حاشية على كفاية الأصول‏ - ج1

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
176 /
105

و منها ان أخذ الجزء بشرط لا انما هو بقياسه إلى الجزء التحليلي المأخوذ لا بشرط و اما بالقياس إلى المركب فالاعتبار اعتبار اللابشرطية.

و منها جمعه (رحمه الله) بين أخذ الجزء لا بشرط و بين عدم صحة الحمل.

قوله (ره) ثم لا يخفى انه ينبغي خروج الاجزاء إلخ.

(1) توضيحه ان الكل حيث كان هو الاجزاء بالأسر مع صفة الاجتماع و هي وصف اعتباري لا يزيد على ذات الاجزاء شيئا في الخارج فليس هناك في الحقيقة شي‏ء الا الاجزاء بالأسر فالوجوب المتعلق بالمركب متعلق بها بعينه لا تعلقا متفرعا على تعلق و إلّا لزم اجتماع المثلين.

و لا يخفى ان مورد النزاع هو المركبات الاعتبارية دون- الحقيقية و حينئذ فالمغايرة الاعتبارية المذكورة ان اقتضت مغايرة بين المركب و الاجزاء بحيث يحصل في ظرف الاعتبار بواسطة التركيب شي‏ء غير الاجزاء التي هي اجزاء اعتبارا فالوجوب و هو حكم اعتباري انما تعلق بموضوعه الاعتباري و هو المركب دون غيره و هو الاجزاء و ان لم تقتض مغايرة بان لا يحصل في ظرف الاعتبار بواسطة التركيب شي‏ء غير الاجزاء فقد لغا الاعتبار و لم يحصل تركيب و هو خلاف الفرض و قد عرفت ما يقتضيه التركيب من الأحكام هذا.

فغاية ما يمكن ان يقال في المقام ان الكل و ان كان يغاير الاجزاء على ما يقتضيه التركيب لكن الاجزاء حيث كانت أمورا حقيقية

106

خارجية و حيثية الانضمام الحاصلة بالتركيب امر اعتباري غير موجود في الحقيقة يلحقها التسامح العرفي بالعدم و لا يرى للمركب ذاتا غير ذوات الاجزاء في الخارج و لذلك يحكم بكون الوجوب النفسيّ المتعلق بالكل متعلقا بعينه بذوات الاجزاء بالأسر هذا.

و الحق ان يمنع من تعلق الوجوب النفسيّ المتعلق بالمركب بالاجزاء الا الوجوب الغيري.

قوله (ره) و التحقيق في رفع الإشكال ان يقال إلخ:

(1) حاصله ان شرط التكليف أو الوضع ما لتصوره دخل في تعلق الإرادة به ان كان تكليفا أو تعلق الحكم به أو انتزاعه ان كان وضعا فما يتوقف عليه وجوده هو تصوره لا وجوده الخارجي حتى تنخرم به القاعدة العقلية بتقدمه أو تأخره و ان سمى شرطا و اما شرط المأمور به فهو ما حصل للمأمور به بإضافته إليه وجه ما و عنوان ما و الإضافة كما تصح بين الشي‏ء و ما يقارنه كذلك تصح بينه و بين ما يتقدم عليه أو يتأخر عنه هذا.

و فيه نظر ظاهر اما في القسم الأول فلان كون تصور الشرط دخيلا في متعلق الإرادة ان كان من حيث انه تصور ما كان لازم ذلك سلب الشرطية عن المفروض شرطا هف.

فليس إلّا ان دخالة تصوره لدخالة المتصور كما ان تعلق الإرادة بما تحقق في ظرف العلم ليس بما انه علم بل بما انه معلوم.

107

و اما في القسم الثاني فلأنه من المعلوم ان المتضايفين متكافئتان قوة و فعلا فلا معنى لتحقق الإضافة بين موجود و معدوم و هو ظاهر و الحق ان يقال ان البرهان انما قام على استحالة توقف الموجود على المعدوم في الأمور الحقيقية و اما الأمور الاعتبارية كما هو محل الكلام فلا لما عرفت مرارا ان صحتها انما يتوقف على ترتب الآثار فلا موجب لهذه التعسفات الا الخلط بين الحقائق و الاعتباريات فالصواب في الجواب ان يقال ان شرط التكليف أو الوضع ما يتوقف عليه المجعول بحسب وعاء الاعتبار لا بحسب وعاء الخارج و كذلك شرط المأمور به ما يتوقف عليه بحسب ما يتعلق به من الغرض أو يعنون به من العنوان في ظرف الاعتبار هذا و كأنه الّذي يرومه المصنف (ره) في كلامه و ان لم يف به بيانه.

قوله (ره) و لا يخفى ما فيه اما حديث إلخ:

(1) و اما على ما بيناه من معنى الحرف و ان معناها نسبة غير مستقلة بنفسها مباينة مع المعنى الاسمي بذاتها تابعة في العموم و الخصوص و الإطلاق و التقييد و ساير اللواحق لما يقوم بها من المعنى الاسمي فالنسبة بهذا الوصف و ان لم يقبل الإطلاق و التقييد بنفسها و كان ذلك راجعا إلى المادة.

لكن فرق واضح بين ان يكون موضوع وصف الاشتراط هو المادة مع نسبة الوجوب أو المادة وحدها و بعبارة أخرى فرق بين‏

108

الشي‏ء الواجب بما هو شي‏ء واجب و بين الشي‏ء الواجب بما هو شي‏ء و قد مر سابقا ان الطلب الاعتباري على كونه معنا حرفيا متعلقا بالمادة يمكن ان يتصور معنى اسميا فيتعلق به إرادة الأمر من هذه الجهة الملحوظة و يتعلق نفس الطلب الاعتباري بالمأمور به من حيث كونه معنى حرفيا مدلولا لهيئة افعل.

فكذلك يمكن ان يؤخذ الوجوب الّذي هو نسبة غير مستقلة معنا وصفيا مستقلا و يشترط بشرط ثم يؤمر بالمادة المقيدة بالشرط من حيث هي واجبة لا من حيث هي هي و ينتج ذلك رجوع الشرط إلى الوجوب دون نفس المادة المقومة للوجوب.

قوله (ره) و اما حديث لزوم رجوع الشرط إلى المادة إلخ:

(1) محصله على قصور في اللفظ انا لا نسلم لزوم رجوع كل شرط إلى المادة إيجابا كليا و ان سلمنا صحة الإيجاب الجزئي إذ لو قلنا بقيام المصالح و المفاسد بنفس الأحكام فمن الواضح ان الحكم كالوجوب مثلا كما يمكن قيام المصلحة به على الإطلاق الموجب للبعث إليه فعلا و طلبه حالا كذلك يمكن قياما به بشرط بحيث لولاه كان فعلية الوجوب على أي نحو فرض مقرونا بالمانع و لو قلنا بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها فلا نسلم لزوم قيام كل مصلحة بجميع خصوصياتها بالمتعلق لم لا يجوز قيام بعض المصالح بنفس الحكم أو قيام مصلحة بالمتعلق مع قيام بعض خصوصياتها بالحكم هذا.

109

و اعلم ان المصنف (قده) و ان ذكر هاهنا و في عدة مواضع أخر تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد القائمة بها على سبيل التجويز و الاحتمال إلّا انه في أول أدلة حجية الظن قطع بذلك و أحال الكلام فيه إلى ما بينه في الفوائد و ملخص ما أفاده في فوائده انا و ان قلنا بثبوت الحسن و القبح الذاتيين لكن ثبوت الحسن و القبح في ذوات الأشياء لا يوجب التكليف بها على ما يقتضيانه من الأمر و النهي فكثيرا ما يتفق ان المولى لا يريد الفعل من العبد مع حسنه و يكرهه مع ان العقلاء يمدحونه به لو فعل و ان كان عاصيا بذلك و بالعكس.

و كذلك العقلاء أنفسهم ربما يفعلون القبيح و هم يعلمون به و ربما يتركون الحسن كذلك و لو كان ما في ذوات الأشياء من الحسن و القبح مثلا ملاك الأمر بها و النهي عنها لما تخلف امر من مورد حسن و لا نهى عن مورد قبح فظهر ان الأمر و النهي أو الإرادة و الكراهة يحتاجان إلى جهات أخرى غير قائمة بذوات الأشياء مقارنة بهما فملاك الحكم قائم به لا بالمتعلق هذا في الأحكام المجعولة العقلائية و اما أحكامه تعالى المشتملة عليها أو امره و نواهيه و سائر مجعولاته فان إرادته تعالى و ان رجعت إلى علمه بالمصلحة و المفسدة في الفعل لكنها تتم بالبعث و الزجر المنقدحين في نفس النبي (صلى اللَّه عليه و آله) بالوحي أو نفس الولي (عليه السلام) بالإلهام و من المعلوم ان الأحكام تدريجية المتحقق مختصة بحال دون حال لا دفعية و لا دائمية مع ان الحسن و القبح ذاتيان للافعال غير منفكين عنها دائما إذ كثير

110

من الأحكام ما كانت مشرعة في صدر الإسلام و انما شرعت واحدا بعد واحد على حسب استقرار الدين و اعتياد النفوس بالاحكام و انقيادها لها و ربما كان طفل غير بالغ أعقل من بالغ و أرشد و ليس مع ذلك مشمولا للبعث و الزجر فعلا فهذه و أمثالها فكشف عن ان أحكامه تعالى غير تابعة للمصالح و المفاسد في المتعلقات بل إلى خصوصيات راجعة إلى نفس الأحكام هذا ملخص ما أفاده (ره) فيها.

و أنت خبير بان غاية ما يقتضيه هذه الحجة ان الحسن و القبح الذاتيين الثابتين في ذوات الأشياء ليست عللا تامة للأمر و النهي و ملاكات كافية فيهما و اما انها غير دخيلة فيها حتى بنحو الاقتضاء بحيث يتوقف تأثيرها على وجود شرط و ارتفاع مانع فلا و من المعلوم ان الملاك سواء كان قائما بالحكم أو بالمتعلق هو الغرض المقصود في المورد و هو متعلق العلم الّذي هو سبب الإرادة و هذا الغرض المتحقق في ظرف العلم كما يكون هو الإرادة و الطلب أي عنوانا متحدا معه في موارد كذلك يكون هو المتعلق أي عنوانا قائما به في موارد أخرى فالامر مثلا كما يكون بداعي الامتحان و التعجيز و التمسخر و نحوها كذلك يكون بداعي الجد و تحقق المأمور به في الخارج و هذا إيجاب جزئيّ في مقابل ما ادعاه (رحمه الله) من السلب الكلي و لو كان كل حكم تابعا لملاك قائم بنفس الحكم لم يكن للحسن و القبح الذاتيين معنى و لا لإثباتهما فائدة.

فان قلت قولهم بالحسن و القبح الذاتيين لا ينحصر مورده بالإرادة

111

و الكراهة التشريعيتين بل يجري في مورد الإرادة و الكراهة التكوينيتين فأفعاله تعالى تابعة للحسن و القبح الذاتيين في الأشياء و المصالح و المفاسد الواقعية فمع القول بعدم تبعية الأمر و النهي الا لمصالح و مفاسد في نفس الأحكام لا يلغو القول بالحسن و القبح الذاتيين.

قلت انهم استدلوا على الحسن و القبح الذاتيين بأنا كما نجد كل صنف من الخصوصيات الموجودة في الأشياء ملائمة أو منافرة لقوة من قوانا كما نجد الروائح الطيبة ملائمة لمشامنا و الروائح المنتنة غير ملائمة لها و نجد الحلاوة ملائمة لقوتنا الذائقة و المرارة و العفوصة غير ملائمة لها و هكذا كذلك نجد عدة من الأفعال ملائمة لعقلنا عند سلامته إذا خلى و نفسه بحيث يستحسنها و ينجذب إليها و عدة أخرى و هي الباقي غير ملائمة له بحيث يستكرهها و يتنفر منها و ينبو عنها فكما ان سائر القوى يدرك من خواص الأشياء ما يناسبها بحسب نفسها فكك العقل و كما انا نحكم بالضرورة ان ما يدركها القوى أمور موجودة في الخارج قائمة بذوات الأشياء فلنحكم بان الحسن و القبح امران موجودان في الخارج قائمان بذوات الأشياء هذا.

و الحجة كما ترى شاملة للافعال أعم من ان تؤخذ مرادة بالإرادة التكوينية أو بالإرادة التشريعية على ان الحجة بجميع مقدماتها مدخولة باطلة فان الأفعال بالمقدار الموجود منها في الخارج لا يجب ان تقع بعنوان واحد من الحسن و القبح إذ كل فعل نفعله أو نفرض‏

112

وجوده يمكن ان يقع حسنا إذا تعنون بعنوان حسن أو قبيحا فالفعل بما انه في الخارج غير حامل لوصف معين خارجي يسمى بالحسن أو القبح فالوصفان اعتباريان يعلل بهما الحركات الاعتبارية فهما الغاية الأخيرة و خلافها في الاعتباريات فهما عنوانا موافقة الفعل للكمال الأخير المقصود بالاعتبار و ان شئت قلت بالنظام الاجتماعي و (ح) فالعقل هو مبدأ الإدراك الإنساني من حيث انه واقع في ظرف الاعتبار و وعاء الاجتماع و ان شئت قلت ان العقل هو القضية المشهورة كما قيل فالمآل واحد هذا هو الّذي يعطيه صحيح النّظر.

و اما وجود قوة في الإنسان في عرض ساير قواه الوجودية كالشامة و الذائقة و الباصرة و الخيال و الوهم و أضرابها يسمى بالعقل و وجود مدركاتها من الحسن و القبح في الخارج على حد ساير الاعراض الخارجية ثم كشف إدراكها عن وجود مدركاتها في الخارج و كشف إدراك ساير القوى عن وجود مدركاتها كذلك.

ثم دوران نظام التكوين مدار عدة من هذه الأوصاف و نظام التشريع مدار عدة أخرى منها فتصويرات لا تتجاوز دائرة الوهم.

و بعد ذلك كله فالحق في المقام ان يقال ان الأحكام حيث وقعت في وعاء الاعتبار فسنخها بحسب هذا الوقوع سنخ الأحكام العقلائية فلها بحسب هذه الوعاء مصالح و مفاسد تتبعها و حسنا و قبحا تبتنى عليها كسائر الأحكام العقلائية و انما الفرق بين القسمين ان مصالح التكاليف‏

113

العقلائية يرجع نفعها إلى جاعلها بخلاف المصالح التي في الأحكام الإلهية فمنافعها راجعة إلى المكلفين لنزاهة ساحة جاعلها عن- الانتفاع و الاستكمال بالغير.

و اما غير الأحكام من البيانات الدينية فإذا وضع أساسها على الإفهام السازجة فحكمها و تبعيتها للمصالح و المفاسد بحسب ما يقتضيه أفهامهم هذا ما يقتضيه ظاهر القسمين و اما بحسب الحقيقة فالامر على ما بيناه في بحث الطلب و الإرادة إجمالا.

قوله (ره) انما تكون في الأحكام الواقعية بما هي واقعية إلخ:

(1) هذا لا يوافق ما ذهب إليه قده في التوفيق بين الحكم الواقعي و الظاهري من معنى الفعلية فانه انما منع في موارد الأصول و الأمارات عن تنجزها لا عن فعليتها فان المنع عن الفعلية يساوق إثبات الشأنية كما في الأحكام الإنشائية الموعود ظهورها في آخر الزمان.

فاللازم ان يقتصر على هذه الأحكام الإنشائية مثالا و لا يذكر معها موارد الأصول و الأمارات إذا خالفت الأحكام الواقعية.

قوله (ره) فهي حقيقة على كل حال انتهى:

(2) و اما على ما قررنا عليه معاني الحروف فهي لا تتصف لا بالحقيقة و لا بالمجاز إلّا باعتبار متعلقاتها و هو ظاهر.

114

قوله (ره) ان الإرادة تتعلق بأمر استقبالي إلخ.

(1) قد عرفت في بحث الطلب و الإرادة ان الإرادة الحقيقية صفة غير زائدة على النّفس و انه يمتنع تعلقها بفعل الغير و انها انما تتعلق بالأمر و هو اعتباري بما عنده من حقيقة يقوم بها الاعتبار كاللفظ الّذي هو صوت و اما معنى الأمر و أعني الطلب الإنشائي الاعتباري و هو نسبة حرفية فلكونها اعتبارية دائرة بين الآمر و المأمور و المأمور به لا محذور في تحققها مع المأمور به كما في الواجب المنجز أو قبل تحقق المأمور به قائمة بالمأمور كما فيما نحن فيه من الواجب المعلق و قد ظهر بذلك ما في كلامه (رحمه الله) من وجوه الفساد.

منها قوله ان الإرادة تتعلق بأمر استقبالي كالحالي ففيه ان الإرادة نسبة موجودة تكوينية يستحيل تعلقها بأمر موجود في الاستقبال معدوم في الحال سواء كانت علة تامة أو ناقصة أو مرتبطة بأي نحو من أنحاء الارتباط الخارجي.

و منها ما عده من موارد تعلق الإرادة بأمر استقبالي ذا مقدمات كثيرة تتحمل مشاقها من زمان بعيد إلخ و انما هي إرادات متعددة متعلقة بمرادات متعددة.

و منها تفسيره ما عرفوا به الإرادة انه الشوق المؤكد المحرك للعضلات انتهى ان المراد بالوصف أعني تحريك العضلات بيان مرتبة الشوق بالفرد الغالب أو المعروف و منها انتصاره لتعلق الأمر بأمر استقبالي‏

115

بلزوم تعلق البعث بأمر متأخر زمانا و لو بالجملة و قد ظهر وجه في جميع ذلك مما مر فلا نطيل بالإطناب.

قوله (ره) نعم لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر إلخ:

(1) تصوير خاص للواجب المشروط بحيث يشارك الواجب المعلق في كون الوجوب موجودا بالفعل قبل زمان الواجب فيؤثر أثر الواجب المعلق في ترشح وجوب الواجب إلى مقدماته الموجودة قبل زمانه و هو ان شرط الوجوب في الواجب المشروط من قبيل الشرط المتأخر فيكون الوجوب موجودا قبل زمان الواجب و شرطه مع الواجب كالحج المشروط وجوبه بإتيان ذي الحجة مثلا فعمل الحج و زمان وجوبه موجودان معا و الوجوب المشروط بإتيان ذي الحجة موجود قبلها.

قوله فانقدح بذلك انه لا ينحصر التفصي إلخ:

(2) حاصله ان هذا الإشكال و هو وجوب المقدمة قبل وجوب ذي المقدمة هو الّذي أوجب للقوم ان يختار كل مهربا و يصور تصويرا لتصحيحه حتى صور صاحب الفصول (ره) الواجب المعلق و الشيخ قده الواجب المشروط بإرجاع الشرط إلى المادة دون الهيئة لكن التفصي لا ينحصر في ذلك بل لنا ان نصور تصويرا آخر و هو كون اشتراط الوجوب بالشرط المتأخر من قبيل الاشتراط بالشرط المتأخر فيتقدم الوجوب على الواجب فيجب بذلك المقدمة قبل تحقق ذي المقدمة في الخارج أقول و لعمري لو كان وجوب المقدمة و هو غيري قبل تحقق ذي المقدمة شنيعا فما

116

هو بأشنع من تحقق وجوب الواجب قبل نفسه فهو اما نسبة اعتبارية من المعاني الحرفية غير مستقلة في وجودها من دون مقومها فكيف يتحقق قبل تحقق ما يقومها و اما معنى وصفي يتصف به الواجب و لا معنى لتحقق الوصف بما هو وصف قبل موصوفه هذا فالحق ان يقال ان وجوب المقدمة كما سيتحقق في البحث التالي وجوب بالعرض يعرضها بعرض ذي المقدمة و من المعلوم ان كل ما بالعرض المنتهى إلى ما بالذات في عروضه لموضوعه محتاج إلى اتحاد ما بين موضوعي ما بالذات و ما- بالعرض بنحو من الاتحاد و المقدمة متحدة مع ذيها بملاك التوقف و من المعلوم أيضا ان تحقق النسبة بين شيئين بما انها نسبة قائمة بطرفين يوجب تحقق طرفيها ان حقيقة فحقيقة و ان اعتبارا فاعتبار و هذا الاتحاد المحفوظ بين المقدمة و ذيها يوجب عروض ذي المقدمة لمقدمته عند العقلاء بحسب حكمهم بذلك و ان لم يتحقق ذو المقدمة بعد في الخارج و لم يتحد الوجودان زمانا فانه لا يخلو عن تحقق ما كما عرفت.

قوله (ره) فالواجب نفسي و إلّا فغيري:

(1) اعتباره قده الفرق بين الوجوب النفسيّ و الغيري بكون الغرض من الواجب التوصل إلى الغير و عدمه يوجب القول بكون المقدمة متصفة بالوجوب على نحو الحقيقة أعني كون ذي المقدمة بالنسبة إليها واسطة في الثبوت لا واسطة في العروض فان اختلاف الغرضين في المقدمة و ذيها و هما غرض الواجب و التوصل إلى غرض الواجب يكشف عن اختلاف‏

117

الوجوبين و تعددهما فينتج اتصافين حقيقيين لا اتصافا واحدا مختلفا بالذات و بالعرض و هذا هو الّذي أوجب قوله قده بكون وجوب المقدمة وجوبا حقيقيا لا عرضيا و هو المتراءى من المشهور و الحق خلافه لأن الفارق بين ما بالذات و ما بالعرض ان الحكم العرضي يرتفع مع قطع النّظر عن الواسطة و الغفلة عنه دون الحكم الذاتي كما قد تقرر في محله و لا يمكن الحكم بوجوب المقدمة مع الغفلة عن وجوب ذيها فهو عرضي غير ذاتي.

فان قلت الوجوب تابع في الوحدة و التعدد للغرض من الواجب كما تقدم ذكره و غرض المقدمة هو التوصل إلى ذي المقدمة أو إلى غرضه و هو غير غرضه فالمقدمة متصفة بوجوب غير وجوب ذي المقدمة و لازمه كون وجوبها ذاتيا غير عرضي و هو ظاهر قلت ليس للأمر الا غرض واحد و هو القائم بذي المقدمة و اما التوصل الموجود في المقدمة فليس غرضا له و لا من لوازم غرضه و انما هي نسبة تصحح الاتحاد بين المقدمة و ذيها فيوجب قيام غرض الواجب بعينها بالمقدمة لا انه يولد غرضا من غرض و لذا كانت الغفلة عن غرضه غفلة عن غرضها على حد وجوبهما و لو كان حقيقيا ذاتيا لما كانت الغفلة عين الغفلة و ان كان الارتفاع في الخارج يوجب الارتفاع و يستلزمه على حد ارتفاع التابع بارتفاع المتبوع أو ارتفاع الموجود الرابط بارتفاع المستقل الّذي يقومه.

فان قلت فعلى هذا ليس في الواجبات الخارجية على كثرتها الا

118

واجب واحد حقيقة و الباقي متصف بالوجوب بالعرض و المجاز و لا ينفع (ح) ما صوره المصنف (رحمه الله) من كون بعضها واجبات نفسية لاشتمالها على عنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعلها و ذم تاركها.

قلت يمكن ان يكون غرض الواجب الحقيقي في قيامه بمقدماته مختلفة على نحو التشكيك فيعد قيامه المجازي ببعض مقدماته بحسب نظر آخر قياما حقيقيا يمدح و يذم على طبقه و تعد المقدمة واجبا نفسيا و هي بعينها بحسب نظر آخر أدق من الواجبات الغيرية فتترتب المقدمات مع ذي المقدمة الأخير بحيث يعد كل واجبا نفسيا بالنظر إلى ما بعده و هو بعينه واجب غيري بالنظر إلى ما قبله و الواجبات الشرعية من هذا القبيل و لتتميم بيانه موضع آخر.

قوله (ره) لو كان شرطا لغيره لوجب التنبيه عليه انتهى:

(1) لا موجب لهذا الوجوب نعم يجب التنبيه على شرطيته في التكليف بذي المقدمة.

قوله (ره) و قد تقدم في مسألة الطلب و الإرادة انتهى.

(2) و قد تقدم منا فيما مر بعض ما يتعلق بالمقام.

قوله (رحمه الله) لا ريب في استحقاق الثواب انتهى.

(3) حاصله دعوى الضرورة على استحقاق الثواب و العقاب على الواجب النفسيّ موافقة و مخالفة و قوله ضرورة استقلال العقل بعدم الاستحقاق الا لعقاب واحد إلخ دليل أول على عدم ترتب شي‏ء من الثواب و العقاب‏

119

للمقدمة و قوله فيما بعد و ذلك لبداهة ان موافقة الأمر الغيري إلخ كأنه دليل ثان.

و الحاصل ان الضرورة قاضية باستحقاق الثواب و العقاب على الواجب النفسيّ موافقة و مخالفة و اما الواجب الغيري فلا يترتب عليه شي‏ء موافقة و مخالفة.

اما أو لا فلاستقلال العقل بأنه لا استحقاق عند المخالفة أو الموافقة الا لعقاب واحد أو ثواب واحد و من المعلوم ان ذا المقدمة يوجب الاستحقاق فذلك له و لا يبقى للمقدمة شي‏ء.

و اما ثانيا فلان المقدمة لا استقلال لها لا ملاكا و لا تكليفا في قبال ذي المقدمة فلا يترتب عليها بالاستقلال شي‏ء.

و الحق ان الملاك في استحقاق الثواب على الموافقة هو العبادية دون الوجوب النفسيّ ضرورة ان الواجبات التوصلية لا ثواب على مجرد موافقتها لو لم تؤت بقصد القربة على نحو العبادية فالواجب النفسيّ من حيث هو واجب نفسي لا يوجب ثوابا إلّا إذا أتى بها عبادة و لا تفاوت فيها بين ان تكون مقدمة أو ذا مقدمة لاستقلال العقل بكون الإتيان بقصد القربة موجبا للقرب و الثواب.

و من هنا يظهر ان العبادية لا تنفك عن محبوبية ما نفسية و ان كانت من جهة أخرى مطلوبة بالطلب الغيري سواء قلنا بكون الوجوب الغيري من قبيل الوصف الذاتي أو العرضي و اما استحقاق العقاب‏

120

فملاكه مخالفة الأمر و السر في جميع ذلك ان الملاك حقيقة في الثواب و العقاب حقيقة موافقة الأمر و مخالفتها لكن إتيان الواجب النفسيّ التوصلي لا بقصد الامتثال ليس موافقة للأمر إلّا ان يؤتى بقصد امتثال الأمر فيرتبط بالأمر و يصير حينئذ عبادة و اما إتيان الواجب الغيري فان كان غير عبادي فانما امتثل به امر ذي المقدمة حقيقة و ان كان عباديا فإتيانه بقصد عباديته التي هي عين مقدميته موجب لتحقق القربة و لقصد امر ذي المقدمة عينا اما لكون وجوبه غير مستقل كما اختاره المصنف (ره) أو لكون وجوبه بعرض وجوب ذي المقدمة كما اخترناه و هي مع ذلك لا تخلو عن محبوبية نفسية مستتبعة لاستحباب نفسي أو غير مستتبعة فتحصل ان كل موافقة ليست بموافقة الأمر بل مع قصدها و اما المخالفة فكل مخالفة مخالفة للأمر سواء فيه التعبدي و التوصلي.

نعم يفترق فيه النفسيّ و الغيري بالاستقلال و عدمه أو بالذات و العرض.

قوله (ره) يصير من أفضل الأعمال إلخ:

(1) لا يخفى ان سياق ما يدل على ان أفضل الأعمال أحمزها أجنبي عما نحن فيه.

قوله (ره) أحدهما ما ملخصه ان الحركات إلخ:

(2) الفرق بين الوجهين ان الأول من مسلك ان وقوع المقدمة عبادة يحتاج إلى اعتبار الغرض المقدمي الموجود فيها و الثاني من مسلك‏

121

الغرض الغائي الموجود في ذي المقدمة و لذا اشترك الوجهان في الاعتراض بعدم كفاية ذلك في ترتب الثواب عليها و اختص الأول بزيادة إمكان الإشارة إلى العنوان المقدمي من غير جعله داعيا.

قوله (ره) ضرورة ان العنوان المقدمية إلخ:

(1) قد نبهناك فيما مر ان دوران نسبة بين أطرافها يوجب تحقق أطرافها في سنخ وعائها أي كون الأطراف مسانخة للنسبة فالنسبة ان كانت حقيقية كانت أطرافها حقيقية و ان كانت اعتبارية كانت اعتبارية فنسبة الملكية الاعتبارية انما تدور بين المالك و المملوك لا بين عين زيد و عين العقار مثلا و نسبة التوصل و التوقف تدور بين المقدمة و ذي المقدمة لا بين ما هو الأمر الخارجي المعنون بعنوان المقدمة و المعنون بعنوان ذي المقدمة و من هنا يظهر ان عنوان المقدمية مثلا واسطة في العروض في اتصاف المقدمة بالوجوب لا واسطة في الثبوت كما ذكره ره.

نعم العرف من حيث استشعارهم بضعف تحقق هذه العناوين الاعتبارية لا يذعنون إلّا بتحقق المعنونات و يتوهمون ان الأحكام انما تقوم بها لا بالعناوين كما مر نظير ذلك في الكل و الاجزاء بالأسر.

قوله (ره) و اما عدم اعتبار ترتب انتهى.

(2) الملاك كل الملاك في القول بالمقدمة الموصلة و عدمها القول باتصاف المقدمة بوجوبها بالذات أو بالعرض كما يظهر بالتأمل في كلام‏

122

صاحب الفصول كما سينقله المصنف (ره) و قد تنبه به المصنف (ره) حيث قال في آخر كلامه و لعل منشأ توهمه الخلط بين الجهة التقييدية و التعليلية انتهى فالقول بالمقدمة الموصلة يبتنى على كون اتصاف المقدمة بالوجوب بالعرض فهناك وجوب واحد نفسي و هو لذي المقدمة بالذات و للمقدمة بالعرض و لا محالة يكون الغرضان الموجودان فيهما على نحو وجودي الوجوبين فغرض ذاتي و غرض عرضي و من المعلوم ان فرض عدم وجود ما بالذات في الخارج يوجب عدم وجود ما بالعرض سواء كان حكما أو ملاك حكم و من هنا يظهر فساد ما ذكره المصنف (ره) في إبطاله إذ جميع الوجوه المذكورة تبتنى على كون وجوب المقدمة و ملاكها ذاتيين و قد عرفت فساده.

ان قلت هذا انما يتم بناء على ما ذكره المصنف (رحمه الله) ان المتصف بالوجوب انما هو ذات المقدمة و ما هو بالحمل الشائع مقدمة لا عنوان المقدمة فذات المقدمة في الخارج تكون متصفة بالوجوب بالعرض و لا معنى لتحقق ما بالعرض في الخارج من دون تحقق ما بالذات فيه و اما على ما ذكرت من كون المتصف حقيقة هو العنوان الاعتباري للمقدمة بما انه اعتباري فلا معنى للقول بالمقدمة الموصلة إذ جميع المقدمات متصفة بهذا العنوان كما لا يخفى.

قلت معنى الاعتبار كما عرفت مرارا دعوى كون العنوان هو الخارج لغرض الأثر المترتب فما في الخارج هو المتصف بالاحكام و

123

الآثار لكن بواسطة الاعتبار فسراية العنوان في الخارج و انطباقه عليه لا مفر منه و ح فتحقق عنوان المقدمة في الخارج أي ذات المقدمة فيه لا ينفك عن وجود عنوان ذي المقدمة أعني نفس ذي المقدمة فيه فافهم فاما بحسب الدقة فذات المقدمة في الخارج متصف بالوجوب بواسطتين فذاتها تتصف به بواسطة عنوانها و عنوانها بواسطة عنوان ذي المقدمة لكن الحق بعد ذلك كله ان عرضية وجوب المقدمة لا توجب القول بالمقدمة الموصلة فان تحقق الواجب في ظرف التكليف و اعتباره يوجب تحقق التوقف و كذا تحقق ما يتوقف عليه فيه و يتم بذلك وجوب كل ما يتوقف عليه سواء كان مقدمة موصلة في الخارج أو لم يكن.

قوله (رحمه الله) و اما ترتب ذي المقدمة عليها انتهى:

(1) هذا مع الغض عن عدم وروده أصلا فاسد من حيث ان اللازم وجود ذي المقدمة في الخارج و وجود الشي‏ء نفسه و اما الترتب فهو وصف زائد و عنوان طار.

قوله (ره) لعدم كونه بالاختيار انتهى:

(2) هذا يناقض ما سيذكره في أوائل القطع في امر المعصية.

قوله (رحمه الله) لأنه لو كان معتبرا فيه الترتب انتهى:

(3) قد عرفت ان معنى الترتب وجود ذي المقدمة في الخارج فما المانع من كون نسبته و هو متأخر إلى المقدمة الموجودة قبلها نسبة المقتضى المتأخر إلى مقتضاه المتقدم و قد صححوا ذلك و على ذلك فالوجوب ساقط

124

لتحقق المقدمة و هو عين السقوط بالموافقة و هو ظاهر.

قوله وجهه انه يلزم انتهى:

(1) فيه ان هذا النهي إرشادي يرشد به إلى تشخيص المقدمة و انما يتم الإشكال على تقدير كونه مولويا.

الواجب الأصلي و التبعي‏

قوله (ره) و منها تقسيمه إلى الأصلي و التبعي انتهى:

(2) ينبغي ان يجعل الملاك في هذا التقسيم تعلق الطلب المستقبل و الغير المستقل مع قطع النّظر عن الملاك فيكون الفرق بينه و بين التقسيم السابق ان تقسيم الواجب إلى النفسيّ و الغيري بحسب الملاك و تقسيمه إلى الأصلي و التبعي بحسب تعلق الطلب بالاستقلال و عدمه مع قطع النّظر عن الملاك و أنت تعلم بان معنى التقسيمين يختلفان بحسب كون وجوب المقدمة ذاتيا أو عرضيا فلا تغفل و عليه فالامر الأصلي بالمقدمة يصير إرشاديا بناء على ان الأمر المولوي يتوقف على ملاك حقيقي أعم من المستقل و عدمه‏

قوله لحصول العصيان بترك أول مقدمة إلخ.

(3) هذا بناء على الواجب المعلق أو المشروط على التصوير الّذي صوره المصنف (رحمه الله) و اما على ما قدمناه من إبقاء الواجب المشروط على حاله مع وجوب المقدمة قبل وجوده فالمعصية و ان تحققت بتحقق علتها إلّا انها تحققت في ظرف نفسها عند تحقق الواجب لا حين تركت المقدمة فلا تغفل.

125

قوله إلّا انه مجعول بالعرض و يتبع انتهى:

(1) الجعل و المجعول في هذا المقام هو الإيجاد و الوجود أو الموجود فجعل الوجوب بالعرض هو كونه بالعرض و عليه فالجمع بين العرضية و التبعية في حكم التناقض هذا و الأصل غير جار على العرضية لأن أدلة الأصول منصرفة عن الأحكام العرضية.

قوله (رحمه الله) و الأولى إحالة ذلك إلى الوجدان انتهى:

(2) الأولى الاقتصار على ذلك من غير تذييله بما يدعيه من الطلب المولوي و يؤيده بوجود الأوامر الغيرية في الشرعيات و العرفيات لما عرفت من كونها إرشادية لا مولوية.

قوله و الشرطية و ان كانت منتزعة إلخ:

(3) دفع دخل محصله ان توقف الشرطية على الوجوب لازم انتزاعيتها و الجواب انه انما يلزم لو كانت الشرطية منتزعة عن التكليف المتعلق بالمقدمة و ليس كذلك بل هي منتزعة عن التكليف النفسيّ المتعلق بذي المقدمة هذا و الحق ان هذه المعاني كلها اعتبارية ليس بمنتزعة عن التكليف و إلّا تحقق بينهما الحمل كما قيل لاتحاد المنتزع و المنتزع عنه فكان الشرط هو ذا المقدمة.

قوله (رحمه الله) و حيث لا منافاة أصلا انتهى:

(4) قياس غير منتج فان الملاءمة بين شي‏ء و عدم شي‏ء آخر لا يوجب وقوعهما في مرتبة واحدة ضرورة ان المعلول ملائم علته كمال الملاءمة

126

مع عدم كونهما في مرتبة واحدة فالأولى ان يتشبث في ذلك بما سيذكره من ان المانع الّذي يكون موقوفا عليه هو ما كان ينافى و يزاحم المقتضى في تأثيره لا ما يعاند الشي‏ء و يزاحمه في وجوده.

قوله (رحمه الله) بداهة ثبوت المانعية من الطرفين:

(1) فيه ان ثبوت المانعية بين الضدين و توقف وجود كل منهما على عدم الآخر لا يستلزم توقف عدم كل على وجود الآخر لا مكان تصادق العدمين على مورد واحد إذ غير المتناقضين من المتقابلين لا يأبى من ارتفاع الطرفين معا و هذا يوجب عدم توقف أحد العدمين على وجود الطرف الآخر و هو ظاهر و من هنا ظهر ان الدور غير تام و الحق بعد ذلك كله ان القول يتوقف وجود الشي‏ء على عدم مانعة قول مجازي فان الأمر الوجوديّ لا يترشح إلّا عن الوجود و العدم لا ذات له بل المانع حيث ما فرض امر وجودي يضار الممنوع الّذي هو أيضا امر وجودي فهو في مورد التضاد الحقيقي فيرجع معنى توقف الشي‏ء على عدم مانعة إلى اشتراط صلاحية المحل لوجود الشي‏ء فيه لفرض خلوه عن الضد الآخر و لا ثالث للضدين كل ذلك لأمور مبينة في محله هذا في الحقائق غير ان الأمر في الاعتباريات سهل.

قوله (رحمه الله) الا طلبا بسيطا و مرتبة أكيدة إلخ:

(2) هذا على ما اشتهر بين الأصوليين أخيرا ان الوجوب و الاستحباب مرتبتان من حقيقة الطلب البسيط متفاوتان بالشدة و الضعف بعد ما

127

كان المشهور بينهم انهما حقيقتان نوعيتان مركبتان واقعتان تحت جنس الطلب فالوجوب طلب الفعل مع المنع من الترك و الاستحباب طلب الفعل مع عدم المنع من الترك أو مع تجويز الترك.

و قد ذكر شيخنا الأستاذ (رحمه الله) في الحاشية ما حاصله: ان كون الوجوب و الاستحباب مرتبتين من الإرادة مختلفتين بالشدة و الضعف و ان اشتهر بينهم إلّا ان الّذي يقتضيه دقيق النّظر خلافه و هو ان الاختلاف بين الوجوب و الاستحباب ليس من حيث المرتبة بل من حيث كيفية الغرض الداعي بيان ذلك ان الإرادة التكوينية و التشريعية لا يختلفان الا من حيث تعلق الأولى بفعل الشخص نفسه و الثانية بفعل غيره و تعلق الإرادة التكوينية بفعل لا يستلزم كونه مما لا بد منه دائما بل ربما تعلقت بفعل من الأفعال الطبيعية الموافقة للهوى مع عدم لزومه حتى من حيث الهوى حتى باعتراف فاعله كفضول المعيشة و زخارف العادات و ربما لم تتعلق بفعل من الأفعال العقلية مع لزومه عقلا حتى باعتراف فاعله فاذن الملاك في تحقق الإرادة ليس كون المراد لازم الورود بل كون المراد أشد موافقة للقوة الباعثة هذا في الإرادة التكوينية و كذلك الإرادة التشريعية ليس اختلاف البعث الوجوبيّ و الاستحبابي فيها من جهة اختلاف تعلق الإرادة بفعل الغير شدة و ضعفا بل من حيث شدة موافقة الفعل للغرض الداعي إلى البعث و ضعفها هذا.

أقول لا ريب ان الفعل في صدوره عن الإرادة التكوينية ما لم يجب‏

128

لم يوجد و ان الّذي يوجب وجوده هو المرجح لوجوده في الخارج و صدوره عن الإرادة و هو بعينه الفرض الّذي يتحد مع الفعل في الخارج نوع اتحاد يتقرر في ظرف العلم الموجب للإرادة فتبين ان العلم ما لم يتعلق بضرورة الفعل أعني نسبة الضرورة بين الفعل و الفاعل لم تتحقق الإرادة فلم يتحقق الفعل نعم لازم ذلك تحقق الضرورة بحسب خصوص العلم المتفرعة عليه الإرادة لا تحقق الضرورة بحسب الأمر في نفسه فربما يختلفان و بذلك يختلط الأمر فيظن ان الفعل وقع مع عدم لزومه أو لم يقع مع لزومه هذا فتبين بذلك:

أو لا ان الوجوب هو اعتبار نسبة الضرورة بين الفعل و فاعله حتى في الإرادة التكوينية الموجودة في الحيوان و هذا كأنه أول اعتبار اعتبره الحيوان للتوصل إلى كماله حاذى به الضرورة الواقعة جهة و مادة في القضايا الحقيقية الغير الاعتبارية و قد تقدم فيما تقدم بعض القول في ذلك و ان هذه النسبة مع انها نسبة غير مستقلة الذات قد يؤخذ معنى وصفيا مستقلا فيصير وصفا يتصف به الفعل فيصير واجبا و يتفرع عليه اشتقاقات أخرى كالإيجاب و الاستيجاب.

و بذلك كله يظهر فساد القول بكون الوجوب هو الطلب و هو ظاهر كيف و الوجوب وصف الفعل المتوقف في اتصافه به على الطلب و المتأخر عنه.

و ثانيا ان الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الجواز أيضا نسب‏

129

اعتبارية دائرة بين الفعل و فاعله فالحرمة نسبة الامتناع كما ان الوجوب نسبة الضرورة و الجواز نسبة الإمكان و اما الاستحباب و الكراهة فهما نسبتا الأولوية المتوسطة بين الضرورة و الإمكان و هو الاستحباب و التوسط بين الامتناع و الإمكان و هو الكراهة على ما يساعده النّظر العرفي و هي هذا بعينها موجودة في القضايا المضروبة ضرب القانون كقولنا يجب ان يفعل كذا و يحرم كذا و يستحب كذا و يكره كذا و يجوز كذا.

و ثالثا ان لا تشكيك بين الوجوب و الاستحباب و كذا بين الحرمة و الكراهة لكونهما معا في نسبية حقيقية و لا معنى في النسب الحرفية للتشكيك و التواطي و النوعية و الجنسية و الكلية و الجزئية و غيرها و كذلك البساطة و التركيب نعم لا بأس بإطلاق البسيط على مثلها بمعنى عدم التركيب فافهم ذلك.

و رابعا لأحد لمثل هذه المعاني حقيقة.

قوله (ره) مع بقائه على ما هو عليه إلخ:

(1) فيه انه لا يوافق ما ذهب إليه كما صرح به في بحث الظن ان المصالح قائمة بنفس الأحكام دون المتعلقات و كذا قوله أو غيره أي شي‏ء كان على مذهب الأشاعرة اه ظاهر المنع.

قوله (ره) بنحو الشرط المتأخر إلخ:

(2) الأخذ بهذه القيود و تعليق الواجب عليها لتصوير محل الكلام‏

130

و هو ان يؤمر بضدين و يجعل ظرف امتثال أحدهما ظرف عصيان الآخر و بعبارة أخرى ان يتحقق الأمر بالمهم و الأمر بالأهم معا قبل مرتبة الامتثال مع افتراقهما في الامتثال من حيث الظرف فظرف امتثال المهم ظرف عصيان الأهم و من المعلوم ان الأهم ساقط في ظرف عصيان نفسه بمعنى انتهاء أمد الأمر عند الامتثال و العصيان فالكلام في صحة الترتب و عدمها في انه هل يمكن الأمر بضدين فعلا مع تقييد أحدهما بعصيان الآخر؟

و من هنا يظهر ان الترتب المذكور لا يتحقق من غير تعليق فعلى ما قدمناه في بحث الواجب المعلق من تصحيح وجوب المقدمة في الواجب المشروط قبل فعلية زمان الواجب يصح الأمر بواجبين ظرف امتثال أحدهما ظرف عصيان الآخر من غير إشكال فينتج نتيجة الترتب من غير ترتب نعم لو قلنا ببقاء الأمر في ظرف العصيان كان حكمه حكم الترتب أو هو بعينه الترتب و لذا أخذ المصنف التعليق في تحرير البحث لتسليمه سقوط الأمر في ظرف العصيان ليصير بذلك كلا الضدين قبل تحقق ظرف المهم واجبين فعليين فلا تغفل.

قوله (ره) ما هو ملاك استحالة طلب الضدين إلخ:

(1) لا ينبغي ان يرتاب في ان الأمور الاعتبارية لا يتحقق بينها نسبة التنافي و لا التلاؤم من حيث أنفسها إذ لا نفسية لها على ما عرفت سابقا و انما تتحقق بينها من حيث الآثار المترتبة عليها كالتلاؤم بين المتعلقين‏

131

و التنافي و التضاد بينهما فالتدافع و التضاد بين الامتثالين و هما أثر الأمرين هو الموجب لتضاد الأمرين بنحو الوساطة في العروض دون الوساطة في الثبوت، فالأمران المتضادان إذا فرض اختلاف متعلقيهما من حيث الظرف بحيث لا يزاحمان وجودا في ظرف الامتثال لا مانع من اجتماعهما قبل امتثاليهما سواء فرضت قبلية زمانية أو رتبية أو نحوا آخر من أنحاء الاجتماع هذا هو أحق الكلام في المقام.

و منه يظهر وجوه الصحة و الفساد فيما أوردوه في هذه المسألة التي هي من معارك الآراء فكل ذلك لا يخلو من نوع خلط بين أحكام الحقائق و الاعتباريات.

قوله (ره) على ما هو عليه من المصلحة إلخ:

(1) من الموارد التي يناقض ما ذهب إليه من قيام المصلحة بنفس الحكم.

قوله (ره) ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر إلخ:

(2) لا ريب في قبح العقاب على ما لا قدرة عليه لكن الأمر بالمهم مقدور كما ان الأمر بالأهم وحده مقدور و اما الجمع بينهما فهو و ان كان غير مقدور إلّا انه غير متعلق لأمر وراء الأمر المتعلق بكل واحد منهما وحده و هذا نظير ان كل واجب فهو متعلق لأمر و يعتبر تعلق القدرة به و اما كل اثنين من الواجبات و كل ثلاثة منها فلا يتعلق بها امر و لا يعتبر عليها قدرة.

132

و قد تبين ان حجج المبطلين للترتب على اختلافها تبتنى على مقدمات ثلاث هي أركانها.

إحداها رجوع الأمرين بالضدين إلى امر واحد بالجمع.

و الثانية استحالة الأمر بالضدين استحالة ذاتية لا بعرض التدافع في مقام الامتثال.

و الثالثة القول بعدم سقوط الأمر في ظرف العصيان و القول بالتعليق في الواجب و قد عرفت حال جميعها فلا نطيل.

قوله (ره) بلا تفاوت في نظره بينهما أصلا إلخ:

(1) هذا ممنوع و كيف يمكن للعقل الحاكم بسقوط الأمر المهم بالنسبة إلى مورد المزاحمة ان يحكم بجواز إتيانه بداعي امره و هل هو الا تناقض.

قوله (ره) و ان كان جريانه فيه أخفى إلخ:

(2) و توجه المنع الّذي ذكرناه عليه أجلى فليس مرجع الإتيان بالمهم بداعي الأمر الغير المتعلق به الا حكم العقل بجواز إتيان فعل بداعي امر غيره كالصلاة بداعي الصوم.

قوله (ره) لوضوح ان المزاحمة على صحة الترتب إلخ:

(3) مراده على قصور في العبارة ان وقوع المزاحمة بين واجبين فعليين انما يوجب سقوط الأمرين في عرض واحد للتزاحم و اما مع ثبوت أهمية ما في أحدهما توجب تقدمه على الآخر لم يوجب السقوط

133

بل يشمل امر الأهم إياه مطلقا و امر المهم أيضا إياه لاقتضاء الأهمية تقيده بظرف معصية الأهم الّذي لا يشمله امر الأهم بناء على الترتب فهما واجبان فعليان ظرف امتثال أحدهما ظرف عصيان الآخر فمجرد فرض أهمية الواجبين في مورد التزاحم يقتضى تحقق الترتب بينهما هذا و قد عرفت انا لو صححنا وجوب المقدمة قبل وجوب ذي المقدمة من غير تعلق بالتعليق و ما بمعناه انتج ذلك نتيجة الترتب عند تحقق التزاحم بين الواجبين و ان لم يكن من الترتب المصطلح في شي‏ء لعدم فعلية وجوب المهم قبل تحقق عصيان الأهم.

قوله (ره) لا يجوز امر الأمر مع العلم بانتفاء شرطه إلخ:

(1) الظاهر ان آخر الضمائر راجع إلى الامتثال فيكون المراد انتفاء القدرة على الإتيان فيئول الأمر إلى عدم جواز التكليف بما لا يطاق و التحقيق في ذلك ان الأمر بما انه إنشاء الطلب لا يقتضى كون المأمور به مقدورا أو غير مقدور لانتفاء بعض شرائطه و من الممكن قيام مصلحة بنفس الأمر كما في الأوامر الامتحانية و التعجيزية و غيرهما فيصح الأمر حينئذ و لو كان المأمور به غير مقدور.

نعم لو كانت المصلحة قائمة بالمأمور و كان غير ممكن الاستيفاء لا يتعلق به غرض الآمر بما انه امر عقلائي لما مر مرارا ان المصحح للاعتبار إمكان ترتب الأثر عليه و أثر الأمر جدي حصول المأمور به بغرضه في الخارج فيلغو الأمر حين لا أثر لعدم إمكان الاستيفاء.

134

و من هنا يظهر ان لو فرض فوت المصلحة بسوء اختيار المكلف لم يأب العقل من تجويز الأمر بالمحال حينئذ لا مكان ترتب الأثر عليه كالعقاب و في القرآن الشريف يوم يدعون إلى السجود فلا يستطيعون و قد كانوا يدعون إليه من قبل و هم سالمون و مما مر يظهر مواقع النّظر في كلامه (ره) في كيفية استدلاله.

قوله (ره) ان متعلق الطلب إلخ:

(1) توضيح المقام انه لا ريب ان الطلب الإنشائي في الأمر حيث كان اعتبار الطلب الحقيقي فهو من حيث متعلقه على حذوه و الإرادة الحقيقية حيث كانت متعلقة بوجود المراد لا بمفهومه كذلك إرادة التشريعية متعلقة بوجود فعل الغير لكن الفعل الموجود في الخارج حيث انه متشخص مقارن لمشخصات كثيرة من الزمان و المكان و الأحوال و غيرها مكتنفة بماهيتها يطرأ لجميعها بما هي واحدة وجود واحد و هذا الوجود إذا اعتبر مع بعض هذه المقارنات من غير نظر إلى الباقي كان حاله بحسب الأخذ و الاعتبار حال الماهية مع افرادها بحيث يجوز ان يتحقق مع وجود كل من الباقي و عدمه كما ان الإكرام الخارجي مع جميع خصوصياته موجود واحد خارجي فإذا أخذ الإكرام العالم يوم الجمعة كان بالنسبة إلى المكان و الجهة و السبب و العدد و غيرها كالكلي فإذا قيل أكرم عالما يوم الجمعة كان بالنسبة إلى خصوصيات هذا المأمور به كالكلي بالنسبة إلى افراده و هذا هو

135

المراد من تعلق الأمر بالطبيعة دون الافراد و لهذا ترى المصنف (ره) تارة يصرح بكون المتعلق هو الطبيعة و تارة الوجود السعي و ان كان نحو استدلاله فاسدا.

و اما حديث أصالة الوجود و الماهية فلا يبتنى عليها أمثال هذه المباحث الاعتبارية فان الاعتباري اعتباري على كلا القولين لا يجري عليه آثاره جرى آثار الحقائق عليها على نحو الضرورة و الدوام و الكلية و الذاتيّة كما نبهناك عليه مرارا و اما حديث الماهية من حيث هي ففيه خلط محمولات الماهية بالحمل الأولى و بالحمل الشائع كما بينه شيخنا الأستاذ أعلى اللّه مقامه في الحاشية بما لا مزيد عليه.

قوله (ره) و ان كان بينهما تفاوت في المرتبة إلخ:

(1) قد عرفت ان الأحكام متباينة لا تشكيك بينها.

قوله (ره) و التحقيق ان يقال إلخ:

(2) قد عرفت مرارا ان صحة الاعتبار لا يتوقف على ما يتوقف عليه صحة الأمور الحقيقية و انما يتوقف على صحة ترتب الأثر المطلوب عليه و لا- مانع من قيام مصلحة واحدة نوعية بنوعين من الفعل متغايرين فإذا فرض تعلق الغرض بحصول ما يترتب على واحد منهما من غير اختصاص اعتبرت نسبة الوجوب بين الفاعل واحد الفعلين و يترتب عليه الأثر و كل ذلك لمكان الاعتبار و ان كان ذلك بحسب حال الحقائق ممتنعا كما ان الإرادة الحقيقية انما تتعلق بالجامع بينهما بعد ترجيح أحد الفعلين‏

136

فيصدر و بذلك يظهر مواقع النّظر في كلامه (رحمه الله) ففيه أولا ان الأحكام الاعتباريات لا يحاذى فيها الحقائق إلّا بمقدار يترتب عليه الأثر المطلوب و ثانيا ان مورد قاعدة الواحد لا يصدر عن الكثير الواحد الشخصي دون الواحد النوعيّ أو الجنسي و ما نحن فيه من القبيل الثاني كما بينه شيخنا الأستاذ أعلى اللّه مقامه في الحاشية بما لا مزيد عليه.

و ثالثا ان قيام الغرض الواحد بفعلين على حد سواء لا يوجب التخيير العقلي كما ذكره و لا التخيير الشرعي يوجب كون المصلحة اثنتين قائمتين بفعلين بحيث لا يبقى مع استيفائها مجال لاستيفاء المصلحة الأخرى.

قوله (ره) هل يمكن التخيير عقلا أو شرعا إلخ:

(1) قد عرفت ان التخيير انما يحتاج إلى جعل الفعلين طرف نسبة الوجوب على نحو الترديد كما ربما يجعل الفعل الواحد كذلك من غير محذور بعد ترتب الأثر عليه.

قوله (ره) و التحقيق انه سنخ من الوجوب إلخ:

(2) الاختلاف السنخي هو الاختلاف الغير الراجع إلى الاختلاف انما هوى و حيث كان أثر هذا الوجوب مخالفا لأثر الوجوب العيني ذهب إلى انه سنخ آخر من الوجوب غير سنخ الوجوب العيني لكنك قد عرفت ان الوجوب اعتبار جهة الضرورة التي هي إحدى الجهات الثلث في القضايا الحقيقية الغير الاعتبارية و هي معنى نسبي واحد و الفرق بينه‏

137

و بين الوجوب العيني ان نسبة الوجوب الدائر بين الفعل و الفاعل كما قد يعتبر بين الفاعل و الفعل المعين و قد يعتبر بين الفاعل واحد الفعلين فيتحقق الوجوب التعييني و التخييري كذلك قد يعتبر بين الفعل و الفاعل الواحد المعين و ربما يعتبر بين الفعل و فاعل ما من غير ان يؤخذ خصوصية في ناحية الفاعل و ذلك بتعلق الغرض بمجرد تحقق الفعل في الخارج من غير نظر إلى خصوصية الفاعل و يتفرع عليه ان لو صدر فعل واحد عن فاعل واحد سقط الخطاب كما لو دفن الميت مكلف واحد و كذا يسقط لو صدر فعل واحد عن مجموع المكلفين كما لو دفنوه جميعا و كذا يسقط لو صدر عدة افعال عن عدة من المكلفين دفعة كما لو صلى على الميت عدة منهم معا فيتحقق بذلك الوجوب العيني و الوجوب الكفائي و لو كان هذا الاختلاف في الاعتبار موجبا لاختلاف العيني و الكفائي سنخا لكان اللازم القول بمثل ذلك في الوجوب التعييني و التخييري هذا نعم ربما يقتضيه ظاهر قوله في تصوير الواجب التخييري بنحو من الوجوب مع إبطاله وجوب كل واحد منهما تعيينا مع سقوطه بفعل أحدهما كما قيل في آخر كلامه (ره).

الكلام في النواهي‏

قوله (ره) غير ان متعلق الطلب في أحدهما الوجود إلخ:

(1) و أنت بالرجوع إلى ما قدمناه في بحث الأوامر تقف على عدم استقامة ما ذكره من محاورات النهي للأمر بيان ذلك ان من المعلوم ان مفادي‏

138

صيغة افعل و لا تفعل النسبة الاعتبارية بين الحاكم و بين فعل المكلف و تركه المأخوذة على حذو النسبة الحقيقية، الموجودة بينه و بين فعل نفسه أو ترك نفسه و من المعلوم أيضا ان الإرادة الحقيقية سواء كانت كيفية نفسانية كما ذكروه أو نسبة نفسانية كما ذكرناه امر وجودي لا معنى لتعلقه بالعدم إذ لا ذات للعدم و لا حكم الا بعرض الوجود الّذي ينتزع هو عنه على انهم يصرحون بان الإرادة علة الوجود المراد ثم يصرحون بان عدم المعلول مستند إلى عدم العلة و لازمه استناد الفعل المستند إلى الفاعل إلى عدم إرادة الفعل لا إرادة عدم الفعل و لازم ذلك كله كون مدلول الأمر هو طلب الفعل و مدلول النهي هو عدم طلب الفعل بدعوى ان فعل الغير يترتب وجوده على إرادة الحاكم فعدمه مترتب على عدم إرادته هذا ما يقتضيه أصل الاعتبار إلّا ان النّظر السطحي حيث يجد الإرادة ممكنة التعلق بالفعل نفسه و بفعل أخرى في عرضه ملازم لعدم الفعل الأول ينعطف إلى أخذ الفعل و عدمه في الترديد مع ان الترديد بالذات بين الفعل و الفعل لا بين الفعل و عدمه إلّا بالعرض فيوضع ما بالعرض مكان ما بالذات ثم يتوهم تعلق القدرة و الاختيار بكلا طرفي الفعل و الترك فنعرف القدرة بأنها كون الفاعل بحيث إن شاء فعل و إن شاء لم يفعل مع انها في الحقيقة كون الفاعل بحيث إن شاء فعل و ان لم يشأ لم يفعل و على هذا النّظر يتفرع عدهم الأمر و النهي طلبا للفعل و طلبا للترك.

139

قوله (ره) فان الترك أيضا يكون مقدورا إلخ:

(1) قد عرفت ما فيه و اعلم ان الكف أيضا منتزع كالترك عن الفعل المنافي للفعل المنهي عنه فان الإنسان لا يخلو عن فعل فترك الفعل سواء كان مجرد ان لا يفعل أو عدم الفعل مع كون الفاعل على ذكر من الفعل و وجود الداعي إلى الفعل منتزع عن فعل ما لا يجتمع وجودا مع فعل المنهي عنه فان العدميات منتزعات و ان صارت مضافة و تخصصت بألف مخصص.

و من هنا يظهر أن القول بتعلق النهي بالكف لا يزيد إلّا تكلفا إذ لو أريد بذلك إعطاء وجودية ما لمتعلق النهي بالعدول عن الترك إلى الكف فالترك أيضا كالكف عدم مضاف له حظ من الوجود و لو أريد تبديل الترك العدمي إلى فعل وجودي محض فالكف ليس كذلك و ان كان أخص انتزاعا من الترك.

قوله (ره) لا يوجب ان يكون كذلك بحسب البقاء إلخ:

(2) و أنت خبير بان العدم من حيث هو عدم لا ذات له و لا صفة و لا أثر فاتصاف العدم بالأزلية و البقاء و الاستمرار يقضى بأنه منتزع و ان تعلق الحكم و التكليف به بالعرض و هو ظاهر.

اجتماع الأمر و النهي‏

قوله مع انه يمكن ان يقال بحصول الامتثال.

(3) قد عرفت في بحث الضد المناقشة فيه.

140

قوله في ان الأحكام الخمسة متضادة إلخ:

(1) حد المتضادين انهما امران وجوديان متواردان على موضوع واحد داخلان تحت جنس القريب بينهما غاية الخلاف و قد مر في بحث الضدان الأحكام التكليفية معان اعتبارية مأخوذة عن النسب الموجودة بين القضايا الحقيقية الغير الاعتبارية و هو موادها أعني الضرورة و الامتناع و الإمكان و يلحق بها عند العامة نسبتا أولوية الوجود و أولوية العدم و النسب وجودات رابطة لا ماهية لها فلا حد لها فلا جنس لها فلا تدخل تحت مقولة من المقولات فشي‏ء من الأحكام لا يجري فيها التضاد و بعبارة أخرى التضاد وصف خارجي لموصوف خارجي داخل تحت مقولة عرضية موجود لموضوع خارجي شخصي و لا يتحقق إلّا بين شيئين لا أزيد و شي‏ء من هذه المعاني غير منطبق على موارد الأحكام الخمسة بداهة انها ليست بخارجية بل اعتبارية و ليست من الاعراض بل من النسب و لا موضوع خارجي لها بل موضوعها اعتباري و ليس بشخصي بل كلي و ليس التنافي بينهما قائمة بين امرين بل بين خمسة.

قوله ان متعلق الأحكام هو فعل المكلف إلخ:

(2) قد ذكرنا مرارا ان الحكم نسبة اعتبارية و أطراف النسب الاعتبارية يجب ان تكون اعتبارية فالعناوين الاعتبارية هي متعلقات الأحكام أو لا و بالذات و الأفعال الخارجية متصف بها بعرضها فهي واسطة في العروض بالنسبة إلى معنوناتها لا واسطة في الثبوت حتى يلزم‏

141

تأثير ما ليس في الخارج حقيقة في الأمور الخارجية تأثيرا حقيقيا.

قوله (ره) ان المجمع حيث كان إلخ:

(1) شروع في حجة القول بالامتناع و قد عرفت المناقشة في المقدمتين من مقدماتها.

قوله (ره) و ان الفرد هو عين الطبيعي في الخارج إلخ:

(2) المجمع بين كون نسبة العنوان إلى المعنون نسبة الطبيعي إلى فرده و بين عدم كونه ماهية لما في الخارج جمع بين المتناقضين إذ لا فرق بين المفاهيم الانتزاعية التي يعبر عنها بالعناوين و بين المفاهيم التي يعبر عنها بالماهيات الحقيقية إلّا ان القبيل الثاني موجودة بعين وجود مصاديقها الخارجية بحيث يترتب عليها آثارها الخارجية فيقع في جواب السؤال عن الشي‏ء بما هو بخلاف القبيل الأول حيث لا موطن له الا الذهن فمع تسليم كون مفهوم بالنسبة إلى الخارج هو الطبيعي بالنسبة إلى فرده لا معنى لنفي كون ماهية له و هو ظاهر.

قوله (ره) كصوم يوم عاشوراء و النوافل المبتدئة إلخ:

(3) كونها من القسم الأول مبنى على كونها متباينة بالنوع مع ما يشاكلها من العبادات بان يكون صوم يوم عاشوراء مباينة بالنوع مع ساير الصوم المندوب و النوافل المبتدئة كذلك بالنسبة إلى ساير النوافل و الحق خلافه مع وجود عمومات و إطلاقات كافية كقوله الصوم لي و قوله ان تصوموا خير لكم و قوله الصلاة خير موضوع فمن شاء استقل و من‏

142

شاء استكثر و قوله: الصلاة معراج المؤمن إلى غير ذلك فالظاهر ان هذا القسم مجرد تصوير لا مصداق له في الشرع فيبقى قسمان من الثلاثة و هما اجتماع الأمر و النهي فيما له بدل من جهة أو جهتين.

و يمكن ان يقال في ذلك مضافا إلى ما صوره المصنف (ره) بما قدمناه سابقا ان الحاكم الجاعل كما ان له ان يجعل الواقع ظرفا لحكمه المجعول كذلك له ان يجعل ظرف امتثال تكليفه ظرفا لحكم آخر و تقديرا له فيقول أو لأصل ثم يقول: إذا صليت فصل في المسجد و إذا صليت فلا تصل في الحمام بناء على عدم كون الكون في المسجد و الكون في الحمام محكومين بحكم أو يقول و لتكن صلواتك كلها عنده أو إذا صليت فلا تصل في مواضع التهمة بناء على ان الكون عند قبر الإمام مستحب و الكون في مواضع التهمة مكروه و بالجملة يصير أحد الحكمين في طول الآخر لا في عرضه فيخرج عن مورد الاجتماع الغير الجائز.

قوله (رحمه الله) و القول بالجواز عقلا و الامتناع عرفا إلخ:

(1) قد عرفت ان متعلقات الأحكام هي العناوين دون المعنونات الخارجية غير ان العقلاء بالنظر الثانوي يرون انها هي المتعلقات دون العناوين فيصير هذا اعتبارا ثانيا تاليا للاعتبار الأول فلا يرد عليه ما سيورده (رحمه الله) من عدم الاعتبار بنظر العرف فيما علم بالنظر الدّقيق خلافه فان الركون بنظر العرف هاهنا ليس اعتمادا بنظر العرف مع انكشاف‏

143

خلافه بل جريا على اعتبار عقلائي ثان تال لآخر.

قوله (ره) فان الخطاب بالزجر عنه و ان كان ساقطا إلخ:

(1) قد عرفت في بحث الأمر مع العلم بانتفاء شرطه جواز التكليف بالمحال إذا كانت الاستحالة مستندة إلى سوء الاختيار و عليه فالامر باق و الحرمة مستقرة و العقاب مترتب.

قوله (ره) فان قلت كيف لا يجديه و مقدمة الواجب واجبة إلخ:

(2) محصل ما أفاده (رحمه الله) على طوله ان الخروج حيث كان متفرعا على الدخول تفرع المسبب على سببه فهو مقدور بالقدرة المتعلقة بسببه فالنهي المتعلق بالسبب متعلق به و هو مخالفة له يستحق بسببه العقاب و ان لم يتعلق به بنفسه نهى لمكان الاضطرار إليه بالنظر إلى نفسه و اما كونه مقدمة للتخلص الواجب فلا يوجب اتصافه بالوجوب المقدمي من قبله لأن المقدمة المحرمة المنحصرة للواجب مع كون الواجب أهم انما تكسب الوجوب مع سقوط حرمته لو لم يكن الوقوع فيه بسوء الاختيار و إلّا بقيت المقدمة على مبغوضيتها و الواجب مع ذلك باق على وجوبه يكتفى فيه بحكم العقل بوجوب المقدمة إرشادا إلى أهمية الواجب من دون وجوب شرعي للمقدمة هذا.

و أنت خبير بان أساس هذا البيان يدور مدار كون الخروج من الدار المغصوبة تصرفا فيها و مقدمة للتخلص الواجب و الحق كما ذهب إليه بعض‏

144

الأساطين من مشايخنا ان الخروج عند العقلاء ترك للتصرف الحرام و معه لا يتصور كونه معنونا بالتصرف أيضا لعدم جواز اجتماع عنواني الفعل و الترك في واحد فليس متعلقا لنهي و لا حرمة و لا مبغوضية أصلا.

فان قلت: هذا يصح لو كان الترك عنوانا للخروج لا سببا توليديا مترتبا عليه كما عليه بناء كلامه (ره).

قلت هو كذلك فان الترك لو كان سببا توليديا كان من الضروري ان ينتزع بعد تمامية الخروج عن فعل مقارن له لا عن نفس الخروج و الأمر بخلاف ذلك فانه منتزع عن الخروج و الّذي ينتزع عن ما بعد الخروج هو عدم التصرف لا ترك التصرف.

قوله (ره) لضرورة عدم صحة تعلق الطلب إلخ:

(1) و ذلك ان جدية الطلب تستلزم تعلق إرادة الأمر بفعل المكلف و معلوم ان الإرادة لا تتعلق إلّا بما هو ممكن الوجود و العدم فيترجح بها لا بما هو ضروري الوجود أو العدم بواسطة الاضطرار كما ذكره (ره) سابقا و قد أشرنا هناك إلى انه لا معنى لتعلق الإرادة بالفعل الغير المباشري و ان لا مانع من تعلق الطلب الاعتباري بالمحال إذا ترتب عليه أثر كالعقاب فيما استند إلى سوء الاختيار.

و اما قوله ان قولهم: «الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار إلخ» فلا معنى للتخصيص في مورد الأحكام العقلية على ان المقام غير محتاج إليها كما لا يخفى.

145

قوله (ره) دلالتهما على العموم إلى قوله لا ينكر:

(1) قد عرفت المناقشة فيه في أول النواهي.

قوله (رحمه الله) دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة إلخ:

(2) هذا الحكم لكونه عقليا ثابت بالحيثية أي ان دفع المفسدة من حيث هي مفسدة أولى من جلب المنفعة من حيث هي منفعة و عليه لا يرد عليه ما أورده (رحمه الله) لكن التمسك بها لترجيح جانب النهي غير نافع للمستدل إذ ثبوت الأولوية للدفع من حيث طبيعة المفسدة و المنفعة لا يقتضى الحكم عند اختلاف الخصوصيات و المقادير فمن الجائز ان يكون مصلحة الواجب أهم بكثير من مفسدة الحرام فيغلب عليها و ان لم تقتضه نفس طبيعة المفسدة كالصلاة و الغصب كما أورده المصنف.

لكن الواجب حيث كان عبادة ربما أوجبت أهميته غلبة جانب الحرمة في غير صورة الانحصار.

و اعلم ان كون أصل الملاكات الشرعية على حذو الملاكات العرفية لا طريق إلى إثباته لو لم يثبت عدمه و لذلك كان الإضراب عن هذا البحث أولى من التعرض به كما ان فيما أورده المصنف (رحمه الله) عليها موارد للخدشة لكن لا جدوى في الإطناب فيها بعد عدم استقامة أصل المبحث و اللّه الهادي.

دلالة النهي على الفساد

قوله (ره) مع إنكار الملازمة إلخ:

(3) فلا يكفى الاستدلال «ح» بالحرمة لعدم الملازمة بينهما بالفرض‏

146

فلا يبقى الا الاستدلال بلفظ النهي فلا بد من كون بحث هذا القائل لفظيا و هكذا سائر الأقوال لضرورة توحيد موضوع البحث ليرد النفي و الإثبات على محل واحد و لا ينافى ذلك الاستدلال في قسم العبادات بالملازمة العقلية لا مكان تنزيل البحث إلى اللفظ بجعل ذلك مدلولا التزاميا بأخذ الفساد لازما بالمعنى الأعم.

قوله (ره) و المراد بالعبادة هاهنا:

(1) أصل العبادة مأخوذة عند العقلاء من العبودية و اعتبارها من فروع اعتبار الملك للإنسان ثم وسع في معناها و انقسمت إلى اقسامها و انشعبت إلى شعبها حتى شملت غير الإنسان من سائر الموجودات تارة قال تعالى و ان من في السماوات و الأرض إلّا أتى الرحمن عبدا (الآية) و حتى شملت غير المملوك من سائر المؤتمرين بالأمر و المطيعين للقول قال تعالى أ لم أعهد إليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان (الآية).

و مجمل القول فيه ان اعتبار الملك و هو اعتبار معنى اللام و بعبارة أخرى نسبة قيام شي‏ء بشي‏ء بحيث لا يستقل المملوك أصلا دون المالك إذا قام بين الإنسان و غيره سواء كان قيامه بين افعال الإنسان و غيره كالمؤتمر بالنسبة إلى الأمر و المطيع بالنسبة إلى المطاع المفترض الطاعة أو كان قيامه بين نفس الإنسان فيما يرتبط بغيره و غيره كالإنسان مثلا بالنسبة إلى اللّه سبحانه و تعالى و بالجملة كيف ما كان يوجب عدم استقلال المملوك و العبد من حيث انه مملوك لسيده و مالكه بحكم‏

147

العقل و إظهار هذا المعنى بفعل ما يدل عليه هو العبادة و لا ريب في حسنه بنفسه عند العقل بمعنى موافقته لما يقتضيه النظام المخصوص فالعبادة نصب العبد نفسه في مقام العبودية بفعل يدل على ما للعبد من شئون الاحتياج و عدم الاستقلال فيدل على ما للمولى من وصف يقابل ذلك كالسجود يدل على ذلة العبد فيدل على عزة المولى و الركوع يدل على حقارة العبد و دناءته فيدل على عظمة المولى و علوه و الخضوع يدل على تأثر العبد فيدل على تأثير المولى.

فقد بان ان العبادة بنفسها فعل اعتباري قصدي من حيث انها هي و اما الفعل الجوارحي فهو بما هو لا يكون عبادة ذاتية غير مختلفة الحسن ضرورة ان الأفعال كيف ما كانت فهي تختلف بالوجوه و الاعتبارات نعم يمكن ان يكون بعض الأفعال أوسع اعتبارا و ألزمها من بعض كالسجود بالنسبة إلى الصيام نظير الاختلاف فيما بين المعاملات.

و من هنا يظهر ان المراد بالذاتية في المتن حيث قسم العبادة إلى الذاتيّة و غير الذاتيّة غير العبادة الذاتيّة بالمعنى الّذي قدمناه و انما يراد به كون الفعل لو خلى و طبعه لو لا المانع حسنا مقربا إلى المولى نظير الذاتي في باب البرهان على ما فسرناه سابقا و اما العبادة الذاتيّة بالمعنى الّذي قدمناه و هو نفس إقامة الذات مقام العبودية فمما لا يقبل الحرمة و المبغوضية البتة و هو ظاهر.

148

قوله (ره) و الخشوع له إلخ:

(1) حيث كان الخشوع فعلا قلبيا و هو نحو تأثر من القلب بمشاهدة عزة المولى و عظمته فهو عبادة ذاتية بالمعنى الّذي قدمناه و لا يتعلق به نهى و مبغوضية البتة فليس في عداد ما عده من العبادات.

قوله (ره) بل فيهما بمعنى واحد و هو التمامية إلخ:

(2) قد عرفت البحث فيه في الكلام على الصحيح و الأعم و ان الصحة وصف عارض للكل بعد تمامية اجزائه و هو الوحدة الحاصلة له التي تترتب عليه الآثار بها و الفساد خلافه.

قوله (ره) اعتباريان ينتزعان:

(3) حيث ان المأمور به و ان كان امرا مجعولا إلّا انه إذا فرض متحققا كانت مطابقة المأمور به له نسبة تكوينية غير قابلة التغيير فتسميتهما اعتباريين لكونهما غير داخلين تحت المقولات لا بمعنى الجعل العقلائي و أنت بعد التذكر لما قدمناه مرارا ان النسبة تابعة في سنخ وجودها لسنخ وجود طرفيها تعرف ان وقوع المطابقة بين المأتي به و المأمور به الّذي هو اعتباري مجعول بما انه طرف للأمر يوجب كونها اعتبارية مجعولة فالصحة التي بمعنى المطابقة اعتبارية مجعولة.

قوله (ره) حيث لا يكاد يعقل ثبوت الإعادة:

(4) فعدم قابليته للرفع كاشف عن عدم قابليته للوضع فهو غير مجعول فليس من الأحكام الوضعيّة و ليس من النسب التكوينية الثابتة في الخارج‏

149

نظير نسبة المطابقة بين طبيعة المأمور به و فردها فهو من المستقلات العقلية نظير استحقاق الثواب مثلا ان استقل العقل به كاستحقاق العقاب على المخالفة و فيه ان الضرورية لا تنافي الجعل و الاعتبار لا مكان كون الاعتبار اعتبارا واجبا كما سيجي‏ء نظير ذلك في حجية القطع.

كيف ما كان فقد تلخص من كلامه ان مطلق الأوصاف المتحققة في الأفعال في الشريعة على أربعة أقسام.

أحدها الاعتباريات المنتزعة كالصحة و الفساد بمعنى مطابقة الأمر و عدمها.

و ثانيها المستقلات العقلية مثل الصحة بمعنى سقوط الإعادة بالنسبة إلى الأمر الواقعي.

و ثالثها الأحكام الوضعيّة و هي الصفات التي تقبل الوضع و الرفع و هي موضوعة للشارع اما جعلا أو إمضاء و تترتب عليها الأحكام التكليفية.

و رابعها الأحكام التكليفية و هي الأحكام الخمسة: الوجوب و الاستحباب و الإباحة و الكراهة و الحرمة و هي مجعولة للشارع كالوضعيات.

فهذه أربعة أقسام أو لها انتزاعية تكوينية و ثانيها واقعية عقلية و ثالثها و رابعها مجعولة شرعية.

و الحق ان هذه الأوصاف جميعا اعتبارية مجعولة و ذلك لما مر مرارا

150

ان النسبة سنخ وجودها سنخ وجود طرفيها فاعتبارية أحد الأطراف توجب اعتبارية النسبة و إلا لقام وجود رابط خارجي بأمر غير موجود في الخارج حقيقة و هو محال فأحكام الموضوعات مجعولة اما تكليفية أو وضعية

قوله (ره) نعم الصحة و الفساد إلخ:

(1) الكلام فيه نظير الكلام السابق في الصحة بمعنى مطابقة الأمر.

قوله بلحاظ ان جزء العبادة عبادة:

(2) نوقش فيه بان جزء العبادة من حيث انه جزء لا ينطبق عليه حد العبادة الّذي ذكره بأحد شقيه بل البطلان طار من جهة ان تعلق النهي يوجب مبغوضيته و المركب المشتمل على جزء مبغوض لا يكون محبوبا فلا يكون عبادة و الحق ان الجزء في ضمن الكل موجود بوجود مندك غير مستقل فوجوده كحكمه تابع لوجود الكل و جزئه.

قوله لاستحالة كون القراءة إلخ:

(3) هذا انما يوجب عدم محكومية أحد المتلازمين بحكم ينافى حكم المتلازم الآخر لا اتحادهما في الحكم كما قيل و قد صرح به هو في مطاوي كلامه.

قوله (ره) إذا كان عن المسبب أو التسبب إلخ:

(4) هذا لو تم فانما يتم لو كانت نسبة المعاملات إلى آثارها نسبة الأسباب إلى المسببات و اما لو كانت نسبة الاتحاد كاللفظ الموضوع بالنسبة إلى معناه فانه وجود اعتباري له فالنهي عن أحدهما عين النهي عن الآخر و الحق ان مسألة التوليد في باب السببية مما لا أصل له إذ التوليد

151

على ما ذكروه انما يتحقق فيما لا يتحقق للمسبب وجود انضمامي مستقل بل منتزع موجود بوجود شي‏ء آخر يكون هو المعلول المسبب و هذا المعنى لو تحقق في الحقائق كان نسبة الجعل إليه بالعرض لا بالذات و كان من الخارج المحمول و اما في الاعتباريات فإذ قد عرفت ان الاعتبار إعطاء حد الشي‏ء لشي‏ء آخر لأثر مترتب عليه فهو متحد الوجود مع امر حقيقي قام به لا مسببا منفصل الوجود عنه فالأثر الواصل إلى ما يسمى مولدا عنه هو بعينه و أصل إلى ما يسمى مسببا توليديا فالعقد مثلا وجود اعتباري للأثر المترتب عليه أعني الانتقال الملكي مثلا في عقد البيع و علقة الزوجية في عقد النكاح و الطهارة في الوضوء و غيره و لا يلزم من ذلك انعدام الاعتبار المعاملي بانعدام اللفظ عن الخارج لضرورة بطلان أحد المتحدين ببطلان الآخر فان ذلك من خصائص الحقائق و اما الاعتباريات فالامر فيها يدور مدار الأثر المطلوب حدوثا و بقاء و سعة و ضيقا كما عرفت سابقا و الزائد على هذا المقدار محل آخر.

بحث المفاهيم‏

قوله (ره) و ان كان بصفات المدلول أشبه إلخ:

(1) الظاهر ان المراد بكون المفهوم من صفات الدلالة أو المدلول كونه قائما بدلالة اللفظ أو بالمعنى المدلول عليه باللفظ و على هذا فالمتعين ان يكون من صفات المدلول إذ قد عرفت فيما علقناه على أوائل الكتاب ان الدلالة هي حيثية اتحاد بين شيئين بحيث يكون أحدهما هو الآخر

152

لنسبة قائمة بهما فيستتبع العلم بأحدهما العلم بالآخر لمكان الاتحاد بينهما و قد عرفت ان ذلك للدلالة أولا و بالذات و للمدلول ثانيا و بالعرض و ينتج ذلك ان دلالة اللفظ هي كونه وجودا للمعنى اعتبارا على حد اتحاد الوجود مع الماهية و لازم ذلك عدم جواز اتحاد لفظ مع معنيين كما مر في بحث عدم جواز استعمال لفظ في أكثر من معنى واحد و لا يتفاوت الحال في كون المعنيين عرضيين أو طوليين كما يشبه بذلك امر المفهوم مع المنطوق فتوصيف اللفظ بالدلالة على المفهوم توصيف بالعرض من باب الوصف بحال المتعلق.

و على هذا فمعنى كون اللفظ مثلا دالا بالوضع على المفهوم كونه موضوعا لخصوصية معنى تستلزم الدلالة عليه لا وضعه للمنطوق و المفهوم معا على ان الموضوع قد يختلف في المفهوم و المنطوق كما في مفهوم الموافقة و لا معنى لوضع اللفظ لما ليس بموضوع بإزائه و هو ظاهر.

قوله (رحمه الله) نحو ترتب المعلول على علة المنحصرة إلخ:

(1) لا يخفى ان الشرط كما يصح ان يوضع فيه العلة المنحصرة و يعلق عليه معلول اللازم لوجوده كذلك يصح ان يعكس فيوضع المعلول في الشرط و العلة المنحصرة في الجزاء فمرادهم من علية شي‏ء لآخر أن لا يصح وجود الآخر الا معه سواء كان بحسب الاصطلاح العقلي علة أو معلولا و المراد من معلولية شي‏ء لآخر ان لا يصح وجوده الا مع ذلك الآخر و إليه يرجع معنى ما عبروا به عن ذلك كالتعليق و التقييد.

153

قوله (رحمه الله) بل على مجرد الثبوت إلخ:

(1) في العبارة قصور و المعنى هكذا بل هي دالة على مجرد الثبوت عند الثبوت مع المنع عن دلالتها على الترتب أو على نحو الترتب على العلة أو العلة المنحصرة.

قوله (رحمه الله) فان له منع دلالتها على اللزوم إلخ:

(2) ظاهره ارتقاء أقسام التعليق بين شيئين إلى خمسة أقسام.

أحدها مجرد الثبوت عند الثبوت و لو اتفاقا.

الثاني مجرد اللزوم بينهما.

الثالث الترتب المطلق.

الرابع الترتب نحو ترتب المعلول على علته.

الخامس الترتب نحو الترتب على العلة المنحصرة و حينئذ فالفرق بين الثاني و الثالث غير ظاهر و لو مثلنا لمطلق الترتب بترتب المشروط على شرطه أو الشي‏ء على عدم مانعة من حيث ترتبه عليه من غير اقتضاء وجود الشرط لوجود المشروط و لزوم بينهما من جانب الشرط و ان كان ذلك ثابتا من جانب المشروط للتوقف و حينئذ فمعنى مجرد اللزوم بينهما لو كان عدم الانفكاك بينهما من غير توقف من أحد الجانبين بعينه لخرجت القضية بذلك عن معنى الاشتراط و التعليق و لو كان عدم الانفكاك مع توقف ما لم يكن فرق بين الثاني و الثالث.

فان قلت: اللزوم بين معلولي علة ثالثة من القسم الثاني دون‏

154

الثالث و الرابع قطعا.

قلت نعم هو كذلك لبا غير ان لازم التعليق في القضية اعتبار توقف ما بينهما و المدار هو الاعتبار الكلامي و إلّا كان ترتب مطلق العلة أو العلة المنحصرة على معلولها أيضا قسما على حدة فالأولى جعل الأقسام أربعة بإسقاط القسم الثاني.

قوله لانسباق اللزوم منها قطعا إلخ:

(1) و دعوى انا نستعمل الشرطية في مورد الثبوت عند الثبوت و لو اتفاقا من غير عناية كما نستعملها في مورد الترتب و اللزوم من غير عناية خلاف الإنصاف نعم بعض ما يعد من أدوات الشرط مثل إذا و لو غير موضوعة للترتب اللزومي بل مجرد وجود الجزاء على تقدير الشرط و لو اتفاقا كما يعطيه الإمعان في موارد استعمالاتهما.

قوله (ره) مضافا إلى منع كون اللزوم:

(2) يمكن ان يدعى ان اختلاف العلة المنحصرة مع العلة الغير المنحصرة في ان الأولى علة على كل حال بخلاف الثانية فانها انما تكون علة إذا لم تكن مسبوقة بعلة أخرى و إلّا فليست بعلة و إذا لم تكن معه علة و إلّا فهي بعض العلة يمكن ان يعد عند العقلاء اختلافا بالشدة و الضعف فافهم.

قوله (ره) قلت أو لا هذا إلخ:

(3) كلا الجوابين مقلوبان عليه قده اما الجواب بكون الترتب‏