلما و كيف يكون كذلك و المبدأ لا بشرط بالنسبة إلى المشتق و المشتق لا بشرط بالنسبة إلى ذي المبدأ و هو الذات و سيجي‏ء له زيادة توضيح.

و ثانيا ان الإبهام حيث انه معنى نسبي و امر إضافي لا يوجب زوال التبين المفهومي عن المفهوم فهذا المفهوم اما معنى حرفي أو اسمي لكن جعله إياه طرفا للنسبة ينفى الاحتمال الأول فهو الثاني فحينئذ ينطبق على مفهوم الشي‏ء أو يساويه فيرد عليه ما أوردناه على أخذ مفهوم الذات و الشي‏ء الاسمي في المشتق مضافا إلى امتناع الجمع بين الشي‏ء بهذا المعنى و كون المشتق بسيطا مفهوما و كيف يتحد الشي‏ء بهذا المعنى‏

66

مع المبدأ و هو (رحمه الله) مقر بالمغايرة الذاتيّة الحقيقية بينهما و أخذه مبهما يعم الذات و المبدأ و لا يصحح الحمل بين الذات و المبدأ و ان صحح الحمل بين هذا المبهم و الذات و بينه و المبدأ كالحيوان يحمل على الإنسان و الفرس من غير حمل بينهما و الحساس يحمل على الناطق و الأعجم من غير حمل بينهما.

و ثالثا ان المغايرة بين المبدأ و ذي المبدأ في الخارج لا يدع وحدة للمطابق الخارجي و المطابقة تقتضي تركب المفهوم فلا يبقى للمفهوم الا البساطة اللحاظية و قد أعرف ان البساطة اللحاظية غير محل النزاع.

قوله (ره) الفرق بين المشتق و مبدئه إلخ:

(1) قد عرفت ان المبدأ معنى سار في معاني المشتقات كالمادة السارية في ألفاظها ليس غيرها و إلّا كان مشتقا مثلها لا مبدأ لها و ظاهر ان المشتق متحد مع الذات جار عليها فهو متحد مع الذات كالمشتق غير انه لا معنى متعين له لمكان المبدئية و السراية كما لا لفظ متعين فالفرق الّذي ذكره غير مستقيم:

قوله (ره) و إلى هذا يرجع ما ذكره أهل المعقول من الفرق بينهما إلخ:

(2) غير مخفي ان الحكيم بما هو حكيم لا شغل له بمفاهيم الألفاظ الموضوعة من حيث هي كذلك بل بحثه انما يتعلق بالحقائق النّفس الأمرية و ملخص مرامهم في المقام ان العرض وجوده في نفسه عين وجوده لغيره‏

67

بمعنى ان كون السواد سوادا خارجا عين كون الجسم أسود خارجا إذ لو كان وجوده في نفسه غير وجوده لغيره كان في مرتبة نفسه و ذاته غير مرتبط و لا متعلق بموضوعه و لا منسوبا إليه فكان في نفسه لنفسه غير محتاج بنفسه إلى موضوعه بل لو كان هناك احتياج ففي مرتبة بعد مرتبة نفسه هف فاذن العرض وجوده في نفسه عين وجوده لغيره أي ان نسبته إلى موضوعه في مرتبة نفسه و وجود النسبة حيث كان رابطا غير خارج عن وجود العرض و إلّا كان مستقلا في نفسه غير رابط هذا خلف فوجودها غير خارج عن وجود العرض و لا يتحقق إلّا مع طرفيها فالموضوع موجود في مرتبة نفس العرض و وجوده و لا عكس إذ النسبة متأخرة عن ذات الموضوع إذ ليس ناعتا لعرضه فالعرض من هذه الحيثية النّفس الأمرية من مراتب وجود الموضوع و ان كان من حيث موجودا في نفسه وجوده غير وجود الموضوع و إذ كان المتحيث بالحيثيتين واحدا فهناك امر واحد له اعتباران أي حيثيتان بأحدهما يحمل على الموضوع و هو الأسود و بالآخر لا يحمل و هو السواد فافهم ذلك.

و هذا البحث بعينه جار في كل امر من الأمور الحقيقية غير داخل تحت المقولات سواء كان عارضا لجميع المقولات أو بعضها و ربما يسمى بالاعتبار كالوجود و الواحدة و الشيئية و الإمكان و العلم و الحياة و الحركة و نحو ذلك بل يجري بين الشي‏ء و نفسه من حيث اعتباره في-

68

نفسه ثم اعتباره ناعتا لنفسه كما مر في الكلام على عقدي القضية و يجري أيضا في سائر المفاهيم من الاعتبارات و (ح) يتم الكلام في كل مشتق و مبدأ اشتقاقه بالنسبة إلى ما يوجدان فيه و قد عرفت ان هناك معنى واحدا يؤخذ مرة في نفسه فيكون بشرط لا و أخرى لغيره فيكون لا بشرط و القائلون بعدم تصحيح الاعتبار للمغايرة الذاتيّة انما أخذوا الاعتبار في نفسه مبدأ للاعتبار لغيره و هو خطأ كما عرفت و كلماتهم في أطراف هذا البحث على اختلافها لا يزيد للباحث الا تعبا و لا يعجبني هذا المقدار من الغور فيما هو خارج عن حظيرة هذا الفن إلّا ان الحق لا يستهان به.

قوله (ره) لأجل امتناع حمل العلم و الحركة على الذات و ان أخذ لا بشرط انتهى:

(1) و إذ كان العلم و الحركة نفسهما مشتقين بشرط لا كما عرفت كان معنى هذا الكلام ان المأخوذ بشرط لا و لا بشرط معا لا يحمل على الذات و هو كذلك و لا يفيده شيئا.

قوله (ره) لا ريب في كفاية مغايرة المبدأ إلخ:

(2) كمغايرة القيام مع زيد مفهوما في قولنا زيد قائم و العلم معه سبحانه مفهوما في قولنا اللّه تعالى عالم سواء تغايرا وجودا أيضا كما في المثال الأول أو كان أحدهما عين الآخر كما في المثال الثاني (و الحق) ان يقتصر على اعتبار مغايرة مفهومي الموضوع و المحمول دون الموضوع و مبدأ المحمول إذ حقيقة الحمل حكم بوحدة على كثرة فالمغايرة معتبرة

69

فيما اعتبر فيه الاتحاد و الاتحاد انما هو بين الموضوع و المحمول دون الموضوع و مبدأ المحمول فيشمل نحو قولنا الوجود موجود كما نبه عليه شيخنا الأستاذ أعلى اللّه مقامه في الحاشية و حقق المقام بما لا مزيد عليه.

قوله (ره) و التحقيق انه لا ينبغي ان يرتاب إلخ:

(1) الفرق بين هذا البحث و ما مر في الأمر الرابع ان المقصود هناك بيان ان عينية المشتق أو مبدأه مع الذات لا يوجب كونه مجازا أو منقولا بمعنى انه لا يشترط في معنى المشتق حقيقة كونه أو كون مبدئه غير الذات خارجا عنه كالقيام و القائم بالنسبة إلى زيد و المقصود هاهنا بيان ان اختلاف مصاديق المشتق لا يوجب كون بعضها مجازا أو منقولا فانما اللازم هو اتحاده بحسب المفهوم و اما المصداق فلا عبرة به فكون الوصف في بعض المصاديق عين الموصوف لا يوجب الاختلاف بحسب المفهوم.

بحث الأوامر و النواهي‏

قوله (ره) و لا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب في الجملة و الشي‏ء إلخ:

(2) يعنى به الاشتراك اللفظي بينهما لكن لا يخفى ان صدق الأمر على غير الطلب المخصوص موقوف على اشتمال مصداقه على نسبة أي معنى حدثي من حيث هو كذلك يشهد بذلك الاستعمالات و الشي‏ء و الشأن و أضرابهما لا تشتمل على ذلك فليست من معاني الأمر بل معناه ان كان فهو الطلب و الفعل و أظن ان المتأمل المستأنس بتطورات اللغة و موارد استعمال الأمر خاصة يذعن بان معنى الأمر ليس هو الإرادة مطلقا من الأمر

70

سواء دل عليها أم لا و لا هو الإرادة المدلول عليها مطلقا سواء كان الدال عليها اللفظ أو غيره من الإشارات فان تسمية مطلق الإشارة بأسماء الألفاظ من باب الإلحاق في الحد كما يطلق على بعض الإشارات الأمر و النهي و على بعضها القول و الكلام و نحو ذلك و لا هو الإرادة المدلول عليها باللفظ سواء كان بصيغة الأمر أو بغيره كقوله أطلب منك كذا و يجب عليك ان تفعل كذا و أمرتك ان تفعل كذا على نحو الاخبار أو الإنشاء بل الأمر في معنى الأمر هو الصيغة الدالة على إنشاء الإرادة و يجمع على أو امر ثم اشتق منه الأمر بمعنى مطلق الفعل لكونه يتعلق به الأمر و جمع على أمور و نظائره كثيرة في اللغات من حيث تطوراتها و كذا سائر المعاني في اشتقاقات هذه المادة كالإمرة و الأمارة.

قوله (ره) و لا يخفى انه لا يمكن منه الاشتقاق إلخ:

(1) الأمر في الاشتقاق سهل إذ ربما لوحظ بعض الجوامد مع نسب لها إلى الذوات ملائمة لحالها فأعطى معنى الحدث فاشتق منه كما في اللابن و التامر و البقال و البواب و نظائرها.

قوله (ره) و كيف كان ففي صحة سلب إلى قوله كفاية:

(2) هذا حق فيما إذا لوحظ الأمر بالنسبة إلى السافل نفسه كقولنا امر زيدا عبده ان قم و اما إذا لوحظ بالنسبة إلى المستعلى السافل فممنوع كقولنا استعلى عبد زيد عليه فأمره بكذا (و من هنا) يظهر ان المأخوذ في الأمر ان يصدر عن علو اما حقيقة أو ادعاء و الثاني امر حقيقة بحسب ظرفه و ان‏

71

لم يكن بحسب الحقيقة امرا.

قوله (ره) و بالجملة هما متحدان مفهوما و إنشاء و خارجا إلخ:

(1) و ظاهر ان الأول بحث لغوي و الثاني بحث أصولي و الثالث بحث عقلي فهنا ثلاث مقامات.

اما المقام الأول فالظاهر ان المفهوم من أحدهما لغة غير المفهوم من الآخر بمعنى انهما ليسا بمترادفين بل المتحصل من موارد استعمالهما ان الطلب هو الإرادة فيما كان المراد محتاجا في حصوله إلى مئونة سعى و حركة يقال خرج فلان يطلب الرزق و لا يقال يريد الرزق و في الحديث طلب العلم فريضة على كل مسلم و لا يقال إرادة العلم بخلاف الإرادة يقال خرج فلان يريد الحج و لا يقال يطلب الحج و قال تعالى تريدون عرض الحياة الدنيا و لا يقال تطلبون و قال تعالى يريدون وجه اللّه و لا يقال يطلبون ففي مورد الإرادة نوع من قرب الحصول كأنه موصول بالإرادة غير مفصول عنها بخلاف مورد الطلب ففيه تحقق للمطلوب و حصول غير ان حصول الطالب عليه و وجدانه إياه يحتاج إلى طي عمل و حركة و منه يظهر ان استعمال الطلب في مورد الإرادة فيما وجد من الموارد من قبيل الاستعارة بالكناية و الاستعارة التخييلية ثم ابتذل فالتحقق بالحقيقة بل الأصل في معناه ان يدور الإنسان للحصول على ما افتقده كطلب الضالة و المفقود ثم استعمل في إرادة المراد بنحو الاستعارة فافهم فاللفظان في اللغة لا مترادفان و لا متقاربان و ان تقاربا ثانيا حتى كانا كالمترادفين.

72

و اما المقام الثاني و هو اتحادهما بحسب الإنشاء فهو كذلك بمعنى انا لا نجد من أنفسنا عند الأمر بشي‏ء بصيغة افعل غير نحو واحد من المعنى الإنشائي سواء كان الأمر منا لإرادة وجود المأمور به جدا أو لامتحان المأمور أو تعجيزه أو الاستهزاء به و اما اختلاف السبب الداعي لإنشاء هذا المعنى فهو أجنبي عن نفس الإرادة كما ان السبب الداعي إلى الاخبار من قبيل فائدة الخبر أو لازم فائدته أو غير ذلك لا ربط لها بنفس مدلول الخبر و إذ كان المعنى المنشأ واحدا فان كان هو الإرادة فهو الطلب أيضا و ان لم يكن أحدهما فليس هو الآخر (و بيان ذلك) ان المدلول عليه بالأمر ليس امرا ثابتا في الخارج حقيقة أو اعتبارا نحو ضربت و بعت الأخباريين بحكاية أحدهما عن وقوع الضرب حقيقة في الخارج و الآخر عن وقوع البيع اعتبارا في الخارج بل هو امر موجود بعين وجود اللفظ الدال عليه و في مرتبته فهو إيجاد معنى بوجوده الاعتباري و ان شئت فقل إيجاد المعنى باللفظ اعتبارا و حيث كان الاعتبار كما قرع سمعك مرارا هو إعطاء حد شي‏ء أو حكمه لشي‏ء آخر لغرض ترتب آثار الحقائق عليه كان تحقق الاعتبار في محله محتاجا إلى تحقق آثار مترتبة عليه و كان نفس الاعتبار ملائما لما يترتب عليه من الآثار بحسب الحقيقة بمعنى ان الحد المأخوذ من امر حقيقي للتطبيق على المحل يجب ان يكون هو حد امر يترتب عليه تلك الآثار. مثاله ان الأثر الّذي هو عدم الملاقاة بالرطوبة المسرية إذا أريد ترتيبه على البول و المني‏

73

يجب ان ينطبق عليه حد القذر لكون الحكم حكمه لا حد شي‏ء آخر كحد القرب و البعد مثلا و هو ظاهر.

فليس اعتبار الأمر فيما نحن فيه الا اعتبار امر حقيقي يترتب عليه ما يترتب على الأمر و الّذي يترتب على الأمر في الجملة هو وجود المأمور به و حصوله في الخارج و من المعلوم ان وجود الفعل انما يترتب على إرادة فاعله بعد الفراغ عن سائر مقدماته فهذا هو المعتبر في الأمر لا غير.

و ذلك ان كل نوع من الأنواع انما يصدر عنه من الأفعال ما يلائم ذاته بالضرورة سواء كان بلا واسطة أو مع الواسطة فهو انما ينحو بنوعيته أو يريد بنفسه إذا كان من الأنواع الشاعرة بنفسها و أفعالها ما يلائم نفسه و يلائم القوى و الآلات المودعة فيه فمن المستحيل ان يقصد الفرس و هو من ذوات الحافر الكتابة و التصوير أو ان يقصد الحمامة الصيد و لا مخالب لها و لا ان يتمنيا ذلك و يأملاه كما ان من المستحيل ان لا يذعن الإنسان بطبعه بالنكاح و قد جهز مقدم الذّكر و الأنثى منه بجهاز التوالد و التناسل فهذه علوم متولدة عن جهات خارجية و أمور حقيقية مودعة في الذوات.

ثم ان الإنسان بأفعاله التي لا تحتاج إلى خارج منه كأفعاله بقواه و آلاته البدنية يستشعر بنسبة الإيجاب التي بينه بما انه مريد و بين قواه و آلاته.

و بانضمام هذين الأصلين عنده يأخذ في الاستفادة من كل شي‏ء

74

أو أثر شي‏ء يلائمه في نفسه ما وجد إليه سبيلا كالجمادات و النباتات مما ليست آثاره و أفعاله مستندة إلى الإرادة بحسب الظاهر و هذا ناموس الاستخدام و التوسيط ثم يتنبه بمثله فيما لسائر افراد نوعه من الأفعال الإرادية بتوسيطه بينه و بين أفعاله و هذا الأمر بالضرورة شك إلى اعتبار نسبة الوجوب و الإيجاب التي كان أدركها أو لا بين نفسه و افعال نفسه إذ كانت دائرة بين الإرادة و الآلة المطيعة فهو في هذا التوسيط ينزل المأمور الّذي وسطه منزلة ما يتعلق به إرادته من أدواته و قواه الغير الخارجة عن نفسه فهو بالأمر يجعل إرادة نفسه متعلقة بفعل الغير على حد ما يتعلق بفعل نفسه بصفة التأثير فهو اعتبار تعلق الإرادة بفعل المأمور به فالامر يدل على إنشاء إرادة الفعل و طلبه من المأمور أي إيجاد الإرادة و الطلب اعتبارا فافهم.

نعم يعتبر العقلاء أمورا محبوبة أو مبغوضة فيتعلق بالأمر وجودا أو عدما لتحكيم عقد الاعتبار و تشييد أساسه و هي التي تسمى بالمثوبة و العقوبة.

و من هنا يظهر فساد ما قيل و قواه شيخنا الأستاذ (رض) في الحاشية ان مدلول الأمر هو البعث الإنشائي و هو غير الطلب و الإرادة جميعا قال في تقريبه ان الوجدان يشهد بذلك فان المريد لفعل الغير كما انه قد يحركه و يحمله عليه تحريكا حقيقيا و حملا واقعيا فيكون المراد ملحوظا بالاستقلال و التحريك الّذي هو آله إيجاده خارجا

75

ملحوظا بالتبع كذلك قد ينزل هيئة اضرب منزلة التحريك الملحوظ بالتبع فيكون تحريكا تنزيليا يقصد باللفظ ثبوته و لذا لو لم يكن هناك لفظ لحركه خارجا بيده نحو مراده لا انه يظهر إرادته القلبية انتهى.

و وجه الفساد ما عرفت ان الاعتبار يجب ان يلائم الحقيقة التي يترتب عليه الأثر المقصود و من المعلوم ان الأثر في المقام و هو وجود الفعل المأمور به ليس بمترتب على وجود مجرد تحرك المأمور نحوه بل إلى حركته المستندة إلى إرادة الفعل فهذا هو المعتبر كما عرفت دون البعث إلى الفعل بمعنى مجرد التحريك و هو ظاهر.

و اما المقام الثالث و هو اتحادهما بحسب الخارج فهو كذلك كما استدل عليه بالوجدان لكن هاهنا دقيقة يجب التنبيه عليها و هو ان البرهان قائم على ان كل نوع من الأنواع الخارجية فنسبته إلى الآثار المترتبة عليه نسبة الفاعل إلى فعله أعني العلة الفاعلة إلى معلولها هذا و لازم ذلك ان لا تكون الإرادة صفة موجودة بوجود مستقل منضم إلى النّفس تتم بها فاعليتها بل نسبة و حيثية غير خارجة عن النّفس موجودة على حد ساير الوجودات الرابطة و أيضا الإرادة مما يحمل على الممكن و غيره فليست مندرجة تحت مقولة من المقولات فلا جنس لها فلا فصل لها فلا حد لها و كلما كان كذلك فهو منتزع عن الوجود فمصداقه الموجود من حيث هو موجود و لو كان مصداقها وجودا خارجا عن النّفس لكانت موجودة في نفسها فكانت لها ماهية

76

فكانت داخلة تحت مقولة هف فهي موجودة بوجود النّفس من غير ماهية لها في نفسها فهي من أطوار النّفس غير الخارجة عنها.

ثم انها غير منتزعة عن الوجود بما هو وجود أعني المطلق بل من الوجود بما هو فاعل و لا بما هو فاعل فقط بل بما هو فاعل له علم بفعله و لا بما له علم بفعله فقط بل بما هو ان فعله موافق لذاته بما هو عالم فالإرادة حيثية اقتضاء الفاعل العالم بما هو عالم لفعله الملائم لذاته هذا.

ثم ان نظير البرهان قائم في العلم و القدرة و الحب و ساير ما يعد من الكيفيات النفسانيّة فجميعها حيثيات نفسانية غير خارجة عنها بنحو الانضمام و ان كانت بينها توقف ما أو ترتب ما كالإرادة تتوقف على العلم إذ لا مانع من توقف بعض الحيثيات الذاتيّة على بعض في عين انها متحدة في الذات الجامعة لها كما برهن على نظيره في حياة الواجب تعالى و قدرته و علمه هذا.

فان قلت لازم جميع ما مر كون الإرادة عن الوجودات الرابطة نظير المعاني فلا تكون صفة كما يقضى به الضرورة.

قلت فرق بين المعاني الوصفية المنتزعة من الماهيات أو من الوجودات و القسم الأول تنافي الوجودات الرابطة دون الثاني و ليطلب أزيد من هذا من مظانه.

و من هنا يظهر ان في كلامه (رحمه الله) مثل كلام غيره في المقام مواقع للنظر.

77

منها كون العلم من مقدمات الإرادة بماله من المراتب كالتصور و التصديق بالفائدة و تمام المصلحة و انتفاء المفسدة و الجزم بل لو عد العلم من باب المسامحة من مقدمات الإرادة فانما تتوقف الإرادة على العلم بوجود الفعل وحده على ما عرفت.

و منها كون الإرادة هو الشوق الأكيد إذ الشوق بحسب التحليل هو ميلان النّفس إلى الشوق سواء كان من الأعيان أم من الأفعال و الإرادة لا تتعلق بالأعيان مضافا إلى إمكان تحقق الشوق الأكيد بالوجدان مع استحالة الفعل فلا تتحقق الإرادة لعدم تحقق العلم الّذي تتوقف عليه الإرادة على ما وصفناه لك و به يتبين ما في كلام بعضهم دفعا للإشكال ان الإرادة هي الشوق الأكيد الّذي لا ينفك عن الفعل يعنى بلوغه مرتبة لا يفارقه من باب التعريف بالمبائن بأخذ ما بالعرض مكان ما بالذات.

و منها جعل الإرادة كيفية نفسانية و قد عرفت انها ليست من الكيف في شي‏ء و الحق ان تسمية هذه النسب و الحيثيات بالكيفيات النفسانيّة من باب المسامحة وهم و ان لم يصرحوا بذلك لكن ذلك لازم كلماتهم و قد صرح به بعض أهل النّظر في الوجود الذهني ان تسميته بالكيف من باب المسامحة و ارتضاه آخرون.

و منها قوله (ره) المستتبع لأمر عبيده به فيما لو اراده لا كذلك انتهى، فان الإرادة في استتباعها لأمر العبيد من قبيل إرادة الفعل بالمباشرة

78

و اما بالنسبة إلى إرادة فعل العبد مثلا فلا إرادة في النّفس تتعلق بفعل الغير بل انما هي إرادة الإنشائية و تسميتها إرادة متعلقة بفعل الغير مجاز أو مسامحة لمكان التلبس الواقع بين الأمر و المأمور به.

و به يتبين ان القول بتعلق الإرادة بفعل المأمور به مسامحة أو خطأ ناش من الاتحاد المتوهم بين الأمر و المأمور به و ذلك ان الإرادة حيثية حقيقية رابطة بين الذات المريدة و فعلها القائم بها و اما النّفس و فعل غيرها فلا رابطة بينهما حتى يتوسط بينها حيثية الإرادة فالإرادة المتعلقة بفعل المأمور توهما متعلقة بالحقيقة بامره بالفعل فتسند إلى نفس الفعل مجازا أو ان إرادة الأمر لتعلقها بفعل ما له مرتبط بفعل المأمور تعد متعلقة بنفس فعل المأمور تجوزا كما يقال أردت الخبز و انما أراد أكله و هذا النحو من الإسناد أو النسبة كثير الدوران في الاستعمال.

قوله و كذا الحال في الصيغ الإنشائية و الجمل الخبرية انتهى:

(1) فيه عطف الكلام على الكلام النفسيّ الّذي قال به الأشاعرة و نفاه المعتزلة و المتكلمون من الإمامية و محصل الكلام فيه ان القدماء من مشايخ الأشاعرة ذهبوا إلى ان القرآن قديم غير مخلوق لكونه كلامه سبحانه و إذ كان الكلام على ما يتلقاه العرف جملا مؤلفة من الحروف التي هي من الكيفيات المسموعة التي هي حادثة زمانية بالضرورة وجهه المتكلمون منهم بان الكلام انما يصير كلاما بالمعنى‏

79

الّذي يدل عليه فالمعنى هو الكلام في الحقيقة و من الضروري ان الكلام قائم بنفس المتكلم فالكلام في الحقيقة هو المعنى القائم بنفس المتكلم المدلول عليه بالكلام اللفظي فكلامه سبحانه هو معنى القرآن القائم بنفسه تعالى فلا يتصف بالخلق و الحدوث و إلا لزم صيرورة ذات الواجب تعالى محلا للتغير و هو محال.

و أجاب عنه النافون بان الكلام اما إنشاء أو اخبار و لا نجد في الإنشاء من الأمر و النهي غير إنشاء الطلب و في الاخبار غير العلم بالوجدان فلو كان المراد بالكلام النفسيّ هو العلم كان النزاع في التسمية فيعود لغوا و ان كان غير العلم فلا شي‏ء غيره يصلح ان يكون كلاما نفسيا مدلولا عليه بالكلام اللفظي فلا كلام الا اللفظي و هو حادث مخلوق بالضرورة هذا.

و قد ذكره شيخنا الأستاذ (قده) في الحاشية ان دليل الأشاعرة ينحل إلى مقدمتين.

إحداهما ان في النّفس غير الصفات المعروفة من العلم و الإرادة و الحب و الشوق صفة أخرى هي المسماة بالكلام النفسيّ.

و الثانية انها مدلول عليها بالكلام اللفظي و أولى المقدمتين حق دون الثانية بيان ذلك ان الصورة الذهنية لها قيام بالنفس قياما ناعتيا قيام الوصف بموضوعه فهي بهذا الاعتبار من أوصافها و كيفية لها كسائر الكيفيات النفسانيّة و قيام بها قياما صدوريا من قبيل قيام المعلول بعلته و

80

الفعل بفاعله من غير نعت و وصف و هي بهذا الاعتبار وجود نوري غير داخل تحت مقولة من المقولات فلا ماهية لها ففي عالم النّفس غير الأوصاف المعروفة وجود نوري غير ذي ماهية لكن الوجود بما هو وجود يمتنع ان يكون مدلولا عليه باللفظ إذ دلالة اللفظ انما تكون على الماهية التي يمكن ان توجد بوجود ذهني أو وجود خارجي و الوجود حيثيته حيثية انه في الخارج فلا يدخل الذهن (انتهى) محصلا و هو مخدوش صغرى و كبرى.

اما الصغرى فلان بنائه على الفرق بين العلم و المعلوم و كون الأول داخلا تحت مقولة الكيف و الثاني غير داخل تحت مقولة أصلا بل وجودا نوريا غير ذي ماهية.

و الحق ان العلم عين المعلوم و هو من شئون النّفس و حيثياتها الغير الخارجة عنها كما مرت الإشارة إليه بما يليق بالمقام و الأزيد من ذلك مرجوع إلى محله.

و اما الكبرى فكون الوجود غير قابل للحكاية عنه باللفظ مطلقا ممنوع كيف و أغلب المفاهيم الواردة في الذهن و منها المعاني الحرفية و الصفات المنتزعة من الوجود منتزعة من الوجود حاكية عنه غير داخلة تحت مقولة و لو كان الأمر على ما ذكره مطلقا لانقلب الكلام على نفسه (ره) فافهم.

و الحق الّذي ينبغي ان يركن إليه و يعتمد عليه في المقام ان‏

81

يقال: ان الكلام على ما يستبق إلى أذهاننا في بادئ الحال هو ما يؤلفه الإنسان من حروف الهجاء لدلالة المخاطب على ما في ضميره فهو امر مؤلف من أمور حقيقية و هو الأصوات و اعتبارية و هي الدلالة و القيود الأخر فهو امر اعتباري ثم انا نعلم بأدنى تأمل ان اعتبار كون المؤلف هو الإنسان و كذا المخاطب و كذا وجود ضمير ماله من خصوص المورد من دون دخالة لها في حد الكلام فالكلام عند ما هو المؤلف من ألفاظ للدلالة على المعنى ثم انا لا نشك إذا تأملنا ان كلام المتكلم شخص التأليف الصوتي الدال الّذي قام بالمتكلم بتكلمه ثم ففي زوال التموج و الاهتزاز الجوي.

فهذا أو لا ثم نتوهم له بقاء ببقاء اثره في النفوس ما دام باقيا فنقول لمن أوجد كلاما يحاذي كلام زيد انه كلام زيد بعينه و ان هذا شعر إمرئ القيس أو خطبة علي (عليه السلام) بعينه.

و هذا ثانيا ثم نتوهم له بقاء في نفس الأمر ثبوتا غير متغير على حد ما نذعن به في الماهيات الحقيقية من الثبات في نفس الأمر.

و هذا ثالثا ثم انك قد عرفت مما أسلفناه ان حدود الاعتبارات تتبع الآثار الحقيقية المترتبة عليها بالاعتبار فإنما زيد آثار الحقيقية ثم لا نجد موضوعها فنعطي حد موضوعها لما ليس هو هو و الأثر الحقيقي في الكلام هو الإنباء عن المعنى أو الانتقال إليه فالكلام هو موضوع هذا الإنباء غير انا لما لم نجد إليه سبيلا الا بتأليف ألفاظ موضوعة اعتبرناه‏

82

كذلك و لو وجدنا إليه سبيلا حقيقيا غير اعتباري لأخذنا به و كان هو الكلام و البرهان قائم على ان وجود المعلول من حيث هو وجوده كاشف عن الخصوصيات الذاتيّة لعلته من أسمائه و صفاته و بالجملة هو دال دلالة ذاتية تفضيلية على ما عند علته فحد الكلام منطبق عليه فهو كلام لها بهذه الجملة كما انه كلمتها من جهة أخرى.

فللكلام مرتبتان مرتبة اعتبار و مرتبة حقيقية وحده واقع على كل بحسبه.

إذا عرفت هذا علمت ان كلام اللّه سبحانه ان أريد به الوجه الأول على أحد اعتباراته الثلث كان امرا غير حقيقي لا ماهية له خارجا عن مقسم الوجوب و الإمكان و الحدوث و القدم غير متصف بشي‏ء من ذلك إلّا بالعرض كما وقعت الإشارة إليه في بعض الاخبار و ان أريد به الوجه الثاني كان جميع الموجودات كلاما له تعالى كما انها كلمات له تامة أو غيرها و كان الكلام بهذا المعنى في الخلق و عدمه و القدم و الحدوث تابعا لما يقتضيه وجوده و بقية الكلام مرجوع إلى محله.

قوله (ره) و اما الجمل الخبرية إلخ:

(1) هذا بالنظر إلى كون الصور العلمية الموجودة في الذهن غير ملحوظة استقلالا بل رابطة متوسطة بين اللفظ و الخارج فلا تعد مداليل بل اللفظ كأنه يحكى عن الخارج و نفس الأمر بلا وساطتها و إلّا فالصور العلمية هي المداليل بالذات و لو لا ذلك لزم خلو الكلام في صورة

83

الكذب عن المدلول إذ لا شي‏ء بحذائها حينئذ خارجا.

قوله (ره) و اما الصيغ الإنشائية إلخ.

(1) لا ريب ان اللفظ يرد مورد الاستعمال بما انه وجود المعنى فربما تعلق الغرض بالكشف عن تحقق المعنى في نفسه من غير قصر على وجود اللفظ إذا كان المعنى من شأنه ذلك فيفهم منه ان المعنى ثابت في نفسه و يطرأ على اللفظ حينئذ عنوان الحكاية و المرآتية و هو الاخبار و ربما تعلق الغرض بالكشف عن تحقق المعنى باللفظ فيفهم منه حدوث المعنى بحدوث اللفظ على حد حدوث الماهية بحدوث وجودها و هو الإنشاء.

و من هنا يظهر أو لا ان الاخبار و الإنشاء فيما اشتركا لفظا من شئون الاستعمال بمعنى ان المدلول فيهما واحد من غير اختلاف في الموضوع له و لا في المستعمل فيه بل في ناحية غرض الاستعمال و يتفرع عليه ان الدلالة على كل واحد منهما بخصوصه بالقرائن.

و ثانيا ان الاختلاف بين الاخبار و الإنشاء كالاختلاف بين نحوين من الوجود و هذا هو الّذي يريده المصنف ره (بقوله في الإنشاء) و هذا نحو من الوجود بعد ما ذكر في الاعتبار انه ثبوت النسبة بين طرفيها في نفس الأمر و قد ذكر شيخنا الأستاذ (ره) في الحاشية ان التقابل بين الاخبار و الإنشاء في غير الأمر و النهي تقابل العدم و الملكة لكون الاخبار بنحو الحكاية و الإنشاء عدم الحكاية فيما من شأنه ذلك و في‏

84

الأمر و النهي تقابل الإيجاب و السلب لأن الثابت فيهما عدم الحكاية بنحو السلب المطلق لعدم قابلية المحل للإيجاب و هو الحكاية.

و فيه أولا ان التقابل من أحكام الحقائق فلا يجري في الاعتباريات و قد اعترف بمثله في مسألة تضاد الأحكام الشرعية.

و ثانيا ان الحكاية عنوان طار كما عرفت و انما يكشف بكل منهما عن نحو من أنحاء وجود المعنى.

قوله (ره) ربما يكون منشأ لانتزاع اعتباره انتهى.

(1) لعل المراد بكونها منشأ لانتزاع الاعتبار كونها أسبابا اعتبارية لتحقق المسببات الاعتبارية ككون الأمر و النهي سببا للوجوب و الحرمة و كون العقد سببا لتحقق الملكية و الزوجية و إلّا فهو بظاهره فاسد قطعا إذ المصطلح عليه في منشأ الانتزاع كون المنتزع موجودا بوجود منشأ الانتزاع من غير اختصاص بوجود مستقل كمقولة الإضافة و ليست نسبة الحرمة و الوجوب إلى النهي و الأمر و لا نسبة الملكية و الزوجية إلى العقد هذه النسبة.

قوله (ره) إشكال و دفع انتهى.

(2) ملخص الإشكال ان تكاليفه تعالى جدية و التكليف الجدي لا بد معه من إرادة و إرادته سبحانه لا يتخلف عن المراد و مع تسليم هذه المقدمات الثلث يقع الإشكال في موارد عصيان التكاليف و مخالفتها إذ لو قلنا بعدم تحقق إرادة فيها كان خلفا للمقدمة الأولى و لو قلنا بتحققها

85

كان خلفا للمقدمة الثالثة.

و الجواب انا نختار الشق الثاني و هو تحقق الإرادة لكن ليس كل إرادة منه تعالى يمتنع تخلفها عن المراد بل هي منه تعالى قسمان تكويني و تشريعي و التي يمتنع تخلفها عن المراد هي الأولى و هي العلم بالصلاح في النظام التام دون الثانية و هي العلم بالمصلحة في فعل المكلف.

أقول و الّذي ينبغي ان يقال في هذا المورد:

ان ما يقع وصفا له تعالى من المعاني المحمولة على الممكن و غيره انما يوصف تعالى به بالمعنى الّذي يحمل به على الموضوعات الممكنة التي عندنا لما مر من البرهان على ذلك في تنبيهات بحث المشتق فمعنى الوصف فيه و في غيره تعالى واحد كالوجود و العلم و القدرة و من الواضح ان هذا القبيل من المعاني يستحيل كونها ذات ماهية و إلّا لاستلزم فيه الماهية و هو محال فهذا النوع من المعاني صفات وجودية غير ذات ماهية و إذا كان كذلك كانت الاختلافات الموجودة فيها خارجة عن حاق المعنى أو من قبيل اختلاف مراتب التشكيك، و كيف ما كان لا يوجب ارتفاع الخصوصيات ارتفاع أصل المعنى و هو ظاهر و حينئذ فمن الواجب ان يجرد كل معنى عن الخصوصيات المكتنفة به مع انحفاظ أصل المعنى.

و من هنا يظهر ان تفسير إرادة الواجب بالعلم بالصلاح ليس على‏

86

ما ينبغي و كان الوجه في تفسير القوم الإرادة الواجبية بالعلم ان إرادتنا عندهم من الكيفيات النفسانيّة فهي من الماهيات الحقيقية لا تتجرد عن حدها بالتجريد و قد عد من صفات الواجب تعالى فهي هناك بمعنى غير ما هاهنا لكنك قد عرفت فيما مر ان الإرادة غير داخلة تحت مقولة من المقولات بل هي كالعلم و القدرة و غيرهما صفة وجودية غير زائدة الوجود على وجود موضوعها البتة و انها حيثية اقتضاء ذاتنا لفعلها من حيث هي عالمة به و هذا الحد بتجريده عن الخصوصيات ممكن الوقوع على إرادة الواجب تعالى فالإرادة الذاتيّة فيه تعالى هي نسبة اقتضاء الذات العالمة بذاتها لذاتها و الإرادة الفعلية نسبة اقتضاء الذات العلمية لفعلها الخارج عن ذاتها هذا.

و الإرادة بهذا المعنى انما يصح تعلقها بالأمور الحقيقية التي بينها و بين الواجب تعالى نسبة الجعل و الإيجاد من الداخلة في نظام الوجود و اما الأمور الاعتبارية الغير الحقيقية فلا نسبة بينها و بين الذات الواجبة التي هي محض الوجود و صريح التحقق.

و الّذي يمكن ان يقال حينئذ ان الّذي يقوم به تعالى من هذه الإرادة التشريعية التي هي الإرادة الإنشائية انما تقوم به تعالى بحقيقتها كما ان الكلام الّذي هو امر اعتباري انما يقوم بالواجب بحقيقته كما مر بيانه و قد سمعت مرارا ان حقيقة حد الاعتبار انما يتحقق بالأغراض و الآثار المترتبة عليه فما هو موضوع الآثار هو الحد للمعنى‏

87

و ما صدق عليه من الأمور الحقيقية كان هو المصداق الحقيقي للحد و على هذا فحقائق القرب و البعد المربوطة بالافعال أو حقائق الثواب و العقاب المرتبطة بها هي حقيقة الإرادة الإنشائية القائمة به تعالى على حسب ما يليق بساحة قدسه سبحانه فافهم ذلك.

و قد ظهر مما مر ان إرادة الفاعل لا تتعلق حقيقة إلّا بما هو فعله لوجود رابطة الفاعلية و الفعل و اما فعل الغير فيستحيل تعلقها به و منه يظهر ان إرادته تعالى التكوينية بفعل العبد انما يتصور من حيث كونه موجودا ممكنا من الموجودات الممكنة و اما من حيث كونه فعلا مأمورا به متعلقا للأمر فلا فللمأمور به بالأمر الإلهي حيثيتان حيثية كونه فعل العبد و لا يتعلق به إرادة تكوينية من هذه الحيثية بل انما يتعلق به الأمر فقط و حيثية كونه فعله سبحانه أي موجودا بإفاضة وجوده و لا يتعلق به أمر من هذه الحيثية بل انما تتعلق به الإرادة التكوينية فقط فافهم ذلك.

فإن قلت فهل الفعل الا موجودا بوجود واحد فما تأثير تكثير حيثياته بالاعتبار (قلت) كلا بل هو ذو نسبتين حقيقتين نسبة إلى العبد بما انه وجود محدود بحدود كذائية و هو فاعله بمعنى ما به الوجود و نسبة إلى الحق من حيث انه وجود مفاض و مفيضه فاعله بمعنى ما منه الوجود فالكثرة حقيقية.

88

قوله ان قلت إذا كان الكفر و العصيان إلخ.

(1) إشكال ناش عن قوله فإذا توافقتا فلا بد من الإطاعة و الإيمان و إذا تخالفتا فلا محيص من ان يختار الكفر و العصيان انتهى.

حيث ان مقتضاه ان الكفر و الإيمان ضروري الوقوع فوقع الإشكال بان ضرورة الوقوع تنافي الاختيار المشروطة به صحة التكليف و بالجملة تعلق الإرادة الإلهية بالفعل الغير المنفك عنه لا يجامع صحة التكليف.

و الجواب ان الفعل إرادي و اختياري بالذات و الإرادة الإلهية انما تعلقت به من حيث انه إرادي أي به مع مقدماتها الاختيارية فلو خرج به عن الاختيارية لزم تخلف الإرادة عن المراد من هذه الجهة و بعبارة أخرى لا نعنى بالفعل الاختياري الا ما كان صدوره عن إرادة و الإشكال انما يتم لو كان تعلقها بالفعل نفسه و اما إذا فرض تعلقها بالفعل الصادر عن إرادة من حيث هو كذلك لم يخرج الفعل عن الاختيارية إذ المفروض تعلقها به من حيث هو كذلك.

أقول و الّذي ينبغي ان يقال في المقام هو انا إذا تصفحنا الأفعال الصادرة عن فواعلها من قبيل ثقل الحجر و طاب الماء و أحرقت النار و قطع السيف و من قبيل أكل زيد و قام عمرو و قتل بكر و رمى بنفسه في البئر فسقط فيها وجدنا على الإجمال فرقا بين القبيلتين كان القبيل الثاني يزيد على الأول باقتران الفاعل أو الفعل بأمر مفقود في القبيل‏

89

الأول نسميه بالاختيار كما نسمي فقده بالاضطرار و ربما لاح لنا بادئ بدء بان الفرق بين القبيلين انما هو باقتران القبيل الثاني بالعلم من الفاعل دون الأول.

لكنه يندفع بأنا نجد نحو قولنا شاخ زيد و صح و مرض و جهل و قبح و طال و قصر من القبيل الأول مع اقتران الفعل بعلم الفاعل و ليس إلّا ان العلم ليس مؤثرا في تحقق الشيوخة و الهرم و المرض و نحو ذلك وجودا و عدما بخلاف القبيل الثاني فللعلم تأثير فيه بالضرورة فمع فرض عدم العلم لا تحقق للفعل البتة و مع وجوده ربما تحقق و ربما لم يتحقق فللعلم فيه دخلا في تحقق الفعل لكن ليس الاستناد إليه فقط فهناك معه غيره و إذ كان ترجح الفعل من غير مرجح ممتنعا بالضرورة كان رجحان الفعل في القبيل الأول غير مستند إلى العلم بخلاف القبيل الثاني فترجيح الفعل فيه إلى الفاعل بما له من صفة العلم و غيره و هو الّذي نذعن به من ان ترجيح كل من جانبي الوجود و العدم في القبيل الثاني إلى الفاعل دون الأول و ان كان الحق ان الترجيح إلى الفاعل دائما و انما الفرق ان الترجيح في القبيل الثاني إلى علم الفاعل و اختياره دون الأول.

فالفعل ينقسم إلى اختياري و اضطراري و الاختياري هو الفعل الّذي من شأنه ان يكون ترجيح أحد طرفي وجوده و عدمه إلى الفاعل و لازمه كون الفعل مساوي الطرفين بالنسبة إليه.

90

و حينئذ فلو وقع ترجيح من غير الفاعل فيما ترجيحه إليه أي في الفعل الاختياري فاما ان يكون بتأثير منه في الجانب الموافق بإيجابه و هو يوجب سقوط نسبة الفعل إلى الفاعل و ان شئت قلت سقوط تأثير علمه و إرادته و هو ينافى كونه فعلا علميا إراديا و قد فرض كذلك (هف) أو بتأثير الغير في الجانب المخالف بجعله ممتنعا على الفاعل فلا يبقى لفاعليته الا جانب واحد فيرتفع الاختيار أي استواء نسبة الوجود و العدم إلى الفاعل فيما من شأنه ذلك و هذا هو الّذي نسميه بالجبر و يقابل الاختيار تقابل العدم و الملكة هذا.

و قد تبين بذلك أو لا ان الأفعال الجبرية إرادية كالاختيارية و هو الّذي يشهد به التأمل في موارد الجبر فقولهم ان الفعل الاختياري ليس إلّا ما كان مسبوقا بإرادة فاعله في غير محله.

و ثانيا ان كون الفاعل مجبورا لازمه تأثير الغير فيه من حيث كونه فاعلا لفعله.

و يتفرع عليه ان الواجب تعالى لا يتصور كونه مجبورا في فعله إذ لا معنى لتأثير الغير فيه و اما كون فعله اضطراريا بكونه مضطرا في فعله موجبا بالفتح بالمعنى الّذي مر للاضطرار فلا معنى له أيضا بعد فرض تأثيره في فعله و كون العلم عين ذاته فافهم.

فان قلت فما معنى كون أفعاله تعالى تابعة للمصالح النّفس الأمرية.

91

قلت هذا على ما نعتقده بقريحة الاعتبار ان الأحكام العقل و للحسن و القبح الّذي يدركهما و للمصالح و المفاسد التي يحكم باعتبارها في أحكامه ثبوتا غير متغير و تحققا غير زائل في الواقع و نفس الأمر لا يؤثر فيه توارد الوجود و العدم و أنت تعلم ان ذلك لا يزيد على الحكم الاعتباري شيئا.

و اما حقيقة الأمر فهي ان المصالح المزبورة اما ان تكون موجودة أو معدومة لا سبيل إلى الثاني لعدم تصور تأثير المعدوم و على الأول فاما ان تكون واجبة أو ممكنة و لا سبيل إلى الأول و على الثاني فهي افعال للواجب تعالى فلو كانت في وجودها تحتاج إلى مصالح أخرى و الكلام جار فيه مثلها لتسلسلت و لم ينته إلى الواجب تعالى بالاخرة.

و حينئذ فاما ان لا يحتاج فعله سبحانه إلى مصلحة أصلا بل يكون وجه الصلاح و الحسن منتزعة عن فعله متحدا معه و ان كان بحسب نظر العقل متقدما عليه متبوعا له نظير حكمه بتقدم الماهية على الوجود و كونها موضوعة له مع ان الأمر على عكسه في الواقع.

أو يحتاج فعله تعالى مصلحة لكن لا يجب في المصلحة ان- تكون زائدة على نفس الفعل بل ربما كانت خارجة عنه غاية له و ربما كانت عينه.

فيئول الأمر إلى ان أفعاله تعالى أي الموجودات الخارجية على قسمين مما يكون غايته عين ذاته و كما له الأخير عين كماله الأول‏

92

و هذا القسم غاية لنفسه بنفسه و غاية للقسم الآخر الّذي غايته زائدة على ذاته خارجة عن نفسه فافهم ذلك.و ثالثا ان اختيارية الفعل لا ينافى كونه موجبا بإيجاب الفاعل إياه بإرادته و ترجيحه له فان المأخوذ في الفعل الاختياري ان يكون ترجيحه إلى الفاعل لا إلى غيره و كونه ضروريا بإيجاب الفاعل غير كونه ضروريا بتأثير من الغير في فاعلية الفاعل فلا ينافى ذلك القاعدة المعروفة ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد إذ المراد إيجاب- الفاعل لا مطلق الإيجاب.

و رابعا ان وجوب الفعل بالفاعل كما لا ينافى اختياريته كذلك وجوب نفس الفاعل بفاعله الموجب له و لازم ذلك استناد وجوب الفعل إلى موجبه و موجب موجبه حتى ينتهى إلى الواجب بالذات المنتهى إليه سلسلة الوجوب لا ينافى اختيارية الفعل و على هذا فتعلق إرادته تعالى التكوينية بالفعل لا ينافى اختياريته لكونها متعلقة بالفعل بماله في الخارج من الخصوصيات الوجودية و من خصوصياته صدوره اختيارا و تعلقه بإرادة فاعله المستند في وجوده إلى الواجب تعالى و تبارك.

فان قلت انا لا نعد الفعل اختياريا حتى لا يفارق وجوده الإمكان و مساواة الطرفين و لا ينتهى في جانب علله إلى علة موجبة.

قلت الأمر في نفسه على خلاف هذا التوهم و لو لم يفارق الشي‏ء

93

في وجوده مساواة الطرفين و لم يكن واجبا بإيجاب الفاعل كان من الجائز اتصاف وجوده بالعدم البديل و هو اجتماع النقيضين و لو لم ينته في علله إلى علة موجبة و كان الفعل بالاختيار و اختياره باختيار أخر و هكذا لارتفع الاختيار في المرتبة الثانية فما فوقها و لم يثبت فافهم ذلك.

بحث التعبدي و التوصلي‏

قوله (ره) فما لم تكن نفس الصلاة إلخ:

(1) الظاهر انه بيان لقوله لا يكاد يتأتى إلخ إلّا انه وجه آخر للاستحالة كما ربما يحتمل.

قوله (ره) ان الأمر الأول ان كان يسقط بمجرد موافقته إلخ.

(2) لا يخفى ان متعلق الأمر الثاني حيث انه ليس امرا زائدا على متعلق الأمر الأول بل هو خصوصية غير زائدة عليه فورود الأمر الثاني يوجب الربط اللزومي بينهما بحيث لا يستقل أحدهما بالامتثال و- حينئذ قلنا ان نختار الشق الأول و نقول ان لازمه سقوط الأمر الأول من حيث نفسه مع الغض عن حدوث التلازم المذكور أو نختار الشق‏

94

الثاني و نقول انه غير ساقط لا لما ذكره من عدم حصول الأمر بذلك بل لمكان التلازم بين الامتثالين فتدبر.

قوله (ره) لاستقلال العقل مع عدم حصول غرض إلخ:

(1) أقول اعتبار المولوية عند العقلاء اعتبار مالكية تدبير الأمر و ينتشئ منه مالكية الفعل و عليه يتفرع ملك وسائط فعل المولى عليه لفعله مثل ملك المولى لوسائط فعل نفسه و ملك جعل الوضعيات و التكليفيات من الأحكام و وجوب إطاعته و التسليم له كل ذلك لمكان المالكية الأولى و اما مسألة تحصيل غرض المولى فلا ارتباط له بمعنى ولايته و لا العقل مستقل بالحكم عليه نعم حيث كان الظرف ظرف الاعتبارات العقلائية و لا- مطلوب عقلائي الا لغرض يستتبعه كان لازم الطلب المولوي وجود غرض له في طلبه و يجب تحصيله يتبع وجوب امتثال امره لكن يتقدر الغرض بقدر ما يطابق المأمور به لا يزيد على ذلك لكون وجوبه بعرض وجوب إتيان المأمور به بالامتثال هذا.

و إلى هذا يمكن ان ينزل ما ذكره شيخنا الأستاذ أعلى اللّه مقامه في الحاشية ان التحقيق ان كبرى تحصيل الغرض مما لا شبهة فيها لكن الصغرى غير متحققة بمجرد الأمر إذ اللازم عقلا هو تحصيل الغرض المنكشف بحجة شرعية أو عقلية و الأمر بمركب يصلح للكشف عن غرض يفي به المأمور به و لا يصلح للكشف عما لا يفي به انتهى.

و ان كان ظاهر كلامه (قده) وجوب تحصيل الغرض وجوبا

95

استقلاليا غير تبعي هذا.

فتبين ما ذكرنا أو لا ان تحصيل غرض الأمر ليس واجبا استقلاليا يجب إتيانه بل تبعي بتبع وجوب المأمور به.

و ثانيا ان الواجب من تحصيل الغرض هو المقدار الّذي يكشف عنه الأمر لا أزيد من ذلك.

و ثالثا: ان العقل يحكم في ظرف المولوية و العبودية بوجوب امتثال امر المولى من حيث هو امره، و لازم ذلك كون الأصل في الأوامر المولوية التعبدية.

نعم ربما يكتفى العقلاء في بعض الموارد بمجرد تحقق المتعلق بطبيعته. فهو اعتبار خاص قبال اعتبار وجوب الإطاعة و الإتيان بقصد امتثال الأمر.

و يستنتج من هاهنا ان مقتضى الإطلاق المقامي هو التعبدية، إذ كل امر فمعه حكم العقل بوجوب الإطاعة له الا ما دل الدليل على جواز الاكتفاء بأصل الطبيعة فافهم.

قوله (رحمه الله) إلّا انه غير معتبر فيه قطعا لكفاية الاقتصار إلخ:

(1) عدم تعين واحد من هذه الوجوه مع كفاية كل واحد منها على ما بينها من المباينة كاشف عن ان الواجب التعبدي غير مقيد في نفسه بواحد منها بعينه فهو مأخوذ بخصوصية تتحقق بأي واحد من هذه الدواعي كان فهو بنفسه يخالف التوصلي لا بواسطة الداعي.

96

و حينئذ فمن الممكن ان يقيد الأمر بمثل قصد الامتثال على ان يكون قرينة كاشفة عن سنخ الواجب لا قيدا مأخوذا معه شطرا أو شرطا

قوله (ره) فلا مجال للاستدلال بإطلاقه إلخ.

(1) قد عرفت ان التعبدية من خصوصيات المأمور به و ان الغرض لازم المطابقة مع المأمور به في الأغراض المتفرعة على الأفعال- العقلائية فاحتمال التعبدية في الأمر على هذا مدفوع بالإطلاق.

قوله (ره) لأن الشك هاهنا في الخروج إلخ:

(2) عبارة الكتاب و ان لم تكن وافية بالمراد كل الوفاء لكن المراد هو ان المورد و ان كان بالنظر إلى الأمر مورد البراءة لرجوع الشك فيه إلى التكليف الزائد دون المكلف به لكن حيث كان من المحتمل دخالة قصد القربة في غرض الأمر و يجب حفظه بالإتيان بما يفي به لم يكن العقاب على تركه عقابا بلا بيان فالمورد مورد الاشتغال دون البراءة هذا.

أقول قد عرفت عدم وجوب حفظ الغرض أزيد مما يحفظ بحفظ الواجب بإتيانه لكون وجوبه تبعيا و قد عرفت ان تعبدية التعبدي خصوصية في نفس الواجب يحققها إتيانه بأحد الدواعي الرابطة له بالأمر كقصد الامتثال و المصلحة و التقرب و نحوها و من المعلوم ان كل توصلي يصير تعبديا بإتيانه بقصد القربة فالنسبة بين خصوصيتي التعبد و التوصل شبيه تقابل العدم و الملكة و بين الواجبين شبيه التقابل بين موضوعي العدم‏

97

و الملكة و المئونة الزائدة هي خصوصية التعبد فيئول الأمر إلى الأقل و الأكثر الارتباطيين فالمورد مورد البراءة دون الاشتغال.

بحث المرة و التكرار

قوله (ره) فانه من الامتثال بعد الامتثال انتهى:

(1) سيجي‏ء عدم استحالة ذلك في نفسه.

قوله (ره) و التحقيق ان قضية الإطلاق انتهى:

(2) الّذي ينبغي ان يقال ان تعلق الأمر بالطبيعة من حيث هي يوجب إرساله بحسب إرسال الطبيعة و من الواضح ان الطبيعة قبل تحقق أصل الامتثال نسبتها إلى الامتثال الأول و الثاني و الثالث و هكذا واحدة في صدقها على كل واحدة منها نحو صدق الطبيعة الكلية على افرادها و ليس في الخارج عند وجود الفرد من الامتثال ما يوجب خلاف ذلك فالامتثال الثاني حاله حال الامتثال الأول في كونه محققا لطبيعة- المأمور به و متعلقا للأمر باتحاده مع الطبيعة الموجودة في طرف الأمر فتبين ان تحقق الامتثال و وجود المأمور به في الخارج لا يوجب من حيث هو سقوط الأمر.

98

نعم امر الأمر حيث كان معلولا لغرضه المتعلق بالمأمور به المترتب عليه فبوجود المأمور به في الخارج يترتب عليه غرضه و فعلية وجود الغرض يوجب سقوط مقدمات وجوده فيسقط الأمر حينئذ.

لكن لا يخفى ان الغرض المتعارف عند العقلاء يخالف الغاية الحقيقية التي يثبتها البرهان الحكمي عند كل حادث وجودي و يحكم باستحالة تخلفها عن ذي الغاية فربما تخلف الغرض عندهم عن ذي- الغرض و ربما خالفه بالزيادة و النقيصة و السعة و الضيق و الترتب الفوري و مع المهلة فإذا امر المولى بإتيان الماء لعطشه فربما عد التمكن من الشرب غرضا و ربما عد نفس الشرب غرضا و على هذا يختلف سقوط الغرض باختلاف الموارد فربما سقط بالامتثال الأول و ظاهر ان الامتثال الثاني يكون لغوا حينئذ إذ لا معنى للامتثال مع عدم الأمر و ربما لم يسقط الأمر بمجرد الامتثال الأول إذا لم يترتب الغرض على مجرد وجود المأمور به بالامتثال فلم يسقط و لم يسقط الأمر فكان إمكان الامتثال بحاله.

و من هنا يظهر ان إطلاق الأمر غير مؤثر في جواز الامتثال بعد الامتثال لتفرعه على سقوط الغرض و عدم سقوطه لا على تحقق المأمور به و عدم تحققه نعم لو كان الأمر في مقام بيان تمام غرضه و لم يبين كيفيته كان لازم الإطلاق جواز الامتثال بعد الامتثال لأن عدم الجواز تضييق عندهم لدائرة الغرض و مئونة زائدة يحتاج اعتباره إلى نصب دلالة زائدة فافهم.

99

قوله (ره) فيما إذا كان الامتثال علة تامة إلخ.

(1) كان الأولى ان يقال فيما إذا ترتب الغرض الأقصى على الامتثال ترتبا ضروريا و ذلك ان الغرض و الغاية علة فاعلية لفاعلية الفاعل و لا معنى لكون الفعل علة تامة لعلته الغائية و المسامحة انما تستحسن بوضع بتبديل لفظ اصطلاحي بلفظ لغوي عرفي دون العكس.

قوله (ره) بدلا عن التعبد به أو لا انتهى.

(2) قد مر توضيح المرام في مسألة المرة و التكرار و عرفت ان الّذي يقتضيه بقاء الأمر ببقاء الغرض صحة الامتثال بعد الامتثال لا خصوص التبديل دون الضم فلا مقتضى له.

قوله (ره) وجب عليه إتيانه ثانيا انتهى.

(3) قد عرفت فيما مر ان مقتضى بقاء الأمر صحة الامتثال الثاني دون الإيجاب و من الواضح ان بقاء الغرض لا يوجب بطلان الامتثال الأول و اما وجوب إتيان الماء ثانيا في المورد المفروض فليس مستندا إلى مسألة الامتثال بعد الامتثال بل الموجب له فحوى المقام فيتجدد امر ثانيا يدل عليه خصوصية الحال يجب امتثاله.

قوله (ره) و اما بناء عليها و ان العمل انتهى.

(4) و التحقيق حسب ما يعطيه الاعتبار العقلائي من ان حفظ ملاك الحكم العقلائي هو الموجب للجعل المنسوب إلى الطريق أولا و إلى مؤدى الطريق و هو الحكم الظاهري ثانيا و يصير به الطريق و المؤدى‏

100

ذا مصلحة طريقية فحسب و اما الحكم الظاهري ففي صورة المصادفة مصلحته عين مصلحة الحكم الواقعي و في صورة المخالفة لا مصلحة عنده غير المصلحة الطريقية التي بها يتدارك المفسدة في الطريق أي ما لم ينكشف الخلاف قطعا و سلوك الطريق ربما أوجب سقوط المصلحة ببطلانها فلا اجزاء بارتفاع الموضوع و ربما لم يوجب و حينئذ حيث كان لا مصلحة عنده سوى مصلحة الطريق و قد بطلت بانكشاف الخلاف فالمصلحة الواقعية قائمة على ساق فلو قلنا ان ملاك التكليف يجب الخروج عن عهدته كما يجب الخروج عن عهدة التكليف كما ادعى المصنف في مسألة المرة و التكرار استقلال العقل بذلك وجب الإتيان بالتكليف الواقعي ما دام الوقت إذ أصل الملاك و الغرض قد تحقق و لم يخرج عن عهدته لاحتمال بقائه و عدم بطلانه.

قوله (ره) غاية الأمر أن تصير صلاة الجمعة إلخ:

(1) حاصله ان لا رابطة بين وجوب صلاة الجمعة ظاهرا و وجوب صلاة الظهر واقعا فلا يجزى إحداهما عن الأخرى و لو قلنا بان حجية الطرق و الأمارات من باب السببية فان غاية ما يلزم ان تصير صلاة الجمعة ذات مصلحة بسبب قيام الطريق على وجوبها و استيفاء مصلحتها لا ينافى بقاء صلاة الظهر على ما هي عليه عن المصلحة كما لا يخفى.

أقول بنائه على عدم الارتباط بين مؤدى الطريق إذا أثبت أصل التكليف و بين الحكم الواقعي و كذا بين مصلحتيها و حينئذ فلا وجه‏

101

لجعل أحدهما حكما واقعيا و الآخر حكما ظاهريا بالنسبة إليه بل يكون هناك على الفرض حكم واقعي مجهول أو لا معلوم ثانيا و حكم آخر منكشف الخلاف من غير ان يرتبط أحدهما بالآخر و لا وجه للبحث عن اجزاء أحدهما عن الآخر إذ لا رابط بينهما و هو ظاهر ففرض الحكم الظاهري و الواقعي في مورد فرض الربط بينهما فهناك تكليف واقعي يكشف عنه الأمارة ثم انكشف الخلاف فلسانها لسان الحكاية فيئول حكمه إلى النوع الثاني من القسم الأول أعني الطرق الجارية في تنقيح الموضوع مما لسانه الحكاية دون الجعل فيجري فيه حينئذ حديث الحجية الطريقية و السببية و قد عرفت ما يقتضيه التحقيق فيهما و هو عدم الاجزاء على الطريقية و السببية جميعا فلاحظ.

و منه يظهر فساد ما ربما يقال ان ضم الأصل مثلا إلى الدليل- الواقعي كما انه مبين لاختصاص فعلية جزئية السورة بحال العلم بالواقع و ان الأمر بما عداها فعلى كذلك ضم دليل الأمارة إلى دليل وجوب الظهر واقعا يوجب اختصاص فعلية وجوب الظهر بما إذا لم تقم الأمارة انتهى.

وجه الفساد ان مقتضى الارتباط بين الحكمين كون لسان الأمارة المؤدية إلى وجوب الجمعة لسان الحكاية عما هو الواجب لا لسان بيان الواجب على المكلف على حاله الّذي هو عليه فلا يفيد الضم حكومة كما كان يفيده فيما لسانه الجعل على ما تقدم.

102

قوله (ره) لا وجه لتوهم الاجزاء في القطع انتهى:

(1) و سنبين في مستقبل القول إن شاء اللّه ان القطع كأقسام الظن المعتبر في المجعولية و ان في مورده حكما فعليا ذا مصلحة طريقية ربما وافق الواقع و ربما خالفه فحال القطع في الاجزاء و عدمه حال ساير الطرق على ما مر آنفا.

قوله (ره) و هو منفي في غير مورد الإصابة انتهى:

(2) و اما على ما سنذكره من التقريب فوجود الحكم الواقعي الفعلي على جميع التقادير ينفى التصويب.

مقدمة الواجب‏

قوله (ره) لا بد في اعتبار الجزئية إلخ:

(3) تحقيق المقام انا نجد الآثار المترتبة على موضوعاتها مختلفة فمنها ما هو أثر واحد لموضوع واحد و منها ما هو أثر واحد مترتب على عدة أمور مجتمعة و من الضروري ان الأثر الواحد لا يترتب إلّا- على موضوع واحد فللكثرة المفروضة وحدة حاصلة محفوظة بالكثرة انما يترتب الأثر الواحد على ذلك المبدأ الواحد و هذه الوحدة الحاصلة المفروضة لا تلائم الفعلية و الاستقلال الموجودين في الكثرة المفروضة إذ الفعلية تأبى عن الفعلية لاستحالة وحدة الكثير فيجب ان يصير بعض الاجزاء بالقوة إلى بعض آخر و البعض الآخر بالفعل بالنسبة إليه و من المعلوم ان لما بالقوة اعتبارين.

أحدهما كونه قوة الفعلية المفروضة و بهذا الاعتبار لا يأبى عن‏

103

الاتحاد معه بحيث يكون هو هو و الآخر كونه في انه بالقوة بالفعل فانه لو كان قوة امر آخر بالقوة لكان غير متصف بوصفه أي بالقوة بالفعل هف.

و معلوم ان الفعلية تأبى عن الفعلية فما بالقوة من الجزءين المفروضين مثلا بالاعتبار الأول مأخوذ لا بشرط بالنسبة إلى الجزء الآخر و بالاعتبار الآخر مأخوذ بشرط لا و الجزء الآخر المأخوذ بالفعل يقابل المأخوذ بالقوة بالاعتبارين فبأحدهما يكون لا بشرط بالنسبة إليه فيحمل و بالآخر يكون بشرط لا فلا يحمل عليه و الاعتباران بعينهما جاريان فيهما بالقياس إلى الكل أعني الواحد الحاصل منهما.

و تبين بذلك كله ان اعتبار لا بشرط يوجب العينية و الحمل فيبطل بذلك الكثرة المفروضة قبلا و التميز بين اجزاء الكثرة و هذا هو اعتبار الجنسية و الفصلية و النوعية و تسمية الجنس و الفصل مع ذلك جزءاً لوقوعهما جزءين في حد النوع لا لأنهما جزءان من النوع حقيقة بل كل منهما عينه كما صرحوا به في محله و اما اعتبار بشرط لا فهو اعتبار الجزئية حقيقة أعني الكثرة الموجودة مع الوحدة المفروضة هذا ما يقتضيه معنى التركيب حقيقة و لا فرق في ذلك بين المركبات الحقيقية و الاعتبارية أصلا.

نعم المركبات الاعتبارية و هي التي أثر التركب فيها امر اعتباري لا كون أثرها امرا اعتباريا فالوحدة الحاصلة فيها بالتركيب‏

104

يصير معنى اعتباريا و هو وصف الاجتماع و الانضمام مع ان الكثرة الموجودة فيها أعني الاجزاء أمور عينية خارجية أو منتهية إليها و الموجود الخارجي لا يتغير عما هو عليه بسبب الاعتبار و لذلك يحكم الوهم بان هذا النوع من التركيب لا يوجب زوال فعلية الاجزاء أصلا و عدم اقتضاء أخذ الاجزاء لا بشرط ان يصح الحمل بينها أنفسها و لا- بينها و بين الكل لأن الحاصل بالتركيب و هو هيئة الانضمام و الاجتماع امر عرضي مغاير لجواهر الاجزاء فلا يتصور بينها اتحاد فكل ذلك بحكم الوهم و المسامحة الاعتبارية و يشهد بذلك انا لو قطعنا النّظر عن كون الاجزاء جواهر مستقلة مثلا و كون الحاصل بالتركيب امرا عرضيا اعتباريا و قصرنا النّظر على مجرد تركيب اجزاء و حصول كل بذلك كان الحكم بعينه حكم المركبات الحقيقية هذا و قد تبين بذلك أولا ان الجزء بما انه جزء مأخوذ بشرط لا و اما أخذها لا بشرط فهو في الحقيقة يهدم الجزئية و يوجب العينية و يصبر الجزء بذلك جزءاً تحليليا لا جزءاً حقيقيا خارجيا.

و ثانيا ان تقدم الجزء على الكل تقدم بالطبع لا بالتجوهر و الماهية إذ الجزء الحقيقي هو الجزء الخارجي و لا حمل أوليا بينه و بين الكل لأخذه بشرط لا.

و ثالثا وجوه الفساد في كلامه (ره) فمنها حكمه بان اعتبار الجزئية يوجب أخذه لا بشرط.