خزائن الأحكام‏ - ج2

- آغا بن عابد الدربندي المزيد...
408 /
101

قبال كل من المانعين فى الآيات مما لا ينكر و سيجي‏ء ما يتعلق بهذه الآيات من الكلام المشبع هذا و اما الاستدلال بقوله تعالى‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* و بقوله تعالى‏ وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ‏ به علم كالاستدلال بلزوم التحكم لو لا العقل حجّة بتقريب ان مدركات العقل و احكامه بالوجوب و الحرمة و ترتب الثواب و العقاب بحكمه بالملازمة اذا لم تكن حجة و كان الحجة ما وصل من الشارع من القطع بقضية ترتب الثواب و العقاب المسبّبين من امر الشارع و نهيه فنقول ان حجية هذا القطع اما للقطع الشرعى او العقلى فالبناء على الاول يفضى الى الدور او التسلسل و البناء على الثانى يفضى الى تحقق التحكم اذ حكم العقل بحجية ما وصل من الشرع لقطعه بلزوم دفع الضّرر المقطوع به فاتباع ذلك فى الشرعيات دون العقليات تحكم محض فمما لا يصح الاستدلال به الا فى قبال من اذعن بالملازمة و انكر الحجّية كالسّيد صدر الدين و كذا فى قبال المفصّل ان كان منشأ تفصيله لا لانتفاء القطع فيما لا يدرى حجيته بل لاجل شي‏ء آخر ثم الاستدلال بان الامر بالقبيح قبيح عند العقل كالنهى عن الحسن فيمتنع صدوره عنه تعالى لعلمه و حكمته و تعاليه عن شوب الحاجة و النقصان انما يصحّ فى قبال غير صدر الدّين و قد يستدل بانّه اذا لم يكن العقل حجة فاما ان لا يكون الشرع ايضا حجّة او لا فالاول لازمه نفى التكليف من راسه و الثانى ان ثبت حجّية بالعقل يلزم خلاف الفرض و ان ثبت بالشرع فيفضى الى الدور او التسلسل و قد يستدل ايضا بانه لو لا حجة لما وجب الاقدام الى معرفة الاحكام و اذا ما وجب هذا لما وجب تحصيله فيفضى الى لغويّة المزال الكتب و ارسال الرّسل و كون ذلك عبثا هذا و قد مر الى امثال تلك الحجج الاشارة فى تضاعيف المباحث ثم انّ هذه انما يصحّ الاستدلال بها فى قبال من لم يفصّل بين الاصول و الفروع ثم ان حجج منكرى الحجّية كثيرة فأقواها امور الاول قوله تعالى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فدل على نفى التعذيب قبل البعثة فلا وجوب و لا حرمة بدونها لان نفى اللازم يدل على نفى الملزوم هذا و يمكن ان يرد بوجوه الاول ان نفى الفعليّة لا يلازم نفى الاستحقاق و بدون نفيه لا يتم المط و الثانى ان الرسول كناية عن الحجّة و الثالث ان المراد منه اعم من الرسول الظاهرى و الفرق بينه و بين الثانى يظهر بادنى تامّل و الرابع ان المراد منه العقل فيكون المعنى نفى التعذيب قبل بلوغه الى حد كماله كما فى المكلفين و الخامس ان التّعذيب المنفى هو الدنيوى لا الاخروى و السياق قرينة على ذلك السّادس ان الآية يقيد بما لا يستقل فيه العقل السابع ان الآية لا تنصرف الى ما يستقل به العقل و الشواهد على ذلك فى العرف كثيرة و الثامن انها تعارض منطوق ليهلك من هلك عن بينة و نحو ذلك تعارض العامين من وجه و الترجيح مع هذه الآية و نحوه من وجوه و التاسع انها تعارض الآيات الكثيرة الحاكمة باللّعنة على الظالمين و الكاذبين و التقريب واضح فترجّح هذه الآيات عليها و العاشر ان الاستدلال بها موقوف على افادة حذف المتعلق العموم و هو اول الكلام و الحادي عشر انّ المستفاد منها انما يتمشى فى الالزاميّات و المدعى اعم و الثانى عشران الاستدلال بها على عدم حجية العقل يستلزم الاستدلال على عدم حجّيتها و بعبارة اخرى لو تمّ دلالته على عدم حجّية العقل لزم منه عدم حجية نفسها و التقريب يظهر مما مر و الثالث عشر ان مفادها نفى التعذيب قيل البعثة فلا تضر القائلين بحجّية العقل فى امثال هذه الايام و الرابع عشران الآية من الظواهر و فى حجيتها الف كلام و الخامس عشر انها لا تقاوم لمعارضة القواطع من العقليات المتقدّمة و السّادس عشر انه لا اقل بعد ملاحظة جملة مما اشير اليه مع ملاحظة ما اخذ فى تقريب الاستدلال من حصول الاجمال و معه يسقط الاستدلال السّابع عشران الاستدلال ان تمّ لزم ان لا يعذّب عبدة الاوثان اذا ماتوا قبل البعث و الظاهر ان المستدلين من المنكرين مط لا يقولون بذلك الثامن عشر هب ان العفو لا يمتنع ان يجرى بالنسبة الى الكفار ايضا لكن يبقى سؤال ان العفو انما يحسن لداع و لا داعى مع الكفر هذا و لا يخفى عليك ان هذه الوجوه ليست مما ترد على سبيل التوارد بل ان طائفة منها لا ترد و لا تصير ردّا على الاستدلال‏

الا بعد الاغضاء و الاغماض عن طائفة اخرى و هذا ظاهر لمن تامل و مع ذلك فان بعضا منها يتداخل فى غيره الا ان يتكلف هذا و اعترض على الاول بوجوه الاول ان مرجع ما ذكر الى انه يجوز ان يستحق المكلف العقاب و لكن لا يعاقبه اللّه الا بعد بيان الرسول ايضا ليتعاضد العقل و النقل لطفا منه تعالى و هذا كما ترى لا يدفع الضّيم لان الواجب شرعا ما يجوز المكلّف العقاب على تركه فلا يتصور وجوب شرعىّ مثلا عند الجزم بسبب اخبار اللّه تعالى بعدم العقاب بل لا يكون ح الا الوجوب العقلى و فيه انّ هذا يرجع الى النزاع اللفظى و المناقشة فى الاصطلاح فلا فائدة فى اطالة الكلام نقضا و ابراما على انه قد ثبت باعتراف منا و من الخصم فى قبال الاشاعرة غير ما ذكر و ان ما ذكر ليس من الواجب و لا من لوازمه القريبة من شي‏ء اذ الواجب الشرعى ما تعلق به طلب الشارع بحيث يمنع من النقيض و من لوازمه استحقاق فاعله للمدح و تاركه للذّم و قس عليه الحرام الشرعى و انه منقوض بالصّغار التى ورد الاخبار فى العفو عنها و ثبوت الشّفاعة فى بعض المعاصى و الحاصل انّ حاصل رد الرد ان رجع الى ان وقوع العذاب و ان لم يكن من لوازم تحقق الوجوب لكن عدم الامن من وقوعه لازم له ضرورة جواز العقاب لكن عدم الامن منتف لورود الآية بعدم وقوعه فكذا ملزومه فيتم الدليل و التقريب على تقدير جواز العفو ايضا او رجع الى ان لازم الوجوب جواز العقاب و مع الاخبار ينتفى فينتفى الوجوب الشرعى فنقول ان عدم الامن من وقوع العذاب ليس من لوازم الوجوب مط بل بضميمة عدم اليقين بعدم وقوعه بدليل آخر و بعبارة اخرى ان عدم الامن ليس منتفيا قبل ورود الآية بل جواز العقاب كان متحققا و بعده كان انتفائه بها انتفاء بالعفو اذ الآية تدل على عدم العقاب و هو معنى العفو او نقول ان الملازمة و ان كانت‏

102

و ان كانت مسلّمة لكن نفى التالى مم اذ الآية تدلّ على نفى وقوع العذاب لا على نفى جوازه على انّ تجويز العقاب ليس من لوازم الوجوب كما عرفت فت و الثانى انّ الواجب الشّرعى مثلا هو ما يوجب فعله الثواب من حيث هو اطاعة و تركه العقاب من حيث هو مخالفة و اخبار اللّه تعالى بنفى التعذيب اباحة للفعل فلا اطاعة و لا مخالفة و لا وجوب و لا حرمة و فيه ان هذا اول الكلام و ما فيه مصادرة جدّا كما تعرف الكلام المشبع فى ذلك و الثالث ان معنى الآية انه ليس من شاننا و لا يجوز منا التعذيب قبل البعثة اذ مثل هذا التركيب من مظان الاستعمال فى مثل هذا المعنى كما فى قوله تعالى‏ وَ ما كُنَّا ظالِمِينَ‏ و (ما كنا لاعبين) فيتم المط و ان قطع النظر عما تقدم فلو اريد الوقوع لقيل و ما نعذب و من ثمّ حقق مصطبغ اليدين بالفصاحة علامة زمخشر ان معناه أصحّ منّا صحّة يدعوا اليها الحكمة ان نعذب الا بعد ان نبعث اليهم رسولا و فيه ان عدم جواز التعذيب نظرا الى الحكمة و وفور الكرم و الرّحمة لا ينافى جوازه بالنسبة الى فعل المكلف من حيث هو و الا لخرجت الواجبات المعفوّ عن تركها عن الوجوب فلا غائلة فى المط نعم يلزم الزمخشرى بناء على ما عليه من اصول المعتزلة و بالجملة فلو سلّمنا ظهور ما حقّقه الزمخشرى من الآية و اول المرام الى ان معنى جواز العقاب على القبيح هو انه لو عذب على ذلك لم يتوجّه الذم من العقل على هذا التعذيب لكن نقول ان عدم الذم من العقل على التعذيب لا يدل على انه صحيح صحّة تدعوا اليها الحكمة اذ ربما كانت الحكمة تدعوا الى العفو و اسقاط الحق تفضلا و ان كان العمل بالاخذ مقتضيا للعدل فالعدل و المكافاة سواء بسواء جائز و ان اقتضى الحكمة فى بعض المواضع العدول الى التفضل و العفو عن الحق الذى له تعالى على عبده فلا منافاة بين جوازه بمعنى عدم الذم عليه و دعاء الحكمة الى خلافه بمعنى استحقاق المدح على العدول عن العدل الجائز على ان يكون ما صار اليه الزمخشرى ظاهرا من الآية اول الكلام بل ظهور كلامه فى مرجوحيّة خلاف هذا المعنى اول الكلام فت و اما الاعتراض على الثانى فهو ان هذا و ان كان من قبيل اطلاق الجزئى على الكلى و الخاصّ على العام و انه من المجازات السّائغة الذائعة فيكون المعنى و ما كنا معذّبين حتى نعذبهم بعض البينة إلّا انه لا يصار اليه الا مع القرينة و هى مفقودة بل القرينة على ارادة الحقيقة متحققة و هى لفظة البعث و الحاصل ان هذا مما لا يصار اليه مع فقد القرينة المعينة او المفهمة للحقيقة فكيف مع تحققها و من هنا انقدح ورود الاعتراض على الثالث و الرابع ايضا مع ان غرابة ارادة الرابع مما يدلّ عليه لفظ البعث جدّ او فيه ان القواطع السّابقة هى القرينة فت و اما الاعتراض على الخامس فهو ان نفى التعذيب الدنيوى مما يتم به المط ايضا لان القائل بحجّية العقل و كون احكامه من الاحكام الشرعيّة يقول ان ما حكم عليه العقل بالوجوب يجب شرعا على المكلف ان يفعله و لو لم يفعله لعوقب بما يقتضيه الشرع فى الدنيا كالقتل فى ترك بعض الواجبات فى المرة الثالثة و بما يقتضيه عدالة اللّه تعالى فى الآخرة فاذا انتفى التعذيب الدنيوى ثبت مطلب منكر حجية العقل اذ لا قائل بالفرق و فيه ان مقصود القائل ان التعذيب المنفى هو الدّنيوى ليس ما ذكر حتى يتمّ مطلب المنكر بما ذكر بل مقصوده من العذاب المنفى هو مثل الصّيحة و الخسف و المنح و الرّجفة و نحو ذلك لا يقال ان هذا يتم ايضا به مطلب المنكر لان الآية لمّا دلت على انه لا يليق بحكمته و رحمته ايصال العذاب الادنى على ترك الايمان و الشكر و ساير القبائح العقلية قبل تنبيههم بارسال الرّسول فدلالتها على ان لا يوصل اليهم العذاب الاكبر على تركهما قبل ذلك اولى لانا نقول ان ما ذكر مصادرة اذ الاولويّة ممنوعة لان المعاجلة بالتعذيب الدنيوى انما يكون باشد الذّنوب و اقطعه على ما علم من عادة اللّه تعالى و هو اللائق بالحكمة فى معاملة من هو فى دار التكليف و الابتلاء لانهما يقتضيان الامهال و التأجيل فت و اما الاعتراض على السّادس و بان التقييد على خلاف الاصل فلا يصادر اليه و فيه انه يصار اليه مع الدليل و هو موجود كما عرفت هذا لكن كون ما نحن فيه من قبيل‏

التقييد محل نظر فت و اما الاعتراض على السّابع فبان انصراف المطلقات الى الافراد الشائعة اول الكلام و منازعة المرتضى فيه مشهورة و فيه ان كلام المرتضى فى هذا الباب مزيّف و انصراف المطلقات المشككة بالتشكيك الاستمرارى الى الافراد الشائعة مما لا شك فيه و لكن كون ما فى الآية من قبيل المطلقات لا يخلو عن نظر فافهم و اما الاعتراض على الثامن فبان كون المراد من البيّنة اعمّ اول الكلام فالمراد اخصّ و فيه ما لا يخفى و اما الاعتراض على التاسع فيظهر وجهه مما تقدم على ان اللعنة لا تلازم الحرمة الملازمة لاستحقاق العقاب بل البعد و ترتب البعد و القرب على الاحكام العقلية قبل ورود الشرع مما لا ينكره جمع من محققى منكرى حجية العقل و منهم السّيد الاجل السّيد صدر الدّين فخذ بمجامع الكلام حتى تطلع على حقيقة الامر و اما الاعتراض على العاشر فظ لان عدم القول بعدم افادة حذف المتعلق مستلزم الاجمال فى كلام و هو على خلاف الاصل و ان كان قد يقتضيه الحكمة فى بعض الاحيان فت و اما الاعتراض على الحادي عشر ففى غاية الظهور اذ المط يتم بعدم القائل بالفرق و ان قطع النظر عن الاولوية و ارجاع غير الالزاميّات اليها و لو بنوع من التكلف فت و اما الاعتراض على الثانى عشر فبان ما ذكر انما يلزم لو لم يفصّل بين الاصول و الفروع و بالجملة فهو ليس يرد على جميع المذاهب فى المسألة بل على بعضها فت و اما الاعتراض على الثالث عشر فبان ملاك الامر على البعث التفصيلى نفيا و اثباتا اى التبليغ اذ المسألة فرضت فى الصورة التى حكم العقل بحكم و لم يصل الينا من الشارع حكم فت و اما الاعتراض على الرابع عشر فظ لان التشكيك فى حجّية ظواهر الكتاب كالتشكيك فى قبال البديهيات و اما الاعتراض على الخامس عشر فبان بعض مقدّمات ما ذكر غير مسلّم عند الخصم فلا تفيد القطع و فيه ما فيه فت و اما الاعتراض على السّادس عشر فبان تطرّق‏

103

الاحتمال لا يوجب الاجمال على الاطلاق و لا يسقط معه الاستدلال نعم هذا اذا تساوت الاحتمالات المتطرقة و ما نحن فيه ليس كذلك فت و اما الاعتراض على السّابع عشر فقد ظهر مما سبق فلا تغفل و اما الاعتراض على الثامن عشر فبان عدم ظهور الداعى لا يستلزم نفيه بعد القطع بالحكم بالاستحقاق على ان الاستكانة و شدة التضرّع و الاستسلام هو الرّجوع اليه تعالى عند مشاهدة العذاب يوم القيمة مما يصحّ ان يكون داعيا للعفو فت و منها انه قد ثبت عندنا معاشر الامامية و المعتزلة ان التكليف فيما يستقل به العقل لطف و العقاب بدون اللطف قبيح فلا يجوز العقاب على ما لم يرد فيه من الشرع نصّ لعدم اللطف فيه ح اقول الجواب عن هذا الاستدلال موقوف على بيان امور فاعلم ان التكليف الشرعى السّمعى عبارة عن بعث من يجب طاعته ابتداء فيما فيه مشقة اى بعث واجب الطاعة ابتداء على ان شانه المشقة جنسا من حيث هو مشقة كذلك و هذا اصوب مما قيل من انه ارادة من تجب طاعته ما فيه مشقة ابتداء بشرط الاعلام فت و اللطف عبارة عما يقرب العبد الى الطاعة و يبعده عن المعصية بحيث لا يبلغ الى حد الالجاء و الاضطرار و لا يخرج به العبد عن القدرة و الاختيار و لا ينافى ذلك تشريع الحدود و التعزيرات و سياسات الشرعيّة لان تجويز المكلف عدم ترتبها عليه فى فعله القبائح بعدم اطلاع احد عليه او بسبب آخر كاف فى رفع الالجاء و الاضطرار فلا إلجاء و لا اضطرار و من هنا يعلم الجواب عن ايراد سؤال المجاهدة و المقاتلة مع الكفار و نهب اموالهم و سبى نسائهم و اطفالهم و كيف كان فالظ ان هذا الذى اعتبر اخذه فى اللطف و منه يسرى الى التكليف انما هو على سبيل الغالب لا الكلية اذ كان من سيرة النبىّ (ص) انه يخبر الاعرابى بين الاسلام و القتل و ليس هذا الا محض الالجاء و مثل هذا يحسن لكن لا مط بل فى ابتداء التكليف لاشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه و هو وقوف المكلّف على ادلة الحق و محاسن الاسلام فيكون ذلك داعيا الى دخوله فى الايمان مختارا اذ لو لم يدخل فى الاسلام و لم يعاشر المسلمين لامكن ان لا يسمع ادلة الحق فيبقى على كفره تحسن الالحاح لاشتماله على هذه المصلحة لا مط فبهذا التقرير الذى قررناه يمكن ان يكون ما اخذ فى الحدّ على سبيل الكلية فلا تنقض بما ذكر فان هذا الطف من الشارع فى حقّ الكافر فلم يفض فيما يترتب عليه الثواب او العقاب الى الالجاء و ان كان قد تحقق فى اول الامر فليس الذى معه الالجاء مما يستحق به المكلف الثواب فهو مشروط بالايمان المستند الى اليقين و العرفان و اليه يشير قوله تعالى قالت الاعراب آمنّا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا اسلمنا و كيف كان فوجوب اللطف على اللّه انما هو لتحصيل غرض المكلف من التكليف و هو التعريض للثواب فهو على ثلاثة اقسام لانه اما من فعل اللّه تعالى او من فعل الغير و الثانى اما لطف لفعل نفسه لفعل غيره فالاول مثل ارسال الرّسل و انزال الكتب و نصب الادلة و خلق المعجزات و الثانى كالنظر الى الادلة و المعجزات و متابعة الحجج عليهم السّلم و الثالث كتبليغ الرسالة و اداء الشّريعة و الواجب على اللّه تعالى فعله فى الاول و فى الثانى تعريفه و بيانه ذلك للفاعل و ايجابه اياه عليه و فى الثالث ايجابه على هذا الغير و اعطائه اياه الجزاء و الثواب فى ازاء هذا الفعل كما يجب فى الثانى نفس الفعل على المكلف و فى الثالث على هذا الغير ثم اعلم ان ما ذكر من حصر اللطف فى الافعال الثلاثة لا ينافى ما اشتهر من ان وجود الامام لطف و تصرّفه لطف آخر لان اطلاق اللطف على الاول من قبيل التسامح بناء على ان الثانى لا يتم إلّا به فانما اوجبنا الاول لاجل ذلك فجرى مجرى الثانى فى تمام حصول شرائط التكليف على انه يمكن ارجاع وجوده الى فعل اللّه تعالى و يحتمل ان يكون ما ذكر من قبيل الاغلب و لا يكون المراد منه الحصر

فى بيان اقسام اللطف و احكامه‏

و كيف كان فهنا امور أخر لا بد من الاشارة اليها لتوقف اتضاح الحال و كشف المقال على بيانها الاول انه من الالطاف ما يتعلق بافعال الجوارح و منها ما يتعلق بافعال القلوب و قد قيل ان الامامة من قبيل الاول فانها لطف بالنسبة الى افعال الجوارح فانّ بالامام يقل الظلم و الغشم و التغلب و نحو ذلك و بعدمه يكثر ما ذكر و امثاله و الحقّ انها لطف فى كلا القسمين نعم هذا التقسيم مما لا غائلة فيه الثانى انه ينقسم بملاحظة الملطوف له الى ما يعمّ و يشمل جميع المكلفين و الى ما لا يكون كل و الاول مثل نصب الادلة و الشواهد على المعارف و الثانى كالرسالة و التبليغ و الامامة فان ذلك لطف لغير النبى (ص) و الامام فافهم و لا تغفل الثالث انه ينقسم باعتبار ملاحظة الاحوال و الازمنة الى ما هو عام و غير مختصّ بحال دون حال و زمان دون زمان و الى ما ليس كل و الاول كالمعارف مع بقاء التكليف و الثانى كالشرعيات من الصّلاة و الزكاة و الخمس و الصوم و الجهاد و غير ذلك و مثل الامراض و سلب الاموال و نحو ذلك و الرابع ان بعض ما يجب على المكلفين لاجل انه لطف يجب على بعض منهم لا لاجل ذلك بل من وجه آخر و ذلك كالمعرفة فان وجوبها على غير المعصومين (ع) لاجل انها لطف فى الطاعات و وجوبها عليهم لاجل وجوب شكر المنعم و قد يصحّ ان يقال ان وجوبها عليهم (ع) ايضا يصح ان يكون لاجل اللطف و من قبيله و مع هذا فهذا التقسيم مما لا غائلة و لا ضير فيه فت و الخامس انه قد يقوم شي‏ء فى باب اللطف مقام شي‏ء آخر و قد لا يكون كل و الاول مثل قيام العصمة مقام الامام للامام فان امامة الامام (ع) و رئاسته لطف لمن لا يؤمن منه وقوع الخطاء و الظلم و نحو ذلك و ليس ذلك لطفا لمن لا يجوز ذلك عليه كالمعصوم (ع) اذ من المح ان يكون الشي‏ء لطفا فى الامر الحاصل و انما يكون لطفا فيما يقع فى الاستقبال ثم ان عدم كون الامام لطفا للمعصومين (ع) من رعية من هذه الجهة لا ينافى كونه لطفا لهم من وجه آخر و هذا ظاهر لا سترة فيه لا يقال ان الامام (ع) ايضا يحتاج الى لطف الامامة فيحتاج الى امام آخر و هكذا لان يدفع عنه ظلم الظالم اذ الامام لطف للمظلوم لانا نقول ان الامام يرجع لطفه‏

104

لطفه فى مثل هذا الباب الى الظالم فهو لطف للظالم فالحاجة هناك فى الحقيقة راجعة اليه لا الى المظلوم فما يقال انه لطف للمظلوم فانما هو من قبيل المسامحات و هذا الذى قررنا انما هو بملاحظة الجهة المذكورة و الا فانه لطف لجميع المكلفين فافهم و لا تغفل و السادس كما انه بيّن فى محلّه دخول التخيير فى اللطف كما فى الواجبات التخييرية و اشترط فى ذلك حسن البدلين كذا بيّن و قرر فيه من مراعات تحقق المناسبة بين اللطف و الملطوف فيه فالمراد منها كون اللطف بحيث يكون حصوله داعيا الى حصول الملطوف فيه اذ لو لا كل لم يكن كونه لطفا اولى من كون غيره لطفا و ايضا لا يكون كونه لطفا فى هذا الفعل اولى من كونه لطفا فى غيره فيلزم الترجيح بلا مرجح على التقديرين بالنسبة الى المنتسبين و كذا بين اشتراط ذلك بعلم المكلّف باللّطف و بالمناسبة بينه و بين الملطوف فيه اذ هذا مما يدعوا الى الفعل و ذلك اما بالاجمال ان كفى فيه و الا فبالتفصيل و السّابع ان الامراض و الآلام و الابتلاء و نحوها من الالطاف ايضا فقد قرر فى محله ان الالم الذى يفعله اللّه ابتداء مشروط بالنفع و العوض للمتالم و اللطف له او لغيره لان خلوه عن اللّطف يستلزم العبث و عن النفع يستلزم الظلم و هما قبيحان على اللّه تعالى و بالجملة فالآلام الصّادرة منه تعالى فى الدّنيا اما للمكلفين او لغيرهم كالاطفال فلا بد من حسنها من امرين الاول العوض الزائد على الالم و الثانى اشتمالها على اللّطف اما للمتالم كما فى حقّ المكلفين فان الواحد منا اذا تالم رجع الى اللّه تعالى و تلافى ذنوبه بالتوبة و يخرج الى الناس من حقوقهم و اما لغيره كما فى حق الطفل فان هذا لطف للمكلفين فى اجتناب المعاصى و بالجملة فهى ايضا مما يقرب العبد الى الطاعة و يبعده عن المعصية نعم يجوز فى المستحق كونه عقابا و قد يتمحّض هذا لذلك كما فى الكفار و المنافقين و قد يكون ذا وجهين فت الثامن انه قد علم ان الغرض من التكليف هو التعريض للثواب و انه بدون اللطف مما هو نقض للغرض فيرتفع التكليف بارتفاع اللّطف فيقبح منه تعالى العقاب مع منعه اللطف دون الذم على القبائح و يدل على الاول بعد كونه على طبق القواعد العقلية قوله تعالى و لو انا اهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو لا ارسلت الينا رسولا فنبه تعالى شانه على انّ لهم الاحتجاج لو منعهم اللطف و هذا مما اذعن قاطبة تحقيقى المتكلمين من اصحابنا و لم يعهد مخالف منهم فى ذلك نعم قد قال بعضهم بجواز التكليف و حسنه بدون اللّطف اذا كان فعل ما يكلّف من الطاعة يستحق عليه من الثواب اضعاف ما يستحق عليه مع وجود اللّطف فلازم هذا القول جواز العقاب بدون اللطف و هذا كما ترى يخالف القواعد العقلية و صريح الآية و هذا القول لم يكن فى الأوائل مما يقول عليه نعم قد التزم و عوّل عليه غير واحد ممّن قاربنا عصرهم كما ستعرف ثم على البناء على ما هو المعظم يرتفع التكليف بارتفاع اللّطف اذا كان ارتفاع اللطف من قبله تعالى و ليس كل اذا كان ارتفاعه و السّبب عليه ما هو من قبل المكلفين فلهذا لم يرتفع التكليف بارتفاع تصرف الامام الذى كان لطفا فى باب التكليف اذ هذا من قبل المكلفين و هم السّبب فى ذلك قطعا نعم كان التكليف مما يرتفع لو كان ما لا يتم اللطف المذكور إلا به مثل وجود الامام مرتفعا لان هذا مما يرجع الى اللّه تعالى لا الى المكلفين فبدون وجود الامام (ع) ما كان يتم عليهم الحجّة لانهم قادرون على ازاحة العلل لظهوره فليس الغيبة مثل العدم و لا الظهور و الاظهار مثل خلقه ابتداء حين الحاجة مع زوال العلة و ارتفاعها و هذا ظاهر لا سترة فيه و الى هذا يشير قول من قال وجوده لطف و تصرّفه لطف آخر و عدمه منا فهو لطف فى غيبته كما هو لطف فى ظهوره فهو يحفظ الشرع و بمكانه يوثق بانّه لم يكتم من الشرع ما لم يصل الينا و بالجملة فمثل هذا ايضا من الالطاف بل نوع من التصرفات الالطافية فى الجملة نعم قد فات التصرف اللطفى المزيح علل المكلّفين فى باب التكليف بسبب من المكلفين الذى صار باعثا على خفائه بل و عدم ظهوره ثم اعلم انه اذا كان شي‏ء لطفا فى باب التكاليف او فى تكليف منها فارتفع من قبل بعض المكلفين لزم ان يرتفع التكليف عمن ليس سببا لارتفاع اللّطف دون‏

من هو سبب فيه و هذا واضح على ما قرر فعدم سقوط التكليف عن الشّيعة فى زمان الغيبة يكشف عن كون الشّيعة سببا للاستتار كالاعداء و هذا مما لا ضير فيه اذ الجهات مختلفة فبالظهور للاحباء و المخلصين يظهر امره للاعداء ايضا و يتطرقون الى ايذائه و قتله و ذلك ان الاحباء و المخلصين يظهرون هذا الامر لغاية فرحهم و كثرة سرورهم و يباشر بعضهم بعضا او بطلبهم منه المعجزة حين ادّعائه الامامة هذا و قد يقال ان وجه عدم ارتفاع التكليف عن الاحباء و المخلصين هو ما اشير اليه من عدم ارتفاع لطف الامامة عنهم فلطفهم حاصل بالامام و ان كان غائبا فان تجويزهم الظهور يخافون تاديبه و ردعه و هذا كحفظه الشريعة لطف بل مما هو تصرف فى الجملة كما اشير اليه و قد يقال ان علة الغيبة الاعداء خاصّة و مع هذا يلزم ان لا يسقط التكليف عن الاحباء اذ اللازم ارتفاعه و سقوطه لو كان ارتفاع اللّطف من قبله تعالى خاصّة و فيه ما لا يخفى ضعفه فت التاسع انه كما تجتمع امور كثيرة على ملطوف فيه واحد فيصحّ ان يكون كلّ منهما لطفا فيه على سبيل التبادل كذا يصحّ ان يكون هذه الامور من حيث هى الطافا فى شي‏ء واحد و كذا يصحّ ان يكون امر واحد لطفا فى امور متعدّدة ثم انه كما يطلق اللطف على كل واحد حكم من الامور المتواردة على شي‏ء واحد توارد العلل الناقصة و الاسباب و المقتضيات كذلك على معلول واحد كل بطلق على العلّة التامة مما من شانه ازاحة الاعذار و العلل للمكلفين عند العقلاء سواء كان شيئا واحدا او امورا مجتمعة او امرا منتزعا بل اطلاق اللطف فى ذلك اولى اذ عليه يناط الامور وجودا و عدما و ما له مدخلية فى باب ازاحة الاعذار و لكن لا يكون بهذه المثابة يكون الاطلاق عليه من قبيل‏

105

اطلاق المشككات و من التامل فى ذلك الكلام يظهر تقاسيم أخر فى المرام كما يعلم الميزان الاوفى و المعيار المستوفى فى تميز اللطف من التفضّل و بالجملة فملاك الامر فى الالطاف على ما اشير اليه و ما يزيد عليه هو من التفضلات الجملية و التطولات المحضة لا يتطرق التقبيح و التذميم من العقل على الحكيم تعالى على الاطلاق بسبب تركها فان سمّى احد امثال ذلك باللطف و عده من الالطاف او عكس الامر فلا ضير فيه بعد اذعانه بخروجه عن الاصطلاح و ما عليه العلماء و يترتب عليه الاحكام و الآثار و كذا ان سماها بالالطاف الزائدة فاذا تمهدت هذه الامور و كنت على خبر منها فاعلم ان مراد المستدل من كلامه هو ما صرّح به علمائنا معاشر العدلية فى باب النبوات من ان البعثة حسنة لاشتمالها على فوائد كمعاضدة النقل فيما يدل عليه العقل و استفادة الحكم فيما لا يدل عليه فهى واجبة لاشتمالها على اللطف فى التكاليف العقلية فان الانسان اذا كان واقفا على التكاليف بحسب الشرع كان اقرب الى فعل الواجبات العقلية و ترك منهياته و بالجملة فقد استدلوا على وجوب البعثة بان التكاليف السمعية الطاف فى التكاليف العقلية اذ نعلم ضرورة ان من واظب على الصّلاة و الصوم و الزكاة دعاه مواظبة الى العلم باللّه ليعلم ان العبادة هل هى لائقة به ام لا و كل لطف واجب على اللّه تعالى فيجب هذا لكونه لطفا او لاشتماله عليه هذا فان قلت ان كلامهم هذا مدخول بل مستلزم للمح اذ معرفة اللّه تعالى متقدّمة على ثبوت الرّسالة المتقدّمة على التكليف السّمعى لطفا فيها يستلزم تقدم الشي‏ء على نفسه و هذا هو المح قلت ان الملطوف فيه هو العلم بالمعارف الحقة العقلية و اليقين به على وجه لا يزول بتشكيك المشكك و بعبارة اخرى ان المتقدّم هو العلم بوجود المرسل و الصانع و الملطوف فيه هو العلم بصفاته الكمالية و الجمالية على ما تطق به الشريعة و مما وقع فى العبارة انما وقع اتكالا على الظهور و تسامحا فى التعبير و بالجملة الاعتضاد و التاكيد و اللطف انما هو بحسب ابقاء هذه المعرفة و عدم العدول عنها على انّه يمكن ان يقال ان المراد من لطفية التكليف السمعى فى التكاليف العقلية هو لطفيته فى ايقاع ما امر به العقل كرد الوديعة و شكر المنعم و نحو ذلك فلا دور فلا محال او يقال ان العلم بالواجبات العقلية و ان كان متقدما بالطبع على الواجبات السّمعية لكن نمنع تقدّمه عليها فى الوجود الخارجى مط و ذلك لانه قد لا تبينه العقل لتلك المعارف و لا يهتدى لوجهها لانغماره فى الملابس البدنية و الامور الطبيعيّة و اختلاط مدركاته لاجل ذلك مع الامور الوهمية فبامر الرسول يحصل اللّطف فى الملطوف فيه المتاخر من هذا الوجه و ان كان متقدما من وجه آخر فلا غائلة ايضا و بالجملة فكما ان المستدل يريد قبح التعذيب قبل اللطف كذا يريد وجوب اللّطف على اللّه تعالى بان يكون واجبا متعارفا لا ان يكون من قبيل الوجوب الشرطى كما توهّم و توهم ان مبنى الاستدلال ليس على وجوب اللطف مط بل مبناه على عدم وجوبه كذا اذ مبنى الاستدلال فى الحقيقة باتفاق العدلية و هو كما ثبت فى قبح التعذيب قبل اللطف كذا تحقق فى وجوب اللّطف مط على اللّه تعالى فبناء استدلال المستدل على الامرين و ان كان يمكن اثبات مطلبه بالبناء على الاول خاصّة ثم انّ جواب صاحب القوانين عن هذا الاستدلال بقوله اقول سلّمنا وجوب اللطف لكن وجوب كل لطف مم اذ كثير من الالطاف مندوبة فان التكليفات المندوبة ايضا لطف فى المندوبات العقلية او مؤكدة للواجبات العقلية مما لا وقع له اصلا اذ وجوب كل لطف على النهج الذى قررنا مما لا شك فيه كما لا شكّ فى قبح التكليف بدون الالطاف التى هى مقربة فيها أ لا ترى اصحابنا الامامية قد صرحوا بذلك فى مواضع عديدة اكثر من ان يحصى منها اما صرّحوا فى مبحث الامامة من انها لطف فى التكليف العقلى و لا يتم من دونها فجرت مجرى ساير الالطاف من المعارف و غيرها فى انه لا يحسن التكليف من دونها و بالجملة هذا هو المتفق عليه بينهم نعم قد اشرنا الى انّ بعضا من قدماء الاصحاب يحسن التكليف بدون اللطف مع الشرط المذكور و الظاهر انه كان قولا منقرضا بين الاصحاب فمن قال بالقاعدة المقررة بين العدلية من قاعدة التحسين العقلى فقد قال بوجوب اللطف بل هذه المسألة فرع من فروعها و جزئى من جزئياتها و إنكار حكم العقل بوجوب اللطف على اللّه ليس الا قول بمعزولية العقل من‏

حيث لا يشعر ثم العجب من سند منعه و خلطه فى المطلب اذ كلام المستدل فى وجوب اللطف على اللّه تعالى انما هو فى الملطوف فيه الالزامى لا مط فاين هذا من السّند الذى يمكن ان يعول عليه على ان ندبيّة فعل اللّطف للمكلف نظرا الى مقربيّته فى الملطوف فيه الندبى العقلى لا يستلزم ندبيّة اللطف من الجهة الراجعة الى اللّه تعالى فيه و هو جهة البيان و الاعلام و ما دعى هذا المحقق الى مثل هذا الكلام و ما حدّاه اليه الا ما صدر من بعض اصحابنا فى مثل المقام حيث قال ان السمعيات الطاف فى العقليات الى امتثالها باعث على امتثالها و لا معنى اللطف الّا ما يكون المكلف معه اقرب الى الطاعة و كذا الندب السّمعى مقرب من الندب العقلى او مؤكد لامتثال الواجب العقلى فهو زيادة فى اللّطف و الزيادة فى الواجب لا يمتنع ان يكون ندبا و لا نعنى انّ اللطف فى العقليات منحصر فى السمعيات فانّ النّبوة و الامامة و وجود العلماء و الوعد و الوعيد بل جميع الآلام يصلح للالطاف و انما هى نوع من الالطاف هذا و انت خبير بانه يمكن ان لا ينافى لما قلنا و كيف كان فان هذا المحقق ان اراد من مندوبيّة بعض الالطاف مندوبية بالنسبة الى المكلف فيخرج عن حريم النزاع بايراده هذا السّند و ان اراد مندوبيّته بالنسبة اليه تعالى فيرد عليه بعد الاغضاء عن عدم مساعدة كلامه عليه و تسليم عدم وجوب كل لطف عليه تعالى ان اللّطف الذى ساقه المستدل لا يحوم حوله شائبة الندبيّة بل هو من الالطاف الواجبة حتى عند المجيب و كيف لا و قد بنى بنيان استدلاله‏

106

استدلاله على حجية العقل فيما تقدّم عليه بل اذعن بانه مما عليه الاتفاق بل كان ليرائى منه هناك عدم الخلاف فى الكلية المتداولة بين اصحابنا العدلية فليس صدور مثل هذا من مثله الا عجيب غريب و لعمرى نعم ما قال بعض فصحاء العرب لن تقدم الحسناء تاما ثم اعجب و اغرب من ذلك المرقات التى قد ترقى اليها و العلاوة التى قرى بها مطلبه و سدد و شدد سند منعه به و هو قوله و قد يكتفى فى اللّطف بالتكليف بسمعى لم يستقل به العقل لا بنفس التكليف العقلى كما يشير اليه قوله تعالى لان الصّلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر فوجوب كل الالطاف اذا لم يثبت اذ يرد عليه بعد بيان مرامه بان الآية تشير الى ان القبائح العقلية من ترك الواجبات و فعل المحرّمات مما يستقل فى ادراكه العقل مما تنهى عنه الصّلاة يعنى ان فعل الصّلاة على ما هى عليه من الشرائط و الاجزاء الظاهريّة و الشرائط الباطنية التى منها الاخلاص و الخلاص مانع عن القبائح و حاجز بين الفاعل و بينها نظرا الى ان ذلك من خواصّها الواقعية و لوازمها الذاتية منعا فعليا او شانيا و مقرب الى الطاعات و العبادات العقلية تقريبا فعليا او شانيا او ان الامر بها ينحل الى الاوامر و النواهى المتعددة بالنظر الى الواجبات و المحرمات العقلية انحلالا لبيا و تحليلا واقعيا او انها كذلك بالنسبة الى التكاليف عقلياتها مما استقل العقل فيه و غيره و سمعياتها و بعد الاغضاء و التعامى عن عدم وضوح كلامه فى بيان مرامه باشتماله على غرابة التاليف و ضعف التعبير و التعقيد اللفظى و المعنوى ان هذا لا يناسب سند المنع الذى ذكره او لا بناء على احتماله الاول الظاهر من العبارة و هو رجوع ندبيّة بعض الالطاف الى المكلف نعم يناسب الاحتمال الثانى المرجوح كما يناسب ما ذكره المستدلّ به فح يشتمل الكلام على التفكيك المخل واردا عليه زيادة بحث ان هذا النوع من الاستدلال يوجب عدم الاحتياج الى مثل الامامة من الالطاف العامة فيحتاج اثبات الامامة الى دليل آخر و هو و ان كان يمكن من وجوه غير وجه اللّطف ايضا الا ان الدليل الامتن و البرهان الأحكم فى ذلك الباب هو قاعدة اللطف بل ينبعث عن ذلك عدم الاحتياج الى بيان ساير التكاليف السمعية غير الصّلاة و هذا كما ترى لا يستقيم جدا و لا يتصور قطعا لا فى مرتبة لطفية الصّلاة لطفية راجعة اليه تعالى و لا فى مرتبة لطفيتها لطفية راجعة الى العبد من حيث العمل و الامتثال و ان كان قد صدرت عمن تقبل هى منه قطعا مع ان ذلك فى هذه الصورة مستلزم لدور و محال كما لا يخفى و بالجملة فجملة هذه الابحاث و تمام هذه الأسئلة مما ترد على كلامه الا ان تنزل كلامه على كونه فى بيان رادعيّة الصّلاة و زاجريتها و لطفها لكن بعد اخذ قضية معلوميّة التكاليف بالعقل او بالسّمع ينحسر طائفة من الابحاث عنه و لا يتطرق شرذمة منها اليه و الظاهر انّ مراده من كلامه هو هذا و مساقه صدرا و ذيلا من قوله فوجوب كل الالطاف اذا لم يثبت مما يمكن ان يكون قرينة عليه فالاستدلال بهذه الآية على هذا المطلب فى غاية الغرابة و تنزيلها عليه بمنزلة من عدم الرصانة فاما ما اورد على المستدل ثانيا بقوله فان اراد من قوله ان العقاب بدون اللطف قبيح قبحه مع عدم شي‏ء من الالطاف فسلمناه لكن اللطف لا ينحصر فى توافق التكليف السّمعى و توارده مع التكليف العقلى و انتفاء المقرب عن الطاعة و المبعد عن المعصية بدون ذلك مم اذ البلاء و المرض و الموت و امثال ذلك و كذلك ساير التكاليف السّمعية كلها لطف مع انا نقول ان بعت الانبياء و نصب الاوصياء و انزال الكتب من الالطاف البالغة و مع ذلك فامر النبىّ (ص) بمتابعة العقل و ورود الكتاب بذلك كاف فى التقريب و التبعيد و لا حاجة الى الحكم الخاصّ بما يوافق مدركات العقل فقوله فلا يجوز العقاب الى آخره ان اراد عدم نصّ اصلا فعلى فرض تسليم اصل المسألة فمسلّم و لكن النصّ على لزوم مطلق متابعة العقل موجود و ان اراد عدم نصّ خاصّ يرد على ما يستقل به العقل فلزومه مم و كذا عدم جواز العقاب ح فمما يشتمل على التكرار مع ان تسليمه القبيح المذكور و عدم تسليمه الانحصار المذكور لا يمس بكلام المستدل اصلا و كذا قوله و انتفاء المقرب الى الطاعة و المبعد عن المعصية بدون ذلك مم اذ الفرض من اللّطف المقرب هو ما يزوح به الاعذار فاذا احتيج التكليف‏

الى لطف التوارد فلم يغن منه و ان كان لالطاف أخر فى امور أخر فيه ايضا مدخلية و من هنا انقدح ما يرد على ساير كلماته فلا يحتاج الى الاطالة و توجيه كلامه بان مراده من اللطف الغير الواجب ما كان من التفضلات و ما نحن فيه عنده من هذا القبيل غاية ما يلزم عليه بحث الاطلاق و التسمية و لا يناقش فى مثله الاعلام مما لا يدفع الضيم من اصله و ان كان يدفع بعضا منه هذا و اما ما اورد بعض المعاصرين على المجيب فى سند منعه كلية الكبرى بان هذا المنع لا مساس له بكلام المستدل اذ لم يتمسّك بوجوب اللطف مط بل مبنى حجّته على عدم وجوبه كل نعم يرد المنع المذكور على كبرى حجة المتكلمين و يشبه ان يكون المجيب قد خلط بين الحجتين فاورد على إحداهما ما يرد على الاخرى لتقاربهما و يمكن التكلف بحمل الوجوب فى كلامه على الوجوب الشرطى فيرجع الجواب الى المنع من اشتراط حسن العقاب بحصول كل لطف و لا يخفى عدم مساعدة تعليله الآتي عليه فمما لا وقع فيه كما لا وقع فى جوابه عن الاستدلال بالمنع من قبح العقاب بدون اللطف مط و انما المسلم قبحه بدون اللطف اللازم فى التكليف كالبيان فيما لا يستقل به العقل اذ المستفاد منه فى ايراده على المجيب تسليمه المنع و سنده لكن لا فى قبال المستدل بل فى قبال المتكلّمين فيرد عليه ما اوردنا على المجيب على ان ادّعائه عدم كون مبنى استدلال المستدل على وجوب اللطف مط بل كون مبنى حجيته على عدم وجوبه كل ليس فى محله جدّا اذ نظر المستدل ليس إلّا الى ما ذكره اصحابنا الامامية فى كتبهم الكلامية فهو كلّا الامرين من وجوب كل لطف و قبح العقاب بدونه و ليس عدم تصريح المستدل بالاول بعد تصريحه بالثانى لاجل ابتنائه الامر على عدم وجوب كلّ‏

107

لطف بل لاجل الاتكال على الظهور و الاكتفاء بذكر احد المتلازمين ثم انه لم يذكر فى جوابه الا المنع المحض عن قبح العقاب بدون اللطف مط فكيف يصغى الى مثله خصوصا اذا كان المستدل على طبق ما يقتضيه القواعد العدلية و ما عليه اتفاقهم من وجوب كل لطف و قبح العقاب بدون اللّطف و عدم حسن التكليف الا باللّطف الا ما اشرنا اليه فى السّابق من القول الثانى و كيف كان فكل لطف مما هو لازم فى التكليف عند المستدل فعلى المجيب الجواب بحيث يرفع هذا و انى ما ذكره من ذلك فت فالحق فى الجواب هو ان يقال ان تاسيس اصل اللطف و ما ضاهاه من قبح العقاب بدون اللطف و نحو ذلك و وجوبه مبنى على اتمام قاعدة التحسين و التقبيح العقليّين لا بمعنى محض ادراك العقل بل على حجيته و كون احكامه احكاما واقعية فاذا لم يكن مدركات العقل حجّة شرعية كما انّه حجة عقلية سقط بحث وجوب اللطف و نحو ذلك مما يتفرع على القاعدة على النهج الذى اشرنا اليه ثم ان كلام اصحابنا المتكلمين لم يزد على ان النبوة مما يتعاضد به العقل فما دل عليه العقل يستفاد منه الاحكام الواقعية فيما لم يدل عليه فنقول ان اللطف فى التكاليف العقلية هو التعاضد بالنبوة و بمطلق التكليف السّمعى لا بورود شي‏ء على طبق ما حكم به العقل بالخصوص و بالجملة فبعث النبى (ص) و نصب الائمة (ع) و ورود التكاليف السّمعية و العمومات الدالة من الكتاب و السّنة على اتباع العقل و حجية احكامه من الالطاف فيقبح العقاب بدون ذلك و اما توارد النّقل على طبق ما حكم به العقل بالخصوص و ليس من الالطاف المصطلحة بل انّ ذلك من التفضّلات فان سمى احد مثل ذلك بمثل هذا فقد عرفت انه اطلاق خارج عن الاصطلاح فلا يترتب عليه الآثار و الاحكام فقد بان من ذلك كلّه صحّة احتجاجنا بعين ما احتجّ به الخصم فهو دليل لنا لا للخصم على انه يمكن ان يقال ان ما ذكره المستدل لا يضرّنا و ان فرضنا ان المستفاد من كلام المتكلمين هو اعتبار التوارد فى التعاضد و كونه من الالطاف المصطلحة و قبح العقاب بدون ذلك و ان هذا مما عليه اتفاقهم اذ غاية ما يستفاد من ذلك عدم حسن العقاب بدون ذلك و انى هذا من الدعوى التى ذكر لاجلها الدليل من ان الاحكام العقلية ليست باحكام شرعية فت ثم ان من ادلة المنكرين ايضا هو ما اشار اليه استنادنا الشريف (قدّس اللّه تربته) و هو خبر أبان بن تغلب و فيه ما تقول فى رجل قطع اصبعا من اصابع المرأة كم فيها قال عشرة من الابل قلت قطع اثنتين قال عشرون قلت قطع ثلاثا قال ثلثون قلت قطع اربعا قال عشرون قلت سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلثون و يقطع اربعا فيكون عليه عشرون الخ الحديث و التقريب من وجوه الاوّل انّ وقوع النصّ كالاجماع على خلاف ما حكم به العقل فى هذه المسألة يكشف عن عدم حجية احكامه فى مرحلة الظاهر الثانى ان المعصوم (ع) قد حكم و نصّ بان العمل بمثل هذا الحكم العقلى يوجب هدم الشريعة الثالث قد نصّ بان مثل هذا من الاحكام العقلية من القياس فيشمله الادلة الدالة على حرمته فان قلت ان استبعاد أبان لم يكن باعتبار العقل بل باعتبار دلالة اللفظ بتقريب انه لما لاحظ حكم المعصوم (ع) بقطع ثلاثة اصابع على ثلثين زعم ان مقتضى دلالة هذا اللفظ كون الحكم ثابتا لقطع ثلاثة على سبيل اللابشرطية فلما اجاب (ع) بما اجاب استبعده من حيث زعمه انّه خلاف ما يستفاد من كلامه (ع) او لا قلت ان هذا لا يساعده قول أبان ان هذا من الشيطان و لا قوله (ص) مهلا يا أبان هذا حكم رسول اللّه (ص) الخ اذا عرفت هذا فاعلم انه لم يعهد تمسّك احد من منكرى حجية العقل بهذا الخبر فى كتاب من كتب الاصول نعم يستفاد من كلام بعضهم كلية يمكن ان يندرج مثل هذا الخبر تحتها من ان الشرع قد حكم بقبح بعض ما كان حسنا عند العقل بالبديهة و حسن بعض ما كان عنده قبيحا كل و من ذلك النّهى عن الاسراف فى استعمال الماء و لو على شاطئ البحر و طلب المتيمم الماء مع علمه بعدمه و نحو ذلك و من ذلك ايضا الاعمال الكثيرة فى الحجّ من كشف الرءوس على رءوس الاشهاد فى الحرّ و البرد و المطر و الرّيح و الهرولة و رمى الجمار و امرار السّكين على راس الاقرع و نحو ذلك فكيف يكون مثل هذا حجة هذا

و انت خبير بان التقريب فى الاستدلال على النهج الذى اشرنا اليه يكشف عن ان الاستدلال بالخبر لا يندرج تحت ما اشير اليه و لا الى تحت ما ذكره بعض المنكرين فى الاستدلال على عدم الحجية من ان العقل يحكم بانه يبعد من اللّه وكول بعض احكامه الى مجرّد ادراك العقول مع شدة اختلافها فى الادراكات و الاحكام من غير انضباطه بنصّ و شرع فانه يوجب الاختلاف و النزاع مع ان دفعه من احدى الفوائد فى ارسال الرسل و نصب الاوصياء نعم يمكن بالتكلف اندراجه فى الاول كما يمكن بذلك فى الثانى‏

فى الجواب عن ادلّة المنكرين‏

و كيف كان فنحن نجيب عن الكل بعون اللّه و قوته اما عن الخبر على التقريب الاوّل فبان غاية ما يستفاد منه وقوع الخطاء فى حكم العقل و هو بعد كشف خطائه ليس بحجة و هذا كما ترى مما لا يضر القائل بالحجّية فى مرحلة الظاهر ما لم يكشف خطائه على ان الاستفادة هنا تبعيّة و ان كان العقل فى المستفاد ادراكه على الاستقلال و حريم النزاع فيما كان العقل يستقل فى الاستفادة و المستفاد و اثبات المطلب بالاجماع المركّب مما لا وقع له لانه لم يظهر من القائلين بحجية العقل دعوى حجية فيما كانت الاستفادة تبعية بل قد ظهر خلافه كما لا يخفى على من امعن النظر فى مقالة الاصوليين فى بحث مقدمة الواجب و حريم نزاعهم فى ذاك المبحث من انه فى الواجب الذى يترتب عليه الثواب و العقاب بحسب الفعل و الترك بحسب امر الشارع به لا الوجوب العقلى التبعى فانه مما لا خلاف فيه فى وجوبه بهذا المعنى مع انهم لا يجرون احكام الوجوب المستفاد من امر الشارع عليه هذا بعد الاغضاء عن انه لا يقاوم لمعارضة ما تقدّم من الادلة و الا فالامر اوضح و اما على التقريب الثانى فنقول لا بد من حمل استبعاد أبان و استيحاشه‏

108

و استيحاشه على ما يقع كثيرا من الرّواة فى قبال كلام المعصومين (ع) ابتغاء لبيان وجه الحكم و طلبا لكشف المصلحة النفس الامرية لا على ما ذكر لانه لا يصحّ الا ان نقطع بقطعه بكذب المعصوم (ع) فضلا عن الظن او الشكّ فيه و التقريب واضح و فساده اوضح فتعيّن حمله على ما اشير اليه و دعوى ان قطعه بحكم عقله قبل سماع الحكم من المعصوم (ع) مشاهدة مما يأباه مساق الخبر على ان بعد الاغضاء عما ذكرنا لا يتعين حمل الخبر على ما تقدّم غاية ما فى الباب يلزم الاجمال و لا ضير فيه و يسقط عن مصب الاستدلال و اما على التقريب الثالث فبان الجواب عنه يظهر بعد امعان النظر فى الجواب على التقريب الاول فلوا غمضنا النّظر عما قلنا فى الجواب عن التقريب الثانى لقلنا ان اطلاق القياس على بعض قطعيّات العقل من باب التشبيه بملاحظة كشف الخطإ و مجرّد الاطلاق لا يثبت الوضع فلا يكون من افراد القياس حتى يترتب عليه احكامه على ان المستفاد من الادلّة الدالة على حرمة القياس حرمة الاقيسة المفيدة للظن لا القطع و هذا كلّه بعد الاغماض عن ان الخبر من الآحاد و ان كان من صحاحها على رواية الشيخ و الصدوق و حسانها التى كالصّحاح على رواية الكلينى و المسألة مما لا يعوّل فى مثله على مثلها و الانجبار و عمل الاصحاب به انما فى دية اعضاء النّساء فيقتصر عليها و بعد التعامى عن ان البناء على عدم حجية العقل مستلزم عدم حجية الخبر ايضا فالتمسّك به يستلزم المح كما عرفت و الا فالامر اوضح ثم ان ظنى ان فى الخبر اشارة الى ان ما كان حكم به عقل أبان و امثاله ما كان من احكام العقل فى الواقع بل من احكام الوهم شبيهة باحكام العقل بالالف و العادة بل لا يبعد دعوى ان الظاهر من كلام أبان ليس ازيد انّ ما حكم به كان من قبيل القياس بطريق اولى بالاولويّة الظنية الجليّة فلا يكون للخبر دخل بما نحن فيه اصلا نعم يورث التوجيه اشكالا واردا على القائلين بحجّية كل ظن الا ما خرج بالدّليل و على العادين من هذه الكلية الظن الحاصل من الاولويّة الظنية الجلية هذا و لكنه و ان لم يمكن عنه التفصى بانه لعل غرض المعصوم (ع) كان نفى حجّية الاقيسة ما عدا ما يكون بالاولوية الظنية الجلية نظرا الى انه لازمه تخصيص العموم بغير المورد و هو غير صحيح إلّا انه يمكن التفصى عنه بانّ الخبر غير ظاهر فى الرّدع عن العمل بالاولوية المذكورة مط و لا فى الحكم بمثل ذلك مما يمحق الدّين بل الظاهر منه انّ هذا غير جائز بعد سماع الحكم من المعصوم يعنى ان المخاصمة معه (ع) فى المنصوصات يوجب محق الدّين على انّ غاية ما فى الباب عدم حجّية فى زمان الانفتاح الاغلبى للعلم لا مط حتى يشمل زمان الانسداد الاغلبى و الاخبار الدّالة على حرمة القياس لا تشمل الاولوية الجلية لانها من قبيل المطلقات المشككة فالقدر المتيقن فى البين متحقق فان قلت قد تحقق الاجماع على عدم حجية القياس مط فليس نظر المجمعين الّا الى هذه الاخبار فلو كان مفادها مقصورا بصورة الانفتاح لساغ سؤال ما مدركهم فى صورة الانسداد قلت هذا السؤال لا وقع له اذ مدركهم فى ادعائهم الاجماع الضرورة على ان الاجماع مما لا يحتاج الى مدرك و هذا ايضا بعد الاغضاء عن ان المسألة اصولية و الخبر لا يكون فيها حجة نعم يصيّر الخبر الاولوية الجلية من قبيل موهوم الاعتبار و لا ضير فيه فخذ بمجامع الكلام و تامّل ثم الجواب عن الدليل الاوّل الذى اشرنا اليه واضح اذ ما ذكر فيه لا يقدح فى حجية العقل فى مرحلة الظاهر ما لم يكشف خطا حكمه غاية ما يثبت منه عدم اصابة العقل فى كل ما حكم به فلا ضير فيه على ان بعد كشف الخطاء يظهر ان امثال ما ذكر ما كان من احكام العقل الخالص بل كانت من الاحكام الوهمية الشبيهة بالاحكام العقلية بحسب الاستيناس بالالف و العادة و المصلحة العامة و بالجملة فلم ياخذ احد فى تعريف الدليل و الحكم اصابة لما فى الواقع على انّ ما ذكر لو تم لم يخبر التعويل على شي‏ء من الادلة و قضية ان ذلك خارج بالدّليل مشتركة و ان الدليل المخرج ايضا لا يسلم عن هذا الاشكال و انه ليس الاستقراء ناقصا فكيف يعوّل على مثله فى مثل المقام و من التامل فيما ذكرنا يظهر الجواب عن الدّليل الثانى بل الجواب عن بعض ما تضمّنه قد مر مرادا على ان ذلك لو تمّ لم يثبت شي‏ء

من اصول الاعتقادات بل لم يثبت اصل الدّين و التفرقة بين الاصول و الفروع كما ترى بل فحوى كلامه يعطى عدم حجّية فى الاصول بطريق اولى اذ الخطاء و الذّلة فيها اعظم مما فى الفروع مع ان التمسّك به من المنكرين و هو صاحب الوافية لم يقل بذلك بل فصل بين الاصول و الفروع و بعد التعامى و الاغضاء عن الكلّ يرد عليه انّ كلامه هذا و تعليله مما لا يتمشى فى المتفقات مثل الصّدق و الكذب و الظلم و الاحسان و نحو ذلك ثم ان من جملة ما تمسّك به غير واحد منهم قوله (ع) كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه النهى فقد بالغ البعض و تقريب الاستدلال به فذكر ما هو حاصل مرامه و لبّ مغزاه ما نذكره بعبارة وجيزة ابين و اوضح فى المقام و ذلك ان المقصود من الخبر اما الاخبار او الانشاء فعلى كلا التقديرين يثبت المط و على الاول يكون المعنى ان كل شي‏ء لم يرد فيه من الشارع منع منه فلا يحكم عليه بالمنع الشرعى و ان كان عند العقول محظورا فان العقول تعجز عن ادراك العلل المقتضية للاحكام الشرعيّة فالمراد من الورود هو الوصول لا الصّدور لما ثبت من صدور جميع الاحكام بالنصّ المستفيض بل المتواتر و كونها مخزونة عند اهلها فيتم الاستدلال به على عدم الحجية فى امثال هذه الازمنة ففى المقام اصلان اصل مرتفع و هو اصل عدم الصّدور و اصل ثابت و هو اصل البراءة اذ زواله فرع البلوغ فما قبله حكم بالقوة خاصّة و المعنى على الثانى ظ و الاحتمال الثالث الذى يخرج به عن التمسّك فى المقام من اختصاصه بالخطابات الشرعية من العمومات و المطلقات فى الواجبات كانت او فى المستحبات او فى المباحات بمعنى ابقاء العام على عمومه و اجراء حكمه فى الافراد حتى يرد فيه نهى عن بعضها بعيد و ثبوت الرخصة بالحمل على احد المعنيين المتحدين فى المؤدى فى فعل القبائح الواقعية نظرا الى ان الاحكام الواقعية التى لم تصل الينا اذ لا يخلو عن واجبات و محرمات لا يضير قرينة الحمل على المعنى الثالث البعيد

109

اذ هذا مشترك الورود و الالزام فلعمل الخاصّ الذى لم يصل حكمه قد كان قبيحا فى الواقع على ان الخطاب فى الخبر لمن وصل اليه الاحكام مما ادركه عقله و غيره الا قليل مما لم يدركه عقله فليس الترخيص فى مثل ذلك قبيحا نعم لا يحسن التحريص و الحث على فعل مثل ذلك نظرا الى ان القبائح الواقعية مما يورث القساوة بالخاصيّة فكما لا يكون المعنى ما ذكر قرينة الحمل على البعيد كل لا يصير قوله (ع) فى حديث آخر و من ارتكب الشبهات هلك من حيث لا يعلم قرينة لذلك بتقريب ان كل ما هو من النوع المنهىّ عنه فقد ورد عنه اما بخصوص او بعموم هذا الحديث من حيث اندراجه تحت الشبهة فالحمل على المعنى الثالث متعين لئلا يكون بلا معنى معقول و مصداق متحقق لان هذا مبنىّ على كون المراد من الحديث انشاء الحكم لطلب الكف عن فعل الشبهة طلبا تحريميّا و ليس كل بل هذا مما لا يتعقل منه اصلا فان ارتكاب الشبهة اما ان يكون ممن وصل اليه هذا الحديث او من غيره و الاول لا يساعده قوله (ع) هلك من حيث لا يعلم اذ هذا يكون ح هلاكا من حيث يعلم لا من حيث لا يعلم و الثانى لا يكون مكلفا بما فيه لعدم وصوله اليه فليس المراد منه الا الاخبار عن ان ارتكاب الشبهات موجبة لحصول ملكة رذيلة باعثة على ان لا يبالى بفعل المنهيات الصّريحة نظرا الى ان فعل المحرمات الواقعية له تاثير فى الواقع و ان لم يشعر بها و سرّ العدول من ربما يؤدى الى الهلاك و نحوه الى هلك هو الاشارة الى كثرة وجود النوع المحرم فى قسم الشبهة فقد بان الحديث لا يصير قرينة حمل الخبر على المعنى البعيد اذ لا يصار اليه الا لتحقيق المصداق له و تحصيله فاذا حمل الحديث على المعنى الثانى فلا داعى للحمل على البعيد المرجوح هذا و الجواب عنه ان المتبادر من الشي‏ء ما لم يستقل فى ادراكه العقل و هذا من قبيل الاختصاص لا التخصيص و حديث التثليث و ان لم يكن من القرائن لحمل ذلك الخبر على المعنى الثالث البعيد إلّا انه من قرائن الحمل على ما قلنا كفهم العرف فى امثاله فهذا التقرير احسن من التعميم فى النهى ثمّ العجب من المستدل حيث صدر كلامه يعجز العقول عن ادراك العلل المقتضية للاحكام على سبيل الارسال و الاطلاق مع انه ممن اذعن بثبوت الادراك فى الجملة بل بحاكمية العقل بالملازمة إلّا انه كان يقول بان الحكم مما يتوقف على توسيط الخطاب الشرعى و الحاصل ان المستدل و ان بالغ فى توجيه الخبر و اصاب من حيث اثبات البراءة به برفع الاحتمال الثالث البعيد عن البين إلّا انه قد اعتزل عن الصواب بعدم الالتفات الى ما اشرنا اليه هذا و اما الاعتراض عليه بان المعنى الاول ايضا انشاء للحكم اذ هذا وظيفة المعصوم (ع) لا بيان الاطلاق و الاصطلاح فيرجع الى المعنى الثانى فلا وجه لذكره و عده قسيما له الا ان يحمل الاول على اثبات الاباحة الطاهريّة و الثانى على الواقعية لكن هذا يدفعه التقييد بالغاية اذ الواقعية لا تقيّد بغاية و القول بان المراد ان المكلف لا بد ان يبنى على هذا حتى يظهر خلافه مما لا يدفع الضيم لان هذا يرجع الى بيان الحكم الظاهرى فمما لا وقع له بعد امعان النظر فى كلام المستدل اذ غرضه حصر المعانى المتصورة فى الثلث و رفع الثالث بما مر لا اثبات المغايرة بين المعنيين هذا و قد يعترض على قول المعترض انه لا يصحّ جعل الاباحة الواقعية مغيّاة بغاية بان هذا ظاهر الفساد اذ كثير من الاحكام الواقعية مغيا بغاية فيجاب عن احتمال ارادة الاباحة الواقعية بانه لا يعقل من الحكم الواقعى الا ما استند عدم تعلقه بالمكلف الى عدم علمه به و لا من الحكم الظاهرى الا ما استند تعلقه به الى علمه به او بعدم علمه بالحكم الواقعى فاذا كانت الاباحة منوطة بعدم العلم بخلافها كما هو نصّ الرواية كانت حكما ظاهريا و كان خلافها حكما واقعيّا لا محالة و لا يرد النقض بالصلاة فى الثوب المستصحب الطهارة لان المراد عدم العلم من حيث الحكم لا من حيث الموضوع هذا و فيه ان هذا الاعتراض فى غاية السخافة اذ لم يرد المورد على الاستدلال ان الاحكام الواقعية مما لا يصح جعله مغيا بغاية اصلا بل اراد نفيه فى مثل هذا التركيب نظرا الى تعليق الاطلاق و تقييده بالعلم بورود النهى و بالجملة فهذا الانتساب عجيب و اعجب منه ما ذكره فى معقولية الحكم الواقعى و تحديده بامر عدمى‏

محض مع انّه لا يابى عن صدقه على الحكم الظاهرى كما لا يابى ما اخذ فى تحديد الظاهرى عن الصدق على الحكم الواقعى و اعجب من الكل ما اورد على ما ذكره فى تحديد الحكم الظاهرى من قضية النقض و الجواب عنه بما ذكر اعجب منه لان عدم العلم من حيث الموضوع يرجع اليه من حيث الحكم و بالجملة فغرابة ما ذكره مما لا يخفى على كل ذى مسكة فلا يؤاخذ بمثله المستدل و التحقيق فى تمييز الحكم الظاهرى عن الحكم الواقعى و المعيار فيه هو ان يقال ان الحكم الواقعى ما كان على طبق المصالح النفس الامرية من غير ان يكون للعلم و الجهل فيه مدخلية فمن هنا يعلم تعريف الحكم الظاهرى ايضا و لا غائلة ايضا فى تعريف الواقعى بما يكون الدليل الدال عليه غير متعلق على ما فيه قضية علم المكلف و عدمه اذ هذا ايضا يرجع الى ما ذكرنا و يعلم منه تعريف الظاهرى فهما بحسب التعلق بالمكلف من حيث الاشتراط بالعلم سواء فتمييزها بما ذكرنا ثم لا يخفى عليك ان كلا منهما يكون بملاحظة الدّليل الدال عليه على قسمين فالكل اربعة الواقعى الواقعى و الواقعى الظاهرى و الظاهرى الواقعى و الظاهرى الظاهرى فهذا بحسب قطعية الدليل و ظنيته فما ذكره بعض الافاضل فى بيان بعض ما يتعلّق بتعريف علم الاصول من ان المراد من الاحكام فى التعريف هو الاحكام الظاهريّة ليس المقصود منه انها من قبيل الاباحة الظاهريّة التى كلامنا فيها الآن بل المقصود منه انها من الواقعيات الظاهرية فخذ الكلام بمجامعه و لا تغفل ثم ان من ادلة المنكرين ما اشار اليه بعضهم قائلا و يدلّ عليه ما رواه الكلينى عن عدّة من اصحابنا عن احمد بن محمّد بن خالد عن على بن الحكم عن أبان الاحمر عن حمزة الطيار عن الصّادق (عليه السلام) قال قال لى اكتب فاملى على انّ من قولنا ان اللّه يحتج على العباد بما اتاهم و عرفهم ثم ارسل‏

110

ثم ارسل اليهم رسولا و انزل عليهم الكتاب فامر فيه و نهى امر فيه بالصّلاة و الصيام الحديث و ايضا قد نقل تواتر الاخبار بانه لم يتعلّق باحد تكليف الا بعد بعث الرّسل ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حىّ عن بيّنة و بانه على اللّه بيان ما يصلح للناس و ما يفسد و بانه لا يخلو زمان عن امام معصوم (ع) ليعرف الناس ما يصلحهم و ما يفسدهم و بان اهل الفترة و اشباههم معذورون و يكون تكليفهم يوم الحشر هذا و الجواب عن الاول بعد الاغضاء عن انه فى مرحلة امعان النّظر دليل على الحجّية و بعد تسليم انه يدل على ان الاحتجاج لا يتم الا بمجموع الامرين بان ما يدل على الحصر غير موجود فى الخبر و لا يدل عليه الاختصاص بالذكر و سرّه هو الردّ على المرجئة القائلين بنفى العقاب عن اهل الكبائر و ان دل عليه الكتاب و السّنة على اى عدم الاحتجاج لا يستلزم عدم صحّته و عن الثانى بان المراد منه بيان عدم خلو زمان من البعثة و هذا بقرينة الاخبار المتواترة فى هذا المعنى و هذا بعد الاغماض عن ان ما فى امثاله لا ينصرف الى ما يستقل به العقل و ان نفى ما نفى فيه من باب التفضل و ان التعارض بين الصدر و الذيل تعارض العامين من وجه فيقدّم ما فى الذيل لوجوه من المرجحات و ان الهلاك و الحياة اخصان من ترتب الثواب و العقاب اللذين من لوازم الوجوب و الحرمة و الا فالامر اوضح و عن الثالث و الرابع بان اعطاء القوة العاقلة نوع من بيان المصلح و المفسد فالتعريف لغير ما يستقل به العقل على ان اللّه قد قرر ذلك فى حكمته تفضلا منه تعالى على عباده فهذا لا ينافى ثبوت التكليف قبل العثور بالشّرع و عن الخامس بان التكليف الثانى فى الحشر للثواب و العقاب انما هو بالنسبة الى ما لم يستقل فيه العقول او ما لم تدركه بناء على سوء استعدادها و ان كان بحسب النوع مما يستقل فى ادراكه العقول الخالصة و يمكن ان يقال ايضا ان هذا مختصّ بضعفة العقول من النساء و الصّبيان و اشباه هؤلاء من الذين كانوا فى زمان فتور ظهور الحجّة او ان ذلك بحسب التفضل و الاحسان منه تعالى لا العدل هذا و قد استدل ايضا بصحيح زرارة عن الباقر (ع) قال بنى الاسلام على خمسة اشياء الى ان قال اما لو ان رجلا قام ليلة و صام نهاره و تصدق بجميع ماله و حج جميع دهره و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه و يكون جميع اعماله بدلالته اليه ما كان له على اللّه حق فى ثوابه و لا كان من اهل الايمان الحديث و التقريب بانه حكم بتوقف الايمان و قبول الاعمال و استحقاق الثواب على كون جميع الاعمال بدلالة وليّ اللّه فلا تعويل على حكم العقل و قد اجيب بان المراد من الأعمال هو الاعمال المذكورة فى الخبر و الاضافة للعهد على ان العقل مما يكشف عن دلالة الامام كالاجماع و ان نفى الثواب لا يستلزم نفى العقاب و يكفى ثبوته فى اثبات الوجوب و الحرمة و قد يقال ان مورده نفى استحقاق الثواب عمن لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه لا مط و الا كان اللازم ان يقول (ع) بعد قوله فيواليه او عرفه و والاه و لكن لا يكون جميع اعماله بدلالته اليه الخ على ان التعميم او الاختصاص بالعارف للولاية لا يناسب ما فى الذيل من قوله و لا كان من اهل الايمان اذ العارف بالولاية مؤمن بالاجماع و ان كان بعض اعماله بغير دلالة الامام على ان المنفىّ من الثواب هو المرتبة المخصوصة لا مطلق الاجر و منه نفى التعذيب و منه تخفيفه و المط انما يتمّ بنفى الثانى لا الاول خاصّة هذا و انت خبير بان اكثر ما ذكر لا يخلو عن عدم الاستقامة و التحقيق انه يريد بيان المؤمن و وصفه و ما به يتحقق الايمان بحصول ما يتوقف عليه فما فى الخبر كناية عن لزوم الاقتداء بالامام الحق و الاعراض و الصّفح عن ائمة الضّلال و الكفر و لا يبعد دعوى ان تعدية الدلالة المتعدّية بعلى بحسب وضعه بالى من القرائن عليه و الحاصل انه قد اشترط الثواب بموالاة وليّ اللّه كاشتراطه بالموافاة اى بالبقاء على الايمان الى ان يقضى نحبه و اين هذا من الدعى و قد تقدّم فى بعض المقدمات ما ينفع هنا على ان الخبر من الآحاد و سنده مما يقبل المناقشة فت و من جملة ادلة المنكرين ما ذكره السّيد الاجل السيد

صدر الدين و الظاهر ان ما فيه من منفرداته و لم يتبعه احد فيه ممّن بعده و حاصله ان الحكم الشرعى لا بد فيه من تحقق الاضافة التى يعبر عنها بالخطاب فعلى هذا تكون الاوامر و النواهى قبل العلم بها خطابات بالقوة فان اردتم من قولكم ان كل ما حكم عليه العقل بحكم مطابق للواقع فقد حكم الشارع عليه بحكم مماثل له انه علم بان هذا بحيث لو نقل الى المكلف الأمر به او النهى عنه لكان مستحقا للثواب مع الامتثال او العقاب مع عدمه فهو مسلّم و كذا كونه مرضيا او ممقوتا عند الش و كذا اخبار النبى (ص) اهل بيته بالحكم و كذا قوله (ص) لهم (ص) قولوا للناس افعلوا او لا تفعلوا ان رايتم المصلحة و هم رأوها و لكن لا يترتّب على مثل ذلك الثواب و العقاب لانهما فرعا التكليف و كوننا مكلّفين خلاف الفرض لعدم بلوغ الحكم الينا و القول بان من حصل له الجزم بان شيئا خاصّا مراد الشارع و انه امر به يجوز ان يتعبّد اللّه بفعله قطعا بل يثاب بفعله و لا يقبح العقاب على تركه فله الافتاء بانه واجب كما انّ له العمل بقصد انه واجب مدفوع بانه لا ملازمة بين الامرين فالمعلوم وجوب العمل بما حصل القطع او الظن بوجوبه او حرمته من جهة نقل قول المعصوم (ع) او فعله او تقريره و لا يكفى الحصول من اىّ طريق كان و ذلك مثل ما امرنا به المعصوم (ع) فى المقام او نهانا عنه و قلنا بانه هو للاحاديث الدالة على هذا فالعمل به و بحكم العقل محل نظر و مع ذلك كلّه فلا بعد فى ترتب الثواب او العقاب اذا فعل بقصد التقرب او المخالفة و كذا لا بعد فى جواز الافتاء بذلك بل يجب ترتب القرب او البعد على ذلك لا يقال هما عينا الثواب و العقاب لأن مع تسليم ذلك لا ملازمة بينهما و بين كون الفعل واجبا او حراما شرعيّا لان المعتبر فى الحكم الشرعى ان يترتب عليه احد الامرين من جهة الاطاعة او المخالفة لو لا المانع من‏

111

الاحتياط فى جانب الثواب و الشفاعة و العفو فى جانب العقاب هذا و انت خبير بما فيه فما عدا عما بدا حيث تمجمجت كلماته و اضطربت مقالته فاذعن فى آخر كلامه بترتب الثواب او العقاب لو لا المانع مع انكار ان هذا يستلزم ان يكون الشي‏ء واجبا او حراما شرعيا فليس هذا الا من التناقض و التدافع فى مفاده على انه لا يكون الثمرة بين النفى و الاثبات الا فى التسمية و الاطلاق فعليه يرجع النزاع الى اللفظى و انّ الاطاعة و المخالفة لا تنحصران فى الخطاب اللفظى فالاكتفاء بذلك فى اخذه و الزامه اولى مما يلزم و يؤاخذ به من ان ترتب الثواب و العقاب لا يناط بتحقق الخطاب اللفظى و امثلة ذلك اكثر من ان تحصى و انكار ذلك مكابرة و مما يلزم و يؤاخذ به ايضا مما فى التنظير بالرؤيا بان هذا باطل ان كانت محتملة للصدق و الكذب و الا فهى ايضا حجة و مما قيل ايضا من ان اللّه تعالى خاطبه بذلك بلسان العقل فكيف يجوز العمل بالظن بخطاب اللّه تعالى و لا يجوز مع اليقين به اذ لا يجوز الزام الخصم و اخذه الا على حسب ما انجر اليه مرامه و آل اليه مذهبه فخذ الكلام بمجامعة ثم تامّل‏

حجّة المفصّل بين الفروع و الاعتقاديات على النفى‏

حجّة المفصّل بين الفروع و الاعتقادات على النفى فى الاول ما مر و على الاثبات فى الثانى النصوص المطلقة الدالة على تعذيب الكفار بشركهم و كفرهم الشاملة لاهل الفترة و غيرهم فلو كان المعارف الفطرية موقوفة على الشرع من حيث الوجوب لم يثبت تعذيب الوثنى هذا و فيه ان ذلك للجمع بين الاخبار فمقتضى القاعدة تقديم ما دل على عذر اهل الفترة لكونه خاصّا و متواترا معنى على ما ادعاه المستدل فى السّابق على ان قيام الحجة غير منحصر فى الصورة المذكورة فى حكم العقل اذ التكليف بالاعتقادات مما قد ثبت بالشرائع السّابقة فهو مما لا يندرس بطول الفترة هذا و قد يقال ان التعارض بين الاخبار الدالة على عدم حجية العقل على زعم المستدل و بين ما دل على تعذيب عبدة الاوثان تعارض العامين من وجه فتخصيص هذا بذاك ليس اولى من العكس هذا و انت خبير بما فيه اذ من الاخبار الدالة على عدم حجية العقل على ما زعمه المستدل ما هو اخصّ مط من الاخبار الدالة على تعذيب الكفار و هو ما تضمن معذورية اهل الفترة على ان التعارض بين ما عداه و بين الاخبار الدالة على تعذيب الكفار ليس من قبيل تعارض العمومين من وجه كما لا يخفى و على فرض تسليم ذلك لا بعد فى تقديم اخبار تعذيب الكفار من حيث انها اقل موردا و بالجملة فان عدم استقامة هذا القول كعدم استقامة ما عن البعض من انّ مال التعذيب على عبادة الاوثان مثلا يرجع الى التعذيب على الأعمال فان الاعتقادات ليست باختيارية بل المقدور منها هو النظر الذى هو من مقدّماته مما لا يخفى على ذى مسكة خصوصا عدم استقامة الاخير اذ القائل به ممن اذ عن بان المقدور بالتوسيط لا يخرج عن المقدوريّة فى مواضع من كلامه ثم بالتامّل يظهر غرابة كلامه من انه لقد اغرب بعضهم حيث سلم ذلك فى المعارف و العقائد لما دلّ عليه اطلاق الاخبار الدالة على تعذيب عبدة الاوثان فانها تشمل حال الفترة ايضا بخلاف الاعمال و هو مع انه معارض بالاطلاقات الدالة على العذاب و اللعنة على الظلم و الكذب و غيرهما هذا فت‏

حجّة المفصّل بين ضروريات الفروع و نظرياتها

حجّة من فصّل بين ضروريات الفروع و نظرياتها هو انه لا ملازمة بين الكسبىّ و بين الواقعى فكيف يدعى الملازمة بينه و بين حكم الش مع ان العلم فرع القطع بالمطابقة للواقع اذ دعوى التلازم بين قطع كل قاطع و حكم الش انما يتم بمقدّمتين إحداهما ان كل ما قطع به العقل فهو مطابق للواقع الثانية ان كلما طابق الواقع فقد حكم به الش ليجعل الاولى كبرى قياس و صغراه هذا ما قطع به عقلى و الثانية كبرى قياس صغراه نتيجة الاول فكلية كبرى الاول ممنوعة بديهة و الا لزم اجتماع المتناقضات بديهة نظرا الى قطع كل من الخصوم و لكن هذا لا يتمشّى فى الضروريات لامتناع الاختلاف فيها فيتم الاستدلال و بالجملة فان تجويز العقل الخطأ فيما قطع به مانع عن جعله طريقا للشرع و الاكتفاء بالنظر فى الاعتقادات و اثبات مدارك الاحكام كحجية الاجماع و خبر الواحد لا يستلزم الاكتفاء به فى الفروع لان التكليف فى الاول بما ورائه تكليف بما لا يطاق و الطريق فى الاجماع هو السّنة و الكتاب فمن عول فى حجيته على الكشف فما بعده من مطلب للقطع بالبلوغ الى حكم الش و ما نحن فيه ليس من قبيل الامرين لانه لم تدع الضّرورة اليه و لم يرد من الشارع ما يدل عليه فلا بد من ان يكون مقضيا الى الواقع او الى القطع بان الشارع فى نفس الامر حاكم بعين ذلك الحكم و لا يتيسر القطع بان الشارع حاكم فى نفس الامر بذلك إلّا اذا كان حكم العقل ضروريا لاستحالة مخالفته ح للواقع لا يقال اجماع الامامية على اطلاق الملازمة قاطع هذا التفصيل لان الاجماع على العموم فى حيّز المنع لعدم تداول المسألة بين اكثر الاصحاب ليعرف فيها الخلاف و الوفاق بل ظ كلام الشيخ وقوع الخلاف لكن من غير المحصّلين اى اهل الحديث و لا يكشف اتفاق المتكلمين عن مقالة المعصومين لمنعهم (ع) الاستبداد بالعقل فى الاحكام الشرعية كما تظافرت فيه الاخبار عنهم هذا و اذا احطت خبرا بهذا الكلام و امعنت النظر فى صدره و ذيله عرفت عدم استقامة ما اورد عليه بعض المعاصرين من ان ابطال حجّية العقل فى النظريات يؤدى الى ابطال الشرائع و الاديان لابتنائها عن النظر فى اثبات للصانع و قدرته و امتناع اظهار العجزة على يد الكاذب هذا و التحقيق فى رد كلام المستدل ان يقال ان اكثر ما فيه من المصادرات و يرد الاعتراض عليه من وجوه الاول ان عدم تطابق قطع العقل للواقع لا يقدح فى حجيته فى مرحلة الظاهر بعد القطع بالتطابق للواقع فى نظر القاطع و بانه حكم الش و دعوى عدم حصول القطع بالثانى يخرج الكلام عن المفروض فان الفرض فى صورة القطع به كما عرفت فى المقدمات السابقة فكلية

112

فكلية كبرى القياس الاوّل فى محلّها و منعها كسنده من الضعف فى منار اذ مناط الامر و ملاكه على قطع كل مكلف و اعتقاده بالنظر اليه لا مط فالقاطع يدعى النفى و الاثبات و الامر عنده على سبيل الانحصار و اين هذا من استلزام اجتماع المتناقضات الثانى انه لو تم ما ذكره لجرى فى الضروريات و وجه ابداء الفرق مما لا يصغى اليه لكثرة وقوع الاختلاف فى الضروريات على ان وقوع الخطإ فيها غير عزيز مع ان مال النظريات الى الضروريات فوقوع الخطإ فيها مستلزم لوقوع الخطإ فيها فتجويز العقل الخطأ ان ساغ فى النظريات لساغ فى الضروريات و إلّا فلا الثالث انّ ما ذكر فى الاعتقادات و الاجماع يجرى فيما نحن فيه اما بالنظر الى الاول فواضح اذ كثيرا ما يحتاج اليه فيما نحن فيه ايضا فيكون التكليف بما ورائه تكليفا بما لا يطاق كما تعرف فى الثمرات على ان دعاء الاحتياج الى العقل فى كل الاعتقادات اول كلام و اما بالنظر الى الاجماع فاوضح اذ قد عرفت ما يدل على حجّيته مط من الكتاب و السّنة و طريق الكشف و المعاينة جار فيما نحن فيه ايضا و الاختلاف من شخصين او اشخاص لا يقدح فى ذلك و الا لجرى فى الاجماع ايضا الرابع ان ردّ الاحكام الشرعيّة الى الامور المختلفة ليس بعزيز فى الشريعة و من ذلك اخبار الآحاد مع ما فيها من الاختلاف الشديد و القول بانه يتخلّص فيها عن ذلك بما هو مسطور فى باب التعادل و التراجيح ليس بمستقيم اذ ما فى هذا الباب ايضا مختلف فى نفسه فكيف يقال ان ذلك اخذه بالقواطع الخامس ان المستدل قد اذعن بان الظاهر من كلام الشيخ عدم وقوع الخلاف الا من الاخباريين و هذا يكشف عن اتفاق المحصلين و اجماعهم على اطلاق الملازمة و هذا دليل على بطلان ساير المذاهب فى المسألة اذا قلنا بان الاجماع المنقول حجة فى مثلها و إلّا فلا اقل من التاييد السادس ان منع حجية اتفاق المتكلمين و اجماعهم و دعوى عدم كشفه عن مقالة المعصوم (ع) مصادرة السّابع انا لم نظفر بخبر رادع عن العمل بقطعيّات العقل فى الاحكام الشرعيّة فضلا عن الاخبار المتظافرة ما ادرى انما بالنسبة الى الظنيات من الاقيسة و المصالح المرسلة و الاستحسانات على انه لو سلم لجرى فى الضروريات ايضا

خزينة: فى بيان ثمرة النزاع فى المسألة

خزينة فى بيان ثمرة النزاع فى هذه المسألة اعلم ان بعض الفضلاء قد صرّح بان الظاهر انه لا يكاد يوجد شي‏ء يندرج فى هذه الطريقة الا و هو منصوص من الشرع ففائدة الخلاف نادر ثم استحسنه و استجوده غير واحد و قال بعض المحققين فى رده ان العمل بظن المجتهد من اعظم ثمرات هذا الاصل و اىّ فائدة اعظم من ذلك و لا ريب ان الدّليل المعتمد فيه هو دليل العقل اذ ما يستفاد من الشرع فى هذا الباب لا يفيد الا ظنّا و التمسّك به بدون دليل قاطع لا وجه له و هذا هو الوجه فى جعل الظن المستفاد من الاستصحاب و غيره ايضا من الادلة العقلية هذا و ردّه بعض المعاصرين انتصار المستند الثمرة و اذعانا بمختاره بانه ان اريد بظن المجتهد مطلق ظنّه فلا دليل عليه من العقل و ما اعتمدوا عليه كما ياتى غير صالح للاعتماد بل الدليل القطعى على عدم حجيته من العقل موجود اذ ظاهر فى غاية الظهور ان هذا الامر العظيم العام البلوى الذى للناس اليه احتياج شديد بل هو مبنى تمام الاحكام على قوله لو كان مبنى احكام اللّه لبينه الشارع مع انّه تواتر العمومات الكتابية و الخبرية على النهى عنه و مع شدة اختلاف العقول فى فهمه حتى ان المعظم بل غير واحد صرّح بعدم حجيته و ان اريد ظنون خاصّة فقد وجد عليه الدّليل الشرعى القطعى هذا و انت خبير بان هذا الكلام مما لا مساس له بكلام هذا المحقق فكيف يؤاخذ مثله بمثله فمقام تحقق الثمرة فى هذه المسألة غير مقام ما عليه هذا المحقق من حجية مطلق الظن و حقية هذه فكلام هذا المحقق مما له وقع فى قبال من نفى الثمرة فى هذه المسألة او استندوها اذ مرجعه الى ان هذه المسألة مما يتفرع عليه ثمرة عظيمة بناء على التحقيق من عدم وجود دليل قطعى شرعى على حجية الظن و ليس فيه ما يشير الى ان حكم العقل بحجية الظن بعد الانسداد الاغلبى مما اتفق عليه العلماء حتى يعترض عليه بمثل ما ذكر و الحاصل ان كلامه امتن و احكم فى قبال من يستند الثمرة و ان كان مبنيا على مقدّمات غير مسلّمة عند جمع فالذى يمسّ بهذا الكلام و يلتصق به اقامة شي‏ء على ان القول بحجية الظن مط و اثباته ليس من ثمرات المسألة و ان قلنا بقطع العقل فيها نظرا الى كون حكم العقل فى ذلك مستغنى عنه باعتبار وصول دليل شرعىّ مما يمكن التعويل عليه فيه و الى هذا من ذلك الاعتراض المذكور ثم انّ ساير فقرات كلام المعترض مما تضمن التدافع و المصادرة و الاستدلال بما ضعفه فى منار فما ذكر هذا المحقق من الثمرات العظيم نعم برده على كلامه الاعتراض من وجه آخر و هو ان حجّية مطلق الظن ليس مما يحكم به العقل من حيث هو هو بل بعد ملاحظة المقدمات العقلية القطعيّة من عدم جواز التكليف بما لا يطاق و ما فيه العسر الشديد و الحرج العظيم و من عدم جواز ترجيح المرجوح على الراجح و كذا التسوية بينهما فح يمكن ان يقال ان كلّ ذلك غير منفك عن الدليل الشرعى و هذا فى الاولين واضح و كذا فى الثالث للاجماع المتحقق على نفيه باعتبار كونه موجبا لهدم الشّريعة نظرا الى القطع بتحقق ما يطابق الواقع فى نوع المظنونات باعتبار كثرتها و كذا فى الرابع لافضاء التخيير الى ما ذكر و مخالفة المرتضى و قوله بالتخيير فى صورة انسداد باب العلم مما يمكن ان ينزل على صورة الانسداد النادرى على ان مخالفته مما لا يقدح و ان الدليل على نفيه لا ينحصر فى الاجماع بل قاعدة الاشتغال مما يدل عليه فهى من القواعد الشرعيّة فقد بان عدم تحقق الثمرة المذكورة ثم ان هذا بعد الاغضاء و الاغماض عن ان اثبات حجّية الظن لا يكون من ثمرات مسئلة التلازم و ان قطع النظر عما ذكر لان الكلام فيها يرجع الى ترتيب الآثار من اتصاف الحكم‏

113

العقلى بالوجوب و الحرمة الشرعيّين و استحقاق الفاعل للثواب و العقاب فكيف يجرى مثل هذا فى حجية الظنّ و الا فالامر اوضح هذا و انت خبير بان كل ما ذكر مما لا يخلو عن مناقشة بل ان بعضه مما لا يستقيم جدّا اذ دعوى الاجماع على نفس نفى ترجيح المرجوح على الراجح مما هو بين الفساد و تحققه فى عدم جواز ارتكاب ما يوجب هدم الشّريعة مسلّم و لكنه لا يجدى فى المقام فان تحقق القطع بمخالفة الواقع لاجل تقديم المرجوح على الراجح اول الكلام على ان العلم الاجمالى بالمخالفة ليس مما يوجب هدم الشريعة جدّا و الا لجرى هذا الكلام فى مخالفة الاقيسة و نحوها قطعا و من هنا اتّضح الامر فى الرابع ايضا على ان كون مدرك قاعدة الاشتغال مما يفيد القطع من المجازفات و تظهر الثمرة فى بحث اجتماع الامر و النهى فمنكر الحجّية لازم مقالته الجواز من حيث القاعدة كما ان لازم قول القائل بالحجية عدم الجواز و التقريب بان منع الجواز اما الانحصار المقدّمة فى الحرام او لاجل كون متعلّق الاوامر و النواهى هى الافراد دون الطبائع فلما كان الاول خارجا عن حريم النزاع فى تلك المسألة بناء على ان عدم جواز فى تلك الصورة مما انعقد عليه الاجماع لكون التّسبيب من قبل الامر لا المامور فالنزاع فى صورة تعدد المقدمة من المحرّم و غيره و كان الثانى خلاف ما يقتضيه التحقيق لكونه مبنيّا على عدم وجود الكلى الطّبيعى و تحققه فى الخارج علم ان وجه عدم الجواز منبعث عن حكم العقل بحسن المامور به و قبح المنهىّ عنه و حكمه بعدم جواز اجتماع شيئين متضادين فى مورد واحد هذا كما اشرنا اليه بملاحظة ما ذكر من البناء على كون متعلق الاحكام هى الطبائع و قطع النظر عن الامور الأخر من ادلة المانعين و المجوزين فلا تغفل و تظهر ايضا فى حجية ظن المتجزى و عدمها بناء على كون المسألة غير منصوص او كون ما فيها من النصّ غير ناهض لاثبات المط باعتبار دلالته او بكونه من الآحاد فلازم قول القائل بحجّية العقل حجّية ظن المتجزى بيان ذلك ان العقل يحكم بعدم جواز تقديم المرجوح على الراجح كما يحكم بعدم جواز التسوية بينهما و كما يحكم بلزوم دفع الضرر المظنون و التقريب فى الكل واضح و قاعدة الاشتغال مما لا يتمشى فى المقام لكون المسألة خلافية على انك قد عرفت الكلام فيها فانحصر الطريق فيما ذكرنا و استصحاب الاحكام الاجتهادية و حجية الظن فى شان من كان مسبوقا بالاجتهاد المطلق و اتمام المطلوب بعدم القائل بالفرق ليس اولى من تعكيس الأمر و ترجيح الاستصحاب الاول بكونه اقل موردا بناء على ورود ما هو كل على ما هو اكثر موردا كما يصنع ذلك فى العامين من وجه كل ليس اولى من ترجيح الاستصحاب الثانى بناء على كون التعدد و الكثرة فى الموارد مثل الكثرة فى الاخبار فيقدّم الاكثر كل على الأقل كما يصنع ذلك فى الاخبار المتعارضة على ان كلّا من المرجحين مما ليس فى محلّه اذ تقديم الاقل موردا على خلافه فى العامين من وجه لفهم العرف كما ان التعكيس فى الاخبار المتعارضة بالنظر الى كثرة الادلّة و قلتها و ذلك كما ترى مما لا يجرى فى الاستصحابين المذكورين و ما شابهها فت ثم لا يقال انّ ما ذكر من الثّمرات مما لا التصاق و لا مساس له بالمسألة و ما فيها من النزاع اذ النزاع فيها فى العقليات الاستقلالية لا العقليّات التبعيّة و فيما يستحق الثواب و العقاب لا غير ذلك فلا يكون ما ذكر من ثمرات النزاع لانا نقول انّ هذا الذى اشير اليه و ان كان يعطيه بعض ادلة الطرفين الا انّ العنوان فى المسألة اعمّ مع ان بعضا من الادلة و الوجوه مما يحد و اليه فالكلام فى حجّية العقل و عدمها و كونه بمنزلة الادلة الشرعية و عدمها فلا ريب فى ترتب المذكورة على ذلك اذ التزام ان القائلين بعدم الحجية يقولون بالحجّية فى امثال ما ذكر من المجازفات المحضة على ان المقدمات التى لا يترتب على فعلها الثواب و تركها العقاب هى التى لم يتعلق بها الخطاب الاصلى من النقلى و العقلى و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل جدا لا يقال ما الفرق بين ساير المقدّمات و بين ما اشير اليه حيث يقول بالاستفادة العقلية التبعيّة فى ساير المقدمات و الاستقلالية فيما اشير اليه قلت الفرق واضح فان غير ما اشير اليه يلاحظ فيه الخطاب بذى المقدّمة لحاظا تفصيليّا بتعيين الخطاب من اللّبى او اللّفظى بخلاف ما اشير اليه لا يقال انّ مناط الامر و ملاكه فى‏

ترتب الثواب و العقاب و عدم ذلك ليس على كون الواجبات اصلية او تبعية بل على النفسية و الغيرية فالمقدمات من قبيل الثانى و ان كانت مما تعلق به الخطاب بالاصالة لانا نقول ان هذا اول الكلام فانّ مقتضى حدّ الواجب و ما يلزم عليه كون المدار فى ترتب الثواب و العقاب على الاصلية و التبعيّة على ان عدم اتصاف المقدّمات بالوجوب النفسى و انتفاء هذا الاتصاف عنها بالكلية مما لا دليل عليه اذ كما يصح ان يعرف الواجب للغير بما يكون وجوبه منوطا بوجوب غيره و يكون عين وجوبه لنفسه عين وجوبه لغيره يطير وجود الاعتراض اذ وجودها فى انفسها عين وجودها فى موضوعاتها و لا يكون مما لا يتصف بالحسن و القبح من حيث هو و من حيث قطع النظر عن ذوى المقدمات كذا يصحّ ان يفسّر بما يكون المصلحة فى ايجابه هو التوصّل الى ما هو له مقدمة و ان كان مع قطع النظر عن ذلك مما يتصف بالحسن و المصلحة ايضا فى الجملة فلا ضير فى كون الواجب للغير مثل الواجب لنفسه فى المحبوبية و المطلوبيّة فعلا و المبغوضية تركا فينبعث عن ذلك ترتب الثواب و العقاب و بالجملة فرق واضح بين الواجب للغير و الواجب بالغير و الاول اعمّ فغاية ما نسلم من عدم ترتب الثواب و العقاب عليه انما اذا اتّحد مع الثانى مصداقا لا غير فخذ الكلام بمجامعه فى امثال ما ذكر من الثمرات ايضا فت و تظهر ايضا فى حجية الاصول العملية من اصل الاباحة و اصل البراءة و اصل الاشتغال و عدمها اذا قلنا ان غير العقلى مما ذكروا فى حجّيتها (1) باعتبار الدلالة او باعتبار عدم التعويل فى المسائل الاصولية الا على ما يفيد القطع و ايضا فى مخالفة آية او خبر

____________

(1) غيرنا بعض فى اثبات حجيّتها

114

او خبر من المتواترات اللفظية او الآحاد فعلى القول بالحجّية تنزّل او تؤل على طبق حكم العقل لكونها من المتشابهات و ان كانت مع قطع النظر عن معارضتها لحكم العقل مما له ظاهر و ايضا فى فسق المخالف لحكم العقل فلا يقبل شهادته و لا يصحّ توليته على القول بالحجّية هذا اذا كان ممن اذعن بالحجّية لا مط فت و ايضا فيمن لزمه العمل على الفور و ان كان مجتهدا و هو لا يقدر على السؤال او مراجعة الادلة و ان علم ان هناك ادلة فى الجملة فت و ايضا فى احكام اهل الفترة و ان فسّرناها بفتور ظهور الحجة و القول بان ذلك انما يتم اذا انطمس آثار الشرائع السّابقة قبل ظهور الحجّة و الاصل عدم ذلك مما لا يصغى اليه لان الثمرة تتحقق و ان بقيت منها آثار فت و ايضا فى اهل البلاد النائية عن بلاد الاسلام و هم اكثر من ان يحصوا من غير فرق بين الاعتقادات و غيرها لانه لا يفرق فى القطع بين المجتهد و غيره فت و ايضا فى خدام اهل الكفر الممتهنون بالاعمال و ان قربوا من بلاد الاسلام و فى من بعد عنه العلماء او حيل بينه و بينهم و ايضا فى ترتب الآثار الشرعية و الاحكام الوضعيّة مما لا يؤثر فيه الاسلام كالحاق النّسب بمن وطى احدى محارمه حين كفره و ان كان ذلك بعلقة و عقد بينهما مع قطعه بقبحه و كونه مبغوضا فى الواقع على القول بحجّية العقل لا يلحق به النسب لان الحاق انساب الكفار بهم لاجل كون وطئهم من قبيل الوطى بالشبهة عندنا و ليس ذلك منه على الفرض المذكور نعم يلحق النّسب به على القول بعدم حجية العقل اذ ح يكون من قبيل الوطى بالشبهة فت و ايضا فى قاعدة التسامح بناء على عدم اعتبار الاخبار الواردة فيه لوجه من الوجوه المتقدّمة فت و ايضا فى جعل الظن الغير المعتبر مرجحا فى مثل اشتباه القبلة اذا بنى الامر على عدم الاحتياط بالاتيان الى الجهات الاربع لمدخولية ما له من وضع الالفاظ للصّحيح و الاشتغال فى مقام الشك فى الشرطية و وضع الالفاظ للامور النفس الامرية و الانصراف اليها و كذا فيما تعارض دليلان ظنّيان و كان الظن الغير المعتبر مع احدهما فعلى القول بالحجّية تؤخذ ما هو معه المرجّح و يتعين لحكم العقل بعدم جواز التسوية بين الراجح و المرجوح كحكمه بلزوم الاحتراز عن الضرر المظنون و قاعدة الاشتغال ايضا يدلّ على ذلك الا انك قد عرفت الكلام فيه فت و ايضا فى التخيير فيما دار الامر بين المحذورين مع تحقق العلم الاجمالى فى البين فالعقل حاكم بالتخيير و القول بان هذا يستفاد من الاخبار العلاجية فى معارضة الاخبار بتنقيح المناط القطعى فلا يتحقق الثمرة ليس فى محلّه لمنع هذا التنقيح القطعى نعم يمكن ان يقال ان هذا يثبت بعدم جواز التكليف بما لا يطاق و هو مما دل عليه من الشرع ما يعول عليه فتبقى الثمرة و ايضا فى تكليف المسلم القاصر بالفروع التى يستقل بها العقل فيثبت هذا على القول بالحجية فت و ايضا فى تكليف قاصرى الكفار بالفروع التى يستقلّ بها العقل فيثبت هذا على القول بالحجّية و على عدمها يختصّ التكليف فيها بالمقصرين هذا كله على ما هو الحق من ان الكفار مكلفون بالفروع و الا انتفت الثمرة من هذه الجهة فت و لا تغفل‏

خزينة: فى بيان كلية ما حكم به العقل حكم به الشرع و فيها مقامات:

خزينة فى بيان كلية ما حكم به الشّرع فقد حكم به العقل فالكلام فيها يقع فى مقامات‏

المقام الاول: فى بيان امور لا بدّ من بيانها

الاول فى بيان امور لا بد من بيانها اعلم ان العقل هنا كما يحتمل ان يراد منه القوة لغريزية المدركة كذا يحتمل ارادة الواقع و نفس الامر فعلى الأول يحتمل ان يراد بالحكم فى القضيّتين الحكم التفصيلى لكن لا مط بل بعد اخذ قضية فرض الانكشاف و الاطلاع على الواقع فى الثانية كما يحتمل ان يرادّ فيها الاجمالى من غير احتياج الى اخذ ما ذكر او التفصيلى فى الاولى و الاجمالى فى الثانية او العكس و هذا كله يجرى على الثانى ايضا إلّا انه لا يحتاج الى اخذ ما ذكر و اعتباره فى البين اصلا فتصور النزاع و جريانه على الاول و الخامس مما لا شك فيه لكن لا يتصور فيما عداهما الا فى بعضه على بعض الوجوه كما ستطلع على سرّه فى تضاعيف البحث و اعلم ان النزاع فى هذه المسألة يرجع الى النزاع فى ان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد الكامنة فى الافعال ام لا فالتعبير فى العنوان بكل من الامرين سائغ ثم ان لازم مقالة الاشاعرة فى انكارهم ادراك العقل الحسن و القبح بالمعنى المعهود انكار هذه الكلية ايضا من اصلها بل هذا مذهبهم لان هذه الكلية كسائر المباحث المتقدّمة من ادراك العقل استحقاق الفعل للثواب او العقاب و غير ذلك و حجية العقل مما يدور مدار مسئلة ادراك العقل الحسن و القبح فنا فى هذا لازم مذهبه انكار غيره حتى الكليّة التى نحن فى صدد بيانها نعم ليس لازم مقالة المثبتين لذلك الاذعان بجميع ما يتلوه و لهذا وقع النزاع فى بعض ذلك من بعضهم ثم المتراءى من البعض ان العدلية و الاشاعرة فى هذه المسألة على طرفى النقيضين من الايجاب الكلى و السّلب الكلى إلّا انه مما لم يقع فى محله اذ هذا و ان كان هو المتراءى من كلام الاوائل و الاواسط و الآخر الا ان جمعا من العدلية نازعوا فى هذه الكلية فلم يثبتوا الحكم المذكور فيها على سبيل الكلية بل على سبيل الجزئية إلّا انهم قد تشتتت آرائهم و اختلفت كلماتهم فبعض منهم قد مال ميلا ما الى ما ذكر و بعضهم قد صرّح به و اخذه مذهبا و اقام عليه الادلة و كيف كان فالاشاعرة على السّلب الكلى كما ان اكثر العدلية على الايجاب كل و بعض منهم على الايجاب الجزئى هذا

المقام الثانى: فى بيان كون الحق مع العدلية

المقام الثّانى‏ فى احقاق الحق و ابطال الباطل فالحق فيه هو ما عليه اكثر العدلية لوجوه الاول انه لو لم يكن الشرعيّة بجميع اقسامها على وفق المصالح و المفاسد الواقعية بحيث لو اطّلع العقل عليها حكم بكونها فى محازها التى يلزم منها صدور الاحكام الشرعية على طبقها لما كان العقل حجة قاطعة و دليلا شرعيا لانّ حجية العقل فى مرحلة الظاهر انما تبتنى على عدم تخلف الحكم الشرعى عما عليه الافعال فى الواقع فاستقلال العقل فى الادراك و عدمه بالنسبة الى ذلك سواء فقد

115

تبيّن بالبراهين السّاطعة حجّية العقل فانقدح من ذلك لزوم موافقة الاحكام الشرعيّة للاحكام العقلية الواقعية و بالعكس لا يقال لا ملازمة بين تخلف الحكم الشرعى عما عليه الفعل فى الواقع و بين عدم حجية العقل فيما استقل به فى مرحلة الظاهر نظرا الى ان العقل اذا ادرك جهات الفعل حكم فى الظاهر بثبوت التكليف عملا بعموم الآيات و الاخبار و ان قضية جهات الفعل وقوع التكليف على حسبها ان لم يعارضها مانع و لا يكتفى فى المنع عن ذلك احتماله و لا الشك فى وجود جهة فيه تعارض تلك الجهة نظرا الى اصالة عدمها او الى حكم العقل بقبح الفعل او الترك و الحال هذه حكما واقعيا و ان كان مبناه على الظاهر و لهذا يستحق الذم عليه و ان انكشف بعده وجود الجهة المعارضة فيه فان ارتكاب القبيح الظاهرى قبل انكشاف الخلاف قبيح واقعى كالحرام الظاهرى و الحاصل انه يجوز ان لا يكون ملازمة عقلا بين حسن الفعل مثلا و وقوع التكليف به و مع ذلك يكون العقل حجة فى مرحلة الظاهر لانا نقول ان هذا الكلام غير مستقيم جدّا لانه اذا انتفت الملازمة الواقعية عقلا بين حسن الفعل مثلا فى الواقع و بين كونه واجبا عند اللّه و وقوع التكليف و الامر على حسبه و جوز العقل تخلف الحكم الشرعى عن العلة الواقعية و المصلحة النفس الامرية بل وقع ذلك مرة بعد مرة فكيف يحكم على سبيل القطع بانه واجب عند اللّه او حرام عنده فالمناط فى الملازمة و حجية فى المرحلة الظّاهرية على ثبوت الملازمة الواقعية و كون الاحكام تابعة للمصالح النفس الامرية فان قلت قد حكمت بحجية العقل فى مرحلة الظاهر ح مع اختلاف القاطعين فى شي‏ء واحد فلم يمنعك عن ذلك عدم اصابة قطع كل قاطع للواقع فلم لا تجوز حجّيته فى هذه المرحلة اذا جوّز العقل تخلف الحكم الشرعى عن العلّة الواقعية و المصلحة النفس الامرية بعد حكمه بالملازمة واقعا مع انّ الوجه من احتمال عدم الاصابة للواقع فى الكل جاز قلت الفرق بين الامرين فى غاية الاتضاح اذ الاول انما كان مبنيا على ثبوت التطابق بين الاحكام العقلية و العلل الواقعية المنبعث منه القطع يكون ما حكم به العقل هو حكم اللّه و احتمال عدم الاصابة للواقع ما كان من عند القاطع بالحكم الخاصّ اذ القطع لا يسعه الاحتمال و ليس الكلام هنا مثل الكلام هناك لانه اذا بنى اساس المقام على عدم لزوم التطابق و صار حكم العقل فى المقام جواز تخلف الاحكام الشرعيّة عن العلل الواقعية و عدم ابتنائها على مصالح الافعال و كان ذلك ضابطة و اصلا فى المقام فكيف يحكم العقل بكون مدركه بادراك جهات الفعل حكم اللّه فى الواقع حكما واقعيا و الحاصل ان ما قرر من عدم التعويل على الشك فى وجود الجهة المعارضة لجهات الفعل نظرا الى ان المحتمل لا يصلح فى نظر العقل لمعارضة المقطوع به او الى دفعها بالاصل ثم الحكم بان العقل يحكم واقعيا بالحكم الشرعى و ان كان مبناه على الظاهر لا يناسب القول بتخلف الاحكام الشرعيّة عن العلل الواقعية و المصالح الافعالية ثم ان ما تمسّك به من الآيات و الاخبار انما يدل على المختار من عدم جواز تخلف الاحكام الشّرعية عن المصالح الواقعية فى الافعال فتمسّك القائل بالتخلف بها عجيب غريب فت الثانى انه لو لم يكن الاحكام على طبق المصالح النفس الامرية او ان كانت مما تتخلف عنها و لو كان ذلك فى بعض المواضع للزم اللّغو و العبث فى احكامه بملاحظة خصوصيات الاحكام فى الوقائع الخاصة و لو لم يلزم ذلك بالنسبة الى سنخ التكليف و نوع الاحكام من حيث اداء ذلك الى اللّطف و تعريض الثواب و الابتلاء فان قلت انما يناط الامر بمصالح التكليف لا بمصالح الافعال نعم قد يكون مصالح الافعال و جهاتها من جملة جهات التكليف و مصالحه فاذا كان الامر كل سقط قضية اللغوية و العبث اذا قلنا بالتخلف قلت انّ مصالح التكليف مشتركة بين الافعال و الاحكام فهى توجد و لو حرّم الشارع الواجب العقلى الواقعى او اوجب الحرام فمثل ذلك لا يحصل به الامتياز و لا يناط عليه الامر فقضية اللغويّة و العبث مما ينهض على اثبات المط و ستعرف الكلام المشبع فى عدم جواز اناطة الامر على مصالح التكليف و بيان المعنى المقصود من مصالح التكليف فان قلت القول بجواز التخلف و عدم التطابق بين الاحكام الشرعيّة و المصالح النفس الامرية لا يستلزم العبث و اللغوية اصلا لان الغرض من التكاليف بجميع انواعها هو التعبّد و الانقياد و الاطاعة فلما كان الامر بكل الافعال كالنّهى عن الكلّ مستلزما للتكليف بما

لا يطاق اختصّ طائفة منها بالامر و طائفة بالنهى و صار اخرى مباحة و تعيّن سلسلة المأمورات و الواجبات لتعلق الامر بها كتعين سلسلة المنهيات لتعلق النهى بها و كونها محرّمة لتحصيل غرض آكدية الابتلاء و الامتحان و ذلك بان القسم الاول مما يرغب الطباع عنه و يشقّ عليها فعله كما ان الثانى مما يميل و يرغب اليه الطباع فاندفاع قضيّة لزوم العبث و اللغوية بملاحظة الانواع كما يكون بتطابق الاحكام للعلل الواقعية كل يكون بذلك فلا غائلة فى جواز التخلف على انّ هذا مما لا يؤيده قول الفقهاء فى مواضع عديدة و ان هذا من الاحكام التعبّدية و ان ذلك من الواجبات التعبّدية بل يشهد به قوله تعالى‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ و قوله تعالى‏ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ و التقريب بان المستفاد من ذلك حصر وجه الخلق و الامر فى حصول التعبّدية المحضة و الانقياد الصرف فالقول بلزوم التطابق ينافى ذلك لان المقصود ح يكون بتحصيل المصالح النفس الأمريّة قلت انّ ما ذكر لا يدفع الضيم جدّا و لا يحسم القضيّة المذكورة قطعا فان سلسلة المكروهات ايضا مما يميل اليه النفوس كما ان سلسلة المندوبات مما يرغب عنه الطباع و تصفح عنه فاذا لم يراع التطابق جرى قضيّة لزوم اللغويّة بالنسبة الى الانواع على ان هذه‏

116

ان هذه الدعوى على سبيل الكلية من كون الواجبات مما لا يميل اليها الطباع دون الافعال المنهية مما لا يصغى اليه و ان اختصاص منهية عبادة من العبادات باجزاء و شرائط معتبرة فيها اذا لم يكن لاجل مراعاة التطابق و تحصيل المصالح النفس الامرية مما يفضى الى جريان قضية اللغوية بلا ريب فى المقام و كذا الكلام فى المعاملات و الاحكام الوضعية و التمسّك بقول الفقهاء و التاييد به كالاستشهاد بالآيتين و ما فى معناهما غريب اذ قد عرفت ان مقصود الفقهاء بيان ما يحتاج الى النية و قصد القربة بتقسيم الواجبات الى التوصلية و التعبّدية فالاول مما لا يحتاج الى النيّة دون الثانى و ان كان ذلك بملاحظة عدم الاطلاع على وجه من وجوه الحكم و علله او الاطلاع على ذلك و انى هذا من التاييد لجواز التخلف و كون العلّة الغائية لخلق المكلفين هو التعبّد لا يستلزم عدم لزوم التطابق بين الاحكام و العلل الواقعية و هذا واضح و ان قطع النّظر عن كون العبادة فى الآية مقصودا منها المعرفة و الا فالامر اوضح و استفادة اشتراط قصد القربة فى العبادات من الآية و اختصاص العبادة للّه تعالى بالاحتراز عن وصمة الرياء و السّمعة و لا تنافى القول بلزوم التطابق هذا و قد يقال فى دفع هذا السؤال و حسم ذاك الاشكال ان الاحكام بملاحظة الافعال تتنوّع على انواع منها ما يقطع فيه بان الداعى على تعيين الخصوصيّة ليس الا تحصيل كلى نفس العبودية و هذا كما فى ايجاب الصّلاة و الصوم و منها ما يقطع فيه بان الداعى على التعيين هو صيانة احترام المعبود و عدم هتكه و عدم الغفلة عنه و بعبارة اخرى مراعاة عدم تطرق خلاف التعبّد كما فى النهى عن مسّ المحدث الكتاب الكريم و لبث الجنب فى المساجد و نحو ذلك و منها ما يقطع فيه بان الداعى عليه غير التعبّد بلا توسيط شي‏ء و ان آل اليه بالتوسيط و هذا كما فى ايجاب رد الوديعة و منها ما يقطع فيه بان الداعى عليه امران من عدم لزوم خلاف التعبّد و اختلال النّظم و هذا كما فى النّهى عن شرب الخمر و منها ما يكون حاله مما شكّ فيه بان لا يعلم ان الداعى عليه هل هو عدم لزوم خلاف التعبد ام غيره و ذلك كما فى النهى عن نكاح المحارم فاذا علم ذلك فمنكر التطابق ان ادّعى فى كون الغرض هو محض التعبّد ادّعائه على وجه الايجاب الكلى فهو محجوج بما علم فى طى هذه الاقسام و ان ادّعى ذلك على سبيل الايجاب الجزئى فنسلّمه اذ هذا مما لا يضرّنا فنقول لو لم يكن الاحكام على طبق المصالح النفس الأمريّة و العلل الواقعية فيما ليس الدّاعى فيه على تعيين الخصوصيّة محض التعبّد و صرف الاطاعة للزم العبث و اللغوية و ذلك و ذلك كاف فى اثبات المرام هذا حاصل كلام هذا المجيب و لبّ مرامه و انت خبير بما فيه من عدم الاستقامة فليت شعرى ما ألجأ هذا المجيب الى هذا النحو من الجواب حيث اذعن بجواز التخلف مع انه ممن يقول بلزوم التطابق على وجه الايجاب الكلّى بل كان يدعى انحصار القول فى هذه المسألة فى القولين من السلب الكلى و هو قول الاشاعرة و الايجاب الكلى و هو قول العدلية فما عدا عما بدا و لعلّه قد اضطر الى القول بذلك بالآيات فخصّصها ببعض الصور التى اشار اليها فقد عرفت عدم دلالة الآيات على ما له مدخلية فى المقام و ليس المصير اليه لاجلها الا توهّم محض و الحاصل ان ذلك التقسيم على هذا النهج و الاذعان بان الداعى على تعيين الخصوصيّة فى بعض الاقسام ليس الا محض التعبد مما لا يصغى اليه أسلاء التحقيق و اخلاء التدقيق ان اريد من ذلك نفى التطابق و الاذعان بجواز التخلف فى بعض المواضع كما هو ظاهر كلام هذا القائل و سياق مرامه بل هو صريح فيه و نص به و ان اريد فرضا فقد وجوه الحسن مثلا و علل الحكم بحسب الظاهر الا محض التعبّد و الاطاعة و الانقياد و ان كان الحكم مما اعتبر فيه كونه على طبق المصالح الواقعية للفعل فى نفس الامر فيرد عليه ان الكلام المسوق للجواب بذلك التفصيل الذى عرفته يمنع عن الحمل على ذلك اذ هذا مما لا يكون ح من الجواب فى شي‏ء فلا بد من ذكر ما اشرنا اليه فى الجواب على ان التقسيم المذكور مما لا يخفى وهنه على الفطن الثالث ان اختلاف الاحكام و تنويعها على الانواع الخمس ان كان مسبّبا عن اختلاف مصالح الافعال فى نفس الامر و تغاير عللها ثبت‏

المط و الا لزم ما ينفيه العقل القاطع من التحكم و من ترجيح المرجوح على الراجح او التسوية بينهما و بعبارة اخرى ان عدم التطابق اما ان يكون باعتبار سلب الموضوع بمعنى عدم وجود الصفات و المصالح فى نفس الامر و اما باعتبار سلب المحمول بمعنى عدم لزوم التطابق فعلى الاول يلزم الاول و الثانى على الثانى مع ان غير الاشاعرة غير قائل بالاول جدّا و النزاع فى هذا المبحث فى الحقيقة مع غير الاشاعرة من القائلين بجواز التخلّف مع قوله بتحقق المصالح للافعال فى نفس الامر ثمّ بادنى تامل يظهر الفرق بين هذا الدّليل و الدليل السّابق فت الرابع قوله تعالى و يحمل لهم الطيبات و يحرّم عليهم الخبائث و التقريب قد مرّ و حاصله ان المراد من الطيبات و الخبائث هى الافعال كما ان المراد من الحل و التحريم المعنى الاعم الشامل لجميع الاحكام فسياق الآية يدل على انه يعطى كل ذى حق من الافعال حقّه النفس الامرى من الحسن و القبح و التسوية بين الفعل و الترك اى يحكم على منوال المصالح المقررة فى الواقع لكل فعل فلو جاز التخلف و لو بالحكم فيما المصلحة النفس الامرية فيه الاباحة بالندب او الوجوب لم يكن هذا الخطاء لكل ذى حق حقه و هذا توجيه وجيه ظاهر فى هذه الآية و لعل هذا هو مراد بعض المحققين حيث قال فى المقام و الظاهر ان المراد ان كل ما كان طيّبا فى الواقع لا بأمر الشارع يحله لهم و كل ما كان خبيثا فى نفسه لا بنهى الشّارع يحرّمه عليهم و الظاهر من الطيب هو ما لا يكون فيه جهة قبح لا ما كان فيه جهة حسن و ح يندفع احتمال ان ينهى اللّه تعالى عن شي‏ء مع كونه فى نفسه خاليا عن جهة القبح و هو ظاهر لكن بقى احتمال ان يكون شي‏ء ليس فيه جهة حسن مع ان الشارع امر به و لم يبطل ذلك تصريح الآية الشريفة لكنك بعد تأمّلك فى سوق الآية اظنّك حاكما ببطلان هذا

117

الاحتمال ايضا هذا كلامه فت ثم من التامّل فيما اشرنا اليه يظهر لك وجه صحة الاستدلال على المط بقوله تعالى‏ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ‏ و قوله‏ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ايضا و قوله‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ و اما ما قيل فى الاستدلال بالآية الاخيرة و يتم الامر فى غير الناهى بالاجماع المركب ان كان موجودا كما هو كل و الا فيصير هذا ايضا كالدليل الاول فى نفى السّلب الكلى و اثبات الايجاب الجزئى فمما لا وقع له كما لا يخفى وجهه على الفطن الخامس الاخبار المتواترة معنى الدالة على انّه يجب على اللّه بيان ما يصلح و ما يفسد و الاخبار المتواترة الدالة على انه لا يخلو زمان عن امام معصوم ليعرف الناس ما يصلحهم و ما يفسدهم و التقريب فى الكل واضح اذ البيان و التعريف لا بد من ان يسبقا بالمبين و المعرف و المراد منهما المصالح الواقعية السّادس ما وقع فى كثير من الآثار مثل قول الصّادق (عليه السلام) و أسأله التوبة من كل ما يكره فانه لا يكره الا القبيح و التقريب فيه اوضح السّابع انه يحصل العلم القطعى لمن تتبع الآثار و تصفّح الاخبار و لاحظ حال الحجج الطاهرة حيث اجابوا بتقرير العلة و تحقيق السّبب فى كل موضع سئلوا عن العلة و السّبب لحكم من احكام اللّه تعالى و لم يجيبوا قط بان اللّه تعالى قد يأمر بالاشياء و ينهى عنها بدون سبب يوجب ذلك اذا عرفت ما ذكر فاعلم ان مخالفة الاشاعرة فى هذه المسألة على الوجه العام كما عرفت فالنزاع عندهم فى هذه المسألة يرجع الى السّلب الموضوعى لا المحمولى و ان كان تكلّموا فى الثانى و بنوا النزاع عليه فانما على سبيل المماشاة و التنزل كما فى مسئلة وجوب شكر المنعم و مسئلة الاباحة و كيف كان فقد ناقش فى هذه المسألة بعض المعاصرين بعد اذعانه بلزوم التطابق بين الاحكام و المصالح النفس الامرية فى جهة اخرى و ذلك ان المصالح و العلل للافعال المنبعث منها الوجوب و الحرمة و غيرهما لا دليل على كونها هى الحسن و القبح بالمعنى المعروف فلم لا يجوز ان لا يكون للفعل جهة استحقاق شي‏ء منهما و مع ذلك يقتضى سبب آخر الوجوب او الحرمة او غيرهما فالمراد من الحكم فى القضية الثانية من هذه الكلية ان كان ان الواجب العقلى مثلا ما يحكم العقل بكونه لازما لوجود ملزوم فلا نشك فى حقيته لانه لو لا ذلك لزم الترجيح بلا مرجح و ان كان غير ذلك مثل ان يراد بالوجوب العقلى كون الفعل بحيث يكون له جهة استحقاق المدح او كونه بحيث يكون له جهة توجب عدم رضاء العقل بالترك فثبوته غير معلوم و هكذا الكلام فى ساير الاحكام الخمسة هذا و انت خبير بان النزاع فى تعيين المصالح و بيان المراد منها بعد الاذعان بلزوم التطابق مما لا ثمرة له اذ الحرام و الوجوب لا ينفكان عن المفسدة و المصلحة و هما لا ينفكان عن الحسن و القبح و قس على ذلك الامر فى غيرهما فلا فرق فى هذه المسألة بين كون العلل هى الحسن و القبح او ملزوماتها نعم يثمر هذا الكلام بالنسبة الى القاعدة الاولى و قد بينا وجه ذلك فى بيانها ثم اعلم ان كلام المصطبغ اليدين بالتحقيق و التدقيق جمال الدين الخوانسارى يعطى ميله الى المخالفة فى الجملة حيث قال فى تحقيق له و الحاصل ان حكم العقل بذلك ظاهر مكشوف لا مجال لانكاره و اذا كان العقل حاكما بحسن المتابعة و قبح المخالفة فى ذلك البعض فثبت ما هو المقصود الاصلى هاهنا و هو انّ جميع ما حكم اللّه تعالى فيه يحكم العقل فيه بحسن او قبح و ان كان بسبب حكم الشارع فيه و المناقشة بانّه يجوز ان يكون الواجب تعالى قد حكم بوجوب بعض الاشياء او تحريمه لا بسبب امر فامرها سهل اذ لا فائدة مهمة فى تحقيقه بعد العلم بان كل ما يحكم العقل بحسنه او قبحه يجب ان يكون عنده تعالى كل و انّه بعد حكمه تعالى فى كل شي‏ء يحكم العقل بانه لا مجال الا للامتثال هذا و انت خبير بما فى نفيه الفائدة فى تحقيق ما ذكر و انه مما لم يقع فى محلّه ثم ان السّيد الصدر ممّن خالف فى المسألة حيث قال فى حاشية كتابه الظاهر ان الشارع امتحن المكلفين بالامر و النهى و كثيرا ما يقول القائلون بالحسن و القبح ان هذا واجب او حرام تعبدى و الظاهر ان اكثره مما لا حسن فيه و لا قبح فيه بل يمتحن الشارع عباده به هذا

كلامه و قد عرفت الجواب عن صدره مرارا و اما الجواب عن ذيله مما استظهره فقد يجئ بعد ذلك مع ان ما مرّ كاف فى رده ثم قد يتراءى من بعض المعاصرين ان المخالف غير منحصر فى جمال الدين و السّيد الصدر حيث قال و احتج المخالف فى هذا المقام بانه لو كان كل ما حكم به الشارع لاجل جهة واقعية لزم ان يدرك كل احد ذلك و يفهم فى كل حكم جهة مقتضية له مع انه ليس كل بل قد يدرك جهة الحسن فى الحرام و جهة القبح فى الواجب و بانه لو كان كل امكن ان يدرك العقل تلك الجهة لا من جهة الشرع و يلزمه عقاب المدرك عن الفعل او الترك و هذا كما ترى غير ما اشار اليه جمال الدين و السّيد الصدر و هذا و ان كان يمكن حمله على بيان وجه مخالفة الاشاعرة لو بنوا الامر على المماشاة و التنزل او على ان للمخالف المقدر ان يقول هكذا إلّا انه بعيد لا داعى للحمل على مثله خصوصا اذا لوحظ وجود المخالف من اشرنا اليه واحدا بعد واحد و كيف كان فان بعض المعاصرين قد صرح بجواز التخلف بين الاحكام و المصالح الواقعية الافعالية و اعلن بمخالفة المعظم و ما يقتضيه التحقيق بكلام طويل مشتمل على التدافع و التناقض و التمجمج و الاضطراب و ان كان مع ذلك مما يكشف عن تنطعه و دقته فى المسألة حيث قال ما حاصله انه لا ملازمة عقلا بين حسن الفعل و قبحه و وقوع التكليف على حسبه و انما الملازمة بين حسن التكليف بالفعل او الترك و بين وقوعه نعم جهات الفعل من جملة جهات التكليف فقد يقتضى حسن الفعل او قبحه حسن التكليف به او بتركه و قد لا يقتضى ذلك لمعارضة جهة اخرى فى نفس التكليف فقد اناط الامر على جهات التكليف و مصالحه دون الافعال فله فى المقام كما صرح به دعويان الاولى نفى الملازمة بين الحكم و المصالح الواقعية الافعالية و الثانية اثباتها بين الحكم و المصالح الامرية و التكليفية فقد ذكر للاولى‏

118

للاولى وجوها قد اشرنا الى اكثرها فى السّابق و اجبنا عنه من قضية الصّبى المراهق و الاخبار الدالة على عدم تعلق بعض التكاليف بهذه الامة دفعا للمشقة و من قضية اشتراط جملة من الافعال بقصد التقرب و قضية عدم اطراد العلل فى الاحكام المعللة مع عدم عموم الحكم بحسب الموارد ثم ان من جملة ادلتها وقوع التكاليف الابتلائية فى الشّريعة و منها التكليف التى ترد مورد التقية اذا لم يكن فى نفس العمل تقية و التقريب فى الاول بان حسن التكليف لو كان مقصورا على حسن الفعل لما حسن ذلك و لما وقع و التقريب فى الثانى بان هذا ممكن بل واقع عن الائمة (ع) و ان نمنعه فى حقّه تعالى و حق النبى (ص) ايضا و بالجملة فان هذه متّصفة بالحسن و الرجحان لما فيها من صيانة المكلف و المكلف من مكائد الاعداء و شرهم مع ان ما كلّف به قد يتجرّد عن الحسن الابتدائى و طريانه بعد التكليف من حيث كونه امتثالا لا يقدح فى ذلك فان الكلام فى الجهة المتفرع عليها التكليف لا الجهة المتفرّعة عن التكليف و ليس التكليف هناك بالمصلحة كما توهّم مثله فى الاختيار لانها من لوازم التكليف كالاختيار دون العمل و ليس التكليف ح صوريا محضا مجرّدا الفاظه عن ارادة المعنى لبعده عن مظان الاستعمال مع ان التكليف فى الحقيقة على حسب مؤدّى تلك الالفاظ عند جهل السّامع بخلافها فلا باعث على صرفها عن ظاهرها و تجريدها عن معانيها مع صحّة ارادتها نعم يمكن اخراج ذلك عن موضع النزاع بتخصيصه بتكاليفه تعالى او مع تكاليف النبىّ (ص) و لا يتطرق التقية هناك و انت خبير بانه قد اناط الامر على مصالح التكليف دون مصالح الفعل الواقعية و علّله النفس الامرية كما صرّح به مرة بعد مرة فيرد عليه فى دليله الاول طائفة من الابحاث بها تحسم مادة شبهة و مبنى ما اسّس الامر عليه الاول ان الفعل فى التكليف الابتلائى هو التوطين و هو المطلوب و المحبوب للّه تعالى كما هو المتصف بالحسن فى الواقع و المصلحة فى نفس الامر و ليس مطلوب اللّه متعلّق الامر و ان كان هو المتعلق خاصّة بحسب الظاهر فالتوطين كسائر الافعال من غير فرق بينه و بينها فى كونه ذات جهات و علل يتفرع عليها التكليف و الفرق بين التوطين فى التكاليف الحقيقية التى تكون المطلوب و المراد فيها اتيان الافعال و حصولها و بين التوطين فى غيرها واضح بوضوح الفرق بين الابتلاء المنبعث من التكاليف الحقيقية و التكاليف الابتلائية المحضة الثانى ان ما ذكره من تاسيس هذا الاصل و تقنين هذا القانون مما يرجع بعد امعان النظر الى مذهب الاشاعرة فلا يكون فرق بينه و بين ما عليهم الا فيما يرجع الى ما لا يثمر و يشبه النزاع اللّفظى الثالث انه قد علم ان التكليف عبارة عن بعث من يجب طاعته ابتداء فيما فيه مشقة جنسا من حيث هو مشقة فمصالح التكليف من اللطف و التعريض للعقاب و الابتلاء و استجلاب الخير و دفع الضرر من المشتركات بين التكاليف باسرها فلا يكون ما به الاشتراك من قبيل الفصول المميزة و الامور المعينة فاناطة الامر على ذلك تسوق قضية الترجيح بلا مرجّح و لزوم اللغوية و العبث بملاحظة خصوصيات التكاليف كما عرفت و بالجملة انّ دليله هذا من عدم الاستقامة بمنار اذ من اين علم ان الفعل الغير المتصف بالحسن فى الواقع قد صار واجبا حقيقيا عند اللّه تعالى بمعنى كونه محبوبا و مطلوبا له تعالى بل العلم القطعى حاصل بخلاف ذلك فانّ ذبح إبراهيم (ع) ولده إسماعيل لم يزل عن القبح و الحرمة عند اللّه تعالى كما كان فى مرحلة الواقع و نفس الامر مع قطع النّظر عن تكليف اللّه تعالى كل اذ الامر به فى مرحلة الظاهر مع كونه غير مراد فى الواقع و عند اللّه ما صيّره محبوبا اتيانه و مطلوبا فعله تعالى و انما هو كل فى اعتقاد إبراهيم (ع) نظرا الى ظاهر الامر و كل الامر فى نحوه من الابتلائيات فالمط كما عرفت هو التوطين ثم ان سرّ العدول عن مثل وطن نفسك على الذبح الى مثل اذبح واضح اذ لو عبر بالاوّل لسقط الفائدة من الابتلاء و الامتحان و الحاصل انّ ما ذكره خارج عن حريم النزاع مع اشتماله فى تقريبه على المفاسد اذ قد عرفت ان حريم النزاع و محط التشاجر لم يكن الا فى عدم جواز تخلّف الاحكام الشرعية من الواجبات الحقيقية المرادة المحبوبة عن العلل الواقعيّة و المصالح النفس الامرية و جواز ذلك و هكذا الكلام فى ساير الاحكام فكيف يكون مثل ما ذكر نقضا لعدم التخلّف و

دليلا على التخلف اذ ما كان البحث فى وقوع التكاليف و صدور الخطابات كيف ما كان و انما كان الكلام فى التخلف الحقيقى و الانفكاك الواقعى و ليس ما ذكر من ذلك القبيل جدّا و قد عرفت ان ما اطاله الكلام فيه من قضية ابتناء الامر على مصالح الامر و التكليف مما يعجب و يضحك النكال لما عرفت فان تنطع هذا القائل و أجال فكره و شحذ تخيّله و اصلت غرار جودة فهمه و قال انّ تعيين كلّ حكم ليس بالمصالح المشتركة بين الافعال من مصالح التكليف حتى يرد ما ذكرت من انّ ما به الاشتراك لا يكون به الامتياز بل بها مع انضمام جهات كل واحد من الافعال بالنسبة اليه فهذا مما يحصل به التعيين و الامتياز فلا غائلة فيما ذكر و بنى عليه الامر قيل له ان هذا التوجيه يوقعك فى امّ حبوكرى و داهية اخرى اذ ح يكون ملاك الامر على جهات الفعل و مصالحه خاصّة فهى العلة التامة للتعيين و التمييز او الجزء الاخير منها فيدار على قطعية الاحكام و امتياز بعضها عن بعض فلا فائدة فى ملاحظة جهات نفس التكليف فهى كعدمها فى ذلك سواء فلا يجوز تخلف الاحكام الشرعية عن العلل و المصالح النفس الأمريّة ثم لا يخفى عليك انّ دليله هذا ينافى ما ذكره فى آخر كلامه فى هذا المبحث اذ قد صرّح بعد ذكر ادلته بانه قد ثبت مما حققنا انتفاء الملازمة الكلية بحسب الواقع بين حكم العقل و الشرع ثم قد استثنى من ذلك الوجوب و الحرمة يعنى انهما لا يتعاكسان فلا يجعل الشارع ما فيه المصلحة الوجوبية فى الواقع حراما و لا بالعكس فما عدا ذلك من الاحتمالات المتصورة حتى اخلاء الواقعة عن الحكم جائز فاذا احطت خبرا بذلك يظهر لك انه يرد عليه بالنسبة الى دليله الاول بحث آخر و هو بحث التدافع و التناقض بين ما تضمّنه و بين ما ذكره فى آخر كلامه اذ ما ذكره‏

119

هنا من قضية التكاليف الابتلائية مثل قضية إبراهيم (ع) ان كان ممّا له مدخلية فى المقام و مما يصحّ ان يكون نقضا فى المرام من تخلف الكلّيتين من كلية ما حكم به العقل حكم به الشرع و من عكسها فلا يصحّ قضية الاستثناء فى آخر كلامه و الا لوقع التناقض و التدافع و ان لم يكن مما له مدخلية فى الجهة المذكورة فلا يكون لذكره هنا وجه فالعجب منه حيث بنى على مثل ذلك الكلام اساس الاعتراضات على بعض المحققين فى اعتباره لزوم التطابق على الوجه الكلى و دفعه ما يتوهم فى المقام من انه قد لا يكون فى اصل الفعل رجحان لكنه تعالى يأمر به امتحانا للعبد بقوله فان ذلك لا ينافى ما ذكرنا اذ نفس الابتلاء ايضا مصلحة و ان لم يكن فى نفس المامور به مصلحة مع انه قد يكون المراد بالامر محض الامتحان مثل حكاية إبراهيم (ع) فالمصلحة انما هو فى الامتحان لا فى الذبح مع ان الايثار امر مخصوص للامتحان ايضا دون امر آخر جهة مقتضية و مصلحة معينة لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح فالعقل تابع لما افاده الشرع فاذا اطلع على طلب الفعل من حيث الفعل يحكم بحسن طلبه كل و اذا اطلع على طلبه من حيث الامتحان يحكم بحسن الطلب من حيث الامتحان و هكذا هذا فحاصل اعتراضاته هو ان الابتلاء ليس من مصالح الفعل بل من مصالح الامر فان تحمل الشاق مما لا حسن فيه من حيث هو و انما الحسن فى التكليف و موافقة التكليف و الامتثال به من مصالحه لا من مصالح الفعل اذ الكلام فى الجهات التى يتفرع عليها التكليف لا الجهات المتفرّعة على التكليف و ليس الابتلاء منها و الا لدار و ان المراد بالامر ان كان هو الغرض الداعى الى الامر فهو التزام بمقالتنا و ليس فيه ما ينافيه و ان كان المراد به المطلوب بالامر اعنى المامور به فواضح الفساد لان إبراهيم (ع) لم يؤمر بالامتحان كيف و الامتحان من لوازم صدور التكليف الابتلائى سواء فعل المامور او لا اذ على التقديرين ينكشف الحال فيحصل الامتحان و انّ اراداته امتحان إسماعيل (ع) و انه راجح فهو مما لا يدل عليه الآية و لم يذهب اليه ذاهب و ان تخصيص فعل بالامتحان دون فعل لا يستدعى وجود مصلحة فيه بمعنى كونه مما يستحق فاعله المدح بل يستدعى كونه مما يتاتى به الامتحان على القدر المقصود و هو يتبع مقدار مشقة الفعل و كلفته المراعيتين باستعداد المكلف و اهليته فيجوز ان يكون تخصيص بعض الافعال لحصول القدر المقصود من الامتحان به دون غيره و لو قدر هناك افعال متساوية فى ذلك جاز تعيين البعض بناء على جواز الترجيح بلا مرجح و نلتزم على تقدير المنع بلزوم التكليف بالجميع على وجه التخيير او نقول لا بد من سبق البعض بالذكر فيستغنى به عن ذكر الباقى هذا و انت خبير بان كلّ هذه التكلّفات و التحملات البعيدة انما نشأت عن ابتنائه الامر و اناطته الحال على مصالح الامر و التكليف و زعمه انها مما يصلح للامتياز و المرجحية مع ان سخافة هذه الاعتراضات و ما تضمّنه مما لا يخفى على ذوى الالباب فاول اعتراضاته قد علم الجواب عنه على الوجه الاوفى و البيان المستوفى فلا مساس لكلامه بكلام ذاك المحقق اصلا و لا التصاق له به قطعا و اما اعتراضه الثانى فبيّن الفساد اذ ليس فى كلام ذلك المحقق ما يستلزم الالتزام بمقالة هذا المعترض و لا ما يستلزم الفساد لان مقصود ذاك المحقق ليس الا ما علم فى تضاعيف ما مر من التحقيق الذى قررنا من انه كما يتوجّه الامر بالفعل لاجل حسنه كذا يتوجّه به بسبب حسن شي‏ء آخر و ان لم يكن فى نفس الفعل المتعلق به الامر ظاهر احسن اصلا و لا ضير فيه اصلا اذ غاية ما فى الباب حمل هيئة الامر على المجاز و هذا ايضا غير لازم الا اذ قلنا بانها وضعت لتعلق الطلب بما يكون فى نفسه حسن و بالجملة فالعلة الغائية فى الثانى ليست تحصيل الفعل بل الغرض حصول الامتحان فالمأمور به واقعا هو التوطين و بحسب الظاهر ما تعلق به الامر كالذبح و الامتحان هو الغرض المقصود من الامر على هذا النهج و ليس متعلّق الامر هو الامتحان لا ظاهرا و لا واقعا لانه من الامور التى لا يتعلق بالمكلف المامور جدّا بل يتعلق بالمكلف الامر فى امثال هذه التراكيب و قول الامر للمامور امتحن زيدا بالذبح مثلا خارج عن المقام قطعا فمؤاخذة ذاك المحقق بمثل ما ذكر بعيد من الانصاف قريب الى الاعتساف و اما الاعتراض الثالث فلا يليق‏

بان يتصدى للجواب عنه بل الاليق و الاخرى التعرض للاعتذار للمعترض بانه انما نشأ عن ضيق المجال و ضنك المضمار عليه حيث آل امره الى التمجمج و الاضطراب فتارة يقول لا لزوم لكون المرجح هو حسن الفعل و تارة يلتزم بلزوم الترجيح بلا مرجح و تارة يمنع ذلك و يلتزم بلزوم التكليف بالجميع على وجه التخيير ففساد الكل واضح سيّما الاخير لا لانّ هذا يستلزم ان يكون جميع الافعال مما يصلح للامتحان به من قبيل الواجبات التخييرية فى باب الامتحان لان هذا بحسب الامكان لا بحسب الفعلية و بملاحظة حال الآمر لا المامور بل انّ ما ذكره لا يدفع بحث لزوم الترجيح بلا مرجح فيكون التكليف لهذا الوجه البعيد المفقود النظير غير دافع للضّيم فخذ بمجامع الكلام و تامّل ثم الجواب عن دليله الثانى فى غاية الاتّضاح فان الكلام فيه اما راجع الى فعل الائمة (ع) فى تخاطبهم مع المكلفين بخطابات على وفق طريق المخالف للاتقاء عمن حضر فى مجلسهم من المخالفين او الى المكلفين او الى كلا الفريقين فعلى الاول لا شك فى اتصاف فعلهم (ع) من اقوالهم بالمصلحة النفس الامرية او الحسن الواقعى كما لا شك فى اتصاف نفس الاعمال و العبادات على وجه التقية فى مقامها بالحسن و المصلحة فقد انقدح الكلام فى الثالث ايضا فلم يتم النقض على كل من التقادير و لعلّ هذا القائل غفل عن ان الحسن قد يكون بالاعتبارات فالفعل الوارد مورد التقية فى نفسه متصف بالحسن الواقعى فليس الحسن فيه من جهة موافقة الامر حتى يتم النقض بان يقال بانه من مصالح الامر و التكليف و جهاتهما لا من مصالح الفعل و جهاته ثم ان تقييده هذا النقض فى ذلك الدليل ساقه بقوله اذا لم يكن فى نفس العمل تقية مما لم‏

120

مما لم يظهر له وجه فان كان مقصوده ارجاع التقية او الاتقاء الى فعل الائمة (ع) خاصّة فمع انه لا يساعده ذيل كلامه يرد عليه ما مر و ان كان المقص منه الاحتراز عن ورود ايراد قضية ان الحسن قد يكون بالوجوه و الاعتبارات عليه ففساده ظاهر اذ لا مساس له بذلك اصلا و ان كان المقص ان الملحوظ فى هذا النقض نفس التكاليف من حيث هى هى مع قطع النظر عن ملاحظة فعل الائمة (ع) و المكلفين فانت خبير بانه ايضا مما لا مساس له بالمقام لان العنوان فى التطابق بين الحكم و الفعل على ما هو عليه فى نفس الامر لا فى صدور الخطابات كما عرفت ذلك فى تضاعيف الجواب عن الدليل الاول هذا فت ثم العجب من عدول هذا القائل فى آخر المبحث عما ذكره او لا فان مقتضاه جواز التخلف مط و لو كان بتبديل الواجب عن القبيح الواقعى او بالعكس لكن قد عدل عن ذلك فى آخر المبحث و صرّح بجواز التخلف كجواز اخلاء الواقعة عن الحكم الا ما اشير اليه فان قلت انّ هذا لاجل الآيات من قوله تعالى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و نحوه فتكون واردة على ما اسس عليه الامر ورود الخاصّ على العام قلت ان هذا عجيب غريب لانه انما بنى الامر على جهات التكليف و الفحشاء النفس الامرية لا تكون من الفحشاء فى باب التكليف لاحتمال وجود جهة معارضة اقوى يكون التكليف بها منضما اليها ساير جهاته حسنا كما زعمه هذا القائل على ان الآيات على ما عرفت من ادلة المختار من التعميم و الشّمول فى المقام فت‏

المقام الثالث: فى بيان الثمرة فى هذا النزاع‏

المقام الثّالث‏ فى بيان الثمرة فى هذا النزاع اعلم انه كما يلزم من انكار هذا القانون انكار ادراك العقل الحسن و القبح كما عليه الأشاعرة فكذا يلزم من انكاره انكار حجّية العقل فى مرحلة الظاهر كما بيّن وجهه فى تضاعيف ما مر فثمرات المبحث السّابق مما يكون من ثمرات هذا المبحث ايضا و من جملة الثمرات لهذا المبحث قضيّة عدم جواز خلو الواقعة عن الحكم فهذا لازم من اذعن بهذا القانون فللمنكر تجويز خلو الواقعة عن الحكم فت‏

خزينة: فى بيان منشأ الحسن و القبح فى الأفعال‏

خزينة فى بيان منشإ الحسن و القبح فى الافعال و بيان المقتضى و العلة فى ذلك و هذا هو العنوان المتداول فى السنة الاصوليّين بانهما هل هما ذاتيان او بالصفات الحقيقية اللازمة او بالوجوه و الاعتبارات و بعبارة اخرى ان المقتضى لهما هل هو ذوات الافعال او صفاتها اللازمة او الوجوه و الاعتبارات فيقع الكلام فى هذه الخزينة فى مقامات من بيان الاقوال فى المسألة و الاشارة الى تاسيس الأصل و هل هو يوجد فى البين ام لا ثم احقاق الحق و ابطال الباطل و بيان الثمرة للنزاع و قبل الخوض فى المقامات‏

و فيها مقدمات:

لا بدّ من تمهيد مقدّمات ليتّضح بها المرام‏

الاولى: فى بيان المراد من الذاتى و قسيميه‏

المقدمة الاولى‏ فى بيان المراد من الذاتى و قسيميه اعلم انّ للذاتى اطلاقات فتارة يطلق على ما يرادف العقلى و يقابل الشرعى و ليس هو بمراد فى المقام اذ هو بهذا المعنى يشمل المذاهب فيه و تارة يطلق و يراد منه ما هو المنسوب الى الذات اى الى تمام الحقيقة و الماهيّة انتساب الجزء من الجنس و الفصل اليها و هذا ايضا ليس بمراد اذ لا وجه لارادته فى المقام لان الحسن و القبح ليسا بجنسين و لا فصلين لذوات الافعال و حقائقها و تارة يطلق و يراد منه ما هو المنسوب الى الذات انتساب المعلول الى العلة و المقتضى فيكون المراد انّ الذوات هى العلل و المقتضيات للحسن و القبح و هذا هو المراد فى المقام فح يكون المراد انهما كما يكونان منبعثين عن ذوات الافعال و ناشئين عنها كذا يكون ثبوتهما لها بمجرّد ذواتها من غير انضمام شي‏ء وراء الذات من صفة وجودية او اعتبار امر عدمى على نحو ثبوت الزوجيّة للاربعة حيث لا يفتقر ثبوتها لها الى شي‏ء وراء الذات و يمكن ان يراد من ذلك ان الذات قاضية بثبوت الحسن و القبح و ان امكن ان يعارض الذات جهة خارجة تمنعها عن مقتضاها فالاول اخصّ من الثانى و مرادية كل انهما محتمل الا ان البعض استظهر مرادية الاول نظرا الى ان المحكى عن القائلين بكونهما ذاتيين انحصار جهة الحسن و القبح فى الذات فعلى الثانى ينحصر الامر فيها بل يكون نفس الذات ايضا كاحد الاعتبارات و يشهد له ايضا الايرادات الموردة على القول المذكور فانها مبنية على فهم ذلك من كلامهم هذا إلّا انه لا يخلو عن مناقشة فت ثم المراد بالصّفات المقيدة تارة بالحقيقيّة و تارة باللازمة ليس الصفات الحقيقية المعنوية المصطلحة اى اللازمة للذات تعقلا و تحققا كالانسانية للانسان اذ لا وجه لارادة ذلك فى المقام بل هو لا يتعقل قطعا بل المراد منها الصّفات اللازمة للذات بحسب التحقق و يقابلها الصّفات المفارقة العارضة لها فى بعض الاحوال دون البعض و تكون هذه هى المقصودة من الوجوه و الاعتبارات فالصّفات الحقيقية اللازمة بالمعنى المذكور مما لا يكون فيه مدخلية لاعتبار المعتبر من اعتبار الدّخول فى الذات و غير ذلك و قد يراد من الصفات الحقيقية فى المقام ما اعتبر داخلة فى ماهيّة الفعل و ان كانت فى الواقع من الامور الغير الملازمة للماهيّة بحسب التحقق فعليه يمكن جعل الماهيّة حقيقيتين متغايرتين فيكون الوجوه و الاعتبارات فى قبال ذلك حيث لا تعتبر داخلة فى الماهيّة بل خارجة عنها زائدة عليها الا ان ارادة هذا المعنى من ذلك فى هذا المقام كما عن البعض مما ليس فى محلّه كما ستطلع على ذلك فعلى كل حال فان الصّفات من الحقيقية و غيرها تكون هى المقتضية للحسن و القبح و العلة لهما و ان كان المتصف بهما نفس الافعال و كون الصفة غير مستقلة فى التحقق و الوجود بدون الذات لا ينافى استقلالها فى الاقتضاء و العلية و ذلك كالعلم و العالميّة اذ محل العلة ليس جزءا منها و هذا ظ

الثانية: فى بيان الفرق بين هذه الأمور

المقدّمة الثانية فى بيان الفرق بين هذه الامور فاعلم ان الفرق بين الامرين من الذاتى و الصفاتي بحسب المفهوم و الحقيقة فى غاية الاتضاح و ان لم يكن بينهما فرق بحسب الثمرات فلا حاجة الى ما قيل ان الفرق بينهما كالفرق بين عالمية اللّه تعالى و عالميتنا عند القائلين بالاحوال من المعتزلة بمعنى ان العلة فى الاول هو ذات اللّه تعالى و فى الثانى صفتنا التى هى العلم و كيف كان فابداء الفرق بين الاول و الثالث مما يستغنى عن التبيين‏

121

و كذا الفرق بين الاخيرين كما عرفت فى بيان الاطلاقات و التفاسير و قد يفرق بينهما باعتبار الجهات تقييديّة و اعتبارها تعليلية و اختار ذلك الشيرازى فى حاشية على العضدى بل بنى التفرقة بين الاوّل و الثالث ايضا على ذلك حيث قال ان الجبائى اعتبر الحقيقة التى للفعل فى نفسه و يجعلها متّصفة بالحسن تارة و القبح اخرى باعتبار جهتين زائدتين عليها و هؤلاء اعتبروا الجهة داخلة فى ذاته المعتبرة شرعا و اليه مال السيّد الاجلّ صاحب المنظومة الغروية فى بعض فوائده حيث قال ان محصّل النزاع يرجع الى اعتبار الجهات تعليلية او تقييدية فيه فالجبائية على الاول و الباقون على الثانى فعلى الأول يكون اللطم حسنا لكونه تاديبا و قبيحا لكونه تعذيبا و على الثانى الحسن هو اللطم على وجه التاديب و القبح به و اللطم على وجه التعذيب و اما اصل اللّطم فهو طبيعة لا يقتضى فى حدّ ذاتها مع قطع النظر عن تشخّصها فى ضمن احد القسمين حسنا و لا قبحا كما انّ حقيقة الفعل الشامل للحسن و القبح لا يقتضى شيئا منهما الا بتشخصه او تنوّعه او تخصّصه هذا فاعلم ان هذا النحو من التفرقة و ان كان يخرج القول بالذاتية و الصّفاتية عما فيه من غاية الفساد و يسلّمه عن ورود النقض المشتهر إلّا انه خلاف ظاهر كلمات اصحاب هذين القولين على ان النزاع ح يرجع الى اللفظى و ان الجهات التى تختلف باختلافها الحسن و القبح لا يستقيم اعتبارها داخلة فى موصوف الحسن و القبح مثلا انّ الارث بالهجرة فى اول الهجرة كان واجبا ثم صار حراما و ليس الكون فى العصر الثانى و لا النسبة الى الموروث و الوارث الكائنين فى الزمان الثانى مما يدخل فى المنهىّ عنه و الموصوف بالحرمة و ان اطلاق الصّفات الحقيقية اللازمة على مثل ذلك عجيب و اعجب من ذلك كله عدم التفرقة بين القول بعلية الذات و القول بعلية الصّفات اللازمة باخذ الجهات على الوجه التقييدى فى كلا الامرين و هذا كما ترى فى غاية الغرابة اذ على القول بالذاتى على كلّ من المعنيين الصّالحين لحريم النزاع لا يلتفت الى الصفات اصلا فكيف تعتبر داخلة فى الماهيّة بناء على القول بالذاتى هذا ثم قد افاد فى المقام بعض جهابذة علماء الاصول فارقا بين القول بالصفات و القول بالوجوه و الاعتبارات ما حاصل كلامه و مغزى مرامه ان الفرق بينهما يحتمل ان يكون باعتبار اخذ الجهات تقييدية على الاول و تعليلية على الثانى مثلا ان المتصف بالحسن و القبح الصدق النافع و الكذب الضار على القول الاول فالاتصاف داخل و الوصف خارج و على الثانى المتصف بهما هو الصدق و الكذب لكن المقتضى للاتصاف نافعية الاول و ضارية الثانى فالنفع و الضرر علّتان لاحداث الحسن و القبح فى ماهيّتي الصدق و الكذب ثم نسب هذا الفرق الى السّلطان و جمال الدّين الخوانسارى و الفاضل الشيرازى و السّيد الاجل المتقدّم الذكر الطباطبائى و يحتمل ان يكون مراد القائلين بالاول الصفات المغيرة للماهيّة سواء كانت من الاجزاء كالفصول ام لا كالجهر و الاخفاء فانهما خارجان عن ماهيّة القراءة مغيرتان لها و لا يشترط ان يكون المغير لها جزءا منها كما فى الالوان و الاشكال فان ماهيّة الجسم تتغير باختلافها مع خروجها عنها فيكون مراد القائلين بالثانى ح اتباع الحسن و القبح للاوصاف بطريق الاطلاق اعمّ من التقييدية و التعليلية او يكون مراده من الجهات هى التّعليلية خاصّة و يحتمل ان يكون المراد على الاول اتباعهما للصّفات على سبيل الا بشرطية بمعنى عدم مدخليّة للعلم و الجهل فى ذلك و عدم تغيرهما بهما و على الثانى اتباعهما لهما و تغيّرهما بهما و يحتمل ان يكون المراد على الاول عدم مدخلية للصّفات المغيرة للاحكام من العلم و الجهل و الغضب و الاباحة و الشر و الطهارة و غيرها من الوجوه التى يتّصف الموضوع بسببها باحدى الاحكام الخمسة فى الحسن و القبح بل التعويل فيهما على الصفات التى ليست من هذا القبيل و على الثانى التعويل على الصفات المذكورة و اختلاف الحسن و القبح بها و يحتمل ان يكون المراد ما يتركب من الاحتمال الاول و الاحتمال الثالث كما يحتمل ان يكون المركب من الاول و الرابع هذا و لكن الاول فاسد لاول النزاع الى اللفظى و عدم ترتب الثمرات الآتية على ان اطلاق الصّفات اللازمة و ارادة التقديريّة منها خلاف الظاهر و خلاف الاصطلاح و كذا الثانى و الثالث و الرابع و الخامس لعدم ترتّب بعض الثمرات الآتية ح فتعيّن الاحتمال السّادس فانه هو المناسب للثمرات و مع ذلك كلّه فالاظهر فى وجه الفرق ما افاده الصالح المازندرانى فى شرحه على الزبدة

حيث قال المراد بالصّفات اللازمة الصّفات الداخلة فى الماهية المقومة لها مثلا الصدق حسن لكونه مطابقا للواقع و الكذب قبيح لكونه مخالفا له فيؤكد الحسن اذا اجتمع الصدق مع النفع كما يؤكد القبح اذا اجتمع الكذب مع الضّرر فح يكون مراد القائل بالوجوه و الاعتبارات اتباعهما للوجوه المغيرة للحكم و ان كانت مثل العلم و الجهل هذا لب كلامه و حاصل مرامه فلما امعنت النّظر تجده مدخولا و مخدوشا من وجوه عديدة من جهة ما فيه من نقله عن الغير و ما فيه من تحقيقه الاوّل ان تقريره الاحتمال الاول ينشئ عن عدم كون الجهات التقييديّة عللا عند القائلين بها و المعبرين عنها بالصّفات اللازمة مع ان الامر ليس كل و الثانى ان اعتباره دخول الاتصاف و خروج الوصف مما لم يفده كلام هؤلاء و الثالث ان احتماله الثانى فى غاية الفساد اذ كيف يعد الفصول و الاجزاء من الصّفات فكيف يصير الحسن و القبح المعللان عنها امرا منبعثا عما يقابل الذات مع ان كلامه بان الماهيّات تختلف باختلاف الالوان و الاشكال مما يعجب الثكلى و الرابع ان المقابل ح كيف يكون ما ذكر من الاطلاق من التقييديّة و التعليلية و اىّ معنى لهذا الكلام و الخامس ان اطلاق اللابشرطية على ما ذكره فى الاحتمال الثالث امر عجيب و اعجب منه ما عدّه مقابلا له ح و السّادس انّ ما فى الاحتمال الرابع امر غريب و اغرب منه ابتناء الامر على مثله اذ لم يعهد من احد ان يقول انّ حسن الشي‏ء او قبحه مشروط به و ان الجهل بذلك يخرجه عن الاتصاف بهما

122

بهما فى الواقع او يجعل القبيح حسنا و عدم ترتّب المدح على فعل الحسن مع عدم علمه بحسنه او الذم على فعل القبيح كذلك كما مر وراء ما ذكر على ان عدّ العلم و الجهل من صقع ما ذكر من الغصبية و الاباحة و الشر و الطهارة من الاشتباه المحض اذ على فرض مدخلية العلم و الجهل فى الحسن و القبح ليسا هما من قبيل ساير الوجوه لان ما عداهما يصلح مقتضيا و علّة لهما بخلافهما اذ فرق بيّن بين الحسن لوصفه او لعارضه او لجزائه او لشرطه و بين الحسن لاحدى تلك الأمور بشرط تحقق شي‏ء فالعلم و الجهل ليسا من قبيل المقتضيات و العلل بل من قبيل شروط تحقق الاقتضاء لها و اتى هذا من ذاك فقد بان من ذلك كلّه عدم استقامة احتماله الخامس و السّادس ايضا فما افاده من عدم استقامة الاحتمالات ما عدا السّادس للفرق ليس لاجل ما ذكره‏ (1) و منه ينقدح عدم استقامة السّادس ايضا ثم يشتد التعجب مما استظهره اخير او نسبه ايضا الى الفاضل المازندرانى اذ لا يوجد فى كلامه ما يستشم منه وجه الفرق بين القول بالصفات و القول بالوجوه و الاعتبارات و لعله تشبث بما فى كلامه و مراد المعتزلة هو ان للافعال حسنا و قبحا ذاتيين و لا يلزم منه ان يكون كل حسن و قبح ذاتيا لجواز ان يكون الافعال بعد كونها موصوفتين بالذاتيّين موصوفة بالعرضيّين و ح فقد يجتمع حسنا فى كل فعل كالصدق النافع و قد يجتمع القبحان كالكذب الضار (2) و الكذب النافع و هذا كما ترى قد وقع فى بيان مراد قدماء المعتزلة و دفع ما يرد عليهم و انى من الاشعار ببيان التفرقة بين القول بالصفات و القول بالعوارض مع اعتبار مدخلية العلم و الجهل فيها فخذ الكلام بمجامعه و لا تغفل‏

[الثالثة: فى دفع عويصة تتعلق بمبادى هذا المبحث‏]

المقدّمة الثالثة فى دفع عويصة تتعلق بمبادى هذا المبحث و هى ان فعل الجوارح منحصر فى الحركة و السّكون و هى تمام حقيقة ما تحتهما من الافراد و ان اختلفت بالعوارض الصّنفية و الشخصيّة و هذا فى السّكون واضح و اما الحركة فان قلنا بان القوى منها مخالف للضّعيف فى امر عرضىّ فحكمها حكم السّكون و ان قلنا بانهما يختلفان فى الذاتى كانت الحركة ح حسنا لما تحتها من الانواع المختلفة بالشدة و الضّعف الا ان الشدة و الضّعف مما لا مدخل لهما و لو غالبا فى التحسين و التقبيح مع ان حقيقة الشدة على هذا القول راجعة الى حقيقة الحركة فيلزمها ما يلزمها فيكون منشأ التحسين هو نفس الحركة و هى تمام حقيقة هذه الحركة و ح فان قلنا بانهما ذاتيان لزم ان يكون الحركات اما متّصفة بالحسن او بالقبح و كل الحال فى السّكون و فيما تركب منه و من الحركة فلا يمكن ان يتحقق بالنسبة الى كل نوع إلا حكم واحد و اما كلّ صنف من الحركة او السّكون اذا جعل مركبا مع صنف آخر من نوعه فلا يصح ان يخالف حكمه لحكم النوع لاتحادهما فى تمام الحقيقة التى هى منشأ الحكم و اختلافهما فى العوارض الضيفة لا يؤثر فيه بناء على القول بالذاتية و الحاصل ان القول بالذاتية مع قطع النظر عن الايرادات التى اوردوها عليه مما لا يمكن ان يتعقل فى نفسه و هل القول به الا من المجازفات الصّرفة اذا عرفت هذا فاعلم ان ذاتى كل شي‏ء انما هو يلاحظ بالنّسبة الى صقعه من الجواهر و الاعراض و من المتاصّلات فى الوجود و التبعيّات فيه و من الاعتبارات التى يوجد لها منشأ انتزاع فى الخارج و من التبعيات التى ليست كل و قس على ذلك فى ذلك الحقائق التامة و الماهيّات الكاملة ثمّ ان هذا كما يلاحظ بالنسبة الى الواقع و حاق نفس الامر فكذا يلاحظ بالنسبة الى العرف فقد يتحد العرف فى ذلك مع الواقع و قد يختلفان ففى صورة الاختلاف فالتعويل على العرف و ملاك الامر عليه فلا شك ان افعال المكلفين من الطاعات و العبادات و المعاصى و الشرور انواع مختلفة و حقايق متباينة فى نظر اهل العرف و ليس السّكون و الحركة الا بمنزلة الجنس بالنسبة الى الانواع و الذاتى بالنسبة الى تمام الحقيقة و الماهيّة فالصّلاة مثلا حقيقة متمايزة عن الصّوم و الزكاة و هكذا و كل هى متمايزة عن المعاصى من الزنا و شرب الخمر و نحوهما بالامتياز النوعى و مباينة لها بالمباينة الحقيقية لا الصّنفية و الشخصيّة و قس الامر على ذلك فى اجزاء العبادات و اركانها و شرائطها و هذا كله بعد تسليم انحصار افعال الجوارح فى الحركة المنحصرة فى مقولة الوضع و الاين و الكم و الكيف و ما يقابلها اى السّكون و الاغضاء عما فيه و الا فاندفاع العويصة امر بين هذا و قد يقال فى الجواب انا نمنع انحصار الفعل فى الحركة و السّكون فان ما يلحقهما من العوارض الصنفية و الشخصيّة و ما يتسببان لحصوله كالتأديب و التعذيب مثلا ايضا من فعل المكلّف ضرورة استناد الجميع الى جعله و تاثيره و ان كان فى البعض بواسطة و لها حقايق متكثرة فى حدّ انفسها فقضية عدم خلو الافعال عن الحسن و القبح الذاتيين اتصاف تلك العوارض من حيث ذواتها باحد الوصفين ايضا غاية ما فى الباب ان يكون للحركة مثلا فى حدّ ذاتها حكم و للخصوصية الصّنفية اللاحقة لها ككونها حركة صلاتية او غصبيّة حكم و لما تسبّب له الحركة مثلا حكم و هكذا و الظاهر انّ اصحاب هذا القول لا يتحاشون عن ذلك كما ياتى فيدفع الاشكال هذا و انت خبير بما فيه فانه بعد الاغضاء عن كونه على خلاف الحق و التحقيق ان ما فيه من الالتزام بان نوع الحركة و نوع السّكون من حيث هما و مع قطع النظر عن العوارض الصّنفية مما له حكم فى نفس الامر من الحسن او القبح و متصف باحدهما و كذا ما يتركّب منهما كما ان الحقائق العوارض الصّنفية حكما على طبق الحكم النوعى النفس الامرى او على خلافه مما لا وقع له اذ اعتبار اتصاف هاتين الحقيقتين من حقيقتى الحركة و السّكون بالحكم المعين فى نفس الامر غير المعيّن عندنا مما لا يترتب عليه شي‏ء لان ملاك الامر بناء على هذا القول لا يكون الا على حقايق العوارض فالحكم المترتب عليه الآثار لها خاصّة فلا ثمرة للاعتبار المذكور مع انه لا يدفع الضّيم لان مستند الحكم المترتب عليه الاثر من الحسن و القبح ح لا يكون نفس ماهيّة الفعل و حقيقته و هذا

بعد الاغضاء عن عدم‏

____________

(1) بل لاجل ما ذكر

(2) و قد يجتمع احدهما دون الآخر كالصّدق الضار

123

مناسبة للقول بالذاتية و تسليم انه لا ينافى القول بذلك بناء على الفرق بين حقايق هذه العوارض و بين صفاتها و عوارضها الخارجيّة من الوجوه و الاعتبارات ليس فى محلّه لان القائلين بالذاتية انما يعتبرون نفس ماهيّة الفعل فى الموصوفية و السّببية و انى هذا من ذاك و لم يعتبر فيه الانفس حقايق العوارض و بالجملة ان هذا مما لم يذهب اليه ذاهب من اصحاب هذا القول مع ان مرجع ذلك فى كلّ موضوع من موضوعات الحسن و القبح و محازها الى تحقق التطابق او التعارض مع تغليب حال حقايق العوارض الصّنفية على حال نفس ماهيّة الحركة او السّكون اللذين هما تماما حقيقة الفعل عند هذا القائل و الحاصل ان العويصة لا تدفع الا بما قررنا مع ان مفاسد الجواب المذكور غير منحصرة فيما اشرنا اليه فت اذا عرفت هذه المقدّمات فاستمع لما يتلى عليك‏

و فيها مقامات:

فى المقامات‏

الاول: فى الأقوال فى المسألة

المقام الاوّل‏ فى تعداد الاقوال ففى المسألة اقوال ستّ الأوّل ما عليه قدماء المعتزلة من استناد الحسن و القبح الى ذوات الافعال و هو ما اختاره السّيد الداماد فى السّبع الشداد الثانى ما عليه اواسط المعتزلة من استناد الحسن و القبح الى ذوات الافعال و هو ما اختارهما الى الصّفات اللازمة و لم اظفر بمن اختاره من الامامية الثالث ما عليه الجبائية من استنادهما الى الوجوه و الاعتبارات و هو مذهب جم من الامامية و منهم شيخنا البهائى الرابع ما عليه ابو الحسين المعتزلى من التفصيل بين الحسن و القبح فالذات هى العلّة فى الاول و الصفة هى العلة فى الثانى و الظاهر انّ مراده من الصّفة هى الصّفة الملازمة الغير المفارقة حسبما عرفت و الخامس مذهب جمال الدين الخوانسارى حيث قال فى المقام هذا هو الحق من بين المذاهب مشيرا الى مذهب الجبائية ثم قال و ليس المراد انه يكون فى جميع الاشياء بالوجوه و الاعتبارات بل المراد انه قد يكون فى بعض الاشياء باعتبار الاعتبارات و ان امكن ان يكون بعض الاشياء حسنا او قبيحا لذاته او لصفة لازمة هذا و هو كما يمكن ان يكون تفسيرا و شرحا لما عليه الجبائية كذا يمكن ان يكون مذهبا آخر و يكون مذهب الجبائية فى انحصار الاستناد الى الوجوه و امكانه خاصّة و الظاهر هو الثانى السّادس ما عليه محقق المتاخرين منا من امكان الاستناد الى كل واحدة من تلك الامور بل وقوعه و تحقّقه و قد نسب الى البعض فى المقام التوقف الا انّى لم اظفر بالمتوقف فى المسألة و كيف كان فالحق و التحقيق على وفق السّادس كما ستطلع‏

الثانى: فى تأسيس الأصل فى المسألة

المقام الثانى‏ فى الاشارة الى تاسيس الاصل فى المسألة اعلم ان الاصل مع القائلين بالقول المختار لان اصالة امكان الاستناد الى كل من تلك الامور مما لا يمكن ان ينكر و هذا الاصل من قبيل الاصول المعتبرة من اصل البراءة و الاباحة و الاشتغال و غير ذلك و مستنده الامر العقلى المقرر فى موضعه و قد يقال انّ مستنده الغلبة و فيه ما لا يخفى فان قلت ان الاصل يقتضى الاختصاص بالذات لان لازم ما عداه اثبات المغايرة بين المقتضى و الموصوف فان قلت ان ما عدا القول بالذاتية يحتاج الى الاخذ بالواسطة لاتّصاف الافعال بالحسن و القبح فاثبات التوسيط فى ذلك لذلك و ملاحظة ما عدا الذات الملحوظة على كل وجه على خلاف الاصل فهذا الاصل لا يعارضه اصالة الامكان بل يقدم عليها ورود الخاص على العام قلت انّ هذا الاصل يعارضه اصل عدم الاختصاص فمقتضى الاصل اللابشرطية فبعد تعارض هذين الاصلين يكون اصالة الامكان مما هو فى محلّه سليما عن المعارض ثم انّ دعوى الغلبة فى الاستناد الى الذات دعوى بلا بينة مع انها لا تجدى فى المقام فخذ الكلام بمجامعه‏

الثالث: فى بيان أدلّة الأقوال‏

المقام الثالث‏ فى الإشارة الى ادلة الاقوال فى المسألة و احقاق الحق و ابطال الباطل و البناء على الانتصاف و التجاوز عن الاعتساف فقد عرفت ان مقتضى الاصل هو امكان الاستناد الى كل واحدة من تلك الامور ثم انّ تحقق الاستناد الى الذات فى بعض المواضع فلان من الافعال ما يعلم يقينا انه بالذات حسن او بالذات قبيح و ذلك كالايمان باللّه و الكفر به و كذا التخلق بالاخلاق الحسنة المحمودة و التخلق بالاخلاق الرذيلة المذمومة فان قلت ان ثبوت كل منهما يتوقف على انتفاء الموانع الخارجة و هو ايضا من الوجوه و الاعتبارات اذ رفع المانع من اجزاء العلة التامة فلا يكون شي‏ء منهما ذاتيا بالمعنى الذى وقع الكلام فيه و غيره يناط الامر فيه بالاعتبار فاقبح القبائح يكون محللا بالاعتبار كما ان احسن الحسنات يكون محرما به فلم يثبت ما يحسن و يقبح على كل حال قلت هذا جزاف من القول فان الايمان و الكفر ان لا يتغيّر حكمهما فى حال من الاحوال لانّ ملاك الامر فيهما على الامر القلبى فافهم و لا تغفل و كذا شكر المنعم الحقيقى و كفران نعمه و القول بان ثبوت القبح فى الاخير يتوقف على ادراك العقل فلا يثبت فى حق الغافل و ح فيعتبر فيه ادراك ذلك و هو اعتبار زائد ممّا لا يصغى اليه لانه لا يصدق الكفران الا مع العلم بالحال فلا ينفك عن القبح و بالجملة فقد مثل العلم بالحال من الاعتبار الزائد فى المثالين مما لا وقع له فت على انهما لو لم يستندا الى الذات مط لزم التسلسل فى الامرين فى نفس الافعال و ترتب وصف الحسن اى وجود اشياء غير متناهية نظرا الى نفس الاشياء و ترتب امور غير متناهية نظرا الى وصف الحسن و ذلك بان نقول انها اما لا حسن و لا قبح فيها لان ما لا حسن فيه لا يوجب حصوله لغيره و كذا القبيح مع انه لا شك فى ان ملزوم الحسن حسن و ملزوم القبيح قبيح او يكون فيها حسن او قبح فننقل الكلام الى حسنها او قبحها و هكذا فان قلت مقتضى ما قرر اتصاف العوارض ايضا بالحسن او القبح كاتصاف الذات بهما و كيف بدا مع ان العوارض حين استناد الحسن اليها علة حسن ذات الفعل او قبحه لا علّة حسن نفسها او قبحها ايضا على ان الحسن ما للفاعل المختار ان يفعله و يمدح عليه و منه يعلم القبيح و ان لازم ذلك‏

124

ذلك استحقاق الفاعل جزاء المحسنين او القبيحين بالنسبة الى فعل واحد و لم يقل به احد قلت ان الحسن و القبح ليسا مما يكونا من قبيل ما يعبر باعتبار معتبر و وضع واضع فانهما من قبيل لوازم المهيات فلا يتعلق الجعل بها و لا بلوازمها فاذا حدث الجعل و التاثير من الفاعل و حصل الفعل بما معه من الوجوه و الاعتبارات او الصّفات اللازمة فلا ضير فى ان تكون على حسن الامرين او قبحهما إلّا انه لما كان الملحوظ او لا و بالذات هو الفعل لتعلق الجعل و التاثير به او لكونه اقرب كان هو المتصف بهما او لا و اتصاف العوارض انما هو بالعرض و الاستتباع و من هنا يعلم الجواب عن حديث جزاء الحسنين او القبيحين هذا و اما تحقق الاستناد الى الوجوه و الاعتبارات فلانه يعلم كل احد ان الكذب مثلا لو لم يترتب مصلحة عليه بل ترتّب عليه مفسدة فهو قبيح و يذم عليه العقلاء و لو كان بحيث لو لم يقع لترتب عليه جمة من المفاسد مثل قتل جمع و سبى طائفة و هتك عرض و نحو ذلك و لم يكن فيه مفسدة فهو حسن و الصدق بالعكس و احتمال ان الكذب قبيح حتى فى الصورة المفروضة غاية الامر قد غلب عليه حسن حفظ النفوس المحترمة عن القتل و السّبى فسقط حكمه من النهى عنه و كونه محرّما مما لا وقع له فان الكذب يتّصف فى الفرض المذكور بالحسن جدّا و هو لا يلائم بما ذكر قطعا فان قلت فعلى ما ذكرت يلزم ان يتصف الكذب الخالى عن وصفى النفع و الضّرر بالقبح اتصافا مستندا الى اقتضاء الوجوه و الاعتبارات و عليتها فكيف هذا مع فرض الخلو عنهما قلت ان الكذب المفروض قبحه مستند الى ذاته فلا غرو فيه لانه حقيقة مغايرة لحقيقة الكذب المشتمل على احدهما فلا عويصة و لا اشكال هذا و اما تحقق الاستناد الى الصّفات اللازمة فهو ايضا ظاهر اذ من الصّفات اللازمة لبعض الافعال ما لا يشك فى كونها حسنة او قبيحة باعتبار انفسها مع قطع النّظر عن موصوفاتها و عن الامور المفارقة اذا عرفت هذا فاعلم انه يدل على بطلان اختصاص الاستناد الى الذوات و الصّفات اللازمة وقوع النسخ فى الشّرائع المتفق عليه بين المسلمين بل بين اهل الملل ما عدا الاصفهانى من المسلمين و اليهودى من اهل الملل فالتقريب بان ما بالذات او الصّفات اللازمة يدوم و لا يزول و الاحكام تابعة للحسن و القبح ففيما وقع فيه النسخ يكشف عن كون الحسن او القبح فيه مستندا الى الوجوه و الاعتبارات فان قلت ان هذا انما يدل على المط لو كان جميع الاحكام الشرعيّة ممّا يتبع الحسن و القبح و هو غير معلوم بل المعلوم انها مسببات لامور واقعية و منبعثات عن العلل النفس الامرية سواء كانت هى الحسن و القبح او غيرهما قلت قد عرفت ان جميع الاحكام تابعة للحسن و القبح و هما العلتان لا غيرهما على انهما لا اقل من كونهما من لوازم العلل فالنقض على القول بالذاتية بالنسخ متجه و ان لم نقل بانحصار تبعيتها لهما مع انّ هذا يتمشى حتى على البناء على كون العلل للاحكام غير الحسن و القبح كما لا يخفى و ان هذا السؤال قد يخرج الكلام عن محل النزاع فان قلت يمكن ان يكون ذات الفعل من حيث هى هى مقتضية للحسن او مع انضمام جهة اليها و جهة فيها مقتضية للقبح فيتكافأ الحسن و القبح او يغلب احدهما على الآخر قلت هذا خروج عن المقام و القول بالذاتية او الصفاتية فان قلت يدفع العويصة باخذ الجهات تقييديّة قلت قد مرّ الجواب عنه تفصيلا و حاصله ان النزاع ح يرجع الى اللفظى و بعد الاغضاء و الاغماض عن ذلك و البناء على انه يمكن التفرقة ح بين القول بالذاتية او الصّفاتية و بين القول بالوجوه و الاعتبارات فيخلوا المسألة عن الثمرة كما لا يخفى على ان اختلاف طبيعة الفعل باختلاف كل من القيود كلام تخمينى بل التحقيق على خلافه فان قلت انّ للفعل بدون العارض حقيقة و معه حقيقة اخرى فيكون فى البين ماهيّتان مغايرتان فلا يرد النقض بشي‏ء قلت هذا السؤال مما وقع فيه التكرار و قد علمت الجواب فان قلت ان النسخ انما يتصوّر باختلاف الازمان فكما يمكن ان يقال يختلف المصالح بحسب الازمان و يتغير الحكم بحسبه كل يمكن ان يتصور الفعل المنسوخ طبيعة كلية قابلة للتحصّلات المختلفة بحسب اختلاف العلل و الاسباب و القوابل و الشروط فلعلّ اختلاف الاسباب قد ادى الى ان يتحصّل الفعل بفصل غير ما يتحصّل به فى الزمان السّابق غاية الامر

انه ربّما كان المعيار الشرعى فى نظر المكلف امرا خارجا عن حقيقة الفعل و لا بعد فيه اذ الشارع ربما اناط التمييز بين الافعال بامور خارجة يستبعد عند العقل تاثيرها بحسب الخارج فى ذات الشي‏ء مثلا المذبوح الذى لا يسمّى عليه ميتة و الذى سمّى عليه مذكى و يستبعد عند الوهم ان يكون للتسمية اللفظية و لو مجرّدة عن توجّه النفس اليه تعالى مدخل فى كيفية اللحم و خاصيّته سيما على ما يشترط بعضهم من خصوص لفظ الجلالة و ادخال الباء الجارة و اقحام لفظ الاسم و قد ورد فى النص ان علة حرمة الميتة افساد مزاج الانسان و اضراره و الحاصل ان صلاة اليهود كانت قبل النسخ مندرجة فى طبيعة الصّلاة بل كانت منحصرة فيها و بعد حصول النسخ خرجت عن تلك الطبيعة و النسخ كاشف عن ذلك قلت انّ هذا السؤال مما لا وقع له جدّا لا لما يتوهّم ان النسخ الذى هو عبارة عن ازالة الحكم الثابت بدليل متاخر لو لاه لثبت لا يتصور لا يتحقق بناء على تعلق كلّ من الحكمين بغير ما تعلق به الآخر فمع الاختلاف بين المتعلقين لا يعقل صدق النسخ لان اتحاد اصل الفعل و كونه فى الظاهر و مع قطع النظر عن اختلاف الزمان كاف فى صدق النسخ و تحققه و ان كان النسخ كاشفا عن تعدد الفعلين بل لان القول باتحاد الحقيقة مع تعدّد الماهيّة و الذات جزاف من القول فلا يتصور ذلك جدا و اخذ الوجوه و الاعتبارات داخل فى المامور به و المنهى عنه حتى يصيرا حقيقتين‏

125

مختلفتين و قد عرفت الجواب عنه فان قلت ان تجويز النسخ فى الشرائع بالنسبة الى كلّ حكم يفرض يوجب القول بعدم تجويز الاستناد الى الذات مط و لو فى بعض المواضع فهذا ينافى المختار فى المبحث قلت ان غاية ما هو مسلّم تجويز النسخ بالنسبة الى النوع و اما بالنسبة الى كل حكم فى كل موضوع يفرض فهو غير مسلم ففى صورة وقوع النسخ يكشف عن عدم ذاتية الحسن و القبح لهذا الموضوع و كذا عن عدم كونهما بالصّفات اللازمة و الحاصل ان النقض بالنسخ على القول بالذاتية او الصّفاتية تام فى محله غير وارد عليه ما ذكر من الاعتراضات فكما ان تبيان القولين يحسم به كذا يحسم بلزوم اجتماع المتناقضين فى قول القائل لاكذّبن غدا و التقريب بانه خبر لا يخلو من الصدق و الكذب و اياما كان يلزم ما ذكر بناء على القولين اما الصدق فلانه عبارة عن وقوع متعلّقه و هو الكذب فى آخر فيجتمع فيه صفتا الحسن و القبح الذاتيان و انهما متناقضتان و اما الكذب فلانه عبارة عن انتفاء متعلّقه و هو ترك الكذب و يلزم المح بعينه و التقريب الاوضح انّه اما صادق حسن فيستلزم كذب الغد القبيح و ملزوم القبيح قبيح او كاذب قبيح فيستلزم صدق الغد الحسن و ملزوم الحسن حسن ثم ان كون ذلك من قبيل التقابل التناقضى على كون الحسن عبارة عن عدم القبيح و بعبارة اخرى ان الحسن ما كان للفاعل القادر عليه العالم بحاله لن يفعله و القبيح ما لم يكن للفاعل كل ان يفعله و كيف كان فالمدّعى ثابت بما ذكرنا و ان قلنا بان التقابل بين الامرين من قبيل تقابل الضدين او العدم و الملكة فان قلت ان الحسن ذاتى للصدق الذى لا يستلزم الكذب و القبح للكذب الذى لا يستلزم الصّدق قلت ان ما ذكرت لا يلائم القول بالذاتية او الصّفاتية و هذا واضح لان هذا الكلام من افعال المكلفين فلا بدّ من اتصافه باحد الامرين فى الواقع فلا يجوز خلوّه عنهما معا فعلى القول بالذاتية او الصّفاتية يلزم ما ذكر و دفع العويصة بان الحسن و القبح هنا بالاعتبارات يوجب الخروج عن القول بالذاتية او الصّفاتية على سبيل الارسال و الاطلاق فان قلت ان هذا لا يرد على القول بالصّفاتية قلت لا فرق بين القولين من جهة هذه العويصة كالعويصة السّابقة كما لا يخفى على الفطن فان قلت ان اتصاف ملزوم الحسن بالمحسن و كذا ملزوم القبيح بالقبح اتصاف بالعرض فلا ضير فى اتصاف شي‏ء بامرين يكون اتصافه باحدهما اتصافا ذاتيا و بالآخر اتّصافا بالعرض و ذلك كجالس السفينة المتحركة فان سكونه ذاتى و تحرّكه عرضى و هذا كما قيل ان البرد المفسد للثمار ليس بشر فى نفسه من حيث هى كيفية ما و لا بالقياس الى علّته الموجبة بل انما هو شر بالقياس الى الثمار و كذا الظلم و الزنا فانهما شرّان بالقياس الى المظلوم و الى السّياسات المدنية و الى النفس الناطقة الضّعيفة عن ضبط قويته فالشر بالذات هو فقدان احد تلك الاشياء كماله و انما اطلق على اسبابه بالعرض لتأديتها الى ذلك فالمفضى الى الشر لا يلزم ان يكون شرّا بالذات بل من هذه الجهة انما يكون شرّا بالعرض فكذا الحال فى الخير قلت الاتصاف بالعرض فكذا الحال فى الخير الى له معان احدها ان الاتصاف مجازى و ليس فى المتصف شي‏ء من الوصف بل هذا بملاحظة حال المتعلق فالموصوف بالقبح مثلا بهذا المعنى ليس متّصفا به فى الواقع فالموصوف فى الواقع بالقبح هو متعلّقه فيكون الاطلاق و التوصيف من قبيل الاطلاق و التوصيف مجال المتعلق فلا يترتب عليه ح الاحكام المترتبة على الوصف و الآثار الدائرة معه و ثانيها ان الاتصاف حقيقى بمعنى ان الاتصاف بملاحظة حال نفسه لا حال متعلّقه و لكن العلّة المقتضية المحدثة هذا الوصف فى هذا الموصوف ما هو من الوجوه و الاعتبارات و ثالثها ان الاتصاف واقعى و حقيقى بل ذاتى ايضا بمعنى ان العلة المحدثة للوصف هى الذات الا ان الاتصاف اتصاف ثانوى و تبعى بمعنى انّه فى المرتبة الثانية فى اللحاظ و ان كان الملحوظ فى العلية هو الذات ايضا و بعبارة اخرى ان عليه الذات تارة يلاحظ من غير ملاحظة كونها فى اى مرتبة و تارة يلاحظ فى رتبة كونها ملزومة لشي‏ء اى غير منفكة عنه فعلى المعنى الثانى و ان كان يندفع العويصة من اصلها الا ان الالتزام بذلك فيما نحن فيه بعيد عن الانصاف فما ذكر من التمثيل او التنظير ليس من قبيل ما نحن فيه على ان كون الاتصاف فيهما اتصافا مجازيا محل كلام و على المعنى الاوّل يخرج‏

عن مقتضى القول بالذاتية و ان كان هو مما لا ضير فيه و اما القول بان اجتماع وصفى الحسن و القبح فى الشي‏ء احدهما ذاتى و الآخر تبعى مما لا يجوز ايضا اذا افضى تبعيّة القبح الى المنع من ذلك كيف و لو جاز لزم دوران الامر بين التعرّض لاحد القبيحين فان بقى كلّ منهما على قبحه و المنع من الإتيان به لزم التكليف بالمحال و ان جاز الاتيان به باحدهما لزم القول بارتفاع القبح عنه فممّا لا يصغى اليه اذ هذا كاجتماع وصفى الحسن و القبح باعتبار جهتين من الجهات و الاعتبارات فكما لا ضير فيه كل لا ضير فى ذلك اذ باب التغليب حين التعارض واسع كما ستطلع على الكلام المشبع فى ذلك على ان هذا الاشكال لو تم لا دخل له بما نحن فيه من قضية لزوم التناقض كما هذا ظاهر لا سترة فيه ثم ان المعنى الثالث لا يغير فى حال العويصة اصلا فهى على اعتباره باقية عليها ثم لا يخفى عليك ان ارادة المعنى الاول لا يناسب الاصلين المشهورين بينهم من وجوب المقدّمة و اقتضاء الامر بالشي‏ء النّهى عن ضدّه الخاص اذ لو قيل بوجوب المقدمة يكون ملزوم القبيح قبيحا البتة لان ترك القبيح واجب و هو لا يتم الا بترك ملزومه فهو واجب و لازمه وجوب النهى عن ضدّه فيكون فعل الملزوم منهيّا عنه و النهى كاشف عن القبح الحقيقى و كذا يكون ملزوم الحسن حسنا لان الحسن واجب و ملزومة مقدّمة له فهو ايضا واجب و الوجوب كاشف عن الحسن الحقيقى و القول بان الاصل الاوّل و ان كان مشهورا بل هو ممّا فى مخرّة الا ان ذلك على فرض تسليم المقدّمية و فيما نحن فيه لا نم ذلك و لا نقول بانّ هذا الاستلزام‏

126

الاستلزام من قبيل استلزام العلّة المعلول و افضاء السّبب الى المسبّب بل هذا من قبيل مجرّد الاستلزام و عدم الانفكاك على ان اقتضاء الامر بذى المقدّمة الامر بالمقدّمة و الامر بالشي‏ء النّهى عن ضدّه الخاص فيما وقع الامر الصّريح به لا فيما حكم العقل بوجوبه مما ليس فى مخره اذ المراد من الاستلزام و الاقتضاء ما يكون على سبيل العلية و ياتى فى تضاعيف كلماتنا ما يدل على ذلك ثم ان النّزاع فى المسألتين اعم فالامر الصّريح اللفظى و طائفة من ادلة الطرفين فى هاتين المسألتين مما يعطى ذلك على انّ ما نحن فيه مما لا غبار فيه من هذه الجهة اذ الصدق مما وقع به الامر الصّريح فى الشريعة كما ان الكذب مما تعلق به النهى الصّريح فيها فان قلت ان اصل هذا الكلام ليس صدقه من لوازمه و انما يلزمه الكذب بشرط صدقه لا مط فهو قابل للصدق و الكذب غير ملزوم لشي‏ء منهما فليس على تقدير كذبه ملزوما لترك الكذب نعم كذبه ملزوم لترك الكذب فكم من فرق بين الامرين قلت الامر و ان كان على ما ذكر لكن هذا الكلام ملزوم لشي‏ء منهما و كلّ منهما مستلزم للمفسدة و به يتم المط فافهم فان قلت ان ترك الكذب فى الغد يتصور على وجهين احدهما ترك الكذب بايقاعه فى ضمن الصدق و ثانيهما ترك الكذب بانتفاء الكلام صرفا و الفرد الثانى مباح و الاول راجح و كذب الكلام الامسى لا يستلزم الا القدر المشترك بين الامرين و المشترك بين الراجح و المباح لا يكون راجحا بل مباحا و ملزوم المباح لا يجب ان يكون راجحا و لا مباحا فان كثيرا من المحرّمات ملزوم للامور المباحة و لو سلّمنا ان القدر المشترك لا بد من ان يكون راجحا و ان كان باعتبار اشتماله على الراجح نظرا الى انّ تركه مفوت للراجح لكن لا نسلم ان ملزوم الراجح حتّى على الفرض المذكور راجح لما عرفت و بالجملة فان حسن كذبه لاستلزامه ترك الكذب غدا مم لما ذكر قلت هذا الايراد على فرض اتجاهه فى المثال المذكور ليس مما يتجه ايضا اذا بدّل و قيل فى موضعه لو تكلمت غدا لاكذبنّ لان حسن كذبه ح يستلزم ترك الكذب غدا على وجه الانحصار فى الكلام الصّدق الغدى و هذا واضح فان قلت ان هذا الفرض فى المقام غير صحيح اذ به يخرج عما نحن فيه لصيرورة الكلام ح من الانشائيات قلت ليس بجموع الشرط و الجزاء من حيث هما من الانشائيات و من هنا ينقدح الجواب عن ان اللام لام القسم فيكون من الانشائيات فى المثال الاول اذ الانشائية انما هو فى القسم لا فى جوابه ثم ان المط يتم على المثال الاول ايضا بان يقال انا نفرض تحقق الكلام منه فى الغد فح كذب الكلام الامسى لعدم كذب هذا الكلام فيكون حسنا و بالجملة لا يتصور ح احتمال آخر حتى يكون اللازم هو احد الامرين هذا مع ان المثال غير منحصر فيما ذكر حتى يرد ما ذكر على تقدير تماميته اذ قضية لزوم التناقض تجرى فى كل اخبار عن ايقاع امر من الامور القبيحة فان قلت لا حسن فى الكذب فى الغد و لا فى فعل غير من القبائح اذا اخبر بايقاعه اذ الاخبار بالامر المستقبل المتعلق بفعله اما وعدا و ما هو بمنزلته و ليس التخلف فى مثل ذلك مندرجا تحت الكذب اصلا و كان قرينة المقام فى امثال ذلك قائمة على التقييد ببقاء المشية نعم انما يتم ذلك بالنسبة الى العالم بالعواقب كما فى وعده و وعيده فالاخبار المفروض لا يصحّ فى حق اللّه تعالى و حق الحجج (ع) فلا يتم الاحتجاج و بعبارة اقصر انك اذا توعدت بالظلم فظلمت و هكذا فان ذلك لا يعدّ بوجه من الوجوه حسنا عند العقلاء قلت ان المقصود من هذا لو كان نفى الاستلزام فى المقام فقد عرفت الجواب عنه و ان كان منه حصر الخبر المحتمل للصدق و الكذب فيما كان الاخبار بغير صيغة الاستقبال فضعفه اظهر من ان يبين اذ لا فرق فى ذلك بين ما يكون بصيغة الاستقبال و بين غيرها غاية ما فى الباب الفرق من جهة زمان الاتصاف فان وقت الاتصاف فى غير ما يكون بصيغة الاستقبال عين وقت ايقاع الخبر بخلاف ما يكون بها و بعبارة اخرى الفرق بالتنجزية و التعليقية فى الاتصاف و قضيّة التقييد ببقاء المشية و ان كانت مما يدفع بها شبهة المعتزلة من وجوب العمل بالوعيد عليه تعالى كوجوب وعده و تقوى بها ما عليه الاماميّة من عدم وجوب عمله تعالى بوعيده إلّا انها لا تدفع العويصة فى المقام اذ يفرض‏

الكلام بعد تحقق بقاء المشية منه فى الغد و بعبارة اخرى يلاحظ حال الكلام اليومى بعد صدور الكلام الغدى فان قلت ما المراد من الاستلزام فى المقام فهل المراد منه استلزام العلة معلولها و اقتضائها اياه او محض الاستلزام اى عدم الانفكاك فى الوجود و التحقق فان كان المراد منه هو الاول فنسلّم قضية ان مستلزم القبيح قبيح و لكن نمنع تحققه فى المقام و ان كان المراد منه هو الثانى فنسلّم تحققه فى المقام و لكن نمنع قبح المستلزم على هذا النّهج قلت المراد منه ما يكون على وجه العلية فالكلام المفروض و ان لم يكن ملزوما لشي‏ء منهما حتى على تقدير كذبه الا ان كذبه القبيح ملزوم لترك الكذب فى الغد على وجه العلية اذ ليس المراد من العلة الا ما يلزم من وجوده وجود الشي‏ء و من عدمه عدمه فهو فى المقام كل و من هنا يعلم عدم استقامة ما يقال فى المقام من ان استلزام هذا الكلام للكذب فى الغد ليس من قبيل الاسباب بل من قبيل المعلولات المستلزمة للعلل فلا يكون قبيحا بالاتفاق و بهذا لا يقول العدلية بقبح اخباره تعالى عن قبائح افعال العباد فى المستقبل و الخبر و العلم و ان كانا مقدّمين من وجه على المخبر عنه لكنهما فى رتبة الحاكمية و التابعية فلا ضير فى كونهما معلولين متاخرين بهذا الاعتبار هذا و الحاصل الفرق بيّن بين ما نحن فيه و بين اخبار اللّه تعالى عن وقوع قبائح افعال العباد فى المستقبل فلا نقول ان الخبر هو العلّة بل العلّة هو ما اشرنا اليه و هو لا يتصور فى اخباره تعالى عما ذكر على ان قضية الحاكية و التابعية و كون الخبر و العلم بهذا الاعتبار معلولين متاخرين غير مستقيمة بل مستلزمة لبعض المفاسد فت فان قلت ليس الخبر اليومى سببا لكذبه‏

127

فى الغد غاية الامر ان يكون صدقه فيه متوقفا على الكذب فى الغد فان كان الصدق المتوقف على الكذب حسنا ايضا كان الخبر اليومى حسنا من دون ان يكون مشتملا على القبح و الا لم يتّصف بالحسن و القول بانّ تسليم ارتفاع الحسن ح يقتضى التخلف فى الذاتى مدفوع بان ذلك غير قضية لزوم التناقض و بالجملة ان المتوقف على القبيح لا يلزم ان يكون قبيحا غاية الامر ان يقال بثبوت القبح فيما يقضى الى القبيح و لا افضاء اليه بالنّسبة الى الكذب فى الخبر اليومى على الأول و لا الى عدم وقوع الكذب منه كما ادعاه فى الثانى فدعوى حصول القبح فى الاول و الحسن فى الثانى من الجهة المذكورة ممنوعة بل فاسدة فايراد التناقض انما هو بالنّسبة الى الخبر الغدى قلت لا محيص عن ورود الاشكال على القول بالصّفاتية و الذاتية غاية ما فى الباب قضيّة لزوم التناقض انما هى بالنسبة الى الكلام الغدى و الا فكلام اليومى ايضا على القول بهما مما يوجب الاشكال إلّا انه من جهة اخرى و هى تخلف ما بالذات عن الذات فكلا الفرضين مما يهدم اساسهما ثم ان هذا على تسليم ان البناء على الاستلزام فى كلا الخبرين على وجه اقتضاء العلة المعلول يفضى الى الفساد من الدور المحال و تقدم الشي‏ء على رتبته و تاخّره عليها فلا بد من القول بالتوقف فى واحد منهما و الاستلزام فى الآخر و الصّالح للاول هو الاوّل و للثانى هو الثانى ثم قطع النظر عن ان توقف الاول فيما ذكر على الثانى لا ينافى عليّته للثانى و عن دفع قضيّة الدّور بوجه من العناية و الاعتبار و الا فلزوم التناقض حتى فى الكلام الاول ايضا له وجه فت و قد يقال فى المقام انّ قضية لزوم التناقض مشتركة الورود لان الجهات تعليلية فلا تكثر الموضوع فلا تجدى فتصحيح القول بالجهات و دفع العويصة عنه باحد من التقريرين من ان الفعل المتّصف بهذه الجهة موصوف بصفة و ذلك الفعل المتّصف بجهة اخرى موصوف بمقابلها و من انه تؤخذ الجهة جزء للمحلّ فمجموع الفعل مع هذه الجهة محل لاحد النقيضين و مع جهة اخرى للآخر مما لا وقع له اما الاول فلانّ الحسن هو الفعل باعتبار و القبيح هو الفعل باعتبار آخر لا ان الحسن هو الفعل المتصف بهذا الاعتبار و القبيح هو المتّصف باعتبار آخر و الوجدان بذلك شاهد و اما الثانى فظاهر و قد مرّ الاشارة اليه مع ان اخذ الانتساب و الاعتبار جزءا من ذى النسبة مما لا يصحّ فى اكثر المواضع و الحاصل انّ حديث الجهات التعليلية لا تكفى لاجتماع المتقابلين على طبق القاعدة و الدليل مع انه مشهور بين العلماء هذا و قد اجيب عنه بان المراد من هذا الكلام المش انه لا يمكن ان يصير جهة علة الاتصاف شي‏ء بالحسن مثلا و جهة اخرى علّة لعدم اتصافه بالحسن اصلا و هذا ضرورى لا ينكر لكن يمكن ان يكون جهة علّة لاتصاف شي‏ء فى الجملة و جهة اخرى العدم اتصافه به بل القبح فى الجملة و لا محذور فى ذلك فلم يلزم اجتماع المتقابلين فان خلاص النبىّ (ص) مثلا يوجب كون الكذب حسنا فى الجملة و لا ينافى ذلك كونه قبيحا ايضا فى الجملة و لا يوجب كونه حسنا من جميع الوجوه حتى ينافى ذلك و بالجملة يمكن ان يكون شي‏ء نافعا فى الجملة و ضارا فى الجملة و لا تناقض بين النفع فى الجملة و الضّرر فى الجملة بل التناقض يكون بين الضّرر فى الجملة و النفع من جميع الوجوه او بالعكس و كذا يمكن ان يكون شي‏ء نافعا من جهة و ليس له نفع اصلا من جهة و معنى ذلك انّ هذه الجهة صار سببا لكونه نافعا و تلك الجهة لا يصير سببا لكونه نافعا اصلا و على هذا النهج يظهر الامر فى كل موضع اجتمع فيه المتقابلان هذا ثم قال هذا المجيب ان هذا الدليل لا يبطل القول بالصفات اللازمة ايضا اذ يمكن ان يكون الفعل بصفة محلا لاحد المتقابلين و بصفة اخرى محلا للآخر بعين ما ذكر من الوجوه و الاعتبارات و كلامهم صريح فى انه يبطل هذا القول ايضا فت و قد اعترض عليه بما حاصله ان الحسن و القبح اما ان لا يكونا مما بينهما تناقض اصلا او لا و الاول انّه معلوم البطلان يفضى الى امكان اجتماع الحسن و القبح و لو كانا من جميع الوجوه كل و كذا من جهة واحدة و كذا يمكن ذلك مع كونهما ذاتيين اذ الفرض انهما ليسا متناقضين فكيف يصير اقتضاء جهة واحدة او جميع الوجوه لهما او لاحدهما

او جميع الوجوه لهما او لاحدهما سببا لتناقضهما و اىّ مانع من اجتماعهما مط ح و مع البناء على الثانى لا يرفع التناقض و لو لوحظ ضم قيد فى الجملة اذ المتناقضان و لو كان المقتضى لهما جهتان مختلفتان الا ان يحدث القيد اختلاف الذاتين و ليس المقام من ذلك فانما الاختلاف فيه فى المقتضى فاختلافه لا يوجب اختلاف الذات و الحاصل لا وجه لما ذكر إلّا ان يكون الجهتان تقييديتين موجبتين لتعدد المحل فلا يصغى الى القول بان التناقض يرفع بتغاير الجهة و لا بعد فيه اذ كون الشي‏ء موجبا لازدياد المرض و كونه موجبا لزواله لا يتناقضان و انما التناقض فى فرض كونه موجبا لازدياد هذا المرض و كونه مزيلا له لانه لا كلام فى مكان ان لا يكون بين ماهيّتين كليتين تناقض فاذا صارتا مقيّدتين يحصل التناقض اذا اوجب القيد حصول حقيقة ثانية للماهية مخالفة للاولى بحيث يكون هذه الحقيقة غير الاولى كتغاير الجنس و النوع بخلاف ما اذا لم يكن القيد كل بان يكون القيد سببا فان الحقيقة لا تختلف باختلاف السّبب فلا يجوز اجتماع ازدياد المرض الخاصّ و زواله بسبب كون احدهما سببا لدواء و الآخر لآخر و الحاصل انّ عدم تناقض الماهيّتين المطلقتين اولا و حصوله بعد تقييدهما او احدهما مما لا شكّ فيه كما ان ماهيّة الحيوان لا تناقض مفهوم غير الناطق و اذا قيد به يحصل التناقض و هذا لا يجرى فى كل قيد حتى من قبيل الغرض و الشخص الخارجى إلّا ان يكون احد القيدين نقيضا للآخر هذا و انت خبير بانه يمكن دفع هذا الاعتراض بانّ ما ذكر فيه لو تم لجرى ذلك فى كل من انواع المتقابلين من المتقابلين بالتضايف او التضاد او العدم و الملكة

128

و الملكة او التناقض مع ان اهل صناعة المعقول قد حدّ و التقابل بانه ما به يمتنع الاجتماع على محل او موضوع واحد من جهة واحدة فعلم انّ ان تعدّد الجهة كاف فى اجتماع المتقابلين فالجمع بين هذا و الكلام المشهور من انّ تعدد الجهة التعليلية لا يكفى لاجتماع المتقابلين انما هو بما ذكره المجيب فلا غائلة فى كلامه على انه لو لم يكن ذلك كافيا فى ذلك لما صحّ اتصاف زيد بالابوة و النبوة من جهتى الانتسابين الى عمرو و بكر و التفرقة بين التقابل التضايفى و غيره مما لم يقل به احد و اخذ الجهة فيما نحن فيه تعليلية دون ما ذكر من المثال و نحوه تحكم على انّ تقييدية الجهة لا تجدى فى دفع الاشكال كما اذعن به المعترض الا ان تصير به الماهيّة ذاتين متغايرتين و كيف بذلك فى المثال و نحوه نعم يمكن ابداء الفرق فى المقام بان تجويز الاجتماع فيما يتعلق بصناعة الفقه و صقع الاحكام يفضى الى التكليف بما لا يطاق بالنسبة الى مقام الامتثال و الغرض من التجويز و عدمه ترتيب الاحكام و الآثار و هذا المعنى مفقود فى التضايف بل فى غيره اذا لم يكن فى مثل المقام فلعل الكلام المشهور من امتناع الاجتماع و لو تعدّد الجهة مختصّ بدائرة الاحكام فلا تنافى بين هذا و ما ذكر من ان تعدد الجهة كاف فى الاجتماع فلم يتم الجواب و لم تنحسم مادة الاشكال فقد انقدح من ذلك عدم استقامة آخر كلام المجيب ايضا من عدم انتهاض الدليل المذكور على القائلين بالصفات ايضا و كيف كان فالتحقيق و الحق فى الجواب هو ان يقال ان كل صدق ليس حسنا على القول بالوجوه و الاعتبارات بل اذا كان على وجه خاصّ و كذا كل كذب ليس قبيحا بل اذا كان على وجه خاصّ فنمنع تحقق احد الوجهين المذكورين فلا اجماع اصلا و بعبارة اخرى انّ الجهتين اللّتين هما علتا الحسن و القبح لا يتوارد ان على المحل بل هما يتعاقبان فلا اجتماع للضدين او النقيضين فالصدق مط ليس بحسن بل عند تحقق جهة مخصوصة و كذا الكذب ليس بقبيح كليّا بل عند اتصافه بمعنى و حالة عارضة غير لازمة فان قلت انا نعلم قطعا انه ليس هاهنا امر يخرج الصدق عن كونه حسنا إلّا انه مستلزم للكذب و ذلك لا يصلح لذلك لان ذلك الكذب اما قبيح او لا فالاول يستلزم التحكم لانه حكم بعدم حسن الصدق المستلزم للكذب باعتبار استلزامه له فكيف يحكم بقبح هذا الكذب مع كونه مستلزما للصدق و الفرق بينهما تحكم و ان قلتم بالثانى اى انه ليس بقبيح فكيف يكون الصدق المستلزم له قبيحا باعتبار ذلك الاستلزام و على هذا القياس فى الكذب قلت ان قبح الكذب يسقط لاجل المعارضة مع حسن الصدق لانّ القبح كان ساقطا قبل سقوط الحسن حتى لا يصلح لاسقاط الحسن و الحاصل ان سقوط الحسن و القبح فى مرتبة واحدة لاجل التعارض الحاصل بينهما فلا يرد شي‏ء مما ذكر اصلا على انّ هذا لو تم لسدّ باب التعارض و التساقط و بالجملة فان الدائرة على هذا المذهب واسعة فتارة يكون الحكم هو الحكم بعدم الاتصاف باحد من الامرين بناء على التكافؤ و تارة يتصف الفعل باحدهما بناء على قوته و تغليبه على الآخر فكل ذلك مبنى على ما اشرنا اليه من ان العلتين على سبيل المتعاقبين لا المترادفين المتواردين فما يقال فى العرف انّ هذا الشي‏ء حسن من جهة و قبيح من اخرى محمول على الاول و اما مدح شخص من جهة و ذمّه من اخرى فمبنىّ على الغفلة عن حقيقة الحال فليس الثابت فى الواقع الّا احدهما و منشأ تلك الغفلة صعوبة ادراك مقام التعارض و التساقط فانه مما لا يلتفت اليه الا المعى بخلاف ادراك جهتى الحسن و القبح فانه امر سهل على ان بعد امعان النّظر يرجع المدح و الذم فى امثال ما ذكر الى الجهة لا الى ذى الجهة و هذا واضح فان قلت ان هذا التقرير ينافى المذهب المختار لان ما فيه حسنا ذاتيّا يمكن ان يكون قبيحا لاجل جهة فلو لم يجتمعا و سقط الحسن لزم تخلف ما بالذات و هو فح قلت قد عرفت الجواب عن ذلك فيما مر و حاصله ان من الافعال الحسنة ما لا يساوى حسنه قبح جهته اصلا و يتحقق فيه الذاتية بلا محذور و بالجملة لزوم عدم الذاتية فى بعض الافعال مما لا ضير فيه على ان هذا الايراد انما يرد لو اردنا من الذاتى ما يكون ذاتيا على سبيل اللابشرطية اى المتحققة فى ضمن جميع الجهات لا اذا كان على‏

سبيل بشرط لا اى الفاقدة جميع الجهات و لا يعدّ مثل ذلك قيدا زائدا مما له مدخلية فى العلة بان يكون جزء منها او مدخلية فى الموصوفية بان يكون جزء من الموصوف حتى يقال ان هذا ايضا وجه من الوجوه فت و عقد الباب و جملة الامر انّ الدليل المذكور غير ناهض على الجبائية لما حققناه لا لما اجاب به البعض كما عرفت و لا لما يتوهّم ايضا من ان الجهات تؤخذ تقييديّة اذ هذا توجيه لا يرضى به الجبائية القائلة بالوجوه و الاعتبارات فان المراد منها الامور الخارجة عن الذات و العارضة عليها فى حال دون حال فكيف تؤخذ تقييدية و الحاصل ان اخذ الجهات تقييديّة و ان لم يكن فيه ضير من حيث كونها عللا لاحداث الحسن و القبح إلّا انه خلاف ما عليه القوم مع انه يستلزم رجوع النزاع الى اللفظى او الى ما لا ثمرة له اصلا كما عرفت و انه لا يمنع عن انتهاض الدليل على الجبائية لان الموصوف اما المقيّد بشرط القيد او المجموع المركب فالاول لا يدفع الاشكال لما عرفت من انه لا اثر لاختلاف القيدين مع اتحاد المقيد و كذا الثانى لانّ تعلق الحسن بالمركب يقتضى تعلّقه بالاجزاء فى ضمن المركّب و هو ينافى تعلق القبح به فى ضمن مركّب آخر فيؤدى الى لزوم اجتماع المتناقضين فى الجزء او الانضمام بالصفات ما غيّر فى ذات الاجزاء و ليس الموصوف نفس الهيئة الاجتماعية الاعتباريّة حتى يندفع ذلك و من التامّل فيما ذكر ينقدح وجه آخر لانتهاض الدّليل على القائلين بالصّفات كانتهاضه على القائلين بالذات اذ غاية ما فى الباب اخذ الصّفات على وجه التقييد و قد عرفت انّ هذا لا يدفع الاشكال بل يزيده فليس من هذا الوجه فرق‏

129

بين القولين و القول بانّ ما ذكرت فى دفع الاشكال عن القائلين بالوجوه و الاعتبارات يمكن ان يدفع به الاشكال عن القائلين بالصفات ايضا فيختصّ بالقول بالذات مما ليس فى مخره اذ دفع الاشكال عن القائلين بالوجوه و الاعتبارات قد أنيط على اعتبار التعاقب فى الوجوه هذا كما ترى لا يجرى فى الصفات اللازمة لانه لا يمكن ان ينفك الصّفات اللازمة عن الذات و الا لزم الخلاف الفرض فعلى هذا لا يكون الاجتماع الا اجتماعا ترادفيا و توارديا فينهض الدليل على القائلين بالصّفات ايضا و يبطل قول من قال ان الاشكال اما مشترك الورود بالنّسبة الى اعتبار الوجوه او الصّفات او مشترك الاندفاع عنهما فخذ بمجامع الكلام و لا تغفل اذا عرفت ما ذكر اعلم ان ما تقدّم من قضية وقوع النسخ فى الشّريعة و انها ينافى القول بالذاتية و الصّفاتية و لزوم التناقض او بنى الامر عليهما فى قول القائل لاكذبنّ عذابا لنسبة الى الكلام اليومى او الغدى على ما عرفت و تخلف ما بالذات عن الذات فى الكذب لخلاص نبىّ من الانبياء (ع) مثلا مما يصلح دليلا للقائلين بالوجوه و الاعتبار بل ان جمعا منهم قد تمسّكوا بهذه الوجوه الّا انّك قد عرفت انّها لا تنافى المختار من القول بالاعمية فى الموارد فهذه الوجوه انّما تنهض على بطلان الاختصاص بالذات و الصّفات و لا تنهض على اختصاص العلية بالوجوه و الاعتبارات و يمكن ان يكون من ادلة القائلين بالوجوه و الاعتبارات ما ذكره الاشاعرة فى ردّ القائلين بالتحسين و التقبيح العقليّين على وجه الذاتية او الصّفاتية من انه لو كان ذاتيا لزم قيام المعنى بالمعنى لان حسن الفعل زائد على مفهومه و الا لزم من تعقل الفعل تعقله و يلزم وجوده لانه نقيضه لا حسن و هو سلب و الا استلزم حصوله محلا موجودا و لم يكن ذاتيا و قد وصف الفعل به فيلزم قيامه به هذا فوجه عدم انتهاضه على القائلين بالوجوه و الاعتبار من حيث انه اذا كان الحسن و القبح اعتباريّين لم يكونا من الاعراض و بعبارة اخرى اذا كانت العلل من الامور الاعتبارية تكون المعلولات ايضا من صفتها اذ العلل لا تكون انقص من المعلولات فلا تكون فوق رتبة العلل ثم انّ هذا الوجه و ان لم يدل على تعيين مذهب الجبائية من حيث هو اذ هو يجتمع مع قول الاشاعرة ايضا لكن لما كان بطلان مذهب الاشاعرة عند الجبائية من المعلومات الضرورية تعين به مذهب الجبائية و كيف كان فقد اعترض باجرائه فى الممكن و بان الاستدلال بصورة النفى على الوجود دور لانه قد يكون ثبوتا ان منقسما فلا يفيد ذلك هذا و قد اطالوا الكلام فى الاعتراض نقضا و ابراما إلّا انه لا طائل تحته ثم ان ما يمكن ان يصلح دليلا للقائلين بالذات بمعنى ان يكون وجها لفساد القول بالوجوه و الاعتبارات و الصّفات و لو فى بعض الموارد هو انه لو حسن الفعل او قبح لغير الطلب لم يكن تعلق الطلب لذاته و التالى بط و كذا المقدّم بيان الملازمة ظاهر و اما بطلان التالى فلان الطلب امر بشي‏ء من ذاته التعلّق بالغير فكيف يتعلق به لامر خارج و كيف يتصور ذلك و هكذا الكلام فى النهى هذا و قد مر الجواب عنه و حاصله ان مفهوم الطلب لا يفتقر فيما ذكر الى شي‏ء مخصوص نعم حصوله فى الخارج متوقف عليه فهو لا ينافى توقفه على الجهات و الاعتبارات فتعلق بالمطلوب لها دون غيره على انه منقوض بغير الطلب الشرعى كطلب الموالى اذ من المعلوم توقفه على الدّواعى و الاغراض الباعثة على ذلك و انه لو تم لتمشى بالنسبة الى القول بالذات ايضا لان التعلق من لوازم نفس الطلب فلا مدخلية لذات الفعل المطلوب فى ذلك ثم اعلم انه قد ذكر للمفصل بين الحسن و القبح وجهان من ان الاصل فى الفعل الحسن و عدم الجرح و الذم ما لم يطر ما يوجبه و من تساوى الذوات و تمايزها بالصّفات على ما عليه المعتزلة فلو قبح فعل لذاته لقبح فعل اللّه تعالى لتساوى الافعال فى الذوات و الظاهر من الوجهين انهما مبنيان على ان المراد من الحسن ما يتناول المباح اما الاول فظ و اما الثانى فلان بنائه على ان الذات على تقدير خلوه من الصفات مط او مما يصلح لاقتضاء شي‏ء منهما لو كان قبيحا لكان بالذات و باقتضائها فلزم المحذور و هو قبح فعل اللّه تعالى فيجب ان يكون حسنا و كان الحسن ذاتيا و كيف كان فالوجهان مدخولان الاول بان الاباحة فى الاشياء هو مذهب بعض المعتزلة و من اين علم ان المفصّل فى هذه المسألة منهم‏

و بان التعليل بهذا الاصل تعليل الشي‏ء بنفسه لان القول بان الاصل فى الفعل هو الحسن ما لم يطر عليه صفة موجبة للقبح عين القول باحتياج القبح الى صفة دون الحسن و بان مخر اصل الاباحة ما لم يعلم حسنه و لا قبحه لا ان ما لم يتحقق فيه علّة القبح فهو حسن و الفرق ظاهر فان الحسن فى الاول ظاهرى يمكن ان يكشف الشرع فيه عن قبح واقعى بخلاف الثانى و بانّ اصل الاباحة لا يصح للتعليل فان معنى هذا ان عدم علّة القبح بحسب الواقع علّة لحسن الفعل و معنى اصل الاباحة ان عدم الدليل على الحرمة دليل على الاباحة و انى هذا من ذاك و يمكن ان يرجع ذلك الى ما ذكر فلا يكون وجها آخر فت ثم مدخولية الوجه الثانى بانه لا يلزم من تحقق الحسن و القبح فى الفعل الخالى عن الصّفات ان يكون المقتضى ذات الفعل لجواز الاستناد الى امر خارج غير الشارع او اليه لا من حيث الشرع فلا يلزم المحذور المذكور و بانه لا يجوز ان يخلو الفعل من صفة محسنة او مقبحة ففرض خلو الفعل عنهما فرض غير واقع و على تقدير وقوعه نختار ان الفعل لا حسن و لا قبح فيه فلا ضير فى استلزام المح المح و عدم الواسطة بينهما لا يستلزم ان يكون‏ (1) واحد من الوجود و العدم مقتضى ذات الممكن و بان لازم ذلك اتصاف القبيح المحتاج الى صفة مقبّحة بالحسن ايضا و هذا اذا لوحظ ذاته اللهم إلّا ان يقال ان هذا مما لا ضير فيه لان الحسن‏

____________

(1) احدهما مقتضى الذات و الّا لزم ان يكون‏

130

لان الحسن بالصّفة بحسب الواقع و الحسن الذاتى بملاحظة رتبة الذات من حيث هى فلم يلزم تخلف ما بالذات عن الذات و هذا كما ترى مما لا وقع له اذ هذا بدون تحقق الثبوت الواقعى كيف يعقل فعلى البناء على هذا الثبوت يلزم المح و بانه يصحّ ان يقال نقضا ان ما لم يتحقق فيه صفة مؤثرة للحسن و القبح يجب ان يكون قبيحا و الا لكان حسنا فكان الحسن مقتضى الذات فيكون فعل المعاصى حسنا و القول بان هذا لا يرد اذ المراد ان الحسن لا يحتاج الى صفة وجودية موجبة له بل يكفى فيه الذات و عدم سبب القبح فلا غائلة اذ فعل المعاصى و ان لم يكن الذات فيه موجبة للقبح لكن تحقق فيه صفة موجبة للقبح مما لا وقع له لان مرجعه بعد امعان النظر الى التفرقة بين الحسن بحسب الرتبة و الحسن الواقع و قد عرفت ما فيه هذا و مع ذلك كله فالتعكيس جائز بان يقال الاصل كون قبح الشي‏ء مستندا الى الذات و حسن فعل اللّه تعالى ح بصفة و القول بان هذا غير جائز لان الحسن امر عدمى لا يحتاج الى العلّة اذ عدم المعلول مستند الى عدم العلّة بخلاف القبح مما ضعفه فى منار و قد يجاب عن الوجه الثانى بانه لا يلزم من كون الذات مقتضية للقبح قبح افعاله سبحانه تعالى لان الذات ليست فعله سبحانه بل ايجادها و افاضة الوجود عليها من فعله فافاضة الوجود على ما يقتضى القبيح ليست بقبيحة هذا و انت خبير بما فيه اذ لو اريد من الذوات ذوات الاشياء العينية الخارجيّة كما يومي الى ذلك كلامه بل هو ظاهر فيه لخرج عن المقام و كذا لو اريد منها ذوات افعال العباد فلم يدع احد ذلك ظاهرا حتى ينفيه على انّ النفى لا يجديه فنفس الايجاد الذى اذعن بانه فعله تعالى يجرى فيه الكلام المذكور و يتمشى العويصة جدا بان يقال لو كان ذوات الافعال مقتضية للقبح قبح ذات الايجاد و نحوها فما ذكره لا يكون من التفصّى فى شي‏ء بل ان ما فى ذيل كلامه مما لا ارتباط له بالمط اصلا كما لا يخفى على الفطن فافهم‏

الرابع: فى بيان الثمرات‏

المقام الرابع‏ فى بيان الثمرات و تحقيق الحال فى ذلك اعلم ان بعض جهابذة هذه الصّناعة و هو شيخنا الاعظم و استادنا الافخم الشريف (قدّس اللّه تربته) قد ذكر للمسألة ثمرات و نحن نذكر لبّ مرامه و حاصل كلامه ثم تذكر ما يرد عليه فقال ما حاصله و من جملة الثمرات تاثير الحسن و القبح و عدمه و بيان ذلك ان من ارتكب المحرّم غفلة او جهلا او نسيانا فلا عقاب عليه قطعا فيعذر جدّا و انما الكلام فى التاثير النفس الامرى اى فى انبعاث الملكة الباعثة على الخيرات او الشرور من ذلك و حصول القرب و البعد فعلى القول بالذاتية يؤثران و يعطيان ذلك و لا يؤثران على القول بالوجوه المغيرة من العلم و الجهل و كذا على القول المختار من الاعميّة فى الموارد لكن لا مط بل اذا علم مدخليتهما و يؤثران عليه اذا علم عدم مدخليتهما و يلحق بذلك مشكوك الحال من الموارد نظرا الى ظواهر الاوامر المتعلقة بالطبائع المقتضية للحسن فيها هذا اذا كان الدليل من الادلة اللفظية و اما المشكوك الذى دليله لبّى فلا يحكم فيه بشي‏ء و منها جواز اجتماع الامر و النهى و عدمه فالعدم لازم مقالة الاعتباريّين بالمعنى الرابع المتقدّم اى الوجوه الموجبة لاختلاف الحكم بسبب تغيرها الموضوع من العلم و الجهل و الغصب و الاباحة و نحو ذلك لان طبيعة الصّلاة من حيث هى لا حسن فيها بل الحسن ح الطبيعة المنتزعة من الافراد المباحة لا الطبيعة من حيث هى لانه لازم القول بالذات و لا خصوص الافراد الغير المغصوبة لانه لازم القول بتبعيّة الاحكام لكل وجه من الوجوه و لو لم يكن مغيرا للاحكام و من قال بالذاتى فلا يلزمه شي‏ء من هذه الجهة فله القول بالجواز و عدمه و على القول المختار يتبع الموارد على نهج ما علم فى الثمرة السّابقة و منها اقتضاء الامر بالشي‏ء النهى عن ضده الخاصّ و عدمه فالاقتضاء هو لازم مقالة الاعتباريين بالمعنى الرابع و التقريب واضح و لا يلزم شي‏ء من الجواز و العدم على القول بالذاتى و على القول المختار يؤخذ بالنسبة الى ما علم و ما لم يعلم على ما عرفت لا يقال ان هذا انما يتمشى فى الوجوه الموجودة مع الموصوف بالحسن و القبح بوجود واحد و لا ريب انّ ترك المامور به المضيق ليس وجوده عين وجود الضدّ فلا يكون الثمرة فى محلّها لانا نقول قول الاعتباريين من هذه الجهة اعم و الشاهد بذلك ايرادهم التناقض على الذاتيين بقول القائل لا كذبن غدا و جوابهم عن كون ذلك مشترك الورود بما مرّ مما ذكر من التحقيق فى الجواب عن سؤال اشتراك الورود فلو كان قولهم اخصّ فى هذه الجهة لقالوا فى الجواب عن ذلك الاشكال انا لا نقول بعلية الوجوه التى يتعدد الوجود فيها بل نقول بالعلية فيما يتحد الوجود و هذا ظاهر و منها بطلان الصّلاة فى مواضع التهم و عدمه فتبطل على القول بالوجوه و الاعتبارات لان الصّلاة الواقعة فيها تكون غير محبوبة باعتبار مرجوحية المكان و هذا يكشف عن عدم كونها مطلوبة و عدم كونها مما امر به و لا يلزم ذلك على القول بالذاتى و منها صحّة الصّلاة فى الدار المغصوبة على القول بالذاتى مع التمكن من اتيانها فى غيرها اذ الصّلاة من حيث هى حسنة و الايقاع فى المكان المغصوب لا يخرجها عن الحسن الذاتى فالصّحة على هذا القول لبقاء الحسن الذاتى و منها لزوم التصويب و تعدد الحكم على القول بكون العلم و الجهل من الوجوه و اتحاد الحكم و التخطئة على ساير الاقوال و لا بد قبل ذلك من الاشارة الى اشكال و دفعه و ذلك ان النّزاع فى مسئلة التصويب و التخطئة اما ان يكون فى الحكم الواقعى او الظاهرى فالاول بط للاتفاق‏ (1) على تعدده و اعتبار اجتهاد كل مجتهد فى حقه فيكون النزاع لفظيا هذا فدفع ذلك بان النزاع فى تلك المسألة متفرع على‏

____________

(1) من الكلى على الاتحاد و كذا الثانى للاتفاق‏

131

النزاع فى مسئلة اخرى و هى هل للّه فى كل واقعة حكم لا يختلف باختلاف المعتقدين ام له احكام مختلفة بذلك و هذا متفرّع على مسئلة اخرى من ثبوت الحسن و القبح و تبعيّة الاحكام لهما و عدم ذلك فالنزاع معنوى ثم الحق هو الاول للاجماع و الاخبار المتواترة معنى على الاتحاد و طريق اهل العقول فان الآتي بغير ما تعلق به الامر لا يكون آتيا بالمطلوب الواقعى و ان كان مثابا فى اتيانه به نظرا الى اعتقاده فى متعلّق الامر و كيف كان فلازم مقالة الذاتى اتحاد الحكم الملازم للتخطئة و كذا الاعمّى فى الموارد إلّا ان يقول بمدخلية العلم و الجهل فح يلزم التلفيق نظرا الى الموارد الا ان هذا لم يقل به احد لان الكلام منحصر فى الإيجاب و السلب الكليّين ثم لازم القول بالوجوه ايضا التخطئة إلّا اذا اخذ العلم و الجهل ايضا فلازم تلك المقالة التصويب فالاحكام الظّاهرية تكون من الواقعيّات عند اصحاب تلك المقالة لان الحسن و القبح انما يحدثان بالعلم بل الحكم يحدث به فلا حكم قبل ذلك حتى يحتمل الاصابة (1) بل هذا من قبيل السلب الموضوعى فالاحكام يحدث بحدوث الآراء فتلك الاحكام ثانوية تتعدّد بتعدّد الآراء و ان سلّم ان ما نزل اولا الى النّبى (ص) فى كل واقعة واحد فالتخطئة بالنّسبة اليهم مسلّمة و لا يضرّنا و من هنا ظهر غفلة البعض منا حيث قال ان للّه حكمين واقعيتين فى كل واقعة اولى اختيارى و ثانوىّ اضطرارى اذ هذا عين مذهب الجبائية من القائلين بالاعم فى الوجوه فعند الامامية الحكم الواقعى واحد الا انّ ما اعتقده هو تكليفه الظّاهرى و هو معنى لزوم العمل بالمعتقد فالعمل به حسن لانّ المعتقد حسن ثم انّ هذا على غير طريقة الاشاعرة و اما على طريقتهم فلا يتعين التصويب و لا التخطئة لانهم لا يقولون بتبعيّة الاحكام للحسن و القبح فيحتمل عندهم تعلق ارادته تعالى متحدة و يحتمل كونها متعدّدة و معلّقة بآراء المجتهدين و يحتمل التبعيض فالاول تخطئة محضة و الثانى تصويب صرف و الثالث ملفق منهما فلا وجه لنسبة التّصويب مط الى الأشعرى اذ قولهم يجامع الاحتمالات الثلث إلّا ان يقال انّ لهم ان يقولوا بالتخطئة نظرا الى المقدمات الثلث من اتحاد الحكم النازل الى النّبى (ص) و من انه حكم المشافهين و من ان حكمهم حكمنا للاشتراك اذا عرفت هذا فاعلم ان ما ذكر من اللازم على المذاهب فى تلك الثمرات الثلث الأخيرة يكشف عن بطلان القول بالذاتى او الوجوه و الاعتبارات على وجه الاختصاص سيّما بعد العلم و الجهل منها و ادخالها فيها للاتفاق على صحة الصّلاة فى مواضع التهم و الاتفاق على بطلانها فى المكان المغصوب و اتضاح بطلان التّصويب و منها حجية الظنّ و عدمها فلازم القائلين بالوجوه و الاعتبارات بالاحتمال الرابع حجّية لانهما تابعان للاعتقاد علميا او ظنيا و لا يلزم شي‏ء على القول بالذاتى هذا الا ان ذلك لا يخلو عن المدخولية و عدم الاستقامة لان الظاهر من القائلين بالوجوه مدخليّة الاعتقاد العلمى او الظنى على وجه الظنون الخاصة لا مطلق الظن على انّ غاية الامر ح حجية الظن بالوجوب او التحريم لا حجّية حتى بالنسبة الى عدمهما ايضا فان هذا بعد القطع بالتكليف يفضى الى خلاف ما حكم به العقل من لزوم الاحتياط فكيف يقول بذلك هؤلاء و ان هذا مشترك بين الفريقين الا ان الوجه مختلف فالذاتى يقول بلزوم العمل بالمعتقد لاجل كون العمل حسنا و الاعتبارى لاجل كون المعتقد حسنا فالاختلاف فى المدرك لا فى المطلب فان قلت ان الذاتى لازمه القول بالحجّية دون الاعتبارى على عكس ما قرر او لا لان لازم الذاتى ترتيب المصالح و المفاسد و ان لم يعلم الموضوع اذ مخالفة الظنّ مظنة الضرر و دفع الضرر المظنون لازم قلت هذا مدخول من وجوه الاوّل انه لا يكون ثمرة على حدة فى المقام بل هى من جزئيات ترتّب المصالح و المفاسد و الثانى انه لو تم لدل على لزوم الاحتياط و ان كان الحال مشكوكة او محتملة الا ان يدفع المشكوك و المحتمل بقاعدة الاختلال و عليه ايضا لا يتم المط ان يكون هذا لاجل الاحتياط و الثالث ان ما ذكر مشترك بين القولين لان الظن بالوجوب و التحريم الواقعيّين و ان لم يكن ملازما للظنّ بهما ظاهرتين عند الاعتباريّين لكن لا اقل من الاحتمال و لو موهوما فيجب دفع الضرر المحتمل متى على القول بالاعتبار و الرابع ان لازم الذاتى ليس ما ذكر بل هو بعد امعان النّظر عكس ما ذكر من حرمة التعبّد بالظن لان القائل بالذاتى قائل بترتب المصالح من غير مدخلية للعلم و الجهل فاللازم على‏

الحكيم تعالى اظهار الامر على ما هو عليه فى الواقع حتى لا يلزم خلاف اللطف هذا خلاصة كلام شيخنا الاعظم نوّر اللّه تربته و انت اذا امعنت النظر تجد ما ذكره من الثمرات و ما اشتمل عليه كلامه مدخولا من اصله و بيان ذلك على وجه مفيد فى المقام هو ان الثمرة الاولى مما ليس فى مخرّه جدّا اذ التاثير بحسب القرب و البعد و انبعاث الملكات الداعية الى الخيرات او الشرور لا يختص بمذهب دون مذهب بل هو بناء على القول به لازم مقالة قاطبة القائلين بالحسن و القبح من غير فرق بين مذاهبهم المختلفة لان التاثير انما يناط على الامور الواقعية فلا يختلف التاثير فى مذهب من المذاهب و اما قضية اناطة عدم التاثير على العلم و الجهل فقد مرّ فى السّابق ما يدل على بطلانها و حاصله ان احدا من الجبائية لم يعد العلم و الجهل من الوجوه و الاعتبارات فى هذا الباب و لم ينسب هذا الى احد منهم فى كلام احد من نقلة كلامهم على ان ادخالهما فى الوجوه و الاعتبارات و عدّهما من العلل المحسنة او المقبحة و المقتضيات لذلك كاقتضاء ساير الوجوه ذلك مما لا يعقل اصلا اذ المراد من المقتضيات المقتضيات الواقعية و العلل النفس الامرية مع قطع النّظر عن كل شي‏ء من اطلاع مطّلع عليه و نحو ذلك فهما ليسا من قبيل ساير الوجوه بل ليسا من قبيل مثل الغصب و الإباحة ايضا بناء على المماشاة و التنزل من ان مثل الاباحة و الغصب مما يصلح للعلية و اقتضاء الحسن و القبح اذ فرق بين بين الحسن لوصفه او لعارضه او لجزئه او لشرطه و بين الحسن او القبح لاحدى تلك الامور بشرط تحقق شي‏ء فالعلم و الجهل ليسا من قبيل المقتضيات بل لو كان لهما

____________

(1) و عدم الإصابة

132

كان لهما اثر فانما هو من قبيل شروط تحقق الاقتضاء و ابى هذا من ذاك مع انهما فى مقام التحقيق من الجهات المتعلقة بالتكليف و الامر و اما بالنّسبة الى المامور به فهما مما لا دخل له فى ذلك و الحاصل انهما ليستا من جهاته حتى بحسب الشرطية فى المحقق الاقتضاء فلم يكن لتشقيق الاستاد (ره) و تفصيله وجه فعدم استقامة هذه الثمرة بل كل ثمرة اخذ فيها قضية العلم و الجهل اظهر من ان يباين هذا و اما وجه عدم استقامة الثمرة الثانية فهو ايضا فى غاية الظهور اذ عدم حسن الصّلاة فى المكان المغصوب ليس المقصود منه ان حسن الصّلاة فى الواقع و حاق نفس الامر بسبب الاباحة و عدم الغصب بمعنى ان ذلك احداث الحسن فيها اذ لا شك ان الصّلاة هى الفعل الجامع للاجزاء و الشرائط و من جملتها فقد الموانع بناء على الوضع للصّحيح او انّ مطلوب الشارع هى الصّلاة الحسنة بالحسن الواقعى و ليست هى الا تلك الصّلاة الجامعة لهذه الامور بناء على الوضع للاعمّ فالعلل الوجودية و المقتضيات الاعتبارية لها و امثالها من العبادات لا بد من ان تكون غير هذه الامور التى اشير اليها من اباحة المكان و الستر و نحو ذلك و بالجملة فرق بيّن بين الحسن للشي‏ء و بين الحسن بالشي‏ء مع ان ما ذكر ليس من قبيل الاوّل ايضا فتلك الامور لا تعد من الجهات التى تكون علة للحسن كما لا يعد جهات التكليف و الامر من الابتلاء و الامتحان و الامتثال من ذلك و عقد الباب و جملة الامر ان الوجوه العارضة للفعل فى حالة من حالاتها دون بعضها لا يدخل فيها شي‏ء من الامور المذكورة فعلى فرض الدّخول فانما هو باعتبار المدخلية فى الجملة على سبيل التاثير التام و اناطة الامر عليه بالجملة و بالكلية ثم ان بعد قطع النّظر عن كل ما ذكر انّ جواز الاجتماع لا ينافى القول بالوجوه و الاعتبارات و لا ينافره بل ان القول بالذاتى لازمه عدم جواز الاجتماع و يكشف عن ذلك بعض تعليلات المجوزين من انه لا ضير فى محبوبيّة شي‏ء و مبغوضيّته باعتبار جهتين و كذا ردّ المانعين اياه بانهما من الجهات التعليلية لا التقييدية فلا يجدى تعدّد الجهة اذا كانت من القسم الاول فقد انصدع ان المانعين لا يمنعون الاجتماع اذا تعدد الجهة التقييدية فعلى القول بان الجهات التعليلية كالجهات التقييديّة فى الاكتفاء فى اجتماع المتقابلين يظهر حقية ما قلنا من ان الجواز لازم مقالة الاعتباريّين لا العدم و بالجملة انّ هذا بناء على المماشاة و الا فمدخولية ما ذكرا بين من ان يطالب بشي‏ء فان قلت انّ هذا لا يناسب الحق المختار من ان المطلوب بالاوامر الطبائع لا الافراد فانما هى من قبيل المقدمات و الاسباب فالجهات ح لا يكون من قبيل ما نحن فيه قلت لغرض مما ذكرنا هدم بنيان ما ذكر فى الثمرة الثالثة فما ذكرنا انما كان على سبيل التنزل و المماشاة و الا فالجهات اللتان ذكروهما فى باب جواز توجه الامر و النهى الى امر واحد شخصىّ ليستا من قبيل ما نحن فيه كما ذكر على ان ادخالهما فيه على سبيل المدخلية و التاثير فى الجملة مما له وجه فالعجب من هذا القائل حيث لا يرضى فى ذلك راسا براس و كيف كان فقد علم من تضاعيف ما ذكرنا عدم استقامة الثمرة الثالثة و الرابعة و الخامسة و السّادسة ايضا فلا طائل فى ردّ ما ذكر فيها حرفا بحرف و اما السّابعة فقد آل فى آخر المرام فيها الكلام الى كون عدم حجية الظن حتى الظنون الخاصّة لازم مقالة القائلين بعلية الذات فى الحسن و القبح بل حرمة ذلك كمقالة ابن قبة و انت بعد التامل التام تجده ايضا مدخولا و ذلك انه لا ملازمة بين القول بحسن الشي‏ء او قبحه لذاته و بين القول بانه لا بد فى باب التكليف من العلم به و ترتيب المصالح الجزائية من الثواب و التقرب و الامتثال و نحو ذلك على صورة العلم خاصّة و دورانه مدارها اول الكلام فلا غرو فى قيام الظن فى هذا الباب مقام العلم و ترتب المصالح و الآثار الحسن النفس الامرى عليه و قضية اللّطف مما لا دخل له فى المقام جدّا و بالجملة لا ملازمة بين الامرين حتى ينبعث منه اشتراك الذاتيين فيما ذكر مع ابن قبة فاذا كنت على خير مما ذكرنا فاعلم ان وجه عدم تعرّض احد من الاصوليين لثمرة النزاع لعله لفقدها من اصلها او كونها مما لا جدى و فيه كثيرا و يمكن ان يثمر هذا النزاع فى مسئلة النية بناء على المداقة فيها كما

عليه الاواسط من الأصحاب من القائلين بالاخطار و وجوب قصد الوجه من الوجوب و الندب او قصد وجه الوجه من كون هذا الفعل الواجب او المندوب لطفا او كونه مما له حسن واقعى فعلى هذا الواجب هو قصد احد هذه الامور على سبيل التخيير فالقائل بالذاتى يلزمه ان لا يقول لحسنه الاعتبارى او اللازمى فلو قال كل بطلت نيّته نفس الامر على ذلك على القول بالصفات و على القول بالوجوه ايضا و بالجملة فلازم كلّ مذهب عدم جواز تقييد الحسن بغير علته فيه لا لزوم تقييده بعلته فيه فان فى قصد وجه الوجه يكفى اطلاق الحسن و يصحّ ذلك بالنسبة الى جميع المذاهب و كذا تقييده بالواقعى بل بالذاتى ايضا اذا اريد منه الواقعى الشامل للاقسام الثلث هذا و اما لازم القول بالاعم فهو الاحتراز عن تقييده احد من هذه الامور من الوجوه و الصفات و الذاتى بالمعنى الاخصّ الا فى صورة العلم بالعلة فى الحسن و تظهر الثمرة ايضا فى باب النذور و الايمان بحسب الانعقاد و عدمه و بحسب البئر و عدمه و الوصايا و ما يشبه ذلك فلازم كل من الذاتيين و الاعتباريين و اللازميّين انعقاد النذر مثلا اذا لم يقيد الحسن بما عليه خلاف المذهب و ان قيده بما عليه المذهب من باب التاكيد و عدم الانعقاد اذا قيده بخلاف ما عليه مذهبه و اعتبر الامر فى باب الوصايا و نحوه ايضا و اما لازم مذهب الأعميين فهو انعقاد النذر مثلا و ان قيد الحسن بكل واحد من الثلث فح يجب على الناذر اتيان ما علم انه حسن ذاتى لو كان نذر ذلك او ما علم انه حسن باللازم او بالوجه اذا نذر ذلك و قس على ذلك الكلام اذا نذر ان يعطى دينارا مثلا من ياتى بالحسن الذاتى و هكذا و تظهر الثمرة ايضا فى صورة التعارض بين القبائح بعضها مع بعض و هذا اذا مسّ الحاجة بارتكاب بعضها لاجل الضرورة فعلى القول بالذاتى على الاطلاق لا ترجيح فى الاحتراز و الارتكاب بالنسبة الى كل واحدة منها و كذا على القول بالصفات‏

133

او الوجوه و الاعتبارات اما على القول بالاعم فيجب اجتناب ما علم ان قبحه ذاتى فيرتكب ما قبحه بالصّفة اللازمة او بالوجوه و الاعتبارات و كذا يجتنب ما قبحه بالصّفة اللازمة اذا دار الامر بينه و بين ما قبحه بالوجوه و الاعتبارات و اذا فقد العلم فى البين فلا ترجيح ح كما فى ساير المذاهب و التعارض بين الحسن و القبيح كالتعارض بين القبائح فيؤخذ ما نسب الى الذاتى و يترك ما يعارضه هذا و يمكن ان يقال انّ هذه الثمرة مما ليس فى مخره اذ ما دلّ دليل على تقديم ما هو ذاتى على غيره و ترجيحه عليه فى باب التعارض فت‏

خزينة: فى كون مسئلة عدم خلوّ الواقعة عن الحكم من المسائل الأصولية أو الاعتقادية

خزينة اعلم انه قد سبق انّ عدم جواز خلو الواقعة عن الحكم مما كان يصح ان يكون ثمرة النزاع فى تبعيّة الاحكام للصفات الكامنة فى الافعال من المصالح و المفاسد و يمكن ان يناقش فى ذلك و كيف كان فمسألة عدم جواز خلو الواقعة عن الحكم اشبه بان تكون من المسائل الاصولية من كونها من مسائل اصول العقائد فما اجاد شيخنا الشريف (ره) فى عدّها من مسائل العلم الثانى و اغرب بعد ذلك فى اعتبار الظن فى اثباتها نظرا الى ان الظن فيها مستلزم لحصوله فى المسألة الفرعية فهو فى هذه حجّة فيكون فيها ايضا حجّة من الجهة المذكورة و ذلك ان ما ذكر اولا مناف لما بنى عليه الامر و استقر عليه مذهبه من ان مسئلة كلّ علم ما دوّن فيه و ان لم يصدق عليه حدّه و لم يكن حالا و عارضا من عوارض موضوعه و ان ما ذكر ثانيا مناف لما عليه الاكثر لو لم نقل الكل من اعتبار القطع فى اصول الاديان و اختصاص هذه المسألة بما ذكر بالخصوص تحكم مع انّ ما ذكر يجرى فى كل المسائل و لو بالتوسيط بمرتبة او بمراتب و ان قضية الاستلزام اول الكلام لان ما ذكره من الثمرة ليس من الفروع على انها غير واقعة فى محلّها كما تعرف و لم نعرف غير هذا مما يكون من هذا القبيل و ما نشير اليه من الثمرة من قضية التسامح فى ادلة السّنن مما هو غير محتاج الى اثبات ذلك كما تطلع و مع ذلك كلّه فجريان الادلة الدالة على حجّية الظن فى الاحكام الفرعيّة و المقدمات المعمّمة فى ذلك دونه خرط القتاد و كيف كان فالمعروف من احاديثنا المتواترة معنى عدم جواز خلو كل واقعة عن حكم بل حكم مختصّ بها و قد روى محمد بن يعقوب عن عدّة من اصحابنا عن احمد بن محمّد عن عبد اللّه الحجّال عن احمد بن عمر الحلبى عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (ع) فى حديث قال ان عندنا الجامعة قلت و ما الجامعة قال صحيفة فيها كلّ حلال و حرام يحتاج اليه حتى الأرش فى الخدش فضرب بيده الىّ فقال أ تأذن يا أبا محمّد قلت انما انا لك فاصنع ما شئت فغمزنى بيده و قال حتى ارش هذا الحديث فهذا الخبر الصّحيح كغيره مما فى هذا المعنى لا يفرق بين الاحكام التكليفية و الوضعيّة و لا بين ما يشتد اليه الحاجة و بين غيره و لا بين ما يستقل العقل فى ادراكه و بين غيره اذ ما لا يشتد اليه الحاجة مما يحتاج اليه و لو فى بعض الاحيان و مستقلات العقل مما يحتاج اليه ايضا لان المراد من الاحتياج بحسب الابتلاء لا بحسب الابتلاء و الاطلاع معا على ان استقلال عقول الكلّ ليس ينبغى ان يدّعى فاحتياج مكلف واحد كاف فى الحكم بثبوت الجعل و ان طائفة من الاخيار قد عبّر فيها تعبير ان للّه تعالى فى كل واقعة حكما فيشتمل الكلّ من غير احتياج الى تكلف و توهّم اثبات النقض بالمجانين و الصّبيان توهّم محض لان الاحكام الوضعيّة ثابتة فى شأن هؤلاء ايضا و عدم اتصاف افعالهم بالاحكام الخمسة التّكليفية و عدم ثبوتها فى شانهم من قبيل الجعل بل هو من الجعل بالخصوص ايضا هذا و لا يخفى عليك ان ادّعاء استقلال العقل فى اثبات هذه القضية ممكن و ذلك بقاعدة اللطف فهى فى جلى النظر و ان كانت دائرة مدار الالزاميّين من الوجوب و الحرمة و فى ما لا يستقل به العقل إلّا انها بعد دقيق النظر تجرى فى الكلّ على ان ذلك بعد امعان النّظر لازم مقالة من يدعى ان كلما حكم به الشرع حكم به العقل بمعنى ان الاحكام تابعة للصفات النفس الامرية و العلل الواقعية و بعبارة اخرى ان القول بالتطابق على وجه الاطلاق من الطرفين لازمه القول بثبوت هذه القضية لانه قد علم ان الجعل مساوق لتبعيّة الاحكام للصفات على ما هى عليه فى نفس الامر و العجب من المعتزلة حيث اذعنوا بالتطابق المذكور و مع ذلك قالوا بخلو بعض الوقائع من الحكم المختصّ به كما حكاه عنهم السّيد الاجل صدر الدين فى حاشية شرحه للوافية فاحتاجوا الى بيان مسئلة ان الاصل فى الاشياء هل هو الاباحة او الخطر ليعلموا حكم العقل فيما لا نص فيه من الشرع و لا يستقل بحكمه العقل فهذا منهم عجيب نعم من انكر التطابق فليس القول منه بجواز خلو الواقعة عن الحكم بعجيب ثم الاستدلال على المطلب بقوله كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه امر او نهى مما بيّن الفساد لان الخبر من الآحاد و المسألة مما

يعتبر فيه القطع على انه لا يجرى فيما يستقل به العقل و لا فى الوضعيات و مع ذلك كلّه فالكلام فى الحكم الواقعى لا الظّاهرى ثم ان من ثمرة هذا النزاع تظهر فى التسامح فى ادلة السّنن و المكروهات كما لا يخفى على الفطن طريق ذلك هذا و اما ما قيل ان الثمرة الزام النافين للقاعدة الاولى من كل ما حكم به العقل حكم به الشرع بعد قولهم بادراك العقل و تبعيّة الاحكام للمصالح و المفاسد النفس الأمريّة فمن قال و اذعن بعدم جواز خلو الواقعة عن الحكم فيلزم و يضطر الى الاذعان باثبات التطابق المذكور و حجّية العقل فى مرحلة الظاهر و من لم يقل بذلك و جوز خلو بعض الوقائع من الحكم فلا يلزم بشي‏ء و لا يضطر الى شي‏ء فمما لا يصغى اليه اذ لا ملازمة بين القول بالامور الثلاثة من ادراك العقل و تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد و عدم جواز خلو واقعة من الوقائع من الحكم و بين القول بحجّية العقل فى مرحلة الظاهر و اما تقريبه فى الاستدلال بان الشي‏ء الفلانى مما ادرك العقل حسنه او قبحه و الاحكام تابعة للمصالح و ان الواقعة لا تخلو من حكم فينتج المط لانه لا يمكنهم ح نفى وجود الحكم فى الواقعة التى ادرك العقل حسنه او قبحه نظرا الى اذعانه بعدم جواز خلو الواقعة

134

الواقعة من الحكم و بعد وجود الحكم لا يمكنهم القول بان الحكم المجعول على خلاف ما ادركه العقل اذ هذا مستلزم لنفى احد الامرين من ادراك العقل و تبعيّة الاحكام للصفات و هم لا ينفونه بالفرض فمما يضحك الثواكل فمثل هذا لا يصدر عن الحاذق الماهر فى صناعة الاصول فخذ الكلام بمجامعه و لا تغفل‏

خزينة: فى بيان الأشياء الغير الضرورية التى ينتفع بها قبل الشرع‏

خزينة اعلم ان نفاة التحسين و التقبيح العقليّين بعد تنزلهم عن اصلهم قد تكلموا مع مثبتيهما فى المسألتين مسئلة شكر المنعم و مسئلة بيان حال الاشياء الغير الضّرورية التى ينتفع بها قبل الشّرع فالنّفاة فى الاول على لازم اصلهم الاول فلم ياتوا فى طريق المماشاة بشي‏ء يوافق الحق بل جمّ منهم فى طريق الاستدلال و الردّ لا ينزلون عن اصلهم بل يبتنون على وتيرته الكلام من حيث لا يشعرون بالتزام التنزل و المماشاة و المثبتون لهما متفقون فيهما بقول واحد على وجوبه و ليس انسحاب الكلام فيها استدلالا و ردّا و نقضا و ابراما مما يشتد اليه الحاجة بالنّسبة الى هذه الصّناعة فيطلب بيانها من مظانها فليصرف الاقلام الى جلسة بيان المسألة الثانية فانها من هذه الصّناعة فهى مما كثير فيه الاقوال و تعاركت فيه الآراء و الافكار و زلت فى هذه المدحض الاقدام فمثبتو التحسين و التقبيح العقليّين و القائلون بادراك العقل على وجه الايجاب الجزئى من القائلين بحجية الاحكام و مثبتين الملازمة بينها و بين الاحكام الشرعيّة و من غيرهم كنفاتهما من اصلهما قد تشتت آرائهم و اختلف اقوالهم فمنهم من قال بالاباحة و منهم من قال بالخطر و منهم من قال بالوقف و جمّ من الاشاعرة حكم بعدم الحكم‏

فى تحرير محل النزاع‏

فقبل الخوض فى بيان الاقوال على وجه التفصيل و مداركها و احقاق الحق و ابطال الباطل لا بدّ من الاشارة الى امور ليتضح بها محل التنازع من انحائه و تبيّن حريم التشاجر من ارجائه فاعلم ان المراد من قولنا ان الشي‏ء الفلانى محظور انه قبيح لا يجوز فعله إلّا انه لا يسمّى بذلك الا بعد ان يكون فاعله اعلم خطره او دلّ عليه و ان الشي‏ء الفلانى مباح انه يجوز فعله و يشترط فيه ما فى الاول و قد يقال فى شرح الاول ان لفاعله ان ينتفع به و لا يخاف ضررا فى ذلك لا عاجلا و لا آجلا و فى الثانى انه ليس له الانتفاع به و ان عليه فى ذلك ضررا اما عاجلا او آجلا فالمعنيان متقاربان فوجه عدم جواز اطلاقهما على افعال البهائم و المجانين ظاهر و كذا على افعال اللّه تعالى و ان كان فى افعاله ما لو فعله لكان قبيحا و قد صرّح بذلك الشيخ فى العدة و منه ينقدح انه لا يقال فى افعاله تعالى انها مندوبة او مكروهة و ان كان فى افعاله ما لو فعله لكان تفضلا بل اكثرها من هذا القبيل او ما لو فعله لكان مرجوحا فليس هذا لمحض توقيفية الاطلاق بالنسبة الى افعاله تعالى كاسمائه و يمكن ان يقال ان هذا لاجل ذلك و الا فيمكن ان يعرفا بما لا يحتاج فيه الى اخذ المعلم و الدال و المبيح و الحاظر على ان احد الاخيرين اذا اريد منهما الحاكم لا الشارع و الجاعل مما لا ضير فيه‏ (1) فى افعاله تعالى انها واجبة فالطريق واحد و التفرقة دون اثباتها خرط القتاد إلّا ان يقال الاصطلاح على ذلك فلا مشاحة بالنسبة اليه فت ثمّ اعلم ان افعال المكلفين اما اضطراريّة بقسر قاسر و جبر جابر او ليس كل بل اختيارية صادرة بالقصد و الارادة و الاول خارج عن محل النزاع بل يمكن ان يتصور هو فيه لعدم تعقل معنى الاباحة و الخطر فيه و لهذا لم يتكلموا فيه اصلا و الثانى اما ضرورية كالتنفس فى الهواء و شرب الماء و نحو ذلك مما يلجأ و يضطر اليه الانسان فجم قد نفوا الخلاف فيه فقالوا انه غير ممنوع جدّا و اطلقوا الانتساب الى الكلّ فى ذلك بل اطلقوا فى المثال حيث قالوا كالتنفس فى الهواء و لكن الشيخ فى العدة اقتصر على قدر الحاجة و الضرورة منه و ادخل الباقى تحت النزاع حيث قال اما النفس فى الهواء فالانسان ملجأ اليه مضطر و ما يكون ذلك حكمه فهو خارج عن حدّ التكليف فان فرضوا فيما زاد على قدر الحاجة فلا نسلّم ذلك بل ربما كان قبيحا على جهة القطع لانه عبث لا فائدة فيه و لا نفع فى ذلك يعقل و قال الرازى فى المحصول بعد تمثيله للاضطرارى بالتنفس فى الهواء و ذلك لا بد من القطع بانه غير ممنوع إلّا اذا جوزنا تكليف ما لا يطاق هذا كلامه و قال جمال المحققين قد نقل السّيد المرتضى (ره) فى الذريعة الخلاف فى الاضطراريّة ايضا و ان بعضهم حكم بالتسوية بينها و بين غيرها فى الخطر و هو غريب هذا و قد حكاه عنها غيره ايضا و ان بعضهم حكم بالتسوية بينها و بين غيرها فى الخطر و هو غريب هذا و قد حكاه عنها غيره ايضا و قال فى توجيه جريان النزاع فان قلت كيف يعقل من العدلية التنازع فى الضرورى كالتنفس قلت ان ضروريته لا تخرجه عن الاختيار هذا و قال البعض فى توجيه ذلك ايضا ان النزاع فى الضرورى انما مع قطع النظر عن كونه ضروريا و ان كان العقل يدرك بعد ملاحظة كونه ضروريا حكما آخر فعلى ذلك يدخل فى النزاع من الضروريات ما يستقل به العقل ايضا فى بعض الموارد الذى يستقل العقل فيه بحكمه بالخصوص او ليس باضطرارية و ضرورية و هذا هو المعبّر عنه فى كلمات الجل بالاختيارية فهم يطلقونها فى قبال الضرورية فتكون اخصّ من الاختياريّة بالمعنى الاعمّ فقسموها الى قسمين ما لا يقضى العقل فيه بحسن و لا قبح و الى غيرها و الثانى الى الاحكام الخمسة و هو خارج عن محل النزاع لان الفرض على فرض التنزل و المماشاة و المتراءى من الرازى فى المحصول هو ان النزاع فى الافعال الاختيارية مط و هذا كما ترى يناقض تنزله و مماشاته مع العدلية ثم الاول ينقسم الى اقسام اربع المشتمل على الامارتين من امارة المصلحة و امارة المفسدة لكن من جهتين مختلفتين و الخالى عنهما و المشتمل على الاولى و المشتمل على الثانية فكلام المبيحين انما هو فى المشتمل على امارة المصلحة و النزاع‏

مع خصمائهم فى ذلك القسم فهم ساكتون عن غيره و لعلهم مذعنون بانه مما لا حكم للعقل فيه لا عاما و لا خاصا و يمكن ان يقولوا فى ذلك مط بالخطر او فى القسم الاول و الرابع و بالجملة فادلتهم المذكورة على الإباحة لا تجرى و لا تتمشى فى غير القسم المذكور حتى فى الخالى‏

____________

(1) و الحاكم هو العقل و يؤيد ذلك جواز ان يقال‏

135

عن الامارتين و القول بجريان ذلك فيه إلّا انه فى القسم المعهود اوضح كما عن البعض مما لا يصغى اليه نعم لازم مقالة الحاضرين الحكم بالحظر مط بل فى غير القسم المعهود بطريق اولى و اقل لازم مقالة الواقفين هنا الوقف كما فى القسم المعهود و لهم الترقى و ادعاء الخطر هنا ثم المراد من الامارة فى كلماتهم هو الظنّ الذى تعوّل على مثله العقلاء و ليس مجرد احتمال المصلحة او المضرة او ادون مما ذكر من الامارة المرادة و هذا مما يظهر من تصفح كتبهم و تتبع كلماتهم هذا و لا يبعد ادّعاء دخول كل ظن فى المراد فت‏

فى بيان المراد من قبل الشرع‏

ثم اعلم انه هل المراد من قولهم فى العنوان قبل الشرع هو قبل بعث الرّسل و ورود الشرع مط او قبل وصول جملة يعتدّ بها منها او قيل وصول الحكم فى خصوصيات الموارد المبحوث عنها بهذا العنوان و ذلك كان يكون المكلف فى زمان الفترة او فى وقت اضطرار المكلف بحسب حبس و نحوه مما لا تيسّر فيه البحث و الفحص او قبل وصول هذا العنوان اى قبل الاطلاع على الدّليل و لعل الاوّل هو كان مراد المتقدّمين و الاواسط من الاصوليّين كما ينبئ عن ذلك كلام الشيخ فى العدّة بل عليه حمل العلامة كلام اصحابنا كما حكى عنه و هو صريح البهائى و الشهيد الثانى فى قواعده فعلى هذا لا يكون للنزاع ثمرة اذ هذا بحث على تقدير غير واقع إلّا ان يتمسك بالاستصحاب و ضعفه ابين من ان يبيّن او بانسحاب الحكم الى الواقع فيثمر و لهذا وجه غير بعيد ثم لم يتحقق معنى ما قيل فى المقام و التقدير واقع و ذلك فى غير المكلّفين نحو الاطفال المميّزين هذا و قد يستفاد من البعض اختصاص النزاع بمثل زمان الفترة و حال الاضطرار مثل الحبس و نحوه و هذا مع قطع النّظر عن مخالفته لما اشرنا اليه من ان صريح جمع ان النزاع فى العنوان فى المعنى الاول تخصيص من غير داع يسوق اليه و الاولى ارادة المعنى الأعم الشّامل للمعنى الاخير او ارادته بعينه لئلا يخلو النزاع عن الفائدة كما عليه جمع ثم لا يخفى عليك ان جمعا من متاخرى اصحابنا و قد جعلوا المسألة اصل الاباحة و النزاع الواقع فيها عنوانا مستقلا خلافا للاوائل و الاواسط حيث ذكروها فى مسئلة البراءة فى عنوان واحد و بعبارة اخرى لم يفرقوا بينهما بل جعلوا العنوان للاوّل و طووا كشحهم عن التصدى لبيان الثانى فى عنوان آخر و ان كانوا قد عبّروا فى تضاعيف كلماتهم فى المبحث باصل البراءة كما عبروا باصل الاباحة فلا بد من بيان وجه ما عليه جمع من المتاخّرين من تعدد العنوان المنبئ عن تمايز المبحثين فى حاق الواقع و تغايرهما و لو على سبيل المباينة الجزئية اى العموم من وجه بحسب الموارد و المجارى و كذا من بيان سر ما عليه الاوائل و الاواسط من خلط المبحثين و اتحاد العنوان للمسألتين او عدم تعرّضهم الكاشف عن‏ (1) و التساوى بينهما او اغناء المذكور عن غيره حسب ما يقتضيه الاعميّة و الاخصّية فاقول فالسّر فى التعدد و عدم الخلط اما باختصاص بحث الاباحة بالشبهة الحكمية و الآخر بالموضوعية او الاول بالتحريميّة و الثانى بالوجوبيّة او الاول بالحكم الاجتهادى و الثانى بالفقاهتى او الاول ببيان ما قبل الشرع بالمعنى الاول و الثانى بغيره من المعنى الاخير او غيره او الاول ببيان حكم الافعال المتعلقة بالاعيان و الثانى بالاعمّ من ذلك او عكس ذلك او الاول بما فيه مصلحة خال عن المفسدة و الثانى بما ليس فيه مفسدة سواء كان فيه مصلحة ام لا او عكس ذلك او الاول ببيان الحكم الخاصّ و الثانى بالعام او الاول للاثبات و الثانى للنفى للحكمين من الوجوب و الحرمة و ان كان يثبت للاوّل ما للثانى و بالعكس لكن ذلك بالتوسيط و ملاحظة مقدّمة اخرى او الاول بما فيه مصلحة من غير ان يكون فى قباله نصّ او قول ناش مع عدم تطرق احتمال الوجوب و الثانى فيما عدا ذلك اى فى قباله هذا و انت خبير بان الكل مدخول و ان استقرب البعض الاخيرين فالاول ما يكذبه ما عليه النزاع المعروف بين الاصوليّين و الاخباريّين من حجية اصل البراءة او الاحتياط و تثليث الاحكام و لا يجرى هذا الا فى الاحكام لا فى الموضوعات لاتفاق الكلّ على حجّية البراءة فيها و من هنا يظهر ما فى الثانى على ان النّزاع فى الشبهة المحصورة معروفة و هى و ان كانت من الشبهة الموضوعيّة الا ان المال الى الحكم و ليس الثالث الا تحكم محض مع ان الاول ح يكون اعمّ من الثانى فيكون مغنيا عنه و ضعف الرابع يظهر مما مر بل من وجهين آخرين ايضا و الخامس باغناء الاعم عن الاخصّ و كذا السّادس و السّابع و الثّامن مع انّه لا يتطرق اصلا فان الفرض فى بحث الإباحة فيما اشتمل على مصلحة و التاسع يكذبه العبان لان الفرض فيما لا يدركه العقل بالخصوص و لهذا كان هذا الاصل قاعدة تقبل التخصيصات و يرد على العاشر بانه يستلزم تطويل الكلام من غير طائل تحته لانهما اذا كانا بحسب المجارى و الموارد مما لا فرق بينهما و مع ذلك يستلزم الاول الثانى و بالعكس و لو بملاحظة مقدّمة فلا احتياج الى التعدد

فى العنوان و الفصل و بين المبحثين و ضعف الحادى عشر بمنار و ليس ما فيه الا من التحكمات الصّرفة مع ان تمثيلهم فى اصل البراءة بشرب التتن يقمع اصله لانه ليس ما ذكر مما يكون فى قباله نصّ او فتوى و لا يتطرق فيه ايضا احتمال الوجوب و حمل هذا التمثيل و نحوه على الاستطراد حمل يدفعه ظواهر كلام القوم كما لا يخفى على الفطن هذا و لكن تحقيق الحق فى المقام ثم‏ (2) محط انظار القوم فى هذا المرام هو لزوم تعدد العنوان و الفصل بين المبحثين و ذلك ان المقصود فى المبحث الاوّل مر بيان حكم العقل اى حكمه العام فى الاشياء التى لا يدرك العقل فيها الصّفات الواقعية و العلل النفس الأمريّة المنبعثة منها الاحكام الواقعية فلا يلاحظ فيه الشرع اصلا و كيف لا فان المبحث احد مبحثى التنزل و المماشاة و ليس ذلك الا بالنسبة الى حكم العقل و لهذا ما جاد من تمسّك فى هذا البحث بالاخبار و الآيات فانه تخليط و خلط مما لم ينفع فى محله و ايضا يدل على ما قلنا ان القائلين بالخطر او المتوقفين فى هذا المبحث ممّن حكموا باصالة البراءة و ليس المخالف فى المبحث الثانى و القائل بالخطر فيه الا الاخباريون و المقصود فيه بيان حكم الشارع بمعنى انه هل وصل منه فى‏

____________

(1) التساوق‏

(2) بيان‏

136

منه فى الاشياء و الافعال مط و لو كان مما ليس فيه امارة مصلحة مما لم يصل حكمه بالخصوص حكم عام و ضابط كلّى يدل على الاباحة ام ما يدل على الخطر و جل الحاظرين و الواقفين فى الاول ممن حكموا بالاباحة فى الثانى فاتحاد العنوان و عدم الفصل بين المبحثين كالخلط بين الامور و المتباينة و الاشياء الغير المتناسبة فمحط انظار المائزين بينهما هو ذلك و هو مما فى محله قطعا الا انّ بعضا منهم قد خلط فى الادلة و ساق ادلة الثانى فى الاول و هذا مما لم يقع فى محلّه لما اشرنا اليه و قد انقدح مما ذكرنا لزوم التعدد و الفصل و لو على القول بالتطابق و التلازم بين الاحكام العقلية و الشرعيّة و القول بعدم لزوم ذلك على هذا التقدير كما عن بعض المعاصرين مما ليس فى محلّه فقد انصدع عدم وقوع الخلط بين المبحثين و جعلهما فى عنوان فى محلّه و عدم استقامة نظر من جعل هذا كل ثم اعلم انه مما ينبغى ان يعلم ان الافعال تنقسم عن جهة غير الجهات المذكورة الى قسمين قسم يتعلق بالاعيان الخارجية عن المكلف كاكل الرمان و شم الطيب قسم ليس كل و الاول داخل فى العنوان جدار فى محل النزاع قطعا اذا اشتمل على شرط مذكور من امارة المصلحة و استشكل الامر على البعض فى الثانى نظرا الى تعبير اكثر القوم بالاباحة فيدخل لشمولها له اذ المتبادر منها الاعم و الى تعبير البعض بالحلية فيخرج لظهور اختصاصها بالاول ثم اختار الخروج و حمل ما فى كلام البعض حملا للمطلق على المقيّد و ذلك ان القوم فى تحرير محل النزاع او الشروع فى العنوان بمنزلة شخص واحد هذا و انت خبير بما فيه من ضعف التعليل على ان اللازم حمل ما فى كلام الكل على الاعم لعموم العنوان اذ هو فيما اشتمل على امارة مصلحة و عموم الادلة المسوقة من الطرفين فظهور الحلية المعبّر بها فى كلام البعض فى الاخصّ و لا ضير فيه للزوم تقديم النصّ على الظاهر و يكشف عما حققنا قولهم بخروج النفس فى الهواء لاجل كونه ضروريّا و ايضا قول الشيخ فى العدة بان القدر الزائد عن مقدار الحاجة داخل فى محل النزاع كما اشرنا اليه ثم ان ما ينبغى ان يعلم ليتبيّن تحرير محلّ النزاع من وجه آخر هو انه هل المراد من الاباحة و الخطر الواقعيان ام الظاهريان فقبل بيان هذا

فى المراد من الحكم الواقعى و الظاهرى‏

لا بد من الاشارة الى بيان الحكم الواقعى و الظّاهرى لئلا يشتبه الامر على الناظر فى هذا المبحث و ان كان ذلك قد سبق اليه الاشارة فى تضاعيف كلماتنا المتقدّمة فاعلم ان الحكم الواقعى ما كان معلّلا حسنه او قبحه من الامر الواقعى و السّبب النفس الامرى من الذات او الصّفات او الوجوه و الاعتبارات و لا فرق فى ذلك بين ان يدرك العقل الحكم و عدمه و لا بين ان يصل الحكم بالفعل و عدمه و هذا بعد امعان النظر فيما تقدم من التلازم بين الاحكام الشرعيّة و العقلية و بالعكس و من ان الحكم المجعول مساوق لما عليه الفعل فى نفس الأمر و لا ينفك الجعل عنه و لا يكون على خلافه فالحكم الظاهرى ما ليس كل و هو قد يصادفه و قد لا يصادف نعم قد يؤخذ فيه مقام الجهالة بالنسبة الى الحكم فى اول المرحلة فح يكون الواقعى ما يقابله مما لم يكن فيه الجهالة كذلك سواء كان مؤدى الحكم دليلا قطعيّا عقليا او شرعيا او ظنيا فيشمل المستنبطات عن القطعيّات المنجزة و الظنيّات كل و لو كانت الاخيرة من قبل العمومات و الاطلاقات فيكون المراد بالظاهرى المستنبط عن الاصول المعلقة المجراة فى مقابل الجهل المذكور و يمكن ان يكون كل ذلك على تعبير و اصطلاح مما هو غير متداول فى هذه المسائل العقلية فيكون المختصّ بها هو ما ذكر او لا هذا و اما ما قيل فى المقام و لا نريد من الحكم الواقعى الّا الحكم الذى يشترط فى تعلّقه بالمكلف علمه به فلا يكون عند عدم الشرط الا حكما شانيا و قد اصطلحوا على تسميته حكما واقعيا و لا ريب انه غير مشروط به و انما المشروط به فعلية و يعبّر عنه بالحكم الظاهر و بهذا يظهر الفرق بين القول بالتصويب و القول بالتخطئة لانهم بعد ان اطبقوا على ثبوت الحكم الفعلى تشاجروا فى الحكم الثانى بالمعنى الذى ذكرنا فمما بمرأى و مسمع من البعد عن الصواب و قد مر الى بيان مثله الاشارة فى السّابق فاذا كنت على خبر مما ذكرنا فاعلم ان كلمات الأوائل و الاواسط مطلقة فى هذا المقام و لم يبينوا محل التشاجر من الوجه المذكور بل فى ساير انحائه ايضا كما انّ هذا هو ديدنهم فى اكثر مسائل الصّناعة و اختلف كلمات الاواخر فى ذلك من جهتين من جهة الانتساب الى الاوائل و الاواسط محل التشاجر و مخر التخاصم حسبما استشموا و دلوا عليه من سياق ادلتهم و صدر عناوينهم و من جهة بيان مرادهم و مختارهم فى المقام‏

فى بيان المراد من الإباحة و الخطر الواقعيين‏

فالمحقق الثالث قد غرى كون حريم التشاجر فى الاباحة و الخطر الواقعيّين الى القوم باسرهم و اختاره هو ايضا ذلك من الحكم بالاباحة الواقعية و السّيد الكاظمىّ (ره) قد نسب هذا الى السّيد المرتضى (ره) و الى الاكثر كونه فى الظاهريّين مسترشدا الى الاول بكلام المرتضى (ره) و احتجاجه بحصول النفع و انتفاع طرق المضرة العاجلة بانتفاء طرق العلم و الظن بها و بانها لو كانت لوجب على اللّه ان يعلمنا بذلك و مشهديا الى الثانى بان الاكثر يجوّزون بان يكون ما حكموا به على خلاف الصّفة الواقعية بل هم يجوزون ذلك فيما جاءت به الشريعة بغير القاطع فكيف بالمجهول ثم لم يستبعد ان يكون النزاع فى الحكم الواقعى و يكون محط نظر الاكثر ايضا فيه و قرره بما حاصله انا نقول ان اللّه تعالى اباح على ما لم يبيّن لنا حكمه مما فيه مصلحة او مفسدة فى الواقع فهذا حكم اللّه واقعا و ان كان هذا الشي‏ء فى نفس الامر على صفة تقتضى الوجوب او الحرمة و كذلك الكلام فى القول بالخطر و ليس هذا الا كما تترك عند متاعك الذى عرضته للبيع من لا يحسن البيع و انما تركته للحفظ فتقول له ايّاك و التعرض به فكانت اباحته و حظره واقعيان هذا و قال بعض المعاصرين و الظاهر ان النزاع هنا فى مطلق الخطر و الاباحة سواء كانا واقعيين او ظاهريّين ليعم القول بالتصويب ايضا و خصّهما بعضهم بالظاهريّين معللا بانه لا يمكن نفى الاحتمال العقلى راسا بمعنى ان ليس فى الفعل جهة حسن او قبح‏

137

لا سيّما بعد ملاحظة ما ورد فى الشرع من تحريم بعض المنافع الخالية عن المضرة كالغناء و شرب الفقّاع الغير المسكر و هذا التعليل كما ترى انما يتجه على قول المخطئة و الاولى ما ذكرناه انتهى و انت خبير بان كلام المرتضى (ره) كما نقل عنه ليس ظاهرا فيما نسب اليه من اذعانه يكون محل النزاع بين الاوائل و الاواسط فى الاباحة و الخطر الواقعيّين و التفسير الذى وجهه السّيد الكاظمى فى الحكم الواقعى مخالف للتحقيق كما مر اليه الاشارة و ستطلع تفصيلا على بيانه و بيان انّ ما نسب المحقق الثالث الى القوم من كون كلامهم فى الحكم مما ليس فى محلّه ايضا و اعجب من الكل ما ذكره المعاصر من التعميم لما ذكره من التعليل اذ القول بالتّصويب لا ينافى القول بالواقعى لأن التصويب انما نشاء من انكار حكم العقل و ادراكه له كون الاحكام العقلية هى الاحكام الشرعيّة و ان الاحكام تابعة للصّفات الكامنة فى الافعال فى الواقع فاذا فرض التنزل و المماشاة فلا مانع فى اجتماعهما على انه يمكن للقائل بالتصويب مع فرض اصراره على الانكار القول بتقسيم الحكم الى الظّاهرى و الواقعى نظرا الى مقام الجهالة بالخصوص و عدم ذلك او نظرا الى احكام اللّه المنزلة على النبى (ص) و ملاحظة استنباطات المجتهدين على وفق ذلك و غيره فافهم ذلك و تامّل و اغرب من الكلّ ما صدر عن البعض حيث احتمل الاحتمالين ثم قال و لازم مقالة القائلين يكون العلة فى الحسن و القبح هى الذات هو كون محل النزاع فى الاباحة و الخطر الواقعيّين و لازم الاعتباريين كونه فى الظاهريّين اتم قال و المتوقف يحتمل ان يكون متوقفا فى اصل الحكم كما يحتمل ان يكون متوقفا فى خصوص الحكم و كما يحتمل ان يكون متوقفا فيها هذا و انت خبير بمدخوليّة ما فيه و فساد الابتناء المذكور جدّا لان ذلك مبتنى على بناء الامر فى السّابق من التعميم فالوجوه و الاعتبارات و اخذ العلم و الجهل فيهما على ان لازم هذا الكلام انحصار الاحكام عند الاعتباريّين فى الظاهرية و عدم وجود مورد لحكم واقعى لا يصادفه و كيف يرتضى‏ (1) مختصّ بالاحكام الواقعية و لا يجرى فى الاحكام الظّاهرية و ذلك بان محط انظار القوم فيها انما هو بالنسبة الى الامور الواقعية و العلل النفس الأمريّة من الذات و الصفات و الوجوه و الاعتبارات مما انبعث منه الاحكام العقلية الواقعية بمعنى ان العقل لو اطلع عليها لحكم بان الاحكام لا بد ان تكون على طبقها و هذه هى المساوقة و المعانقة مع الحكم المجعول او لا فكيف يجرى هذا فى الاحكام الظاهريّة المنبعثة عن الجهالة بالنّسبة الى الخصوصيات فانها قد تصادف ما فى الواقع و قد لا تصادفه و لا تتوهّم ان ما قررنا يقتضى ان لا يتّصف الحكم الظّاهرى بالحسن و القبح لانه لا يؤدى ذلك بل يؤدى ان الجعل فيه لم ينبعث عما عليه الامر فى الواقع من الذات و الصفات و الاعتبارات و لا يؤدّى ايضا ان الحكم العقل العام ليس على وفق الشرعى العام فالتطابق بينهما فى هذا القسم ثابت و اذا عرفت ذلك فاعلم ان مقتضى التحقيق انّ محل النزاع انما هو فى الاباحة و الخطر الظاهريين و ليس فى كلام القوم من الاوائل و الاواسط بحسب عناوينهم و ادلتهم ما ينافى ذلك بل فى كلام السّيد المرتضى (ره) ايضا لان غاية ما يستفاد منه القطع بالحكم و هو لا يستلزم كونه على وفق عليه العلة الواقعية من الذات و الوجوه و الاعتبارات و تفسير الواقعى بما فسره السّيد الكاظمى (ره) كما اشرنا اليه خروج عن الاصطلاح المتداول فى هذه المسائل العقلية مع انه لا يتحقق الفرق بالنسبة الى المقام بين الواقعى و الظاهرى ثم ان القول بان النزاع فى الواقعى و اختيار ذلك يدفعه لزوم اجتماع الحكمين الواقعيّين المتناقضين فى شي‏ء واحد اذ كثير مما حكم باباحة او حضره ليس على طبق العلة الواقعية للحسن او القبح و ما قيل انه لا مانع من كون الشي‏ء مباحا مثلا من حيث الجهالة و محظورا من جهة الصّفة النفس الأمريّة باعتبار ان العقل لا يابى عن ذلك و الشرع يبيح بل قد يوجب وطى الاجنبية باعتقاد الزوجية فان لاختلاف الجهة اثرا مدفوع بما ذكرنا من ان ما هو مباح بحسب الجهالة لا يكون من الحكم الواقعى المجعول الاولى المنزل على النبى (ص) فى شي‏ء و ليس هو الا الحكم الظاهرى نعم يمكن التفصّى من وجه آخر بان يقال ليس هنا إلا حكم واحد و هو ما اقتضاه الجهل و ليس على طبق الصّفة النفس الامرية حكم و لا ضير فيه‏

اذ لا يلزم من كون الشي‏ء فى الواقع على صفة جعل الحكم على طبقها فانها انما تؤثر مع عدم الحائل و المانع بينها و بين مقتضاها و إلّا فلا هذا و انت خبير بانه و ان كان فى جلى النظر مما له وجه إلّا انه بعد امعان النظر من الواقع فى غير محله لان بعد بناء الامر على ما هو التحقيق من ثبوت التّطابق و التلازم بين الحكم العقلى و الشرعى و عدم انفكاك الاحكام الواقعية عما عليه الشي‏ء فى الواقع و مساوقة الجعل معه لا يتصوّر مثل هذا الكلام فى مثل المقام فان قلت ان بناء الامر على الحكم الظاهرى و جعل محل النزاع فيه يستلزم تسبيع الاحكام و هو خلاف المستفاد من كلام القوم حيث حصروا الاحكام فى الخمسة قلت ان هذا ممنوع ان اردت من الاحكام الواقعية او الظاهريّة و ان اردت تسبيع مطلق الاحكام فلا ضير فى التزامه ثم اعلم انه مما ينبغى ان يعلم قبل الخوض فى المط هو ان اكثر الاصوليّين قد قسموا الفعل الى قسمين ما يستقل به العقل و ما لا يستقل به العقل و الاول الى الاحكام الخمسة و حرروا النزاع فى الثانى فيما فيه امارة مصلحة كما اشير اليه‏

فيما يتوهم من لزوم التناقض بين الاباحة العقلية و الخطر العقلى و دفعها

و اختلفوا فيه بالحكم بالاباحة العقلية و الخطر العقلى و التوقف و هذا كما ترى قد نشاء منه فى بادى النظر و جلى الافكار لزوم التناقض بفرضهم محل النزاع او لا فيما لا يستقل به العقل مع حكم جمّ بالاباحة العقلية وظائفة بالخطر العقلى و قد جرى كلام الفاضل الجواد على هذا النهج فى الاشارة الى التقسيم المذكور

____________

(1) به الاعتباريون مع انهم اكثر القوم فى تلك المسألة وضع ذلك كله فالنزاع فى تلك المسألة

138

المذكورة و الاشارة الى لزوم التناقض ثم دفعه بما لشبث به من سبقه من غير واحد من المشيرين الى لزوم التناقض ثم ان ثالث المحققين لم يراجع فى المقام الى كتب القوم و زعم ان ما اشار اليه الفاضل من التقسيم و لزوم التناقض و الجواب عنه عما انفرد به هذا الفاضل فطعن فى كلامه بان لزوم التناقض انما نشأ عن تقسيم به العقل الى الاحكام الخمسة فهو فى غير محله لان ما اطبق عليه القوم فيما يستقل به العقل انما هى الاحكام الاربعة و ليس عندهم مباح يستقل به العقل و كيف لا فاذا حرّروا النزاع فى هذه المسألة فيما اشتمل على منفعة و حكم جم بحظره فاى شي‏ء يبقى لكونه مباحا يستقل به العقل و متفقا عليه بينهم هذا و انت خبير بان المقام مما فيه زلت الاقدام لكن من مداحض مختلفة و طرق متشتتة فالمشيرون الى التناقض ثم الى تفصيات و اجوبة غير نافعة من جهة غفلتهم عن مراد الأوائل و الاواسط فى محل النزاع فاذا كان مرادهم من محل النزاع الحكم الظاهرى لم يرد تناقض اصلا مع انه لا بد ان يراد هذا لعدم معقولية معنى صحيح فى كون النزاع فى الحكم الواقعى و استلزامه المفسدة من اجتماع حكمين واقعيين متناقضين فى شي‏ء واحد الا على بعض المذاهب من عدم لزوم التطابق بين ما حكم به العقل حكم به الشرع و بالعكس على ان القرية على ذلك فى كلمات الاوائل و الاواسط موجودة و هذا فى التقسيم حيث قالوا الفعل اما يستقل به العقل فالمثبت هو الحكم الواقعى فيكون هو المنفى بقرينة المقابلة فاذا حرّروا النزاع فى القسم الثانى مما فيه منفعة و حكم جمع بالاباحة و جمع بالخطر علم ان مرادهم بالاباحة و الخطر هنا هما الظاهريان فلا تناقض و لا تدافع و لا احتياج فى دفعه الى ما تشبثوا به مع ما فيه كما تطلع عليه فاما ما قرره ثالث المحققين فهو مما يورث ايرادات عليه من زعمه اختصاص ما ذكره الفاضل الجواد به مع انه ليس كل و هو مما صرّح به جمّ تقسيما و تناقضا و دفعا (1) لو بنى الامر على التقسيم المذكور و زعمه انه لا مدفع له و قد عرفت ان التقسيم فى محله و التناقض غير متجه اصلا و غير وارد قطعا لما عرفت من التحقيق و من زعمه ان تقسيم ما يستقل به العقل الى الاحكام الخمسة لا يجتمع مع تحرير محل النزاع فى هذه المسألة فيما اشتمل على منفعة هذا و انت خبير بانه لو تم لجرى فى المكروه و المندوب فما اوقعه فى هذا التوهّم الا تحرير محل النزاع فيما اشتمل على منفعة و ليس هذا الا اشتباه محض لانه لا ضير فى كون الخالى عن المنفعة من بعض الافعال مما يدرك العقل حسنه بالمعنى الشامل للمباح اذ قد عرفت محل التنازع فى الحسن و القبح العقليين فالواجب العقلى قد يخلو عن المنفعة المتداولة فى هذا المقام مع انه يحكم العقل بوجوبه استقلالا بل قد يشتمل على المضرة المقابلة للمنفعة مع انه واجب و كذا الحرام قد يخلو عن المضرة بل قد يشتمل على المنفعة على نحو ما ذكر فان الامثلة للمباح العقلى الواقعى غير غريزة فان قلت ان كلام الشيخ فى العدة ينزل كلام هذا المحقق عن درجة الفساد و يصححه فى الجملة على نحو ما ذكر فان الامثلة للمباح العقلى حيث قال فيها فى هذا المبحث افعال المكلفين لا يخلو من ان تكون حسنة او قبيحة و الحسنة من ان تكون واجبة او ندبا او مباحا و كل فعل يعلم جهة قبحه بالعقل على التفصيل فلا خلاف بين اهل العلم من المحصّلين فى انه على الخطر و ذلك نحو الظلم و الكذب و العبث و الجهل و ما شاكل ذلك و ما يعلم جهة وجوبه على التفصيل فلا خلاف ايضا انه على الوجوب و ذلك‏ (2) نحو الاحسان و التفضل و انما كان الامر فى هذه الاشياء على ما ذكرنا لانه لا يصحّ ان تتغير من حسن الى قبح و من قبح الى حسن و اختلفوا فى الاشياء التى ينتفع بها هل هى على الخطر او الاباحة او على الوقف هذا و التقريب بعدم ذكره المباح فيما يدركه العقل على التفصيل و عدم ذكره مثالا له قلت انّ ما ذكر من باب الاكتفاء و الحوالة على الظهور مع ان اول كلامه ظاهر فى اجرائه المساق سياق القوم على انه لم يذكر فى الحكم التفصيلى الكراهة ايضا فيلزم ان تكون مما لا يستقل فى ادراكه العقل و هو لا يلائم ما ذكره هذا المحقق من الاتفاق‏

على ادراك العقل الكراهة كالوجوب و الحرمة و الاستحباب و بالجملة فلم اظفر بكلام احد يوافق مرامه هذا و قد يقال فى المقام انّ حاصل التقسيم اما ان يؤخذ من حيث ادراك العقل لحكمه و لو ببعض افراده او يؤخذ من حيث عدم ادراك العقل لحكمه و لو ببعض افراده و لا يقدح عدم انحصار المقسم بناء على ان من الافعال ما يستقل بادراكه بعض العقول دون بعض فينبغي التقابل بين القسمين لان المقص تقسيمه بحسب ما يتعلق الغرض ببيان حكمه و هو منحصر فيهما و لك ان تجعل انقسام القسم الاول الى الاقسام الخمسة بمعنى عدم خلوه من احدها توسعا فلا يلزم ان يشتمل عليها بحسب الوقوع و ان جاز فيصحّ التقسيم باعتبار كل واحد من آحاد العقل فالتناقض مندفع لان المراد انّ ما لا يدرك العقل بغير هذا العنوان او هذه الجهة اعنى كونه مما لا يدرك العقل حسنه و قبحه هل يحكم عليه بعد ملاحظته بهذا العنوان و هذه الجهة بالاباحة او الحظر أو لا فلا ينافى حكم العقل عليه باحدهما ما اعتبر فيه من عدم حكمه فيه باحدهما ما اعتبر فيه من عدم حكمه باحدهما لتغاير الجهتين و الى هذا يرجع ما قيل من انه لا منافاة بين عدم الحكم على شي‏ء مع قطع النظر عن كونه مجهولا (3) هذا و انت خبير بان هذا الكلام و ان كان فى جلى الانظار مما يروق و يستحسن نظرا الى اندفاع قول المحقق الثالث بنفى الاباحة المتفق عليها بين القائلين بالتحسين و التقبيح العقليّين إلّا انّه بعد امعان النظر فيه يظهر انه قد صدر عن ضيق الخناق و عدم الاستخلاص و التفصّى عما قرره المحقق الثالث بالعجز عن ايراد مثال للمباح العقلى الواقعى و ذكره فى قباله فيرد على ما ذكره فى التقسيم من اناطة الامر على ادراك‏

____________

(1) و هى تسليمه التناقض‏

(2) نحو وجوب رد الوديعة و شكل المنعم و الاتصاف و ما شاكل ذلك و لم يعلم جهة كونه ندبا فلاختلاف انه ايضا على الندب و ذلك‏

(3) بين الحكم عليه باعتبار كونه مجهولا

139

العقل و لو ببعض افراده كعقول الانبياء و الاوصياء (ع) فى القسم الاول و على عدم ادراكه و لو ببعض افراده فى القسم الثانى ان العقل فى مسئلة الحسن و القبح مما قد عرف معناه كما قد عرف ان ادراكه كما يكون ضروريا كذا يكون نظريا فعدم ادراك العقول كلها و لو بعد التخلية عن شوائب الاوهام و العجز عن البرهان كاشف عن عدم كون الشي‏ء مما يستقل به العقل بحسب الجنس من حيث هو هو و انكشاف حقايق الاشياء عند عقل بعض الانبياء و الاوصياء (ع) و ادراكه اياها و على ما هى عليه فى نفس الامر بالفيض الخاص و الموهبة الخاصة الغير المتعدية الى غير هؤلاء مما لا دخل له فى الباب فلا يعد مثل ذلك مما يستقل به العقل فما ذكر غير مستقيم جدّا و عدم انحصار القسم مضرّ قطعا و الشواهد على عدم كون ما ذكره مراد القوم فى كلماتهم و مقالاتهم لائحة لامعة و على توجيه ما ذكر و تصحيحه بحيث يخرج به عن درجة غاية الفساد مما لا يثمر فى الباب‏ (1) و من هنا ينقدح عدم استقامة تقريره الثانى و توجيهه الاخير المتسع دائرته على زعمه ايضا فلا يفحم مثل المحقق الثالث بمثل هذا الكلام الخارج عن الانتظام و لا يلزم به و اما ما يذكره مما يدفع به التناقض فهو مما سبقه فيه غير واحد و ستعرف ما يميز به الغث عن السمين و الهزل عن الجدّ فيه فان قلت اذا كنت على بيّنة على خلاف ما عليه المحقق الثالث فى الدعوى المذكورة من نفيه المباح العقلى مما يستقل به العقل و يتفق عليه القائلون بالتحسين و التقبيح فات بمثال و الزمه فى المقال او التزم ما قال و ان كان على خلاف وتيرة القوم فانما يتبع الحق او التزم مقالة العائل المتقدم فانه مما يدفع به مقالة المحقق الثالث و لا تتوغل فى تزيف كلامه و ابطال مرامه فان بعد البناء على عدم استقامة مرام المحقق الثالث و العجز عن ايراد مثال فى قباله لا تقضى و لا مناص الا بالتزام قول هذا القائل و قبول مرامه قلت لا التزم واحدا مما ذكر و كيف لا فكل يخرج عن وتيرة القوم و سننهم لكن انى بالمثال ليتضح المقال فاقول المثال للمباح العقلى الواقعى فيما يستقل به العقل التنفس فى الهواء و شرب الماء عند العطش فان قلت انّ هذا خارج عن النزاع و داخل فى الواجب قلت ان الواجب منه ما يملك الإنسان بتركه او يتضرّر فالزائد عليه جائز و مباح و خروجه عن محل النزاع فى هذه المسألة لا يستلزم ان لا يكون مما يستقل به العقل فلا شكّ ان الحاكم بجوازه هو العقل فهو من المباح الواقعى فان قلت لا نم ان مثل هذا جائز بل هو ايضا داخل فى النزاع كما افاده كلام الشيخ فى العدة قلت لا تعويل على كلامه فى قبال اطلاقات كلمات القوم مع تصريح البعض فان قلت ان هذا مما لا ينكره منكرى التحسين و التقبيح ايضا فعلم انه خارج عن هذا الباب قلت ان هذا الانتساب ليس فى محلّه فهم ينفون فى حكم العقل فى مثل هذا ايضا فخذ الكلام بمجامعه و تامل ثم اعلم ان الاجوبة التى ذكروها فى دفع التناقض قد اشرنا الى بعضها و هو ان عدم ادراك العقل حين قطع النظر عن كونه مجهولا و ادراكه بالحكم بالاباحة او الحظر بالنظر الى ذلك فلا تدافع و يقرب منه ما ذكره بعضهم من ان المراد ان الفعل الذى لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة او مقبحة كاكل الفواكه مثلا و لا يحكم فيه بحكم خاص تفصيلى فى فعل يحكم العقل فيها على الاجمال انها مباحة او محرّمة عند العقل هذا و قد اورد على الاول ان حكم المبيح بالاباحة و الحاظر بالخطر ليس من جهة كونه مجهول الحكم عند العقل بل لانه منفعة ما دون فيها او تصرف فى ملك الغير بغير اذنه فكيف يجعل محل النزاع مجهول الحكم مع ان مقتضى دليل الباحثين علمهم بالحكم و القول بانّ مقتضى ذلك دليلهم بالنظر الى ظاهر الحال و قد يتبدّل الحكم بظهور خلافه فيعلم ان الحكم السّابق انما كان حكمه مجهول الحكم و بعبارة اخرى ان الجهل اعمّ من البسيط و المركب فاذا حكم الحاكم بالاباحة او الخطر بالدليل ثم انكشف الخلاف تبيّن ان ذلك كان حكمه من حيث خطائه و جهالته بالحكم و ح فلا منافاة بين العلم بالحكم و بين كون الموضوع مجهول الحكم مدفوع بانه كلام سار فى ساير المطالب المعلومة فكثيرا ما يعلم حكم الشي‏ء بالضّرورة او

النظر ثم يظهر خلافه و لا يلزم منه ان يكون ذلك حكم الشي‏ء من حيث انه مجهول الحكم بل وظيفة الناظر فى كل وقت انما هى التخلية التامة و البناء على ما ادى اليه نظره سواء صادف الواقع ام لا نعم هذا يجرى فيما لا نصّ فيه من الاحكام التى لا مسرح للعقل فيها كوجوب غسل الجمعة فان حكمه قبل ثبوت الشرع من حيث هو مجهول عدم الوجوب لا مع قطع النظر عنه و اين هو من الحكم بالاباحة هذا و اعترض عليه بان حكم المبيح و الحاظر بالاباحة و الخطر من جهة كونه منفعة ماذونا فيها او تصرّفا بغير الاذن لا ينافى كونه باعتبار جهالة الحكم ايضا كيف و تلك الجهتان انما تثبتان لمواردهما عندهم باعتبار هذه الجهة و سوق ادلتهم على هذا النحو من العنوان دليل على المط فكون الشي‏ء مجهول الحكم دليل اصولى على حكمه لا منطقى ثم ان ما ذكرنا من انه مدفوع بانه كلام الخ مما لا يدفع به ما تقدم و التحقيق فى دفعه ان يقال ان القاطع بثبوت حكم فى حقه من حيث انه مصيب بقطعه الواقع لا من حيث انه مخطئ فى اصابته و ان حكمه حال خطائه ذلك نعم اذا انكشف له الخلاف تبين عنده ان ذلك كان حكمه من حيث خطائه فى اصابة الواقع لا من حيث اصابته له و ظاهر ان الكلام فى المقام انما هو بالنسبة الى حال القطع و اما بالنسبة الى حال انكشاف الخلاف فيبقى اشكال التدافع بين فرض العنوان مجهول الحكمة مع قضاء الدليل بالعلم بالحكم بحاله ثم ان ما فى ذيل الايراد ليس بسديد ايضا لان العقل كما يحكم فيه بعدم الوجوب كل ينفى الثلاثة فتعيّن الاباحة لانحصار الانحصار الاحكام فى الخمسة و بعد ملاحظة الملازمة بين حكم العقل و الشرع يحكم بان حكم الشرع فيه ايضا الاباحة ما لم يعم دليل على خلافه هذا و هذا جملة الكلام فى بيان وجه من الوجوه التى تدفع بها التناقض و تمام الكلام‏

____________

(1) ما لا يخفى على ذوى الالباب‏

140

الكلام فى رده و الاعتراض على الرد فلو قرر الوجه المذكور بان للافعال مع قطع النظر عن ملاحظة ادراك العقل اياها و جهله بها احوالا فى نفس الامر و بالقياس الى ملاحظة العقل احوالا من العلم بحالها و الجهل بها فمتى لم يعلم له حال واقعى فبملاحظة عدم العلم بما هو حاله يحكم له بحال له من الاباحة او الخطر فعدم الحكم بالاباحة مثلا بحسب ملاحظة احواله التى مع قطع النظر عن العلم و الجهل لا يناقض الحكم بالنظر الى الجهل فما لوحظ من الاحوال الواقعية من كونه مما ينتفع به او تصرفا فى ملك الغير بدون اذنه انما لوحظ مع ملاحظة الجهل بمعنى ان المنفى فى العلة للحكم هو الاحوال الواقعية من كونه مما ينتفع به او تصرفا فى ملك الغير بدون اذنه انما لوحظ مع ملاحظة الجهل بمعنى ان المنفى فى العلة للحكم هو الاحوال الواقعية التى مع قطع النظر عن العلم و الجهل بالحكم لا مدخليتها فى الجملة و لو بانضمامها الى صفة الجهل لاتجه فى غاية الاتجاه و اندفع الايراد فالعلم بالحكم مع ملاحظة ذلك كله لا ينافى الجهالة بالاحوال الواقعية المستقلة فى العلية فبذلك التقرير نفرق بين المطالب المعلومة بالنظر او الضّرورة المتبدلة بغيرها بظهور فساد النظر او الضّرورة و عقد الباب ان الوجه المذكور ان كان المراد به اثبات الحكم الظاهرى بعد عجز العقل عن ادراكه الحكم الواقعى الذى على طبق العلّة الواقعية فهو مما فى محله إلّا انه مما لا يحتاج اليه لما فيه من الاسحاب و التطويل و ان كان المراد به اثبات الحكم الظاهرى بعد عجز العقل عن ادراكه الحكم الواقعى الذى على طبق العلة الواقعية فهو فى محله إلّا انه مما لا يحتاج اليه لما فيه من الاسحاب و التطويل و ان كان المراد به اثبات الحكم الواقعى فهو مع انه لا يدفع التناقض مما لا معنى كما عرفت و فساد الايراد المذكور من المحقق الثالث على الوجه المزبور من جهة ابتنائه الامر على الحكم الواقعى فهو واضح البطلان و من هنا يعلم فساد تسويته بين ما نحن فيه و بين المطالب المعلومة بالضّرورة او النظر من الاحكام العقلية (1) و كلام المعترض عليه مما له وجه بحسب صدر الاعتراض و اما ما فيه من قوله و ظاهر ان الكلام الخ مما هو مختل النظام قاصر عن بيان المرام بل هو مما يدافع الصدر من وجه على وجه ثم ان ما فى ختامه بين الضعف اذ فرق بين بين مقام النفى و مقام الاثبات مع ما فيه من الضّعف من وجه آخر فتامل و اما الوجه الثانى فقد يرجع بعد امعان النّظر الى الاوّل فيتمشى ما فيه من كل وجه فيه و قد يعترض عليه و ينظر فيه بوجه آخر و هو انه اذا علم العقل الحكم على الاجمال فى اكل الفاكهة مط فيعلم الحكم المخصوص بفعل فعل كاكل فاكهة الرمان مثلا بضم الصّغرى السّهلة الحصول الى ذلك الحكم الكلى الاجمالى الحاصل من دليلهم فالتناقض باق بحاله مع ان باخذ الجهة لا يجرى ما ذكر فى مذهب من قال باستناد الحسن و القبح الى ذات الفعل او الصّفة اللازمة لها ان اريد من الجهة الاعتباريّة و ان اريد منها الصّفة اللازمة فلا يجرى عند الذاتيين و الاعتباريين و قد يوجه الوجه بدفع هذين الاعتراضين بان المراد من الجهة و الصّفة اعم و اطلاقها عليه شايع كما يقال المثلان مشتركان فى جميع صفات النفس او جهاتها فيكون المراد بعد ذلك ان العقل لا يدرك علة حسن اكل الفواكه مثلا و لا علة قبحه من حيث انها علة على سبيل التفصيل و ان علم اجمالا بمقتضى دليل الخطر مثلا انه مشتمل على علة و سبب بخلاف القسم الآخر و العلم بخصوصة العلة لا يحصل من العلم بثبوت الحكم على الاجمال فالمراد التفصيل و الاجمال التفصيل و الاجمال فى العلم بالعلة لا فى الحكم على فعل فتم الوجه للجواب و دفع التناقض هذا و يمكن ان يزيّف هذا التوجيه و ينفى التناقض بحاله و ذلك بان يقال انه قد صار حاصل الجواب ان من الافعال ما هو معلوم علة حكمه مفصّلا و منها ما ليس بمعلوم علة حكمه كل فاختلف فيه فقال بعضهم فعلم حكمه اجمالا بانه مخطور فعلم اجمالا انّ فيه علّة الخطر و كذا الحال فى الاباحة و الوقف فح نقول انه اما ان يعتبر عدم العلم بالحكم ايضا و العلم بالحكم او لا يعتبر شي‏ء منهما فعلى الاول التناقض باق لان المعنى ح ان ما لا يدرك العقل علة حكمه بخصوصها و لا يدرك ما الحكم فيه يدرك انه محظور و

مشتمل على علة ما للخطر و ادراك الخطر المنبعث عن ادراك علة ما له مع عدم ادراك حكم فيه متناقضان و بالجملة فالاجمال و التفصيل فى العلم بالعلة ينبعث منهما الاجمال و التفصيل فى العلم بثبوت الحكم فقضيّة ضمّ الصغرى سهله الحصول متمشية هاهنا ايضا ثم على الثانى لا معنى للخلاف و القول بالوقف و على الثالث يدخل فيه كثير مما يعلم اباحته او حظره او وجوبه او غير ذلك اذ مع عدم العلم بالعلة المعينة للحكم يمكن العلم بالحكم و التزام ان الوجوب و غيره من الاحكام و لا يمكن ان يعلم الّا بان يعلم علته بخصوصها ثم يعلم الحكم سوى الخطر و الاباحة فانهما يعلمان لا من جهة العلة ايضا مما ليس فى مخره جدا هذا فت و قد يجاب ايضا بان المراد ان ما لا يدرك العقل حسنه او قبحه بالنظر الى خصوصيّاتها هل يحكم حكما عاما بالنّسبة الى الجميع ام لا هذا و هو بعد التدقيق يرجع الى الوجه المذكور آنفا و لكن قد اعترض عليه بكونه بهذا النهج و هذه الصورة بانه يمكن ان يقال ان فى شم الورد مثلا منفعة ماذون فيها و كلّ ما هو كل فهو حسن فقد علم حسنه بالخصوص هذا و قد يسدد هذا الاعتراض بان المجيب و اراد ان ما لا يدرك حكمه تفصيلا لا بدليل خاص و لا بدليل عام هل يدرك حكمه بدليل عام أم لا لعاد عليه الاشكال ان التزم بانحلال العام الى معرفة حكم الخاصّ و ان لم يلتزم به لزم خروجه عن النزاع اذ المقص الحكم بحلية اكل الفواكه مثلا او حرمته مع ان القول بعدم الانحلال غير معقول و القول بان اللازم من الحكم على العام اما هو الحكم على الحصّة الموجودة منه و العاص على ان يكون تلك الحصة موردا للحكم دون الحكم على الخاص على ان يكون الخاص موردا له بسبب وجود العام فى ضمنه فيمكن رفع المنافاة على التقدير الاول بان المعنى كل شي‏ء لا يدرك العقل حكمه و لو باعتبار امر كلى على ان يكون‏

____________

(1) الواقعية

141

ذلك الشي‏ء موردا للحكم هل يدرك حكمه باعتبار امر كلىّ على ان يكون ذلك الكلىّ موردا للحكم أو لا مدفوع بانه لا يعقل مغايرة حكم الطبائع لحكم افرادها لاتحادهما فى الخارج على ما هو الحق من تعلق الاحكام بالطبائع بوجوداتها الخارجيّة نعم يلتزم بذلك من يقول بالمغايرة فى الوجود او يجعل الاحكام متعلّقة بالطبائع من حيث هى هى فيجوّز و مع هذا لا يقع فى محله لان الجواب لا بد من ان يدفع به الاشكال على جميع المذاهب هذا و انت خبير بما فيه من تخصيصه انحلال العام الى الخاصّ بالقول يتعلق الاحكام بالطبائع بوجوداتها الخارجيّة بالافراد فان القول بتعلقها بالطبائع من حيث هى هى و كون الافراد من قبيل الاسباب المحصّلة لها لا يلازم القول بتغايرهما فى الوجود فالكلى و الفرد موجودان بوجود واحد و جواز التغيير فى الحكم نظرا الى تعدّدهما مع اختلاف الحيثية لا يلازم الحكم بالجواز مع الشك فى تحقق هذا الاختلاف فضلا عنه فى صورة القطع بعدمه او الظن به فمقتضى الاصل هو انحلال حكم العام الى الخاص و تعديته منه اليه على ان هذا التقرير قد اشتمل على تدافع اذ ما حكم بدفع التناقض به انما كان التقدير الاوّل فيه تعدية الحكم من العام الى الحصّة الموجودة منه فى الخاص مع كانّه فى مقام الاستنتاج و بيان الحال حكم بكون الكلّى موردا للحكم ثم ان هذا القائل قد حكم بانه يمكن ان يوجه الجواب و يدفع عنه الاعتراض لو اراد المجيب ان ما لا يدرك العقل حكمه بدليل يختصّ به هل يدرك حكمه بدليل يعمه و غيره اذ الحكم بحسن شم الورد مثلا لكونه منفعة خالية عن امارات المفسدة انما هو الحكم عليه باعتبار امر كلّى جار فيه و فى غيره كشم الرياحين و اكل الفواكه و غيرها و ليس باعتبار كونه خصوص شمّ ورد و هذا معنى قوله يحكم عليه بالحسن حكما عاما يعنى باعتبار امر عام و هذا واضح نعم يرد على المجيب ان بعض الافعال التى يستقل العقل بادراك حكمها الابتدائى مما يتصف به باعتبار امر عام كحكم العقل بقبح ضرب غير المستحق و ان اشتمل على منفعة لكونه ايذاء فانه انما باعتبار امر عام يجرى فيه و فى غيره من الجرح و القتل مع ان النزاع المجرد فى المقام لا يتوجه له اليه قطعا هذا و اعترض المحقق الثالث على هذا التوجيه بانه لا يثمر فى المباح الا بعد اخذ الاذن فيه و ح لا فرق بين النفع العام و الخاص‏ (1) بان يقال فى ردّ الوديعة حسن خاص و هو حفظ العرض بخلاف شم الورد مما لا مخر له لان هذا يجرى فى الثانى ايضا و لو بعد اقامة القياس و البرهان فالفرق بتعميم النفع و تخصيصه و جعل احدهما موضع النزاع دون الآخر تحكم هذا و انت خبير بان كلام هذا القائل لا يزيف كلام المحقق الثالث جدّا فالتوجيه غير متجه و ان قطع النظر عن النقص الذى ذكره هذا القائل و يمكن ان يؤجّه الجواب بما لا يرد عليه شي‏ء و هو ان المراد بالحكم العام السّارى بالنسبة الى الجميع هو الحكم الغير المنبعث عن عليه الامر الواقعى من الذّات و الصفة و الجهة فيقابله القسم الآخر فح لا يرد عليه شي‏ء جدّا إلّا انه بعيد عن السياق و تادية للامر الاسهل الحق المحقق بنحو من الإلغاز و التعمية هذا و قد يجاب ايضا بان المراد ان ما لا يدرك العقل حكمه ابتداء و مجرّدا عن ملاحظة شي‏ء آخر هل هو يحكم عليه حكما عاما بالنظر الى الدليل ام لا هذا و هو لكونه فى غاية الفساد نظرا الى استفادته دخول نظريات العقل مما يستقل به فى محلّ النزاع قد وجّه فى كلام البعض بان المراد به ان ما لا يدرك العقل حكمه الابتدائى الثابت للشي‏ء مع قطع النظر عن ملاحظة العنوان المذكور هذا و انت خبير بان ما ذكر ان رجع الى ما حققنا فيدفع به التناقض و إلّا فلا فان قلت ان حاصل ما ذكرت انّ ما لا يدرك العقل حكمه الابتدائى الواقعى هل يحكم عليه فى الظاهر بالاباحة او الحظر او لا فح يرد عليه و يقدح فيه ان من الاشياء التى لا يدرك العقل حكمها الواقعى لا يحكم عليه فى الظّاهر الا بالخطر كالإناءين المقطوع بوجود السّم فى احدهما لا على التعيين قلت ان هذا الايراد مما لا مخر له جدّا اذ الكلام فى الاشياء المشتملة على المنفعة فهو خارج عن محل النزاع هب ان كلمات جم فى مقام تحرير محل النزاع على ذلك و اين الامر على ما عليه كلمات طائفة من الاطلاق‏

و الارسال فى الاشياء فى تقنين القانون و عنوان الكلام لكن مرادهم بحسب ادلتهم و مساق مسالكهم ظاهر فلا اقل من كون كلام فى الخالى عن امارة المفسدة و ان لم يشتمل على امارة المصلحة ايضا مع ان عدم ادراك العقل حكم حكم ما فرض اى حكم الابتدائى الواقعى على ان هذا اذا خرج عن العنوانين فاىّ عنوان يدخل فيه و القول بانه داخل القسم الاول لكن ما اعتبر فيه الابتدائية و الواقعية مما لا مخر له لان الابتدائية فى قبال النّظريات و ان لم يعتبر فيه الا ان الابتدائية بالمعنى الآخر و الواقعية مما اعتبر فيه قطعا و احتمال ادخاله فى القسم الثانى لكن لا مط بل اذا بنى الامر على وصف الجهالة و قطع النظر عما يدل عليه العقل القاطع من لزوم دفع الضّرر المظنون او المحتمل مما لا يدفع الضيم اذ يبقى ح سؤال ما يدخله من العناوين على عدم فرض قطع النّظر عن الحكم المقطوع به و الثانى كلما عرفت و الوسط الثالث غير معقول و القول بانه يكون مما لم يذكر فى احد من العنوانين كما لا يتأتيان فيما لا يستقل به العقل مع عدم اشتماله على المصلحة مدفوع بان القطع بالحظر لا يجتمع مع ما ذكر على ان افتراض قطع النظر ليس بسديد و كيف لا فهو لا يتمشى فى كل مستقلات العقل و بالجملة ففساد هذا الكلام فى غاية الاتضاح فخذ بمجامع الكلام و لا تغفل‏

و فيه مقامات:

فاذا عرفت ما تمهّد لك من الامور المذكورة و المقدّمات المزبورة فاعلم ان تمام المرام يحصل فى ضمن مقامات اربع‏

الاوّل: فى الأقوال فى المسألة

المقام الاوّل‏ فى الاشارة الى الاقوال فى المسألة فاعلم ان القول بالاباحة هو ما نسب فى العدة و غيرها الى اكثر المتكلمين من البصريين و هو المحكى عن ابى الحسن و كثير من فقهاء الشافعية و الحنفية و عليه اكثر الامامية و منهم المرتضى (ره) و العلّامة و جمّ غفير من المتاخرين و القول بالخطر لكثير من البغداديّين على ما فى العدّة و بعض من الشافعية و طائفة من الامامية و قد ينسب ايضا لكن ليس فى محله و القول بالوقف‏

____________

(1) و الفرق‏

142

بالوقف للمفيد و الشيخ قال فى العدة و ذهب كثير من الناس الى انها على الوقف و يجوز كل واحد من الامرين و ينتظر ورود السّمع بواحد منهما و هذا المذهب كان ينصره شيخنا ابو عبد اللّه (ره) و هو الذى يقوى فى نفسى هذا كلامه و قد ينسب فى كلام البعض الى شيخ الاشاعرة و ابى بكر الصّيرفى و اختاره بعض المعاصرين و القول بانه لا حكم فيما لا يقضى العقل فيه بحسن و لا قبح هو مذهب الحاجبى و صريح كلامه و ظاهر عبارة محشى الشيرازى هو مذهب جميع الاشاعرة فاعلم ان الوقف قد اختلف فى بيان المراد منه و قد يقال ان المراد به انا لا نعلم حكم العقل و ان قلنا بانّ له حكما و ظاهر هذا الكلام غير ما يقال فى تفسيره تارة ان العقل يحكم فيه بحكم البتة و يكون احد الحكمين من الاباحة و الخطر صحيحا البتة موافقا للعقل لكن لا نعلم التعيين لبطلان الادلة و عدم الظفر بدليل آخر فالفرق بين هذين التفسيرين فى غاية الظهور و قد يفسر تارة انا لا نعلم هل يحكم العقل بشي‏ء او لا و على تقدير حكمه هل يحكم بالاباحة او الخطر لبطلان الادلة المذكورة و عدم الظفر بدليل آخر و هذا كما ترى وقف فى اصل الحكم و الخصوصيّة معا و السّابق فى الثانى خاصّة ثم مقتضى التقابل ان يكون المتوقف متوقفا بالنسبة الى مرحلة الظاهر بل يكون توقفه فيها بناء على ما حققنا من ان النزاع فى الحكم الظاهر لفرض ان الحكم الابتدائى الواقعى المعلل عن الذات او الصفة او الجهة لا يدركه العقل فيكون المراد به التوقف فى فعلنا بمعنى انه لا نعلم انه مباح لنا ام خطر بل يحتمل ان نعذب بفعله او تركه و ان لا نعذب و ح ان نشاء الفعل نفعله و ان كنا نشاء الترك نتركه لكن احتمال العذاب باق فى الحالين هذا و لكن غير واحد من الاصحاب من الاواسط و الاواخر قد صرّح بان المتوقف ايضا يكف ايضا نفسه فالفرق بينه و بين الحاظر بحسب الاصلية و المقدميّة ثم قد فسر الرازى بعدم الحكم إلّا انه ليس فى محله جدّا و ان ساعده كلام بعض الاشاعرة اذ هو قطع بالعدم فلا يكون من الوقف فى شي‏ء فهو عين الحكم بانه لا حكم كما عليه الحاجبى و نسب الى الاشاعرة و قد حقق بعض العلماء فى المقام تحقيقات ممّن نسب الى شيخ الاشاعرة و الوقف فقال مراده بالوقف فى الحكم الشرعى بمعنى انا لا نعلم ان الحكم الشرعى الثابت فى علم الشارع‏ (1) فيكون القول بالاباحة او الخطر اذا كانا من الاشاعرة فى قبال هذا الوقف فيكون معنى الاول بمعنى انا لا نعلم الآن من جهة الشرع انّ حكم الاشياء قبل الشرع هو الاباحة و ذلك لقوله و خلق لكم ما فى الارض جميعا و معنى الثانى انا نعلم الآن من جهة الشرع ان حكم الاشياء قبل الشرع هو الخطر و ذلك لقوله تعالى‏ يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ‏ فالتّقريب بالمفهوم هذا و قال الزركشى ان الفرق بين المعتزلة و بين اصحابنا القائلين بالوقف هاهنا من ثلاثة اوجه احدها انّهم خصوا هذه الاقوال بما لا يقضى العقل فيه بحسن و لا قبح و اما ما يقضى فينقسم الى الاحكام الخمسة و لهذا نسبهم اصحابنا الى التناقض فى قول من رجح الاباحة او الخطر لان ذلك عندهم يستند الى دليل العقل و فرض المسألة فيما لم يظهر للعقل حسنه و لا قبحه و اما اصحابنا فاقوالهم فى جميع الافعال و الثانى ان معتمدهم دليل العقل و معتمد اصحابنا الدليل الشرعى اما على التحريم كقوله تعالى‏ يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ‏ و مفهومه ان المتقدّم قبل هو التحريم فدل على ان حكم الاشياء كلها على الخطر و اما على الخطر و اما على الاباحة كقوله تعالى‏ خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً و أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ و ذلك يدل على الاذن فى الجميع و اما الوقف فلتعارض الادلة بهذه المدارك الشرعيّة الدالة على الحل قبل ورود الشرع فلو لم ترد هذه النصوص لقال الاصحاب لا علم لنا بتحريم و لا اباحة و لقالت المعتزلة و المدرك عندنا العقل فلا يضر عدم ورود الشرائع الثالث ان الواقفين أرادوا وقف حيرة و اما اصحابنا فأرادوا به انتفاء الحكم انتهى و انت بعد التامل فيما قدّمنا تطلع على ما فى هذا الكلام من السخافة و المدخولية من وجوه فت ثم لا يخفى عليك ان ما عليه الحاجبى و من حذا حذوه لا يلائم ما عليه الاشاعرة من الكلام النفسى و

ما يلزمه من قدم الاحكام اللّهم إلّا ان يكون متعلق النفى فى كلامهم هو تعلق الحكم لا نفسه فت‏

الثانى: فى تأسيس الأصل فى المسألة

المقام الثانى‏ فى الاشارة الى تاسيس الاصل فى المسألة و انه هل يوجد فيها ام لا فاعلم ان اصل الاصيل مع قول الحاجبى و من حذا حذوه و بعد التنزّل عنه فمع القول بالخطر و ذلك من وجهين الاول ان احتمال المفسدة الواقعية متحقق فيجب الاحتراز دفعا للضّرر المحتمل و جريا على ديدن العقلاء و سيرتهم فى ذلك و هذا الاحتمال و ان كان يجرى بالنسبة الى الترك ايضا الا ان البناء على ذلك و اتيان الافعال لأجلها يستلزم التكليف بما لا يطاق ان بنى الامر على كلها و ليس الامر بالنسبة الى التروك كذلك لانها تجتمع و تجامع الافعال بخلافها فانه تجامع مع الافعال و لا يجتمع و ان بنى الامر على البعض لزم الترجيح بلا مرجّح و القول بان هذا الاحتمال وهمى فلا يجرى ما ذكر فيه مدفوع بانّ احتمال المفسدة الواقعيّة وجودا و عدما سواء و التنظير بالاحتراز عن البنيان المحكم ليس فى محله على ان الوهمى ايضا الحكم فيه الاحتراز و كذا فى النظير من باب الاصل الا ان جواز الارتكاب من قبيل ارتكاب اقل القبيحين و الثانى ان الرّجال و النساء عبيد و اماء فهم و هنّ بابدانهم و عقولهم و ارواحهم و جواهرهم و اعراضهم و قواهم الظاهرية و الباطنية باسرها وقفها و قفيفها ملك للّه تعالى فلا يجوز التصرف فى ملك الموالى بدون الاذن فالباعث على الخطر هو الاجتراء على الفعل بدون الاستيذان و لو علم انه تعالى ياذن لو استاذن فالتجرى و التعدى هو الباعث على الخطر و هذا ملحوظ من هذه الجهة فليس هذا عين دليل القائلين بالخطر على انه لا ضير فى كونه كل ثم ان هذا كما يجرى بالنسبة الى الحركات و السكنات كذا يجرى بالنسبة الى الافعال المتعلقة بالاعيان الخارجيّة كاكل الفواكه و شم الطيب بل هو فيه اوضح‏

____________

(1) الوقف‏

143

و لا يرد النقض بالتروك لان الكف ليس بتصرف و قضية تنزه الخالق عن البخل و الظنة و الاحتياج غير مجدية و غير واقعة لما قرر و كونه فياضا و اكرم الاكرمين لا يعطى القطع بالاذن مع كون الفرض هو الاقدام بالاجتراء و التعدى و التنظير بالاستضاءة من مصباح الغير و نحو ذلك ليس فى محلّه فان الضوء الظل ليسا بملك مع ان الكلام فيما لا يحكم العقل بحكمه الابتدائى الواقعى المنبعث عن العلة النفس الامرية من الذات او الصّفة او الجهة و ما ذكر من قبيل ما يحكم العقل باباحته الواقعية و استصحاب جواز التصرف قبل البلوغ ليس فى محلّه لان الكلام فى الاصل الاولى و استصحاب جواز التصرف قبل البلوغ ليس فى محله و هو اصل وارد ثانوى ثم ان ما ذكر كما يجرى فيما فرض قبل الشرع كذا يجرى بعد الشرع فيما لم يعثر فيه بالدليل فالفرق بين المقامين بتحقق العلم الاجمالى بوجود محظور و عدمه هذا و لا يخفى عليك ان ما ذكر و ان كان فى جلى النظر مما له وجه إلّا انه فى دقيق النظر لا يخلو عن المدخولية و عدم المدخولية الاستقامة و ذلك انه قد انيط الامر فى احد الدليلين على قضيّة عدم الاستيذان فهو ينافى ما عليه المحققون من الاحكام تابعة للصفات الكامنة و استقلال العقل فى كون المذكور هو العلة المنبعثة عنه الحكم الواقعى اوّل مع ان الكلام ح يكون خارجا عما نحن فيه و ان ورود دليل عليه مما يفيد الاباحة الظاهرية غير معقول كما لا يخفى مع ان من ترى تاصّل هذا الاصل يورد عليه ما يفيد الاباحة الظاهريّة و كذا لا معنى لوروده على هذا الاصل اذا كان مما له تاصّل و ان كانا فى صقع واحد من الظاهريّة و اما الدليل الآخر فهو ايضا مما ليس فى مخره فلا يصلح ان يكون مدركا للاصل و ليس ما فيه الا ما يقرب من المصادرة كما ستطلع عليه فى بيان ادلة الاقوال و بالجملة فالاصل الاوّلى فى المقام غير متحقق و ليس ما ذكر الا بعض ادلة الحاضرين فت‏

الثالث: فى ذكر أدلة القائلين بالإباحة الظاهرية

فى بيان ادلة الاقوال و احقاق الحق و ابطال الباطل‏

[في بيان ادلة القائلين بالاباحة الظاهرية]

فاعلم ان ما يقتضيه التحقيق هو القول بالاباحة الظاهريّة و ذلك لحكم العقل القاطع بالاباحة ضرورة عند ما لا يدل على خلافها لبداهة ان غيرها تكليف و هو مشروط بالعلم و البيان عقلا و عادة و اذ ليس فليس و احتمال المفسدة فى الواقع لا يوجب تزلزلا فى ذلك جدّا اذ هذا احتمال بالنسبة الى القبح الواقعى خاصة و إلا فعدم العقاب قطعى قطعا فالاحتراز عن ذلك ليس الا كالاحتراز عن الجلوس تحت بناء محكم خوفا عن انهدامه بناء على احتماله فلا يعد فاعل هذا الا من السّفهاء و من غلب عليه مرة السوداء فان قلت ان الخلو فى الواقع عن المفسدة غير مسلم بل غير مفروض و فى نظرنا و ادراكنا بمعنى انا لم ندرك المفسدة مسلّم فالمباح العقلى انما يناط على الاول اى ما لم يكن له مفسدة فى الواقع او يحكم العقل بعدم مفسدة فيه و ما ذكر من التمثيل و القياس بالبناء المحكم ليس فى محلّه بل هو الفارق من وجهين احدهما ان الضرر المحتمل فى المثال هو سقوطه و لاستحكام البناء يبعد ذلك فطريق سدّ باب الاحتمال عادة واضح بخلاف ما نحن فيه فان احتمال الضّرر و عدمه فيه سواء فالاحتراز عنه كالاحتراز عن البناء المحتمل السّقوط ففاعله يمدح جدّا و ثانيهما ان فى الممثل له قد كشف الشرع كثيرا فى مثله كثير عن المفسدة و ليس المثال كل و لو فرض سقوط بناء محكم فى بلد مثلا مرة بعد مرة لحكم بالاحتراز عنه ايضا فالمثال المطابق اذا راينا حيوانا فى فلاة بشكل دود كبير و لا نعلم انه من جنس الحياة القاتلة او ساير الديدان و كان الاحتمالان على السواء فالعقل يحكم بلزوم الاحتراز سيما اذا وجدت فى تلك الفلات حيوانات أخر من هذا القبيل لا من هذا النوع و علم انها ذات سموم قتالة و سيّما اذا قتل بعض منها جمعا من الناس قلت هذا الكلام فى غاية الفساد لانه اذا انتفى المضرة الاخروية بل قطع بعدمها فلا يكون مما فيه مضرة و لو احتمالا و لا يقدح فيه تحقق احتمال القبح الواقعى فاى موقع يكون له و ليس المقص اثبات الحكم الواقعى على طبق الصّفة اى المعلل عن العلل الواقعية من الذوات و الصفات و الجهات حتى يتجه ما ذكر و يتمشى فى الجملة بل المقصود اثبات الحكم الظاهرى كما عرفت و تاثير الامور النفس الامرية و العلل الواقعية و انبعاث العذاب و العقاب من الدنيوى و الاخروى و مع عدم التكليف المنبعث عن عدم الاطلاع عن طريق الشرع او العقل مما لم يقل به احد نعم انبعاث ملكة القرب و البعد من الامور النفس الامرية بحسب الارتكاب و الاجتناب و ان لم يطلع الفاعل عليها مقام آخر فغاية ما فى الباب حسن المراعات و استحسان الاحتياط و انى ذلك من الحكم الالزامى و بالجملة فالحكم بانه مباح عندنا و المفسدة المضرة المنبعثة عنها العقوبة منتفية مما لا شك فيه و ان كان احتمال المفسدة فى الواقع اى القبح اللازم لعلية من الذات او الصفة او الجهة فى محله فلا يضرنا و لا ينافى القطع بما ذكرنا لان الجهات مختلفة و الطرق متعددة فان قلت يمكن ان يبيّن الشارع المفسدة الواقعية إلّا انها لم تحصل الينا هذا اذا لوحظ الكلام بالنسبة الى ما بعد ورود الشرع و اما قبل الشرع فلا نم وجوب الاعلام كما فى ساير التكاليف مع انه يمكن ان يكون الاعلام ايضا مما فيه مفسدة كما قرره الشيخ فى العدة قلت هذا فضول من الكلام اذ ما ذكر فيه قد علم الجواب عنه و الحاصل انه ينفى الحكم الواقعى لا الظاهرى فنحن نثبت الاباحة الظاهريّة لا الواقعية نعم امثال تلك الكلمات مما يلزم و يفحم به القائل بالاباحة الواقعية كالمحقق الثالث فان كلامه فى اثبات الاباحة الواقعية مما تضمن المفاسد و المصادرات فليس تمثيله بالمثال المعروف على ما ادعاه فى محله و لا قوله فانّ احتمال المفسدة فى الواقع مما لا يوجب التزلزل فى الحكم مما فى مخره و كذا قوله احتمال المنع جاز فى الترك ايضا فيلزم التكليف بالمحال و كذا قوله و المانع تمسّك بانه تصرف فى ملك الغير و قد عرفت فساده مما فى مصبّه فبأدنى التفات يظهر ما يرد عليه باقل توجّه نسج ما يلزم به و كيف‏

144

و كيف كان فلا فرق على ما ذكرنا بين ان لا يكون شي‏ء من الطرفين معلوما من الشرع و بين ان يكون احدهما معلوما لاتحاد الطريق فان قلت لم لا تبنى الامر فى الثانى على لزوم الاجتناب بالنسبة الى الطرف المجهول و فى الاول على الاباحة كما عليه المحقق جمال الدّين الخوانسارى تمسكا فى الاول بانه مشتمل على فائدة و لا يعلم مضرّة فالطرفان سواء و احتمال العقاب فى الكل جار و فى الثانى بان الطرف المعلوم لا مفسدة فيه و الطرف الآخر يحتمل الضرر و العقل يحكم بقبح ارتكاب ما يحتمله اذا كان مندوحة عنه و القول بانه لو كان فيه قبح و مفسدة لوجب على اللّه تعالى الارشاد و الهداية غير صحيح لجواز الاكتفاء بحكم العقل قلت ان ما عليه هذا المحقق غير مستقيم جدا و خال عن التحقيق قطعا اذ ما ذكره فى الثانى جار فى الاول ايضا و معلوميّة احد الطرفين لا تدفع ما ذكره فلازم قوله الحكم بالحظر فى الموضعين و بالجملة دعوى القطع بالخطر فى الثانى مما فى غير مخره و اعجب من الكل احتماله العقاب فى الاول كاحتمال عدمه اذ قد عرفت ان عدم العقاب مقطوع به و لا تلازم بين احتمال العقاب و بين احتمال القبح الواقعى فخذ الكلام الدليل الثانى مما يدل على الاباحة الظاهرية الدليل العقلى النظرى و تقريره انه لو كانت الاشياء المشتملة على المنفعة الغير الضّرورية غير مباحة للزم ان يكون ساير الاقسام من المشتمل على الامارتين و الخالى عنهما و المشتمل على المفسدة كل بل بطريق اولى فيلزم ح المفاسد و ما يلزم منه المفاسد فهو فاسد و بيان ذلك انه اما ان يكون كلها غير مباحة ح او بعضها و ذلك اما معيّن عند اللّه و عند العبد او غير معين عند العبد فالكل باطل امّا الاول فلاستلزامه العسر الشديد هو فى المرتبة الا على من العسر او الثانية منه فالعقل ينفى تجويز ذلك عن الحكيم اذ الاقتصار على الضروريات و عدم التعدى عنها و ان لم يكن فيه العسر فى المرتبة المذكورة الا ان التكليف بذلك تكليف بالالتفات و التوجه الى ان لا يزيد على مقدار الضرورة فهذا من العسر فى المرتبة المذكورة بل ان نفس الاقتصار ايضا منها و اما الثانى فلكونه على خلاف الفرض و اما الثالث فلرجوعه الى الاول لو بنى الامر فيه على الترك من باب المقدمة و الاحتياط و استلزامه خلاف الحق و التحقيق لو بنى الامر التخيير اذ بناء العقلاء فى الشبهة الغير المحصورة ليس عليه مع انه لا يثمر فى المقام بل لا يتعقل كما لا يخفى ثم ان هذا الدليل كما يحسم تبيان القول بالخطر فكذا القول بالوقف لانه فى مقام العمل يرجع الى الاوّل و كذا بنيان القول بانه لا حكم لها قبل الشرع و بالجملة فدلالته على الاباحة مما لا ريب فيه الدليل الثالث الدليل العقلى الاعتبارى الترديدى و بيانه ان الاشياء المشتملة على المصلحة اما ان يكون مباحة او محظورة فالثانية اما ان تكون منبعثة من عدم الاستيذان و التصرف فى ملك الغير او من احتمال المفسدة من عدم الاستيذان و التصرف فى ملك الغير او من استعمال المفسدة الواقعية فى الواقع فكلاهما مما ليس فى مخره اذ الاول ستعرف عدم اتجاهه و الثانى قد عرفت الحال فيه و بعبارة اخرى فيه ان هذا الاحتمال ناش عن الامكان الذاتى و بعبارة تحقيقه انه لا ينافى القطع بالاباحة الظاهرية و بوجه آخر دفع الا قبح بالقبيح فى المقام جار و هو ايضا يفيد الاباحة الظاهرية فت و الدليل الرابع طريقة العقلاء جيلا بعد جيل قديما و حديثا فانهم يصبون و يميلون الى صناعة المعاجين و التراكيب من اصول العقاقير و انواع النباتات و الفواكه المشتملة على المنفعة من دون ذم و تقريع و توبيخ بينهم و هذا يكشف عن حكم عقلهم بالاباحة و الفرق بين هذا و الدليل الاول بالاجمال و التفصيل فت الخامس قوله تعالى و جعل لكم ما فى الارض جميعا و ما يضاهيه من الآيات و التقريب بان فى الآية عمومات عموم من جهة لفظ ما فيشمل الاشياء و عموم من جهة الاطلاق او حذف المتعلق بناء على التحقيق من ان مثله يحمل على جميع المنافع لعدم وجود فرد اظهر فى البين بحيث يكون غيره من قبيل المبيّن العدم فالحمل على العموم مقتضى الاصل الاصيل و هو البيان فى كلام الحكيم فيتم المط بوجه الاسترشاد و الاستكشاف و مثله فى المطالب العقلية غير عزيز و منه قوله تعالى فى دليل التمانع فى التوحيد لو كان فيهما آلهة إلّا لفسدتا فلا مانع من‏

التمسّك به على الاباحة العقلية كالشرعية و القول بانه لو تمّ لدل على الاباحة العقلية الواقعية دون الظاهريّة غير صحيح لان الاباحة الواقعية مع تجويز العقل المفسدة فى الواقع لا يتصوّر الا على بعض الوجوه و المبانى السقيمة فالآية لو كانت مما تدل عليه لما جاز التمسّك به فى الاباحة الشرعيّة ايضا كما لا يخفى على ان غاية ما فى الباب ظهورها فيما ذكر كظهورها فى العموم الشامل لسائر الاقسام من الخالى عن الامارتين و نحوه فلا غائلة فى التخصيص بالدليل او بالفرض لا يقال يعارضها قوله تعالى‏ يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ‏ لانّ هذا ليس فيه دلالة على سبق الحظر الّا بالمفهوم الضعيف فما لنا ظاهر بل اظهر فى المط على ان اكثر ما يستفاد منه كون ذلك مما فى اذهان السّائلين خاصة فيحمل ما فيها على حكم العقل المشوب باكدار الاوهام فت ثم اعلم ان فى المقام وجوها إلّا انها ضعيفة منها استصحاب حال الصغر بعد الكبر و منها استصحاب حكم النسخ و النوع فى بعض الاصناف و اتمام المط بعدم الفاصل مثل ان العنب مثلا ما كان مشكوكا حكمه قبل كونه عصيرا او خمرا فيستحب بعد ذلك و يتم المط ح بعدم وجود الفاصل و منها ان الغرض من الخلق ايصال المنافع فيكون معاملته تعالى مثل معاملة الآباء مع الاولاد فيكون الاصل هو الاباحة (1) و الخطر لا يتعقلان فى افعال الصبيان و لو تنزلنا عن ذلك لقلنا ان هذا الاستصحاب من الاستصحاب العرض فهو ليس بحجة بعد امعان النظر ليس من مصاديق الاستصحاب‏

____________

(1) و ضعف الاول بان غال الصغر لم يكن ممانعة حكم و لو كان هو الاباحة فانه قد علم الاباحة

145

و ضعف الثانى باشتماله على المصادرة ان اريد من الاباحة الاباحة العامة الظّاهريّة و لو اريد منها الخاصّة الواقعية فهى فى المثال المذكور مم بل انما فى بعض الاشياء من الاستظلال تحت جدار الغير و هو مع قطع النظر عن الاضافة و التقييد داخل فى محل النزاع ايضا و ضعف الثالث بين لا يحتاج الى البيان هذا و استدل العلامة فى يه بانه يحسن من كل عاقل ان يتنفّس فى الهواء و ان يدخله منه اكثر مما يحتاج اليه الحياة و هو يرجع الى بعض ما ذكرنا فهو فى محله و ايضا بانه تعالى حكيم لطيف بعباده فلو كان هذا المفروض واجبا او حراما لوجب عليه ارشاد عباده عليه اذ عادته تعريف الحسن و القبح مما لا يدرك العقل بالضرورة او النظر هذا و هو كما ترى مدخول من وجوه الا ان يئول الى بعض ما ذكرنا إلّا انه بعيد فت و ايضا بانا علمنا انه نافع و لا ضرر فيه و ذلك يستلزم الاذن فيه اذ لو كان مانعا منه لكان تناوله مشتملا على الضّرر و هو خلاف الفرض هذا و هو ايضا لا يخلو عن وجه من المدخولية و ايضا بانه تعالى خلق الطعوم قائمة بالاجسام فلا بدّ له من غرض و ذلك يعود الى غيره جدّا و ليس هو الاضرار اجماعا و لاستلزامه المط اذ الضرر انما يتم بالادراك الثابت بالتناول‏ (1) مطلوبا فيكون هو الانتفاع اذ لا واسطة اتفاقا فان كان بادراكها فالمط و ان كان باجتنابها لكون تناولها مفسدة فيستحق الثواب باجتنابها او بان يستدل بها على الصّانع تعالى استلزاما اباحة ادراكها اذ ثواب الاجتناب مع دعاء النفس الى ادراكها فيستلزم تقدم ادراكها و كذا الاستدلال بها يتوقف على معرفتها الموقوفة على ادراكها هذا و تنظر فيه البعض من وجوه من انه لو تم لدل على اباحة اكثر المحرمات و من منع حصر الفرض فيما ذكر و لعله شي‏ء يتعلق بغير الانسان من المكونات على انه يمكن ان يكون النفع لنا من وجه آخر و لا نعلمه كان يكون وجودنا متوقفا عليه مثلا و من منع موقوفية ثواب الاجتناب على الادراك اذ قد يحصل دعاء النفس بمحض الاحتمال فيثاب بالاجتناب على انه يجوز ان يعلم ذلك باعلام منه تعالى و انه يكفى ادراك شخص و تعريفه للمكلفين او تعريف الصبيان لهم على انه يمكن ان يقال انه تعالى علم عدم اطاعة بعض الناس فح خلق ذلك و حرمه ليحصل بسبب تعريفهم له دعاء النفس من المؤمنين اليه فيستحقون الثواب بالاجتناب و مع قطع النظر عن كل هذا يجوز ان يكون الطعوم لازمة لتلك الاشياء ذواتها يمتنع انفكاكها عنها كما هو مذهب كثير من اهل العدل على ما نقله الشيخ الطوسى (ره) فح خلق الطعوم باعتبار خلق تلك الاجسام‏ (2) فيكون كخلق ساير الاشياء التى خلقها و لا يصلح للتناول و مع هذا كلّه فنقول ان ما ذكر انما يدل على اباحة التناول بقدر ما يتوقف عليه معرفة طعمه لا مط الا ان يتمسّك بالاجماع المركب و ايضا فانما يتم فيما يتحقق فيه طعم لا فى مثل الذهب و الفضة و الرّصاص و النحاس فيجوز ان يكون خلقها لمحض الاجتناب و تحصيل الثواب و ظاهر ان دعاء النفس اليها لا يتوقف على استعمالها هذا و انت خبير بان اكثر هذه الايرادات مما لا يخلو عن مدخولية و قد ذكر اكثرها الشيخ فى العدة و مع ذلك كله فالدليل المذكور غير تام و ان سبق العلامة فى ذكره غير واحد من الاوائل و قد يقرب من هذا الدليل من وجه ما ذكره غير واحد من المبيحين و هو ان اللّه تعالى خلق العبد و ما ينتفع به فالحكمة تقتضى الاباحة تحصيلا للمقص من خلقهما و الا كانا عبثا خاليا عن الحكمة و انه نقص و اورد عليه بانه لو تم لدل على اباحة اكثر الاشياء مما لا يقضى العقل فيه بالقبح فى جميع الاوقات حتى بعد ورود الشرع ايضا و قد يقرر بنحو آخر و هو انه تعالى خلق العبد و ما ينتفع به و لم يحرمه ايضا فيكون مباحا البتة لئلا يكون عبثا و بنحو آخر ايضا و هو انه تعالى خلق العبد و ما ينتفع به و الميل اليه فلو كان حراما لوجب عليه تعالى الاعلام بناء على لطفه تعالى و لما لم يقع منه تعالى الاعلام لوجب ان يكون مباحا فيدفع الايراد و التحقيق لو اريد فيما ذكر نفى احتمال القبح الواقعى و انبعاث الاباحة منه لورد عليه انه غير مستقيم جدا و لو اريد منه اثبات الاباحة فى مرحلة الظاهر و ان كان فى الواقع‏

على طبق القبح الواقعى لورد عليه ان اثبات ذلك لا يحتاج الى اخذ بعض الامور المذكورة فى الدليل‏

فى بيان أدلّة القائلين بالحظر

حجة الحاظر انه تصرف فى ملك الغير بغير اذنه فيحرم هذا و قد يجاب عنه تارة بانه مستلزم للتكليف بالمحال اذا فرض ضدّان لا ثالث لهما كالحركة و السّكون و اعترض عليه بانه خارج عن محل النزاع لكونه من قسم ما يستقل به العقل فاباحة احد الضدين ح مما يحكم به العقل حكما ابتدائيا واقعيّا على طبق العلة الواقعية فالحاكم بذلك لا يجوز كشف الشرع عن خلافه كما هو الشأن فى مستقلات العقل هذا و قد يقال ان خروجه عن محل النزاع من حيث دخوله فى الاضطراريات بناء على ان الكون المطلق الشامل لهما مما لا يمكن التعيش بدونه فكلّ واحد من نوعيه من حيث حصول الجنس فى ضمنه اضطرارى اذ الجنس منحصر فيهما و لا يمكن تحقق الجنس الا فى ضمنهما و فيه انه لو تم للزم اضطرارية جميع الافعال و لا يشد عنها شي‏ء لمكان اخذ القدر المشترك الضرورى بينهما و لا اقل من الحركة و السكون او الكون المطلق فالاختيارى ما يمكن التعيش بدونه بخصوصه و بعبارة اخرى ان كلّ مفهوم يمتنع الخلو عنه و لا يمكن التعيش منفصلا عنه اضطرارى و الافراد التى يمكن التعيش بدون خصوص كلّ منهما اختيارية فالاشكال وارد على الحاظر غير مندفع عنه اللّهم الا ان يتم الوجه الاول من كون ذلك من مستقلات العقل و اما توجيه كلام الحاضرين فى دفع الاشكال بان المراد ان كل شي‏ء يكون اضطراريا و لم يكن له فرد يقضى العقل فيه بحسن يكون مباحا البتة فلا يلزم مفسدة من لزوم اضطرارية جميع الاشياء اذ كل شي‏ء يكون اضطراريا و لم يكن له فرد حسن يزول الاضطرار به و يقع فيه الخلاف ان كان له فرد (3) لا يقضى العقل فيه و كل ما لا يكون له فرد كل فهو مباح و لا ضير فيه فمن التوجيهات الغير المستقيمة جدّا اذ فرض الاضطراريّة اما بالنظر

____________

(1) فيكون التناول‏

(2) و اما خلق الاجسام‏

(3) الى خصوصيات الافراد

146

و اما بالنّظر الى الكلى الضرورى القدر المشترك بين الافراد فالاول خارج عن الفرض و المثال و تعدية الاضطرارية فى الثانى من الكلى الى الأفراد يورث المحذور المذكور قطع و لا يدفعه ما ذكر فى التوجيه و بالجملة فلا فرق فيما قررنا بين ان يكون القدر المشترك مما يشمل جميع ما يقضى العقل فيه‏ (1) و بين ان يشمل القسمين او طائفة من كل واحد منهما فقد انصدع مما ذكر ان حجة الحاظر مما يرد عليه عويصة قضية الضدين و لا دافع بها الا ان يسلم ما ذكر من الوجه الاول من كون الاباحة فى امثال ما ذكر من مستقلات العقل خارجا عن النزاع من هذه الجهة و قد ينتصر حجة الحاظر و يدفع عنها العويصة و الاشكال بان الخصم لعله لا يساعد على كون السكون فعلا بل هو عدم فعل الحركة فلا يلزمه القول بالتكليف بالمحال بل يلزمه القول بحرمة الحركة على التعيين و نقل الكلام الى الكف الذى هو سبب السّكون و هو امر وجودى مدفوع بان الظاهر ان نزاعهم فى افعال الجوارح فقط بدليل ان حجتهم لا يساعد على تحريم التصرف فى نفسه و القول بانه ايضا ملك الغير فحرم عليه التصرف فى نفسه و لو باحداث الكف فيها بعيد هذا و انت بعد امعان نظرك فيه تطلع على ما فيه من المصادرات من وجوه كثيرة ثم اعلم ان العويصة الواردة على حجة الحاظر بفرض امرين لا واسطة بينهما و هو معنى الخلو او ثلاثة امور كل و اربعة امور و لعل هذا هو مراد من عبر بضدّين لا ثالث لهما بان يكون المراد بالضدين مما النقيضان و يكون لا ثالث لهما قرينة على ذلك لا قيدا بعد قيد حتى يكون المقام مغنيا عن لفظ الضدين و هذا و ان كان على خلاف اصطلاح اهل الكلام إلّا انه لا بد من اعتباره فى المقام و الا لزم بحث ان اعتبار التضاد ما له الى منع الجمع و يكفى هاهنا مع الخلو المستفاد من فرض انه لا ثالث لهما على ان اعتبار التضاد لا يحتاج فيه الى قيد لا ثالث لهما و احتمال انه لو وجد لهما ثالث لجاز تركهما جميعا اشتغالا بالثالث فلا يلزم التكليف بالمحال مدفوع بان الثالث ايضا يكون حراما يجب تركه و احتمال كون الثالث مما يدرك فيه حسن بالخصوص بعيد مع ان هذا يجرى فى احد الضدين ايضا و كيف كان فورود العويصة على الحجة المذكورة بين الا ان يسلم كون امثال ما ذكر من مستقلات العقل او التزام الحاظر القول بالتفصيل و الاول دون اثباته خرط القتاد و الثانى مما لم يعهد و قد يجاب عن الحجة المذكورة بان استقلال العقل بكون الاشياء ملك اللّه تعالى اول الكلام ثم بعد الاغضاء عن ذلك حكمه بحرمة التصرف فى ملك الغير بغير اذنه هو مثله على انه لو سلم فانما يسلم فى ملك من يلحقه الضّرر بالتصرف لا مط و لو سلم مط فهو معارض بما فى المنع من الضرر الناجز على النفس و ليس تحمله لدفع ضرر الخوف اولى من العكس و اشدية الضّرر المخوف معارضة بتنجز الضّرر الآخر و تحققه هذا و انت خبير بما فيه فان استقلال العقل فى كون الاشياء ملكا للّه تعالى و كونه تعالى مالكا حقيقيّا مما لا ينكر على ان ذلك الكلام لا يتمشى بعد الشرع و ما بعده من الكلام لا يصير الا منعا محضا و لا يعد مما يلزم به الخصم و ما بعده بين السخافة لان الخصم ما اناط الامر فى الحجة على الضرر و عدمه بل على الاذن‏ (2) و قد يحرم التصرف لمكان التعدى و التجرى و مع الضرر و قد لا يحرم لمكان الاذن و قضية المعارضة المذكورة عجيبة لو اريد من الضرر الناجز حرمان النفس عن اللذات و الشهوات اذ فتح هذا الباب غير جائز عند العقل القاطع جدّا خصوصا اذا رجح دفع الضرر الناجز بتحققه على المعارض المذكور لان هذا يفضى الى اعتذار ذوى الملكات التامة فى الشرور و السّيئات بالاستبداد بالملك و السّلطنة و التغلب فى البلاد (3) و الفوز بوصال البغايا و شرب المسكرات بالنغمات و لو كان هذا بعد ورود الشرع و ان كان الفاعل ممن اذعن بالاديان و الشرائع فان قطعية العذاب و الهوان على ذلك مع عدم التوبة و معها باب احتمال العفو مفتوح و بالجملة فلا ريب ان المعتذر بذلك كذلك لذلك ملوم مدحور خاسر و خائب عند العقل قطع و ليس هذا الا لحكمه بترجيح دفع الضرر المحتمل الاخروى على معارضة الناجز المحقق و لو اريد منه غير ذلك اى لم يؤخذ فى حدّه حرمان‏

النفس بل يكون المراد به الضّرر الدنيوى فلا يسلم ح التنجز و التحقق فضرر تحمله ايضا غير قطعى فلا يتاتى الترجيح بكونه مقطوعا به دون ضرر و الخوف و لعل من يضر للحاظر و ايّد قوله بقوله انما نمنع كون صورة الضّرر الناجز مما لا يقضى العقل فيها بحسن و لا قبح ليندرج تحت النزاع اراد هذا بل لا بد من تعيّنه فى هذا الانتصار و الا لزم طرح هذا الانتصار من اصله لاستلزامه جميع الصور او اكثرها خارجا عن محل النزاع و هذا كما ترى مما لا يرضى به احد فهو يريد ان تحقق النظر الناجز لا يعمّ التحمل عن جميع الاشياء و ما يتحقق فيه ذلك غير مسلم دخوله تحت النزاع لجواز قضاء العقل فيه بحكم خاص و من هنا انقدح ان الايراد على هذا الانتصار بانّه اذا ثبت انّ تحمل الضرر الناجز مما يحكم فيه العقل بالقبح تم المعارضة لانه اذا كان الصّبر على الضرر الناجز حراما قبيحا عند العقل كان التصرف واجبا فلم يكن حراما و ذلك لان الوجوب ينافى التحريم سواء كان الوجوب و الحرمة من جنس واحد مما حكم فيه العقل بعينه بشي‏ء او لا على ان هذا مما كان مشترك الورود اذ لقائل ان يمنع كون التصرف فى ملك الغير مما لا يحكم فيه العقل بحسن و لا قبح فيخرج عن محل النزاع من الايرادات الواهية كالايراد عليه بانّ الظاهر انّ اكل الفواكه من صور النزاع ايضا و التقريب فيه توجيها و ردّا ظاهر و بالجملة انّ ما ذكر فى هذا الجواب عن حجة الحاظر مما لا يدفع به الحجة قطع اللّهم الا ان يؤخذ فيه قضية احتمال الضّرر الاخروى بحسب الترك ايضا فح يتقى بعض ما فى الجواب بعد تعارض الاحتمالين بالنسبة الى الضرر الاخروى سليما عن المعارض فت و استدل ايضا على الحظر كما حكاه عن الاكثر فى العدة بانا قد علمنا ان التحرز عن المضار واجب فى العقول و اذا كان ذلك واجبا لم يحسن منا

____________

(1) و بين أن يكون مما يشمل جميع ما لا يقضى العقل فيه‏

(2) و عدم الاذن‏

(3) و قتل العباد

147

ان تقدم على تناول ما لا نأمن ان يكون سمّا قاتلا فيؤدى الى العطب لانا لا نفرق بين ما هو سمّ و ما هو غذاء و انما تنتظر فى ذلك اعلام اللّه تعالى لنا ما هو غذاؤنا و الفرق بينه و بين السموم القاتلة هذا و انت خبير بغاية ضعفه لانه غير ناهض لاتمام المدّعى على سبيل الشمول و العموميّة اذ هو مختصّ بمثل ذات الطعوم من الاعيان الخارجية اللهم الا ان يخصّ النزاع به و هو كما ترى او يعم المط بعدم القائل بالفصل على ان الكلام فى الخالى عن امارة المفسدة إلّا ان يقال ان ما ذكر فى هذه الحجة يعم الكل و هو فى محله و مع هذا فنقول ان طرق العلم بعدم المضرة فى اكثر الاشياء غير منسدة بل هى مفتوحة جدّا بالتجربة و لو جهلا بالحكم العقلى او خطا فيه مرة بعد مرة من غير واحد من ذوى العقول بل ممن يمنع العقل تواطؤهم على الكذب و استدل ايضا بان الحكم بالاباحة انما يصح لو علمنا انه مما لا مفسدة فيه للعبد و ضعفه ابين و قد مر فى تضاعيف ما قدمنا ما يرده من وجوه و استدل ايضا بانه لا شك ان هذا الفعل يحتمل ان يكون مشتملا على مفسدة او ضرر و ارتكاب ما يحملهما قبيح و حرام و يظهر الجواب عنه مما فيه من الاحتمالات العديدة مما تقدّم و قد يجاب ايضا بمنع قبح ارتكاب ما يحتمل الضرر و لو سلم فلا نم قبحه بحيث يصل حد الحرمة و لو سلم فانما هو اذا لم يكن له نفع منجز مقطوع به سيّما اذا احتمل منافع اخرى و سيّما اذا اجتمعت العقول على عدم ادراك جهة قبحه هذا و هو لا يخلو عن شي‏ء فت‏

فى بيان أدلة القائلين بالتوقف‏

حجة الواقف‏ تعارض ادلة الطرفين و بطلانها و عدم الظفر بدليل آخر و الجواب عنه واضح و اعلم انه قد علم فيما سبق المعنى المراد بالوقف و علم الاحتمالات المتصورة و الاقوال المنتسبة الى المعتزلة و غيرهم فيه لكن بقى فى المقام ما لا بد من الاشارة اليه و هو ان الشيخ بعد اختياره فى العدة انتسابه الى شيخه المفيد ايضا ذكر دليلا على مختاره و هو ان الاقدام على ما لا يأمن المكلف كونه قبيحا مثل اقدامه على ما يعلم قبحه و اسهب الكلام نقضا و ابراما (1) ثم زعم تمامية و خلوصه عن كونه مخرا للايرادات و المناقشات و هذا فى الحقيقة هو الحكم بالخطر فى مرحلة الظاهر فيكشف عن ان وقفه انما كان بالنسبة الى الحكم الواقعى المعلل عن الحسن و القبح الواقعيّين فيكون هذا شاهد بكون ما يقابله من القولين الآخرين فى الحكم الواقعى لان الاقوال فى مسئلة واحدة انما تجتمع على موضوع و محل واحد و هذا كما ترى ينافى ما بنينا الامر عليه من ان النزاع فى الحكم الظاهرى و يوافق ما عليه المحقق الثالث من كونه فى الحكم الواقعى بل هذا مما يستفاد من كلام الشيخ فى مواضع عديدة و مع هذا كله فالحق هو ما اشرنا اليه من ان النزاع انما هو فى الحكم الظاهرى غاية ما فى الباب كلام الشيخ لا يساعدنا و لا ضير فيه بعد اتضاح الحال مع انه يمكن ان يرجع كلام الشيخ الى ما لا ينافى ما حققنا و قد صرّح بعض الافاضل بان كلام الشيخ فى العدّة صريح بكون المراد بالاباحة و الخطر عند القائلين بهما ما هو فى مرحلة الظاهر الا ان هذا عجيب ثم ان بعض المعاصرين قد ذكر فى المقام امرا غريبا حيث زعم بطلان ادلة المبيح و الحاظر و اختار لاجل ذلك القول بالوقف قائلا و لكن لا يقول بوجوب الاجتناب لاجل ان الاقدام على ما لا يأمن المكلف كونه قبيحا مثل اقدامه على ما لم يعلم قبحه كما قاله المتوقفون لمنع ذلك بل نقول بحكم العقل باولوية الاجتناب كما يظهر من مثال الدود و النبات و المراد بالتوقف كما اشير اليه التوقف فى ان الفعل الذى لا يدرك العقل جهة حسنه او قبحه و له منفعة حال كونه متصفا بهذا الوصف هل حسن فى الواقع او لا و ان لم يعلم حاله من الحسن و القبح و عدمها بخصوصه او مع قطع النظر عن ذلك الوصف فالمراد بالحكم الثابت او المتوقف هو الحكم الواقعى العقلى و لكن للفعل المتصف بالوصف المذكور من حيث انه متّصف به نظير ما لا نص فيه فى الشرع هذا و انت خبير بما فيه اذ ليس هذا من التوقف فى شي‏ء بل هو فى الحقيقة قول بالاباحة و لعل القائلين بالاباحة لا يضايقون عن القول بحسن الاحتياط حسنا ندبيّا و كراهة الارتكاب كراهة تنزيهية عند العقل فالمراد بالاباحة المعنى الشامل للكراهة و يكشف عن ذلك ان حسن الاخذ بالاوثق و الاخرم عند اختلاف الاقوال فى المسألة اى حسنا ندبيا و تطوعيا مما لا شك و لا خلاف فيه و العجب منه حيث ابطل الادلة و اثبت ذلك فاذا زعم بطلان ادلة الاباحة فاىّ شي‏ء يبقى لاثبات مثل هذا النوع من الاباحة حتى يستند اليه و مع هذا فلو تم تنظيره بالدود و النبات لكان ذلك مما يدل على لزوم الاجتناب لا على اولويته ثم نسبة الاباحة الواقعية الى المبيح و الخطر الواقعى الى الحاظر مما بين ضعفه و فساده فت‏ حجة من قال انه لا حكم فيما لا يقضى العقل فيه بحسن و لا قبح ان المفروض ان الشرع لم يرد فيه و انه مما لا يقضى العقل فيه فالحكم بالاباحة او الحظر يستلزم القول بالتناقض هذا و انت خبير بان نفى الحكم من اصله بمعنى ان لا يكون حكم اصلا لا عند العقل و لا عند الشارع ينافى ما عليه الاشاعرة من اثبات الكلام النفسى و قدم الاحكام اللهم الا ان يرجع النفى الى التعلق الحادث على زعمهم فى ذلك و هذا كما ترى من البعد فان الظاهر من كلامهم رجوع النفى الى نفس الحكم و ليس التعلق نفس الحكم ثم ان كلامهم لا حكم للعقل فى الاشياء التى فيها منفعة مما لا يستقل به العقل و ان كان لا ينافى على وجه مماشاتهم و تنزلهم مع العدلية الا ان بعض كلماتهم فى مقام الاستدلال ينافى المماشاة و التنزل و كيف كان فبطلان ما ذكروه غنى البيان لان النفى فى مرحلة الواقع لا يلازم النفى فى مرحلة الظاهر فلا تناقض و لا تدافع فى البين على‏

ان قولهم لا حكم نوع من الحكم و قد التفت اليه الرازى بل قد صرح انه مما طعنوا به عند الفريقين من المبيحين و الحاظرين حيث قال احتج الفريقان على افساد قولنا انه لا حكم بوجهين الاول ان قولكم لا حكم هذا حكم بعدم الحكم و الجمع بين اثبات الحكم و عدمه متناقض و الثانى ان هذه التصرفات اما ان تكون ممنوعة عنها فتكون‏

____________

(1) فى ذلك‏

148

فتكون على الحظر او لا تكون فتكون على الاباحة و لا واسطة بين النفى و الاثبات ثم اجاب بانه لا تناقض فى الاخبار عن عدم الاباحة و الحظر و بان مرادنا بالوقف انا لا نعلم ان الحكم هو الحظر او الاباحة و ان فسرناه بالعلم بعدم الحكم هذا و انت خبير بما فيه من التخليط بين القول بالوقف و بين القول بانه لا حكم و الفرق بينهما فى غاية الاتضاح كما حققنا فيما سبق‏ تذنيب‏ اعلم ان جمعا من الاصوليين قد صرحوا بكون النزاع فى هذه المسألة فى الاشياء التى فيها امارة المنفعة و منهم الشيخ فى العدة و المستفاد منه فيها و جم من الافاضل انّ عقد هذه المسألة فى ذلك القسم و الظاهر ان من اطلق الكلام فى العنوان كالحاجبى و العضدى مراده كمراد معتبرا لقيد المذكور و كيف لا و الرازى من الاشاعرة قد صرح بالقيد المذكور ثم المراد بالمنفعة فى كلماتهم ما يعد منفعة عرفا و عادة و مما يلتذ به النفس غالبا و يميل اليه افراد الانسان و تشتهيه هذا و اما ما صدر عن بعض المعاصرين من قوله و كانهم اخذ و القيد المذكور من الحجة المعروفة للقائلين بالاباحة حيث اعتبروا فى الفعل اشتماله على المنفعة و الاقرب عندى ان يحمل المنفعة الماخوذة على منفعة ما اعنى موافقة القصد و الداعى سواء سميت عرفا منفعة او لا و مرجعها الى ما يمتنع بدونه صدور الفعل الاختيارى و بهذا يحصل التوفيق بين الدليل و العنوان و حمل كلام المعتبرين لهذا القيد فى العنوان على ذلك تعسف واضح و ربما يؤيد ما ذكرنا انه لو لا عموم العنوان لكان من المناسب او اللازم ان يبحثوا عن القسم الآخر ايضا مع انهم لم يتعرّضوا له فمما لا وقع له ظاهرا لأن كلام الاكثر على القيد المذكور و ليس هذا لمحض الحجة المعروفة بل لان هذا كان معقدا لنزاع بين الأوائل فالتوفيق بين الدليل و العنوان سليم عن تطرق الخدشة و حمل المنفعة على ما ذكر مما لا يصدر عن الخبير كيف و قيد الاختيارى فى المقسم مغن عن ذلك و التاييد المذكور استحسان محض لا يصار اليه و لا يستبعد تركهم النزاع فى غير ما ذكر لاجل الاحالة على الظهور او عدم الاهتمام بشانه لعدم مس الحاجة اليه كثيرا و كيف كان فاقول ان الحكم بالاباحة فى الصورة الخالية عن الامارتين مما يعطيه بعض ما قدمنا بل لاستبعاد فى الاستدلال عليه بالآية الشريفة ايضا من النهج الذى قررنا و اما صورة ما اشتمل على الامارتين من جهتين فمحل نظر عندى و لا يبعد دعوى الحظرية فيها و قد كان بعض مشايخنا (ره) يرى فيها ايضا الاباحة و يجرى ما لها فيها حتى الدية و هذا كما ترى الا ان يخرج المفسدة عن ظاهرها و يرادها غير ما يئول الى المضرة البدنية الى افراد الانسان كما يظهر لك مثاله فى الصورة الآتية و هى صورة ما خلا عن المصلحة و المنفعة مع وجود امارة المفسدة مثل ان يجز رءوس الطيور و الانعام لا لاجل الانتفاع بها بل لاجل الهوى و مجرد اتباع النفس و ان ترتب عليه المصالح و المنافع بعد ذلك فان التعويل على المنفعة المنظورة حين اتيان الفعل و كيف كان فالاصل فى تلك الصورة هو الخطر و بالجملة هذا اجمال الكلام و لتفصيل الكلام مقام آخر

الرابع: فى بيان ثمرة النزاع فى المسألة

المقام الرابع‏ فى بيان ثمرة هذا النزاع فاقول و ثمرة النزاع غير عزيزة و غير خفيّة بل كلّما ذكرنا فى اثبات التلازم و التطابق و ثمراته يجرى هنا اذ لا فرق بين الحكم العقلى الواقعى و الحكم العقلى الظاهرى بالنسبة الى ذلك و قد عرفت ان الفرق بينهما انما هو بالنسبة الى نزاع ذاتية الحسن او القبح و ما يقابلها ثم ان للمحقق الثالث فى المقام كلاما و فى تحقيق الحال مراما و هو بعد ابتناء امره على الاباحة الواقعية قال فى آخر كلامه ما حاصله ان الحكم بكون ما فى محل النزاع مباحا او محظورا و مما يستقل به العقل انما يتم لو كان ذلك مثل قبح الظلم و العدوان و حسن الاحسان و ليس كل لعدم دليل قطعى عقلى على ذلك و غيره لا يصير دليلا للشرع بالخصوص و دعوى قطعيته من حيث كون التصرف فى ملك الغير غير مانع عن ذلك و ان كان يمكن لكن دعوى عدم مضرة و مفسدة اخرى محتملة لاتسع بعد ورود الشرع و كشفه خلاف الاصل فى المواضع الكثيرة فالاعتماد ح على الظنيات من استصحاب الاباحة او استصحاب عدم النهى او الظنّ الحاصل بملاحظة انه منفعة فلم يكن مما يحكم به العقل بالقطع نعم لما كان العمل بظن المجتهد مما يستقل به العقل بالقطع و انحصار المناص فى الظنّ كان ذلك مما يستقل به العقل من هذه الجهة لكونه من جزئياته و كذا الكلام فى الاستصحاب و اصل البراءة لكن يمكن ان يقال اثبات حجية ظن المجتهد لا دخل فى الادلة التى هى موضوع العلم بل هو يشبه المسائل الكلامية نعم يمكن ان يقال ظن المجتهد كما يحصل من الادلة اللفظية كذا يحصل من الادلة العقلية فلزوم الاتباع من جهة ظن الضّرر بالمخالفة و كذا الكلام فى الاستصحاب و البراءة و هذا هو معنى انتساب هذه الامور الى العقل و هذا بعد ملاحظة الحكمين القطعيّين للعقل من لزوم دفع الضرر المظنون و قبح التكليف بما لا يطاق و من هنا يظهر الامتياز بين الادلة اذ بعضها يفيد الظن من جهة انه كلام الشارع و بعضها من جهة حكم العقل و لو كان حكما ظنيا هذا خلاصة مرامه و انت خبير بان ظاهره مما يمكن ان يناقش فيه من وجوه من وجه عبّره ما نحن فيه من قبيل الظلم و الاحسان قبل ورود الشرع مع انه ليس الامر كل لما عرفت من الفرق بينهما بالواقعية و الظاهرية و من وجه دعوى قطعية بطلان الدليل المذكور للحظر لا يوجب القطع بالاباحة و من وجه قضية احتمال المفسدة اذ لو اريد منه ما ينبعث منه العقاب و العذاب فهو ليس فى محله و ان اريد منه القبح الواقعى فهو فى محلّه إلّا انه لا يضر كما عرفت و من وجه حديث حصول الظن لاجل الاستصحابين المذكورين اذ ما يفيد الظن ح يكون هو الاستصحاب لاصل الاباحة كما لا يخفى و من وجه عده الاباحة

149

من جزئيات العمل بظن المجتهد اذ هذا لا معنى له الا على تاويل و من وجه انه لو تم ما ذكر لزم ان يكون جل الادلة لو لم نقل الكل من جملة ما يستقل به العقل و كيف بذا و بالجملة فبعد ورود الشرع ايضا الاصل المذكور مما يفيد القطع و ما ذكره من الحكمين العقليّين لا ينفك عن الاصل و ليس فى المقام شيئان شي‏ء واحد يفيد الظن بالحكم و شي‏ء يثبت حجيته بل شي‏ء واحد و هو القطع بالحكم و ان كان بملاحظة ما ذكره او غيره فت و قد اورد عليه بعض المعاصرين ايضا جملة من الايرادات منها المراد بالاباحة الاباحة الظاهرية و القطع بها حاصل و لو بعد الشرع و الاباحة الواقعية ليست مقطوعا بها بل مظنونا بها حتى قبل الشرع و من ان الاستناد الى العمل باصل الاباحة الى دفع الضرر المظنون ليس فى محله لأن ذلك لا يشمل على ظن ضرر لا فى الفعل و لا فى الترك حتى يلتزم البناء عليه و من ان نفى ظن المجتهد عن الادلة الشرعيّة او مما له مدخلية فيها ليس فى مخره و كيف لا فان كثيرا من الادلة انما يقول بحجيته من حيث قيام الحجة على حجية ظن المجتهد و من انه لم يعد مسائل الاجتهاد و التقليد من مسائل الفنّ و ليس كذلك بل هى منها اذ ليس موضوع الفنّ ادلة الفقه خاصة بل هى مع الاجتهاد و التقليد و التعادل و التراجيح و من انه فرق بين الجوابين و اورد الاشكال بالنسبة الى واحد دون واحد مع انه لا محصّل للفرق هذا خلاصة مرامه و انت خبير بان اول ايراداته مما فى محله و اما ثانيها فمردود جدّا اذ كلام المحقق الثالث قرائن على ان ظن الضرر انما هو فى المخالفة من حيث الحكم لا من حيث العمل و هكذا الثالث لان حجية ظن المجتهد و ان بينت عليها حجية اكثر الادلة عنده إلّا انه فرق بين بين مقام الدليلية و بين الحجّية و صحة التعويل فلا يلزم مثبت الحجّية من نسخ الدليل و مما له مدخلية فيه من هذه الجهة و قضية عده الاجتهاد و التعادل من الموضوع لا يؤاخذ بمثلها مثل المحقق الثالث كما لا يخفى ثم ان حديث الفرق مما هو بيّن لان على البناء على اعتبار اثبات حجية ظن المجتهد يخرج اصل الاباحة من مسائل هذا الفن بناء على ما عنده من عدم كونه من وظايف الفن بخلاف ما بنى الامر على قاعدة دفع الضرر المظنون اذ يصير التعويل ح على الادلة الظنيّة العقلية على اعتباره الدليل العقلى القطعى الذى هو من وظايف الفن و قال السّيد الصدر الذين فى المقام كلاما و هو ان من اسس هذا الاساس هم المعتزلة بناء على ما هم عليه من التّطابق و التلازم فاحتاجوا اليه لما هو المقرر عندهم من خلو بعض الوقائع من الحكم المختصّ به فان قلت لا يحتاجون الى هذا الاصل حتى على ما هم عليه من الخلق المذكور لان النبى (ص) بين حكم ما لا يستقل به العقل و لم يرد فيه نص قلت قد يحصل الغفلة عن النصوص الواردة فيه او انها تفيد الظن لعدم تواترها و ظنية دلالتها بخلاف العقل هذا و انت خبير بان كلامه ايضا كالظاهر فى ان المراد بالحكم هو الحكم الظاهرى فاذا عرفت هذا فاعلم ان المحقق الثالث (ره) بحكمه بالحكم العقل القطعى الواقعى قبل ورود الشرع و الحكم الظنى بعد ورود الشرع فى فسحة و مندوحة من العويصة و الاشكال فى المقام و هو ان مقتضى الحكم بالحكم العقلى القطعى فى مرحلة الظاهر عدم جواز تخصيص هذا الاصل بعد ورود الشرع بالظنيات سيّما بما اختلف فى حجّية لان الدليل الظنى لا يقاوم لمعارضة القطعى و لو كان التعارض من تعارض الخاص العام و المقيّد المطلق و هذه العويصة كما ترى لا يرد على المحقق الثالث بل على ما اخترنا اللّهم الا ان نقول ان الحكم بالاباحة فى مرحلة الظاهر على سبيل القطع انما كان على سبيل ما لم يرد من الشرع شي‏ء و لو كان مما يفيد الظن لا على سبيل الاطلاق فيندفع الاشكال فلا ضير فى التخصيص بالظنى ح فت

باب: فى اصالة البراءة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه رب العالمين و الصّلاة و السّلام على محمد و آله الطيّبين الطاهرين‏

خزينة: فى أصالة البراءة

خزينة فى بيان الاصل المعروف بين الاصوليين باصل البراءة و يقع الكلام فيه فى مقامات و قبل الخوض فيها

و فيها مقدمات:

لا بد من تمهيد مقدمات ليتبين بها مبانى المسألة

المقدمة الاولى: فى اطلاقات الأصل و المعانى التى استعمل فيها

المقدّمة الاولى‏ فى الاشارة الى اطلاقات الاصل و المعانى التى استعمل هو فيها و يقال الاصل كذا و كذا و يضاف اليها الاصالة فيقال لاصالة كذا و كذا فهى كثيرة منها اصالة عدم الشي‏ء الحادث و منها اصالة عدم تقدم الحادث المعبر عنها كثيرا باصالة التاخر و منها اصالة نفى وجوب فعل وجودى الى ان يثبت دليله و منها نفى التحريم فى فعل وجودى كل و منها نفى تخصيص العام الى ان يثبت المخصّص و منها نفى تقييد المطلق الى ان يثبت المقيد و منها نفى النسخ فما من ذلك القبيل من الاصول مما يتعلّق بالالفاظ فى غاية الكثرة مثل نفى الاشتراك و المجاز و الاضمار و الحذف و القرينة و نحو ذلك و منها نفى الاشتراط بشرط مختلف فيه الى ان يثبت و منها نفى مطلق الحكم الى ان يثبت دليله و منها تغير الحكم الشرعى فى الحالة السابقة و هو المسمّى بالاستصحاب فى نفس الحكم الشرعى اثباتا و نفيا و منها نفى تغير الحالة السابقة الى ان يثبت تغيرها و هو المسمّى بالاستصحاب فى غير نفس الحكم الشرعى اى الموضوع‏

150

اى الموضوع اثباتا و نفيا ايضا و منها اصالة عدم الدليل المعبّر عنها بدليل العدم و منها اصالة الاخذ بالاقل حين دوران الامر بينه و بين الاكثر و منها اصالة الطهارة و منها اصالة الحلية و منها القاعدة مط و منها الحالة الراجحة و منها الدليل كالبرهان و الكتاب و السنة و منها الكتاب المعتمد كما يقال اصل حريز و محمد بن مسلم فمرجع الكل الى الاصول الاربعة من الدليل و الراجح و الاستصحاب و القاعدة لكن الاكثر منها انما يرجع الى الاخيرين و ذلك اما بالتوسيط بان يكون تحت اعمّ منه يكون هو تحت احد الاربعة (1) السابقة و عدم اختصاص الاول بشي‏ء منها فكذا يظهر الفرق بين توسيط شي‏ء فى البين بان يكون احد الاربعة هو اوّل اعمّ بالنسبة اليه ثم ان القاعدة قد ترسل و تطلق بمعنى انّها لا تقيّد بالاولية و الثانوية و هذا فيما يقيد بقاعدة اخرى واردة عليها ورود الخاص على العام و ان قيدت بما ليس فيه ضابط و قاعدة اخرى و اكثر القواعد من ذلك القبيل مثل اصالة الحيضية و النفاسيّة فى دماء النساء و قاعدة قصر الحكم على مدلول اللفظ و عدم السراية عنه فانها خصّصت بالسراية فى العتق و صوم اول النهار و قاعدة عدم تحمل الانسان عن غيره تكليفا من التكاليف فخصصت بتحمل الولى عن الميت الصّلاة و الصوم و الاعتكاف و قاعدة انه لا يملك احد اجبار غيره على النكاح فخصّصت بجواز اجبار السّيد العبد و الامة عليه و قاعدة عدم التداخل فى الاسباب و التولد فى الميراث النسبى و الانعام بالعتق فى السبى و ارتباط الاحكام التابعة لمسميات بحصول تمام المسميات و قاعدة السّلامة من العيب فى المبيع و قاعدة سببيّة اليد و الضمان بها و قاعدة الفراش و قاعدة الضمان بالعقد الفاسد اذا كان صحيحه مما يوجبه و عدمه بعدم ذلك و غير ذلك من القواعد التى لا يمكن احصائها و قد تقيد بالاولية نظرا الى ما فى قبالها من القاعدة الاخرى الواردة عليها كما تقيد الواردة بالثانوية و ذلك كاصالة الصّحة و اللزوم فى البيع مثلا و اصالة القدرة على التسليم فى المبيع و اصالة عدم جواز الغرر و الجهالة فى الثمن و المثمن فالاوليان من الاوليات كما ان الاخريان من الثانويات و قد يكون ما من الثانويات بما فى قبالها من قاعدة اخرى بمنزلة الاوليات بورودها عليها و ذلك كما فى ورود قاعدة انه يغتفر فى الثوانى ما لا يغتفر فى الأوائل على قاعدة عدم جواز الغرر و الجهالة فى المبيع ثم ان كل يمكن ارجاعه الى الاستصحاب يمكن ارجاعه الى القاعدة بخلاف العكس فان اكثر القواعد مما لا يمكن ارجاعه الى الاستصحاب ثم ان بعضا مما يرجع الى القاعدة و الاستصحاب مما يمكن ارجاعه الى الراجح و المراد بالراجح ما يترجح و يظهر عند العقل لا بالنظر الى استحسانه العقل بل بالنظر الى الظّهور فى تحققه فى الخارج و وجوده و قد يكون الرجحان عنده بالنظر الى الدليل الدال عليه فيكون الاظهرية من هذه الجهة فلا يلاحظ ح الظهور المستند الى امر آخر من الغلبة فى الوجود و العادة و الاستقراء لكن الاول هو المتبادر من الراجح و الثمرة بين المعنيين غير خفية اذ الفرق بينهما فى غاية الظهور ثم ان ما يتعين ارجاعه الى الدليل فهو الكتاب المعتمد من الكتب المعتبرة و الاصول المعروفة للاصحاب و هذا واضح ثم ليس كلما يرجع الى القاعدة مما يمكن ارجاعه الى الدليل لان الدليل قد عرفت انه ما يمكن التوصل به بصحيح النظر الى مطلوب خبرى فليس اكثر القواعد من هذا القبيل فان قاعدة الصّحة و اللزوم فى العقود مثلا انما تنطبقان على ما هو من محارهما و مجاريهما انطباق الكلىّ على الجزئيات و الافراد لكن ذاك ليس من الدّليل على الحكم الشرعى فى شي‏ء بل الدليل هو قوله تعالى‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و نحوه نعم ان ما يمكن ارجاعه الى الاستصحاب يمكن ارجاعه الى الدليل من وجه فيما كان فى الحكم الشرعى لا فى طريقه و موضوعه اثباتا و نفيا و الراجح يمكن ان يرجع بعض ما يرجع اليه الى الدليل و الحكم باطراد الارجاع لا يتمشى الا على القول بحجية الظن مطلقا او عدم دليلية ما لا يفيد الظن و من هنا ينقدح كون صلوح جملة منها مصاديق الاربعة ففى بعض المواضع يكون الاصل مما يصحّ ان يعمل على الاربعة و فى بعض المواضع‏

____________

(1) اى تحت داخل الداخل فيه و هكذا؟؟؟